الناس

عن الازمة الاقتصادية الخانقة في سورية -مقالات مختارة- متجدد

================================

—————————————

سأموت قبل أن يصل دوري” : طوابير الانتظار السوريّة…/ مناهل السهوي

كيف يتطور شعب ما أو يفكر بالخروج من قوقعته وهو يمضي نصف يومه داخل طابور، والنصف الآخر يفكر ويسأل عن موعد تسليم مستحقاته أو يرتاح فيه من تعب الانتظار الطويل؟

إن كان هناك مَنْ لن يسامحه السوريون فهو حتماً الانتظار. الانتظار في الحالة السورية يمتدُّ من ساعة حتى ساعات، انتظارُ الكهرباء، انتظارُ وقود الشتاء، أسطوانة الغاز، ربطة الخبز، كيلو السكر، كيلو الأرز، كرتونة المعونة، لدى السوريين الكثير لينتظروه يوماً بعد آخر، حتى نَمَتْ علاقة معقدة بينهم وبين الانتظار، تفرّعت وراحت تأخذ شكلاً واضحاً، مرئياً من مسافة بعيدة وله صوتٌ عالٍ. يسميه البعض طابوراً وآخرون يقولون إنه ثقافة القطيع التي نجبر على دخولها، حيث يقولب التفكير والرغبات شيئاً فشيئاً ويغدو الطابور نوعاً من أنواع الثقافة اليومية، التي تُنسي الناس حياتهم الحقيقية وينغمسون في البحث عن أبسط حقوقهم المعيشية.

هكذا تُدجَن الشعوب وتقتل الكفاءات والمواهب والقدرات وسط صفّ طويل من الأحلام والمخاوف والحاجات.

كيف نشأ الطابور وأين ينتهي؟

تخاطب أمُّ أحمد سيدة خلفها: “رايحة ارتاح شوي وإرجع، لا تخلي حدا ياخد دوري”. ثم تعيد الكلام ذاته للسيدة أمامها. لا يبعد بيت أمّ أحمد كثيراً عن المعتمد حيث تنتظر أسطوانة الغاز الخاصة بها، لكن السيارة التي تحمل الأسطوانات تأخرت وقدما السيدة لا تتحملان، فقررت العودة إلى منزلها للراحة. غالباً حين تثق بإحدى السيدات خلفها أو أمامها تعطيها رقم الهاتف الأرضي وتطلب منها في حال أتت السيارة في غيابها أن ترنّ لها رنة على الهاتف، ستعلم أن سيارة الغاز جاءت وتأتي مهرولة.

الطابور هو رتلٌ يتجاوز عدده العشرة أشخاص وقد يصل إلى المئات، يشتركون في رغبة واحدة وهي أن يسير الدور سريعاً حتى يصلوا إلى مبتغاهم والذي يكون غالباً واحدة من الحاجات الأساسية، كالخبز أو الوقود، وقد يكون ورقة أو توقيع موظف في الدوائر الرسمية أو في مراكز تسجيل الطلاب في الجامعات، وقد يأخذ الطابور شكل صفّ سيارات في انتظار تعبئة الوقود، أو أمام أحد نقاط التفتيش. قد ينتهي الدور في ساعة أو خلال ساعات، إن كان المنتظرون تعيسي الحظ. تُنظِم بعض الطوابير أنفسها، فتصطف النساء في طابور منفصل عن الرجال ولكن بعضها لا يتنظم البتّة ويبدأ الناس التدافع وصاحب البنية الأقوى هو الذي يصل إلى البداية ويحصل على حصته سريعاً.

امتدَّ أحدُ طوابير انتظار الغاز مرة من الشارع الرئيسي ثم انعطف يميناً وامتدَّ مروراً من أمام منزلي إلى آخر الزقاق، استيقظتُ حينها خائفة من صوت دحرجة أسطوانات الغاز الذي كان قريباً جداً. من فتحة في الباب راقبتُ لأيام الطوابير التي تبدأ في نقطة وتكاد لا تنته. معظم المنتظرين هم من المسنين، بالطبع فأولادهم لديهم أعمال، فيتكفلون بهذه المهمة الشاقة، يتبادل آخرون أدوار الانتظار، فيذهب الأخ الكبير للغداء والقيلولة ليعود بعد ساعة ونصف الساعة وما زال الطابور ينتظر. شاركتُ المنتظرين بعض أحاديثهم وشجاراتهم وتعدي أحدهم على دور الآخر، الذي لا ينتهي على خير في الغالب، لأن المشكلة تكمن في أن عدد أسطوانات الغاز قد ينتهي في منتصف الطابور، فتخيل أن يأخذ المنتظر خلفك مكانك ويأخذ معه آخر أسطوانة غاز!

“سندويشة” الطابور

تجرّ سيدة عجوز عربة طفل فارغة، هل شاهدت عربة أطفال تستلقي فيها أسطوانة غازٍ ممتلئة، تجرّها عجوز بصعوبة؟ إن لم ترها فأنت لا تعرف معنى السعادة الحقيقية حين تكون على شكل بؤس عميق، بؤس يودُّ إخبار كلّ من في الشارع عن أسطوانة الغاز التي يجرها.

لا يستغني الرجال عن علب سجائرهم فمن غيرها يعينهم على الصبر والصف الطويل الذي يبدو أنه سيمتد إلى الأبد. ولا يخلو الأمر من الشجارات بين الرجال، إلا أن النساء في مثل هذه الحالة أكثر شجاعة في الدفاع عن أماكنهنّ، كالمرأة التي حاول رجل أخذ دورها، فكانت تجرّ بيد الأسطوانة الفارغة وتدفع الرجل بيدها الأخرى، ثم تعيد لفّ شالها حول عنقها وتدفع بالرجل بعيداً. تعلمت النساء في تلك الطوابير الدفاع عن أماكنهن بأسنانهن، فالمكان الذي تحصل عليه إن ما تخليتْ عنه، ستخسره تماماً.

وإن كان الانتظار طويلاً لا سيما في أيام الصيف الحارقة، يحرص المنتظرون على جلب زجاجات المياه من منازلهم وربما يحملون سندويشات زعتر. تقول أم أيهم: “دائماً أتقاسم (سندويشتي) مع السيدة الواقفة أمامي والسيدة التي خلفي، غالباً تكونان من جيراني، نتفق على المجيء سوياً، الانتظار مع أشخاص تعرفينهم يجعله أقل ثقلاً”.

لكن ماذا لو كان الانتظار مربحاً وفارغاً في الوقت ذاته؟ ماذا لو كان انتصاراً وهزيمة معاً؟ لم تُرد تلك السيدة التي انتشرت قصتها في كلّ مكان سوى أن تحصل على أسطوانة غاز، المرأة التي ناهزت الثمانين وقفت على جانب الطريق تلتقط أنفاسها عاجزة عن حمل الأسطوانة. ثم جاءت سيارة أجرة، عرض عليها السائق أن تصعد ففعلت وتكفل بوضع الأسطوانة في صندوق السيارة. وحين وصلت أمام منزلها وطلبت من ابنها حملها، كانت الأسطوانة خفيفة للغاية وكأنّ ما بداخلها تبخر واختفى. بالطبع لم يختفِ ما بداخلها لكن السائق كان يملك أسطوانة فارغة قام باستبدالها بتلك التي حصلت عليها العجوز، هكذا في ذلك اليوم خسرت العجوز أسطوانة الغاز وثمنها وأجرة السيارة وساعات من الانتظار الفارغ وعاد رجلٌ ما مزهواً إلى عائلته من دون أن يفعل شيئاً سوى أن يخدع عجوزاً!

تسلل غير موفق

على دفتر العائلة كنا نترك علامة يتفق عليها الفريق خلال التوزيعات في إحدى المنظمات الإنسانيّة في المناطق التي يقيم فيها المهجرون من منازلهم. في ذلك اليوم كنّا نوزع ثياباً شتويّة للأطفال، وبسبب عددهم الكثير، مقابل عدد الثياب المحدود، كنّا نضع تلك النجمة على زاوية دفتر العائلة. كان تنظيم الدور شبه مستحيل، أعداد هائلة، وجوه بائسة وأطفال حُفاة، في آخر الدفتر كان هناك الكثير من العلامات أكثر مما تتوقع! لكن العائلات البائسة التي تريد زيادة من كلّ شيء، كان يعود بعضها ليأخذ حصّة أخرى من الثياب، لكن إشارة النجمة كانت تفضحه. في كلّ مرة اضطررتُ لأعلم الفريق أن هذا الشخص استلم حصّته بالفعل، كنتُ أشعر بواحد من أكثر المشاعر قبحاً وتعقيداً. يزيد ألمي أن المستفيد ينكر ذلك بكلّ ما أوتي من قدرة لكن النجمة المرسومة على جانب الدفتر تكشفه، النجمة التي رسمتها أنا!

وعلى السوريّ في كلّ طابور طويل أن يحاول التحايل على الانتظار. ليلاً مثلاً، يصطف الناس أمام مركز التوزيع، ومعهم ترمس قهوة أو شاي، يفترشون الأرض، ومهما جاء أناس في ساعات مبكرة يبقى منتصف الليل هو الوقت الأمثل. وهكذا قد ينتظر البعض منذ منتصف الليل وحتى الثامنة أو التاسعة صباحاً لكن المكافأة ستكون كبيرة، استلام أول أسطوانة غاز!

من جهة أخرى، يمثل الأقارب الذين يعملون في مراكز التوزيع أو في الأفران كنزاً حقيقياً، فيغدو الحصول على مستحقات العائلة أمراً بسيطاً وبدهياً للغاية، لا يحتاج انتظاراً أو استيقاظاً باكراً، فحصّة العائلة من السكر توضع جانباً قبل بدء التوزيع. تقول إحدى العاملات في التوزيع لقريبتها: “سأضع حصتك جانباً ولن أختم بطاقتك، هكذا تستطيعين استلام حصتك مرتين خلال شهر واحد”.

لعبت العلاقات دوراً أساسياً في تغيير حياة السوريين، أمّا أولئك الذين لا يملكون أي “واسطة” أو وسيط، سيتحملون الانتظار والهزائم.

حتى أنه أحياناً قد يكون وصول سيارة الغاز مجرد شائعة أطلقها البعض وصارت حقيقة حتى امتد الطابور عشرات الأمتار. عند الحادية عشرة صباحاً، يرحل منتظرون حاملين أسطوانتهم الفارغة، لكن أكثرهم خيبة هو من انتظر منذ منتصف الليل وسط الشارع، فتسمعه يصرخ: “يا ولاد الكلب طلع كذب! خلوني انطر كلّ الليل مشان ولا شي”.

هل نحن بشر داخل الطوابير؟

يردد صديقي: “الجميع ينتظرون في الطوابير، ألم تشاهدي الطوابير التي تنتظر شراء الهاتف الجديد من أمام متاجر آبل أو الجماهير المنتظرة يوم الجمعة السوداء!”. لكن لا يمكن تشبيه طوابير السوريين بتلك الطوابير، فهناك تقف طوعاً داخل انتظار ما سواء كان منظّماً وحضارياً أو العكس فهذا أمر طوعي، أمر تريده لإرضاء حاجة ما لكنكَ هنا تضطر للوقوف، تستجدي احتياجاً ما، حصّة من الأرز الذي لا تملك سعره المضاعف خارجاً أو وقوداً خشية برد الشتاء على أطفالك. ثم تتعلم شيئاً فشيئاً أن القسوة وعدم التنازل عن مكانك هو الطريق الوحيدة لتحصل على حقك.

يقاطعني صديقي: “لكن أليست كلّها ثقافة طابور في النهاية! طريقة ما يركزون فيها حاجة الفرد في شيء ما سواء كان هاتفاً أو كيلو من الأرز!”، في مكان آخر يبقى الكلام مجرد كلام والحقيقة مرّة، والانتظار يبقى قاسياً وثقيلاً. يردد العجوز السبعيني بيأس بعد انتظاره أكثر من ثلاث ساعات: “أشعر أنّني سأموت قبل أن يصل دوري”.

تقول مريم (اسم مستعار): “أنا أعاني من حالة صحية، تودي بي إلى فقدان الوعي المفاجئ وهبوط الضغط، في حال وجدت في مكانٍ مكتظ يفتقد إلى الشروط الإنسانية تماماً كطوابير الانتظار السورية”.

حصل ذلك مرةً في حافلة للنقل الداخلي، وسط الازدحام والأجساد الدبقة ورائحة العرق، فغابت مريم عن الوعي لتصحو وكلّ ركاب الباص حولها حيث لم تبقَ قنينة ماء إلّا وأفرغت فوق رأسها. “أتذكر خلال دراستي الجامعية أصبت بالحالة ذاتها وسط طابورٍ من الطلاب ينتظرون الموظف المتأخر أمام شباك صغير، يتدافعون ويتشاجرون. كان غيابي عن الوعي في تلك المرة مفيداً، فيبدو أن الطلاب شعروا بأنني غير قادرة على أن أكون جزءاً من التدافع والشتائم فصاروا يعطونني أدوارهم ويقولون للموظف، فلتنتهِ أولاً من أوراق (البنت الدايخة)”.

من جهة أخرى، مشهدٌ واحدٌ لسيارة “السورية للتجارة”، وهي توزع المستحقات عبر البطاقة الذكية يختصر فكرة تدمير أبسط الشروط الإنسانية حيث يشعر الإنسان أنه مهانٌ ومجبرٌ على تحمل الإهانة، كيف لا وعليه أن يعود بمستحقاته وسط هذا الحشد الذي قد يستمر ساعات، يتهافت الناس للوصول إلى باب الشاحنة، يصيح رجل غاضب بعدما صاح به العامل لينتظم ويتوقف عن دفع الناس: “هل أنا الوحيد الذي عليه أن ينتظم كالحمار في صفّ لوحده؟”.

النساء ضحايا الطوابير

تتعرض نساء لتحرشات جسدية ولفظية خلال انتظارهن في الطوابير، بخاصة حين يكون الدور غير منتظم، ولا ينقسم المنتظرون بين صف للنساء وآخر للرجال، فتمتدّ الأيدي وسط الحشود المتدافعة، فيما تخفي نساء غضبهن فمن سيسمعهن وسط هذا الحشد الجائع؟ وبعضهن يتركن الطابور ويرحلن، فيما تثور أخريات. يذكر كثيرون في الحيّ صوت إحداهن المخنوق وهي تصيح: “جوعان وناطر من الصبح وإلك خلق تلمسني!”.

صمت الجمهور المتدافع وكاد الناس يسمعون أنفاسهم. لم يحدث يومها شيء آخر، تراجع الرجل إلى آخر الصف كما روى البعض واحتفظت المرأة بمكانها وبغصّة موجعة وبأثر ما على جسدها، شعرتْ به وحدها.

بعد فقدان كثيرات أزواجهن خلال السنوات الماضية، حُرمت عائلات من المعيل الوحيد، فكان على النساء القيام بمهمات صعبة، فبتن في مواجهة يومية ومباشرة مع عالم الرجال الذي لم يعتد أن تكون المرأة قريبة منه، فإضافة إلى الجوع والحرب يريد كثيرون أن تكون المرأة ضحية التحرش الجسدي واللفظي في طوابير الانتظار.

وقد يصدر التحرش من الموزعين أنفسهم ومن المسؤولين عن توزيع الحصص في الجمعيات والمنظمات حيث قد تساوم نساء على حصصهم أو حصّة أكبر مقابل خدمات جسدية لاحقة. ترضخ نساء ويتركن أرقام هواتفهن، وبعض الموزعين يعرفون مسبقاً أين تقع منازل هؤلاء النساء. تقول كوثر (اسم مستعار): “همس لي مرة المسؤول عن التوزيعات الخيرية أنه لن يعطيني حصتي إن لم أعطه رقمي، أعطيته رقماً خاطئاً وأخذت حصتي ولم أعد بعدها مطلقاً، صرت أذهب إلى منطقة أبعد لاستلام حصصي”. وحين سألناها إن حاولت تقديم شكوى قالت: “أتعتقدين حقاً أننا نعرف إلى من سنتوجه؟ الوجه الوحيد الذي نعرفه هو هذا الموزع وفي الحقيقة أخشى خسارة حصتي إن ما اشتكيت”.

يسميه البعض طابوراً وآخرون يقولون إنه ثقافة القطيع التي نجبر على دخولها، حيث يقولب التفكير والرغبات شيئاً فشيئاً ويغدو الطابور نوعاً من أنواع الثقافة اليومية، التي تُنسي الناس حياتهم الحقيقية وينغمسون في البحث عن أبسط حقوقهم المعيشية. وكيف يتطور شعب ما أو يفكر بالخروج من قوقعته وهو يمضي نصف يومه داخل طابور، والنصف الآخر يفكر ويسأل عن موعد تسليم مستحقاته أو يرتاح فيه من تعب الانتظار الطويل؟ هكذا تُدجَن الشعوب وتقتل الكفاءات والمواهب والقدرات وسط صفّ طويل من الأحلام والمخاوف والحاجات.

درج

—————————————

نامي واحلمي أنك تأكلين”: يوميات الجوع من العراق إلى سوريا/ مناهل السهوي وميزر كمال

حين فكرنا بمادة تجمع العراق وسوريا معاً بدا أن الجوع هو البوابة، العراقُ من الماضي وسوريا الآن، كيف يبدو شكل المجاعةِ الآتية إلى سوريا اعتماداً على الزمن الماضي الذي عاشه العراق في حصار قاس؟

كيف بدأت المجاعة عام 1991، اعتماداً على مشاهدات بسيطة ليوميات السوريين اليوم، أدركنا أن خلط الزمنين يحدث بالفعل وأن الأحداث تتنقلُ في أزمنة قريبة وبعيدة، ولا شيء منتهٍ في الحقيقة.

شيئاً فشيئاً عرفنا أننا عالقون في ما يحدث وفي ما حدث، عالقون كإنسانيين وأن هذه البلاد تركت لنا إرثاً مريراً علينا التعامل معه بحذر، كيلا نتشوّه، أدركنا أننا متشابهون في مشاعرنا تجاه بلداننا بطريقة ما، ربما طريقة الأزمنة، الأحداث واللحظات الحاسمة، كان أحدنا يبدأ ليكمل الآخر، لم يكن هناك قطعٌ سوى بالزمن، الزمن الذي أوصلنا في النهاية إلى النقطة ذاتها، فأدركنا أن الجميع سيموت وحده، سيموت في وطنه.

هنا محاولة فهم ليوميات الحصار عبر ربط مشاهد عراقية وسورية عاشها واختبرها الكاتبان.

من صفوف الاعاشة خلال حصار العراق – 2001

1991-2003: المهانة

بصوته الحاد وهو يصرخ: “غاز… غاز… غاز…” وقرعه بالحديد على الحديد، وضجيج عربته الكبيرة، يعرف حيُّ 30 تموز في مدينة الرمادي العراقية أنَّ الغاز صار متوفراً في المحطة، وبإمكان العائلات الفقيرة دحرجة تلك الأسطوانات الفارغة في الشوارع من أجل استبدالها بأسطوانات أخرى، معبأة بالغاز.

كان “قدّوري” الولد الذي يعاني من عوق في رجليه، وخللٍ هرمونيٍّ جعله بديناً جداً، لدرجة أن الناظر إليه بالكاد يرى عينيه على هيئة ثقبين صغيرين في وجهه بسبب انتفاخ خديه، كان هو المبشِّر بمجيء الغاز إلى الأحياء السكنية التي يتجول فيها من أجل بيع أسطوانات الغاز مقابل هامش من الربح ضئيل جداً، لكنَّ معظم العائلات التي تتأرجح على خط الفقر لا تشتري منه الغاز، وتدفع بأبنائها للذهاب إلى المحطة، والانتظار في طابور طويل للحصول على أسطوانة غاز تعبر فيها أسبوعاً آخر من الحياة الرديئة.

أحياناً يصل الخبر قبل مجيء “قدّوري” الذي يظلُّ مرابطاً أمام محطة الغاز لساعات طويلة، أحدهم يلمح مرور شاحنة الغاز، بأقفاصها المميزة التي تشبه الزنازين الصغيرة، ثم يصرخ: “جاء الغاز” وهكذا من فمٍ إلى فمٍ ينتشر الخبر، فتتحول الشوارع إلى مهرجانٍ للضجيج، وماراثون مفتوح لمن يصل أولاً إلى المحطة، ويقف في بداية الطابور.

الطوابير أمام محطات الغاز في المدن العراقية كانت فصلاً مأساوياً آخر من فصول حكاية الحصار الطويل. فبسبب التزاحم وتراكم الأجساد وأسطوانات الغاز الفارغة التي غالباً ما تتسبب باندلاع معارك تنتهي عادةً بالدم، لجأ النظام إلى وضع قفص حديدي بطول يتجاوز الـ40 متراً أحياناً، وبعرض يساوي مترين أو أقل؛ لحصر الطابور وتنظيم الحشود الباحثة عن الغاز.

مشهد الناس وهم يدخلون إلى القفص للمرور إلى المحطة كان يشبه كثيراً مشاهد حبس “العبيد” في الأقفاص، وكأنَّ الطريق للحصول على أسباب العيش يمر عبر بوابة الإذلال والمهانة، وهكذا كانت هذه عادة يومية طيلة عقد التسعينيات من القرن الماضي والسنوات الثلاثة الأولى من القرن الواحد والعشرين، لكي تحصل على الغاز عليك أن تعاني، تماماً مثلما عليك أن تعاني للحصول على كل شيء يسند حياتك المتعبة في البلد المحاصر.

عائلة في شمال سوريا

منزلنا في السويداء

من سطح منزلنا في إحدى قرى السويداء، كانت تخرج سحابة سوداء عالية، نتيجة احتراق مواد غريبة تضعها والدتي في مدفئة الحطب، للحصول على الدفء في الأيام الباردة الطويلة، لم يكن عليها سوى فتح الخزائن والبحث عن الثياب القديمة وحقائب اليد المهترئة ودسّها في الموقد. الأحذية القديمة لم تسلم أيضاً، كانت أمي تؤكد بابتسامة راضية أن فردة حذاء أو “كندرة” لإحدى بناتها هي أفضل من إشعال شجرة كاملة، فالدفء الذي نحصل عليه يستمر لساعات والهواء يعصف في الخارج في ظل شحّ الوقود. لم تتحدث عن إحراق علب البلاستيك الفارغة والثياب على أنّه محاولة للتدفئة إنما كطريقة حديثة لتعزيل المنزل من الفائض والأشياء التي ما عدنا نستخدمها.

كانت أمي ككلّ السوريات تعرف معنى انتظار الحصول على الوقود بأشكاله، والنساء خارجاً ما كنّ يختلفن عن أمي سوى بأن هناك من يستطيع الانتظار عوضاً عنهن. كنتُ أصادف تلك السيدة في كلّ مرة يمتد طابور أمام معتمد الغاز القريب من منزلي، كانت امرأة في الخمسين، تلبس الأسود وتلف شالها وتجرّ عربة طفل قديمة، تضع قنينتها الفارغة فيها، ما زال ذلك المنظر مدهشاً على رغم انتشاره في دمشق، فكثيرون يستخدمون عربات الأطفال في نقل حاجياتهم، لكن تلك السيدة كانت تتعامل بحنوٍ هشّ مع عربتها وكأنّ طفلها لا يزال فيها، وتتكئ أحياناً على المقود لشدّة تعبها.

من بعيد كنتَ تلمح عربات أطفال تنتظر في الصف الطويل، حيث استُبدِل صراخ الأطفال بقرقعة الأسطوانات والشتائم والهزيمة القاسية للحاجة، بعد وصول الغاز كانت السيدة تجرّ عربتها بصعوبة، مع أسطوانة مملوءة، يُفسِح لها المنتظرون الطريق، هناك أشياء تكبر في الانتظار، فحتى الطوابير لها طريقتها في تقديم الزمن المتسارع والبطيء في الوقت ذاته داخل عربة طفل مهترئة.

وبينما كان الناس ينتظرون في طوابير، كانت والدتي تصنع من الأشياء القديمة طابوراً أمام المدفئة المشتعلة وقطعة خلف أخرى كانت ترميها في النار هكذا حتى يتلاشى طابور الدفء شيئاً فشيئاً. أمّا الطابور البشري في الخارج، فكان يحوّل الأحلام إلى أكف تُفرك ببعضها وأنوفٍ تتجمد، الشتاء قاسٍ في هذه البلد كطابور الأشياء المحترقة.

صفوف توزيع طعام الاعاشة في العراق

2011-2020: عن الجوع والسعادات العابرة

يستشعر الأطفال الجوع قبل غيرهم وتغدو ملذّاتهم الصغيرة عصيّة على التحقيق، تطلبُ الصغيرة “مصاصة” وسط الدكانة، ترفض الأمّ فلا مال كافٍ، وتكتفي بشراء نصف كيلو من السكر، يقوم شاب واقف خلفها بتناول “مصاصة” من على الرفّ ومنحها للطفلة، ثم يدفع ثمنها، تشكره الأمّ بخجل، تسجل نصف كيلو السكر ديناً وتخرج.

قصّة الجوع ليست جديدة في سوريا ولا تتعلق بقانون قيصر وحسب، فعائلات كثيرة عانت من الحصار خلال الحرب وفقدان الطعام، تناولت بعض العائلات أوراق الأشجار في الغوطة الشرقية أثناء حصارها.

يردد رجل على التلفزيون الرسمي بعدما سألته المذيعة عن غلاء الأسعار بعدما أشار إلى محل بيع الدجاج: “أترين ذلك المحل وقطع الدجاج، منذ أربع سنوات لم أتذوقه أنا وعائلتي”، حتى قطط دمشق بدأت تشعر بالجوع، فالقمامة التي كانت تحوي الكثير من بقايا الأطعمة باتت اليوم شبه مفقودة والقطط لا تشمُّ رائحة تتبعها ثم تمزق الكيس لتتناول ما فيه.

يخبرني سائق الأجرة عن سيدة صعدت هي وطفلتها في سيارته، وطلبت منه أن يوصلها إلى حي الميدان وسط العاصمة دمشق، هناك حيث مقرّ جمعية خيرية توزع حصصاً غذائية على العائلات الأكثر عوزاً، أخبرني أن طفلتها اشتكت الجوع، فوضعت رأسها على حضنها ورددت: “نامي واحلمي أنك تأكلين”.

بحسب الصليب الأحمر الدولي، فإن 9 ملايين سوري لا يعرفون من أين ستأتي وجبتهم المقبلة، ونصف السوريين لا يحصلون على غذاء كافٍ، أمّا برنامج الغذاء العالمي فقد أعلن أن 9.3 مليون سوري يعانون اليوم من انعدام الأمن الغذائي مع ارتفاع أسعار المواد الغذائية 209 في المئة عن مثيلتها قبل 9 سنوات.

لم تكن هنالك سعادات دائمة أو حتى طويلة الأمد لنعيشها خلال فترة الحصار على العراق، السعادات كانت قصيرة وعابرة، وربما كانت أكثرها تأثيراً وعلوقاً بالذاكرة تلك السعادة التي ترافق مجيء العم شاكر من الأردن. كنا عندما نشاهد الشاحنة تستدير باتجاه الحي نخرج -نحن الأطفال- كأننا جراء صغيرة إلى الشارع، نرقص ونهتف: عمو شاكر جاء… عمو شاكر جاء.

كان العم شاكر يعمل سائقاً في شاحنة لنقل البضائع بين العراق والأردن، فحينها كان المنفذ الوحيد لدخول البضائع إلى العراق المحاصر هو الأردن وتحديداً ميناء العقبة، وفي مقابل ذلك كان العراق يصدِّر النفط إلى الأردن بأسعار تفضيلية، أو ربما تقترب من أن تكوناً بالمجان.

عندما يرصف العم شاكر شاحنته الطويلة في الشارع وينزل من مقعد السائق، كان يمثل لنا بطلاً حقيقاً، بدشداشته التي عليها أثر الرحلة، ولحيته النابتة في وجهه وقد خالطها البياض، كنا نتسابق بحماسة نحوه؛ من يحتضنه أولاً.

ومثل كل مرة؛ يذهب العم شاكر إلى ثلاجة الشاحنة ونحن وراءه مثل سرب من الجراء الصغيرة، يُخرج ما ننتظره طويلاً: بسكويت توتو، وعلبة من حلوى “ناشد اخوان” يوزعها علينا ثم يدلف إلى بيته.

بالنسبة إلى أطفال مثلنا، يفطرون على الخبز والشاي فقط كل يوم، وثمن شراء علكة بالنسبة إلى عائلاتهم يمثل تحدياً كبيراً، وكذلك ثمن شراء أحذية البلاستيك، ويخدش الجوع أيامهم، كان العم شاكر سعادتنا الأهم التي تأتي كل أسبوعين أو ثلاثة مرة واحدة فقط.

كبرت بما يكفي لأعرف عن طفولتي تلك من خلال التقارير الأممية والإحصاءات التي تصنفنا تحت مستوى خط الفقر، وصرت عندما أقرأ عن معدل التضخم الذي وصل خلال فترة الحصار إلى 24000 في المئة سنوياً، صرت أفهم عجز أبي عن شراء حقيبة مدرسية لي، وإعطائي حزاماً قديماً له لأحزم فيه كتبي، فقد كان راتبه الشهري 5000 دينار فقط (2.5 دولار).

أن أنجو من كل مما مررت فيه، معجزة، فأنا كنتُ واحداً من الأطفال دون سن الخامسة الذين زاد الموت بينهم إلى الضعف، فمن 56 حالة وفاة لكل ألف خلال الفترة من 1984-1989 قفز الموت إلى 131 حالة وفاة لكل ألف في الفترة من 1994-1999، أما معدلات سوء التغذية بين الأطفال فقد تضاعفت من 12 إلى 23 في المئة بين عامي 1991-1996، بينما كانت 70 في المئة من النساء العراقيات (أمهاتنا) يعانين من الأنيميا.

1991-2020: خرائط النجوم

أكره العتمة، كنتُ في المطبخ عندما انقطعت الكهرباء ولم يكن هناك ضوء، تلمستُ الحائط بيدي، كان خشناً، مشيتُ على مهل وبدأت العتمة تمتصّ قلبي، شعرتُ أنّي قد أنفجر لشدة العتمة، وصلت في النهاية إلى هاتفي، أضأت الفلاش بسرعة وتنفست، شعرت كما لو أن أحداً غمس رأسي في الماء، أكره تلك الساعات الطويلة التي رافقها ضوء “الليد” الخافت. كان الليد (الدايود باعث الضوء) عبارة عن ضوء موصول ببطارية، تستخدمها كلّ العائلات تقريباً في سوريا، نشحنها عند قدوم الكهرباء، وكلما نقص شحن البطارية خفُتَ ضوء الليد، لم يكن يتلاشى تماماً لكن المنزل يبدو أشبه بقبرٍ مضاء، وهكذا لم تكن تتحمل البطارية دوماً الساعات الطويلة لغياب الكهرباء أو تتعطل وينتهي عمرها فنؤجل شراء واحدة جديدة بسبب الوضع المادي. أنزلت أمي فوانيس الكاز القديمة عن الرفوف، كانت تعرضها كتحف انتيكا، ملأتها كازاً وأشعلتها، أكره ذلك اللون الأصفر ورائحة الكاز المحترق في المنزل. حين تنقطع الكهرباء نتوقف عن الضحك، نهمد ونخاف، لا تتحمل كذلك بطارية الحاسوب المحمول ساعات القطع الطويلة، ينطفئ كلّ شيء رويداً رويداً، ويصبح الخارج مظلماً أكثر ومخيفاً، ينتشر اللصوص في القرى النائية ويعلو نباح الكلاب على أشياء تخاف منها كذلك.

وهكذا صارت لنا حكايا مع العتمة، أذكر يومها كان كوب القهوة عن يميني والشمعة عن يساري، الكهرباء مقطوعة، وأنا أكتب على الحاسوب المحمول في الوسط، مددت يدي اليسرى لأشرب القهوة، أمسكت بدل ذلك بالشمعة، قرّبتها لأشرب منها، ليس مهماً ما حدث بعد ذلك، كدتُ أشرب ضوء الشمعة.

وكلما رغب أحدهم بإجراء صفقةٍ لاستيراد البطاريات والليدات، احترقت محولة كهرباء هنا وهجم مسلحون على واحدة هناك، وكنّا نغرق أكثر في العتمة لكنني اعتدتها كما اعتدت أشياء كثيرة خلال هذه السنوات، كما اعتدنا الموت والخسارة والبرد. وفي يوم خرجت لأتنفس، كانت العتمة توشك أن تقتلني، لم أعلم أن القرى النائية وحين انقطاع الكهرباء صيفاً تبدو سماؤها ساحرة، ظهرت كلّ النجوم حتى أصغرها وأبعدها وبدا درب التبانة واضحاً كحلمٍ قريب، بعدها اعتدت أن أخرج في بعض الأمسيات وأراقب السماء، كانت العتمة حينها لا تعني شيئاً لأن السماء كانت قريبة وآمنة.

كنتُ صغيراً حينها، عندما كان أبي يقصُّ علينا حكايا النجوم، كانت كثيرة تلك الحكايا وجميلة، غير أنَّ أكثرها عُلوقاً بذاكرتي حكاية بنات نَعْش، كان يقصّها علينا كثيراً؛ لأننا ننامُ على سطح بيتنا الصغير كثيراً، ولأنَّنا فقراء ومحاصرون، كانت الزوايا -زوايا بيتنا- شديدة الحرارة ومظلمة، ونحن الفقراء، نخاف من الزوايا والظلام، فنصعد إلى السطح محمَّلين بالنعاسِ وبالتعب. كان أبي يقول لي: انظر إلى السماء يا ولدي، إنَّها تشبهنا كثيراً، بعيدة ووحيدة. كنتُ أرى النجومَ وخرائطَها وأشكالَها، منها ما كانَ على صورة عقرب، وبعضها على هيئة أفعى، وبعضها يشبه طائراً، أعطيته اسماً ثمَّ نسيته في ما بعد، وبينما كانَ أبي يواصل سردَ الحكاية، كنتُ أهوّم برأسي من شدّةِ النعاس، فيقول لي: نم يا ولدي، غداً عندما نصعدُ إلى السطح ثانيةً سأقصها عليك كاملةً وأُريكَ “مِسْحالَ الجَدْي”، ويقصد بذلك حزمة النجوم الكثيفة حين تحتشد في ليلة صيفية، وصافية كروح أُمّي التي تظلُّ واقفةً فوق أجسادنا المتثائبة، تهبنا الهواء برفَّةِ شالِها الأسود، حتّى تتلاشى الأشياء عن أنظارنا، سوى طيفِها المضيءِ الذي يشبهُ سديماً انبعاثياً، فنغرق في نومنا المشتهى، ويا لنوم الفقراء! كان أبي صادقاً بسرد الحكايا، حكايا النجوم، كان يؤمن بأنها تَقتلُ، ويؤمنُ أنها تَغدر، وتُحب، وتُهزم. كان يؤمن بأنَّها مثلنا تماماً، لكنَّه لم يكن يعلم أنَّها ماتتْ منذ زمن سحيق، لم يكن يعلم أنَّ بنات نَعْشٍ اللائي خطفنَ طفلَ سُهيلٍ متنَ كما مات الأبُ المغدور منذ أمدٍ بعيدٍ بعيد، لم يكن يعلم أنَّ سُهيلاً الذي يطلع كلَّ مساءٍ من أسفلِ السماء ليطمئنَّ إلى طفلِه مات، وأنَّ طفلَه مات أيضاً، لم يكن يعلم أنَّ الجَدْيَ الذي قَتَلَ نَعْشاً واتَّهمَ سُهيلاً بدمِهِ انفجر وآلَ إلى غبارٍ كوني. لكنَّ أبي كانَ صادقاً، وحزيناً، لأنَّ النجوم تشبهنا.

هكذا أتذكر تلك الأيام، الأيام التي تمرّ ساعاتها الطويلة بلا كهرباء، أشعر بها وأتذكر رائحة الوقت وأتحسس الأمكنة من خلال الحكايا، والأحاديث التي نعبر بها إلى نهار آخر طويل ورديء. أتذكر أيضاً أننا في تلك الليالي وعندما نكون على السطح ويحدث الخسوف، نخاف فكرة الظلام. ففي ثقافتنا الشعبية نحن أهل العراق، أن الحوت يأتي كل سنة لابتلاع القمر، وحتى لا نعيش في ظلام أبدي، علينا أن ندافع عن القمر، قمرنا الوحيد الذي يهبنا الضوء والأمل. ومن أجل ذلك نصعد بالقدور والملاعق وأدوات المطبخ إلى السطح، نضرب الحديد على الحديد ونهتف نحو السماء: “حوتة يا منحوتة، هدّي قمرنا العالي”، وهكذا يرتفع الصوت من السطوح إلى القمر، حتى يتراجع الحوت الأسود السماوي، ويترك القمر، وننتصر نحن، نحن الذين كسرتنا الهزائم الكثيرة، وأخرجنا الظلام من بيوتنا إلى السطوح.

2020: باب المجاعة الواسع

قبل سنتين أو أقل قليلاً، راسلني صديق قديم، درسنا المرحلة الابتدائية معاً، ثم عام 2000 انتقل كلٌ منا إلى مدرسة متوسطة مختلفة، قال لي إنه لا يزال يحتفظ بصورتنا الجماعية التي التقطناها في حديقة مدرسة الأبرار، فطلبت منه على الفور إرسالها لي فلم يتأخر بذلك. تطلبت بعض الوقت لأعرفني، لقد تغيرت كثيراً، وكبرتُ جداً، واشتقت لذلك الطفل الشقي.

حينها لم يكن باستطاعتي دفع ثمن الصورة، كان ثمنها 500 دينار عراقي (25 سنتاً) وهذ المبلغ يساوي 10 في المئة من راتب الموظف العادي، وهو رقم كبير بالنسبة إلى العائلات العراقية التي سقطت في هوة الفقر عندما انهار العراق، وفُرض عليه الحصار، لذا كنت أكتفي بالوقوف مع التلاميذ لألتقط الصورة، ثم لا أضع اسمي في قائمة الذين يريدون نسخة منها، وهكذا غابت ملامحي ونسيتها طيلة تلك السنين.

الفقر كان سمة جماعية، الأغنياء نادرون جداً في الحيّ الواحد، ما زلت أتذكر الشارع الذي كنا نسكن فيه أيام الحصار، كنا نسميه شارع الأرامل، حيث في كلَّ بيت من البيوت السبعة المتجاورة أرملة، فقدت زوجها في الحرب العراقية- الإيرانية، كنَّ يصنعن الخبز للآخرين، أو يعملن في شؤون منزلية كالخياطة، مقابل بعض المال القليل.

بينما كان الموت وحده ينمو ويزدهر؛ كان كل شيء يتداعى في العراق، والإنسان كان يُسحق بمجنزرة الحصار ببطء طيلة 13 سنة. لقد مات أكثر من مليون ونصف المليون إنسان بسبب الجوع وسوء التغذية وتفشي الأمراض المعدية وانهيار النظام الصحي، بينهم 500 ألف طفل، والبُنى التحتية أصابها الشلل والإهمال، واختفت الطبقة المتوسطة من النسيج المجتمعي العراقي، وكان أصحاب الشهادات العليا والموظفون في الدولة يزاحمون العمالة في الشوارع، فلا غرابة حين تمشي في شوارع العراق وترى معلماً أو مهندساً يجلس على الرصيف لبيع السجائر أو الأحذية أو الملابس المستعلمة، أو أيَّ شيء آخر يوفر له بعض المال.

تحوّل العراق إلى مقبرة جماعية كبيرة خلال الحصار، وشهد في تلك الفترة أكبر هجرة جماعية للعقول، 23 ألف باحث وعالم وصاحب شهادة عليا غادروا العراق إلى المنفى، لينضموا إلى 2.5 مليون عراقي آخرين فروا من جحيم الفقر وديكتاتورية نظام صدام حسين، ومثلما قال وزير الخارجية الأميركي الأسبق جيمس بيكر، فقد عاد العراق إلى حقبة ما قبل الصناعة.

اليوم ونحن ندخلُ بقدمنا اليمنى باب المجاعة الواسع، ونحن نلمح التعب والجوع على الوجوه، ندرك أن السوريين باتوا أكثر هشاشة، يفكرون بكلّ لقمة قبل تناولها، هل سيعيشون ما يعيشه اليمن والصومال اليوم؟ كلّ احتياج يجب أن يُسأل عن سعره قبل شرائه وغالباً يُسأل من دون أن تحصل عملية البيع. يدخل رجلٌ رث الهيئة إلى الصيدلية، يسأل عن أرخص حفاضات للأطفال، فيقول له البائع كلّها تقريباً بالسعر ذاته، لكن الحجم يختلف، لا يسأل حتى عن السعر، يدير ظهره ويرحل، كان يريد الأرخص وحسب، فكرتُ إن لم يملك الحفاضات، ماذا سيفعل، هل ستصنع الأم حفاضات من القماش؟ في المدينة ذاتها في الجنوب السوري، يمشي رجل عجوز حافي القدمين بهيئة مكسورة تمرّ مسرعة بجانبه سيارة رانج روفر، سيارة أخشى حتى تخيل أن أمتلكها يوماً، يدير العجوز رأسه مراقباً السيارة المبتعدة ويمضي مجدداً.

لا يخدعك إن قالوا لك بالتدبير تستطيع عيش حياة كريمة، في سوريا التدبير يعني الجوع حتماً، الأم الوحيدة تصنع “كوسا محشي” لكن عدد أفراد العائلة كبير، لذلك وقبل أن تضع الطبق تُخرِج المرقة وتفتت الخبز فيها، يأكل الجميع من الصينية وحين يوشكون على الشبع، تجلب الأمّ حبات الكوسا المحشية بالأرز، هكذا يشبع الأطفال من “الكوسا المحشي”، من دون أن يلتهمونها دفعة واحدة. الخوف يدفع العائلات إلى زيادة التقشف؛ فهناك شائعات عن نيّة الحكومة رفع الدعم الحكومي عن المواد الأساسية، سيجرون إحصاء، بحسب ما تملكه من سيارة وبحسب فواتير الهواتف الثابتة والمحمولة، ويقولون بحسب نوع هاتفك المحمول، كلّ هذا سيحدد مستواك الاقتصادي، هكذا ستصل المواد المدعومة إلى المستحقين مع العلم أن 82 في المئة من الشعب السوري تحت خط الفقر! تردد جارتي مازحة، لنخفي “الكبّة” التي صنعناها اليوم، قد يرفعون الدعم عنا إن علموا أننا قادرون على تناول الكبة!

بمرتبها الذي يبلغ 45 ألف ليرة سورية أي أقل من 20 دولاراً تذهب إلى المتجر، تنظر بحيرة، تشتري من كلّ صنف تحتاجه بقوة القليل، القليل من الجبن، القليل من الزعتر، علبة فول واحدة، أصغر علبة سائل جلي، ثم تحتار، قالت لي كدت أقول للبائع، ألا يوجد قليلٌ من الزيت يعني ملعقتين أو ثلاث؟ عبوة الليتر غالية جداً وأنا أريد القليل فقط.

درج

———————————-

سوريا حيث الانهيار الاقتصادي يقتل… لا “كوفيد-19”/ جهاد يازجي

سلطت أزمة “كوفيد-19” الضوء على مواطن الضعف الهيكلية الراسخة في الاقتصاد السوري وعصفت بما كان باقياً من قدرته على مجابهة الضغوط الجديدة.

 هذا الموضوع تم اعداده بالتعاون مع Pulitzer Center

أصدر الرئيس السوري في 11 حزيران/ يونيو 2020 مرسوماً يقضي بإعفاء رئيس الوزراء عماد خميس من منصبه الذي شغله منذ عام 2016، وكلّف بدلاً منه حسين عرنوس بمهمات رئيس مجلس الوزراء إلى جانب حقيبة وزارة الموارد المائية. جاء القرار بإقالة خميس، بعدما شهدت الفترة الماضية تدهوراً سريعاً في الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية. ومن هذا المنطلق، يُمكن اعتباره الضحية السياسية الأولى في سوريا لأزمة “كوفيد-19”.

جاء قرار الإقالة على رغم أن عدد السوريين الذين ثبتت إصابتهم بفايروس “كورونا” لم يتجاوز 146 حالة فقط حتى 10 حزيران. بعد نحو ثلاثة أشهر على بداية تفشي الوباء، وفي حين اشتدّت في بادئ الأمر مخاوف من احتمال تسبب الجائحة في أضرار فادحة، يبدو أن “كوفيد-19” لا يزال تحت السيطرة إلى حد كبير.

لا شك في أن التقارير الواردة حول هذا الموضوع ناقصة وغير وافية، علاوةً على أن انخفاض أعداد الإصابات يُعزى في الأساس إلى إجراء عدد ضئيل للغاية من الاختبارات، إلا أن روايات الأطباء السوريون أكدت بالفعل انخفاض معدلات تفشي الوباء في مختلف أنحاء البلاد. فضلاً عن أن الوجود واسع النطاق للمنظمات الغربية والدولية، سواء في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة أو خارجها، يجعل من الصعب على السلطات المحلية إخفاء تفشي الفايروس في أي حال.

مأساة اجتماعية واقتصادية

العواقب الاقتصادية والاجتماعية المترتبة على الفايروس كانت مأساوية بالفعل.

بدأت السلطات السورية اعتباراً من منتصف آذار/ مارس فرض إجراءات تقييدية مختلفة. فقد أرجأت الانتخابات البرلمانيّة التي كان من المقرر إجراؤها في نيسان/ أبريل الماضي، وقلصت عدد الموظّفين في الإدارات العامّة، وأغلقت المدارس والجامعات وأماكن العبادة وأماكن الترفيه والأعمال التجارية، وعلقت الرحلات الدوليّة وأغلقت المعابر البريّة مع لبنان والعراق والأردن. وزادت صرامة القيود المفروضة على الحركة تدريجاً. وحظرت أيضاً السفر بين المدن الكبيرة وضواحيها ومنعت التنقل بين المحافظات. وفي 25 آذار، فرضت حظر تجول يومي من السادسة مساءً حتى السادسة صباحاً.

كما هو متوقّع، كانت التداعيات الاقتصادية والاجتماعية هائلة. فقد أدت هذه الإجراءات إلى انخفاض كبير في النشاط التجاري، وارتفاع معدلات البطالة، وزيادة أسعار السلع الاستهلاكية، بينما أدى إغلاق الحدود الدولية إلى توقف المعاملات التجارية والمالية مع العالم الخارجي. فضلاً عن أن المزارعين لم يتمكنوا من بيع منتجاتهم في الأسواق، وتوقف إنتاج المصانع، وأغلقت الفنادق والمطاعم نشاطها بالكامل.

بحلول منتصف نيسان/ أبريل، ازداد وضوح آثار الأزمة. فقد كتب المهندس فارس الشهابي، عضو مجلس الشعب السوري ورئيس اتحاد غرف الصناعة السورية، على صفحته على “فايسبوك”، منشوراً قال فيه، “نتمنى ألا تصل إجراءات الحظر والإغلاق بشرائح الدخل المحدود إلى الاختيار بين المخاطرة بالموت بالكورونا أو بالموت جوعاً…! وقتها ستخرج الأمور عن السيطرة…!”. في هذه الأثناء، قال كفاح قدور، أمين سر غرفة تجارة وصناعة طرطوس، إنه إذا استمرت القيود فإن ذلك قد يتسبب في انهيار وإفلاس شركات كثيرة.

نظراً إلى أن الحكومة لا تنشر سوى قدر محدود للغاية من البيانات، فلا يوجد حتى الآن تقييم دقيق للتأثير الاقتصادي والاجتماعي الناجم عن هذا الإغلاق. ولأن تدهور الأحوال الاقتصادية يُعزى إلى عوامل متعددة، من بينها الأزمة المصرفية اللبنانية، وتداعيات الدمار الشامل الذي شهده الاقتصاد، فمن الصعب أن نُحمل جائحة “كوفيد-19” خصوصاً مسؤولية تدهور مؤشرات اقتصادية واجتماعية محددة. ارتفاع الأسعار، وانخفاض قيمة العملة السورية في سوق الصرف الأجنبي، وتضاعف قيمة الدولار في السوق السوداء مرتين بين أوائل آذار وأوائل حزيران، أو على سبيل المثال، الانخفاض الحاد في عدد الحاويات الواردة عبر مرفأ اللاذقية، والذي يشير إلى تدني معدلات التجارة الخارجية، يرجع ذلك كلّه إلى مزيج من هذه العوامل، والتي تُعد جائحة “كوفيد-19” مجرد واحدة منها.

يُمكن أن يُعزى بعض هذه الصعوبات تحديداً إلى إجراءات الحظر. فعلى سبيل المثال، كانت التحويلات النقدية والزوار الأجانب، وبخاصة من لبنان وإيران، مصدرين مهمين للعملة الأجنبية. وأدت تدابير الإغلاق إلى وقف هذه الأنشطة، ما أفضى إلى نقص العملات الأجنبية وارتفاع قيمة الدولار.

تدابير محدودة للتخفيف من حدة الأزمة

أعلنت الحكومة عن إجراء بعض التدابير للتخفيف من حدة التأثيرات التي تفرضها الأزمة. فعلى سبيل المثال، زادت الحكومة سعة الإنترنت الشهرية بنسبة 50 في المئة لتسهيل العمل من المنزل، وأعلنت أنها ستُخصص 100 مليار ليرة سورية للمساعدة في دعم النشاط الاقتصادي، من دون أن توضح بالتحديد كيف تخطط لإنفاق هذه الأموال.

شملت التدابير الأخرى تأجيل سداد الشركات بعض الضرائب، وتخفيف متطلبات تمويل الواردات، وبدء ما أطلقت عليه الحكومة “الاستراتيجية الوطنية للاستجابة لحالات الطوارئ الاجتماعية”. تستلزم هذه الاستراتيجية دفع مبلغ إجمالي قدره 100 ألف ليرة سورية لمن فقدوا وظائفهم أثناء الوباء. وفي غضون أيام سجل نحو 200 ألف شخص أسماءهم، وفي منتصف أيار/ مايو، أعلنت الحكومة أنها ستبدأ في صرف الأموال إلى دفعة أولى تضم 20 ألف شخص. وفي منتصف نيسان، بدأت الحكومة تخفيف إجراءات البقاء في المنزل.

من المثير للاهتمام أن الحكومة السورية لم تتلق دعماً اقتصادياً ومالياً كافياً من حلفائها. صحيح أنه لم يكن من المنتظر أن تقدم إيران قدراً كبيراً من المساعدات، بسبب الوضع الاقتصادي المزري الذي تعاني منه البلاد، لكن حتى روسيا والصين لم تبديا سوى قليل من التضامن. فقد قدمت روسيا 50 من أجهزة التنفس الصناعي و10 آلاف أداة لإجراء التحليل الخاص بفايروس “كورونا” فحسب، في حين أرسلت الصين دفعتين من المساعدات الطبية.

حتى أن الولايات المتحدة قدمت مساعدات أكثر من ذلك. ففي 16 أيار، أعلنت عن تقديم إمدادات طبية وأدوية بقيمة 31 مليون دولار إلى دمشق، في حين خصص الاتحاد الأوروبي حزمة مساعدات كبيرة للغاية للاجئين في دول الجوار.

المصائب لا تأتي فرادى

لا تكمن خطورة أزمة “كوفيد-19” على الاقتصاد السوري في تأثيرها المباشر على الأنشطة التجارية فحسب، بل في حقيقة أن الوباء تفشى فيما تشهد البلاد عدداً كبيراً من الصعوبات والأزمات التي ساهمت بدرجة كبيرة في تقويض قدرة مؤسسات الدولة على الإيفاء بالتزاماتها تجاه المواطنين، والتخفيف من حدة الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية الصعبة التي يعاني منها السكان.

من الصعب معرفة متى بدأت تحديداً دوامة الهبوط الأخيرة التي انزلق فيها الاقتصاد. هل كان ذلك في منتصف عام 2018 عندما أدرك عدد متزايد من السوريين أنه لن تحدث انتعاشة شاملة للاقتصاد في أيّ وقت قريب، أم كان ذلك في منتصف عام 2019 مع بداية ممارسة ضغوط على رامي مخلوف، رجل الأعمال الذي ظل مستثنى تماماً لفترة طويلة من قرارات السلطات التعسفية، التي كان يعتبرها قطاع الأعمال بمثابة تحذير مفاده أن لا أحد في مأمن وأنه من الأفضل نقل الأصول إلى خارج البلاد، طالما كان ذلك ممكناً، أو ربما كان ذلك عندما سن الرئيس الأميركي قانون قيصر لحماية المدنيين السوريين في نهاية عام 2019.

بدأ هذا الهبوط على الأرجح مع اندلاع أزمة القطاع المصرفي اللبناني في تشرين الأول/ أكتوبر عام 2019، التي تسببت فجأة في منع سحب مبالغ كبيرة من الأموال السورية الموجودة في المصارف اللبنانية، وأنهت دور هذا البلد الصغير بصفته بوابة سوريا إلى العالم الخارجي في ما يخص المعاملات التجارية والمالية.

لذلك، شهدت الأوضاع الاقتصادية السورية تدهوراً سريعاً بالفعل في الوقت الذي انتشر فيه “كوفيد-19″، وعانت قوة السكان الشرائية من انخفاض سريع، وتضاعفت قيمة الدولار في السوق السوداء فعلياً (من 600 ليرة إلى 1200 ليرة)، بين تموز/ يوليو 2019 وآذار 2020.

جاءت جائحة “كوفيد-19” لتعصف بدرجة كبيرة بما كان باقياً من قدرة سوريا على مواجهة الضغوطات على الاقتصاد والميزانية الحكومية وسعر صرف العملة وأيضاً قدرة السكان على التحلي بالصبر. ففي غضون أيام من بداية حزيران، تخطى سعر صرف الدولار حاجز الألفي ليرة ثم حاجز 3 آلاف ليرة، متسبباً في حالة ذعر بالأسواق وحدوث نقص في أصناف كثيرة من المنتجات الغذائية والأدوية. وامتدت التحديات التي أسفر عنها الوباء لتصل إلى المشهد السياسي. ففي أوائل حزيران، نزل متظاهرون في مدينة السويداء الواقعة جنوب البلاد إلى الشوارع للاحتجاج على الأوضاع الاجتماعية القاسية وكذلك المناداة بسقوط النظام في مشهد يذكرنا بالأيام الأولى للثورة في آذار 2011.

تحديات هائلة

ما الذي سيحدث إذا واجهت سوريا موجة ثانية أشد فتكاً من الوباء؟ البلاد سجلت 23 حالة إيجابية جديدة بين 3 و10 حزيران، وهي واحدة من أعلى معدلات الإصابة الأسبوعية منذ بداية الأزمة. وحتى 12 حزيران، أضيفت 18 إصابة جديدة إلى القائمة. وعلى رغم أن هذه الأرقام لا تزال قليلة، فإنها تشكل زيادة متسارعة تلت قرار الحكومة تخفيف إجراءات الإغلاق سعياً منها إلى تعزيز النشاط الاقتصادي.

أشار تقرير واسع الانتشار أعدته كلية لندن للاقتصاد في آذار، أن عدد وحدات العناية المركزة المزودة بأجهزة تنفس صناعي، في جميع أنحاء سوريا سواء المناطق الخاضعة لسيطرة النظام أو التابعة للمعارضة، يبلغ 325 وحدة فقط، نصفها تقريباً في دمشق واللاذقية. وعلى رغم أن هذه الأرقام زادت بالتأكيد منذ ذلك التاريخ، فمن الواضح أن نظام الرعاية الصحية في سوريا غير مستعد لمواجهة العواقب المترتبة على انتشار واسع النطاق للوباء.

سلطت أزمة “كوفيد-19” الضوء على مواطن الضعف الهيكلية الراسخة في الاقتصاد السوري وعصفت بما كان باقياً من قدرته على مجابهة الضغوط الجديدة. وأظهرت أيضاً أن نظام الرعاية الصحية في البلاد ليس أفضل حالاً. أما في ما يتعلق بالسكان، فإن حقيقة أن بعضاً منهم تجرأ على النزول إلى الشوارع للاحتجاج على أوضاعهم، تعد دليلاً واضحاً على حالة الإرهاق والفقر التي وصلوا إليها.

في حال انتشار موجة ثانية أشد فتكاً من وباء “كوفيد-19” في سوريا، فإن العواقب الاقتصادية والاجتماعية قد تكون مُدمِرة، وستمثل آثارها السياسية تحدياً بالغاً للنظام السوري.

خبير اقتصادي ومؤسس ومحرّر نشرة “ذا سيريا ريبورت”

درج

————————————

دمشق تغرق في الفقر والغلاء… والنظام يخدع السوريين/ عبد الله البشير

تحولت العاصمة السورية دمشق إلى مدينة تغص بالفقراء، خاصة في الأحياء الشعبية والعشوائية، وسط الفساد المستشري في نظام بشار الأسد، بعد أن أصبح قانون قيصر شماعة يعلق عليها النظام أسباب تردي الواقع المعيشي والفقر.

وفي المقابل تتوفر كل سبل الرفاهية من سلع رئيسية وخدمات للمقربين من النظام والشخصيات المتنفذة فيه، الذين يدعون بدورهم المواطنين الباحثين عن لقمة العيش للصمود مرددين أسطوانة المؤامرة، حسب ما قاله مواطنون لـ”العربي الجديد”.

المواطن سليم أبو عزام، 45 عاما، تحدث من العاصمة دمشق لـ”العربي الجديد” عن معاناته في الحصول على المواد التموينية في دمشق.

وقال: “نقف بالساعات على طوابير المؤسسات الاستهلاكية لنوفر في سعر السكر، الذي يبلغ 1500 ليرة (0.6 دولار) في السوق للكيلو الواحد. نعاني كثيرا ونحاول توفير أي مبلغ حتى ولو كان زهيدا، وننتظر بالساعات أحيانا لتوفير 50 أو 100 ليرة سورية (0.02 – 0.04 دولار) بسبب ضعف الدخول وظروفنا الصعبة”.

المواطنة ابتسام التي تعمل مدرسة وتقيم في حي الزاهرة بمدينة دمشق تحدثت عن الواقع الصعب الذي تعيشه حاليا مع عائلتها. وقالت لـ”العربي الجديد”: الغلاء وصل لكل شيء، وعلينا أن نجري عملية حسابية يومية معقّدة لاختيار الطعام الذي يجب طهوه أو المواد الواجب شراؤها والتي تناسب قدرتنا الشرائية الضعيفة.

وأضافت ابتسام: اليوم على الأقل تحتاج العائلة السورية نحو 400 ألف ليرة سورية (160 دولار) شهريا لشراء المواد الأساسية فقط، وهذا المبلغ لا يتوفر سوى أقل من ربعه لدى الكثير من العوائل في العاصمة دمشق.

وحسب مراقبين، يسعى النظام السوري إلى التلاعب بالمواطن عبر الوعود البراقة والتصريحات الإعلامية المطمئنة من أجل امتصاص احتقان الشارع بسبب تدهور الأوضاع المعيشية والغلاء الفاحش لمختلف السلع الضرورية.

مصدر مطلع في العاصمة دمشق أوضح لـ”العربي الجديد” أن: “النظام يخدعنا، فمدير المؤسسة السورية للتجارة أحمد نجم، أعلن عن رفع سعر كيلو السكر من 300 (0.12 دولار) لـ 800 ليرة (0.32 دولار)، وكيلو الأرز من 400 ليرة سورية (0.16 دولار) ليبلغ 900 ليرة (0.36 دولار)، ليعلن بعدها وزير التجارة طلال البرازي، أنه تم إجراء عدة اجتماعات ولقاءات مكوكية ومباحثات لتخفيض سعر كيلو السكر، ليبلغ 600 ليرة (0.24 دولار)، وكيلو الأرز 700 ليرة (0.28 دولار).

وأضاف المصدر: “اعتبر المسؤولون أن هذا الأمر مكرمة من الحكومة، في حين هي خديعة للمواطن من قبل هذه الشخصيات، والهدف الأساسي منها هو رفع الأسعار وتضييق الخناق على الفقراء”.

وتابع: “الأهالي هنا يتجمعون أمام المؤسسات الاستهلاكية التابعة للمؤسسة العامة للتجارة للحصول على حصصهم من السكر بحسب عدد الأفراد، حيث تقدر حصة الفرد الواحد كيلو غرام شهريا، بينما تبلغ حصة العائلة 4 كيلوغرامات كحد أعلى، حتى لو تجاوز عدد أفرادها الأربعة أشخاص”.

ولفت المصدر، الذي رفض ذكر اسمه، إلى أن الوضع سيئ بكل المقاييس في الوقت الحالي، فالخبز يوزع في دمشق عبر البطاقة الذكية، الأمر الذي زاد من مشاكل الحصول عليه، بينما في باقي المحافظات تم تخفيضه بنسبة 20 في المائة تقريبا، وهذا الأمر تسبب بازدحام كبير.

وتابع: “تبدأ طوابير المواطنين للحصول على الخبز بالتجمع على أفران مدينة دمشق منذ بدء عملها في ساعات الصباح الأولى، حتى إغلاقها، كما تم رفع سعره عن طريق المعتمدين، فسعر الربطة المقدر من قبل النظام بـ50 ليرة سورية (0.02 دولار) يباع عند المعتمد بـ65 ليرة (0.026 دولار)، بينما تباع في السوق بمائة ليرة، وفي حال تم تغليفها بكيس من النايلون، يصل سعرها لمائتي ليرة سورية (0.08 دولار) وهذا المبلغ يساوي أضعاف سعرها الرسمي”.

وسبق أن ألغت وزارة التجارة الداخلية دعم مواد تموينية عن طريق البطاقة الذكية، ومنها الزيت النباتي الذي يصل سعره في السوق لنحو 4000 آلاف ليرة سورية (1.6 دولار) بعد أن كان سعر اللتر الواحد يقدر بنحو 750 ليرة (0.3 دولار) قبل ثلاثة أشهر. كما ألغت الوزارة دعم الشاي، الذي يتراوح سعر الكيلو غرام الواحد منه حاليا في دمشق ما بين 15 و20 ألف ليرة (6 – 8 دولارات) بحسب النوعية، الأمر الذي يكلف المواطنين هنا أعباء إضافية.

وحسب المصدر: “يعتمد الكثير من أهالي مدينة دمشق على الأموال المرسلة من المغتربين، وإلا سيعيشون على الخبز أو بعض المواد والوضع جدا سيئ.

وتعاني دمشق حاليا من أزمة غاز طهو، فكل شهرين يتم توزيع جرة غاز فقط، وهي بالأساس تكفي ما بين 20 و25 يوما فقط، وهناك تخفيض وزن غير معلن لها، وكثير من عائلات تنتظر ثلاثة أشهر للحصول على أسطوانة غاز الطهو في الوقت الحالي”. وما زاد من معاناة السوريين تدهور الليرة مقابل الدولار الأميركي ولا سيما بعد بدء تطبيق قانون قيصر الأميركي.

ويعتبر الواقع المعيشي في مدينة دمشق الأسوأ من نوعه بين المحافظات السورية التي تقع تحت سيطرة الأسد، نظرا لحالة الفساد المتفاقمة وعمليات التضييق التي يمارسها النظام على المواطنين بشكل مستمر.

العربي الجديد

————————–

دراسة إسرائيلية: “20 سنة على حكم بشار الأسد… قيمة الرئيس والليرة السورية في حضيض تاريخي

قالت دراسة إسرائيلية صادرة عن معهد دراسات الأمن القومي في جامعة تل أبيب، إن النظام الحاكم في سوريا لم يشهد ضعفا كالوضع الراهن معتبرة ذلك نافذة فرصة كي يقوم العالم بتثبيت الأوضاع السورية وربما بدون بشار الأسد.

وتقول الدراسة الإسرائيلية بعنوان “20 سنة على حكم بشار الأسد… قيمة الرئيس والليرة السورية في حضيض تاريخي” إن الرئيس السوري بقي في الحكم رغم عقد عاصف ودموي لكن نظام حكمه بعيد عن أن يكون مستقرا نتيجة أزمة اقتصادية متفاقمة وتداعيات وباء كورونا وتصدعات في العلاقات مع حلفائه، منوهة أن كل ذلك ينطوي على فرصة للمجتمع الدولي لتثبيت أوضاع سوريا المتشظية  ودفعها لمسار مدني وسياسي مستقر وربما بدون الأسد.

وترى الدراسة الإسرائيلية أنه بعد 20 عاما على انطلاق حكم بشار الأسد، يجد نفسه يواجه تحديات حكم وسيادة خلفتها الحرب الأهلية غير المنتهية، علاوة على الحرب والتدمير الذي لحق بالبنى التحتية وتواجد الغرباء على الأرض السورية، وفقدانه السيطرة على شرق البلاد وشمالها خاصة في منطقة إدلب.

وكل ذلك على خلفية أزمة اقتصادية قاسية متزايدة وعقوبات أمريكية جديدة واحتجاجات أهلية وتصدعات أولية في العلاقات مع الحلقة القريبة للنظام.

وتشير الدراسة إلى شعارات يطلقها السوريون في مدن سورية مثل “خائن من يجوّع شعبه” و”لا أستطيع التنفس” و”الثورة مستمرة” و”الصحافة السورية كاذبة” و”نريد الحياة” و”سوريا سوريا حرة إيران وروسيا برا ” و”سوريا لنا لا للأسد”.

وتقول الدراسة إنه مع  انتهاء في المرحلة القتالية الأهم في سوريا، ترتفع التوقعات والمطالب الجماهيرية، معتبرة ذلك من عوارض خلخلة أركان النظام الحاكم ومن عوارض ضعف بشار الأسد مقابل التحديات الجمّة التي تواجهه.

جبل العرب

وفي سياق الحديث عن الأزمة الاقتصادية، تشير الدراسة إلى ما تشهده مدينة السويداء عاصمة جبل العرب ومعقل العرب السوريين الدروز الذين وقفوا إلى جانب بشار الأسد، وتقول إنهم يطالبون في الشهور الأخيرة بتحسين الأوضاع الاقتصادية وشروط الحياة. منوهة أن السكان المحليين في جبل العرب كما في مواقع أخرى في الشرق الأوسط يحتجون على النفوذ الإيراني، وينشطون ضد النظام الحاكم.

وأشارت الدراسة إلى أنه في خلفية هذه الاحتجاجات، استمرار تدني قيمة الليرة السورية التي وصلت إلى 3500 ليرة مقابل الدولار الواحد في السوق السوداء، بعدما كانت 47 ليرة مقابل الدولار الواحد قبيل اندلاع الثورة، مما يؤدي لإغلاق محال تجارية وغلاء المعيشة، حيث ارتفعت أسعار المواد الغذائية بـ50% فيما يعيش 80% من الشعب السوري تحت خط الفقر، ويزداد الطين السورية بلة بسبب الأزمة في لبنان أيضا.

وتشير الدراسة الإسرائيلية للعقوبات الأمريكية الثقيلة المعروفة بـ“قانون قيصر” والذي يسميه النظام الحاكم وروسيا “الإرهاب الاقتصادي” وفي نطاقه يتم فرض 39 نوعا من العقوبات.

وتقول الدراسة إنه ضمن مساعي الأسد لمواجهة الأزمة، قام الشهر الماضي بإقالة رئيس الحكومة السورية عماد خميس، واستبدله بوزير الموارد المائية حسين عرنوس، مما يعكس الشعور بالتهديد الذي يساور الأسد نتيجة الاحتجاجات الشعبية المتجددة والأزمة الاقتصادية المتفاقمة، مثلما أنها كانت محاولة لتمرير رسالة بأن خميس هو من يتحمل مسؤولية الوضع المتردي أكثر من الأسد نفسه.

وتضيف دراسة معهد دراسات الأمن القومي في جامعة تل أبيب: “خوف الأسد الأكبر هو تصدعات في علاقاته مع فئات سكانية داعمة له واجتازت عثرات الحرب وتبعاتها، لكنها الآن تتعرض لأضرار اقتصادية، وهذا يتجلى في منتديات التواصل الاجتماعي”.

كما تشير الدراسة إلى إنه ورغم صعوبة الاطّلاع على الواقع الحقيقي لعدوى كورونا في سوريا، هناك تقديرات تؤكد تعمق أزمة الثقة بين الشعب والقيادة نتيجة انتشار العدوى. وترى أن مصدر هذه الأزمة في الثقة ترتبط بسياسات التحريض الرسمية للنظام ووسائل الإعلام الموالية له وبالعلاج الانتقائي للجائحة، إذ تتواصل رحلات الطيران من إيران المصابة بتفشي الفيروس إلى سوريا، ودخولٍ حرّ لعناصر المليشيات الشيعية في ذروة تفشي كورونا.

وتضيف الدراسة: “أظهرت كل هذه الأمور أن المصالح الذاتية والسياسية والعسكرية للأسد تغلب اعتبارات السلامة للسوريين”. وتعتبر أن “تفشيا متسارعا للكورونا في سوريا من شأنه أن يشكّل حافزا إضافيا لاحتجاجات شعبية واسعة”.

تصدعات الحلقات القريبة

وضمن الحديث عن التصدعات بين النظام وبين البطانة الاجتماعية السياسية، تشير الدراسة للصراع المتفجر بين بشار الأسد وابن خالته رامي مخلوف، الذي يعتبر من أثرياء الفساد بعد حيازته وإدارته لشركة الهواتف الخليوية الأكبر في سوريا “سيرياتل” وأحد أكبر مستوردي النفط ومنتوجات أخرى.

وتستذكر أن مخلوف دعم اقتصاديا وعسكريا النظام الأسدي الحاكم طيلة سنوات الثورة، وتصدعت العلاقات بينهما بعدما طولب بدفع ثلاثة مليارات دولار، وعندها بدأ النظام باعتقال موظفيه وعامليه ومصادرة أملاكه.

وتشير لرد مخلوف على ذلك بأشرطة فيديو يسخر فيها من خطوات بشار الأسد والمخابرات السورية التي حظيت بدعمه في الماضي، معتبرة أن هذا الخلاف يعكس التوتر بين بشار الأسد والدائرة المقربة منه، ويعبّر بالأساس عن الضغط الاقتصادي الملازم للنظام اليوم.

تدخل الغرباء

وحسب الدراسة الإسرائيلية أيضا تعكس الاحتجاجات الشعبية من جملة ما تعكسه الغضب من استمرار تدفق وتدخل الغرباء، منوهة لتزايد النفوذ الروسي من خلال إقامة قواعد عسكرية جديدة والاستيلاء على الأرض وعلى السواحل والموانئ السورية.

وترى الدراسة أن تجنيد جنود سوريين للقتال في ليبيا إلى جانب قوات حفتر المدعوم من قبل روسيا تعكس طموحها بتحويل سوريا لمركز نشاطها وصراعاتها الإقليمية.

وتنوه أنه في خلفية هذه الخطوات، تُسمع انتقادات متزايدة غير مسبوقة في روسيا، توجه للنظام السوري ولأدائه، حيث يوصف بشار الأسد بالحاكم الضعيف، معتبرة ذلك محاولة روسية لابتزازه نحو المزيد من الغنائم الاقتصادية وللتمهيد لاستبداله. وتتابع: “بكل الأحوال فإن هذه الانتقادات وتوقيتها تثقل على وضع الأسد”.

وتشير الدراسة الإسرائيلية لوجود جدل آخر في سوريا حول النفوذ الإيراني الذي  يتقلص في الشهور الأخيرة وفق تقارير تنشر في الولايات المتحدة وإسرائيل. وتضيف: “بصرف النظر إذا كانت إيران تسحب بعض قواتها من سوريا أم لا، فإنه من الواضح أنها تقوم بإعادة تشكيل انتشارها في الأراضي السورية وتجعله علنيا على الأقل وذلك من خلال دمج نشاطها في أجسام عسكرية سورية وتغطية اقتصادية ومدنية لفعالياتها العسكرية وتجنيد ناشطين محليين موالين لها”. منوهة أن خفض صوت النشاط الإيراني في سوريا يخدم نظام الأسد من ناحية تقليص صورته كمجرد دمية إيرانية، مما يقلل ربما الهجمات الإسرائيلية، وكذلك موسكو التي ينظر لها المجتمع الدولي كمسؤولة عن كبح جماح النشاط الإيراني.

وتتابع دراسة معهد دراسات الأمن القومي في جامعة تل أبيب: “عمليا فإن إيران وروسيا هما من أنقذ الأسد من انهيار وسقوط نتيجة الثورة، وهما تقلصان قدرات سيطرته في كل سوريا، واليوم لا تملكان قدرة حقيقية على إنقاذه من الأزمة الاقتصادية التي تورطت بها البلاد”.

سوريا بلا الأسد؟

وترى الدراسة أيضا أن تركيا أيضا تشكّل حجر عثرة في طريق الأسد لاستكمال سيطرته على الأرض السورية، كونها تسيطر فعليا على مناطق في الشمال السوري، وتحول دون احتلال إدلب، وبادرت لاعتماد الليرة التركية فيها لحماية سكانها من انهيار الليرة السورية، وهكذا ضاعفت أنقرة مساسها بصورة الأسد كرئيس حقيقي يؤدي وظيفته.

وتعتبر الدراسة الإسرائيلية أن ضعف الأسد وهشاشة نظامه نافذة فرص جديرة باستغلالها من قبل المجتمع الدولي برئاسة الولايات المتحدة، منوهة لارتكاب الأسد جرائم حرب وتسببه بكوارث إنسانية كبيرة، ولتسليم المجتمع الدولي باستمرار حكمه، ولكن في ضوء سلسلة الحوادث الأخيرة التي نالت من قوة وهيبة النظا،م وتراجع الدعم الروسي له لابد من تقييم جديد للسياسات المنتهجة حياله.

وتقول الدراسة إن إسرائيل تدير صراعا ضد تمركز القوات الإيرانية في سوريا، فيما تصعّد الولايات المتحدة عقوباتها الاقتصادية ضد نظام بشار الأسد، معتبرة أن الحلقة المفقودة هنا تتمثل بخطوة دبلوماسية بقيادة واشنطن بدلا من مبادرات دبلوماسية أخرى ضعيفة فشلت حتى الآن بإنهاء الحرب داخل سوريا، ودفعها لمسار سياسي ومدني وترميمها اقتصاديا.

وتؤكد الدراسة أن مثل هذه الخطوة الدبلوماسية تحتاج تعاونا وثيقا بين الولايات المتحدة وروسيا المعنية هي أيضا بإنهاء الحرب في سوريا، وتعزيز البلاد وسط استغلال  المصالح المشتركة مع تركيا. وتخلص الدراسة الإسرائيلية للقول إن جدوى هذه الخطوة ستكون من جملة ما تكون تعزيز نظام يقوم أكثر على المساواة والتمثيل، وإقامة انتخابات سورية نزيهة تحت رقابة دولية، ودمج إصلاحات دستورية وتطبيق خطة واسعة لترميم البلاد بدعم إقليمي ودولي.

وتضيف: “في الظروف الراهنة يبدو كل خيار سلطوي آخر في سوريا أفضل من الوضع الراهن ومن المفضل القيام بذلك الآن”.

القدس العربي

—————————————

========================

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق