أبحاث

حنّة آرنت في دمشق… أو نزع السحر عن الشر/ ماهر مسعود

عندما نشرت حنة آرنت كتابها “أيخمان في القدس: تقرير عن تفاهة الشر“، عام 1963، الذي يتضمن سلسلة مقالات كتبتها لمجلة نيويوركر الأميركية، بعد حضورها جميع جلسات المحاكمة الشهيرة لأدولف أيخمان في القدس؛ كان أكثر من ثار غضبه ضدها هو المجتمع اليهودي ذاته، داخل “إسرائيل” وخارجها، حيث تمت مقاطعتها في “إسرائيل”، ومهاجمتها حتى من أقرب أصدقائها اليهود، وقد تعددت الاتهامات السياسية والأكاديمية والثقافية لها، ابتداء من اتهامها بالنسبية الأخلاقية، وصولًا إلى معاداة الصهيونية وكره الذات اليهودية وتبرير المحرقة، ولم تُترجَم كتاباتها إلى العبرية حتى نهايات القرن الماضي.

الجانب الصادم، الذي ما زال يُساء فهمه حتى اليوم، في مصطلح “تفاهة الشر“، وهو الاصطلاح الذي تجاوزت فيه آرنت بشكل نهائي اصطلاح “الشر الجذري” الذي اعتمدته في كتابها السابق “أصول التوتاليتارية”، هو أن فكرة تفاهة الشر تتعارض مع المظلومية اليهودية/ الإسرائيلية التي أرادت تصوير النازية، بكل فرد من أفرادها، بوصفها تمثيلًا للشر الجذري، الجوهري والمطلق، الشرّ العبقري والمبدع في شريّته، وفي المحصّلة، الشر الفريد والمتعالي والمفارق للطبيعة الإنسانية. وعبر تصوير الشر النازي على ذلك النحو الجوهري؛ ينتقل اليهود الناجون بالمقابل إلى تمثيل العكس، الخير المطلق والمتعالي والجوهري، ويتحولون إلى مجرّد ضحايا غير فاعلين، ولا يمكن نقدهم مهما فعلوا، فالشر ليس من طبيعتهم، بل هو ما مورس أو يُمارس عليهم من قبل أعدائهم.

تلك المظلومية التي نجحت السياسة الإسرائيلية في تعويمها، وفي الاستفادة منها إلى أقصى الحدود، لم تجعل القتل والتهجير والاحتلال والألم الفلسطيني غير مرئي فحسب؛ حيث إن من يقتُلهم هو ممثل للخير وضحية أصلًا، ولم تُسهّل اتهام ومحاكمة كل منتقد لإسرائيل بتهمة معاداة السامية فحسب، بل هي مظلومية غير منصفة لضحايا المحرقة اليهود أنفسهم، فلا يمكن إنصاف الضحية بأن تتحول إلى قاتل مثل من قتلها، وتوزع إجرامك على أناس لم يكن لهم علاقة أصلًا بالجريمة الأصلية.

مصطلح “تفاهة الشر“، هو أولًا أخطر من الشرّ الجذري والجوهري، فالشرّ التافه هو شرٌّ مخيف أكثر ألف مرة من الشر الجذري والأصيل؛ لأنه بالضبط شرّ اعتيادي، يقوم به أناس عاديون، تافهون، طيّبون، موظفون، مثل أيخمان، أناس يخافون من التفكير بأنفسهم على نحو مستقل، أناس انصهروا في البنية الكلية للنظام التوتاليتاري، لجهاز الدولة، يبحثون عن رضى جماعتهم أو قادتهم، ويبحثون عن الترقي الاجتماعي أو الإداري أو السياسي أو الاقتصادي.

تسمّي آرنت تلك العملية التي تنتج “تفاهة الشر” الإرهاب المنهجي “systematic terrorism”؛ لأن الناس -ضمن نظام الشر التافه- يمارسون الشر بوصفه خيرًا، يتطبعون على ممارسة الشر وكأنه طعام يومي، فيصبح قتلُ الآخر، الذي تمت شيطنته ورُفعت الصفة الإنسانية عنه، مسألةً بسيطةً بل خيّرة، ولصالح خير الجماعة التي ينتسب إليها مرتكبُ الشر.

الجانب الثاني لمصطلح “تفاهة الشر” الذي استخدمته آرنت هو أنه يضع النازية في سياقها، السياق التاريخي؛ السياسي والفلسفي، الذي أنتجته الحداثة وعصر التنوير. الشيوعية والرأسمالية، الماركسية الستالينية، والفاشية والنازية القوميتان، هي منتجات الحداثة التي أفرزت ما تسميه آرنت “الإنسان الاقتصادي” أو “Economic man” أي الإنسان الذي يُعرَّف بوصفه إنسانًا، من خلال العمل “labor” الاقتصادي، وليس من خلال الفعل “action” السياسي، الإنسان المُبعَد والمفصول عن السياسة، ذلك الإنسان بالضبط هو الوقود الذي استخدمته الأنظمة التوتاليتارية، الشيوعية والرأسمالية، في أيديولوجياتها وحروبها ومجازرها، وهو المعبّر الأساسي عن تفاهة الشر الحاكم للسيستم بكامله، وهو ذاته في المحصلة الإنسانُ الذي ما زال يستخدمه نظام الأسد، في حربه الطويلة ضد السوريين.

في السياق السوري، يمكن الحديث مطولًا عن الشرّ والتعذيب الذي أنتجه نظام الأسدَين، كما فعل الصديق ياسين الحاج صالح، باستفاضة وتفصيل، في كتاباته الأخيرة حول الموضوع، ولا سيما في مادته الطويلة “علاقات التعذيب السياسية: التعذيب ونمط إنتاج السلطة في سوريا الأسد”[1]؛ لكن النتائج التي وصل إليها ياسين تخدم في المحصلة فكرة الشر الجذري، وتربطه بـ “دولة التعذيب” الأسدية، حيث يقول: “أميلُ في المحصلة إلى أنه ينطبق على التعذيب تعريف الشر الجذري الذي استعارته آرنت من كانط، واستخدمته في أصول التوتاليتارية، الشر الذي يصدر عن نية شريرة ومقصد شرير.”، بينما يقصر ياسين فكرة “تفاهة الشر” على نمط الشر البيروقراطي الذي مثلّه أيخمان، حيث يقول: “التحليل الوارد هنا يتعارض مع نظرية حنة آرنت في الشر المبتذل، الذي ينشأ من عدم التفكير، مثلما ميزته عند أدولف أيخمان. لكن بينما قد يوافق المرء مؤلفة (أيخمان في القدس)، على أن الشرّ ليس فعل أشرار ساديين ذوي أعماق سوداء، وأن الواحد منا يمارس الشر ويكرر ممارسته فيصير شريرًا، وليس العكس، وهو ما يعني أن في الأمر تأهيلًا وتمرسًا، وقبل ذلك هناك اجتماع وسياسة؛ فإن التعذيب، من بين صنوف الشرّ، أقلّها بقرطةً وأكثرها شخصية، ومن الأكثر اقتضاء لجهد الذهن والجسد”.

تلك النتائج، على أهميتها في التحليل والتوصيف لعمليات التعذيب في سورية، تقع في فخ الشر الجوهري، وبناء المظلومية التي حاولت آرنت تجنّبها وتجاوزها، وهي مقاربة تُحوّل الشر من فعل إلى اسم، ومن سياق تاريخي ومسؤولية قانونية إلى جوهر لا تاريخي وثنائيات أخلاقوية مريحة، فالنظام شريرٌ والشعب طيبٌ، أو الموالون أشرار والمعارضة خيّرة، أو العلويون أشرار والسنّة أخيار، وتلك المانوية ليست خاطئة فحسب، بل خطيرة على المستوى السياسي والاجتماعي والطائفي، ففي الواقع، شاهدنا كيف تحوّل أشخاص طيبون وعاديون جدًا، إلى قتَلةٍ محترفين ومبدعين في التعذيب، عند “جيش الإسلام” و”جبهة النصرة” ثم (داعش) ومخلفاتها، وأنا شخصيًا عاينتُ كيف تحوّل أشخاص مهمشون وفقراء وتافهون، في السويداء، إلى محترفي قتل وخطف وتعذيب وترهيب!

إن إيصال النتائج التي خرج بها ياسين إلى نهايتها المنطقية هو تأسيس نظريّ للمظلومية، لا للعدالة ولا للإنصاف، فإذا كان نظام الأسد هو ماكينة لصناعة الشر، وهو كذلك، فإن تلك النتيجة لا يجب أن تعمينا عن أن قدرته على صناعة الشرّ مرتبطة بالسلطة والصلاحيات التي يملكها في الداخل، وبالاستثناء الذي قُدّم له دوليًا، ولا يشبهه بذلك الاستثناء إلا “إسرائيل” ذاتها، وليس نتيجة عبقريته الشريّة، على العكس من ذلك، فشريّته مرتبطة بتفاهته لا بعبقريته. في الواقع، إن أشخاصًا مثل بشار أو بوتين أو ترامب أو كيم جونغ أون يصنعون الشرّ، بقدر تفاهتهم، لا بحجم عبقريتهم، ونظام العدالة لا بدّ أن يتعامل مع كل عنصر كبير أو صغير  ارتكب الشر والتعذيب، مثل أنور رسلان وإياد غريب، بغض النظر عن النيّات الحسنة أو السيئة للمذكورين، فبالمقارنة مع أيخمان، لم تعترض آرنت على حكم المحكمة بإعدامه، ولم تبرّئه من الجريمة، بالرغم من أنه مجرد موظف يتلقى الأوامر ويرسل القوائم إلى المحرقة، وتمّ تصنيفه كقاتل المكتب desk murderer، بل أرادت لفت انتباهنا إلى تفاهة ارتكاب الشر، فالشر بذاته ليس هو التافه، بل القدرة الإنسانية على ارتكابه.

في روايته (القوقعة) يتحدث مصطفى خليفة عن مجنّد اسمه سامر، كان يتقيّأ ويُغشى عليه من الخوف والألم، كلّما أُعدِم أمامه سجينٌ في سجن تدمر الرهيب، لكن هذا المجند ذاته، بعد أسبوعين، بدأ يتمرجح في جثث السجناء المعدومين، ويلعب بها، وكأنها دمًى بشرية لا لبشر من لحم ودم!! وفي تجربة نفسية سلوكية شهيرة، في جامعة ستانفورد في أميركا عام 1971، تحوّل الطلاب الذين تم إعطاؤهم كامل الحق في تعذيب زملائهم قيد التجربة، من أشخاص مسالمين ولطفاء، إلى ساديين وفنانين في التعذيب، فاضطرّ الدكتور فيليب زيمباردو إلى إيقاف التجربة، وإن كان كل ذلك يدلّنا على شيء، فإنه يدلّنا على تفاهة الشر لا على جذريته، وعلى قدرة أي شخص على ارتكاب أعظم الشرور، عندما يملك السلطة ويُعطى الحق الكامل في التحكّم في حياة الآخرين.

المشكلة، في مسألتَي الشرّ الجذري والشرّ التافه، تشبه تمامًا المشكلة في مسألتي “القسوة المجسّدَة” و”القسوة المجرّدة”، حيث إن الحسّ الإنساني العام والمشترك لا يمكنه مقاومة الجانب الغريزي، في رؤية أن القسوة المجسدة التي يمثلها الداعشي الذي يذبح ضحيته بالسكين أمام الكاميرا، على سبيل المثال، هي قسوة أكثر جذريةً وإيلامًا وخطورةً من القسوة المجردة التي يمثلها العنصر الأسدي الذي يرمي البراميل على الناس، أو يطلق الرصاص، أو يعذّب السجناء في الأقبية بعيدًا عن الكاميرات؛ وهذا -برأينا- أحد الأسباب التي جعلت نظام الأسد “مقبولًا” أكثر من (داعش)، لكن ما نريد قوله هنا هو العكس، أي إن الشر التافه يتضمن الشرّ الجذري ويتجاوزه، مثلما أن القسوة المجردة تتضمن القسوة المجسدة وتتجاوزها.

إن مصطلح “تفاهة الشر” يفيدنا في السياق السوري، في عملية نزع السحر عن الشر، في عملية أنسنة الشر المرتكب في سورية، وبناء نظام المحاسبة على أساس المسؤولية، لا على أساس الشيطنة وتقسيم السوريين إلى أشرار وأخيار، وبالتالي بناء المظلومية والانتقام، فنظام الأسد هو نظام الشر في سورية، ليس لأنه نظام شيطاني، ولا لأنه “an evil genius”، بل لأنه بنى لنفسه الصلاحيات الكاملة للتحكم في حياة السوريين، لقتلهم وتعذيبهم من دون محاسبة، وإبادتهم من دون رادع، فهو يملكهم مثلما يملك السيدُ العبيدَ، ويتحكم في مصيرهم مثلما يتحكم صاحب السلطة في من لا سلطة له، ولذلك كان لا بد من الثورة عليه، ولا بد من إزالته من التاريخ السوري، لكي تتوقف ماكينة الشر عن إنتاج نفسها، في المجتمع والسياسة والاقتصاد والفن والثقافة والأدب والسجن والمدرسة والجامعة والمستشفى، وكل جانب وتفصيل في الحياة السورية، فنظام الشر الأسدي المبتذل هو ما يسمح لكلٍّ منّا أن يصبح “أيخمان”، إن لم يكن أحد ضحاياه، أو أحد الناجين من معتقلاته.

[1] https://bit.ly/2YjjxQc

طباعة  

مركز حرمون

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى