نصوص

الروائي جوزيف كيسيل في سوريا : حكايات رحلة سنوات العشرينات خمسة حلقات كاملة

(1/ 5)

ترجمة : سعيد بوخليط

مقدمة المترجِم:

“من يفسر لماذا نُقتل ومن يقتل؟. في الحقيقة، إذا كان من عذر لافتقاد المعلومة،فبوسعنا البحث عنها ضمن التعقيد المرعب الذي يسود سوريا”،هذه الجملة المكثفة والمركزة جدا،قدر استشرافها البعيد المدى،انطوت عليها إحدى فقرات كتاب جوزيف كيسيل،الذي يعود تاريخه إلى أواسط سنوات العشرينات.

المفارقة المدهشة،رغم قدم المسافة بعقود طويلة،فبالتأكيد،عبارة لازالت تنطبق حتى اليوم، ربما تمام الانطباق،بدون مبالغة،على ماتعانيه سوريا : تبلور أعتى مستويات اللا-معقولية،التي يعجز أي ذهن بشري عن تمثلها.إذن :لما تعاني سوريا ما تكابده؟ لماذا يقتل الناس هناك؟ من القاتل؟ثم أساسا وقبل كل شيء ما دواعي ومبررات القتل؟حتما ،العبقري كيسيل استبق غفلتنا جميعا.

جوزيف كيسيل J .Kessel ،الكاتب الفرنسي المزداد في الأرجنتين. هو الواحد المتعدد،ثم المتعدد الذي وجد ضالته في الواحد :الروائي طبعا،الرحالة،المغامر،الصحفي،الطيار الذي شارك إلى جانب السلاح الجوي خلال الحرب العالمية الثانية،ثم المتخصص في الريبورتاجات.

أغنى التراث الإنساني، بمنجز فكري هائل،قارب سبعين رواية،إضافة إلى دراسات مختلفة تهم مجالات إبداعية متعددة.مع كل ذلك،لازال حتى الآن،فقط عنوان رئيسي أشار ويحيل باستمرار على كيسيل،مقارنة مع باقي كتاباته.

يتعلق الأمر بروايته ”الأسد ”(1958)التي دارت أحداثها في منتزه ملكي بكينيا،وتروي تفاصيل علاقة جد مدهشة تتجاوز حدود التصور، بين باتريسيا الفتاة الصغيرة ذات العشر سنوات،وأسد.إذن، كلما ذكر اسم جوزيف كيسيل،اتجه التفكير مباشرة نحو تلك الرواية.

بين ثنايا بيبليوغرافية زاخرة ومستفيضة،يندرج كتيب صغير،ربما لم يكن ليثير اهتمامي حقا،لولا انبجاس التراجيدية السورية.نص :في سوريا، الذي كتبه كيسيل سنة 1927،موثقا من خلال فصوله العشرة وقائع ماعاشه أثناء رحلته لسوريا.غير أنه عمل،تجاوز مستوى الانطباعات والارتسامات الشخصية،المنقادة وراء التقاط محايد لمتواليات رحلة عادية،مرتقيا حقيقة غاية التقييم الموضوعي الحاذق لجوانب من سياق المرحلة،المعروفة تاريخيا بالانتداب الفرنسي على سوريا ولبنان(1920-1946) ،وما انطوى عليه من منزلقات سياسية وجغرافية وثقافية وإثنية وعسكرية،استمرت وامتدت تراكماتها البنيوية حتى الزمن الراهن.

بالتالي،يعتبر مايحدث اليوم في سوريا مجرد نتيجة طبيعية،من نواحي كثيرة،لما أرسته صياغات المرحلة التي يؤرخ لها كتاب كيسيل.

بالتأكيد،كما أقرت مختلف اجتهادات المؤرخين،يصعب عموما استيعاب الحاضر دون إحاطة بالماضي .فالمآلات الجنائزية التي يسرع نحوها العالم العربي، سياسيا وثقافيا ومعه سوريا،تعود بأصولها إلى جرائم المنظومة الاستعمارية في حق عقل وجسد وروح وشعور وطموح شعوب المنطقة.

غير أن ما جسّد بامتياز هذه المعادلة في التحقيق الصحفي ل كيسيل عن سوريا،الذي يعود كما قلت إلى سنة1926 ،وأضفى على خلاصاته سمة كهنوتية تخمينية جعلت فقرات عمله أقرب إلى إشراقات العرَّافين والمتنبئين،كونه استحضر منذئذ رؤى ألغت تقريبا كل هذه المسافة الزمانية الممتدة إلى تسعة عقود،وبدا الراهن كالأمس تماما.

المشهد العام نفسه،ثابت لم يتبدل،فقط تغيرت التفاصيل الصغيرة.تفسير هذه المسألة في غاية البساطة :مبدع بحجم كيسيل،يمتلك ما يكفي من الذكاء والعمق والموسوعية والبصيرة والخبرة الحياتية والحس الإنساني،لا يمكنه حتما سوى أن يكون صاحب حدس مبشر ونذير.

لكن خاصة دافع العشق،والتعلق الحميمي بالموضوع،يجعل الأفكار شفافة وصادقة.كيسيل عاشق لجغرافية مكان رحلته،أي الشرق.شرق،تحسس سلفا أولى عطوره وهو طفل في سن الثامنة على ضفاف الأورال،مترقبا بشغف عبور قوافل بخارى وفارس، يقودها القيرغيزيون :(( أعشق الشرق،هو ليس بعذري الوحيد للرغبة في التكلم عنه،لأني لا أعرفه جيدا.إننا لا نذهب إليه،وينبغي أن يأتي إليكم،مما يقتضي وقتا.والحال،أني قضيت خلال مرتين،مابين ثلاثة إلى أربعة أسابيع،في سوريا. هذا، كل شيء.ثم، ابتغيت أن أعيش التجربة صحفيا،بمعنى قضاء أغلب يومياتي مع جنرالات وموظفين كبار))(ص-10).

لقاءات هنا وهناك، أثمرت بورتريهات رصدها كيسيل، بدقة محترف الكتابة،القابض على زمام الحلقة المفقودة،الفالتة بين الواقع والخيال،بمعنى ثان،التأرجح بين البعد التقريري للغة الصحافة ثم الحس الفني المحلق لأفق الروائي،الأكثر تكثيفا وزخما ورحابة.

سنقف على وجهات نظر،ونتابع بعضا من يوميات شخصية عسكرية ومدنية، تصنع الحدث في المنطقة :الأمير عبد المجيد، القسّ،القائد كولي الصغير،بوشيد، لابان، القائد مولير، مزود، دحّام، الدروز، الشركس.مثلما،أننا سنكتشف منذئذ، الأمكنة التي ندمن حاليا فواجعها كل حين،حد الهستيريا :دمشق، درعة، السويداء، حلب، ديرالزور، تدمر.

سوريا جغرافية في غاية الجمال والثراء والعطاء ،منبع الحضارات.لكن أيضا بنية طائفية وإثنية معقدة،تَعكَّر صفوها زيادة،واستفحل أمرها،بسبب مساوئ إدارة الانتداب الفرنسي وتبعاته،فأضحت جحيما للنعرات عوض أن تكون رحمة للاختلاف،جعلها لبنة للحرب الدموية التي تدور رحاها اليوم.

.يقول كيسيل :((سوريا،مهد الحضارات ومكان العبور المختار منذ الأزل، أثر ثراؤها وجمالها،دون تدخل ،في كثير من الشعوب.هذه الأرض،حيث تنمو بقوة ملتهبة،الاعتقادات الأولى،وكذا الهرطقة،التي تضلل وتخلط.أعترف بتواضع،أني لم أستوعب خلال أولى أيام إقامتي في بيروت، شيئا بخصوص ما يتداول أمامي من أحاديث مصدرها العلويون،الهاشميون،الموارنة،السنة،الشيعة،اليونان الأرثوذوكسيون،الطائفة السورية-الفلسطينية،قطاع الطرق،المتمردون وكذا دروز الجبل ودروز حوران،اللبنانيون والسوريون والدمشقيون،إلخ،فكيف يعترف بعضهم ببعض ؟تضم سوريا،سبعة وعشرين ديانة،تمثل كل واحدة منها قومية،ويلتمس هذا السديم التأثيرات الأكثر تنوعا،روحيا وماديا. مع ذلك،بعد انقضاء أيام قليلة،بدأت أتمكن من قراءة كتاب الطلاسم هذا،الذي يبدو مستعصيا على الفهم.تتبدى الخطوط الكبرى،بلا شك،بالتبسيط لايمكن أن نعرض كل المشهد ،لكنه الوسيلة الوحيدة لكي أفهم وأعبر عن مافهمت؟))(ص-14).

رحل كيسيل نحو سوريا،مفتقدا لأي مرشد نظري،أو مرجعية قبلية،قد ترسم له خريطة طريق :(( سوريا؟ماذا نعرف عنها ؟لنعترف بالأمر،دون كبرياء مزيف :فقط بعض الوقائع التاريخية المبهمة،حول الحروب الصليبية،ثم بعض الصفحات الشهيرة،والأسماء الجميلة لدمشق وتدمر والفرات .ذاك، كل زادي بالنسبة لبلد كبير وخصب،يعيش تحت الانتداب الفرنسي.لكن،من يبين أهمية هذا الانتداب؟ثم بوسعه أن يرسم- اللهم إلا مختصين قليلين- المظهر السياسي لهذا البلد؟من يفسر لماذا نُقتل ومن يقتل؟. في الحقيقة، إذا كان من عذر لافتقاد المعلومة، فبوسعنا البحث عنها ضمن التعقيد المرعب الذي يسود سوريا))(ص-13-14).

لكنه، عندما عاين وخبِر ولامس على أرض الواقع،صحبة الجنود حيثيات المعارك وجوهر الصراعات السياسية،تحول بعمله هذا من مستوى الريبورتاج التسجيلي العادي ،وكذا الرحلة العابرة، إلى التقييم النقدي لنظام الانتداب،وتحميله في الأخير ساسة فرنسا،مسؤولية الأخطاء المرتكبة التي كرسها الزمان وتماهى معها المكان.

سنتابع وقائع رحلة جوزيف كيسيل إلى سوريا، من خلال هذه الحلقات

لا ينبغي قط الشروع في الحكي عن سفر: تترصدنا الهزيمة منذ البداية. فكيف، سنبقي للسهم حركته، وقد سقط عند قدم المرمى؟ هل بوسعنا التكلم عن عبور، بينما ترنّح سفينة لم يعد، يصب في أوعية تأرجحه الحسي، أو يرسم الصحراء اللامتحركة، ولايسمع لعجلات السيارة صريرا،فوق رمالها الذهبية؟ كيف، يمكننا تذوق غاية الجزع واللذة، تعبير شكل جديد، ولعبة إضاءة، ثم أثواب، عندما لا تصير مجرد مشاهد عابرة، بل ذكريات مترسخة وميتة، متوارية في مقبرة الذاكرة؟ لكن ما العمل؟ إذا عشقنا، فينبغي الإفصاح عن موضوع هذا العشق.

نعم، أعشق الشرق.ليس الأدب، من ألهمني هذا الذوق.كنت أشاهد وأنا في سن الثامنة،على ضفاف الأورال ،قدوم قوافل بخارى وفارس، يقودها القيرغيزستان، تنم جباههم عن ذكاء متواضع.اللوحة الرفيعة،التي يرسمها خيط من الجمال على الشفق، وجثو هذه الإبل الرائعة بعيونها الصبورة والواسعة، لقد عرفتها قبل أن أكتشف السيارة.الضوء الكبير المركز،والأبدي حيث تحوم الطيور الكواسر،و فضاءات تشعرنا بالله، ليس الله المختزل دينيا ، لكنه إله الأراضي والبحار والنبات والحجر، عدْو الجياد البرية، والمشي الجميل لكائنات بدائية- كل ذلك غذى،عيني البريئتين،ولن أنساها أيضا- أجدها ثانية، ما إن تصير السماء أكثر علوا وجفافا وقسوة، بحيث يأخذ الناس نظرة الدواب بأحلام عميقة، وتصير الحياة بغتة أكثر رحابة وهدوءا، تتنفس مثل صدر ناعم عديم الشفقة .

شغفي بالشرق،لا يمثل عذري  الوحيد للرغبة في التكلم عنه، لأني لا أعرفه جيدا.إننا لا نذهب إليه، وينبغي أن يأتي إليكم، مما يقتضي وقتا.والحال،أني قضيت خلال مرتين، ما بين ثلاثة إلى أربعة أسابيع، في سوريا. هذا، كل شيء.ثم، تطلعت إلى اختبار التجربة كصحفي، بمعنى قضاء أغلب يومياتي مع جنرالات وموظفين كبار.لكن على القارئ، أن لا ينتابه الفزع، فلن نخضع هنا لتحقيقات هؤلاء.مع ذلك، وجهت هذه الانشغالات أسفاري حسب مسار المغامرات والمعارك، فنعثر بالضرورة على أثر ذلك في هذه العلاقة.على الأقل،هل حاولت أن أصف سوى من أمسكت بهم شِباك الشرق، ويحملون فوقهم، انعكاس صداه المثير للمشاعر.

لا ينقاد هذا العمل علائقيا وتركيبيا أو يحكمه – كل امتثال خطي يبعث على الضجر-  خط سيره الخاص،فقط يعرض صورا، لا أقل ولا أكثر. 

 نظرة على بيروت                  

فقط أجسام وروائح، وأطياف مختلفة على رصيف بيروت! هاهو، رجل أشقر جدا، من الصنف المنغولي !خاطبتُه بالروسية،لكنه لم يفهم شيئا.في المقابل،أجابني زنجي، بتلك اللغة.شركس، أتراك، ألبان، عرب وإثيوبيون،جميع هؤلاء يعج فوق بعض الميترات المربعة لرصيف الميناء.أسمال رثة،أصوات وشمس. إنه، الشرق.

هذه التناقضات، والجمهور المختلط، والفوضى والبريق، تعكس وضعية البلد ذاته حيث رسوت.

سوريا؟ ماذا نعرف عنها ؟ لنعترف بالأمر،دون كبرياء مزيف :فقط بعض الوقائع التاريخية المبهمة،حول الحروب الصليبية، ثم بعض الصفحات الشهيرة، والأسماء الجميلة لدمشق وتدمر والفرات .ذاك، مجمل زادي بالنسبة لبلد كبير وخصب، يعيش تحت الانتداب الفرنسي.لكن،من يبين أهمية هذا الانتداب؟ ثم يستطيع تحديد- سوى مختصين قليلين- المظهر السياسي لهذا البلد؟ من يفسر لماذا نُقتل ومن يقتلْ؟. في الحقيقة، إذا كان من عذر لافتقاد المعلومة، فبوسعنا البحث عنها ضمن التعقيد المرعب الذي يسود سوريا.

سوريا، مهد الحضارات ومكان العبور المختار منذ الأزل، أثر غناها وجمالها، دون تدخل ،في كثير من الشعوب.هذه الأرض،حيث تنمو بقوة ملتهبة، الاعتقادات الأولى، وكذا الهرطقة،التي تضلل وتخلط.أعترف بتواضع،أني لم أستوعب خلال أولى أيام إقامتي في بيروت، شيئا بخصوص ما يتداول أمامي من أحاديث .

العلويون، الهاشميون، الموارنة، السنة، الشيعة، اليونان الأرثوذوكسيون، الطائفة السورية-الفلسطينية، قطاع الطرق، المتمردون وكذا دروز الجبل ودروز حوران،اللبنانيون والسوريون والدمشقيون، إلخ،فكيف يعترف بعضهم ببعض؟ تحوي سوريا،سبعة وعشرين ديانة،تمثل كل واحدة منها قومية،ويلتمس هذا السديم التأثيرات الأكثر تنوعا،روحيا وماديا.

مع ذلك،بعد انقضاء أيام قليلة، بدأت أتمكن من تفكيك شفرة الطلاسم ،الذي يبدو مستعصيا على الفهم.تتبدى الخطوط الكبرى،بلا شك، بالتبسيط لايمكن الإحاطة بمختلف حيثيات المشهد ،لكنه الوسيلة الوحيدة لكي أفهم وأعبر عن مافهمت؟.

إذن،على وجه التقريب، لكن بوضوح :توجد في سوريا، ثلاثة أقطاب للثقافة والقوة.المسيحيين في الغرب وكذا الساحل،وداخل لبنان.الدروز،في الجنوب والجنوب الشرقي .ثم المسلمين،بنسبة كبيرة، على امتداد باقي البلد.

يمثل المسيحيون حوالي خمسمائة ألف نسمة،والمسلمون زهاء أربعة ملايين وخمسمائة ألف، ثم الدروز ما يقارب مائة وعشرين ألفا.أرقام،بقدر ما تظهر كيفية توزيع العناصر الإثنية داخل سوريا، فإنها تشير على التوالي إلى أنشطتهم.بالتالي،على الرغم من النقص العددي المؤثر، للمسيحيين والدروز، فلا يتوقفون عن شد الانتباه نحوهم.وضع، يفسر بسهولة : للمسيحيين قوة الثقافة الأوروبية إلى جانب ثرائهم.أما جماعة الدروز،فتعتبر شعبا فقيرا، بيد أنه مقاتل.

تشكل كل واحدة من هاتين الطائفتين، كتلة تصمم للدفاع عن مصالحها وتقاليدها.في حين تنتظر الطائفة المسلمة،بكيفية غير محددة ، وصبورة،وفظة،اندفاعة تتأتى لها،لكنها تجهل مصدرها.تنتابها،حركات متشنجة، بين الفينة والثانية.حينما يعبر ملهم ، فضاء مدينة ما…،أو تلقي زعيم عصابة لمعونات مالية.

بما أنها لاتعرف ما تريده، فكل التطلعات جائزة بالنسبة لمن يلازمهم طموح كبير، وبعضهم يحلم سلفا، بتولي العرش، الذي تبوأه، خلال فترة الملك فيصل.هكذا،تتحرك المطالبة بالعرش.

كنت صاحب حظ وافر،عندما تمكنت من الولوج إلى منزل، الأمير عبد المجيد، أكثر المؤثرين في طائفة المسلمين. صادفت عنده اجتماعا بين أبيه الأمير حيدر، المنحدر من سلالة النبي محمد شريف مكة، وقائد ينتمي إلى الدروز بمثابة خليفة محتمل مستقبلا، يقول عن نفسه بأنه صديق مخلص لفرنسا، ثم أمير عربي شاب مرافق للمطالب بالعرش، وأخيرا سيدة فرنسية متقدمة في العمر.

ناولوني، على نحو طقوسي، فنجان قهوة وسجائر.الأمير حيدر،صاحب وجه نبيل جدا، يبتسم بهدوء.كان الأمير عبد المجيد،مرتديا على الطريقة الأوروبية، وبدا غير مهتم  بالمحادثة، لأن المتكلم لحظتها، رئيس الدروز.

لقد أوضح بطلان نظام ديمقراطي،بالنسبة لشعب لازال خاضعا لأسس الفيودالية، من ثمة ضرورة وجود مَلِك.ثم أضاف، لا أحد من بين كل سادة سوريا الكبار، يمتاز دون غيره ،بالعِرق أو الاسم،وأن تعيين أحدهما في العرش، يخلق أحقادا ومنافسات لا حدود لها، بالتالي وحده الأمير عبد المجيد، بوسعه فرض نفسه، بفضل أجداده وصداقاته، ضمنهم ابن سعود سلطان منطقة نجد وملك الحجاز. 

هممت بالمغادرة وأنا مقتنع، لكن ما إن وصلت عتبة المنزل، حتى وردت إلى أذني الجملة التالية: ((أبدا لن يقبل مسلمو سوريا، شخصا أجنبيا مَلِكَا عليهم، أو لكي يتحقق له  السعي، يلزمه الإفصاح عن نزعة قومية إلى أبعد حد.تلك حالة فيصل،وأنتم تعرفون نهاية المغامرة)).

سمعت منهم أحاديث عن أفراد آخرين، يطالبون بالعرش، لكن يجد كل واحد أمامه،معارضا يقدم أدلة مقبولة.فهذا مشايع للإنجليز، والثاني زالت حظوته نتيجة الخيانة، والآخر من طبقة الشركس،يكره الشعب،وذاك فقيرا في أمس الحاجة إلى دعم مادي.

وقد يئست، من استجلاء جوهر الأمور، سعيت أن أكون سعيدا أكثر مع المسيحيين.لقد استدعوني إلى حفلات،تميزت ببذخ مفرط، وكذا زيارة أمكنة تذكر بقصور ألف ليلة وليلة.صادفت  نسوة، يتزينن بأحجار كريمة، وعيونهن جميلة غير مبالية، مثل جنان مهجورة، ورجال بملامح دقيقة وشبقة.

تكلمت معهم سياسيا، غير أن لغتنا لم تكن نفسها.توخيت التبسيط،لكنهم يعقدون الأمور بمتعة، فلا شيء واضحا أو مباشرا في نقاشاتهم.يجرون خلفهم حمولة ماض من العبودية، والتكتم، والديانات السرية،هكذا يطغى عليهم تحفظ الشرق.في الحقيقة، لا يمارسون سوى شعيرة واحدة :تلك المتعلقة بالمال.يقول أحدهم،إننا متحضرون جدا،عن خوض صراعات ،ولانعرف سوى حياة الأعمال.

بهذا الخصوص،عشت واقعة ذات قيمة أساسية،مما يتحتم استعادتها في هذا المقام :ديبلوماسي سابق يسكن بيروت،ثري جدا، ويحظى بشهرة واسعة.كان قد التمس من أحد أصدقائه القادمين إلى سوريا،وهو قائد عسكري فرنسي، أن يشتري له من باريس حلي لؤلؤة.فعلا،وعده الضابط  بتنفيذ طلبه، لكن لحظة وصوله بيروت، تبين له، ضياع الحلي، مما دفعه إلى الإسراع مستفسرا صديقه عن ثمن تعويضه :

-خمسة وعشرون ألف فرنك، أجابه الثاني.

حين سماع الضابط العارف ببعض المعطيات حول المجوهرات،قيمة  المبلغ،أبدى اندهاشه، واتصل فورا بالصائغ.الأخير،أخبره أن الثمن الأصلي الذي اشتريت به اللؤلؤة، لايتجاوز خمسة عشر ألف فرنك.هكذا،توجه إلى الدبلوماسي، مشحونا بكل الغضب، الممكن تصوره قياس الموقف كهذا.بيد، أن الأخير،لم يتردد مجيبا إياه، بكل تلقائية :

– أردتها صفقة تجارية،لكن خطتي باءت بالفشل،هل تريد خمرا؟

من البديهي، في ظل معطيات كهذه ،أن السياسة في سوريا تأخذ إيقاعا خاصا، فبأي منطق ستخاض هناك الحروب؟.

 في حدائق دمشق               

تمتد بين بيروت ودمشق، مسافة مائة وخمسين كيلومترا، أي مايقارب ساعتين ونصف بالسيارة، أو اثنتي عشر ساعة بالقطار.

للأسف، حتى اللحظة ليس من حقك الاختيار.في ضواحي دمشق،والطريق الملتوية بين جبال وعرة، ومقفرة، وكثيرة الأحجار مع انبعاث طلقات البنادق وحدها من كل مكان.لذلك، يستحسن الاستسلام إلى القطار.

يسير بطيئا، بارتجاجات لينة، مخترقا سهولا، خصبة، بشكل مذهل، يتسلل بين مضايق مهجورة.بل يقدم بطؤه هذا،بسخاء إلى العين، مناظر رائعة.صخور ملتهبة بالشمس،تطوي بين ثناياها السرية، ثلوج الشتاء بِكرا.سيول،تسرع صوب الرمال البعيدة وأكثر الاخضرارات روعة، تعمل على تشخيص، منتزهاتها  المندفعة. ضياء على امتداد السماء الصافية، وألوان حارقة.كل ذلك، يبلغ أقصى حد زخمه.

فجأة، بزغ  وجه بين هذه المناظر المتألقة، ومقصورة القطار،عاد بي غريزيا مثلما هو، إلى الوراء:شعر سابل بتسريحة قصيرة،جبهة صغيرة جدا، تظهر صاحبها كأنه ينتمي إلى حيوان ثدي.جسد زيتي، بلون داكن، أنف أفطس، عينان نهمتان، مثيرتان، ومتسلطتان.لاأرى عبر فتحة نافذة، سوى هذا الرأس المرعب، وفوهة بندقية تتجاوز الكتف الأيسر. 

صديقي في السفر ،الضابط الذي يحارب منذ ثلاثة سنوات في سوريا، تبسم من اندهاشي.

– إنه أحد أتباعنا، يقول.

لم أستوعب الأمر جيدا، فاستطرد شارحا :

– إيه نعم.منذ أشهر قليلة،كانت باستمرار الطريق بين بيروت ودمشق، مقطوعة نتيجة صنيع طرف لصوص.لكننا اشتريناها،بحيث يحرسونها الآن، النتيجة انعدم كل خرق.هكذا، خلق قطاع الطريق، أتباعا لهم.مسألة، تكلف ما يناهز ألف فرنك شهريا، للفرد الواحد ،غير أن المبلغ يعتبر أرخص،من مباشرة حراسة عسكرية على امتداد الطريق.

تنفس ثم واصل حديثه:

آه !لو أمكننا أن نفهم في فرنسا،أن الإنفاق أحيانا، يعتبر أفضل وسيلة للادخار !كم من الدم والمليارات،التي بوسعنا توفيرها في هذا البلد، بتسديدنا لما ينبغي تسديده.

صمت، أشعل غليونه.تتناوب، الجبال والوديان،نصب عيني وفق إيقاع رائع وفطري.بين الفينة والثانية،يلقي وجه أشعث نظرة على مقصورتنا ثم يختفي.إنهم، فرق حمايتنا في الخارج، يقومون بدورتهم، من موطئ إلى آخر.

ثم تبدو حفرة الأمطار، المجرى المبارك، الذي يغذي بزبده سحر واحة دمشق، على امتداد هذه المنطقة الصحراوية.لقد أزهرت، منذ مدة، الأشجار المثمرة، بأوراقها الناعمة، وصارت كثيفة الجذوع والأوراق، فتسطع الغزارة من هذه الأرض المشبعة بالطراوة.هكذا، يتقدم القطار نحو المحطة، وسط حديقة غناء.

حدائق دمشق، الأكثر جمالا قياسا لمختلف ما شاهدت !متموجة، وذات أريج،تحتوي بعناقها العذب، الأحياء التائهة التي ستعدل باسترخاء اتجاهها ،بفضل رحمة تلك الأشجار.يبدو أنه،وسط هذا البحر الكبير الأخضر، لن تجسد المنازل سوى مراكب ،غير متراصة جيدا.

حدائق دمشق، الأجمل بالتأكيد، لكنها من جهة ثانية الأكثر خطورة.لأنه في خضم حمى خضرتها، ثم وراء جذوعها المعمرة طيلة مائة سنة، ما العمل ان باغتنا قاطع طريق، متواريا هنا أو هناك؟ كيف يتأتى لنا، طرد المتمردين من هذا المكان الدغل الخصب؟ نحتاج في سبيل ذلك إلى سلاح.أيضا،هل بمقدورنا أن  نفتش كل حاجز، ونحوم حول كل شجرة؟

منذ التمرد، الذي تكفل فقط بمواجهته – ينبغي الإقرار بذلك- قصف الجنرال “ساراي” (وحده ربما أنقذ ذلك اليوم الانتداب الفرنسي)،تأوي حديقة الغوطة في دمشق كل العصابات المستأجرة، من قبل الجماعة السورية-الفلسطينية،التي تدير التمرد، انطلاقا من القاهرة.يتوزعون هنا في مكان آمن،مختفين، يقيمون الكمائن،بصبر مشرقي متهور، يغامر دون احتراس كاف.يهاجمون، في الغالب ليلا، المراكز العسكرية.

تضفي هذه المراكز، على المدينة وجها خاصا.أن نتخيل، بالتالي الخنادق الأرضية، والأسلاك الشائكة والحصون التي تبرز منها فوهات الرشاشات المستديرة واللامعة ،كل الحرب  اختصارا في الحركة الشرقية لشارع يعبره  عرب كهول مهيبون ونساء محتجبات، بينما ينبعث الصوت النافذ للمؤذن من صومعة قريبة.   

هذه المراكز العسكرية،نوعين :إحداها يشرف عليها “الآفاق الزرقاء”،مثلما يلقب هناك الجنود الشباب.الثانية،يسيطر عليها الموالون  لنا.لقد قضيت ساعات، داخل إحدى أكثرها أهمية، والمعروف بالميدان.

مركز الميدان، عبارة عن منزل مهترئ جدا.حجرة في الأسفل مظلمة وفسيحة، تراكمت داخلها أفرشة، أربعين شخصا.نلج عبر سلم مرتج، نحو السقف، أو بالأحرى شرفة محصنة بأكياس فوق الأرض، حيث يقبع الجنود المراقبون.نعم، مررت من هناك.

دخان حاد، يخنقنا: إنه دخان احتراق كامل لمنزل، يبعد عنا قليلا.كم هي متراكمة الحواجز، والجدران الصغيرة، والممرات، والأبواب.يدرك المقاتلون أن عدوا لاذعا، بوسعه الاقتراب، دون أن يتم رصده على بعد أمتار قليلة من الموقع، وقد تحدث معركة معه ضارية، بواسطة سكين وسط هذه المتاهة الضيقة.

الأشخاص المحيطين بي،جديرين  بالوضع. لا شيء، يحيل لديهم على العسكرية.ألبستهم وأثوابهم، متباينة كثيرا ورائعة .وحده تزينهم، بتلك الذخائر الملفوفة على صدورهم ، يوحدهم ثم ما تحويه أياديهم  من بنادق ،تحسبا لأي هجوم مباشر.لا تحيل، وجوهم على الحرب،لكن أساسا حروب العصابات.جميعهم،تموقعوا عند الجانب الفتاك للمغامرة والموت.

من أين أتوا ؟من يدفعهم، لقاء راتب زهيد، إلى المجازفة كل يوم بحياتهم تحت ركام أحجار، تتهاوى أمام رصاص، تقذفه بنادق خفية، وغير مرئية؟ماض قتالي، بالتأكيد كما الحال مع الشركسيين ،المجندين هنا من طرف الأتراك،وتوظيفهم كمقاتلين مرتزقة.أيضا، حافز حقد عرقي وديني، كما الشأن مع الأرمينيين المتعطشين للانتقام، من المسلمين.لكن خاصة، لا ينبغي التشكيك،في هذا النزوع اللا متوقع نحو الخطر، والحاجة لمنح الموت أو تلقيها ،كما يطويها بعض الأشخاص داخل ذواتهم، مثل أكثر السموم قهرا وفتكا. 

لنستمع إذن، لحكاية هذا الجسور، الرشيق، والنزيه الذي لا يخفض أبدا عينيه. شخص ألباني،ابن ثري تاجر بالجملة. في سن الثانية عشرة، سرق والده كي يشتري بندقية.على الفور، استعاد  منه السلاح. لكن الصبي  كرر سرقته ثلاث مرات ، من أجل نفس الهدف، دون أن ينجح قط.خلال المحاولة الرابعة، سيفر ببندقية مع الرعاة، صوب الجبل.

لحقه أبوه نحو عين المكان ،غير أن الابن تمادى في عصيانه، ثم حدثت بين الشخصين المنتسبين إلى فصيلة الدم نفسها، مواجهة بالبندقية دامت ثلاث ساعات. انتهت بتعرض الأب لإصابة ثم تخليه عن الأمر. أما الابن فقد انخرط  في صفوف الجيش الصربي وخاض معه حربا بطولية.تحقق السلام، مع ذلك ظل متمسكا بموقفه.

أصبح ثائرا مقدونيا تركيا، لكن امرأة تسببت له في خصومة مع جنرال عثماني، فانتقل إلى خدمة الفرنسيين.شجاعته جنونية،بحيث يهاجم وحده ثلاثين لصا مسلحا، وعندما يصاب بجرح، يطلب كمكافأة، كأس خمر.

كان غائبا، في الوقت الذي أنصت لحكايات مغامرته، يوريها شاب  كسرت ذراعه.ثم، هاهو، يعود ويداه مملوءة، بورود طرية حمراء كلون الدم.لقد ذهب كي يقتطفها من حديقة،تعتبر قاتلة بالنسبة للآخرين، مسرعا بتقديمها إلى قائده، بعيون حيوان عنيف متأهب دائما للموت.

—————————————–

(2/ 5)

عندما قصفتُ السويداء:

خلال الحرب، عاينت كثيرا من مهابط الطائرات. ابتداء، من منطقة بيكاردي الفرنسية، وصولا إلى الأردن ، مرورا بصربيا ورومانيا وكذا فلسطين،انطلاقا من وظيفتي كضابط أو صحفي، بحيث عبرت العديد منها، سواء تلك المنطلقة منها الطائرات أو ترسو على مدرجها.شاهدت هناك حيوانات أليفة مختلفة وداخل محميات :كلاب وقطط وماعز بل وخنزير.غير أني لم أصادف قط غزالا، حتى مجيئي دمشق.

أظهرها إلي قائد السرب، متجولة بخيلاء وسط سياج، لطفها لا يضاهى.لينة ومرنة عضلاتها، تسير منتصبة مثل سيقان فتية، تمتلك عيونا جميلة تسلب ،غير مبالية أبدا بالهدير الهمجي للآلات البشرية.

ترجلنا صوب حانة قريبة جدا،كي نتناول ونحن نثرثر كثيرا مشروب العَرَق، الذي يشبه مذاقه ولونه نبات الأفسنتين.

أتملى الرفقة، المحيطة بي، يقارب عددهم ستة من الشباب الحيوي،المتأهب.وجدت هؤلاء ثانية، مثلما اكتشفتهم خلال الحرب، بحيث عاشرتهم سلفا طيلة سنتين.

لقد حلقوا فوق خنادق منطقتي شامبان و فيردان،وقمم المغرب الجبلية القاحلة.تأملوا من خلف أجنحة طائراتهم، الانسياب البطيء لنهر الفرات.مع ذلك، لا شيء يظل ماثلا أمام أعينهم الصادقة، سوى نداء هائل،لا يدركونه بأنفسهم، وكذا الوضوح الجدير برؤيته.

لأني صاحبت هؤلاء ، وقد مر حتى اللحظة زمن طويل وأنا أسعى إلى رسم، عبر صفحات كتاب لا يستوفي الغرض، روحهم البسيطة والجريئة،تبادلوا معي أطراف الحديث بكل ثقة :

-“الحظ بجانبنا، يخاطبني قائدهم(ثم لمس الخشب)هذا كل ما بوسعي قوله.لم نفقد سوى ربانا واحدا، واقعة لا قيمة لها، قياسا للعمل المطلوب إنجازه.تصوروا، أني أشرف على فيلق حلق أفراده لمدة ستة أشهر، ما يناهز أربعمائة ساعة، أي نفذوا ما يعادل مائتين وثلاثة مهمة حربية. بالتأكيد، لا يوجد هنا طيارون يطاردهم الألمان، لكن مبدئيا يعتبر كل عطب قاتلا.أولا،أرض نتيجة أرض المعركة، ثم من جهة أخرى مقاتلي طائفة الدروز. الذين يضعوننا بشكل مرعب أهدافا لهم إذا وقعنا بين أياديهم، بحيث ينتظرنا الموت ثم التمثيل بنا.هل تعلمون أنهم يأكلون قلب المحاربين كي يحصلوا على بأس شديد! أيضا يعتبرون قناصة مهرة،أشار طيار آخر.لقد عدت ذات مرة بعشرين رصاصة،اخترقت جدار الطائرة”.

يدخل، شاب قوي مرتديا سترة من الجلد، وعصابة تشد جبهته :

-هل أنت جاهز،يسألني،يلزمنا الذهاب.

كنت مرتاحا جدا، مع هؤلاء الأصدقاء طيلة ساعة، مسافرا بخيالي في الزمان والمكان، إلى أن فاجأني النداء.وقد نسيت ضرورة زيارتي درعة، بينما خط السكة الحديدية غير جاهز، لذلك حصلت على الترخيص، بهدف الرحيل إليها بواسطة طائرة.

-استبقني الربان بالقول، أثناء تحليقنا: سنقوم بانعطافة صغيرة، نحو السويداء كي أقصفها.لقد سعيت خلال لحظة- مضيفا-إلى تغيير المسافر،لكن بما أنكم تحيطون بآليات المناورة،فستقومون بالعمل أفضل من أي شخص ثان.هل اتفقنا؟ سأمر فوق المدينة، وسأشير عليك بحركة مني.

المروحية، الأوامر الروتينية…،هدير المحرك، وحش متلهف، فالانطلاق نحو الفضاء الكبير الجذاب،مع كتله الهوائية،ثم هاهي الأرض قد أضحت بعيدة.

كم جميلة دمشق وأنتَ تراها من ذاك العلو ! متمدِّدة كامرأة طويلة ورشيقة، تنبسط الأعضاء باسترخاء وسط غمدها الأخضر. مناراتها، الدقيقة والناصعة جدا،تحفها غابة مقدسة.

بقدر ما نبتعد عنها، تموت الحدائق شيئا فشيئا.تليها حقول، ثم مروج. لكن ماهذه الرقع الحمراء والوردية؟ من أين اكتست الشفافية الشبيهة بنبات البتلة؟ هل تظل أرض بهذا اللون،استثنائية ؟أو أزهار ذبلت، لا تغدو كونها مجرد تعبير وفق أسلوب فن الباستيل؟.

فجأة، يتغير المنظر.احتاج ذلك لثوان معدودة.لا اخضرار، لا أصباغ ساحرة، ولا حتى اللوحات النوعية التي ترسمها مراعي حظائر الحيوانات.فقط ركام هائل من الحجر،ثم تضاريس متشنجة وكتلة بركانية، متعرجة، محفورة بظلال، وتدفقات ملؤها الحمم، صحراء مرعبة، حيث تشع من هنا وهناك، كأحجار كريمة، بِرك ماء أزرق، إنها منطقة الجية،المركز الأمامي لجبل الدروز.

لا أعثر على الوصف المناسب، كي أرصد ما يتضمنه هذا الفضاء من جانب تراجيدي ولا إنساني ،أو أي سرد قد يلهمني هذه النظرة، والسماح لي بفهم خطر التحليق فوق سماء هذا البلد الثائر.أبسط عطب في الطائرة، معناه الموت بلا رحمة.

يلتفت الطيار نحوي، مظهرا ميزان الحرارة، الذي يكشف عن مناخ غير مطمئن.أتذكر،تبلل وجهي.بلا شك، تصدع جهاز أنبوب التبريد وبدأ المحرك يسخن بكيفية خطيرة.رغم ذلك، أكدت إشارة الطيار،عن إصراره لمواصلة التحليق غاية السويداء.

ثم ها نحن عند منحدر جبل، إنها العاصمة الدرزية. تبدو عبوسة وخشنة. نبتعد عنها، نلاحظ بجلاء قلعة مدمَّرة، بعد أن غادرها الجنرال غاملان وسلم الموقع.

لم يعد، يتعلق الأمر آنيا، بالسفر كسائح.أركز عيناي مرة على الطيار، وحينا آخر جهة الصفيحة الزجاجية، الكامنة في عمق حجرة الطائرة، التي تمكن من رؤية المشهد عموديا.أنتظر، كي ينجح القصف،المسألة رهينة بثوان.

تبدو تحت قدماي، أولى المنازل، بحدائق صغيرة.يرفع الطيار ذراعه معلنا نقطة الصفر، فأطلق النار.تبعث المدينة بعاصفة أولى من الدخان،ثم ثانية وثالثة. غيرت الطائرة،اتجاهها.

بعد انقضاء نصف ساعة، حطت الطائرة، بغير ارتجاج، على أرض درعة، أمام شمس بصدد الإعلان عن لحظة غروبها.

من جديد خمَّارة ، والجلوس رفقة جماعة الشباب.طراوة نسيم ناعم،يصاحب الغسق السريع. تدوي الضحكات.غدا عند الفجر، ستنطلق الطائرات من أجل توجيه وحماية الرتل العسكري، الذي سيزحف على السويداء.

إني أحلم، لقد تمكنت صدفة جراء فضول المهنة، من تلمس الخطر الذي يسرع نحوه هؤلاء الشباب غير المكترث.ببساطة، ينجزون كل يوم ذات المهمة، بانشراح.يعشقون التحليق، وقدموا إلى هذه الجغرافية بمحض إرادتهم.

ماذا يلتمسون إذن مني، أن أقوله في فرنسا لصالحهم :

فقط مايلي :

-هل يمكننا الحصول على كتب؟

-وكذا التحاق مراسلات حربيات بصفوفهم؟

القسّ الليلي :

-هل تسمحون،أن أطفئ؟ بسبب العوض.

ينفخ رفيقي بفمه نحو القنديل. هو قس بروتستانتي، مهمته اصطحاب الجنود إلى جبل الدروز.بالكاد، اختلست فرصة كي أرمق وجهه ،بملامحه الصارمة،المتناسقة، غير المتجلية بوضوح،نتيجة تشويش الوميض الملتهب، المبعث من فتيلة الفحم.أيضا،غرفة الفندق،الوسخة جدا، التي احتضنتنا تلك الليلة، لم أتبينها أركانها كفاية، دون أن أبدي قط أسفا بهذا الخصوص، مادامت ستثير سلفا إغمائي حين رؤيتها.

الآن، تكتنفنا ظلمة، ليس كليا، مادام بوسعنا أن نرى عبر النافذة، إضاءة محطة القطار في درعة، حيث ننتظر القطار المتجه إلى دمشق والمتأخر بنصف يوم.فقد خربت السكة الحديدية الليلة الماضية على امتداد كيلومترين تقريبا.

لم تتجاوز بعد الساعة التاسعة ليلا، بيد أن المدينة العربية الصغيرة استغرقها سبات.صمتت ،أصوات السوق الصاخبة، وتوقفت أبواق الفونوغرافات الضخمة، ولم تعد تتغنغن وسط المقاهي.بين الفينة والثانية،تطرق قارعة الطريق مشية سريعة لحصان، يمر بدوي أو بعض مسافري الليل الغامضين.

أشعل القس سيجارة. مما أحدث وسط الظلمة نقطة ملتهبة، يصعب أن يفارقها نظرك .

-من أجل طرد البعوض، خاطبني.

فعلا شرع يمارس حولنا دورانه النابح والجهنمي.

-ونحن وسط غرفة منغلقة !يتحدث القس.غدا تبدأ الحملة العسكرية.لكن كم يمضي من الوقت قبل العثور على سرير؟.

نطق بمصطلح ينتمي إلى لغة العامة، دون تكلف،باعتباره عسكريا.يشعرك، بتآلفه مع الجند،وقد ألهموه اللغة والفكر.

أستمع إليه بانتباه متواصل، لأن هذا الرجل، المتجلية وظيفته في الإصغاء إلى قلوب الآخرين،يبدو لي مع خلوة الليل، المخفية لملامح وجهينا، نفس صوت الكائنات البسيطة المقاتلة في الجبال السورية.

– لقد أحسنا صنعا بمنح الرجال قليلا من الراحة، قبل المعركة، أضاف رفيقي في الغرفة. ثم ليس كافيا.أدرك جيدا استحالة القيام، بما هو أفضل، فالجنود يصلون أحيانا إلى منتهى قوتهم ويستنفذونها، إذن عليهم أن يكونوا باستمرار متأهبين.

“ثم ألا ترون، ضرورة الانتهاء من هذا.فلا شيء، يزعج العقول أكثر من الإحساس بالعبث.نريد فعلا أن نقاتل بفعالية، لكن إذا كان هذا مفيدا في نهاية المطاف.ينتابنا هنا شعور مفرط مفاده أننا نكرر بشكل لانهائي حبكة أسطورة بينيلوبي .

“لماذا نُعامِل في فرنسا، باحتقار جيشنا المتواجد على الأراضي السورية؟أريد التأكيد لكم، أن رجالنا بالرغم من معرفتهم القليلة بالسياسة، يشعرون بذلك. مما يؤثر،على درجات معنوياتهم.في المقابل،يجد العدو نفسه متحمسا.

غير بعيد، ينبعث دويّ صفير ولهاث .

-حتما، لقد وصل قطار دمشق، يشرح القس.ينبغي، الانتهاء من إصلاح المصفحات. بالمناسبة، هل تعلمون كيفية تمرنهم على قطع الطريق؟ إنهم يفكون، الخطوط الحديدية إلى جهتين متباعدتين تماما ، ثم يرجعونها بحبال تجرها جمال وحمير.الطريقة، بدائية جدا. لكن المثير للاهتمام، استلهام المسألة . إبان السنة الماضية،لم يخطر بأذهان المتمردين، نجاعة خلق اضطرابات فيما يتعلق بحركة المرور، ولم ترد إلى عقولهم أهمية ذلك.مما يدل على أنهم حاليا، يضمون أشخاصا متعلمين، يفتقدهم تسيير البلد.

ثم حدثني القس عن الدروز.

-لا يمكننا الوثوق فيهم، يقول.بل ديانتهم تدعوهم إلى الخداع،من أجل تدارك نقصهم العددي وسط المحيط الإسلامي.

استفاض رفيقي متكلما عن هذه الملّة السرية والغريبة، الجامعة بين كل الاعتقادات، ومعلنة من بين شخصياتها المقدسة إبراهيم وموسى وعيسى ومحمد، مؤمنة بالتناسخ وتعتقد بوجود الجنة في الصين وراء السور العظيم، إلى جانب الشمس الدائمة الشروق.

-مع أشخاص كهؤلاء، يضيف القس، يجدر بك تبني الحذر الشديد، فلا يمكننا معاملتهم على الطريقة الأوروبية.إن رجلا، يعرف كيفية التحدث معهم، أفضل من صنيع كتيبة عسكرية.هنا،بوسع السلطة الشخصية، خلق معجزات، مثل ذاك الكولونيل المتواجد في دمشق، الذي يقوم مقام فرقة عسكرية مجتمعة.تأملوا إنجازات،كولي الصغير.

نعم، كولي الصغير !سمعتهم يرددون هذا الاسم في كل مكان ،بنفس المحبة والتقدير. ملازم أول، صاحب هيئة خجولة، يستحيل على وجه التقريب، أن تنزع كلمة حوله في سوريا، أفضل من المجد : هو أسطورة.الرجل الذي أشرف على تأطير سرايا الشركسيين،وكذا ربما أفضل الجنود الفرنسيين المتواجدين في سوريا،لأنهم أكثر المتأقلمين مع أجواء البلد والصادحين باحتقارهم المطلق للموت.

فرسان القوقاز، المدَرَّبين من طرف الأتراك بغية محاربة المتمردين،لا يتطلعون إلى شيء ثان سوى الحرب، ويزدرون المهن الدنيئة التي تمكن من اكتساب المال، غير مهن السلاح. يزرعون حقولهم،بجنود مرتزقة، مترقبين فقط لحظة ،شد سروج جيادهم، والإسراع إلى تناول بنادقهم، الجاهزة دائما.

والحال، أنه جراء واحدة من لقاءاته العجيبة، بحيث لا شيء يوحي بإمكانية عثور هؤلاء الآسيويين الشرسين، على قائد وملهم، في شخص فتى متحفظ.يحرضهم بشجاعة، وقد أبدى تعطشا مستمرا لمغامرات،تسكرهم أكثر من مفعول الخمر. هكذا دخل وحيدا قرية متمردة، قاصدا مباشرة زعيمها، فأرداه قتيلا رميا بالرصاص، ثم غادر سريعا بجواده ، دون أن يفكر شخص في إطلاق النار عليه. زعيم، يتعهد دائما بقيادة فرسانه، متجردا من أيّ سلاح آخر سوى سياط، متقدما بهم صوب الوجهة التي يريد،لأنه بحكم بسالته المجنونة،سيمر أمام هذه العقول البسيطة والخرافية، باعتباره كائنا معصوما.

تأوه القس،بعد تتمته لوصفه :

-كولي الصغير، يقود عددا من عناصر الفيلق. حاليا، نفكر في ترقيته إلى رتبة مقدم، بما أنه أنجز كل المطلوب.

أتذكر في هذا الإطار، أنهم نسبوا إلى السيد دو جوفنيل، التعليق التالي، على زعيم الشركس الشاب :

“بالتأكيد، حقق نجاحا مبهرا، لأنه مجرد ملازم أول”.

معسكر الجنود :

غادر فجرا، الجنود السائرون نحو السويداء،وعلينا الالتحاق بهم في المعسكر.

تطوي السيارة طرقا سوية، وسط غلة حصاد رائع، لم تعرف سوريا موسما مثله منذ زمان.قرى، بسطوحها المعتمة، وأبوابها الواطئة، تساعد أحيانا على تحديد اتجاه الطريق.ثم، تبدو للعيان تحت الخيمة الزرقاء للسماء الممتدة، تلك الخيم البيضاء للمعسكر.

تحت القماش المرفوع، ينام الرجال الواحد إلى جوار الثاني.تظهر صفوف الأجساد الداكنة،من خلال نومهم الثقيل، القوة وكذا الشعرية المباغتة للأرض. خيول تصهل، بجوار شاحناتهم.وفي مكان أبعد،على يمين الطريق، يتناول ضباط غذاءهم.نسيم قوي،ينتشل كلامهم بعيدا،ويهز الأقمشة المعقودة حول القبعات العسكرية.

نزلنا من السيارة.ساجلهم الجنرال طويلا ثم توقف فجأة. لأنه رأى على بعد أمتار منه، رجلا أسمر، صاحب عينين متوقدتين، جامدا في موضعه.أحزمة خراطيش، توشح صدره المنتفخ،وتلمع أسنان وحش تحت شاربه الأسود-الأزرق.

-إنه قائد جماعتنا من مقاتلي الدروز، أخبرني الجنرال.

حينما لاحظ اندهاشي،انطلق يشرح مبتسما :

-نعم يصطحبنا خمسون فارسا دورزيا. سنوظفهم كمرشدين. وسيشكلون طليعة الرتل. إنهم أوفياء، ولا يتعبون.يعتبر هذا التجمع الأول، مفيدا. انتظر، سأدخل البهجة إلى قلبه.

ثم خاطب بواسطة مترجم قائد الدروز، الذي بقي منتصبا كتمثال.

تحدث الجنرال مشيرا بيده نحوي :

-هو مبعوث من فرنسا، أتى للوقوف على كيفية تصرف الدروز.سيكون سعيدا،لإخبار رئيس الجمهورية، بأنك ورجالك تشكلون حلفاء أوفياء لبلدنا.

توقدت عيناي الرجل الجبلي الملتهبتين، بوميض أكثر لمعانا، لأن العبارة أصابت بيت القصيد.وأنا أتأمل دلالة هذا المشهد الصغير، بدأت أتجول في المعسكر. فضاء شاسع، ومفعم بالحيوية.بالتالي، يلزم وقت، للقيام بالجولة.لكن فجأة، وأنا أهم بمغادرة القرية العربية البئيسة التي تمثل مركزه، افتقدت رغبة مواصلة هذه الجولة؟ لماذا رؤية بعض الجنود، يجرون بغالا نحو ينبوع، أذهلتني إلى هذا الحد؟.

يرتدون مثل باقي الآخرين، ألبسة عسكرية صفراء يكتسيها الغبار.لا شيء يميز مظهرهم.لكن تأكْسد سحن وجوههم، وتعابير نظرتهم ، ثم شجاعة وصلابة جباههم، مختلف ذلك أضفى جلاء مؤثرا.عندما سمعت أحدهم يقسم بالألمانية وآخر بالروسية، فهمت بسهولة.

الفيلق !

هذه الكلمة، بالنسبة لكل فكر يفتتن سريعا بالمدهش والشجاع والصدفة والسلطة الساحرة.كيف لا نتحمل، انجذاب هؤلاء الرجال نحو ماض زائل، ثم يعثرون على أقصى درجات ملاذهم في متاعب ومخاطر حرب أبدية ؟.

يمرون ببطء، بانضباط ، خلف الدواب.ملامح وجوههم صارمة، كألغاز، رؤوسهم مكشوفة.الشمس الحارقة لا تضعف عزيمتهم،بل يحملونها سلفا من خلال طبقات كَلَف كثيفة،تعلو الخدود والرقاب والجباه.عظامهم عقدية،عيونهم شاردة.يسيرون بهدوء،متجهمين وصامتين.

كانوا في المغرب.وحاليا في سوريا.لا يهم !ألم يكرسوا أنفسهم،إلى مهنة مرعبة اختاروها، تتشابه في كل مكان. أيضا، سينتقلون بعد أشهر، إلى بلدة راشيا للدفاع عنها ضد عدو، يتجاوز حجم العدو الحالي بعشرات المرات، والذين حينما شاهد أفراده الدروز يجتاحون ساحة القلعة،صاحوا :”أيها الفيلق الجسور !”ومن تلقاء أنفسهم،دون انتظار لأمر، شرعوا يقاتلونهم بالحِراب ،ويمنعون الضباط من المشاركة في المعركة، مخاطبين إياهم :”إنها مهمتنا ولا شأن لكم بها”.

أي رُقية غامضة، تدفع هؤلاء الألمان كي يقاتلوا بالفعل كثيرا من أجل فرنسا؟لماذا يقبل هؤلاء الروس، أصحاب النظرات الوديعة، على الموت في منحدرات الجبل ؟فلا شخص فسر هذا الأمر،أو بوسعه تفسيره.

حاولت مع ذلك الحصول على جواب من لدن جماعة ضباط التقيتهم. لكن،لا واحد منهم أفادني،سواء الطبيب الشاب، صاحب وجه غض جدا وبشوش للغاية، يبدو كأنه لازال منتميا لأحد أزقة الحي اللاتيني، ولا الملازم الأول، بملامحه المتزهدة، ولا القائد المدهش ذي اللحية البيضاء كالثلج، فتجعله شبيها ببطريرك.

من الملاحظ أيضا، أن السؤال لم يزعجهم قط.امتلكوا عادة معينة بخصوص رجالهم، بحيث لا يستفسرون أبدا عن مبرر تجمعهم.لا يهمهم الماضي مطلقا.يكفيهم الحاضر، لأنه بصفة عامة ينطوي بما يكفي على الطارئ،كي يستغرقهم.

-هل تعلمون، خاطبني العسكري الشاب، برتبة رائد، أن الجندي الوصيف، هرب وتخلى عني.وجدت هذا الصباح رسالة من طرفه.ظل مهتما بترتيب شؤوني، بدقة متناهية، ولطيفا معي غاية اعتباري وريثا جديرا به. كان رجلا وفيّا.

-إننا قريبين جدا من فلسطين، يفسر القائد صاحب اللحية البيضاء.يشتغل رجالنا في القنصلية الألمانية بحيفا.تسع وعشرون ضمنهم،غادروا لبعض الأيام.

– لازال واحد منهم مستمرا!صاح الطبيب.

التفتت نحوه. بقيت منذهلا.شخص فارع الطول، قوي، أسمر،يتجول عاريا وسط المخيم، يحمل إناءين كبيرين ممتلئين تماما.تنتفخ عضلاته مع كل حركة يقوم بها،مثل حلقات سلسلة.يتصبب العرق بغزارة،على صدره الشبيه بصدر ثور، وكذا أكتافه التي تبدو كتلا من الفولاذ،وعلى العنق،عمود غير قابل للكسر.

-إنه أستاذ للتربية البدنية،أتى من فيينا،تابع الطبيب كلامه.حينما ينهي أعماله المرهقة،يقرأ على مسامع رفاقه المقاطع الشعرية الأكثر عذوبة.

-البلهاء الجلفين ،يقول القائد، لا ينبغي أن نعهد لهم القيام بمهام معينة.

ضغطت عليه كي يستطرد في الشرح.رفض. لكن فيما بعد فهمت ما جرى.وأعيد تكرير الواقعة هنا،لأنه قد تتجلى حماقات لا تستسيغها بعض السياقات.

تشغل وحدة عسكرية موقعا بالقرب من دمشق. تتوصل مرة كل شهر برسائل لها وكذا رواتبها. لكن ذات مرة فاجأ بعض قطاع الطرق ساعي البريد المكلف بالتوزيع، فقتلوه وسلبوه جل ممتلكاته. النتيجة، لم يتوصل أفراد السرية خلال ذلك الشهر برسائلهم ورواتبهم.

بالنسبة للقضية الأولى، يستحيل القيام بأي شيء. لكن ماذا عن مستحقاتهم المالية؟ آلاف الفرنكات، يحتاجها هؤلاء الرجال الذين لم يبخلوا قط بحياتهم، وتعيش العديد من عائلاتهم في سوريا؟ثم بعد مرور ما يقارب سنة على الحادثة، لم يتم تعويضهم.

لماذا؟ لأنه كما قيل، ينبغي عرض الأمر على المسؤولين في باريس، غير أنهم يجهلون، طبيعة موضوع صرف هذه الميزانية غير المنظورة.

إذن فقط احتراما لدفاتر الحسابات، نحكم بالانتظار على الذين سيطروا على بلدة راشيا ثم السويداء،في أقل من سنة.أشعر بامتعاض،وأنا أعيد التذكير بالواقعة، لكن ما العمل؟ مادامت ربما تبقى الوسيلة الوحيدة لإنهاء جور من هذا القبيل، بحيث لا ندري هل يشكل حماقة أكثر من كونه فضيحة، أم العكس.

—————————–

 (3 /5)

المدينة الواقعة تحت الأرض

ذات ليلة، وأنا أتأمل من داخل المطعم،تلك المصابيح القليلة التي تضيء مرفأ بيروت المظلم، اقترح علي بوشيد المدير الشاب لجهاز الأمن السوري،ما يلي :

-هل تريدون مرافقتي؟ أظنه أمر سيهمكم.

تعقبتُ بوشيد دون تردد، لأني أعرفه لا يقدم وعودا مجانية.هذا الفتى الرشيق، صاحب وجه متناسق الملامح، وأسنان لامعة،لا يدين بوظيفته إلا لمثابرته وشجاعته وذكائه.متواضع ومستقيم، ينتمي إلى هذا الفريق الذي لايضاهى، بحيث أدركت العبقرية المتوقدة، للسيد جان شياب، كيفية اكتشافه،وتنظيمه وتوجيهه.ثم، خاصة يعتبر بوشيد شابا.

حظيت ثقتي بمكافأة، تجاوزت أفق انتظاري ،مادمت سأتابع هذه الليلة، إحدى العروض التي يستحيل نسيانها.

وسط فناء مفوضية الشرطة المركزية، ينتظرنا فريق صغير : رجال شرطة بلباسهم الرسمي أو المدني.يخرج رجل من تجمعهم المرتبك،ويقترب منا.

-إنه السيد لابان ،ضابط الشرطة الأول في بيروت، أخبرني بوشيد.

انحنى السيد لابان بكرامة. خاطبه بفرنسية سهلة ومنتقاة.تخفي العتمة ملامحه، لكنه حين خروجنا الى الشارع، وتحت أنوار الإضاءة، بدت على العكس وضاءة.السنوات العديدة،التي قضاها ضمن صفوف البوليس التركي، جعلت منه شخصية حازمة.نظام بأكمله مستبد،ومرعب وبارع،يوجد تحت تصرف شخصيته المهمة والسمينة،بشاربيه المصقولين، والمرفوعين على الطريقة الألمانية.ترسل عيناه المخمليتان،تحت قبعته المصنوعة من فرو الحمل،بريقا فاترا ومرعبا.يلوي على الدوام،بين أصابعه المكتنزة،هذا الكرباج، تارة مرتخيا وتارة نافذ الصبر.لا يمكننا مشاهدته دون أن يعود بنا الخيال إلى السلطان عبد الحميد، ومعه مآسي سرايا السلطان والأموات الصامتين.ربما،اختلفت مهمته تماما في بيروت، لكن الدم الذي ينتمي إليه والانضباط المكرس من طرفه يضعان توقيعهما على جهنم.

-قال، سنذهب كي نجري عملية تفتيش في مدينة تقع تحت الأرض.

-هل المسافة بعيدة؟ تساءلتُ،وأنا أحدس طريق رحلة طويلة.

-لا،على بعد خطوتين من هنا.

نظرتُ إليه باندهاش.نتواجد، في حي ببيروت، يتسم أكثر بطابعه الأوروبي.من بين المنازل المرتفعة،لا يتوقف صخب عربات الترام، ثم سيارات تتجنب المارة المرتدين للطرابيش الفاسية ويظهرون أوج لامبالاتهم، كما تشير اللافتات الاليكترونية إلى أمكنة المتعة.فكيف بي افتراض، أن مدينة تحت -أرضية على بعد خطوتين….

تبسم السيد لابان، بلطف.

في الشارع الرئيسي للمدينة، انفتح الصدع، وقد كان دقيقا جدا، بحيث يمكننا المرور أمامه عشرين مرة، دون أن يثير انتباهنا. إذن، سيعبر فريقنا هذه الفجوة، بحيث ظننتني لحظتها داخل متاهة كابوس.ممرات أكثر ضيقا من أنفاق، جدران قوية، صالحة لقرون، أقواس قوطية سميكة، قبب ضخمة، مختلف ذلك يتشابك،ويتقاطع مع مسالك غير متوقعة، ومنافذ نحو آبار مظلمة، حيث نسبر تشعبات أيضا أكثر قذارة،واختفاء، مختلف هذا دون أية إضاءة سوى التي يبعثها القمر الناصعة والمصفرة،نلمحها أحيانا بين قنطرات صغيرة مظلمة.

فجأة، انبثق نور،عند مفترق طرق.بدت مقهى، نصف متوارية في الأرض،يضيئها بعنف غاز الأسيتلين. أربعون رجلا تقريبا يجهزون مقاعد،ويدخنون في صمت النارجيلة. كانت ألبستهم بألوانها المتنافرة، وأدران طرابيشهم الفاقعة،أقل إثارة للانتباه مقارنة مع وجوههم.لون سحنة وزغب بشرتهم الأسود،ثم جلوسهم خلف الإضاءة الفظة للمصابيح،وضع يبعث في قلبك الرعب، حين إلقاء نظرة عليهم. ما يجذب الانتباه ليس شراسة نظراتهم، ولا تغافل الأفواه، بل نوع من التحامهم القدري بالجريمة. أشخاص على أهبة الاستعداد للقتل، بدافع الكراهية أو طمعا في مكسب،لكن أكثر بسبب شعورهم أن الله وضعهم في هذا العالم مثل سكاكيني يصنع سكاكين.هكذا،سيمثلون داخل مغارة علي بابا، الأربعين حراميا.

-إنهم شجعان بيروت،أشار السيد لبان. الذين ينفذون أوامر القتل.زعيمهم شخصية كبيرة ينتمي إلى المنطقة.

تابعوا مرورنا أمامهم، دون أن يحركوا قيد أنملة أجسامهم المفتولة العضلات .

-جماعة تعرف كيف تموت،واصل السيد لبان حديثه، ملوحا بسياطه.مؤخرا، شنق أحدهم نفسه. اقترب من المشنقة، ثم تناول الشريط المعقود، من يد الجلاد ومرره من وسط عنقه، كي ينتهي أمره سريعا.

تابعنا سيرنا من جديد وسط المتاهة.لم تدق بعد الساعة التاسعة،مع ذلك، يحيلك فراغ الممرات، على مسالك مقبرة، ليلا.رائحة مقززة تغمر المكان، خُضَرٌ تعفنت، قذارة تراكمت طيلة قرون، أحجار متسخة ،بول.لم يكن في مقدورنا، التقدم إلا ببطء،بمساعدة على وميض المصابيح الكهربائية.

كان السيد لبان في المقدمة، ثم توقف تماما، وأطلق صفيرا.أسرع شرطيان، اختفيا وسط واحد من آلاف الدهاليز، التي تشكل هذا الحي الغريب.عندما رجعا، كانا يصطحبان شخصا يحمل كيسا على ظهره.بعد أن تفرس السيد لابان في وجهه،ودون أن ينطق بكلمة واحدة، صفعه.تبسم الثاني، فكشف فمه عن أسنان جميلة، ثم أدار له خده الآخر، فبادر السيد لابان كما لو يستعمل معه الواجب، إلى صفعه ثانية بكفه السمينة.ثم، بينما يقتاد رجاله الشخص،التفت نحوي وشرع يفسر إلي بنوع من الود المرح :

-نعرفه جيدا. إنه أحد أكبر اللصوص. يختلق أدوارا طريفة جدا.تصور، ذات يوم، لمح قرويا شجاعا، منكبا يحسب بمتعة عددا من الليرات الذهبية، بعد أن باع محصوله. اتجه نحوه، احتضنه، وقبّله، صائحا في وجهه : ((كم أنا سعيد،لقد عثرت عليك أخيرا، يا ابن أختي، بعد سنوات طويلة من الفراق.وأمك المسكينة،ليكون الله إلى جانبكم جميعا !)).تملص القروي من ضمته، مفزوعا: ((آه! داهمه صاحبنا، اسمح لي لقد التبس علي الأمر،إنك تشبهه إلى حد كبير))ثم، انتشل منه الليرات الذهبية… آه ! آه !انتظر قليلا.

توقف السيد لبان عن الكلام، ثم شرع يتشمم الهواء، على طريقة كلب صيد.

– همس : رائحة حشيش.

هكذا فقط تبينت حيثيات المدينة، الموجودة تحت الأرض.انطلاقا، من تحت المتاهة وصولا إلى سطح الأرض، توجد أرض ثانية، تقود نحوها سراديب مزحلقة ، محفورة وسط سمك الجدران، ثم تنخفض جدا، بحيث يستحيل السير وسطها، دون أن تطوي جسدك إلى نصفين.رطوبة عفنة ترشح على امتداد الأحجار،ودوي أصوات وقع الأقدام بشكل محزن جنائزي تحت الأقبية،ثم يغمرها نَفَس مثل حشرجة .

هنا عاينت أشباحا أو هلوسات حقيقية.يقفون بكيفية مقوسة،وسط مشكاوات ،ضيقة ومظلمة جدا بحيث لا أحد، بوسعه أن يرصدهم، سوى السيد لبان.تحت نور مصباحه،يظهرون بغتة، بأشكالهم البدائية.فكيف،بوسعنا أن ننعت بشكل ثان أجساما نصف عارية، نحيفة حدّ العظم، وهذه الوجوه بعيون مغلقة، ومناخير مضمومة،وشفاه مفتوحة قليلا؟ متجمدين في أمكنتهم،متوارين خلف حلمهم القذر.اقتضى الأمر،ضرب أطرافهم بالكرباج، بكيفية مبرحة جدا، لاثنين أو ثلاث مرات، قصد إرغامهم على الخروج من خمولهم.عيونهم الذابلة،تهيم نحو رجال الشرطة، دون استيعاب لما يجري.أحيانا،يرغبون في الكلام، بيد أنهم يعجزون تماما.اقتادوهم،متعثرين مذعورين،ثم لايدركون أنهم قد شرعوا في السير.

أتذكر خاصة،فريقا من ثلاثة أشخاص.لم يستوفوا بعد الجرعة الكافية،لكنهم فوجئوا بحضورنا لحظة تجمعهم حول نارجيلة،محشوة حشيشا.لازالت حتى اللحظة،تردد أذناي،نواحهم وكذا تضرعهم.لم يتوسلوا ، كي لا يلقى بهم في السجن،بل مجرد السماح لهم بإتمام جلستهم.حينما،رأوا بأن الشرطة استولت على أجهزتهم، أصابهم إحباط، استمر طويلا على امتداد المدينة التحت-أرضية، في صيغة صرخات حادة.

طيلة ساعة، انتقلنا إذن، عبر مختلف الممرات و الحجرات، ومن مشكاة نحو ثانية.أدخنة، بيوت مشبوهة وبيوت مغلقة.في كل مكان،نفس المتعة الكئيبة،وذات الصرخات والأشباح. أخيرا، ولأن تجلّد ضميري بلغ منتهاه، فقد التمست الانسحاب.

صعدنا من جديد، نحو المتاهة العليا.وراء ستار، بلون رماني ،يعرض خباز أرغفة عربية صغيرة،خرجت للتو من الفرن.تنبجس شجرة سرو،تشبه فوارة معتمة،من فناء صوب سماء الشرق الكبيرة.ثم عبر النافذة المفتوحة لمنزل،يقبع تحته جحيم حجرات تطوي شهوة ملعونة، نسمع طفلا يئن وصوت امرأة تحاول تهدئته بأقوال غامضة.

ملِك البلدة

هكذا، في كل الدروب التي تعبرها القوافل، يسترعي انتباهنا، مولير قائد الهجَّانيين السوريين.

تعرفتُ عليه في دير-الزور، مدينة بدوية، تقع على امتداد الفرات تلتهم أحياءها الشمس، وتطويها منازل بيضاء.وصلتُ بالطائرة من مدينة تدمر، لتناول وجبة الغذاء، في النادي صحبة فريق من الطيارين. إنها، أحد أجمل ذكرياتي، لأنها منطقة في العالم، تشعرك دائما بالسرور، مهما الأحداث التي يمكن أن تعرفها. حاولتُ إخبار من كانوا في سوريا،أني لن أعود إلى هناك،سوى بهدف تقديم الشكر لهؤلاء الشباب، الشجعان والفتيان المرحين بأسلوب استقبالهم، ثم لأكرر لهم، أن فرنسا لن تستطيع أبدا أن تظهر ما يكفي من الاعتزاز بهؤلاء ”الرجال -الطيور” القابعين في الشرق.

أثناء وجبة الغذاء، مع أصحاب الذقون الحليقة، جلس أمامي رجل بلحية صهباء،تغطي غاية النصف نسيج الصدرية.يتكلم ببط،بنبرة صوت مهموسة قليلا، لكن مختلف ما يصدر عنه كما لو عفويا، يثير الانتباه بحكمته وصوابه.يكشف بريق عينيه على أقصى درجات الفطنة، وكآبة مسهبة في ذات الآن. حينما، قام من الطاولة، لاحظتُ أقدامه حافية، مع أنه يرتدي نعلا بدويا، شبيها بأحذية رياضية الجلدية.

-أنت من تحب الحكايات، بادرني بالقول أحد الطيارين، تحدث إذن، مع القائد مولير، لقد عاش في الصحراء طيلة ست سنوات، يعرف العربية بنفس مستوى الفرنسية، وصار بدويا حقيقيا.

توخيت تطبيق النصيحة، لكن البداية لم تكن جيدة.

-التفتت نحوه بالتساؤل، بالتأكيد أيها القائد، أنتم الذي أظهره الكاتب بيير بينوا، بأوصاف الجندي ”الهجَّان ولتر” في روايته: “سيدة القصر اللبنانية”؟.

قطب القائد مولير حاجبيه، ثم أجابني، بنبرة مختزلة :

-من فضلك، لاتتكلم عني.

في الحقيقة، لم أتمكن على الرغم من كل جهودي، أن أستوضح أي شيء عنه.لكن الاحترام الودِّي،الذي يحيطه به رفاقه، ثم الثقة التي تتبدى مع كل حركاته، رغم تواضعه وتوهجه، اللذين يتعذر تحديدهما، والمميزة للقائد، وحدها كفيلة بالتكلم عنه.

فيما بعد، علمت أنه قاد حملة على إقليم كيليكيا، من خلال قيادته لعدد قليل من الجنود الهجَّانين، بغية تأمين المنطقة الصحراوية التي يسيطر عليها، وبأن شجاعته ودهاءه وكياسته، كرست اسمه على امتداد تخوم الصحراء السورية.

إلى غاية اللحظة،اقتصر تجاوبه على الرد التالي:

-تعال عندي هذه الظهيرة.سأجتمع مع بعض كبار رؤساء البدو، حاول استفسارهم عن بعض الأسئلة، الأمر الذي سيمكنكم من الإحاطة بالأمور، أفضل مما بوسعي أن أرويه لكم.

كان المنزل العربي للقائد مولير،المتواجد في أطراف دير-الزور، مضيافا.توجد عند المدخل حديقة في غاية الاعتناء،ثم تفتح أمام الزائر غرف واسعة مفعمة بالنداوة.

ولجت مكتب القائد، فوجدته مجتمِعا مع بعض ضباطه، وقد تمددوا نصفا، على أرائك مغطاة بسجدات صحراوية بسيطة ،يقابلهم في الجهة الأخرى،رجل كهل وشاب، العم وابن الأخ، مزود زعيم قبيلة عنزة، ودحّام زعيم قبيلة شمر.

جنود هجّانون ،صامتون ورشيقون مثل قِطع برونزية قديمة، أتوا من نجد و الحجاز واليمن،يقدم بعضهم لبعض، السجائر والقهوة البدوية، التي أضفت عليها نبتة عِطر فارسية، مذاقا للفاكهة عجيبا ولذيذا .

يطوي السيد مزود، أقدامه تحته، والرأس ثم العينيين ممتلئين بالخديعة، لا يتكلم قط. تعهد بهذا الأمر إلى ابن أخيه، لكنه بين الفينة والثانية، يعضد بصوته المنهوك مايقوله الشاب.

كان الأخير،جميلا بشكل آسر. ينحدر من سلالة نبيلة بأكملها ونشيطة،غير أن أفرادها لم يتصببوا أبدا عرقا حين اتصالهم بالمدن، ولا مارسوا وظائف معيشية، بل تغذوا على امتداد قرون من الفضاء والسماء، بالتالي استطاعوا استثمار أفضل مكوناتهم في شخصية دحام، قائد محاربي شمر .دقة ملامحه وكذا ارتباطاته ،كانت على منوال، النماذج التي نراها في المنمنمات عن أمراء المشرق.يداه، موضوعتان بعناية على ركبتيه، دون ارتعاش.سكون وجهه يقر بنقاء لاذع : جبهة ملساء ،يغطيها ”عقال” بضفائر سوداء، أنف معقوف ومرسوم على نحو دقيق، فم أحمر، دقيق ،يضحك بكبرياء،وعينين رائعتين،كأنهما بقعتي سيليكون ملتهبتين، محاطتين زرقتهما بالكُحْل.

تنحدر قبيلته من العراق، لكن عندما تعرضت للإهانة من طرف الانجليز، أصدر أمره لطي الخيام، ثم لحق به آلاف المحاربين صوب سوريا. هذا ما شرع يشرحه إلي، بواسطة مترجم. يستحضر جملة بصعوبة، ثم يأخذ مساحة زمانية كبيرة بين جملة وأخرى.بدا جليا، عدم اعتياده على ترجمة أفكاره إلى أقوال، وبأن هذه الأفكار لا حدود معينة لها، تماما كما يصنع مع الأراضي التي اعتاد على اجتياحها.

أيضا، كان حديثنا طويلا، يتخلله للحظات معينة، صمت وتأملات.أحيانا، تأتيه صيغة سعيدة وبارعة، لكن خاصة تناسب سياقها، تؤكد بأن قلة كلام دحّام، يعود لكونه ينحدر من شعب راق ومولع بالتأمل.

لذلك، حينما سألته :

-هل تحب الانجليز؟

أجابني :

-أقر، لهم بفضل، أنهم أجبروني على معرفة الفرنسيين.

أو كذلك :

-لدينا محاربين يفوق عددهم عدد السيوف.لكن،هذه العبارات المجامِلة،أو المزهوة، كانت نادرة. تذهب بأقوال دحّام، الاعتراضات كثيرا،وإذا أوردتها ثانية بأمانة،فلأنها تكشف أولا عن سيكولوجية عِرق ثم تتجلى خاصة عبر لسان هذا القائد، رغبة شعب من البدويين، بوسعه أن يرص أمامه البنادق بالعشرات بل وعشرات الآلاف.

-لا نريد، يضيف، أن تكون لنا قضايا في المحاكم.نجهل، اللهجات الإقليمية للكتبة والقضاة.إننا، لا نذهب قط إلى المدن، بالتالي، فليتركوننا نتدبر شؤوننا وفق ما جرت به أعرافنا.هي جيدة، مادام قد امتثل لها دائما أبناؤنا .نفضل أن نخسر ألف ناقة(كل ناقة تقدر بأربعة ألف فرنك)بدل التوجه إلى محكمة.فليتركوا أعرافنا في سلام.

-فليحترموا أعرافنا، كرر الشيخ مزود.

-ينبغي، أن يوفروا لنا مُدَرِّسين، حتى يصاحبوننا في ترحالنا، استدرك دحّام. يطلب الفرنسيون منا،إرسال أولادنا إلى المدرسة.ماذا يقع؟ يتعود أطفالنا على المدينة، وينسون قبيلتهم، فتبقى خيمة الزعيم بلا روح.لا، ليس ممكنا.في العراق،أقام الانجليز مدارس بدوية.

-أن لا يمنعوننا من القيام ب”غزوات”،بحيث يلزم المحاربين الشباب،تعلم كيفية توظيف البنادق، واستعمال السيف.تطرد النساء الشباب،في حالة رفضهم الذهاب إلى الغزو.ثم، إن الرصاصات تنطلق من ذاتها،إذا لم تكن ضد البدو الأعداء، فستكون ضدكم.

-احترموا الزعماء، وإلا فلن تنعموا معنا بسلام القلب. يحب رجالنا زعماءهم، هكذا تكرس التقليد. لذلك، إذا أصيب واحد منهم، فكأنهم أصيبوا جميعا.لا ينبغي، من أجل خطأ طفيف، وضع ابن الزعيم في السجن، مثلما حدث مع ابن مزود.

بغتة، عادت الحياة إلى الشيخ.تنطفئ عيناه وتلمع، بشرارات نار قاسية، ثم صار صوته أكثر حدة.

-نموت جميعا، صارخا، حتى انقراض آخر شخص في جماعتنا، ولن تُمس عاداتنا.أيضا، نحن لسنا بعبيد مرتبطين،بأرض أو جدران.يمكننا أن نجمع خيامنا،والرحيل، لكن مقاتلينا سيعثرون ثانية على مكان الإساءة .

أثبت دحّام هذا الكلام، بتحريك رأسه، ونفس الكبرياء الشرس، يدفعهم كي يكونوا أحرارا، مثل ريح الصحراء، بعدم الارتهان لأي شيء أو شخص.

-لكن، على أية حال تساءلتُ، كيف ترتبون أواصر علاقاتكم مع فرنسا؟

-نحب ونحترم فرنسا، أجاب، لكننا لا نريد الخضوع سوى لزعيم يعرفنا، يستوعب عاداتنا وتقاليدنا، نأتمر بكل قراراته، ثم يعم السلام والرضى على امتداد كل البلد.إذن، شريطة وجود زعيم كبير يحظى بثقتنا.

تركزت، نظرات الشاب دحّام والشيخ مزود، كما ولو سهوا، على القائد مولير، الجامد على طاولته لا يتحرك ولا يتكلم قط، وقد بدا بلحيته الكبيرة، كأنه أمير عربي ثالث.

———————————-

 (4 /5)

كتائب الشركس

الاسم الوحيد الذي يعرفه الجميع في سوريا،ويحظى بالاحترام-لدى الأنصار والأعداء- بحيث لا يتعلق الأمر بمندوب سام ولا جنرال،لكن بضابط في ريعان الشباب، ارتقى بالكاد وقتها إلى الرتبة الثالثة : إنه القائد كولي،قائد الوحدات الجوية الشركسية.

لم يتجاوز بعد عمره الثامن والعشرين، مع ذلك، صار أسطورة.حينما نسمع لتاريخه، نظن أننا بصدد أغنية ملحمية.من حلب إلى الساحل ومن جبل الدروز إلى جبل صافي ،ومن دمشق حتى بيروت،لا يفوقه أحد شهرة وهيبة، ولا أيضا حب الناس له.

خلال أيامي الأولى في سوريا، فوتتُ فرصة لقائه.أيضا، حينما علمت هذه المرة، بكونه يتواجد لفترة في دمشق، توجهتُ فورا صوب المدينة.لقد، أرادت الصدفة، خلال هذا المسار، أن أعاين أحدث منجزاته.في منتصف الطريق تقريبا،بين بيروت ودمشق، تقاطعت سيارتي مع سيارة دركيين سوريين، ثم صاح في وجهي، أحدهما برتبة ملازم أول:

– فجر هذا الصباح، قام كولي بمطاردة الشهير “أكاش” وثلاثة من أتباعه، بحيث قتلهم جميعا.

أعلم سلفا بأن “أكاش”،أحد أخطر قطاع الطرق،الذين يغيرون على منطقة دمشق، زعيم شرس وشجاع.خبر كهذا، يقتضي مزيدا من التفاصيل، لكن الدركيين لم يكن بوسعهما تقديمها.غير أن فضولي،سيجد ضالته بعد حين.

عندما اقتربت من دمشق،لاحظت عند مدخل قرية صغيرة، أفراد كتيبة الخيالة، بقبعاتهم المصنوعة من فرو الحمل الآسيوي،ونحافة قوامهم،ثم طريقتهم المتعجرفة التي يمتطون بها الحصان،تجعلنا ندرك منذ الوهلة الأولى هويتهم الشركسية .خطوات بعد ذلك، وعند عتبة منزل، يتمدد عربي.كان سرواله الفضفاض، مخضّبا بالدم، وقماشا يخفي وجهه، ثم جامدا إلى حد يجعلك تظنه جثة.

-أكاش؟ تساءل الضابط الفرنسي الذي يقود الشركس.

-لا، أجاب مبتسما. إنه المخبر الذي أرشدنا على مأواه. هو نائم، فقد تلقى رصاصة في ركبته.

فعلا استيقظ الرجل، حتما جراء هدير صوت محرك السيارة، رفع رأسه.تفحصتنا عيناه الواسعتان الهادئتان في ظرف ثانية ،ثم استعاد من جديد وضعه الأول، واصل الضابط كلامه قائلا :

-لقد باغتناهم داخل المنزل.صرخ القائد، في وجوههم بأن يضعوا أسلحتهم.لكن اللص، أجابه بأن رجلا من صنف أكاش، لا يأبه قط لأمر كهذا ، لحظتها أطلقوا عليه النيران.ردود أفعالهم المقاوِمة، أصابت بجروح بعضا من رجالنا، مما أجبرنا على تحطيم البيت، وقذفه بالقنابل اليدوية.كان مجرما رهيبا،لكنه في النهاية عرف كيف يموت.

-هل معكم القائد كولي؟

-لن تصدقوا؟ لقد أخبرناه بأن أخ أكاش يقبع في مكان ليس بعيدا عن هنا، فذهب لتعقب خطاه.لايحسن الظن ،لكنه كما تدرون،لا يخطئ أبدا.سيعود إذن، إلى المدينة هذا المساء.

فكر الضابط قليلا، ثم أضاف كما لو أنه يقدم اعتذارا :

-سيكون من الصعب عليكم الالتقاء به. لأن القائد لا يحب الصحفيين.

بعد حوارات عديدة، أجريتها فترة الظهيرة في دمشق، تبينت دقة الخبر. ليس لأن القائد كولي، يكن ضغينة لجماعتنا، بل نتيجة تواضعه وكذا تحفظه المطلقين.

الرجل الذي كلما تكلم عنه أحد، إلا وأضاف له سمة بطولية، ميزت أكثر تنظيمات حرب العصابات إدهاشا.زعيم لا نظير له،تحدى الموت لمائة مرة، والقائد المشرف على زمرة أكثر شأنا من مجرد فرقة للخيالة، فما إن تحاول التطرق معه إلى مآثره الحربية، حتى يصير أكثرخجلا من تلميذ ينتمي لمدرسة سان سير العسكرية،يجلس أمام ممتحِنِه.

مع ذلك، حاولت.ولاأعرف هل أدين بهذا إلى ضربة حظ،أو لكون القائد كولي استشعر لدى محاوره ولعا عميقا بالحياة العنيفة،واهتماما شغوفا بالمغامرة،هكذا نجحت كي أبقى إلى جانبه طيلة يومين.

صحيح، أن بداية لقائنا ،كانت مضنية قليلا. حدقتُ فيه بلهفة، ساعيا إلى تخيل هذه الجبهة الرقيقة والعنيدة، الأنف الجسور، العينين المنفرجتين واللامعتين حسب إطارهما الطبيعي للمغامرة والقتال.يتكلم بعبارات مقتضبة ومستاءة ،متوخيا إنهاء كلامه بأقصى سرعة ممكنة.

مع ذلك، ولكي يبقى السياق موضوعيا، تعمدت تجنب طرح أسئلة شخصية تتعلق به، مما جعله يسترخي فأضحي طبيعيا.لاحظت، بأن فمه الآمر والمتحرك، ميزته ابتسامة ساحرة بشكل طبيعي جدا، ونظرته القلقة إلى حد ما، تخفي كثيرا من الذكاء والتأمل.ثم استوعبت لحظتها الكلمة التي قالها عنه أحد أفضل رفاقه :

– لايعتبر كولي مجرد مقاتل،يمكننا تصوره في المعتاد.

بودٍّ مضمر لكن ببأس كذلك، يحدثني كولي عن رجاله. أيضا، وقد نسبوا له هذه السمة الثنائية القائمة على الصرامة وكذا تحكمه الدائم في ذاته، سيختبر بلا توقف حاجته لكبت طاقة تلح عليه بشكل مفرط.ولكي يراوغ ذلك، يدخن بشراهة.

إذا توخينا أن نفهم جيدا شركس سوريا، يؤكد القائد كولي، يلزمنا الإحاطة بتاريخهم.تعلمون،بأنهم ينحدرون من منطقة القوقاز.بعد انهزام زعيمهم الكبير ”شامل” أمام جنود الإمبراطورية الروسية،واستعمار بلدهم من طرف الروس،لم يتقبل الكثير منهم قط الخضوع لقوة مسيحية، لذلك هاجروا نحو تركيا سنة 1860 .الحكومة العثمانية،التي تعرف القيمة المذهلة، لهؤلاء الجبليين ،المحاربين على نحو فطري وطبيعي، ستمنحهم أراضي وقرى في المناطق الأكثر اضطرابا، هكذا استقر في الأمكنة السورية الاستراتيجية، ما يقارب سبعون ألف مهاجر:((إخلاصهم على امتداد الخط. جنود بالفطرة، ويخدمون بانضباط الحكومات القائمة.سأقدم لكم،مثالا واحدا :فرقة شركسية، تحارب لصالحنا في منطقة كيليكيا، بما أن هؤلاء الأشخاص وحدهم يعرفون معنى الحرب.لكن، حينما وُقعت اتفاقية السلام، وتيقنوا بأن الأتراك، سيحكمون البلد شرعيا، بادروا إلى إخبار ضباطهم، عن رغبتهم في الامتثال للسلطة الحاكمة.فعلوا ذلك، لكن ليس بلا شرط، بحيث تكفلوا بحماية ومرافقة هذا الضابط إلى غاية الحدود الفرنسية.

((سنة1922، كنتُ مكلفا،بأمن حلب ونواحيها، فتعرفت هناك على بعض كبار سادة الشركس.على الفور،أصبحنا أصدقاء، واقترح علي أحدهم يسمى عثمان باي، بكيفية عفوية العمل على تدريب وحدة عسكرية تكون في خدمة فرنسا.هكذا، تأسست الفرقة العسكرية الأولى للشركس من خمسين فردا،أشرفتُ على قيادتها.

((عملنا على مطاردة جماعات قطاع الطرق المنتشرين في محيط حلب. قام خمسون عنصرا، بتطهير المنطقة. نجاح من هذا القبيل ارتقى بعددهم ، إلى مائة وستين،لكن لم يبق سوى القليل منهم على قيد الحياة.يدير الناجون منهم،حاليا انطلاقا من الموقع الثاني خيوط قيادة – مادامت تخضع كل كتيبة لأوامر ضابط فرنسي- الجنود الشركسيين أو يعملون في ارتباط معي.سقط الآخرون،في ساحة ألف معركة ومعركة، سواء في حوران الدروز،أو أثناء أولى معارك اقتحام السويداء، وقد تقدموا الجميع ،أو سواء في حدائق دمشق الدموية.

((لا يمكننا وضع هؤلاء الأشخاص موضوع مقارنة، بخصوص المعركة التي خاضوها في سبيلنا.فما، إن يتم رصد عدو، في المستنقعات أو الغابات أو المنحدرات الجبلية، إلا وأسرع الشركس نحوه. لا شيء يصدهم،سواء طلقات البنادق أو الرشاشات، ويسعون إلى المجابهة المباشرة، أي تلك المعركة التي نتبادل فيها النار عن قرب، ونطعن بضربات سكين وكذا عقب بندقية.عندما،يدركون هذه المرحلة، لايمكن لأي قوة الصمود أمامهم.

((هل تعلمون، أنه يوجد بالقرب من هنا،في قلب الغوطة مدينة شركسية، لم تعد تضم سوى ثمانين شخصا، شيوخا ونساء وأطفالا، بعد مغادرة الرجال نحو الحرب.حاصرهم ألفان من قطاع الطرق، توخوا تحطيم هذا الوكر الخطير.استعمل الجميع الرصاص. وحينما اقترب الجنود المهاجمون أكثر، انتفض ثمانية مراهقين وتصدوا للهجوم.

-ثمانية؟

-نعم صحيح،بصدق.لكن،أشير إلى ما يفوق هذا أهمية.ذات يوم، تكلفت بتجريد قرية درزية من السلاح،بحيث تحتم على هؤلاء الساكنة، تسليم ثمانين بندقية.فعلوا ذلك،دون تردد.في المعتاد، تعتبر دليلا،عن انقياد دون فكرة مبطنة، ولم أشك أبدا.لكن كاحتياط غريزي، أخذنا بعض الرهائن، وأكرر، كان مجرد احتراس شكلي صرف.إذن، بينما نتهيأ لقضاء ليلة هادئة،انطلق الرصاص منبعثا عبر كل الصخور المجاورة.لقد هاجمنا ألف درزي .الذين بقوا في القرية،أضرموا النيران في منازلهم من أجل مساعدة الجماعة التي أتت لنجدتهم.كانت معركة في غاية الضراوة.وجدتني داخل منزل،لحسن الحظ، يطل على الضيعة الصغيرة، رفقة صديقي عثمان باي، وستة من الشركس.وجّه المهاجمون أساسا تركيزهم نحو مخبئنا،بحيث تابعت أطوار لحظة مفارقة. الدروز، الذين يعرفون عثمان نظرا لشهرته، غمروه بأفظع الشتائم.في نهاية المطاف، لم يستطع تمالك نفسه ،فاندفع مهاجما”وحده” الحشد الغاضب. كيف سينسحب سليما؟ ثم كيف قام بالأمر لثلاث مرات، بحيث ينطلق ويعود؟ يصعب حقا التعبير عن ذلك .

-لكني رأيته.

تأمل القائد كولي للحظات، ثم قال ببطء:

-هو أكثر الجنود، الذين التقيتهم، إقداما.

-أكان كذلك؟ تساءلت.

-نعم… لقد قاتل بجانبي منذ ثلاثة أسابيع، في الغوطة.

ساد صمت،ثم استدرك القائد :

-في الغد، أتى عمه ملتمسا مني أخذ مكانه.تفهمون الآن، مصدر حبي لهؤلاء الرجال.ثم اتصفوا بنبل فطري مثير. جلهم أرستقراطيين.أيضا، أعترف لكم أني أتردد حاليا، بخصوص الذين يقترحون علي أنفسهم.لقد أضحوا أقلية، من لازالوا يدخرون فصيلة دمهم، لذلك أخشى انقراض سلالتهم. يوجد تحت إمرتي حاليا، ثمانية جنود، غير أن الكثير منهم ليسوا من الشركس.هناك الاسماعيليون، مقاتلون أشداء، أثاروا إعجابي ضمن صفوف العلويين، ثم أهل بادية قبيلة شمر، أفراد ينحدرون من منطقة نجد. يقود كل واحد من هؤلاء الجنود، ملازم أول فرنسي، توخيت اختياره. ستقفون على ذلك شخصيا، إذا قبلتم دعوتنا لتناول وجبة العشاء هذه الليلة في مطعم الضباط. سيحسنون وفادتكم، أتمنى ذلك، وللأسف، سأكون متواجدا في مكان آخر .

لم أتجرأ على الاعتراف للقائد كولي، أني أفرح لغيابه، مادام يشكل ذلك، وسيلتي الوحيدة لتقصي قليلا من المعلومات عنه.

—————————–

 (5 /5)

القائد المحظور

-لا يفوقه أحد شجاعة…

– وصوابا…

– وتواضعا…

– وإدهاشا…

هي ذات عبارات الثناء التي سمعتها داخل قاعة مطعم الضباط ”الشركس”،ما إن يُنطق باسم كولي.ثم، يقطع أحدهم كلام الثاني،وقد أبانوا عن نوع من الحماسة المقدسة، حين حديثهم عنه.التواريخ، الأمكنة، المنجزات،فتتوالى المدائح بغزارة في إطار جلبة، بحيث تساءلت مذهولا، إن تعلق السياق فعلا بالشخص نفسه.

هاهي المراحل الأساسية،التي تستحضرها ذاكرتي،ضمن بقايا تلك الحكايات المتداخلة والحماسية.

قبل ست سنوات تقريبا، قَدِم القائد كولي إلى سوريا، كانت رتبته العسكرية ملازما،وعمره اثنين وعشرين سنة.معرفته باللغة العربية – ينحدر من أصل جزائري- أهلته كي يعيَّن مسؤولا في مصلحة الاستعلامات،على منطقة العلويين.شعب محارب وشرس،يعيش غليانا، وتعتبر ديانتهم الأكثر سرية ،فلا يمكن لأي شخص غريب اختراقها.الملازم كولي،تقريبا بغير جنود، تمكن من إعادة استباب السلام في المنطقة، مرتكزا على تصميمه وإقدامه ثم معرفته الفطرية التي يمتلكها عن القيادة.لقد أحسن صنعا،حين نسج أواصر الصداقة مع أفراد قوم يعشقون الحرب عوض الدخول معهم في مواجهة،النتيجة تخلد حاليا اسمه أغاني الاسماعيليين الحربية.

عُيِّن كولي مسؤولا عن الأمن في ولاية حلب، مشتغلا تحت إمرة، الجنرال بيلوت.لقد سمعت في هذه المدينة،وعلى لسان هذا القائد الكبير،أجمل المدائح في حق مأموره السابق كولي،الذي أدرك كيفية الإمساك بشعب صعب المراس جدا، متلاحم، إضافة إلى التحريض المستمر،الصادر عن الأتراك المتواجدين،بالقرب من الحدود.أيضا، وكما حكي إلي،فقد أرسى اللبنات الأولى لجنود الشركس، واستطاع بواسطة عدد قليل من الجنود، القضاء على كل قطاع الطرق الخطيرين المتربصين بمنطقة حلب.

بعد ذلك،أصبح مصيره مثبتا خلال السنوات التالية، وقد عثر لدى الشركس عن الجنود الذين يناسبونه، مثلما اكتشفوا بدورهم في شخصيته مختلف سمات القائد المتطلعين إليه.هكذا،جاءت عملية نزع السلاح من حوران،واجتياح السويداء،ثم المطاردة الدائمة للصوص المسلحين المتربصين بدمشق.هنا في الغوطة،توجد حديقة هائلة ،تخترقها أودية عميقة،حيث تأتي مياه نبع بردى،الواحة التي شكلت على امتداد سنوات فخا كبيرا،غير أن القائد كولي أبان في هذا الإطار عن كامل حزمه .

هؤلاء الجنود الأشداء، يحطمون كل حاجز،يسددون ويهزمون اللصوص. سندرك، في يوم من الأيام المجهود المضني، الذي يستمرون في بذله، وهم بصدد مواجهة عدو يفوقهم عددا،ينظم صفوفهم ضباط أتراك قدامى. جيش، يتحصن وسط أدغال تمتد إلى قرون. هذا البلد، المناسب أكثر من أي منطقة أخرى، لنصب الكمائن،خبِر القائد كولي مختلف أمكنته. يستبق كل الهجومات،وقد احاط بالمعلومات الاستخبارية على نحو مدهش.يدرك أيضا،كيفية الاقناع عوض المبادرة إلى التعنيف،ويمكننا القول بأنه يحظى باحترام كل المنطقة،سواء فقط بسلطته أو بفضل قيمة الفرقة العسكرية التي رعاها.

إلى أي شيء يستند هذا النفوذ الفريد؟ هل مرد ذلك إحاطته العميقة باللغة العربية، وكذا دراسة صبورة وثاقبة لفكر وعادات البلد، ثم تلك الاستقامة المحترمة دائما عند المشارقة، إذا ترافقت مع الشجاعة؟ شجاعة لايتم الحديث عنها قط، مادامت تعكس ممارسة قائمة،ثم لكون رؤوس جنوده مشحونة بها دائما،دون سلاح آخر غير الكرباج؟ بلا شك، تدخل جل هذه العناصر في الاعتبار، لكن يبرز عنصر وحيد يسودها جميعا، ويفلت من كل تحليل.أقصد هنا إشعاعا سريا، المميز لوجهه كزعيم، الحظ الذي ساعده على النجاة من الموت حيث يبدو أنه يتطلع إليها، ثم حدس العبقري، الذي يمكنه من تحديد الموقف خلال اللحظة المناسبة.

مائة مرة، اختٌبر القائد كولي عن كثب. غير أنه، تخلص باستمرار من الورطة.أيضا، يعتبره أفراد فرقته، مثل شخص محظور ومقدس.

-رجل ينعم ب”البَرَكة” يقول عنه الشركس، وقد يذهبون لاستعادة حصن صغير، بأيادي مجردة من السلاح، إذا أمرهم بذلك.

ذات يوم، كلف مقاتليه بمهمة إنقاذ كتيبة فرنسية محاصرة، غير أنهم ترددوا أمام خط العدو، جراء انبعاث نيران فتاكة. لحظتها، رمى القائد كولي بقبعته عاليا فوق الخنادق، ثم وثب الشركس بسرعة، كي يسبقوه إلى التقاطها.

مواقف من هذا القبيل، سمعتها كثيرا، لكنها تظل دائما غير كافية لوصف الرجل.تندرج إلى جانب مزاياه،كقائد عسكري، مواهب استثنائية تنظيمية.ذكاء نادر فيما يتعلق بالنفوس والعادات،وتأمل هادئ ثم لطف متعاظم غير مألوف، يجذب نحوه القلوب.

خلال جولة ، في الغوطة على متن سيارة فورد صغيرة نائحة ومترهلة، أدركت رغبة القائد كولي، في أن أتقاسم صحبته ما يجري .تتستر هذه البحيرة الواسعة اخضرارا،على قرى كثيرة.يعرف القائد بدقة ،كل واحد من ”مختاريه”(الشيوخ)،ووجهائه. عند وصوله، يسرع الأعداء السابقون جميعا، مفعمين بالاحترام، وكذا استئناس حميمي مع الرجل، الذي عرف جيدا كيف ينتصر،و يبدو حاليا لطيفا وعادلا.

آه! كم رائعة الجولة بين هذه الأشجار التي تثمر أشهى أنواع الفواكه، تحت سماء الشرق الفائقة الوصف، بينما تجري الشمس بسرعة صوب الأفق، رفقة مرشد حارب في هذه الأدغال والأجمات، التي اخترقت هذه الأرض النوستالجية والخصبة، أو روح ساكنتها المنغلقة.

نطوي مسالك مرهقة بين أدغال، منذ أسابيع قليلة فقط، كان الموت يتربص فيها بالشخص مع كل خطوة يخطوها.سيارة واحدة، تحوي داخلها أربعة شركس يوفرون الحماية.يقوم كل واحد من هؤلاء، حسب قول القائد كولي، مقام كتيبة عسكرية.هذا الجالس،بجانب السائق، المدعو بالحاشبي صرع ما يقارب مائة رجل.خلال المعركة،التي أودت بحياة عثمان باي، تناول رشاشا وقتل ستة عشر من جنود المدفعية .كان الحارس الشخصي للقائد.يحكون عنه،بأنه عندما ألقي به في سجن الأتراك، استطاع الهرب مخلفا على طريق فراره جثة خمسة ضباط. أيضا، يضيفون، بأنه رجل ورع، حج إلى مكة.

يبرز وجهه بلونه البني المحمر،عينان لامعتان جدا،وفي غاية الوداعة.في كل القرى، التي توقفت عندها السيارة،كان يتسلى باللعب مع الأطفال.

مساء، تناولت ثانية وجبة مع ضباط شركسيين.في الغد، رحلوا مع أولى ساعات الفجر، نتيجة إشارة تفيد بوجود عصابة عند الطرف الآخر من الغوطة.اقتضى مني الأمر مرافقة القائد كولي في حملته.رأيته يقود أفراد قوته، مثل صياد يرسل كلابه.شاهدت، كيف تنزل حشود جنوده بعجلة، جبال دمشق.ثم، تابعت تجمع كل محاربيه الشرسين حول الرجل الشاب، وهو بصدد توجيههم ويتأملهم بإخلاص غير محدود.

كذلك، فهمت سبب سخط رفاق القائد كولي، جراء الامتناع عن منحه وردة وسام الشرف، غير القابلة بالمطلق كي نخضعها للمساومة سوى مع رجل مالٍ غير مستقيم،أو صاحب خمارة.

ملاحظة

قد نستغرب،أن نلاحظ على امتداد هذه الإشارات المتعلقة بسوريا، تهميشا منهجيا للجانب السياسي لصالح معطى المغامرة والبطولة.صمت،لا يعود مبرره إلى انحياز الكاتب ناحية استحضاره لتلك الحكايات المشوقة، بل تُطرح أسباب أخرى أكثر عمقا.

أولها، كوني وجدت سوريا ضمن سياق الانتظار، بغير توجه واضح.بالتالي، سرعان ما يتغير المندوبون الساميون.فحينما وصلت بيروت منذ ستة أشهر،كان السيد هنري دو جوفنيل، مكلفا بقضية الانتداب، ثم أعقبه الجنرال ساراي.ومنذ أيام،قبل قدومي تولى السيد جورج بونسو.ثم أشرف أمين عام،على الفترة الشاغرة.

أن يكون هذه اللغط مشؤوما ، فمن البديهي جدا التوقف عنده. ويصبح فظا حينما يظهر الانتقال إلى مصر وفلسطين والأردن،استمرار وثبات الأساليب الانجليزية.نريد أن نخلق لدى السوريين الانطباع بعدم الاستقرار والتغير،ونظهر إلى العالم العجز، بمواصلتنا لمجهود، يخلق الاشمئزاز لدى الساكنة من نظامنا الانتدابي، باختصار، نريد أن نخسر سوريا، إذا لم نشرف على شؤونها بطريقة مغايرة.

يتكرس هذا الانطباع بعدم الاستقرار، في نظر أهل البلد، انطلاقا من الشعور بعدم امتلاك فرنسا، لأي شيء في سوريا.اللهم، قصر العظم، ومتحف الفن الإسلامي،الذي اشتري بفضل الدعاوي الملحة لمديره الرائع السيد أوستاش دو لوري، غير أن النار أكلت نصفه أثناء التمرد الذي عرفته دمشق. الخلاصة ،لا تملك فرنسا مترا مربعا من تلك الأرض. إقامة المندوب السامي، موريس بول ساراي ،حيث تتمركز جميع الإدارات والمكاتب، وكذا بيوت هؤلاء المندوبين على امتداد البلد، كل ذلك مكترى، أو منح مجانا لفترة مؤقتة. إذن، كيف تريد من ساكنة الشرق،الحساسة جدا حيال النجاح، دعم مندوبين يقدمون إحساسا، أنهم ينصبون خيامهم، كي يغادروا عما قريب ؟.

أيضا- لذلك لم أتعرض للسياسة إلا في الفصل الأخير- يظهر بعض قضاء فترة في سوريا، أن كل النظم غير مجدية بالنسبة للبلد، وبوسعها جميعا التماسك على قدر من المبررات الجيدة والسيئة.هناك، أسلوب الانفصال والاتحاد والوحدة ،ثم الليبرالية والاستبداد.يمكن أيضا، التطلع إلى مَلِكٍ وبرلمان،وسيكون من السهل تهيئ صفحة ترصد هذه التعاقبات.لا يوجد بلد، أكثر تعقيدا وصعوبة وتمردا بالفطرة، من سوريا.

لكن يجب فعلا إدراك أمر، مفاده أنه مهما جاء الحل الذي سنتبناه، فلا قيمة له إذا لم يتم تفعيله من خلال الركيزتين، اللتين تشتغلان في الشرق: السلطة والمجاملة.أقصد بالسلطة القوة والمال، ثم بالمجاملة مراعاة التقاليد والعادات وكذا عدل مختصر، لكن يتسم بالنزاهة.

بسبب الضعف المترتب عن المجاملة حدثت ثورة جبل الدروز، ولأننا اكتفينا بالحزم السلطوي، دام التمرد في محيط دمشق- ينبغي أن نفهم كيفية تطبيق ذلك في المجتمعات القوميات ثم في جهات أخرى- ولثلاث مرات أصدرت الحكومة الفرنسية عفوا شاملا في حق المتمردين الذين أذعنوا بداية، ثم”عند أول فرصة” ثاروا واتسع مدى عصيانهم.

من أجل تطبيق هذه المزايا الأساسية، لاقيمة لصياغات الفكر في بعدها الأكثر اكتمالا .بل يلزمنا أشخاصا، يتصفون بالإقدام، أقوياء ومستقيمين على نحو طبيعي.أشخاص، تلقوا تكوينهم في مدرسة الشرق.تعتبر سلامة، نظامنا الانتدابي في سوريا، قضية أفراد.

توصلت إلى هذه الخلاصة بعد حوارات طويلة مع شخصيات تنتمي لمختلف الأحزاب والديانات،عسكريين ومدنيين، لاسيما السيد بول سوشيي، رئيس المكتب المدني للسيد هنري دو جوفنيل، بحيث ساعدني ذكاؤه المتوقد على أن أتبيَّن جيدا مجموعة قضايا، ثم مع الجنرال بيلوت، هذا العسكري الكبير والمنظم الرائد، الذي توخى بصدق في مكتبه بحلب، أن يناقش معي كل الأسئلة، خلال ساعتين.

هذا ما يبدو لي ،أنه يثبت ميزة الصفحات السابقة.إذا، كان نصف إخفاقنا في سوريا،أمرا واقعا، للأسف !فلأننا،نجهل كليا نجاح الفرديات القوية.آلاف البدويين، ينحنون حين سماعهم اسم القائد مولر، في المقابل فقط مائة الفرنسيين يعرفونه؟ القائد كولي، صاحب الحياة الملحمية، يمسك بيده العصبية كل منطقة دمشق، بينما تساومه جل مكاتب شارع سان- دومنيك، على وسام !

لماذا! لأنه لازال شابا.

ثم هاهي الكلمة الكبيرة المهملة. إذا كان الانتداب الفرنسي على سوريا، لازال مستمرا، فبفضل بعض الشباب.علاوة على الذين أشرت إليهم، هناك آخرون برتب ملازم أول، يقبعون في أمكنة تائهة ولعينة جدا، وسط صحراء على امتداد الفرات،استطاعوا فرض السلام على امتداد مناطق واسعة،انطلاقا من حظوتهم وحذقهم وشجاعتهم.هناك طيارون يزرعون الخوف، يسيطرون على المواقع ،لكنهم يكشفون جميعا عن تذمرهم، نحو قادتهم الشيوخ وقد بلغوا سنا متقدما جدا.

لا الرتب العسكرية ،أو الجياد البيض،من سيضمن كمال العضلات، بل يتأتى الانتصار من حسم القرارات ثم الحب المتبصر بالمجازفة.

إشكالية، تتجاوز إطار سوريا، لأنه إذا أخفقت فرنسا ذات يوم، فسيكون مرد ذلك إلى عدم ثقتها كفاية في شبابها؟

ملحق : أن نقوم بما يلزم أو نتخلى عن الانتداب

صدرت هذه المقالة،يوم 18 ماي 1926في الجريدة،ولم يضمِّنها جوزيف كيسيل كتابه هذا عن سوريا.

إذن نقاتل في سوريا، ثم سنقاتل.بالتأكيد، قتال لا يماثله في شيء على مستوى الخسائر والمجهود والرهان، الحرب في فرنسا أو في المغرب. حالة عداء، تكلف غاليا من ناحية المال والحياة البشرية،بحيث تزعج البلد وتحول بينه وبين أن يعطي أوج مردوده.

تعيش سوريا، بالتأكيد توترا،وأزمة ثقة نحو الدولة المشرفة على سلطة الانتداب،ثم اندهاشا متهيبا بخصوص كل شيء لم ينظم بعد.

كيف وصلنا إلى هنا؟ وكيف نخرج من هذه الوضعية؟

يقتضي الوضع وقفة طويلة، كي نفسر تراكم الأخطاء الواحدة بعد الأخرى،فانتهى بنا المآل إلى هذا المأزق.كل مندوب سامي منذ الأول وباستثناء ربما الأخير،يتحمل نصيبا من المسؤولية.

لا يوجد رجل عاقل – مهما اختلف انتماؤه الحزبي – لم يقل بأننا أخطأنا في سوريا عندما وسعنا لبنان الكبير إلى حدوده الحالية،فخلقنا بذلك انضمامية إسلامية.لا يوجد رجل راشد،يستعصي عليه إدراك أننا أخطأنا في حق سوريا حينما فرضنا العملة الفرنسية بدل العملة الذهبية،أو كوننا وضعنا عبر أجيال صلبانا في بلد – رغم الاستئناس بالساكنة المسيحية منذ قرون – يضم أغلبية ساحقة من المسلمين.

من جهة ثانية، الاستدلال بحق عن تلك الأخطاء، مهما كانت جسيمة، ينبغي أن ننسبه أقل إلى أشخاص، قياسا لحالة فكرية سادت سواء فرنسا أو بيروت، مصدرها الجهل الذي أشرت إليه منذ مقالتي الأولى، بخصوص كل شيء في المشرق.سأقدم مثالا دالا، يظهر درجات امتداد ذلك:أستحضر هنا الحقبة التي انتخبنا فيها السيد بول ديشانيل رئيسا للجمهورية.مناسبة، لم يفوتها الملك حسين شريف مكة الذي يعود نسبه إلى النبي، وأحد أول شخصيات العالم الإسلامي التي لازالت تحكم الحجاز، كي يبعث بأدب جمٍّ، رسالة برقية تهنئة لديشانيل.

مر أسبوع، ثم أسبوع ثان، دون أن يتلقى الملك حسين جوابا.مما دفعه إلى أن يخبر شخصية فرنسية مرتبطة به.هذا الأخير،أبرق إلى باريس، ثم تلقى الجواب الغريب التالي :((إن شخصا يدعى الحسين من مكة،أرسل بالفعل تهانيه.اشكروه،إذا بدا لكم ذلك مفيدا)).

حينما علمتُ بهذه الواقعة غير المحسوبة، اندهشتُ بشكل أقل وأنا أسمع في بيروت ودمشق، أحاديث من هذا القبيل:(( يوجد عند المسلمين أربع فئات :السادة الكبار،أشخاص ليسوا في حاجة إلى مال أو وظائف، فقط يلتمسون الاحترام ،ثم ذاك النبيل الصغير،الذي أفلس نتيجة الحرب ويتطلع إلى وظائف لكنك لا تسطيع شراءه،ثم الأشخاص الذين يبيعون أنفسهم وأخيرا الطبقات الشعبية، التي يلزم اقتيادها بالعصا.

((لكن ماذا صنع الفرنسيون؟ لقد ضربوا بالعصا السادة الكبار،وأرادوا شراء من لا يريد سوى مناصب،ووهبوا المناصب لمن يطمعون أساسا في المال، ثم داهنوا العامة)).

بكل تأكيد، تبدو هذه الأحاديث مغالية، لكنها سليمة في العمق.لدينا الانطباع باستمرار أن رقصنا في سوريا، لم يكن مناسبا.وكيف بوسعنا التصرف على غير ذلك؟ إننا لا نعتاد على الإحاطة بمعطيات بلد،إلا إذا كنا نعيش داخله.ترتكب أخطاء في البداية،بحيث لايمكن لأي ذكاء تحاشيها.لكن ما إن ينزع مندوب سامي إلى التواصل مع محيطه،ويملك الوقت كي يستوعب المنظومة،وكذا الروح النافذة،حتى يتم تغييره أو يذهب إلى حال سبيله.هذه اللااستمرارية،تجسد أسوأ الكوارث، لأننا بسببها نكرر نفس الأخطاء دوريا.

يقولون في سوريا : ((قدموا لنا رجلا متواضع الذكاء، لكنه يمكث، بدل عشرة أشخاص نوابغ يتناوبون لمدة خمس سنوات)).

بالتالي لا يمكننا أن نتخيل في فرنسا التأثير الذي يحدثه في سوريا مثلا،رحيل السيد دوجوفنيل.خلال أشهر،عرف المندوب الجديد، كيف يحظى بحب واحترام الجميع.بفضل ذكائه المرتفع وحضور البديهة،ثم اللطف الطبيعي لفكره المثقف، ونوعية الأشخاص الذين أحاطهم به، فاستطاعوا النجاح بكيفية مدهشة بين ربوع هذا البلد، الذي يضمر إحساسا خاصا للسلوك المتأدب وكذا التلطف الذهني.

لقد أدرك صعوبات مهمته،ثم اختزلها وفق صيغ مدهشة، فهو بحسب ظني، أحد النادرين الذي ارتقى إلى مستوى حسمها.

لكن ينبغي مساعدته.هنا نصل، إلى المعضلة التراجيدية تقريبا المطروحة بخصوص المسألة السورية والتي تختزل هكذا :إما نقوم بالمجهود الضروري، أو نتخلى عن الانتداب.

يرتكز المجهود الأساسي على المال والرجال.فلماذا استطاع المتمردون الدروز، وعددهم لا يناهز عشرة ألف، إثارة الاضطراب داخل بلد شاسع؟لأنهم يشعرون بعدم رغبة فرنسا أو لا تستطيع بذل قليل من الجهد كي تذهب إلى أقصى حد.لن ندرك أبدا درجة الخطأ المعنوي،الذي دفعنا إلى التخلي عن السويداء بعد الدخول الظافر الذي أنجزه السنة الماضية الجنرال غاملان.ما سبب التخلي ؟الجواب، لم يكن لدينا ما يكفي من الجنود كي نستمر، وخاصة لتموين مركز العمليات.

إن القوى المتواجدة حاليا في سوريا –حسب تصريحات القادة-تعتبر كافية،دون زيادة. بالتالي،سيخلق عدم تعويض وحدة مندحرة بوحدة ثانية، تصدعا خطيرا.

هل يمكننا النجاح بهذا الخصوص؟ هل فرنسا قادرة على النهوض بمجهود من هذا النوع؟ وحدها الحكومة تملك عناصر الإجابة واتخاذ القرار المناسب.

إذن-ينبغي الإقرار بالحقيقة -إذا جاء الجواب سلبيا، فالانتداب محكوم عليه حتما بالفشل، سواء طالت أو قصرت مدته.لقد استنفد أسلوب القطع الصغيرة وقته،أو أنه بغير موضوع.سنواصل الارتجال ،في ظل بلاغات غامضة،قياسا لبلد يريد أن يكون مزدهرا، وبأن حالة الحرب تغذي الركود، واستنزاف بلا جدوى للرجال والمال.

في الغالب الأعم ،ومنذ انطلاق الحرب لم تعرف فرنسا هدفها، صوب هذا الاتجاه أو ذاك.يلزمها،أن لا تبقى في سوريا متأرجحة بين مقعدين.لكن، استعمال الوسائل الضرورية،إذا أردنا أن نضمن لهذا البلد السلام والتنمية- يصير الانتداب مفيدا بالنسبة لنفقاتنا- .

تحتاج سوريا إلى بذل مجهود جبار، أمر يثبته بما يكفي، أنه قد ظهر سلفا مطالبون بوراثة الانتداب الفرنسي.لكني أكرر،من الأفضل لك التخلي عن اللعبة، بدل استنزافك وأنت تلعبها بطريقة سيئة.

*المصدر :

*Joseph Kessel : En Syrie ;Gallimard ;Succession Kessel ;2014.

http://saidboukhlet.com/

———————————-

مقالات مرتبطة بهذا النص

رحلة جوزيف كيسيل إلى سورية / 1926

محمد السلوم

لا يوجد بلد في العالم أكثر تعقيدًا، وأكثر صعوبة، وأكثر ثورة بطبيعته، من سورية. هكذا يقرأ جوزيف كيسيل الصحفي الفرنسي الذي كتب سبعين رواية خلال حياته، والطيار الشهير في الحرب العالمية الثانية، والرحالة والمغامر وكاتب التحقيقات.

يقرأ كيسيل سورية في يومياته، بعشرات الصفحات المكتوبة عام 1926، في كتابه الأشبه بالتقرير المسجل، وكأنه يقرؤها اليوم بعد قرن من زمن كتابته، متخوفًا من انقساماتها وحروبها الداخلية، وتشريد سكانها والتعرض للتشريد والمعاناة، والعيش تحت نير القوى الأجنبية، بما في ذلك فرنسا، أو فخر شعبها المقلق في مواجهته لهذه القوى نفسها التي تسعى لتحقيق المجد الوحيد المنتظر، وهو تحقيق الانتصارات العسكرية التي تتصارع في الوقت ذاته على هذه البلاد الجيواستراتيجية.

يقول كيسيل: “سورية مهد الحضارات ومكان العبور المختار منذ الأزل، أثر ثراؤها وجمالها، من دون تدخل، في كثير من الشعوب. هذه الأرض، حيث تنمو بقوة ملتهبة المعتقدات الأولى، وكذا الهرطقة التي تضلل وتخلط. أعترف بتواضع أني لم أستوعب خلال أولى أيام إقامتي في بيروت، شيئًا بخصوص ما يتداول أمامي من أحاديث. العلويون، الهاشميون، الموارنة، السنة، الشيعة، اليونان الأرثوذوكسيون، الطائفة السورية – الفلسطينية، قطاع الطرق، المتمردون وكذا دروز الجبل ودروز حوران (يقصد دروز الجولان)، اللبنانيون والسوريون والدمشقيون…إلخ، فكيف يعترف بعضهم ببعض؟”.

“تحوي سورية سبعًا وعشرين ديانة، تمثل كل واحدة منها قومية، وتلتمس هذا السديم التأثيرات الأكثر تنوعًا، روحيًا وماديًا. مع ذلك، بعد انقضاء أيام قليلة، بدأت أتمكن من قراءة كتاب الطلاسم هذا، الذي يبدو مستعصيًا على الفهم. تتبدى الخطوط الكبرى، بلا شك، بالتبسيط لا يمكن أن نعرض كل المشهد، لكنه الوسيلة الوحيدة لكي أفهم وأعبر عمّا فهمت؟” (ص-14).

هكذا كانت سورية زمن الانتداب الفرنسي، ففي مطلع الربع الأول من القرن العشرين، تعرضت مهد الحضارات -كما يصفها كيسيل ذاته- مجددًا للتدخل الأجنبي، ومع ذلك حافظت على رونقها وتراثها وجمالها، في قدرها المتكرر، وكأنها قطعة منفردة في ذلك، وقد مرّ بها كثير من الناس، تلك الأرض التي تنمو بها المعتقدات والبدع بقوة مميتة ومربكة، حتى تنهزم فيها من جديد.

كذلك الحال بالنسبة إلى سورية اليوم، هي أرض وليست بلدًا، وكأنها أمة يقطن فيها كثير من الشعوب، يتحكم فيها على نحو خادع دكتاتورٌ، غير منسجم، ضعيف وغير قادر على التعامل مع أقلّ المواقف الحرجة التي يمكنها أن تواجهه، فمنذ الأيام الأولى من الثورة السورية، تغلّب عليها وتغلبت عليه إلى الآن، في تحد مذهل واستثنائي.

قراءة كيسيل تجعل العالم الواسع يفهم كل شيء عن سورية، وكأنه يستشرف المستقبل في هذه البلاد، ويدعو الجميع إلى توخي الحذر في التعامل مع مثل هذه الأرض المتحركة، مع العلم أن الجنرال ديغول أدرك هذه الحقيقة في وقت متأخر، وأظهر تواضعه مرة واحدة، وقد ذكر في كتابه (مذكرات الحرب) عبارته الشهيرة واعترافه بمقولته عن خبرة: “إلى الشرق المعقد، طرت بأفكار بسيطة”.

يقول كيسيل في كتابه (في سورية): “سورية؟ ماذا نعرف عنها؟ لنعترف بالألم، من دون كبرياء مزيف: فقط بعض الوقائع التاريخية المبهمة، حول الحروب الصليبية، ثم بعض الصفحات الشهيرة، والأسماء الجميلة لدمشق وتدمر والفرات. ذاك كلُّ زادي بالنسبة إلى بلد كبير وخصب، يعيش تحت الانتداب الفرنسي. لكن، من يبيّن أهمية هذا الانتداب؟ ثم بوسعه أن يرسم -إلا مختصين قليلين- المظهر السياسي لهذا البلد؟ من يفسر لماذا نُقتل ومن يَقتل؟

في الحقيقة، إذا كان من عذر لافتقاد المعلومة، فبوسعنا البحث عنها ضمن التعقيد المرعب الذي يسود سورية” (ص-13-14).

عندما لم يتمكّن الصحفيون ومراسلو الحرب الغربيون، إبّان الثورة السورية ضد الانتداب الفرنسي عام 1926، من تغطية أحداثها ليعرفها العالم آنذاك، غامر الصحفي الفرنسي جوزيف كيسيل، وخاطر بحياته وحريته، لينتقل إلى سورية، ليستمع للتعليقات وردات الأفعال على الأقل، دون أن يستسلم، فليس من السهل تفسير أمور معقدة للغاية.

الإغراء الذي يزداد إقبالًا هو التظاهر بالإيمان، أمام الميكروفونات، وأن نخدع أنفسنا بأننا نعرف كل شيء، وأن لدينا الإجابة عن كل شيء، حتى عندما نطرح ذلك السؤال على الخبراء الجيوسياسيين، حول سورية، التي من المفروض أن لديهم معرفة علمية بالثقافة المشرقية، والاستراتيجيات العسكرية العالية.

الترياق لتلك الإحاطة المعرفية هو القراءة المستنيرة، فلو قرأ بوش الابن العراق؛ لما أطلق العنان لغزوه الهمجي، الذي أدى إلى مقتل عشرات ألوف الناس، وزعزع استقرار الشرق الأوسط بالكامل، ولو قرأ ساركوزي كيسيل، بدل هنري ليفي، لما هاجم ليبيا من دون أي خطة أخرى سوى إسقاط دكتاتور متعطش للدماء، ودون القلق بشأن مصير الناس الذين سقطوا في رعب أسوأ، أوقع كامل القارة الأفريقية تحت خطر الإرهاب والثورات المضادة (حكم العسكر).

ولكن هل تعني قراءة رحلة كيسيل في سورية أنه لا ينبغي على المرء التصرف ضد الدكتاتور بشار الأسد؟ وفي الوقت نفسه التصرف على جبهتين في مواجهة الأسد و(داعش)؟ وهل هذا يعني ألا نتفاعل مع مشاهد صور الأطفال، المنشورة على صفحات التواصل الإجتماعي، الذين يتعرضون للخوف والقتل ولا يستطيعون النوم، لأنهم خبروا كابوس الأسد؟ فاليوم انتهت (داعش) في سورية والعراق، وما زال بالمقابل التطرف الشيعي يدعم الدكتاتور الأسد؟ وهل تعني قراءة كيسيل عدم التدخل أبدًا ضد الأسد والتفرغ للقضاء على التطرف الشيعي فحسب؟

ما نفهمه من قراءة هذا الكتاب هو أنه لم يتم تكييف أي مخططات غربية للتعامل مع هذه الحالات، وما يفهمه المرء هو أن الجيش “الكلاسيكي” لا يستطيع، كما هو معروف، محاربة الأشخاص الذين تسكنهم “الكراهية القائمة على العرق والدين والطائفة والمظلومية والمناطقية”، التي تحركها هذه الأذواق غير المنظورة، من الشعور بالخطر المحدق، وهذه الحاجة إلى طلب الموت وتلقيه. فما يجب أن نعرفه من الأخطاء هو أن الحرب، مثل حرب بوش وساركوزي، جعلت الأمور أسوأ، بدلًا من إيقافها والحد منها.

إذًا ما العمل؟ قراءة كيسيل وإعادة قراءته، لأن الثقافة -ببساطة- أقوى سلاح لمواجهة الدكتاتوريات وإسقاطها. يقول الكاتب الفرنسي ألان غينستار: “أعد قراءته للحفاظ على روح الاهتمام بالحرب مدة طويلة، كي لا تتكرر. اقرأه وأعد قراءته واستمع للاجئين السوريين الذين يعانون. بهذه الطريقة فقط سيكون للعالم ردة فعل حضارية تجاه اللاجئين، والترحيب بهم جيدًا”.

مركز جيرون

———————————

جوزيف كيسيل..صورة لسورية في العشرينيات

في عام 1927، أصدر الكاتب والصحافي الفرنسي جوزيف كيسيل (1889-1970)، كتاباً بعنوان “في سوريا”، طرح فيه هذا السؤال “من يفسر لماذا نُقتل ومن يقتل؟ في الحقيقة، إذا كان من عذر لافتقاد المعلومة، فبوسعنا البحث عنها ضمن التعقيد المرعب الذي يسود سوريا”.

عن دار”خطوط” الأردنية، صدر الكتاب بنسخة عربية بترجمة الكاتب المغربي سعيد بوخليط، والذي يعلق على هذه العبارة في المقدمة ويقول: “هذه الجملة المكثفة والمركزة جداً، قدر استشرافها البعيد المدى، انطوت عليها إحدى فقرات كتاب كيسيل، الذي يعود تاريخه إلى أواسط سنوات العشرينات. المفارقة المدهشة، رغم قدم المسافة بعقود طويلة، فبالتأكيد، عبارة لازالت تنطبق حتى اليوم، ربما تمام الانطباق، بدون مبالغة، على ما تعانيه سوريا: تبلور أعتى مستويات اللا-معقولية، التي يعجز أي ذهن بشري عن تمثلها. إذن لما تعاني سوريا ما تكابده؟ لماذا يقتل الناس هناك؟ من القاتل؟ ثم أساساً وقبل كل شيء ما دواعي ومبررات القتل؟ حتما، العبقري كيسيل استبق غفلتنا جميعاً”.

في كتبه المختلفة يروي كيسيل القصص بقوة ومتعة، وفي وصفه تتدفق المناظر الطبيعية والناس على اختلافاتهم، وينفرد عن كثير من كتّاب الرحلات الفرنسيين في عصره بشكل خاص، بفضوله وتقديره للثقافات الأخرى، وبعد مرور ما يقرب من قرن على كتابه هذا، لا يزال مقروءاً من دون أن نلمس فيه نفس الاستشراق المعتادة في مثل هذه الكتابات، ولا يعتقد كيسيل أن الغرب يحمل كل الإجابات أو أن حضارته متفوقة على الحضارة التي يزورها.

كتب كيسيل الكثير من الروايات وكان أشهرها رواية “الأسد” التي كانت أهم أعماله الأدبية، وكتاب “في سوريا” ليس إلا كتيباً بين مجموعة كبيرة من إصداراته، ويتناول فيه رحلته إلى سورية؛ عن ذلك يقول بوخليط في مقدمة الترجمة “إنه عمل تجاوز مستوى الانطباعات والارتسامات الشخصية، المنقادة وراء التقاط محايد لمتواليات رحلة عادية، مرتقياً حقيقة غاية التقييم الموضوعي الحاذق لجوانب من سياق المرحلة، المعروفة تاريخياً بالانتداب الفرنسي على سوريا ولبنان (1920-1946)، وما انطوى عليه من منزلقات سياسية وجغرافية وثقافية وإثنية وعسكرية، استمرت وامتدت تراكماتها البنيوية حتى الزمن الراهن”.

يروي الكاتب عن رحلته “أعشق الشرق، هو ليس بعذري الوحيد للرغبة في التكلم عنه، لأني لا أعرفه جيدا. إننا لا نذهب إليه، وينبغي أن يأتي إليكم، مما يقتضي وقتاً. والحال، أني قضيت خلال مرتين، ما بين ثلاثة إلى أربعة أسابيع في سوريا. هذا، كل شيء. ثم، ابتغيت أن أعيش التجربة صحفياً، بمعنى قضاء أغلب يومياتي مع جنرالات وموظفين كبار”.

ويضيف “سوريا؟ ماذا نعرف عنها؟ لنعترف بالأمر دون كبرياء مزيف. فقط بعض الوقائع التاريخية المبهمة، حول الحروب الصليبية ثم بعض الصفحات الشهيرة، والأسماء الجميلة لدمشق وتدمر والفرات. ذاك، كل زادي بالنسبة لبلد كبير وخصب، يعيش تحت الانتداب الفرنسي”.

ويكمل قائلاً: “لكن، من يبيّن أهمية هذا الانتداب؟ ثم بوسعه أن يرسم- اللهم إلا مختصين قليلين- المظهر السياسي لهذا البلد؟ من يفسر لماذا نُقتل ومن يقتل؟ في الحقيقة، إذا كان من عذر لافتقاد المعلومة، فبوسعنا البحث عنها ضمن التعقيد المرعب الذي يسود سوريا”.

——————–

جوزيف كيسيل في لابلياد.. المغامر الشاهد على العصر/نجيب مبارك

تغطيات جوزيف كيسيل في لابلياد.. المغامر الشاهد على العصر

بدخول أعمال المراسل والكاتب الفرنسي جوزيف كيسيل إلى مكتبة لابلياد الشهيرة، أو ما يسمّيها البعض “نادي الخالدين”، تُطوى صفحة من التجاهل النقدي “الرسمي” الذي دام عقودًا طويلة. فقد اختارت هذه المكتبة أن تنشر باقة من أفضل أعمال كيسيل الروائية والقصصية و”التوثيقية” بدءًا من يوم الرابع من يونيو/حزيران الجاري، ليتكرّس بذلك اسمه على قائمة أفضل الأدباء في فرنسا وخارجها.

في البدء كانت المغامرة

ولد جوزيف كيسيل في الأرجنتين عام 1898، وأمضى طفولته بين روسيا ومدينة نيس في فرنسا، حيث استقر والده الذي كان يعمل طبيبًا، ونال الجنسية الفرنسية عام 1920. درس الآداب الكلاسيكية وقرّر أن يشتغل في مجال المسرح عندما اندلعت الحرب العالمية الأولى، فاختار أن يتطوّع في سلاح المدفعية ثمّ في الطيران، وسيكتب عن هذه التجربة روايته الأولى الناجحة “الطاقم” عام 1923، التي ستدشّن نوعًا أدبيًا جديدًا يعتمد على المغامرة والحركة، وهو الذي سينسج على منواله لاحقًا كلّ من أندري مالرو وسانت- إكزوبيري، ويكرّس له كيسيل بعضًا من أعماله اللاّحقة، في مقدّمتها “الريح الرملية” عام 1934 و”كتيبة السماء” عام 1938. لكن قبل صدور هذه الرواية، كان كيسيل قد أنجز مهمّة في سيبيريا عام 1918، وهو في سنّ العشرين، فاكتشف العالم البلشفي الذي شكّل إطارًا لكتابه الأوّل “السهوب الحمراء” (1922)، الذي يسرد فيه بالتفصيل يوميات الثورة الشيوعية.

“ترك جوزيف كيسيل أكثر من ثمانين كتابا، موزّعة بين روايات وقصص ومذكرات، بينما لم تضمّ طبعة لابلياد الجديدة سوى مجلّدين فقط، يضمّان عشرين من أفضل هذه الأعمال”

في منتصف العشرينيات، سيختار كيسيل حرفة الأدب، الذي زاوج فيه بين التحقيقات الصحافية العظيمة والروايات، مستمدًا عوالمه من رحلاته الكثيرة حول العالم. وباعتباره أحد كبار المراسلين الصحافيين عبر التاريخ، إذ قام بتغطية أبرز الحروب والثورات والأحداث المفصلية في القرن العشرين، كان كيسيل شاهدًا على عصره بكلّ ما تحمل الكلمة من معنى. قد يتخلّى أحيانًا عن الخيال من أجل توثيق الذاكرة، كما في كتابه “ميرموز” (1938)، وهو كتاب سيرة ومجموعة من الذكريات عن أحد أصدقائه من الطيّارين الأبطال، أو كتاب “سيدات كاليفورنيا” (1929)، الذي يروي فيه ذكرياته عن “الفردوس” الأميركي. لكن في كلّ هذه الأعمال يحضر النفَس الروائي بقوة إلى جانب الأسلوب التوثيقي: فوراء بورتريه البطلة البرجوازية سيفرين في رواية “مجد الصباح” 1929، التي تدفعها رغبة ملحّة إلى ممارسة البغاء، يطمح كيسيل إلى كشف ذلك الجانب الملعون في “العشرينيات الصاخبة”، كما أنّه كان من الأوائل الذين دقّوا ناقوس الخطر أمام صعود النازية في روايته “العابرة اللامبالية” عام 1936.

العالم مسرح عمليات

بعد الحرب العالمية الثانية، التي لعب خلالها دورًا نشطًا في مقاومة المحتل النازي (هو الذي كتب عن “جيش الظلّ” وألّف “نشيد الأنصار” الشهير رفقة ابن أخيه موريس درون)، سيعود جوزيف كيسيل إلى ممارسة أنشطته الصحافية والأدبية، وينشر في عام 1950 روايته الضخمة “دورة الشؤم”، التي يحكي فيها عن حياته وتجاربه الخاصة، من خلال شخصية البطل المضادّ ريتشارد دالو، عاشق الحياة الشرس في كلّ حالاته ومغامراته المثيرة. لكن العنوان الأكبر في مسيرة هذا الكاتب المغامر سيبقى بلا شك هو روايته “الأسد”، الصادرة عام 1955، والتي عرفت نجاحًا هائلًا ومنقطع النظير، إذ صيغت في قالب ريبورتاج روائي تدور أحداثه في محمية حيوانات، حيث تقع فتاة صغيرة في حبّ أسد كليمنجارو. وفي عام 1962، سيتمّ قبول عضوية كيسيل في الأكاديمية الفرنسية، وهو أعلى تشريف أدبي قد يناله كاتب في فرنسا، وبعدها سيخصّص الجزء الأكبر من رواياته لتقديم سلسلة من اللوحات التاريخية المتعمّقة، كما في روايته العظيمة “الفرسان” (1967)، المستوحاة من رحلة في سهوب آسيا الوسطى تمجّد “الحرية البرّية الرائعة” في قلب حضارة من الحضارات المجهولة. وفي عام 1979، سيغادر كيسيل عالمنا عن عمر الواحدة والثمانين.

“العنوان الأكبر في مسيرة هذا الكاتب المغامر سيبقى بلا شك هو روايته “الأسد”، الصادرة عام 1955، والتي عرفت نجاحًا هائلًا ومنقطع النظير”

ترك جوزيف كيسيل أكثر من ثمانين كتابا، موزّعة بين روايات وقصص ومذكرات، بينما لم تضمّ طبعة لابلياد الجديدة سوى مجلّدين فقط، يضمّان عشرين من أفضل هذه الأعمال. يبدأ المجلد الأول بأحد نصوص البدايات (أوّل نجاح تجاري للكاتب) وهو رواية “الطاقم” 1923، ويختتم المجلد الثاني بالرواية التي كرّسته: “الفرسان” (1967). لكن إحدى المزايا العظيمة لهذه الطبعة هي جمعها لبعض الأعمال المستبعدة والنصوص الأوتوبيوغرافية غير المنشورة، إلى جانب الأعمال السردية أو الريبورتاجات التي كان جوزيف كيسيل يحبّ أن يسمّيها “وثائقيات”. لقد عاش جوزيف كيسيل حياته كأنّها فصول رواية حقيقية، بينما أطلّ الروائي المتمرّس من بين سطور تقاريره الصحافية في أكثر من مرّة. وإذا كانت البلدان التي عبرها، من إيرلندا المضطربة إلى أفغانستان الممزقة، ومن الحبشة إلى سورية تحت الانتداب، هي “مسارح عمليات”، فإن ما كان يأسره وراء هذه التجارب هو المغامرة الداخلية، أو الحكايات الحميمة لكلّ رجل من الرجال الذين التقى بهم. وإنّه لمن الصعب الآن تصنيف هذا المراسل المحنّك والروائي الملهم، إذ كان رجلًا حرًا ومندفعًا، مفرطًا ومرهقًا، صادقًا وأخويًا، متقلّبا ومعذّبًا، مثل القرن الذي عاش فيه. كانت حياته بذاتها مغامرة، بطولية في معظم الأحيان، وانعكس ذلك في كثير من أعماله. بل يمكن القول إنّه “المعادل” الفرنسي لصورة الكاتب المغامر الملتحم مع عصره، كما جسَّدها بوضوح الكاتب الأميركي إرنست هيمنغواي، بحيث يشتركان معًا في كثير من الأمور، مثل الشغف بالمغامرة والخمر والنساء (التقى الكاتبان فعليًا في نوفمبر/تشرين الثاني 1936 خلال تغطية الحرب الأهلية الإسبانية).

الموازنة بين الكم والكيف

نلمس عند كيسيل ذلك الميل إلى الموضوعات الخطيرة والمثيرة (تجارة الرقيق في الحبشة)، أو الملحميّة (بطولات التحليق بطائرة الإرساليات)، أو إلى جوانب مجهولة وسرية وغير مألوفة في الحياة الاجتماعية (تنظيمات وتداعيات العالم السفلي في ألمانيا، آثار الأزمة الاقتصادية الكبرى في الولايات المتحدة، والقوى السحرية لمعالج القائد النازي هاينريش هيملر)، أو إلى موضوعات روائية أصيلة وقادرة على ربط الصلات والمزج بين الواقع والخيال، بحيث يبدو الواقع مصطبغًا بألوان وإسقاطات الخيال. وكما كتبت ميريام بوشارينس في مقالها “الكاتب المراسل في قلب الثلاثينيات”: “إنّ اللّجوء المتناقض إلى الخيال كأداة لسرد الواقع هو عملية نموذجية في الأدب المرجعي، تبرّره الحقيقة الروائية للواقع”. وفعلًا، إذا كان الكاتب جوزيف كيسيل في معظم أعماله يظهر مباشرًا وحيويًّا وحادًّا، وهو يصف في رواياته الشخصيات الرهيبة بلغة كلاسيكية، دون ابتذال أو تسرع، فهذه بلا شك واحدة من حسنات تجربته الغنية في الصحافة. ورغم أنّه ألَّف الكثير من الكتب، إلا أنّه احترم دائمًا مهنته ككاتب. ولا يخفي الذين تعرفوا على شخصيته المذهلة والمندفعة عن قرب دهشتهم من الرصانة الرهبانية التي كان يلتزم بها، على غرار بلزاك، لأسابيع طويلة عندما يكون بصدد الاشتغال على عمل روائي جديد.

“كان كيسيل قد أنجز مهمّة في سيبيريا عام 1918، فاكتشف العالم البلشفي الذي شكّل إطارًا لكتابه الأوّل “السهوب الحمراء” (1922)، الذي يسرد فيه بالتفصيل يوميات الثورة الشيوعية”

ربما تعيد طبعة لابلياد الجديدة بعض الاعتبار لهذا الكاتب الذي تجاهلته الأوساط النقدية الفرنسية طويلًا، واعتبرته متسلّلًا من الصحافة إلى الأدب. إذ تعدّ حالته من الحالات القليلة التي تدلّ بشكل واضح على حقيقة متكرّرة في سوسيولوجيا الأدب: تلك المسافة الكبيرة بين نظرة النقّاد المعاصرين إلى الكاتب ووضعيته أمام الجمهور. فالكاتب الذي قد يُعجَب به هؤلاء القرّاء المتطلّبون، نجده بالكاد يظهر في قائمة بائعي الكتب، بينما الكاتب الذي تتعدّى مبيعات كتبه مئات الآلاف من النسخ، فإنه من النادر أن يجد احتفاء أو تقديرًا من هؤلاء النقاد. وهم يفسرون ذلك تارة بأنّه لا يملك أسلوبًا أدبيًا أصيلًا، وبأنّه يصدر الكثير من الكتب بشتى الطرق الممكنة تارة أخرى، أو أنّ هذه الأعمال الأدبية التي قد تجتذب عامة الناس هي بالضرورة أعمال تفتقد إلى معاييرهم الصارمة. كلُّ هذه العوامل يمكن أن تلعب دورًا في تخليد اسم كاتب على حساب اسم آخر، وهي قد لعبت بالتأكيد ضدّ جوزيف كيسيل، ولكن بشكل غير عادل، لأنّ تراكم أعماله الضّخمة والمتنوّعة لم يفقدها أبدًا الجودة والقيمة

ضفة ثالثة

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق