سياسة

عن تطور موقف النظام مع ايران -مقالات مختارة-

====================================

——————————————

رسالة إلى روسيا/ ميشيل كيلو

لم تتوقف رسائل الأسد إلى روسيا، مذ عمّت التقديرات حول انتهاء مرحلة الحرب وبداية مرحلة السلام في سورية، وشاع الاعتقاد بأن موسكو وواشنطن أخذتا تحدّدان الرابح والخاسر من أطراف الحرب الممتدة، سواء تعلق الأمر بطرفيها المحليين أو بالتركي والإيراني.

وقد انضوت الرسالة الأخيرة بين وزارتي دفاع الأسد وطهران في الإطار العام الذي كان قد أفصح عنه خالد العبود، في مقالةٍ إنذاريةٍ غاضبة، وجهها إلى “المدعو بوتين”، واختصرها في جملتين: جئنا بك إلى سورية لردع الأميركيين، وجئنا بالإيرانيين لردعك. بتأييد اللواء المتقاعد بهجت سليمان، تحوّلت خطّة العبود إلى إعلان حرب على الزعيم الروسي، علّمه أن الأسد قادر على تدمير قاعدته في حميميم خلال نصف ساعة، وإسقاطه في موسكو!

لن تعرّج هذه المقالة على ما فعلته روسيا منذ تلقت الرسالة، فقد ألمحت إليه مقالات سابقة، لكنها تتوقف عند الدلالة المهمة للاتفاق الذي عقد يوم الثلاثاء بين وزارتي الدفاع الأسدية والإيرانية حول تعزيز العلاقات التسليحية بينهما، وتولّي طهران رعاية الجيش الأسدي، وتزويده بأسلحة دفاع جوي تحسّن قدرته على حماية نفسه من ضربات إسرائيل. هذا الاتفاق هو آخر رسائل طرفين يعتقدان أنهما سيخرجان خاسرين من القسمة الأميركية/ الروسية، وأن المصير المشترك يتطلّب رداً مشتركاً، يقوّي مواقفهما إلى درجةٍ قد تصل إلى تعطيل الدور الروسي في سورية، أو محاصرته، والمحافظة على الأمر القائم الراهن في سورية، حيث يسيطر الأسد وإيران على 60% من مساحة البلاد، تتخللها بؤر عسكرية روسية يمكن تحدّيها وشلّها، ولتبقى واشنطن في مناطق من شرق الفرات، بينما تتم مواجهة الوجود التركي في منطقة إدلب بالقوة، حسب تحذير صريح وقوي صدر عن جنرال في الحرس الثوري وآخر في وزارة الدفاع الإيرانية. ولتذهب سورية إلى طور جديد من الصراع المسلح، استناداً إلى دور إيراني موسّع، يعيد خلط الأوراق المحلية والإقليمية والدولية في الساحة السورية، ورسم الأدوار، يبدل شروط التسوية السلمية وتطبيق القرارات الدولية، فالاتفاق إعلان أسدي بالتخلي عن أولوية الدور الروسي في سورية، أو بالحد منه في أقل تقدير، وبالشروع في تفعيل استراتيجية خالد العبود عن دور إيران ضد دور روسيا الذي يقتصر على ردع أميركا، وليس بين وظائفه تقرير مصير الأسد.

هل نشهد، في الفترة المقبلة، تشديداً لقبضة روسيا على السلطة، وتدابير أخرى تتصل بعلاقات موسكو مع الأطراف الأخرى، بما في ذلك “المعارضة”، وتفاهماتٍ مع واشنطن وأنقرة لمواجهة الواقع الذي يتخلق قبل أن تكتمل مفرداته، أم أن موسكو ستذهب في الاتجاه الآخر، وستنقض تفاهمها مع أنقرة بصدد إدلب ومنطقتها، لتجمد الجهود الأميركية حيال الأسد، ما دامت إيران ستتولى تزويده بما يحتاج إليه، ضمن علاقةٍ تقوم على درجة من الاندماج بين الطرفين، تمحو ما هو قائم من حدود بينهما، بذريعة تعزير دفاع الأسد الجوي بصواريخ إيرانية، لو كانت تحمي جيش إيران وحرسها، لصدّقنا أنها ستحمي جيش الأسد. لكن التركيز عليها في الاتفاق رسالة إلى روسيا بأن الأسد عازمٌ على التخلي عن سلاحها الذي لم يتمكّن بدوره من حماية جيشه، أو أن دوره في الصراع لن يكون أولوياً وحاسماً، بعد اليوم.

بكلام آخر: لم يعد الحل السياسي في سورية قريباً، ليس لأن ما شاع عن جهود موسكو وواشنطن عن العمل عليه لم يكن صحيحاً، بل لأن الأسد وإيران قرّرا تغيير بيئته، ونسف فرصته، ووضع الطرفين أمام معادلة جديدة ستجبر موسكو على إعادة النظر في حساباتها، وسياساتها العملية، بينما تفصل عقوبات قانون قيصر عن بعدها السياسي، وتفشل في إجبار الأسد على تطبيق قرار مجلس الأمن 2254، وإيران على الانسحاب من سورية.

العربي الجديد

—————————————-

ما تفعله إيران للبقاء في سوريا/ أكرم البني

إذا سلَّمنا بأن الهدف المعلن لقانون «قيصر» ليس إسقاط النظام السوري؛ بل الضغط عليه وإجباره على التنازل والخضوع لتسوية سياسية، وفق بيان جنيف عام 2012، وقرار مجلس الأمن رقم 2254، ما يمهد الطريق لتصفية وجود إيران العسكري، وما راكمته من نفوذ في سوريا، وإذا سلمنا أيضاً باستمرار وتواتر الغارات الإسرائيلية على مواقع «الحرس الثوري» في سوريا والميليشيا التابعة له، ربطاً بمجاهرة غير مسؤول في حكومة تل أبيب بأن قواعد الصراع مع إيران قد تغيرت، وبأن الهدف بات اليوم ليس تحجيم وجودها بل إخراجها نهائياً من سوريا، فمن البديهي أن نسلِّم بوجود مخططات تنفذها طهران، وخطوات تقوم بها لمواجهة هذين المستجدين، وتخفيف تداعياتهما بما يحافظ على وجودها ونفوذها في سوريا.

أولاً، مناورات للتخفي وتكتيكات عسكرية، اتخذت أشكالاً متنوعة لتخفيف تأثير الضربات الجوية الإسرائيلية، منها تغيير مراكز تموضع القوات الإيرانية والميليشيا الملحقة بها، كما البدء في تقليل أعدادها، مع رفع الكفاءة والفاعلية على الأرض، وجعلها أكثر نوعية ومرونة، الأمر الذي يفسر ما أثير عن توجه طهران لإعادة كثير من عناصر ميليشياتها غير النخبوية من حيث أتوا، بما في ذلك تخفيف حضورها العسكري إلى حدود الكوادر المتميزة، وتحصينهم جيداً في القواعد التي تسيطر عليها في سوريا، وأبرزها في مطار دمشق الدولي، وفي الكسوة بريف دمشق، وفي جبل عزان بريف حلب الشمالي، ومطاري السين والشعيرات العسكريين، وقاعدة اِزرع في الجنوب السوري، ومنها سحب قواتها من مناطق حدودية حساسة، تجنباً لأي استفزازات أو احتكاكات، كتوافقها مع النظام على إعادة نشر جيشه في المثلث الأردني الإسرائيلي السوري، والمناطق المطلة على الجولان المحتل، لتهدئة الإسرائيلي، وسحب ذريعة اقتراب قواتها من حدوده، وأيضاً انسحابها من بعض مواقعها في محافظة دير الزور، وتسليمها إلى ميليشيات سورية ترعاها روسيا، كـ«لواء القدس» و«صقور الصحراء»، تفادياً للاحتكاك مع الأميركيين. ومنها وهو الأهم، توسيع تغلغلها في بنية الجيش السوري، ورفد بعض مراكز القوى الموالية لها كالمخابرات الجوية والفرقة الرابعة التي يقودها ماهر الأسد، بعديد من الضباط والكوادر العسكرية المدربة تحت صفة مستشارين، جنباً إلى جنب مع السعي لتوحيد الجماعات الأهلية المسلحة التي ساهمت في تشكيلها خلال الصراع السوري، وتحضيرها جدياً كي تنضوي في حزب مسلح يتمثل تجربة «حزب الله» اللبناني.

ثانياً، تشجيع «حزب الله» لإحكام السيطرة على الوضع اللبناني ومقدراته ومنافذه الحدودية وتسخير سلاحه وسطوته، مرة أولى، لتخفيف الضغط على الوضع السوري وعلى وجوه النفوذ الإيراني فيه، وللالتفاف على التداعيات الاقتصادية التي يخلقها «قانون قيصر»، ومرة ثانية، لتهديد المصالح الأميركية وأمن إسرائيل. وليست لغة الوعيد التي فاض بها خطاب حسن نصر الله الأخير، أو توقيت نشر فيديو من قبل إعلامه يتضمن أهدافاً حيوية عسكرية إسرائيلية توحي بقدرة «حزب الله» على استهدافها، سوى أحد تجليات هذا التهديد، وفي المقابل لن يضيع حكام طهران فرصتهم المعتادة في تنشيط فاعلية تنظيم «داعش» الذي تواترت عملياته مؤخراً، واستخدامه كفزاعة لترهيب الغرب وإشغاله. ولم يعد سراً التواطؤ المزمن بين الجماعات الإسلاموية المتطرفة والحكم في طهران، وقدرة الأخير على التأثير في قرارات هذه الجماعات، ودفعها لممارسات إرهابية مستفزة في مواجهة مجتمعات الغرب ومصالحه.

ثالثاً، تركيز مزيد من الجهود لتعزيز تغلغلها وترسيخ وجودها اجتماعياً واقتصادياً في سوريا، متوسلة – بداية – التشيع المذهبي، ثم التعبئة الآيديولوجية تحت عنوان مواجهة إسرائيل. وبالفعل نجحت إيران في زيادة حجم الكتلة الشيعية في دمشق والساحل السوري، كما أصبحت لها جماعات محلية تواليها، من مختلف الأديان والمذاهب، مروراً بتنشيط دور وكلائها في مستوى التعليم والخدمات الاجتماعية، والأهم لتوفير معونات للمحتاجين لاستمالتهم عبر أكثر من 40 جمعية «مدنية وإنسانية» صار حضورها يتنامى اليوم مع تفاقم العوز المعيشي والضائقة الاقتصادية، انتهاء بالتوسع في تغيير الطبيعة الديموغرافية لمزيد من المناطق التي كان يقطنها السوريون السنة، إنْ على أطراف الحدود وإنْ حول المراقد الدينية الشيعية، يحدوها دور خفي يلعبه مقاولون إيرانيون قاموا بشراء الأراضي وبناء العقارات، وتحويلها إلى مناطق تسكنها ميليشيات شيعية، بعد تسهيل حصول كثير من عناصرها على الجنسية السورية.

رابعاً، حرص طهران على تجنب أي مواجهة محتملة مع موسكو التي تتجه نحو التفرد بإدارة الملف السوري، وميلها لمعالجة وجوه الخلاف، والتنافس معها للسيطرة على مؤسسات الجيش والأمن وعلى الموارد والمرافق الاقتصادية الحيوية، بتقديم بعض التنازلات المؤقتة، مطمئنة إلى أن العلاقة بينهما لن تصل إلى مستوى القطيعة، في ظل عراقة تعاونهما، وإدراكها لحاجة موسكو لها كورقة ضغط للتقارب مع الأطراف الغربية والإسرائيلية والعربية. والأسوأ أن طهران سارعت اليوم لتسويغ تقاسم النفوذ الإقليمي مع حكومة أنقرة. وليس غريباً ما يثار عن وجود صفقة بينهما لتبادل المنافع؛ ليس في سوريا فقط؛ بل في العراق وليبيا واليمن، بدليل وحدة إيقاع الطرفين في توجيه ضربات جوية ضد قواعد حزب العمال الكردستاني في شمال العراق، ثم الغطاء الذي توفره طهران للتوغل التركي في الصراع الليبي، تناغماً مع دعم أنقرة لدورها في اليمن، وأليس للطرفين جذر آيديولوجي إسلاموي مشترك، ويدركان أن فشل نموذجه وهزيمته عند أحدهما سينعكس ضرراً وتراجعاً عند الآخر؟!

صحيح أنه لا يوجد في الدوائر الإيرانية من يتحدث عن الاستجابة للضغط الذي يمارس من أجل الخروج من سوريا؛ بل على العكس ثمة إشارات وتصريحات توحي بالتشدد؛ خصوصاً أن طهران تدرك جيداً أن إخراجها من سوريا قد يضع ما راكمته من نفوذ إقليمي في مهب الريح، وصحيح أن ما تقوم به إسرائيل بضرباتها الجوية وأميركا بعقوباتها الاقتصادية قد يعطي ثماراً لمحاصرة النفوذ الإقليمي الإيراني وتحجيمه في سوريا؛ لكن الصحيح أيضاً أن هذه الثمار غير كافية، ولن تأتي أُكلها إن لم تترافق مع فرض تغيير سياسي يضمن للسوريين حقوقهم وفق قرارات الشرعية الدولية، ففي مثل ذلك المناخ لن تعود لطهران فرصة للبقاء في سوريا، وستُكره على الرحيل من غير رجعة.

الشرق الأوسط

———————————————–

بشار العائد إيرانياً/ عمر قدور

ظهرَ نتنياهو قبل أيام إلى جانب وزير الخارجية الأمريكي، متوعّداً بشار الأسد بسقوط نظامه إذا بقي مرتبطاً بإيران، فلم يتأخر ردّ الثاني وظهر مستقبلاً رئيس الأركان الإيراني، بعد توقيع الأخير اتفاقية تعاون عسكري شامل مع وزير دفاعه. يجوز بالتأكيد قراءة الحدثين على نحو مختلف، وأن يكون تهديد نتنياهو استباقاً للاتفاقية التي يعلم بالتحضير لها، وأن يأتي توقيعها استئنافاً لمسار إيراني لا تلجمه حتى الآن الضربات الإسرائيلية أو العقوبات الأمريكية.

قد يُقال الكثير عن تواضع القدرات الإيرانية العسكرية، وتالياً عن عدم أهمية هذا الاتفاق الذي يُفترض به دعم قوات الأسد. إلا أنه ليس اتفاقاً رمزياً فحسب، ولا إعلامياً موجهاً إلى جمهور الممانعة أو إلى الخصوم. هو اتفاق يعكس اهتماماً إيرانياً غير مسبوق بقوات الأسد ككل، بينما انصب انشغال طهران “خاصة منذ انطلاق الثورة” على تأهيل الميليشيات والسيطرة عليها، سواء كانت خارج ما يسمى القوات النظامية أو تتبعها شكلياً. القسمة الرائجة إعلامياً إلى وقت قريب جداً وضعت “القوات النظامية” من نصيب موسكو، في حين يتركز نفوذ طهران على الميليشيات، ومن ضمنها الفرقة الرابعة حسبما يُشاع.

راجت أيضاً فرضية سعي موسكو إلى حل الميليشيات المدعومة إيرانياً، أو دمجها في القوات النظامية التي باتت تشرف عليها، بل قيل الكثير عن الضباط الروس الذين يديرون مقر الأركان في دمشق. لا يخرج عما سبق الترويج لنجاحات روسية في إطار التنافس بين موسكو وطهران، وكأن هناك حرباً خفية بين الطرفين تحقق لموسكو مصالحها ولواشنطن وتل أبيب مطالبهما في إبعاد طهران. وإذا صدّقنا ذلك كله فإن الاتفاق الجديد يعني اختراق الإنجازات الروسية السابقة كلها، وهو موجّه في المقام الأول ضد مصالح “الحليف” الروسي، لأنه يضع لأول مرة الجانب الإيراني شريكاً عسكرياً للقوات النظامية التي كان يسهل إلصاق تبعيتها بموسكو، بسبب الجهود الروسية الأخيرة وأيضاً بسبب علاقة عمرها عقود من التسليح والإشراف والتدريب الروسيين.

على صعيد متصل، أوحى غياب بشار الإعلامي مع العديد من أحداث الأشهر الأخيرة بأنه ممسوك روسياً، وبأن تغييبه وتهميشه يمهد لتطورات في الاتجاه المخالف للاتفاق الأخير. ظهور بشار مستقبِلاً رئيس الأركان الإيراني بعد توقيع الاتفاق، وكلامه عن العلاقة الاستراتيجية التي تربط بين الطرفين، إما أنه ينقض التحليل السابق أو أنه يطل من النافذة الإيرانية برضا روسي. لكن، من دون استبعاد رغبته في اللعب بين الحليفين، ثمة أسباب تدفع بشار في اتجاه طهران أكثر من تلك التي تضعه كلياً في سلة موسكو.

أيضاً، قيل الكثير عن تفضيل الموالين موسكو على طهران لدوافع متعلقة بالتبشير الشيعي، وكأن بشار كان يتوق إلى من يخلصه من الهيمنة الإيرانية أو هو مكترث بمزاج مواليه. الواقع قد يخالف تلك التحليلات المنطقية، لأن الشراكة الأسدية-الإيرانية أثبتت متانتها منذ عقود، وهي بين شركاء أكثر تقارباً وتماثلاً من الحليف الروسي المستجد بحضوره المباشر في المنطقة. تدني قيمة الشريك الأسدي ينبغي ألا ينسينا أنها من أقوى التحالفات وأكثرها ديمومة في المنطقة، تحالف يسنده ما هو سياسي أو استراتيجي تقرره طهران، لكنه يقوم أيضاً على ذهنية متشابهة وعمل متكامل لسنوات طويلة على العديد من المستويات، بما في ذلك أحطّها من قبيل الاعتماد الممنهج على تجارة المخدرات أو تزييف العملة.

ما يسهم في إنعاش الدور الإيراني أن موسكو نفسها اختارت سياسة المواجهة التقليدية، ففي الأيام الأخيرة أعلنت انسحابها من الآلية الأممية لتبادل المعلومات حول المواقع الإنسانية في سوريا، ثم استخدمت حق الفيتو بهدف وقف دخول المساعدات الإنسانية عبر تركيا. كما نعلم فإنها استغلت تبادل المعلومات في ما مضى لقصف العديد من المستشفيات، وكانت في ما سبق قد اشترطت تخفيض عدد منافذ تقديم المساعدات من أجل الموافقة على التمديد، أي أنها في المجالين تمارس السياسة الأسدية ذاتها من تجويع وقصف المنشآت المدنية الحيوية، بينما تحتج على قانون أحادي هو قانون قيصر.

التفاؤل بالدور الروسي لم تكن موسكو مصدراً له، فعلى مستوى السياسات لم تطرح يوماً تصورات تقترب مما هو مأمول منها. إنها، لأول مرة، ينال احتلالها رضا طيف واسع من القوى الدولية والإقليمية المعنية بسوريا، ويسلّم لها بالبقاء وبنفوذ مستدام، وبالمساعدة في إعادة الإعمار فيما لو قررت إدارة انتصارها بمنطق الطموح لا بمنطق الجشع الأعمى والمواجهة. هذه العقلية الروسية هي ما يجعلها أسيرة الشريك الإيراني، وأسيرة قرارها الإبقاء على بشار الذي يبقى هواه إيرانياً مهما رضخ لشروطها وإذلالها. ثم إن هناك فرقاً بين ما تقدر عليه نظرياً وما تقدر عليه واقعياً، إذ من السهل عليها نظرياً التخلص من بشار والبدء بمرحلة جديدة مطلوبة ينتظرها السوريون والخارج، لكن هذا التبسيط لا يتوافق مع واقع العلاقات الروسية-الإيرانية التي تتجاوز بأهميتها الشأن السوري، وتملك فيها طهران العديد من مفاتيح القوة، بما فيها القدرة على تحويل سوريا إلى مستنقع لموسكو.

كانت موسكو قد أوقفت حملتها “غير الرسمية” على بشار الأسد، وأعادت التأكيد على دعمه من قبل مسؤولين حكوميين، وها هو يطل عبر الاتفاق العسكري مع طهران، بما يطوي صفحات من التكهنات حول اقتراب التسوية التي قد تطيح به. عودة بشار، في أجواء المواجهة الحالية، لا يمكن أن تكون سوى وصفة لتصعيد ما، على غرار وجوده الذي أصبح عنواناً للحرب. رئيس الأركان الإيراني كان قد أشار بعد التوقيع على الاتفاق إلى الوجود التركي الذي ينبغي أن ينتهي باتفاق أنقرة وبشار أمنياً، ومن المعلوم أن بشار الأسد يتطلع إلى استرجاع المناطق الواقعة تحت النفوذ التركي، وهو غير راض عن السياسة الروسية التي تمنع حتى الآن تجدد الحرب. لكن شبح مواجهة عسكرية إيرانية-إسرائيلية قائم أيضاً عبر سوريا ولبنان، والاتفاق الجديد بين بشار وطهران قد يعفي موسكو من مسؤولياتها وحرجها إزاء الغارات الإسرائيلية، وفي الوقت نفسه ينتقص من دورها كإطفائي وإداري يهندس توزيع مناطق النفوذ. وفق تعبير كلاسيكي، يبدو أن موسكو لا تستطيع التقدم خطوة إلا وتتراجع خطوتين إلى الوراء، هكذا يتقدم بشار خطوة من دون أن يبارح مكانه.

المدن

———————————–

إيران تصعّد وجودها العسكري في سوريا..الموازي لروسيا/ منصور حسين

بدت الاتفاقية العسكرية الموقعة أخيراً بين النظام وإيران متخمة بالرسائل السياسية الموجهة للخصوم والحلفاء. ولم تحظَ الاتفاقية نفسها بالاهتمام قدر ما حظيت به تصريحات المسؤولين التي صدرت بعد توقيعها، الأربعاء في دمشق.

الاتفاقية الأخيرة ليست الأولى من نوعها بين النظامين السوري والإيراني، اللذين يرتبطان باتفاقية دفاع مشترك، تم توقيعها كردّ على تهديدات واشنطن القوية للطرفين عقب الاحتلال الأميركي للعراق عام 2003، وهي اللحظة التي يعتبرها البعض نقطة التحول الأولى في العلاقات بين البلدين، حيث انتقلت العلاقة من مرحلة التحالف الندّي إلى مرحلة الهيمنة الإيرانية على دمشق، والتي بلغت ذروتها خلال الأعوام الأخيرة الماضية، بعد تدخل طهران العسكري إلى جانب النظام منذ العام 2011.

رسائل النظام

رسائل الاتفاقية بدت واضحة من تصريحات وزير دفاع النظام علي أيوب، الذي وقع الاتفاقية عن الجانب السوري، وذلك من خلال تصريحاته في المؤتمر الصحافي المشترك الذي جمعه مع رئيس أركان الجيش الإيراني محمد باقري بعد التوقيع.

الرسالة الأولى والأبرز، كانت موجهة إلى طهران بالدرجة الأولى، وتحمل تأكيداً جديداً من النظام على التمسك الذي لا يقبل الشك بخيار التحالف الاستراتيجي مع إيران، الذي كان قد بدأه حافظ الأسد منذ بداية الحرب العراقية الإيرانية عام 1979، خارقاً بذلك الإجماع القومي العربي.

الرسالة الثانية كانت للأنظمة العربية التي برّرت تقاربها مع النظام مؤخراً بالسعي لإبعاده عن إيران، وهنا كان وزير دفاع الأسد صريحاً ومباشراً في الرد على هذه الأنظمة، وعلى إسرائيل في الوقت نفسه التي طالبت النظام بالابتعاد عن إيران لضمان استمراريته، إذ اعتبر أيوب أن “من يراهن على تخريب العلاقة بين دمشق وطهران واهمٌ، وعليه أن يستيقظ من أحلامه”.

رسالة النظام الثالثة كانت موجهة لروسيا، حليفته الأخرى التي لا يبدو أن العلاقات بينه وبينها على أحسن ما يرام بالفعل، وتكشف انزعاج النظام من الضغوط والتحركات الروسية التي تمارسها للدفع باتجاه الدخول بعملية سياسية أكثر جدية مع المعارضة، وعليه تبدو الاتفاقية تتويج لرسائل عديدة سبق وأن وجهها النظام وعبر فيها عن ارتماءه في الحضن الإيراني وابتعاده أكثر عن خيارات موسكو.

رسائل إيران

من جانبها فإن إيران التي تضع بهذه الاتفاقية الجديدة وجودها العسكري في سوريا بمستوى الوجود الروسي من الناحية القانونية، وتنقله من حيّز الإنكار الرسمي الذي ظل يردّده الجانبان ويقولان إنه مجرد حضور استشاري، إلى حيز الوجود الشرعي.

الرسالة الإيرانية المباشرة الأولى ذهبت باتجاه الدول التي تطالب أو تأمل بخروج القوات الإيرانية والميليشيات المرتبطة بها من سوريا، وهي هنا تتعدى أميركا واسرائيل إلى تركيا وحتى روسيا، الدولتين اللتين كشفت تقارير إعلامية سعيهما لايجاد طريقة تجبر طهران على الانسحاب الكامل أو الجزئي من الأراضي السورية، من أجل المساعدة على إطلاق عملية ديبلوماسية تنهي الحرب في البلاد.

“باقون ونتمدد” هذا ما تقوله طهران بكل وضوح من خلال الاتفاقية العسكرية هذه، ومهما كان الثمن أيضاً، وإذا كان على أحد الخروج من سوريا فعلى الآخرين القيام بذلك وليس نحن، تقول إيران، وأوّلهم تركيا، التي اعتبر رئيس الأركان الايراني محمد باقري أن عليها “إخراج قواتها من الأراضي السورية والبدء بحوار مع النظام”.

وإذا كانت إيران لا تستطيع قول الكلام نفسه لروسيا، فإن رسالتها القوية إلى موسكو جاءت من خلال تأكيد باقري أن بلاده ستقوم بتعزيز أنظمة الدفاع الجوية لجيش النظام، في إشارة واضحة إلى غضب كل من دمشق وطهران على عدم فاعلية منظومة الدفاع الجوي الروسية “إس-300” في منع الغارات الجوية الإسرائيلية والأميركية ضد المواقع الإيرانية والعسكرية التابعة للنظام في سوريا.

رسائل مشتركة

ويقول اللواء المنشق عن جيش النظام محمد حاج علي إن إيران تهدف أيضاً إلى طمأنة ميليشياتها والحاضنة المؤيدة للنظام وللحليف الإيراني ببقائها في سوريا.

ويضيف حاج علي في تصريح ل”المدن”، أن “الهدف من تجديد اتفاقية الدفاع المشترك بين النظام وطهران وتطويرها، هو تمرير رسائل طمأنة للقوى المرتبطة بإيران والبيئة الحاضنة بعدم تخلي إيران عنهم، وأنها ستقوم بكل ماهو ممكن لضمان بقائها، وهي الرسالة الموجهة لأعداء إيران ومنافسيها أيضاً”.

لكن هل تستطيع إيران تلبية الالتزامات التي يتطلبه هذا النوع من التحدي؟، سؤال يجيب عليه حاج علي قائلاً: “الاتفاق الأخير يتيح لإيران القدرة على نصب قواعد مضادات جوية في سوريا، وهي موجودة بالفعل لكنها ضعيفة الفاعلية، كما أنها غير قادرة على تغطية كامل السماء السورية، إضافة إلى وجود أنظمة تشويش متطورة لدى اسرائيل، وهو ما يجعل من التصريحات الإيرانية حول تعزيزات الدفاعات الجوية في سوريا موجهة لروسيا أكثر من غيرها من الدول”.

وأشار الحاج علي إلى أن إيران تعتبر سوريا أرضاً مهمة لنفوذها في المنطقة، وركناً أساسياً في مشروعها التوسعي يفوق أهمية العراق، وهو ما جعلها تركز وبشكل كامل على التغلغل ضمن مفاصل جيش النظام السوري وأجهزة الدولة، نظراً لكون سوريا عقدة ربط بين إيران ولبنان، وبقائها في سوريا يعني استمرار سلطة وهيمنة “حزب الله” على لبنان.

من المفترض أن تكون الاتفاقية العسكرية الأخيرة هذه، بين النظام وإيران، بمثابة إفشال لكل التوقعات التي تحدثت عن إمكانية خروج أو إخراج إيران من سوريا، سواء بالقوة أو بالدبلوماسية، فالنظام يؤكد أنه لا يريد خروجها، وطهران تجدّد وجودها على الأراضي السورية.

المدن

———————

ايران تدعم الدفاعات السورية..وتطالب تركيا بمغادرة سوريا

وقع النظام السوري الأربعاء اتفاقية عسكرية جديدة مع إيران، تتضمن تعزيز التعاون العسكري والأمني في شتى مجالات عمل القوات المسلحة.

وحسب وكالة أنباء النظام “سانا”، فقد تم توقيع الاتفاقية بعد اجتماعات وجلسات عمل عقدها الجانبان، برئاسة وزير الدفاع في حكومة النظام علي أيوب، ورئيس أركان القوات المسلحة الإيرانية محمد باقري.

وفي مؤتمر صحافي مشترك، قال أيوب إن العلاقة السورية الإيرانية علاقة استراتيجية راسخة، وأن التعاون الثنائي العسكري والأمني نوعي ومستمر، وهو يشمل جميع الجوانب رغم اشتداد الضغوط وازدياد حدة التهديدات.

ووجه أيوب رسالة تحدٍ للجانب الأميركي، معتبراً أن واشنطن فشلت في إخضاع سوريا وإيران، “المستمرتين في الصمود مهما كان الثمن”، كما إن “من يراهن على تخريب العلاقات بين إيران وسوريا فهو واهم وعليه أن يستيقظ من أحلامه”.

من جانبه، كشف باقري أن طهران ستقوم بتقوية أنظمة الدفاع الجوية السورية في إطار توطيد العلاقات العسكرية بين البلدين.

وانتقد باقري الدور التركي في سوريا، معتبراً أن أنقرة “متأخرة قليلاً في تنفيذ التزامها بتفاهمات أستانة، لإخراج الجماعات الارهابية من سوريا. ودعا باقري تركيا إلى التواصل مع النظام السوري لحل مشاكلها الأمنية، قائلاً إن “على تركيا أن تدرك أن حل أي من مشاكلها الأمنية هو عبر التفاوض والتفاهم مع الجانب السوري، ولا يكون عبر الوجود في الأراضي السورية”.

ويرتبط النظام باتفاقية دفاع مشترك مع إيران، تم توقيعها بعد اجتياح القوات الأمريكية للعراق عام 2003، لكن الطرفين لم يعلنا أن التدخل الإيراني في سوريا بعد عام 2011 جاء بناء عليها.

————————————-

ثلاث رسائل من الاتفاقية العسكرية بين إيران ونظام الأسد

نشر موقع “moderndiplomacy” الأمريكي مقالاً اليوم السبت، قدم فيه قراءة للاتفاقية العسكرية “الإيرانية-السورية”، والتي وقعتها طهران مع نظام الأسد، الأسبوع الماضي.

وبحسب ترجمة “السورية.نت” للمقال، فإن طهران تريد من خلال الاتفاقية العسكرية تقوية المنظومات الدفاعية للمجموعات المحسوبة عليها في جيش نظام الأسد، وذلك للتصدي للهجمات الإسرائيلية، التي لم تتوقف على مدار السنوات الماضية، ولاسيما أن أهدافها تركّزت على المقار التابعة للميليشيات التي تدعمها طهران.

في المقابل أشار الموقع الأمريكي إلى أن رأس النظام، بشار الأسد، يريد وقف الهجمات الإسرائيلية، في ظل عدم منح روسيا لجيشه أي منظومات دفاع جوي، الأمر الذي يضع الاتفاقية العسكرية كصك يقدم لطهران، من أجل تولي مهمة التصدي لهجمات إسرائيل.

وتحدث مقال الموقع أن الاتفاقية تعتبر طريقة لتجنب سياسية “الضغط الشديد”، التي تريد واشنطن ممارستها ضد طهران في المنطقة، عبر ما يقوم به الإسرائيليون من قصف على أذرعها العسكرية في سورية.

وفي 8 يوليو/ تموز الحالي، كان رئيس الأركان الإيراني، محمد باقري ووزير دفاع نظام الأسد، علي عبد الله أيوب قد وقعا اتفاقاً في دمشق، وصف بأنه “شامل لتعزيز التعاون العسكري بين البلدين”.

وقالا كلاهما (أيوب، باقري) أن الاتفاق يعزز يعزز التعاون العسكري بين إيران وسورية، خاصةً فيما يتعلق بالزيادة المتوقعة في الضغط الأمريكي على المنطقة.

وعلاوة على ذلك، وحسب الاتفاق ستعزز إيران أنظمة الدفاع الجوي السورية، على وجه الخصوص، بالإضافة إلى تحسين تدريب القوات والتسليح المتاح حالياً لقوات الأسد.

الحقيقة الإستراتيجية المهمة، بحسب الموقع الأمريكي هي أن “الاتفاق الجديد يدفع العلاقة التقليدية بين سورية وروسيا جانباً دفاعياً وتكنولوجياً وسياسياً”.

وأوضح أن روسيا قامت بالفعل بتشغيل صواريخ “بانتسير” و”إس -300″ على الأراضي السورية، لكنها لم تتمكن “عمداً” من ضرب الأسلحة الإسرائيلية، وصد الغارات.

وقال الموقع في مقاله: “القضية واضحة: روسيا لا تنشط صواريخها S-300، لأنها لا تنوي ضرب الدولة اليهودية (…) سيكون دور إيران هو ضرب إسرائيل من الأراضي السورية، أو اختراق المنطقة الإسرائيلية بقواتها الخاصة”.

ومن المؤكد، ووفق الموقع أن “علامة الانفصال الجزئي من قبل الأسد السوري عن الاتحاد الروسي كبيرة، على الرغم من أنها لا تبدو حاسمة، بالنظر إلى أن روسيا وإيران تواصلان دعم سورية”.

ومع ذلك، فإن الأمر هو “محاولة للاستبدال الاستراتيجي، يمكن أن يكون لها آثاراً طويلة المدى”، حسب “moderndiplomacy”.

ولم يكن الاتفاق العسكري الأخير بين طهران ودمشق الأول بينهما، بل جاء بعد سلسلة من الاتفاقات على الصعيد العسكري والاقتصادي والثقافي جرت خلال سنوات الثورة السورية.

وتتزامن الاتفاقية الجديدة مع أحداث وتطورات ميدانية داخل مناطق سيطرة نظام الأسد، تُبرز حجم التباين الإيراني الروسي إلى درجة بوادر الخلاف والتباعد، بحسب ما يرى محللون.

—————————————–

الدرس الإيراني وسياسة حافة الهاوية

في أيام معدودات تم تدمير ما قضت إيران سنوات طويلة في إنشائه وأنفقت عليه أموالا طائلة، لو أنها لا تزال موجودة لما وصل التومان الإيراني إلى وضعه الرث الحالي ولغزت إيران باستثماراتها المالية العالم ولكان لها موقع محترم بين الدول التي تساهم في تدعيم الاقتصاد العالمي.

غير أن العقلية المهووسة بالتسلح جريا وراء شعارات استعمارية باطلة في مقدمتها يقف شعار تصدير الثورة الذي ينطوي على مطامع في التوسع على حساب الدول المجاورة وتهديد أمنها واستقرارها فتحت شهية الإيرانيين على تطوير برامج التسلح تحقيقا لرغبتهم في الدفاع عما ظنوه حقا تاريخيا يتمثل في استعادة الإمبراطورية الفارسية.

كان ذلك النهج منسجما مع ما اعتبره نظام آيات الله واجبا دينيا يملي عليهم حق الوصاية على شيعة العالم العربي عن طريق احتلال الدول التي ساعدهم الظرف التاريخي على التمدد في أراضيها وصولا إلى قناعة ترسخت في خطابهم السياسي مفادها أن دولة الولي الفقيه صارت تمتد من البحر المتوسط حتى البحر الأحمر. ذلك ما يتناسب مع الغرور الفارسي التقليدي الذي تم إشباعه عن طريق صمت دولي استمر لسنوات.

لقد لعب الاتفاق النووي الذي ضغط الرئيس الأميركي باراك أوباما من أجل إنجاحه الدور الأكبر في دفع إيران إلى حافة الهاوية. حصلت إيران على أموال هائلة لقاء توقيعها على الاتفاق الذي لم يكن خامنئي راغبا في التوقيع عليه. وكما كان متوقعا فقد استعملت إيران تلك الأموال وأموالا مضافة في توسيع مشاريع التسلح وهنا كان مقتلها.

وليس بعيدا عن منطق المؤامرة أن الغرب ترك إيران سادرة في غيها كما يُقال، بل إنه سمح لها بالتوسع والهيمنة على دول عربية لكي تشعر بقيمة ما فعلته على مستوى التسلح وبأهمية أن تستمر في تطوير برامج تسلحها وصولا إلى النقطة التي لا يمكن للعالم أن يعترض على ما تفعله.

طبعا لم يشعر الإيرانيون أنهم يرتكبون الخطأ الذي ارتكبه الاتحاد السوفييتي من قبل حيث تُرك يهرول وحده لاهثا إلى أن سقط. لم تسمح فكرتهم عن حربهم ضد العالم وحرب العالم المتوقعة عليهم لهم بلحظة تأمل لمراجعة مسارهم السياسي الذي لو تمكنوا من تصحيحه لما احتاجوا إلى ذلك العناء ولما أنفقوا أموالهم عبثا في مجال سيظل الغرب متوفقا عليهم فيه.

لم يكن الإيرانيون مضطرين إلى إقامة منشآتهم النووية ومصانع الصواريخ البالستية لو أنهم أعادوا النظر في سياساتهم الخارجية والتفتوا إلى الداخل الإيراني الذي تُرك مهملا يعبث به الفقهاء والحرس الثوري الذي استولى على الجزء الأكبر من البازار الذي يرمز وجوده المستقل إلى روح الشخصية الإيرانية. وتلك جريمة سيدفع ثمنها النظام الإيراني بعد حين من خلال انهيار سعر صرف العملة وتزايد عدد العاطلين عن العمل.

مقابل كل خطوة جديدة في مشاريع التسلح كان هناك شيء أساس في الحياة الإيرانية ينهدم. ولم يكن ذلك مصدر إزعاج لمخططي السياسة في إيران. ذلك لأنه لا يدخل في حساباتهم (الإستراتيجية) التي ظنوا أنها ستصمد ما دامت مصانعهم قادرة على إنتاج الصواريخ البالستية وسواها من الأسلحة.

وكما يبدو أن صانعي القرار في الولايات المتحدة قد وصلوا إلى اللحظة الحاسمة التي يجب فيها الانقضاض على مشاريع التسلح الإيرانية بمختلف أنواعها. لقد انتهت اللعبة مع انهيار الاقتصاد الإيراني.

بالنسبة لرعاة المشروع الإيراني المجهولين فإن ذلك المشروع قد حقق الأغراض المطلوبة منه وصار محوه من الخريطة السياسية أمرا ضروريا لذلك صار لزاما أن يتم التخلص من المنشآت النووية ومصانع الصواريخ البالستية وكل ما يتبعها من معامل في مختلف أنحاء إيران.

لن تستعيد إيران قدرتها على التسلح بعد أن تقطعت السبل بين مصانع تسليحها. إنها اليوم دولة عاجزة عسكريا. ما يمتلكه الحرس الثوري من سلاح قد لا يكفي ليوم واحد من حرب ستسحقها.

لقد وصلت إيران إلى حافة الهاوية ولم يعد أمامها سوى الاستسلام.

————————————–

النظام السوري إلى إيران مجدّداً/ عمار ديوب

أخطأ النظام السوري، بتوقيعه الاتفاق العسكري الشامل أخيرا مع إيران، والذي يعطيها دوراً كبيراً في إصلاح جيشه، ويسمح لها بتعزيز الدفاعات الجوية لمواجهة إسرائيل. هذا الاتفاق تتويج لاتفاقيات كثيرة عقدتها إيران معه، بل لعلاقة قديمة بينهما. النظام الراهن، بعد أن وجد نفسه يتحول إلى أداةٍ بيد الروس، وأن هناك طبخة تعدُّ له، وقد تطيح أغلب قياداته، قرّر الموافقة على ذلك الاتفاق. إيران تحتاجه بشدة، وسيكون ورقة إضافية، حينما تحين لحظة التسوية بخصوص سورية، وتحتاجه في ترتيب شؤونها في المنطقة، وفي مواجهة تركيا وروسيا وأميركا. النظام يحتاج الاتفاق لأن روسيا تهمّشه كل يوم، وتمتّن علاقاتها مع إسرائيل؛ ولإسرائيل دور مركزي في كل ما ستؤول إليه الأوضاع في سورية، وفي كل ما آلت إليه أيضاً. إن دمار سورية وخرابها وكل مآسيها تصب في مصلحة إسرائيل وقوتها.

يعلم النظام السوري أن روسيا وأميركا لا تريدان تغييره، وتتطلعان إلى إصلاحه، ومشكلته هنا، فكل إصلاح فيه سيفضي لا محالة إلى تغييره! إذاً ليس من دولةٍ في العالم تريد بقاءه كما هو إلا إيران، وبالتالي اتجه نحوها، محاولاً ألّا تتم إطاحته، وبحثاً عن مخرجٍ له، حينما تلوح لحظة التسوية. يتوهم النظام بذلك أن إيران لن تضحّي به، وبأرخص الأثمان، حينما تتفق روسيا وأميركا، وتضمنان مصالح إيران.

الآن، وفي ظل تعثر التسوية، ومتابعة روسيا خياراتها في تهميش إيران والنظام، اتجه الأخيران نحو تعزيز التحالف، ولكن هل ينجحان في إرباك الخيارات الروسية أو يبتزّانها؟ سيما أن إيران تشعر أن روسيا تقترب من إسرائيل أكثر، ومن تركيا وحتى أميركا. تحاول إيران بذلك اللعب منفردة، ويلحق بها النظام السوري، ولكنها اللعبة الأخطر في المرحلة الحالية، فهناك رفض إقليمي واسع لوجودها، ووجود المليشيات التابعة لها، من أحزاب الله في لبنان والعراق، وهناك سياسات أميركية وإسرائيل تقول بضرورة خروج إيران من كل المنطقة، وليس من سورية والعراق فقط.

روسيا التي أُعطِيت سورية، أعطيت لها، ولكن بشروط، أوّلها إخراج إيران من سورية. وبالتالي، يأتي الاتفاق أعلاه في سياقٍ معاكس كلية لكل السياسات الروسية والأميركية والإسرائيلية، بل والتركية. إيران التي لديها فائض من المليشيات الرخيصة ليست لها خيارات أخرى إلا المواجهة. يعلي هذا الاتفاق من وزن حضورها في سورية، وقد تستخدمه فعلاً من أجل شن حروب في إدلب أو شرق سورية، باعتبارها والنظام يؤكدان أحقيّة الأخير في كل سورية، وربما تستخدمه في توتير أجواء المنطقة بأكملها، وعلى مبدأ “فليحترق الجميع أيضاً”، ما دام الحصار يشتد عليها عالمياً. وكذلك يشتد على النظام السوري الذي أحكم قانون قيصر الخناق عليه، وأحكمت روسيا قبضتها عليه، فهي من حماه عالمياً عبر الهيئات الدولية، وهي من أنقذته من سقوطٍ حقيقي.

والآن، كيف سترى روسيا الاتفاق العسكري؟ هو موجّه ضدها أيضاً؛ وهي من تسيطر على سورية أجواءً وأرضاً، وحمته بخمسة عشر “فيتو” في مجلس الأمن، وألف شكل وشكل. لا يستساغ القول إن الاتفاق جاء ضمن لعبة روسيا، ولتقوية نفوذها في مواجهة أميركا وإسرائيل. لا، روسيا الآن تعترف لأميركا وتركيا بوجودهما العسكري، وتعلم أن ما يعيق أيّ حلحلةٍ للوضع السوري، وكي تستفيد منه روسيا هي أميركا بالتحديد، ولكن أميركا لا تشن حروباً على روسيا في سورية ولا تركيا، وبالتالي الدولة التي تنافس روسيا حالياً في سورية هي إيران بالتحديد.

يعاكس الاتفاق السوري الإيراني، الموقّع أخيرا، كل التوجيهات الروسية التي ترسلها إلى النظام. ويعطي لإيران مكانة كبيرة في سورية، وهذا يعني أن النظام “يلعب بذيله مع الروس”. المسألة أصبحت مكشوفة الآن، والاتفاقُ علنيٌ، وبالتالي، وعلى الرغم من الفيتو الروسي أخيرا في مجلس الأمن، والذي يحمي النظام ويحاول شرعنته عالمياً، فإن النظام يتجه نحو إيران. مسألة تتطلب التدقيق إذاً.. هل النظام لا يعي مصلحته فعلاً؟ وكيف تحمي روسيا نظاماً يدير لها ظهره؟ هذا الحال يمكن تفسيره أن روسيا لا تحمي النظام، إلا من أجل مصالحها التي وقعتها معه، ومن أجل أن يظلّ لها الدور الأساسي في سورية. النظام يعي ذلك، ولكنه يرتكب خطأ كبيراً في الاتفاق، وربما سنشهد تطورات روسيّة ضد النظام نفسه.

يستفز الاتفاق أميركا وإسرائيل، ولكنه أيضاً يورّط إيران الغارقة في مشكلات متعدّدة، وعلى المستويات كافة. لن تتوقف إسرائيل عن قصف أية مواقع إيرانية في سورية. وتقول الأخبار إنها المسؤولة عن قصف الموقع النووي الإيراني أخيرا. ستشدّد أميركا الحصار أكثر فأكثر، عبر قانون قيصر وسواه، وستكون إيران أكثر المتضرّرين؛ فالحدود ستغلق بين سورية ولبنان وسورية والعراق، وسيشمل الحصار حتى المناطق السورية التي تسيطر عليها كل من تركيا وأميركا، وفصلها عن المناطق الواقعة تحت سيطرة الروس والإيرانيين. عدا ذلك كله، هناك تصعيد أميركي كبير ضد كل الوجود الإيراني، ويلاحظ حالياً في سورية والعراق ولبنان.

هنياً، يفترض بإيران البحث عن أوراقٍ للتسوية، والانكفاء داخليّاً، ولكن ما يحدث عكس ذلك؛ ففي سورية عقدت اتفاقاً عسكريّاً شاملاً. وفي العراق، تشنّ مليشيات تابعة لها عمليات ضد القواعد العسكرية الأميركية. وفي لبنان، يعلن حزب الله مواقف رافضة قانون قيصر، وأيّة علاقة بين أميركا ولبنان، وفصل الأخير عن سورية. وتستفيد إيران من التراخي العسكري الأميركي، واكتفائه بعمليات عسكرية محدودة هنا وهناك. المشكلة أن إيران لن توقف مشاريعها الإقليمية، على الرغم من أنها تتعرّض لحصار أميركي، ولديها أزمات اقتصادية شديدة داخلياً، وتقوم أيديولوجيتها على تصدير الثورة والتمدّد الإقليمي والسيطرة على عدة عواصم عربية، وأن ذلك شأن عظيم، وعلى الشعب الإيراني الصبر من أجل رفعة دولته. وبالتالي، أي انكفاءٍ إيراني، أو التوقف، سيعني نجاحاً للمشاريع المغايرة لها في كل المنطقة، وسيكون السؤال في إيران حينها: ماذا جنينا من كل تدخلنا في المنطقة العربية، واستنزاف ثرواتنا على مليشيات طائفية، لا يمكنها أن تستولي على دولةٍ واحدةٍ في المنطقة، بل وأكسبتمونا عداواتٍ كبيرةٍ مع محيطنا العربي والإقليمي.

يورّط النظام نفسه بتولية وجهه نحو إيران التي ستستخدمه ورقة بيدها حينما تحل التسويات. ليس هو فقط، بل وكل المليشيات الطائفية التابعة لها. ما يسرّع بذلك هو عقد تسويةٍ روسيّة أميركيّة، تشمل سورية وسواها. ليس الوقت الحالي في صالح الروس أبداً، وأميركا وتركيا تستفيدان منه، بل وحتى إيران، فهل تعي روسيا حجم خساراتها الحالية والمستقبلية.

العربي الجديد

—————————————


إيران على صفيح ساخن/ علي العبدالله
تكثفت الضغوط الإقليمية والدولية على النظام الإيراني أخيراً، من القصف الإسرائيلي المتواتر لمواقع تابعة لإيران ومليشياتها في سورية، مروراً بتشديد خطة الضغط الأقصى الأميركية، ومترتبات سريان قانون قيصر: عقوبات اقتصادية تحتم قطع الطرق بين إيران وكل من العراق وسورية ولبنان، وصولاً إلى تنفيذ عمليات استخبارية وهجمات سيبرانية تخريبية داخل إيران ذاتها، بالإضافة إلى ما قيل عن تفاهم أميركي روسي إسرائيلي على إخراجها من سورية.
واصلت إسرائيل؛ في إطار ما تسميها استراتيجية “المعركة بين الحروب”؛ مهاجمة مواقع إيرانية في سورية، ورفعت سقف تحرّكها من “منع التموضع” إلى “إخراج إيران” من سورية، وفق تصريحات وزير الدفاع الإسرائيلي السابق، نفتالي بينيت، ما استدعى مهاجمة المواقع الإيرانية ومليشياتها على كل الأرض السورية، خصوصاً على محور القائم – البوكمال على الحدود العراقية السورية، لارتباطه بنقل المقاتلين والأسلحة إلى الداخل السوري؛ وإلى حزب الله في لبنان، واستهداف ما تقول إنه “بنية تحتية لصناعة الصواريخ وتحسين دقتها” قرب مدينة مصياف في ريف حماة، وقرب مدينة اللاذقية ومركز البحوث العلمية في حلب.
كان التصوّر الإسرائيلي قائماً على احتواء الدور الإيراني في سورية، ومنع إيران من إقامة بنية تحتية عسكرية في محيطها القريب، تهدّدها وتحدّ من فعالية قدرتها الردعية؛ واستثمار المناخ السياسي الإقليمي والدولي المؤاتي: توتر خليجي إيراني أفرز رفضاً إقليمياً واسعاً لوجود إيران ومليشياتها في المشرق العربي، على خلفية دورها التخريبي هناك، ودعمها الحوثيين في اليمن، عقوبات أميركية قاسية شلّت الاقتصاد الإيراني، وحدّت من قدرة إيران على تمويل عملياتها العسكرية، ودعم المليشيات التابعة لها في سورية ولبنان والعراق وقطاع غزة بسخاء، تناغم أميركي مع توجه إسرائيلي خليجي، يقول بضرورة إخراج إيران من كل المنطقة، الحصول على ضوء أخضر ودعم لوجستي أميركي، للعمل ضد إيران في سورية والعراق، غض نظر روسي مع تقييد فرص استهداف الطائرات الإسرائيلية بصواريخ منظومات الدفاع الجوي المتطورة إس 300 التي سلمتها للنظام، من خلال عدم السماح لأطقم النظام بتشغيلها، تظاهرات شعبية عراقية ولبنانية مناوئة للدور الإيراني في البلدين.
غير أن قدرة إيران على التكيّف مع العقوبات الأميركية، بالتنسيق مع حلفاء إقليميين ودوليين، وامتصاصها الهجمات الإسرائيلية في سورية، ومواصلتها تعزيز وجودها العسكري فيها، وتصدّيها لمساعي تطويقها وخنقها عبر تعزيز قدرتها الردعية بالكشف عن أجيال جديدة من الصواريخ أكثر دقةً وأطول مدى، ونشر أسلحة برّية وبحرية في الخليج العربي وسورية والعراق ولبنان، ومهاجمة منشأتي بقيق وخريص النفطيتين في السعودية بقوة نارية كبيرة ومحكمة، دفع إسرائيل إلى تغيير تكتيكها العسكري بمهاجمة إيران في عقر دارها عبر حزمةٍ من الوسائل والأساليب: عمليات استخبارية للتجسس والتخريب وهجمات سيبرانية ضد المنشآت المدنية والنووية، بهدف إرباك النظام وإيجاد حالة فوضى عارمة، وتكريس عدم ثقة اجتماعية بالنظام وقدراته لدفعه نحو إعادة نظر في خياراته السياسية والعسكرية، والعودة إلى حدود بلاده الطبيعية، حيث تتالى وقوع انفجارات وحرائق في أكثر من موقع ومدينة إيرانية: انفجار ضخم في موقع بارشين العسكري لصناعة الصواريخ، 26/6/2020، انفجار في مركز طب نووي في طهران 30/6/2020، تفجير في قسم تصنيع أجهزة طرد مركزي متطورة في موقع نطنز لتخصيب اليورانيوم 2/7/2020، دمر القسم، انفجار ضخم في طهران 11/7/2020، حريق في منشأة لشركة شهيد توندجويان للمواد البتروكيماوية 12/7/2020، حريق في مصنع للألمنيوم في مدينة لامارد بإقليم فارس 14/7/2020، احتراق سبع سفن في ميناء بوشهر 15/7/2020، انفجار في خط أنابيب النفط في منطقة خور موسى (سربندر) في منطقة الأحواز، ذات الأغلبية العربية، 18/7/2020، انفجار في محطة كهرباء بإقليم أصفهان، يوم 19/7/2020، حرائق غابات، حوالي 1100 غابة خلال الأشهر القليلة الماضية، دمرت ما مساحته 150 ميلاً مربّعاً من المناطق المشجرة.. إلخ.
ليست عمليات التجسس والتخريب والقتل الإسرائيلية جديدة أو طارئة، فقد سبق لإسرائيل قتل علماء وخبراء عسكريين إيرانيين في مجالي الذرة والصواريخ، وأولى العمليات في عام 2008، بعد بدء التعاون الأميركي مع الخطط الإسرائيلية، من خلال سلسلة عمليات قرصنة إلكترونية وزرع فيروس ذكي (ستوكسنت)، عام 2010، ألحق ضرراً بالغاً في البرنامج النووي الإيراني، والتعاون في سلسلة هجمات وعمليات هدفت إلى إتلاف المعدّات والأجهزة التي كانت إيران تشتريها لبرنامجها من مختلف أنحاء العام، إلى مشروع تصفية علماء الذرة، حيث أعدت قائمة بأسماء العلماء الإيرانيين، بدءاً من 2007، ولاحقتهم وصفتهم واحداً تلو الآخر؛ أردشير حسين فار في 14/12/2007 في ظروف غامضة في معمل يورانيوم في أصفهان. مسعود محمدي قتل بتفجير دراجة بخارية مفخخة قرب منزله في طهران يوم 12/1/2010، مجيد شهرياري اغتيل في عملية مزدوجة استهدفته مع فريدو عباسي ديواني، في قلب طهران يوم 29/11/2010، قتل الأول وبترت أطراف الثاني، قتل الجنرال حسن طهراني مقدم، رئيس قسم تطوير الصواريخ في الحرس الثوري، ومعه 16 من رجاله، يوم 11/11/2011، اغتيال المهندس الكيماوي مصطفى أحمد روشان يوم 11/12/2012. وكانت ذروة التعاون والعمل الاستخباري بين الولايات المتحدة وإسرائيل اغتيال القيادي الميداني في حزب الله، عماد مغنية، في دمشق يوم 12/11/2008، في عملية دقيقة ومعقدة؛ فبعد مراقبته طويلاً، حيث أقام عناصر من المخابرات الإسرائيلية (الموساد) والأميركية (سي آي أيه) في دمشق في مبنى قريب من مكان سكن مغنية، تم الاغتيال، بتفجير عبوة زرعت في سيارته بعد تجارب ميدانية على العملية لضمان نجاح التفجير عن بُعد، بكبس الزر من تل أبيب. طلبت إسرائيل كبس الزر للانتقام من مغنية، استغرقت العملية بين كبس الزر وحصول التفجير دقيقة ونصف. وخلال فترة المراقبة، شاهد فريق المراقبة القيادي في الحرس الثوري الإيراني، قاسم سليماني، مع مغنية، في الشارع وحدهما، وكانت العبوة مزروعة ومجهزة للتفجير، وكانت تصفية سليماني معه ممكنة، غير أنه لم يكن ثمة قرار يسمح بذلك من الرئيس الأميركي، جورج بوش الابن، وفق رواية صحيفة واشنطن بوست 30/1/2015، فغرض إسرائيل “التصدّي لجهود إيران الرامية إلى التموضع عسكرياً في سورية، ومنع طهران من تحقيق طموحاتها النووية”، وفق وزير الدفاع الإسرائيلي، بيني غانتس، في مكالمته مع نظيره الروسي، سيرغي شويغو، الأسبوع الجاري.
لم توجّه إيران أصابع الاتهام بتنفيذ التفجيرات والحرائق إلى جهة محدّدة بشكل رسمي، مع أن مسؤولين ومحللين منها قالوا إنها عمليات تخريب، لأنها في موقف دقيق ومعقد، ستوصف بالضعيفة إن لم ترد، وإن ردّت وانتقمت، كما توقع قائد القيادة المركزية الأميركية، الجنرال كينث فرانك ماكينزي جونيور، فقد تنزلق في حربٍ مدمرة، في لحظةٍ سياسيةٍ صعبة، فالوضع الاقتصادي يسير نحو انكماش كبير، والعملة الوطنية تتراجع أمام الدولار (الدولار 250 ألف تومان)، وفيروس كورونا يفتك بالبشر، 270 ألف إصابة مؤكدة و13979 وفاة على الأقل، وفقاً لوزارة الصحة. بالإضافة إلى ما أعلنه الرئيس الإيراني، حسن روحاني، من توقعات متشائمة، تحدّث عن موجة جديد تصيب ما بين 30 و35 مليون إيراني، والانتخابات الرئاسية الأميركية على الأبواب، والرئيس الأميركي، بحسب استطلاعات الرأي، في موقف انتخابي حرج؛ ما سيجعله يرى في الرد الإيراني فرصةً لتعديل وضعه الانتخابي عبر البطش بإيران. “إنها ليست جاهزة ولا تريد الحرب.. لم تعترف أنها أعمال تخريبية، حتى تحفظ ماء وجهها، وحتى لا تضع نفسها في زاوية للرد”، وفق الإصلاحي الإيراني، عباس عبدي، فلجأت، في ضوء اعتبار القيادة الإيرانية نفوذها في سورية هو من سيحدّد شكل سياساتها وحساباتها الإقليمية، والتي ستنعكس على مصالحها في العراق ولبنان والخليج، إلى عقد اتفاقٍ عسكريٍّ وأمني شامل مع النظام السوري، يسمح بتطوير القدرات العسكرية لجيش الأخير، بما في ذلك تزويده بمنظومة صواريخ دفاع جوي إيرانية الصنع، من طراز “خورداد 3” أو “باور 373” التي أسقط الإيرانيون بواسطتها الطائرة الأميركية من دون طيار من طراز غلوبل هوك، اعتبرته إسرائيل تطوّراً خطيراً، لأنه سيقلص هامش الحركة أمام الطائرات الإسرائيلية. وقد قال القائد السابق للواء التخطيط الاستراتيجي في شعبة التخطيط في الجيش الإسرائيلي، أودي ديكل، في تقرير له في مركز أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي، إن الطائرات الحربية ستكون في دائرة الخطر، حتى وهي تهم بالإقلاع من قواعدها داخل إسرائيل. وحرّكت أذرعها في العراق، لشنّ عمليات ضد القواعد العسكرية الأميركية. وفي لبنان، بإعلان حزب الله رفضه قانون قيصر، وأيّة علاقة بين أميركا ولبنان، أو فصل لبنان عن سورية، وعملت على تحصين موقفها الدولي بعقد معاهدة تعاون استراتيجية مع الصين مدتها 25 عاماً.
تواجه إيران ظرفاً سياسياً صعباً على صعيدي الداخل والخارج، حيث يسعى التيار المحافظ إلى تمزيق إرث التيار الإصلاحي، على أمل نزع رئاسة الجمهورية منه في انتخابات عام 2021، ما زاد النظام هشاشة، ويسعى إلى التصعيد الخارجي بالتلويح بالتخلي عن استراتيجية الصبر، لتحسين صورته الداخلية، بعد بروز المقاطعة الشعبية للانتخابات البرلمانية، وهو يعلم حجم القوى المناوئة والرافضة لسياسات النظام الخارجية.

العربي الجديد


حرب بين الحروب… وحروب لتجنّب “الحرب”/ عبدالوهاب بدرخان
اعتمدت إسرائيل لغاراتها على المواقع الإيرانية وأحياناً الأسدية في سورية مصطلح “الحرب بين الحروب”، على رغم أنها لم تعترف رسمياً بأنها تخوضها لكنها تترك إعلامها يتحدّث عنها. وبين مئات الهجمات الجوية حصل مرّة واحدة أن أسقُطت مقاتلة “اف 16” (شباط/ فبراير 2018). أما “الحروب” المشار إليها فيُقصد بها تلك الجارية داخل سورية (إدلب، “داعش”، شرق الفرات وغربه، وكل ما سبقها)، وشُمل بها لاحقاً ما دار في العراق ولا يزال (2019) بعدما تركّز الاشتباه على إسرائيل باستهداف فصائل “الحشد الشعبي”، من دون استبعاد الولايات المتحدة. وبدت هذه “الحروب” دائماً، أو هكذا صُوّرت، كأنها مجرّد سياق يقود، أو يجب أن يقود، الى “الحرب” ضد إيران.
في غضون ذلك كانت إيران تخوض كل تلك “الحروب” وتعتبر الضربات التي تتعرّض لها ميليشياتها ضريبةً لا بدّ منها للنفوذ الذي تبنيه في سورية والعراق واليمن ولبنان، ونتائج محسوبة لديها تفادياً لـ “حرب” على أرضها، وسبق أن كرّر مسؤولون أن إيران تقاتل في دمشق أو بغداد “دفاعاً عن طهران”. لكن، منذ منتصف العام الماضي، مع الحشد البحري الأميركي في الخليج وتصاعد التوتر بعد تشديد العقوبات، أصبحت احتمالات تلك “الحرب” ممكنة، محتملة، حتميّة، وأحياناً وشيكة، وبلغ التصعيد ذروته مرّتين: أولى، بعد الهجوم الصاروخي على المنشآت النفطية في السعودية. وثانية، بعد تكرار القصف الصاروخي على قواعد عراقية توجد فيها قوات أميركية.
لم يكن هناك ردٌّ على ضرب المنشآت النفطية، لكن واشنطن أرسلت إنذارات عبر قنوات عدّة الى طهران، التي اعتبرت أن تكتيك “الحروب بالوكالة” لا يزال سائداً ومقبولاً، فضاعفت تنشيط الحوثيين في اليمن ثم دفعت أحد الفصائل العراقية الى مواصلة استفزاز الاميركيين. صمت هؤلاء الى أن قُتل متعاقد مع قواتهم، فقصفوا مواقع لـ “كتائب حزب الله العراقي” في مناطق على جانبَي الحدود العراقية – السورية. قُتل عشرات من عناصر “الكتائب”، وقاد قادة “الحشد الشعبي” تظاهرة غاضبة أمام السفارة الأميركية في المنطقة الخضراء محاولين اقتحامها… بعد أقل من ثمانٍ وأربعين ساعة شكّل اغتيال قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس بقصف من طائرة مسيّرة أميركية، فجر الثالث من كانون الثاني (يناير) هذه السنة فور خروجهما من مطار بغداد، صدمة شديدة لإيران. برّرت واشنطن هذا الاغتيال بسيل من “المعلومات” عن مخطط كان يعدّه سليماني ضد قواتها. لكن الأهم أنها اعتبرته هجوماً رادعاً، وبدا رادعاً فعلاً حتى مع اتاحتها ردّاً صاروخياً إيرانياً محدوداً من دون أن تردّ عليه.
كيف بدا ذلك رادعاً؟ لأن طهران أدركت في تلك اللحظة أن أي خطوة تالية غير محسوبة قد تُشعل “الحرب” التي لا تريدها، ومنذ الاغتيال حتى الآن لم تعد تحدّيات إيران كما كانت، سواء في مياه الخليج أو داخل العراق حيث تلقّت “كتائب حزب الله العراقي” ضربة أخرى موجعة في بابل. ومع استمرار العقوبات التي دأبت طهران على تحدّيها، بل روّجت أن ثأرها لسليماني لن يكون أقلّ من طرد الاميركيين من المنطقة، إلا أنها تبادلت معتقلين مع واشنطن، كذلك مرّر “حزب الله” اللبناني تهريب العميل عامر فاخوري وردّت واشنطن بالإفراج عن عميله المالي قاسم تاج الدين. وترافق ذلك مع تسريبات غير مؤكّدة عن اتصالات غير رسمية مستمرة لكن من دون حلحلة لعراقيل التفاوض، وينسحب هذا الجو أيضاً على الوساطة الأميركية لترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل بناء على مرونة مستجدة يبديها “حزب الله”.
حتى قبل الاغتيال الرادع، كان نفوذ إيران اهتزّ بفعل الانتفاضتين الشعبيّتين في العراق ولبنان، إذ انطلقتا أساساً من نقمة عارمة على فشل دولتين واقعتين تحت هيمنتها وعلى أزمة اقتصادية متفاقمة. الفشل كان انكشافاً سياسياً لإيران، والتدهور الاقتصادي كان انكشافاً لعجزها عن المساعدة. صحيح أنها لا تزال قادرة على تلبية الحدّ الأدنى من احتياجات ميليشياتها، لكن أتباعها يعيشون في مجتمعات تعددية ولا يمكن أن يتجاهلوا وقع الأزمة المعيشية على جمهورهم المباشر الذي يعاني كبقية المكوّنات. ثم أن الأزمات معقّدة ومفتوحة، ولا أفق زمنياً واضحاً لتجاوزها، لذلك اضطرّت طهران لقبول رئيس وزراء عراقياً من خارج وسطها وكلّما حاولت تحدّيه وعرقلة عمله كلّما انعكس ذلك سلباً على أتباعها، ولذلك أيضاً يواجه “حزب الله” تغيّراً جذرياً في نظرة المسيحيين اللبنانيين إليه حتى داخل “التيار العوني” المتحالف معه، الذي خسر ويخسر الكثير بسبب هذا التحالف.
هناك معالم ارتداع، إذاً، ربما عمّقتها أزمة وباء كورونا، لكنها لا تعني أن إيران باتت بلداً ضعيفاً أو مستضعفاً، فهي تملك أيضاً مقومات ردع أي “حرب” عليها، ولا تزال إمكاناتها كبيرة لتحريك ميليشياتها وتخريب أي استهداف لها. لكن السقوط الاقتصادي الذي منيت به بفعل العقوبات يجعل عدداً متزايداً من المحللين والخبراء يعتبرون أن أهدافها الاستراتيجية الكبرى تأثّرت ولم تعد الرياح تهبّ لمصلحتها. فعدا لبنان والعراق حيث أقتربت ميليشياتها من خيار الحرب الأهلية للدفاع عن وجودها، لم يعد مستقبل وجودها المسلح في سورية مضموناً، أما حوثيّوها في اليمن فمن المؤكّد أنهم لم يتمكّنوا من إقامة نموذج قابل للبقاء تحت قيادتهم مهما طالت الأزمة.
لعل أكثر ما يشير الى معالم الارتداع هذه ما تشهده إيران منذ أواخر حزيران (يونيو) الماضي من تفجيرات وحرائق طاولت منشأة ناطنز النووية وعدداً من محطات الطاقة في مواقع موزّعة بين طهران وأصفهان وميناء بوشهر والأحواز. تردّد أن مصانع أو مستودعات للصواريخ استُهدفت، وقالت السلطات أنها توصلت الى تحديد أسباب ما حصل في ناطنز. لكن بمعزل عن تسريبات ملحّة أرادتها إسرائيل لتأكيد مسؤوليتها فإن ثمة دوراً أساسياً لوكالة الاستخبارات الأميركية (سي آي أي) بعد منحها صلاحيات للتحرك. لا شك أن هذه العمليات حملت رسائل عدّة لإيران، منها أن محاولاتها لتنشيط برنامجها النووي وتسريعه ستستدعي مزيداً من الضربات المباشرة، كذلك برنامجها الصاروخي. لكن الرسالة الأهم التي بلغتها أن نمط “الحرب” تغيّر، فلا جيوش ستهاجمها داخل حدودها، ولا طائرات ستغير على منشآتها، بل إن أسلحة ذكية وسيبرانية وربما فرق عمل سرّية صغيرة يمكن أن تقوم بما يضاهي عمل الجيوش من دون مواجهات ولا حتى ضحايا، لتستكمل مفاعيل العقوبات التي باتت إيران تعيش قسوة انعكاساتها العميقة. وإذ انطلق الجدل في شأن ردّ إيران على العمليات في داخلها، فإن أي ردّ محتمل يتطلّب أسلحة وقدرات متماثلة، أما الردّ بالوسائل والأسلحة المعروفة فقد يستدعي خيار “الحرب” التي لا تريدها، وأما عدم الردّ فسيبرهن أن الردع الأميركي بات سارياً.


========================================

=============================

تحديث 28 تموز 2020

—————————

تحديد الوجود الإيراني في سورية/ فاطمة ياسين

يختلف تناول وسائل الإعلام وتوصيفاتها لحادثة اعتراض مقاتلة أميركية طائرة إيرانية، كانت تعبر فوق منطقة التنف التي تسيطر عليها القوات الأميركية على الحدود السورية العراقية، فقد قال ناطق باسم القيادة المركزية الأميركية إن طائرات دورية اعتيادية أجرت فحصا بصريا من مسافة آمنة لطائرة إيرانية تعبر فوق المنطقة. أما وكالات الأنباء الإيرانية فقالت إن طائرتين اقتربتا من طائرة نقل إيرانية، فاضطرت إلى تغيير ارتفاعها ومسارها، ما تسبب في جروح طفيفة لعدد من الركاب!

تعبّر الحادثة عن مدى امتلاك أميركا، إلى جانب إسرائيل، الأجواء السورية، والإمكانات الواسعة التي تستطيع فيها المقاتلات الأميركية التحرّك، إلى درجة تعطيل (أو تغيير) مسار طائرة دولة حليفة للنظام، ولها وجود كبير على الأرض. اكتفت أميركا بإفزاع الطائرة الإيرانية وإجبارها على تغيير مسارها، على الرغم من أن الشركة المالكة للطائرة، ماهان، خاضعة للعقوبات الأميركية.

يأتي الحادث بعد أن وقَّع الطرفان، السوري والإيراني، اتفاقاً حاز تركيزاً إعلامياً في الثامن من يوليو/تموز الجاري، من البنود البارزة فيه أن يزوّد الجانب الإيراني سلاح الجو السوري بصواريخ أرض جو، لرفع قدرتها على مجابهة الهجمات الإسرائيلية المتكرّرة. وأراد الجانبان بهذه الاتفاقية الرد على الهجمات الإسرائيلية على الأهداف الإيرانية في سورية، التي أضحت من ثوابت السياسة العسكرية الإسرائيلية، أو على الأقل هدفت الاتفاقية إلى التخفيف من تواتر الهجمات المتزايد عدداً وكثافةً. ومع امتناع روسيا عن تشغيل منظومات الدفاع الجوي العاملة في سورية، سواء التي تشغلها قوات النظام (إس 300)، أو التي تقع تحت إدارة روسية مباشرة (إس 400)، وغضت إسرائيل الطرف عن صفقة أنظمة الدفاع الروسية إلى سورية، بعد أن تلقت وعدا قاطعا بأن هذا النوع من منظومات الدفاع لا يشملها. يمكن أن تُقرأ اتفاقية التعاون العسكري الشامل بين إيران وسورية التي وقعت قبل أسبوعين باعتبارها ردا على قانون قيصر الذي دخل حيز التنفيذ، فطبق عقوبات على سورية ومن يتعامل معها، ولكن الحادث أخيرا فوق التنف عبّر عن حقيقة هذه الاتفاقية، وأبرز نقاطها عن تعاون جوي ومساعدة دفاعية تتعهد بها إيران إلى سورية.

هاجمت إسرائيل أهدافا إيرانية قبل أسبوع، وكأنه هجوم للتحدّي، ولاختبار فاعلية هذه الاتفاقية ومعرفة حدودها. نُفذت الهجمات كالمعتاد، وجاء الرد معتادا أيضا عبر وسائل الإعلام فقط، وتكرّرت قبل يومين فوق القنيطرة، من دون أن يظهر أن هناك فرقا كبيرا قد حدث، أو أن الاتفاقية قد غيرت بعض الموازين. وقد تكون الهجمات الإسرائيلية استهدفت مواقع جُهزت لنصب منظومات الدفاع الموعودة من نوع “خرداد” التي يقال إنها تعادل نظام الدفاع الروسي إس 300، ضمن محاولات إسرائيل المستمرة لحرمان إيران من قواعد دائمة في سورية، وقد نجحت بذلك بالفعل، مع تعاون روسي خفي، بدءاً بغض الطرف عن الهجمات الإسرائيلية، ووصولاً إلى احتمال أنها تزود إسرائيل بإحداثيات عسكرية يمكن استهدافها.

بعد أن مُنعت إيران، وبشكل كبير، من إقامة أي موقع قدم ثابت لها في سورية، خصوصا في الأماكن القريبة من الحدود الفلسطينية، تأتي حادثة طائرة التنف لتعقّد الموقف الإيراني أكثر، ففيها رسالة تحذّر إيران بأن مواصلاتها الجوية أصبحت في خطر، وأنها لم تعد قادرةً على استخدام المعبر الجوي الواصل بين طهران ودمشق أو طهران وبيروت، عبر العراق، وهو جسر التنف الجوي الذي تحرص أميركا على الاحتفاظ به، والسيطرة على محيطه ضمن الحدود السورية والعراقية، وتقيم حاليا مجالا جويا موازيا يزيد من إمكانية السيطرة التامة على المعبر، في تصميمٍ واضح على إيقاف تمدّد إيران العسكري في سورية ولبنان، بعد أن تبيّن أن النظام، أو كثيرا من أجنحته، لا يرغبون في الاستغناء عن الخدمات الإيرانية.

العربي الجديد

——————————-

سوريا… «صندوق رسائل» بين إيران وإسرائيل/ إبراهيم حميدي

سوريا ترث دوراً غالباً ما كان لبنان يقوم به. «صندوق الرسائل» لإيران وإسرائيل بمظلة روسية – أميركية. كانت سوريا تتبادل «الرسائل» مع إسرائيل عبر الساحة اللبنانية بغطاء أميركي – سوفياتي. الآن، باتت حلبة تتبادل القوى الأخرى النقاط والضربات فيها، سواء تعبيراً عن صعود دورها في المنطقة والعالم، أو تشبثاً بدور في طور الأفول والتراجع.

لعل إعلان «حزب الله»، رسمياً، الأسبوع الماضي، مقتل أحد عناصره بغارة إسرائيلية قرب مطار دمشق على غير العادة، عندما كان يلتزم الصمت إزاء خسائره المشابهة في سوريا، كان بمثابة إشارة إلى بدء الحزب تمهيد الأرضية لرد محتمل في ضوء تصريحات أمينه حسن نصر الله، سابقاً، بأن مقتل أي عنصر له في سوريا لن يمر دون رد عسكري. السؤال الآن: أين سيكون ذلك؟

عندما اغتيل جهاد ابن القيادي في الحزب عماد مغنية بقصف إسرائيلي في الجولان في بداية 2015، كان التصعيد «محدوداً ومتفقاً عليه» عبر مزارع شبعا. أيضاً، الرد كان مضبوطاً في صيف العام الماضي في جنوب لبنان بعد الاختراقات الجوية الإسرائيلية فوق جنوب بيروت.

واضح الآن، أن هناك استعدادات واستنفارات عسكرية من «حزب الله» والجيش الإسرائيلي عبر «الجبهة الجنوبية» في لبنان. أحد الاحتمالات، أن يكون الجواب مشابهاً في إطار استمرار الطرفين التزام «قواعد اللعبة» المرسومة بعد حرب يوليو (تموز) 2006 وصدور القرار 1701. لكن، هذه المرة هناك إشارات تعزز احتمال تدحرج التصعيد إلى «الجبهة السورية». بداية، هناك إجماع بين خبراء اقتصاديين، أن أي مواجهة عسكرية واسعة، ستكون القشة التي تقصم ظهر الاقتصاد اللبناني. وكان حديث وزير الخارجية الفرنسي جان – إيف لودريان بعد زيارته بيروت عن وقوف لبنان على «شفير الهاوية» فيه الكثير من الدلالات.

عسكرياً، كان لافتاً حجم الانخراط الأميركي في إطلاق «الرسائل». الأسبوع الماضي، قال الجنرال كينيث ماكنزي، رئيس القيادة المركزية الأميركية، «سيكون من الخطأ الكبير أن يحاول (حزب الله) تنفيذ عمليات ضد إسرائيل. لا أستطيع أن أرى أن له نهاية جيدة». جرى دعم هذا التصريح بزيارة لم يعلن عنها مسبقاً لرئيس هيئة الأركان المشتركة الأميركية الجنرال مارك ميلي إلى تل أبيب، أول من أمس، لإجراء محادثات حول «التحديات الأمنية الإقليمية»، في إشارة إلى إيران و«حزب الله»، في وقت وصلت إلى البحر المتوسط قطع عسكرية ضخمة أميركية قبالة شواطئ سوريا ولبنان، لتنفيذ مناورات مع اليونان.

في خضم هذا الاستنفار، جرى حادثان – اختباران: الأول، مرور طائرة إيرانية لشركة «ماهان إير» فوق قاعدة التنف الأميركية شرق سوريا. كان هذا امتحاناً إيرانياً لأميركا. كان الرد بأن اقتربت مقاتلة «إف 15» من الطائرة الإيرانية لمسافة قريبة جداً. الثاني، إطلاق نيران من ريف القنيطرة إلى الجولان المحتل، ردت عليه مروحيات إسرائيلية بجولة قذائف أصيب فيها سوريون وغير سوريين.

ومع اقتراب موعد الانتخابات الأميركية، تعد إيران الأيام الباقية للرئيس دونالد ترمب، وهي ستفعل كل ما هو ممكن لإخراجه من البيت الأبيض. أما إسرائيل، فإنها تستعجل وتكثف عملياتها العسكرية في سوريا لإضعاف الوجود الإيراني، وإبعادها عن الجنوب، وفي إيران بعمليات استخباراتية وعسكرية لتأخير البرنامج النووي الإيراني، وتعطيل مساره.

إيران، التي استعجلت توجيه أصبع الاتهام لإسرائيل في التحرش بطائرتها شرق سوريا، قد تختار نقل المعركة من أرضها إلى «الصندوق السوري». إسرائيل و«حزب الله» قد يختاران الصدام على «الجبهة السورية». وقد يكون هذا بوابة تريد جهات في دمشق، العبور منها إلى اللعبة الإقليمية وتصفية الحسابات في الأيام الأخيرة قبل الانتخابات الأميركية.

أما روسيا، فتبدو وكأنها صاحبة كلمة مرجحة في «الصندوق السوري». إلى الآن، ترفع صوتها ضد «الاحتلال الأميركي» وضد «العقوبات الغربية الأحادية»، لكنها صامتة إزاء الغارات الإسرائيلية التي تستهدف إيران. موسكو، التي تريد أن تكون ضابط الإيقاع في سوريا، لم تكن مرتاحة لقرار طهران تزويد دمشق بخبرات ومعدات لتطوير المنظومة الجوية السورية «إس 200» والجيل الأقدم، خصوصاً أن روسيا منذ تدخلها في نهاية 2015، لا تزال تمسك مفاتيح منظومات «إس 400» و«إس 300» و«إس 300» المتطورة. بل، إن الموجة الأخيرة من الغارات على مواقع إيران في سوريا، جرت بعد محادثات عسكرية روسية – إسرائيلية لـ«التنسيق». أيضاً، يوسع ضباط حميميم انتشار الجيش الموالي لهم في جنوب سوريا، ليقترب من مواقع جهات محسوبة على إيران إلى حد قد يصل إلى بلدة الحضر، معقل «حزب الله» وإيران قرب القنيطرة.

لا شك، أن الأشهر الأخيرة من ولاية ترمب، ستكون حافلة برسائل النار والطرود الملغومة التي ستصل إلى «الصندوق السورية» من إيران وإسرائيل، ما سيعقد مهمة روسيا، ساعي البريد، في ضبط إيقاع المصالح المتضاربة… التي تزداد تعقيداً واقتراباً من الحسم.

————————————-

============================

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق