أبحاث

خطوط النزاع بشرق المتوسط -مقالات مختارة-

===============================

——————————————-

تركيا واليونان: صَبُّ الغاز على خطوط النزاع بشرق المتوسط

أوقد اكتشاف الغاز نزاعات بحرية خامدة بين تركيا واليونان في شرق المتوسط، فشرع البلدان يلوِّحان باستعمال القوة لحسمها، لكن تزايد عزلة اليونان وانخراط ألمانيا في الوساطة يرجحان توجه البلدين إلى تسوية تفاوضية.

مركز الجزيرة للدراسات

ليس هناك من جديد في التوتر المتفاقم الذي تعيشه العلاقات التركية-اليونانية. طوال القرن الماضي، وبعد الهزيمة الساحقة التي أوقعتها قوات حرب الاستقلال التركية بقوات الاحتلال اليونانية، لم تعرف علاقات الدولتين الجارتين بعضًا من التهدئة إلا لعقود قليلة. ويمكن القول: إن حلقات التوتر والصدام المتكررة أصبحت السمة السائدة لعلاقات أنقرة وأثينا منذ سبعينات القرن الماضي.

تعود جذور هذا الصدام والتوتر إلى ستة ملفات رئيسة: تخطيط الحدود البحرية في بحرَيْ إيجة والمتوسط، وتسليح الجزر الشرقية في بحر إيجة، وتداخل المجال الجوي، والأقليات وحقوقها في كل من الدولتين، ومسألة قبرص، ورفض اليونان، التي تتمتع بحق الفيتو، التحاق تركيا بالاتحاد الأوروبي.

عمومًا، وبالرغم من تداخل هذه الملفات، فإن الملف الأكثر تعقيدًا بالتأكيد هو ملف الحدود البحرية في إيجة والمتوسط؛ حيث دفعت الخلافات حول حدود المياه الإقليمية والحدود البحرية الاقتصادية الدولتين إلى شفير الاشتباك المسلح في أكثر من مناسبة في خمسين عامًا الماضية.

خلال الشهور القليلة الماضية، سيما في شرق المتوسط، وصل التدافع بين الدولتين ذروة غير مسبوقة. في 12 أغسطس/ آب 2020، وقع صدام محدود بين سفينتين، تركية ويونانية. وفي الأسبوع الأخير من أغسطس/آب، أجرت اليونان مناورات بحرية-جوية، بمشاركةٍ قبرصية وإيطالية وإماراتية، شهدت في 28 أغسطس/آب مطاردة طائرات مقاتلة تركية لطائرات يونانية، عندما اقتربت الأخيرة من منطقة حظر طيران تركية. وفي اليوم التالي، وما إن اختتمت المناورات اليونانية، حتى أعلنت تركيا عن مناورات بحرية شرق المتوسط تستمر لأسبوعين كاملين.

سبقت هذه الحوادث، ورافقها وتبعها، تصريحات متشددة من مسؤولي الدولتين، أكدت على عزم كل منهما على الدفاع عن مصالحها في شرق المتوسط، وأنذرت بالذهاب إلى أقصى مدى ممكن للحفاظ على هذه المصالح. فما الذي تختلف حوله الدولتان بالتحديد، في بحر إيجة وفي شرق المتوسط؟ وأين تقع جذور هذه الخلافات؟ ولماذا تصاعدت خلال الأسابيع القليلة الماضية لتهدد باشتعال الحرب بين دولتين عضوين في حلف الناتو؟ وإلى أين يمكن أن يذهب هذا التدافع الساخن بين أنقرة وأثينا؟

إيجة والمتوسط: صدام الحدود الغامضة

ليس ثمة حاجز جغرافي بين بحرَيْ إيجة والمتوسط؛ حيث ينفتح الأول من بوابته الجنوبية على الثاني، ليصبحا وكأنهما بحر واحد. ولكن جغرافية إيجة، واتصاله ببحر مرمرة في الشمال بمضيق الدردنيل، صنعت منه شبه بحر مغلق، يعج بمئات الجزر والصخور الناتئة، تطل عليه تركيا واليونان من ساحليه الشرقي والغربي. جغرافية هذا البحر وازدحامه بعديد الجزر، تضعه في خانة خاصة من ملف الخلافات البحرية بين تركيا واليونان. أما في شرق المتوسط، فإن الخلافات تدور حول حدود الجزر اليونانية الرئيسة، ماييس ورودس وكريت، وحول المسألة القبرصية وحقوق دولة شمال قبرص التركية، التي تتحدث أنقرة باسمها.

1. بحر إيجة: مفاوضات متعثرة

يضم بحر إيجة ما يقارب 3000 جزيرة، بأحجام ومساحات متفاوتة، 21 منها تكاد تغلق بوابة إيجة على المتوسط. عدد من هذه الجزر لا يبعد أكثر من أميال قليلة عن ساحل شبه جزيرة الأناضول التركية، بينما تفصله مئات الأميال عن ساحل أرض اليونان الرئيسة. وكانت تركيا أُجبرت على الاعتراف بسيادة اليونان على عدد من هذه الجزر في اتفاقية لوزان، 1923، التي وضعت نهاية للحرب بين تركيا وحلفاء الحرب العالمية الأولى ونهاية لحرب الاستقلال، ومن ثم إعلان الجمهورية التركية. مجموعة أخرى من الجزر، سيما ما تُعرف بمجموعة جزر الديكاكينيز، كانت إيطاليا سيطرت عليها خلال الحرب العثمانية-الإيطالية حول ليبيا في 1911، واعترفت تركيا بهذه السيطرة في لوزان. في نهاية الحرب العالمية الثانية، تنازلت إيطاليا المهزومة لليونان عن هذه الجزر.

شكَّلت خطوط الملاحة التركية مصدرًا للخلاف بين الدولتين من وقت إلى آخر، ولكن اكتشاف اليونان للنفط بجوار جزيرة نازوس (ناسوس، باليونانية)، في 1973، ولد أول أزمة في علاقات الدولتين حول المياه الإقليمية لكل منهما في إيجة. تركيا، التي كانت دائمًا تنظر بقلق لما تعنيه السيادة اليونانية على جزر إيجة الشرقية، طالبت بتحديد عادل للمياه الإقليمية والجرف القاري، يضع في الاعتبار الساحل التركي الطويل على بحر إيجة (2820 كيلومترًا)، كونه أشبه ببحر مغلق، وكون اليونان دولة تتمتع بأرض رئيسة وليست دولة أرخبيل. ولكن اليونان في المقابل تقول: إن المعاهدات تجعل الوضع في إيجة يميل لصالحها، وإن ما هو قانوني يجب ألا يعني المساواة دائمًا. في 1974، وقع الصدام الأول بين الدولتين في إيجة، في وقت كانت علاقاتهما تشهد تدهورًا متفاقمًا بفعل اندلاع الحرب الأهلية في قبرص وتدخل تركيا العسكري في الجزيرة، ومن ثم ولادة دولة شمال قبرص التركية.

ولكن وساطات غربية نزعت فتيل الصدام مؤقتًا، وأطلقت حراكًا دبلوماسيًّا، طويلًا وغير مثمر، لحل الخلافات بينهما. تحركت أثينا نحو محكمة العدل الدولية ومجلس الأمن، في محاولة للحصول على دعم دولي قانوني يُقِرُّ ادعاءها بالسيادة وحدود المياه الإقليمية في إيجة. ولكن قرار مجلس الأمن 395 في 1974 لم يدعم الموقف اليوناني، ودعا أنقرة وأثينا للتفاوض لإيجاد حل لخلافاتهما. وفي سبتمبر/أيلول 1976، أصدرت محكمة العدل الدولية حكمها برفض طلب اليونان إقرار الحماية الواقعية لسيادتها في إيجة، وأكدت على أن البحر منطقة متنازع عليها بين تركيا واليونان. في نوفمبر/تشرين الثاني 1976، وبعد مباحثات شاقة، توصلت الدولتان إلى ما عُرف باتفاقية برن، بسويسرا، التي نصَّت على ضرورة استمرار المفاوضات بينهما، وعلى ألا تقوم أي من الدولتين بأي إجراء في إيجة يُفضي إلى تصعيد الخلافات من جديد.

استمرت المفاوضات بين الدولتين بصورة متقطعة، بدون التوصل إلى تصور متفق عليه لترسيم الحدود. وفي 1981، أوقف رئيس الوزراء اليوناني، باباندريو، المفاوضات من جانب واحد.

كان مؤتمر الأمم المتحدة الثالث حول قانون البحار (UNCLOS  III)، انطلق في 1973، ولم يُختتم بالتوصل إلى اتفاق حول قانون البحار الدولي إلا في 1982. فرَّق القانون بين البحار المفتوحة والبحار المغلقة وشبه المغلقة، ولكنه لم يأتِ في عمومه مرضيًا لتركيا، التي رفضت التوقيع عليه (كما أحجمت كل من إسرائيل وسوريا عن التوقيع). أثينا، من جانبها، وبعد إيقاف المفاوضات مع أنقرة، سارعت إلى إقرار القانون في البرلمان اليوناني، الذي أعلن، وأيضًا من جانب واحد، أن المياه الإقليمية لليونان تبلغ 12 ميلًا بحريًّا، وتُحسب من سواحل الجزر وليس من ساحل أرض اليونان الرئيسة.

ولَّد الموقف اليوناني سلسلة من الصدامات مع تركيا في بحر إيجة، بداية من 1974، 1976، 1987؛ وبصورة بالغة الخطر في 1996، استدعت تدخلًا مباشرًا من الرئيس، كلينتون، لتجنب اشتعال الحرب بين عضوي الناتو. وفي يوليو/تموز 1997، وعلى هامش اجتماع دول الناتو بإسبانيا، أصدرت الدولتان إعلان مدريد، الذي أكَّد على تعهدهما بالتزام الخيار التفاوضي لحل الخلافات في بينهما في بحر إيجة. ولكن، وحتى بعد مرور ما يقارب ربع القرن على إعلان مدريد، لم يكن ثمة مسار تفاوضي منتظم أقرَّته الدولتان، وليس ثمة مؤشر على توافر حل لمعضلة رسم الحدود البحرية في إيجة.

2. شرق المتوسط: حدود متضاربة

لم يتراجع الاهتمام ببحر إيجة ولا تراجعت الخلافات التركية-اليونانية حوله، ولكن اهتمام الدولتين أخذ بالتزايد بشرق المتوسط منذ العقد الأول لهذا القرن. كما أن تركيا لم تبدأ تنقيبًا عن الغاز أو النفط في بحر إيجة حتى الآن، وإن كانت أعلنت عن عزمها ذلك في المستقبل القريب. وكانت هيئة المسح الجيولوجي الأميركية أول من أشار إلى وجود مخزون هائل من النفط والغاز في شرق المتوسط؛ وهو ما دفع كلًّا من إسرائيل وقبرص للتنقيب في المنطقتين اللتين افترضتا أنها تمثل حدودهما الاقتصادية في البحر.

في 2009 و2010، عثرت إسرائيل على حقلي غاز كبيرين، نسبيًّا؛ وفي 2011، أعلنت قبرص اليونانية اكتشاف حقل غاز أفروديت مقابل ساحلها الجنوبي. وفي 2015، اكتشفت مصر حقلًا ضخمًا للغاز مقابل ساحلها على المتوسط.

كانت حكومة نيقوسيا القبرصية اليونانية أول من سارع إلى عقد اتفاقيات مع جوارها المتوسطي لترسيم حدود منطقتها الاقتصادية في البحر، مفترضة أنها تمثل الجزيرة برمتها ومتجاهلة حقوق قبرص التركية. عقدت قبرص اتفاقية ترسيم حدود بحرية مع مصر في 2003، ومع لبنان في 2007، ومع إسرائيل في 2011. رفضت تركيا ادعاء نيقوسيا بتمثيل الجزيرة، وأكدت عزمها حماية حقوق شمال قبرص التركية. كما أكدت تركيا، في اتساق مع موقفها في بحر إيجة، رفضها الاعتراف للجزر اليونانية في المتوسط، مثل: كريت ورودس وماييس، بحق التمتع بحدود اقتصادية مثل تلك التي تتمتع بها أرض الدولة الرئيسة.

في أبريل/نيسان 2012، منحت أنقرة شركة النفط التركية امتياز التنقيب عن مصادر الطاقة في شرق المتوسط، وفي 2015، أضافت الحكومة التركية ثلاث سفن تنقيب أخرى لسفينتي التنقيب العاملتين لديها.

أخذت أنقرة، منذ 2007، في البحث عن شريك يشاطرها المجال البحري لترسيم حدودها الاقتصادية في المتوسط. ويبدو أنها بدأت مفاوضات بالفعل مع ليبيا في عهد معمر القذافي بهذا الشأن، بدون التوصل لاتفاق عندما اندلعت الثورات العربية. وكانت مصر خلال عهد الرئيس، محمد مرسي، الخيار الثاني لأنقرة، ولكن إدارة مرسي لم تستمرَّ طويلًا في الحكم. كما أن علاقات أنقرة مع حكومة الانقلاب المصرية انهارت بصورة كاملة تقريبًا بعد 2013.

وظلَّت الحال كذلك إلى نوفمبر/تشرين الثاني 2019، حين توصلت أنقرة لاتفاقية ترسيم المنطقة البحرية الاقتصادية مع حكومة طرابلس الليبية، التي كشفت عن تصور طموح بالفعل للحدود البحرية الاقتصادية لتركيا، ولجمهورية شمال قبرص. لا يؤسِّس الاتفاق لحدود بحرية اقتصادية منفصلة لجمهورية قبرص التركية وحسب، بل ويضع قطاعًا ملموسًا من المنطقة الفاصلة بين جزيرتي كريت وقبرص ضمن منطقة تركيا الاقتصادية البحرية. إضافة إلى ذلك، يرسم الاتفاق حدودًا طولية شرق المتوسط للمنطقة التركية، تمنع التواصل كلية بين منطقتي إسرائيل وقبرص اليونانية الاقتصاديتين.

وكانت المؤشرات على تصور أنقرة لحدودها الاقتصادية في المتوسط ظهرت بصورة واضحة قبل توقيع الاتفاق مع ليبيا بشهور، عندما اعترضت سفن مسلحة تركية سفينة لشركة إيني الإيطالية، كانت تقوم بالتنقيب عن مصادر الطاقة لصالح جمهورية قبرص اليونانية، في منطقة تعتبرها أنقرة ضمن حدود قبرص التركية الاقتصادية.

بُني الاتفاق التركي-الليبي للحدود البحرية الاقتصادية في المتوسط على تصور لترسيم الحدود من خطوط الطول وليس خطوط العرض؛ وهو التصور الذي اقترحه ضابط بحري تركي شاب في 2009. عندما وُقِّع الاتفاق، كان هذا الضابط، جاهد ياجي، قد أصبح أدميرالًا، ورئيسًا لأركان القوات البحرية التركية.

أثار الاتفاق التركي-الليبي ردود فعل غاضبة من اليونان وقبرص اليونانية ومصر، التي اعتبرت الاتفاق غير قانوني. خلال الأسابيع التالية، تحركت أثينا نحو الجنرال حفتر، آملة أن تؤدي سيطرته على طرابلس إلى إلغاء الاتفاق؛ وطلبت من القاهرة الإسراع في المفاوضات الجارية بينهما منذ سنوات لتوقيع اتفاق ترسيم ثنائي على غرار الاتفاق المصري-القبرصي. كما طالبت أثينا إسرائيل بدعم الموقف اليوناني المناهض للاتفاق التركي-الليبي، بالرغم من أن الاتفاق لم يتجاوز الخط الإسرائيلي للحدود الاقتصادية.

كان الاتفاق التركي-الليبي، باختصار، مناسبة لرسم خارطة تحالفات جديدة في شرق المتوسط، وليس فقط الصراع على الحدود البحرية الاقتصادية.

خارطة التحالفات: تشققات في جبهة أثينا

في 2018، وُلِدت في الجانب اليوناني فكرة مشروع بالغ الطموح لمدِّ أنبوب غاز، يبدأ من الحقول الإسرائيلية البحرية، ليمر بجزيرتي قبرص وكريت، وصولًا لإيطاليا، بهدف ضخِّ الغاز لدول جنوب أوروبا. مصر، التي كانت تأمل هي الأخرى في التحول لمركز إقليمي لتصدير الغاز، والتي تربطها بتركيا علاقات بالغة التوتر، سارعت هي الأخرى للانضمام للمباحثات حول أنبوب الغاز المتوسطي.

المشكلة في مشروع الأنبوب لا تتعلق فقط بالتقديرات حول تكلفته الهائلة، التي لا يعرف أي من أطراف المشروع كيف ومن أين سيتم تمويله، ولكن أيضًا أن السوق الأوروبية لا تحتاج إمدادات غاز منتظمة إضافة للخط التركي، الذي يوشك على الاكتمال ويحمل الغاز الروسي والأذربيجاني. ونظرًا لأن العالم، بما في ذلك أوروبا، يتجه لتعزيز مصادر الطاقة البديلة والدائمة، فليس من المتوقع أن يزداد الطلب الأوروبي على النفط والغاز في المستقبل بصورة تفوق الإمدادات المتوقعة من خط الغاز التركي.

مهما كان الأمر، ولأن علاقات عدائية مع تركيا تجمع الدول المشاركة في المفاوضات حول أنبوب المتوسط، فقد سارعت هذه الدول إلى تشكيل منتدى خاص بها، عُرف باسم منتدى شرق المتوسط. أُعلن عن المنتدى في القاهرة، في يناير/كانون الثاني 2019، وضمَّ كلًّا من مصر، واليونان، وقبرص، وإسرائيل، وإيطاليا، بينما دُعيت إليه الأردن والسلطة الفلسطينية بصفة مراقب. ولكنْ لا تركيا ولا لبنان أو سوريا دُعيت للمشاركة في المنتدى. وبخلاف إيطاليا، التي كان واضحًا ترددها في الاصطفاف مع الآخرين في مشروع معاد لأنقرة، لم يكن خافيًا أن منتدى شرق المتوسط قُصد به تأسيس تحالف مناهض لتركيا، بغضِّ النظر عن جدوى مشروع خط أنابيب الغاز المتوسطي.

وربما كان إطلاق منتدى شرق المتوسط بصورته الإقصائية ما دفع تركيا للإسراع في التحرك نحو توقيع اتفاق ترسيم الحدود مع ليبيا في نهاية العام نفسه.

مهما كان الأمر، فقد نشطت سفن التنقيب التركية، التي رافقتها قطع مسلحة من القوات البحرية، خلال 2019 و2020، للبحث عن مكامن طاقة في المنطقة التي تعتبرها تركيا جزءًا من منطقتها الاقتصادية البحرية، بغضِّ النظر عن الموقف اليوناني. ما اعتبرته أثينا تصعيدًا تركيًّا بالغًا كان بدء التنقيب التركي في المنطقة الفاصلة بين كريت وقبرص في يوليو/تموز 2020. ولأن عمليات التنقيب التركية تتعهدها سفن تركية، ويقوم بها علماء أتراك، فليس لدى اليونان وسيلة للضغط على الجانب التركي. الوسيلة الوحيدة لإيقاف النشاطات التركية كان الصدام المسلح؛ وهو الخيار الذي تعلم أثينا أنها قد تخسره.

ولأن حلفاء اليونان في إسرائيل ومصر لم يُظهروا استعدادًا لخوض مواجهة مسلحة مع تركيا، لجأت أثينا لواشنطن ودول الاتحاد الأوروبي. اتخذت إدارة ترامب موقفًا أقرب إلى الحياد، داعية الطرفين للتفاوض لحل المشاكل العالقة. في أوروبا، وجدت اليونان دعمًا صريحًا من فرنسا؛ أما ألمانيا، صاحبة الثقل الرئيس في الاتحاد الأوروبي، فقد صبَّت جهدها في مسعى للوساطة والعمل على بدء مفاوضات مباشرة بين الدولتين. بعد اتصال من المستشارة الألمانية، أنغيلا ميركل، وفي خطوة لإظهار حسن النية والرغبة في نزع فتيل الصدام، أعلنت أنقرة تعليق عمليات التنقيب في المنطقة المتنازع عليها غربي قبرص.

كان المفترض أن تبدأ المفاوضات التركية-اليونانية بالفعل، عندما أعلنت أثينا عن التوصل لاتفاق ترسيم الحدود البحرية الاقتصادية مع مصر؛ وهو ما أثار رد فعل تركي غاضب، وإعلان أنقرة التراجع عن تعليق التنقيب في جوار كريت. هاجمت تركيا الخطوة اليونانية، واعتبرتها غير ذات أثر على الوضع شرق المتوسط، وتعبيرًا عن سوء نوايا اليونان. ولكن اللافت أن المسؤولين الأتراك الذين تناولوا الاتفاق اليوناني-المصري استهدفوا اليونان فقط، وتجاهلوا مصر.

لم تُنشر خارطة رسمية للاتفاق المصري-اليوناني بعد، ولكن يبدو أن المصريين زوَّدوا الأتراك بخارطة الاتفاق حتى قبل أن يُصدِّق البرلمان اليوناني عليه. طبقًا لرسالة مندوب تركيا في الأمم المتحدة، الموجهة للأمين العام، 21 أغسطس/آب، قدَّمت اليونان تنازلًا جوهريًّا عندما قبلت رسم حدودها البحرية الاقتصادية مع الجانب المصري بداية من الساحل اليوناني الرئيس، وليس جزيرة كريت؛ وأن الاتفاق لم يمنح كريت جرفًا قاريًّا ولكن مجرد مياه إقليمية محدودة. بذلك، يقدم الاتفاق اليوناني-المصري دعمًا مباشرًا للموقف التركي في النزاع مع اليونان حول الحدود البحرية الاقتصادية لكل منهما، في المتوسط وفي إيجة، على السواء.

ثمة مؤشرات متزايدة على تهدئة في العلاقات التركية-المصرية، لم تتضح في الاتفاق اليوناني-المصري وحسب، ولكن في ليبيا أيضًا. وقد انعكست هذه التهدئة على ابتعاد مصر عن المشاركة في المناورات اليونانية في المتوسط في الأسبوع الأخير من أغسطس/آب؛ التي عكست إلى حدٍّ كبير تقلص الدول الداعمة لليونان. ابتعدت إسرائيل، أيضًا، عن المشاركة في المناورات اليونانية، ربما لأن الإسرائيليين يدركون قوة الموقف التركي، وأنهم سيضطرون في النهاية للتفاوض مع أنقرة لتأمين ممر عبر المنطقة التركية الاقتصادية.

إضافة إلى اليونان، شارك في هذه المناورات قوات بحرية من كل من قبرص اليونانية، وإيطاليا، وفرنسا، وطائرات إماراتية. وبالرغم من أن الموقف الإيطالي من النزاع التركي-اليوناني لم يزل غامضًا، فإن روما أصرَّت هي الأخرى في الاتفاق الإيطالي-اليوناني لترسيم الحدود في البحر الأيوني، في يونيو/حزيران الماضي، على أن تُحسب المنطقة البحرية الاقتصادية بداية من ساحل الأرض الرئيسة لكل من البلدين وليس من الجزر التابعة لهما.

مشاركة قبرص اليونانية في المناورات هي أمر طبيعي ومتوقع، كونها دولة تحت حماية يونانية فعلية. ولكن مشاركة فرنسا والإمارات هي التطور الأهم. تتواجه الإمارات وتركيا في حرب غير معلنة في ليبيا، وفي الحصار المفروض على قطر، ليس ثمة مقارنة ممكنة بين وزني تركيا والإمارات ومقدَّراتهما، ولكن الواضح منذ اندلاع الثورات العربية أن الحاكم الفعلي للإمارات، محمد بن زايد، يرغب في لعب دور نشط في الخليج والشرق الأوسط، ويعتقد أن علاقاته الأميركية والإسرائيلية كفيلة بتوفير مظلة حماية لأدواره الإقليمية. ولكن قطْع ابن زايد مسافة بعيدة عن بلده للوقوف مع اليونان في مواجهة تركيا لابد أن يُنظر إليه باعتباره خطوة رمزية لمحاولة القول بأن الإمارات قادرة على إحداث فرق في التحالف المناهض للأتراك. بغير ذلك، فمن المستبعد أن تقرر الإمارات خوض حرب فعلية ضد تركيا، سواء في تحالف مع اليونان أو غيرها.

فرنسا هي المعضلة التي يبدو أن من الصعب على الأتراك حلها. فمنذ سنوات، سيما بعد تولي إيمانويل ماكرون الرئاسة، تتخذ باريس مواقف عدائية صريحة ضد أنقرة في سوريا، وليبيا، وإفريقيا الغربية، وأخيرًا في شرق المتوسط. تنظر فرنسا، التي تشهد إحياء إمبرياليًّا لا يخفى، وتعمل على توكيد دورها باعتبارها القوة الأوروبية الرئيسة في حوض المتوسط، بقلق إلى اتساع تحرك تركيا الإقليمي. وكما لم تُخْف باريس دعمها للواء الانقلابي، حفتر، في ليبيا، آملة بأن يفضي انتصاره إلى تعزيز النفوذ الفرنسي في ليبيا والمتوسط، تحركت بصورة تصادمية لدعم الموقف اليوناني ومحاولة إقناع تركيا بأن ميزان القوى لا يصب لصالحها وأن عليها الانصياع للمطالب اليونانية باعتبارها مطالب أوروبية. وكان المدهش أن يتحدث الرئيس الفرنسي، في تعليقه على مشاركة بلاده في المناورات اليونانية، بلغة “رَسْم خط أحمر لتركيا”.

ردَّ المسؤولون الأتراك على ماكرون بشيء من الاستخفاف والسخرية؛ أما الرئيس التركي فكان واضحًا في توكيده على أن بلاده لن تقبل بسيفر جديدة في شرق المتوسط، بمعنى أن أية مفاوضات حول الوضع في المتوسط لابد أن تكون ثنائية، وأن تقتصر على تركيا واليونان، وأن أنقرة لن تقبل دورًا فرنسيًّا، أو ألمانيًّا، أو أوروبيًّا، أكثر من الوساطة. الأوروبيون، يقول الأتراك، ليسوا شركاء في شرق المتوسط.

من جهة أخرى، اتخذت روسيا، التي تنظر بقلق إلى تصاعد الدور التركي في شرق المتوسط وتربطها باليونان الرابطة الأرثوذكسية، موقفًا غير منحاز لأي من الجانبين، حتى الآن على الأقل. والواضح أن روسيا تأمل، بصبر طويل، أن تنتهي تركيا إلى الخروج من الناتو. وكذلك التزمت بريطانيا، التي ترى في تركيا شريكًا اقتصاديًّا رئيسًا بعد الخروج من الاتحاد الأوروبي، موقفًا حياديًّا من الأزمة.

ردَّت تركيا على خطوة المناورات اليونانية ذاتها بالإعلان عن إجراء مناورات بحرية في شرق المتوسط لأسبوعين كاملين. وفي نهاية أغسطس/آب، عندما نُشرت تقارير يونانية حول قيام أثينا بتسليح جزيرة ماييس (كاستيلوزيريو لدى اليونان)، في انتهاك صريح لمعاهدة باريس للسلام في 1947، (التي نقلت السيادة على مجموعة جزر ديكاكينيز من إيطاليا لليونان، وجعلت الجزر منزوعة السلاح)، جاء الرد التركي بالتمديد لعمل سفينة التنقيب، عروج رئيس، في شرق المتوسط والإعلان عن حظر طيران جوي في منطقة عمل السفينة.

خيارات المواجهة والتفاوض

ليس ثمة خلاف في العالم بين تصوري دولتين لحدودهما البحرية الاقتصادية مثل الخلاف التركي-اليوناني؛ ليس فقط لأن هذا الخلاف يشمل بحري إيجة والمتوسط، وحسب، ولكن أيضًا لأنه يتعلق بثروات هائلة محتملة في البحرين، وبالتفسيرات المتفاوتة للخلفية القانونية التي يستند إليها، من معاهدة لوزان، إلى اتفاقية مونترو 1936، ومعاهدة باريس للسلم في 1947، وصولًا إلى الاتفاقية الأممية لقانون البحار في 1982. ولكن موقف اليونان القانوني يبدو أضعف من الموقف التركي.

ففي أكثر من سابقة، لم تمنح محكمة العدل الدولية لجزر دول ليست من صنف الأرخبيل جرفًا قاريًّا؛ كما أن اتفاقيتي اليونان مع مصر وإيطاليا لترسيم الحدود البحرية استبطنتا تنازلًا يونانيًّا عن ادعاء وجود جرف قاري للجزر، بما في ذلك جزيرة كريت، خامس أكبر جزر المتوسط. فوق ذلك كله، يبدو من غير المنطقي ولا المعقول ادعاء جرف قاري لجزيرة مثل ماييس، تبعد كيلومترات قليلة عن ساحل شبه جزيرة الأناضول، بينما يفصلها عن الساحل اليوناني أكثر من 500 كيلومتر.

بيد أن هذا الخلاف في النهاية لن يُحَلَّ، على الأرجح، بقوة القانون والمنطق، بل بثقل اعتبارات ميزان القوى. تركيا واليونان، بالطبع، عضوان في الناتو، ويُفترض ألا ينظرا إلى بعضهما البعض من زاوية ميزان القوى، ولكن الموروث التاريخي لعلاقات الدولتين الجارتين لا يساعد كثيرًا في إشاعة مناخ من الصداقة والتعاون؛ وطوال القرن الماضي، لعبت المخاوف المتبادلة دورًا كبيرًا في تأسيس استراتيجية الدفاع للدولتين.

تركيا اليوم تتفوق على اليونان بكل المقاييس، اقتصاديًّا، وبشريًّا، وجيشًا وبحرية، وتسلحًا. وبعد أن اكتشفت تركيا حقلًا متوسط الحجم للغاز في منطقتها الاقتصادية في البحر الأسود، يقدر احتياطيُّه على سدِّ حاجة تركيا من الغاز لأكثر من ست سنوات، يمكن لأنقرة أن تستمر في فرض أمر واقع يستند إلى تصورها لحدودها البحري، واتباع سياسة النَّفَس الطويل، إلى أن تقتنع أثينا بالذهاب إلى قاعة التفاوض بدون شروط مسبقة.

اليونان، التي تدرك حقيقة ميزان القوى، تسعى إلى تحالفات أوسع لمواجهة الأمر الواقع التركي. ولكن الواضح أن عدد حلفاء اليونان في تناقص وليس في ازدياد. لا مصر ولا إسرائيل ترغبان في مواجهة تركيا أو في تصعيد مستوى التوتر معها، ليس لأن نظرة أيهما لأنقرة تغيرت، بل لحسابات براغماتية بحتة. كما يوجد شك كبير، بالرغم من اللغة بالغة الاستفزاز التي تستخدمها باريس، في أن فرنسا يمكن أن تخوض مواجهة مباشرة مع تركيا، سيما أن مؤسسة دولية واحدة لا يمكن أن تجد مسوغًا واحدًا لمحاولة فرنسا صناعة دور وموقع لها في شرق المتوسط.

ما يتبقى في جعبة أثينا، إن استمرَّ مستوى الاهتمام الأميركي المنخفض بأزمة العلاقات التركية-اليونانية، هو استدعاء الاتحاد الأوروبي ومحاولة إقناع الشركاء الأوروبيين بفرض عقوبات على تركيا. بيد أن من الصعب إيجاد إجماع أوروبي على قرار بفرض عقوباتٍ ما على تركيا، أولًا: لأن لتركيا أصدقاء بين دول الاتحاد لا يرون مسوغًا عادلًا للمطلب اليوناني، وثانيًا: لأن لدى تركيا أوراقًا يمكن استخدامها في الرد على أية خطوة أوروبية عدائية. وحتى إن نجحت أثينا في حشد التأييد الأوروبي لعقوبات على تركيا، فليس ثمة ما يشير إلى أن هذه العقوبات يمكن أن تُحدث تغييرًا في الموقف التركي.

المخرج الأمثل، والأسلم للطرفين، من الأزمة المركبة في شرق المتوسط وإيجة هو بالتأكيد التفاوض. المشكلة أن ليس ثمة ميكانيزم لإطلاق مفاوضات تركية-يونانية، بعد أن تخلَّت أثينا عن مسار اتفاقية برن التفاوضي. ولذا، ستحتاج ألمانيا، المستمرة في جهدها لإحضار الدولتين إلى طاولة المفاوضات، إلى ابتكار هذا الميكانيزم، والحفاظ، من ثمَّة، على المسار التفاوضي حتى إن لم يأتِ بنتائج سريعة.

ولكن، وحتى تصل الدولتان إلى قاعة التفاوض، لابد من ملاحظة أن مستوى المواجهة بينهما وصل حدًّا غير مسبوق، وأنه حتى إن لم يكن لدى أنقرة أو أثينا نوايا لإشعال حرب، فإن مجرد وقوع خطأ غير مقصود يمكن أن يؤدي فعلًا لمواجهة مسلحة، قد تصبح باهظة التكاليف للدولتين ولأمن المتوسط ككل. مثل هذه المواجهة، على أية حال، يمكن أن ينجم عنها خارطة قوة جديدة في شرق المتوسط.   

مركز الجزيرة للدراسات

تأسس مركز الجزيرة للدراسات في أحضان شبكة الجزيرة سنة 2006، وهو مؤسسة بحثية مستقلة تعنى بتعميق مقومات البحث العلمي وإشاعة المعرفة عبر وسائل الإعلام وتكنولوجيا الاتصال، مساهمة منها في الارتقاء بمستوى المعرفة وإغناء المشهد الثقافي والإعلامي وإثراء التفكير الاستراتيجي في العالم العربي.

———————————

الماضي والمستقبل في نزاع المتوسط/ أرنست خوري

لا داعي لاستحضار مقاربات أخلاقية لفهم النزاع الأوروبي ــ التركي في مياه البحر المتوسط. لا تركيا تمثل الخير هنا، ولا المعسكر المقابل لها يجسّد الشر، ولا العكس طبعاً. كثافة ما يكتنفه الموضوع من مظلومية تاريخية ومصالح متضاربة وطموحات لا سقف لها، ورغبات بالعودة إلى أمجاد غابرة، ونكايات وفراغ استراتيجي يجدر ملؤه وزحمة تحالفات في منطقة تغلي أصلاً، كل ذلك لا يترك مجالاً للانسياق وراء حماسة عاطفية لهذا الطرف أو ذاك، على غرار متيمين باندلاع حرب لن تقع على كل حال. وأشد المتحمسين للتصعيد بالمناسبة لا علاقة مباشرة لهم بالأزمة التركية ــ اليونانية، أو بالأحرى التركية من جهة والأوروبية ـ المصرية ـ السعودية ـ الإماراتية ــ الإسرائيلية من جهة ثانية. والإعلام المحلي لطرفَي النزاع، هو الأكثر هدوءاً في مصطلحاته وأقل كمية من الشتائم في تعاطيه مع النزاع الحدودي، مقارنةً مع السعار الذي لا يُطاق في أثير مواقع وتلفزيونات وصحف سعودية ومصرية وإماراتية. الخلاف الحدودي ـ النفطي ـ التوسعي الذي اصطُلح على تسميته “أزمة شرقي البحر المتوسط” شديد التشابك. وما يزيد من تعقيده أن التاريخ يدخل في تفاصيله مجدداً، كذلك تقتحم المشهد عناوين لا تقتصر على إطار الطاقة المعروف للأزمة، فتجد في خلفيات العقدة الحالية، مسائل المهاجرين السريين وحربي ليبيا وسورية والعضوية المستحيلة لتركيا في الإتحاد الأوروبي وعدم حسم مسألة قبرص (منذ 1974) وتفتت حلف شمال الأطلسي والانسحاب الأميركي من المنطقة وتحويل آيا صوفيا إلى مسجد، وضعف فاعلية قوانين دولية عديدة.

تركيا تعتبر أنها محرومة من حقوق وثروات طبيعية منذ اتفاقيتي سيفر (1920) ولوزان (1923). تدرك أن أكثر ما يمكن أن تخسره من التصعيد الحالي، قد خسرته فعلاً، أي حظوظ قبولها عضواً كاملاً في صفوف الاتحاد الأوروبي. من غير الوارد بالنسبة إلى حكامها، وهم أصحاب طموحات قومية توسعية، أن يلجأوا إلى أدوات ناعمة لاسترداد “الحقوق”، أي إلى القانون الدولي، لأنهم يرون أن من يقرر في تلك النزاعات لا يزال هو نفسه من جرّدها مناطق بحرية مهمة من مياهها الإقليمية في فرنسا عام 1920 (سيفر)، ثم في ترسيم الحدود بين تركيا واليونان عام 2000، وربما يكون هو نفسه من يفرض عليها عقوبات في 24 من الشهر الحالي، إلا إذا نجحت الوساطة الألمانية. وجدت أنقرة نفسها منذ مطلع الحالي أمام تحالفات واتفاقيات غاز ونفط تعلن رسمياً العداء لها، تجمع في إحداها كلًا من اليونان وقبرص وإسرائيل لمد خط غازٍ إلى أوروبا يتجنب تركيا، وأمام “منتدى الغاز في شرق المتوسط”، الذي يضم، إضافة إلى الدول الثلاث المذكورة أعلاه، كلًا من مصر وإيطاليا والأردن والسلطة الفلسطينية والإمارات، بدعم أميركي. أمام واقع كهذا، أبرمت تحالفها الخاص من البوابة الليبية في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، لتوسيع حدودها البحرية وحقوق تنقيبها عن الغاز الذي تختزنه مياه المتوسط. هذا في الجانب التقني. لكن خلف الصورة ما خلفها: ليس تفصيلاً أن فرنسا برئيسها إيمانويل ماكرون، هي من تدير دفة التصعيد من الجانب المضاد لتركيا. تشرح مجلة “لوموند ديبلوماتيك”، في عددها الشهر الحالي (سبتمبر/ أيلول 2020)، بملف من آلاف الكلمات، كيف يسعى ماكرون إلى التخلص من “الدولة العميقة” التي تدير الدبلوماسية الفرنسية منذ أواخر ولاية نيكولا ساركوزي مروراً بعهد فرانسوا هولاند، والتي يحكمها “محافظون جدد” (التعبير للمجلة الفرنسية) يدفعون نحو ارتماء باريس خلف كل قرارات واشنطن في السياسة الخارجية. ومنطقة شرقي المتوسط من بين تلك المناطق التي تنسحب منها أميركا الترامبية بالتدرج. إذاً، يريد ماكرون لفرنسا أن “تعود” إلى المنطقة. و”العودة” تلك تجد موطئ قدم في بقع جغرافية مغرية، من بينها مياه المتوسط حيث هناك “خصم” أو “عدو” يسهل حشد الحلفاء ضده: رجب طيب أردوغان.

أزمة شرقي البحر المتوسط عيّنة لما يكون عليه عالم يحكمه شعبويون يمينيون يجيدون اللعب في الوقت الأميركي الضائع. كم يحتاج هذا العالم إلى تحالف للشعوب.

العربي الجديد

———————————

موارد “المتوسط” الهيدروكربونية… كيف حجزت روسيا نصيبها من حصة دمشق؟

مصطفى السيد، علي عيد، محمد أبو الغيط

أواخر العام الجاري ينتهي عقد للتنقيب عن الموارد الهيدروكربونية في مياه المتوسط السورية أبرمه النظام مع شركة روسية تلاعبت باسمها وجنسيتها مرات عدة، رغم كونها غير مؤهلة فنيا للصفقة، التي تدار بطريقة غير شفافة وفق ما توصل إليه تحقيق “العربي الجديد”.

– هل تحتوي المياه الإقليمية السورية على كميات من النفط أو الغاز القابل للاستثمار؟ سؤال أجابت عن نصفه دراسات متخصصة، ففي عام 2005، أجرت شركة INSEIS النرويجية عمليات المسح السيزمي، وأظهر التقرير الذي نشرته شركة CGGVertitas الفرنسية عام 2011 بعد استحواذها على الشركة النرويجية “نتائج مشجعة” لوجود مكامن للنفط والغاز.

كما يتحدث تقرير هيئة المسح الجيولوجي الأميركية الصادر في مارس/آذار 2010 عن احتياطي لحوض شرق البحر المتوسط بنحو 1.7 مليار برميل من النفط، و122 تريليون متر مكعب من الغاز، ويشمل حوض المشرق، قبالة سواحل سورية ولبنان و”إسرائيل”.

ولا تقدم وزارة النفط السورية أي معلومات حول الاحتياطات المؤكدة، إلا أن صحيفة “الثورة” الحكومية، أوردت في 2013 معلومات مصدرها الوزارة، تقول إن الجزء السوري يقدر “بنحو 6.5 % من إجمالي مساحة حوض المشرق”.

كيف ظهر الروس؟

في مايو/أيار 2007 طرحت وزارة النفط السورية 4 قطاعات بحرية للتنقيب، ولم تتقدم وقتها سوى شركة Dove Energy البريطانية، وتم تجاهل عرضها لكونه وحيداً بلا منافسين، وفي 24 مارس/آذار عام 2011، تم طرح مناقصة في أربعة قطاعات، بمساحة تصل إلى 7750 كيلومتراً مربعاً، ولم تتقدم أي شركة رغم تمديد المهلة.

عقب العرض قابل اثنان من معدي التحقيق وزير النفط السابق سفيان علاو في إبريل/نيسان 2011، ليعزو ضعف الإقبال إلى ظروف سياسية معقدة ترافق الطرح.

بعد عامين وفي 26 ديسمبر/كانون الأول 2013 وقعت وزارة النفط عقد “عمريت البحري” في “البلوك” II، بالتراضي مع شركة “سيوز نفتغاز إيست ميد” وينص على إجراء عمليات المسح والتنقيب جنوب شاطئ طرطوس إلى محاذاة بانياس، وبمساحة 2977 كيلومتراً مربعاً، بكلفة 100 مليون دولار، على أن تقتصر فترة التنقيب على 60 شهراً.

شركة غير مؤهلة فنياً

رغم أن “سيوز” وقعت عقودا للتنقيب في العراق وسورية منذ عام 2003، إلا أنها كانت برية فقط، ولم تحفر بئرا بحرية منذ تأسيسها.

مؤهلات الشركة تتحدث عنها وثيقة رسمية مسربة في نوفمبر/تشرين الثاني 2013 وصادرة عن وزارة النفط السورية، وتم التأكد من صحتها عبر مسؤول رفيع في الوزارة، أي قبل توقيع العقد بنحو شهرين، تفيد بأن الشركة لا تتمتع بالأهلية للاستكشاف البحري العميق.

مدى أهلية الشركة يقيّمها الخبير الدولي محمود سلامة الباحث المتخصص في شؤون الطاقة لدى جهات عدة، من بينها أوبك والبنك الدولي وجامعات كبرى، قائلا إنه رغم مشاركة “سيوز” في إدارة مشاريع طاقة داخل روسيا وحول العالم، إلا أنها “شركة خدمات مثل Haliburton أو Schlumberger وأيضًا مدير استثمار، وعندما يتعلق الأمر بالتنقيب عن النفط والغاز في المياه السورية، سيكون لها دور استشاري فقط”، مرجحا أن “الحكومة الروسية ستطلب من شركات النفط والغاز الروسية الكبرى مثل Rosneft و Gazprom القيام بالتنقيب والحفر الحقيقيين في مرحلة لاحقة”.

وتواصل فريق التحقيق أيضا مع مسؤول احتل موقعا اقتصاديا مهما في الحكومة السورية أثناء فترة توقيع العقد للاستيضاح حول أهلية الشركة وجديّة العقد، غير أنه اشترط عدم الكشف عن هويته حفاظا على أمنه الشخصي، ويؤكد المسؤول أن استثمار الغاز البحري مع الشريك الروسي خارج المنطق العلمي، مؤكداً فرضية أن الملف يجري استخدامه بطريقة سياسية أكثر منها اقتصادية.

الهروب من العقوبات

في يوليو/تموز 2014، نشرت الجريدة الرسمية السورية المرسوم التشريعي الخاص بتصديق العقد الموقع عام 2013، بعنوان “تصديق العقد بين سورية وشركة سيوز بنما للتنقيب عن البترول”.

وفي أغسطس/آب 2017 نشر موقع رئاسة الوزراء القانون رقم 27 الذي يصادق على ملحق لعقد التنقيب مع “سيوز”، إلا أن التصديق جاء باسم شركة جديدة وهي “أيست ميد عمريت إس أي”.

كما ينص القانون الملحق الجديد على تسمية مختلفة للشركة “سيوز” الأم، مضيفا لها صفة “الروسية” بدل “البنمية”.

المسؤول الاقتصادي السوري والذي تابع تفاصيل تتعلق بتأخير التصديق بحكم مسؤوليته المباشرة، قال إن التأخير يتعلق بخلاف حول عجز “سيوز” عن تنفيذ التزاماتها لضعف خبرتها، وأشار إلى أن تغيير الأسماء يتعلق بصورة وثيقة بالعقوبات الأميركية المفروضة على سورية، إذ تحاول الشركة الروسية إيجاد بديل يجنبها العقوبات الجديدة التي فرضها قانون “قيصر”، خصوصا أن نص القرار يؤكد على معاقبة المتعاونين الخارجيين ويشير صراحة إلى روسيا.

الفرضية المتعلقة بالعقوبات الأميركية يؤكدها الخبير الدولي ممدوح سلامة الذي يرى أن روسيا لن تخاطر بإخضاع شركتيها الكُبريين “روسنفت” و”غازبروم” للعقوبات، ويرى أن الشركتين الأخيرتين ستباشران التنقيب، ربما، بموجب نصيحة من “سيوز” بعد انتهاء العقوبات.

ويتابع بأن التدخل العسكري الروسي في سورية كلفها مليارات الدولارات، وأنها قامت بتوقيع العقود لهذا السبب لاسترداد أموالها من أي غاز ونفط مكتشفين مستقبلا.

ولم تجب وزارة النفط السورية عن الأسئلة الموجهة إليها في سبتمبر 2019 ويوليو 2020 حول سبب التغيير في اسم الشركة الموقعة للعقد من سيوز البنمية، إلى الروسية ثم عمريت، ومدى وطبيعة ارتباطها جميعا بالشركة الأم سيوز نفتغاز الروسية (SNG). بدورها أيضا لم تستجب “سيوز” لرسالة رسمية على بريدها تم إرسالها في يونيو/حزيران الماضي.

النفط مقابل الغذاء

يرجع إنشاء شركة “سيوز نفتغاز” إلى عام 2000، علي يد رئيس مجلس إدارتها الحالي، يوري شفرانيك، والذي تكشف سيرته المهنية علاقاته الحكومية الوثيقة، إذ شغل منصب وزير الطاقة في روسيا بين عامي 1993 و1996، كما يشغل حاليا منصب رئيس اتحاد منتجي النفط والغاز في روسيا.

ومن خلال مراجعة تقرير لجنة التحقيق المستقلة حول الفساد في برنامج “النفط مقابل الغذاء”، والتي شكلتها الأمم المتحدة في مارس/آذار 2004، وبناء على تقرير “فولكر” الذي صدر في سبتمبر/أيلول 2005، يتبين أن “سيوز” متورطة في تلك الفضيحة، إذ حصلت عبر رئيسها شافرانيك على 25.5 مليون برميل من النفط العراقي، وهو جزء من كمية أعادت شركات روسية تسويقها وبيعها في السوق الأوروبية.

وبخلاف شركة “سيوز” التي تتوافر عنها معلومات وتاريخ سابق، فإن شركة “عمريت إس إي”، لا تملك موقعا على الإنترنت أو أية بيانات رسمية معلنة.

حصل معدو التحقيق على وثائق تسجيل الشركة، والتي ظهر أنها مسجلة في بنما وليس روسيا، وأن تاريخ إنشائها يعود إلى 11 سبتمبر 2013، أي قبل نحو 3 أشهر فقط من ظهورها في الوثائق السورية، وحملت الاسم الرسمي SNG East Med S.A.

كما يظهر بالوثائق أن الشركة غيرت اسمها لاحقا في أكتوبر/تشرين الأول  2015 إلى EAST MED AMRIT S.A، كما تم تعديل نظامها بنفس العام لينص على تكوينها من 100 سهم كل منها بقيمة ألف دولار، ليصبح رأس مال الشركة 100 ألف دولار.

لا يظهر بوثائق الشركة في بنما مطلقا أسماء رئيس مجلس إدارة الشركة الأم يوري شفرانيك، أو المدير المفوض بالتوقيع في سورية غيسى غوتشتيل، بينما تظهر أسماء ممثلين قانونيين من بنما، وهي وسيلة تُستخدم لصالح المُلاك الراغبين في إخفاء هوياتهم.

مدير الشركة وقت تأسيسها هو حامل الجنسية البنمية فيرنون إيمانويل سالازار زيوريتا، والذي ظهر اسمه بعد تسريبات “أوراق بنما”، متورطا في فضيحة فساد، حيث تم القبض عليه في إطار التحقيقات بقضية استيلاء نائب عمدة بنما العاصمة على أموال عامة.

مدير آخر للشركة تورط باتهامات شبيهة، هو دليو خوسيه دي ليون ميلا، والذي تم إدراجه في 2018، وظهر أنه نائب المدير وشريك بشركة Quijano y Asociados للمحاماة، والتي أنشأت أكثر من 15 ألف شركة ظهرت ضمن تسريب “أوراق بنما”. وفي ديسمبر 2019 خضع خوسيه للتحقيق القضائي لتورط شركته في فضيحة فساد في كولومبيا.

تاريخ من الفساد

لكن من هو المدير التنفيذي الذي وقع على عقد الغاز البحري في سورية ممثلا للجانب الروسي؟ اسمه غيسى غوتشتيل Gissa Guchtel، ويعرفه معهد الدراسات الشرقية للأكاديمية الروسية للعلوم بأنه يحمل شهادة دكتوراه في التاريخ، وليس في الإدارة أو علوم الطاقة، كما هو متوقع من شخص بمنصبه.

عبر مزيد من البحث ظهر اسم غوتشتيل في وثائق “أوف شور ليكس”، ووثائق “بنما”، المتعلقة بالشركات المسجلة في ملاذات ضريبية، والتي تستخدم السرية لجذب التدفقات المالية، بما فيها غير المشروعة أو المرتبطة بشخصيات سياسية، وفق ما جاء في بيان صادر عن الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين الذي نشر وثائق بنما في 2016 منددا بنظام التهرب الضريبي العالمي.

وورد اسم غوتشتيل كمالك ومدير لشركة “ديكسوود  (Dexwood Global Investment Limited) والتي كانت تستثمر في قطاعات استثمارية متعددة ونشطت في جزر العذراء البريطانية وجمهورية لاتفيا. وتُظهر البيانات أن شركة “ديكسوود” لم تعد عاملة حاليا، إلا أن هناك شركتين متفرعتين عنها تنشطان في لاتفيا.

ويظهر اسم آخر كشريك ومدير مع غوتشيل بهذه الشركة وهو رجل الأعمال البريطاني إيان تايلور (توفي في يونيو الماضي)، والذي حفل تاريخه بدوره بنقاط مثيرة للجدل، كاتهامه بالتعامل مع أحد مجرمي الحرب الصرب إبان حرب البوسنة، وكذلك تورطت شركته “فيتول” في فضيحة فساد برنامج النفط مقابل الغذاء العراقي، وصدر ضدها حكم من محكمة نيويورك عام 2007 بدفع غرامة قيمتها 17.5 مليون دولار، وهي نقطة أخرى تشترك فيها الشركة مع “سيوز نفط غاز” الروسية.

زيادة مدة التنقيب بلا نتيجة

بعد نحو 18 شهرا من حصولها على الترخيص أعلنت “سيوز” الروسية أنها لن تستطيع تنفيذ التزاماتها التعاقدية في سورية، حيث أعلن يوري شافرانيك في سبتمبر 2015 أن القرار جاء “بسبب الصراع” كاشفا عن أن المشروع سيحال إلى شركة روسية أخرى لم يذكر اسمها، لتظهر بعدها “أيست ميد عمريت إس أي”.

ما سبق يتقاطع مع تناقض آخر جاء من داخل سورية، حيث تسرب تقرير من وزير النفط علي سليمان غانم إلى رئيس الوزراء السابق عماد خميس يشير إلى أن الشركة توقفت تحت ظرف القوة القاهرة، وأنها نفذت التزاماتها العقدية للعديد من الأعمال خلال عامي 2013 – 2014.

مضمون التقرير الذي نشرته صحيفة البعث الرسمية يتناقض مع القانون 31 لعام 2011 والذي تم تعديله عام 2013، وينص على أنه لا يجوز للوزير المختص التصديق على العقود الاستثمارية التي تتجاوز قيمتها 200 مليون ليرة سورية، والتي تتطلب تصديقا من رئيس الجمهورية أو البرلمان، وهو التصديق الذي صدر بالفعل منتصف 2014 في حالة سيوز، لذلك من غير القانوني أن تكون قد بدأت العمل في 2013، ما يعني أن الوزير قدم تبريرات غير صحيحة أو أن العمل قد بدأ بالفعل قبل التصديق بالمخالفة للقانون.

لاحقا صدر القانون 27 بتاريخ 3 أغسطس 2017، وينص على تعديل الاسم وتعديل المادة الثالثة “منح الحقوق والمدة” التي تنص على أن مدة التنقيب الكلية هي 60 شهرا من تاريخ نفاذ العقد وليس من تاريخ توقيعه، قبل صدور مرسوم تشريعي بالتصديق عليه. كما تم تمديد العقد 20 شهرا لتصبح الفترة الكلية للتنقيب 80 شهرا.

وبالرغم من التعديل السابق وفي منتصف إبريل 2019 انقضت السنوات الخمس لاستكشاف حقول النفط والغاز والتنقيب من دون نتيجة معلنة، ونهاية شهر ديسمبر/كانون الأول 2020 ينتهي التمديد الإضافي، من دون أية معلومة عن عمليات حفر تمت خلال الفترة.

تم إنتاج التحقيق بموجب تعاون بين العربي الجديد ومشروع S

———————————–

شرق المتوسط .. غرب الجحيم/ ممدوح الشيخ

يوشك من يعيش في مدينة ساحلية أن يحدّد موقع مدينته، لمن لا يعرفه، بأنها مدينة ساحلية تقع شرق المتوسط، غرب الجحيم، على مسافة عدة كيلومترات من ميدان معركة وشيكة. صحيح أن قرار الحرب، منذ الحرب العالمية الثانية، وخصوصا بالنسبة لصناع القرار الأوروبي أصبح بعيدًا، بل ربما مستبعدًا، لكن خبرة هذه الحرب نفسها تؤكّد أن المبالغة في الرغبة بتجنب الحرب قد يترتب عليه خوضها في كل الأحوال، بعد أن يصبح القرار متأخرًا.

كانت قوى أوروبية عدة تتحاشى مواجهة هتلر، بل اختار الاتحاد السوفييتي التفاهم معه سرًا، بينما هو يتوسّع مهددًا سلام العالم. وصناع القرار الأوروبيون الراغبون في تحاشي الحرب بكل الطرق كانوا جميعًا يعتبرون التغاضي حلًا محتملًا لنهم الفوهرر، بأمل أن يكتفي بعد الخطوة التوسعية الأولى، لكن النهم ازداد حتى تورّط الجميع في الحرب مضطرين، ومتأخرين.

والخيط الرفيع الفاصل بين التأنّي والتردّد يتسبب أحيانًا في مواجهات كارثية، والخلط، الناجم عن التشوّش، بين نزاعات المصالح، وصراعات الرؤى والنماذج يكلف المخفقين في رؤية هذا الخيط أن يواجهوا خطر الاختناق بمشنقة التأخّر في أخذ زمام المبادرة. وفي التقييم الموضوعي المركب، يحضر الواقعي، والرمزي، والأيديولوجي، فإذا أخطأ صانع القرار، وهو بَعدُ في مرحلة الوصف والإدراك، عن تركيب مكعبات “البازل”، فإنه غالبًا يفشل في رؤية الشكل الصحيح الذي تكونه مكعباته.

وشرق المتوسط يمكن، بالفعل، أن يحمل لقب “غرب الجحيم”، إذا استمرّت سُحب “صراع الإرادات” في التراكم، فالمتزاحمون بحرًا وجوًا (عدا تركيا واليونان) لدى كل منهم مبرّر لإشعال فتيل مواجهةٍ ستجري وقائعها بعيدًا عن بلاده. يضاف إلى ذلك عامل مهم في خلفية المشهد العسكري، هو أن خريطة التموضع الروسي في سورية وليبيا، على مسافة عدة آلاف من الكيلومترات، تجعلها رقمًا مضافًا إلى قائمة المحتشدين، وكأنها موجودة بالفعل.

والراغبون في تجنّب الحرب هم الأقرب بحسابات الجغرافيا، وبالتالي فإن الساحة المكتظّة بالثارات وأشباح التاريخ، وفي القلب منها ذكريات الصراع الحضاري، برميل بارود حقيقي، لا يكفي للشعور بالأمن مع وجوده أن تكون لدى جيرانه رغبة حقيقية في “تجنّب الحرب”. وفي حقيقة الأمر، فإن الصراع على الثروات الطبيعية، وعلى أسواقها، وعلى خطوط نقلها، جزء من كلٍّ أكبر، هو الصراع على نموذج الاجتماع السياسي السائد على شواطئه، فقد كان البحر الأبيض المتوسط، حتى اكتشاف ما سمّي “العالم الجديد”، يمثل قلب العالم القديم بلا منازع. ومع حفر “قناة السويس”، ثم في مرحلة تالية ظهور نفط الخليج، بقي جزءًا من خريطة العالم، ربما، لا نظير لها في الأهمية.

لقد اختار مؤرّخ غربي بارز (جون جوليوس نورويش) عنوانًا معبرًا عندما خصص كتابًا لتاريخ هذا البحر: “الأبيض المتوسط، تاريخ بحر ليس كمثله بحر”. واليوم يعود هذا البحر الذي شهد ما لم يشهده من الصراعات المتلاحقة، تحلق في سماء ركنه الشرقي نذر مواجهة، لا يعلم إلا الله كيف تنطوي صفحتها ومتى. وعلى مدى قرون متعاقبة، كان صعود حضارة، أو أفول أخرى، في العالم القديم، يستتبعه بالضرورة نشوء “نظام أمني” في هذا البحر ذي الأهمية الاستثنائية. وبين الانفراد بالسيطرة عليه أو التشارك فيها، كانت الحرب جزءًا لا يستهان به من تاريخه. والتباين بين الأنساق الحاكمة بين شماله وجنوبه لعب أدوارًا في الصراع العسكري للسيطرة عليه. وهذا التباين، وإن بدا أصغر جحمًا من صراعات المصالح، إلا أنه في حقيقة الأمر محرّك رئيس للصراع المحتمل.

وغير بعيدٍ من خط المواجهة التاريخي أثينا/ أنقرة، يقبع خط مواجهة آخر في البلقان، كاد أن يتسبّب في مواجهة كبيرة خزّان ذكرياتها مليء بالأشباح المخيفة. وعلى عكس ما حدث في تجربة صراع البلقان، فإن أميركا، قرب نهاية تسعينيات القرن الماضي، قرّرت التدخل عسكريًا في البلقان لتُنهي بذلك ملهاة “التردّد الأوروبي”. لكن أوروبا اليوم أضعف وأكثر تشوشًا وتردّدًا، بينما لدى أميركا تعقيداتٌ كثيرةٌ في علاقاتها بأطراف الأزمة وجوارها، وهي بالتالي ترسل إشاراتٍ متضاربةً إلى أطراف المواجهة (المباشرين وغير المباشرين)، وكأنها تعيد إنتاج “سياسة تجنّب الحرب”، بكل خيباتها. وتلك، في تقديري، أحد أخطر ملامح هذه الأزمة.

العربي الجديد

——————————-

4 مشاهد في الصراع حول المتوسط

تتصارع 4 جهات على النفط والحدود البحرية في شرق البحر الأبيض المتوسط

في هذا العرض الشارح نُفكِّك خرائط المتوسط معاً، ونفهم ماذا يدور في جبهات الصراع هناك

——————————————-

روسيا وكيل سورية في غاز المتوسط/ بشير البكر

باتت روسيا الممثل الفعلي للمصالح السورية النفطية والغازية في شرق المتوسط، ودخلت موسكو اليوم بقوة إلى ميدان النزاع المفتوح حول الثروات في هذه المنطقة، والذي يشكّل التوتر اليوناني التركي عنوانه العريض. وفي ختام زيارة الوفد الروسي رفيع المستوى إلى دمشق يوم الإثنين الماضي، تم الإعلان عن توقيع 40 اتفاقية، حسب رئيس الوفد نائب رئيس مجلس الوزراء الروسي، يوري بوريسوف، تشمل “إعادة بناء البنية التحية لقطاع الطاقة، بعد أن تم التوقيع على عقد عمل لشركة روسية للتنقيب واستخراج النفط والغاز قبالة الشواطئ السورية”.

وتدل تركيبة الوفد الروسي الذي ضم إلى بوريسوف وزير الخارجية سيرغي لافروف ومساعده ميخائيل بوغدانوف وخبراء اقتصاديين وأمنيين، على خصوصية هذه الزيارة بالنسبة لروسيا، والتي أعطت للشأن الاقتصادي أهمية خاصة. وبموجب الاتفاقية، صار في وسع روسيا أن تدفع بسفنها للتنقيب في السواحل السورية، الأمر الذي يعيد خلط الأوراق في منطقةٍ يرتفع فيها منسوب التوتر كلما نقترب من استغلال الثروات الغازية المقدّرة بـ 122 تريليون قدم مكعبة من الغاز الطبيعي. ومعروفٌ هنا أن سورية بقيت خارج كل الحسابات والشراكات القائمة في المنطقة حتى الآن، وهي ليست عضوا في “منتدى غاز شرق المتوسط” الذي تم تأسيسه في القاهرة في يناير/ كانون الثاني من العام المنصرم، والذي يعدّ أحد أهم أشكال التحالفات حتى اللحظة، وهو يضم إسرائيل ومصر والأردن واليونان وقبرص وإيطاليا والمناطق الفلسطينية، فيما تم إقصاء سورية ولبنان وتركيا من المعادلة. وسعت تركيا إلى تحدّي هذا الوضع، وعملت على عقد اتفاق مع ليبيا في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، قوبل برفض يوناني وقبرصي ومصري، وأثار توترا كبيرا في المنطقة. وتحرّكت تركيا منذ حوالي شهرين من أجل إسماع كلمتها والحصول على حقوقها وحصتها من غاز المتوسط، وبدأت عمليات المسح الزلزالي بالقرب من الشواطئ في الشطر القبرصي التركي، الأمر الذي استدعى أزمةً دوليةً كبرى بين أنقرة وأثينا، ومن ورائها فرنسا وإسرائيل ومصر.

والجديد في الأمر اليوم هو الدخول الروسي على الخط، والذي جاء بعد زيارة الوفد الروسي إلى دمشق. وعلى الرغم من أن الروس اعلنوا عن توقيع 40 اتفاقية مع دمشق، فإن الاتفاقية التي تعتبر موضوع الزيارة وذات القيمة الفعلية هي اتفاقية الغاز والنفط، وهي تتيح لروسيا التنقيب عن الغاز والنفط في المياه الإقليمية السورية، وهذا يضع سورية في قلب المعادلة من جهة، ومن جهةٍ ثانيةٍ يمكنه أن يعوّض روسيا عن الاستثمار الكبير الذي وظفته في سورية من أجل الحفاظ على النظام السوري. ومن شأن دخول روسيا على خط المعادلة الحالية، المتمثلة في منتدى غاز المتوسط، أن يخلق واقعا جديدا، ويشكّل تعزيزا لموقف تركيا التي عملت أطراف المنتدى على إقصائها وعزلها، وهذا سوف يقود إلى اتفاقيةٍ جديدةٍ من أجل استثمار ثروات شرق المتوسط على أسس واضحة، وفق القانون الدولي الخاص باستغلال الثروات البحرية المشتركة بين دول منطقة حوض المتوسط.

وعلى المقلب الآخر، يبدو من زيارات المسؤولين الروس والإيرانيين المكوكية إلى دمشق أن موسم تسديد فواتير تدخل الدولتين إلى جانب الرئيس السوري قد بدأ بقوة، وهناك معارك ضارية تدور في الكواليس بين موسكو وطهران من حول الثروات ومناطق الاستثمار البحرية والبرية. وتفصح المعلومات التي تم نشرها بعد زيارة الوفد الروسي دمشق عن جانبٍ من مخططات روسيا لاستعادة المبالغ التي صرفتها في سورية عشر سنوات، ولكنها تكشف عن تصميم روسيا على الاستئثار بالثروات والموانئ وقطع طريق إيران إلى مياه المتوسط.

العربي الجديد

—————————-

شرق المتوسط: الحرب مستبعدة و«الاشتباك» ممكن/ عريب الرنتاوي

شرق المتوسط يغلي وإن كانت الحرب الشاملة بين عضوي «الناتو» ممنوعة فليس بمقدور أحد منع اندلاع احتكاكات بالخطأ والصدفة أو الترصد.

تعرف أثينا أن ميزان القوى يميل لتركيا ويتعذر الركون لموقف أوروبي صلب خلفها فباستثناء فرنسا لا يبدو أن دول أوروبا الوازنة مستعدة لمجاراة اليونان.

واشنطن أنهت توا تدريبات ومناورات بحرية مشتركة مع الطرفين باعثة برسالة مفادها أنها «غير منحازة» لأي من الفريقين، وأمين عام الناتو فضل دور الوسيط.

خصوم ألداء لتركيا ينتظرون سماع «صرخة» تصدر عن أنقرة وأصدقاء تركيا (ليسوا أعداء لليونان بالضرورة) يريدون للصرخة أن تصدر عن أثينا أولا!

*     *     *

لا أحد من طرفي النزاع شرق المتوسطي، يرغب في الانزلاق إلى مواجهة شاملة…تركيا تدفع المواجهة إلى «حافة الهاوية»، جرياً على عادتها خلال السنوات العشر الأخيرة، بيد أنها تحرص على تفادي الانزلاق من حافة الهاوية إلى قعرها، وكلما اقتربت لحظة الصدام مع خصومها، يخرج قادتها بتصريحات تعظم الحوار والدبلوماسية، وتدعو لتجنب أسوأ السيناريوهات.

اليونان في المقابل، متسلحة بنصوص «معاهدة لوزان»، وعضوية «الناتو» والاتحاد الأوروبي، صعدت إلى شجرة عالية، ودخلت في مرحلة «الشروط المسبقة»: لا مفاوضات مع تركيا قبل أن تسحب قطعها البحرية الحربية من الجرف القاري، وقبل أن توقف سفن التنقيب عن النفط، عملياتها في المنطقة.

بيد أن أثينا، تعرف أن ميزان القوى يميل لصالح تركيا، وأن الركون إلى موقف أوروبي، صلب وموحد خلفها، يبدو أمراً متعذراً، إذ باستثناء فرنسا، لا يبدو أن أياً من الدول الأوروبية الوازنة، مستعدة لمجاراة اليونان في مسعاها.

المواجهة الشاملة بين دولتين عضوتين في «الناتو» تبدو متعذرة، وغير مسموح باندلاعها، لا الأطراف المعنية تريدها ولا المجتمع الدولي كذلك، ولهذا رأينا الجهود والوساطات تتكثف لحل الخلاف دبلوماسياً.

واشنطن التي أنهت للتو، تدريبات ومناورات بحرية مشتركة مع الطرفين، كل على حدة، كانت تبعث برسالة مفادها أنها «غير منحازة» لأي من الفريقين، والأمين العام للأطلسي، فضل دور الوسيط، وساعي البريد بين الجانبين.

وروسيا التي ترتبط باليونان برباط «أرثوذكسي» وثيق، تحتفظ بعلاقات ومصالح متشابكة مع تركيا، ضاربة صفحا عن حكاية «آيا صوفيا»، وهي تعرض دور الوسيط النزيه…

ألمانيا قبل هؤلاء جميعاً، تتحرك من موقع رئاستها للاتحاد الأوروبي، بوصفها «داعية سلام» بين الأطراف…فيما يبدو أنه سباق محموم بين «دبلوماسية البوارج الحربية وسفن التنقيب عن الكربون» من جهة، والدبلوماسية بقنواتها المزدحمة بكل ألوان الوسطاء والسعاة من جهة ثانية.

حرب التصريحات والتهديدات المتبادلة بين جارين خصمين، تاريخياً، ذاكرتيهما مزدحمتان بصور المعارك والحروب، وأرشيفيهما طافحان بالسرديات عن الأطماع المتبادلة، لا تجعل مهمة الوسطاء سهلة.

بل وتُبقي منطقة شرق المتوسط برمتها، تغلي فوق صفيح ساخن…وإذا كانت الحرب الشاملة بين عضوين في «الناتو» ممنوعة، فإن أحداً لن يكون بمقدوره الحيلولة دون اندلاع احتكاكات ومناوشات، بالخطأ والصدفة، أو عن سبق الإصرار والترصد.

ونذهب أبعد من ذلك للقول، بأن «اشتباكاً محدوداً»، و»تحت السيطرة»، يمكن أن يكون مطلوباً لتهيئة شروط انعقاد مائدة مفاوضات جدية بين الجانبين، وتوفير سلالم لقادتهما للنزول عن قمم الأشجار التي صعدوا إليها مؤخراً…مثل هذا السيناريو، لا يجوز استبعاده، بل نميل لترجيحه، حتى وإن عظمت كلفه.

يذكرنا هذا الوضع، بما حصل على مسار العلاقات بين الكرملين و«القصر الأبيض» بعد إسقاط تركيا طائرة حربية روسية، كما يذكرنا بالمناوشات بين الجيشين السوري والتركي، والتي جعلت التوصل إلى تفاهمات سوتشي حول إدلب أمراً ممكناً.

ونستذكر «الخط الأحمر» المصري حول سرت والجفرا، حيث تقف قوات البلدين، مصر وتركيا، أو المحسوبة عليهما، على أهبة الاستعداد على جانبي خطوط التماس، على أمل بلورة تفاهمات حول الحل السياسي لليبيا.

الوضع بين تركيا واليونان في شرق المتوسط، ليس بعيداً عن هذه «الديناميات»، وثمة أطراف إقليمية ودولية، تنتظر بفارغ الصبر، معرفة النتائج التي ستؤول إليها لعبة «عض الأصابع» بينهما، فثمة خصوم ألداء لتركيا، ينتظرون بفارغ الصبر، سماع «الصرخة الأولى» تصدر عن أنقرة، وثمة أصدقاء لتركيا (ليسوا أعداء لليونان بالضرورة، إذ ليس لهذا البلد عداوات في المنطقة)، يريدون لهذه الصرخة أن تصدر عن أثينا أولاً…وإن غداً لناظره قريب.

* عريب الرنتاوي كاتب صحفي اردني

المصدر | الدستور الأردنية

————————-

توتر شرق المتوسط.. خريطة تعقيدات وتداخلات الحدود البحرية لدول المنطقة

تعد الحدود البحرية من أكثر الملفات تعقيدا في العلاقات بين دول شرق البحر الأبيض المتوسط، ولا سيما بين تركيا واليونان اللتين تتوالى الأخبار والتقارير عن تصاعد التوتر بينهما في الأشهر الأخيرة وتبادل الاتهامات فيما بينهما، في ظل دخول العديد من الأطراف في هذا الصراع.

وقد يصعب على المتابع رسم خريطة لتعقيدات ملف الحدود البحرية في شرق المتوسط، وفي بحر إيجة الفاصل بين اليونان وتركيا. ومن أجل المساعدة على الفهم، ينشر موقع الجزيرة نت خريطة (اضغط هنا للتكبير) أنجزتها مجلة ذي إيكونوميست (The Economist) البريطانية، ونشرتها ضمن تقرير لها بعنوان “الخلاف بين تركيا واليونان يذكي التوتر في شرق البحر المتوسط”.

ومن أجل فهم أحسن للخريطة من الضروري تعريف بعض المصطلحات الأساسية:

المنطقة الاقتصادية الخالصة

تمتد المنطقة الاقتصادية الخالصة إلى 200 ميل بحري (370 كيلومترا) بحسب قانون البحار 1982، وهو اتفاقية دولية، حيث بإمكان الدول الملاصقة لها ممارسة بعض الاختصاصات، لكن من دون التأثير على الوضع القانوني لتلك المنطقة، على اعتبار أن المنطقة الاقتصادية الخالصة لا تخضع لسيادة الدولة الساحلية.

وبإمكان الدولة المشاطئة إقامة جزر صناعية ومنشآت، إلى جانب الاستفادة من خيرات تلك المياه، لكن بشرط أن تعلن عن مشاريعها للدول الأخرى، وتسمح لها بممارسة حق الاستغلال في الصيد والبحث العلمي وحفظ الموارد الحية.

الجرف القاري

هو الامتداد الطبيعي لليابسة داخل البحار والمحيطات، وهو بالنسبة لأي دولة ساحلية قاع وباطن أرض المساحات المغمورة التي تمتد إلى ما وراء البحر الإقليمي. وللدولة الساحلية حقوق سيادية على جرفها القاري وتستفيد من موارده الطبيعية غير الحية كالنفط والغاز والمعادن.

وتقول المادة 76 من قانون البحار لعام 1982: “يشمل الجرف القاري لأي دولة ساحلية قاع وباطن أرض المساحات المغمورة التي تمتد إلى ما وراء بحرها الإقليمي (المياه الإقليمية) في جميع أنحاء الامتداد الطبيعي لإقليم تلك الدولة البري حتى الطرف الخارجي للحافة القارية، أو إلى مسافة 200 ميل بحري من خطوط الأساس التي يقاس منها عرض البحر الإقليمي إذا لم يكن الطرف الخارجي للحافة القارية يمتد إلى تلك المسافة”.

وإذا كانت الحافة القارية للدولة الساحلية تمتد إلى أبعد من 200 ميل بحري، تحدد المعاهدة مسافة الجرف القاري في هذه الحالة في 350 ميلا (648 كيلومترا).

المياه الإقليمية

حسمتها اتفاقية جامايكا لعام 1982 بتوضيح جاء فيه أن “لكل دولة الحق في أن تحدد عرض بحرها الإقليمي بمسافة لا تتجاوز 12 ميلا بحريا (22 كيلومترا) بدءا من خطوط الأساس المقررة وفقا لأحكام هذه الاتفاقية”.

إذ إن من حق كل دولة ممارسة سيادتها على مجالها الإقليمي البحري، ابتداء من الأعمال الشرطية، وتحديد المراسم البحرية التي يجب على السفن البحرية اتباعها، وتنظيم الملاحة والتجارة داخلها.

وتمتد السيادة إلى قاع البحر، حيث بإمكان الدولة الاستفادة مما يضمه قاع البحر واستغلاله. ونصت اتفاقية 1982 على أن سيادة الدولة تمتد إلى “النطاق الجوي الذي يعلو البحر الإقليمي وكذا قاع هذا البحر وما تحته من طبقات”.

———————–

التوتر شرق المتوسط.. اليونان تحتج لدى مجلس الأمن وتشترط للتفاوض مع تركيا

أرسل رئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس رسالتين متطابقتين إلى مجلس الأمن الدولي والأمين العام للأمم المتحدة، للاحتجاج على ما وصفه بأنه تصعيد تركي ضد بلاده، في الوقت الذي أعلنت فيه أنقرة أن أثينا رفضت التفاوض بشأن أزمة شرق المتوسط، ولم تستجب لأي مبادرة في هذا الشأن.

واشترط ميتسوتاكيس وقف ما وصفها بالأعمال الاستفزازية التركية من أجل الحوار، وقال إن بلاده لا تزال ملتزمة بمبادئ التسوية السلمية للنزاعات، وإنها مستعدة لاستئناف حوارها مع تركيا من النقطة التي توقفت عندها في مارس/آذار 2016.

وقال إن ذلك يتطلب أن تكون تركيا على استعداد لوقف أي نشاط غير قانوني في شرق المتوسط، والامتناع عن التصريحات التحريضية والأعمال الاستفزازية التي تقف في طريق حوار هادف.

وأوضح رئيس الوزراء اليوناني -في رسالتيه- أن تركيا تمارس تصعيدا كبير للأعمال والخطابات العدوانية منذ 21 يوليو/تموز الماضي، مؤكدا أنها تشكل تهديدا غير مسبوق لسيادة اليونان وحقوقها، فضلا عن السلام والاستقرار في المنطقة الأوسع.

رئيس الوزراء اليوناني اعتبر أن تركيا تواصل أعمالها الاستفزازية في شرق المتوسط (رويترز)

أثينا لم تستجب لدعوات الحوار

في المقابل، أعلنت تركيا اليوم أن اليونان رفضت التفاوض بشأن أزمة شرق المتوسط، وقال وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو إن بلاده أبدت استعدادها للحوار، إلا أن اليونان لم تستجب لأي مبادرة في هذا الشأن.

وفي مؤتمر صحفي مشترك بأنقرة مع وزير خارجية جمهورية الكونغو، أوضح جاويش أوغلو أن أثينا وافقت بداية على المبادرة التي قدمها حلف شمال الأطلسي (ناتو) لعقد اجتماع بين القيادات العسكرية في البلدين، لكنها رفضتها بعد ذلك.

وأكد أنه لا يوجد إجماع أوروبي على تأييد سلوك اليونان في شرق المتوسط، مشيرا إلى أن المناورات التي تجريها بلاده تنفذ في إطار قوانين الناتو.

دوجاريك أكد أن الأمم المتحدة تتابع التطورات عن كثب في شرق المتوسط (رويترز)

متابعة أممية للتطورات

وفي السياق، قالت الأمم المتحدة إنها تتابع عن كثب التطورات شرق المتوسط، مشيرة إلى أن أمينها العام أنطونيو غوتيريش أجرى اتصالات مع السلطات التركية واليونانية، وتم تأكيد الحاجة إلى تسوية الخلافات بين البلدين عبر الحوار.

وقال ستيفان دوجاريك المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة -في مؤتمر صحفي- إن المنظمة الدولية “تظل قلقة للغاية بشأن استمرار التوتر بين البلدين، حيث أكدنا الحاجة إلى تسوية الخلافات عبر الحوار”.

من جهته، دعا الاتحاد الأوروبي إلى وقف ما أسماها الاستفزازات والأعمال الأحادية في شرق المتوسط.

وفي السياق، أعلن وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف أن بلاده على استعداد لتسهيل إقامة حوار بين قبرص وتركيا، للبحث عن حلول عادلة وفق القانون الدولي.

وفي وقت سابق، أعلن حلف شمال الأطلسي (ناتو) -الذي يضم تركيا واليونان في عضويته- أن محادثات تقنية ستبدأ لتجنب وقوع حوادث بين أسطولي البلدين في شرق المتوسط، لكن أثينا قالت إنها لم توافق على المحادثات، واتهمت أنقرة اليونان برفض الحوار.

———————————–

شرق المتوسط.. بومبيو يزور قبرص لإنهاء التوتر وتركيا تحذر اليونان من التحرش بسفينة التنقيب

أعلن وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو أنه سيزور قبرص غدا السبت سعيا للتوصل إلى حل سلمي ينهي التوتر المتزايد في منطقة شرق المتوسط.

في الأثناء، تواصل تركيا إجراء مناورات عسكرية مع القوات القبرصية التركية، في حين أكد وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو ترحيب بلاده بالحوار غير المشروط.

وأفاد بومبيو أمس الخميس بأن زيارته لقبرص تأتي استكمالا لاتصالات أجراها الرئيس الأميركي دونالد ترامب مع نظيره التركي رجب طيب أردوغان ورئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس.

ومن المقرر أن يحل الوزير الأميركي بجزيرة قبرص بعد زيارته للعاصمة القطرية الدوحة غدا حيث يشارك في تدشين محادثات السلام الأفغانية.

وقال بومبيو للصحفيين المرافقين له في طائرته إنه “يجب حل (النزاع شرقي المتوسط) بطريقة دبلوماسية وسلمية”. وأضاف “لذلك سأعمل على هذا الأمر، في محاولة للتأكد من أنني أفهم الأخطار المرتبطة به من وجهة نظر القبارصة”، مشيرا إلى دور ألمانيا في السعي لخفض التوتر.

من جهتها، تقوم فرنسا بدور أساسي في النزاع البحري، إذ تدعم بشدة اليونان وقبرص ضد تركيا.

وقال بومبيو “نأمل أن يكون هناك حوار حقيقي، وأن يتم سحب العتاد العسكري ليكون من الممكن عقد هذه المحادثات”.

ونشرت تركيا -التي تبحث عن احتياطات الغاز والنفط في مياه تدعي اليونان أحقيتها بها- سفينة استكشافية الشهر الماضي مدعومة بفرقاطات عسكرية، وردّت اليونان بإجراء تدريبات عسكرية بحرية، كما أرسلت فرنسا طائرتين وسفينتين عسكرية دعما لليونان في مواجهة تركيا.

جاويش أوغلو: إذا أصرت اليونان على شروط مسبقة فإن تركيا ستضع شروطها أيضا (الأناضول)

وتأتي زيارة بومبيو بعد وقت قصير من رفع الولايات المتحدة حظر السلاح المفروض منذ عقود على قبرص، مما أثار حفيظة تركيا.

وكان الحظر الأميركي يهدف لجلب الاستقرار إلى الجزيرة المقسومة، لكن منتقديه أشاروا إلى أن تأثيره كان عكسيا ودفع قبرص إلى التعاون مع دول أخرى مثل روسيا.

استمرار المناورات

من جهة أخرى، نشرت وزارة الدفاع التركية صورا من مناورات “عاصفة المتوسط 2020” المشتركة التي تجريها مع “جمهورية شمال قبرص التركية”.

وأوضحت الوزارة في بيان أمس الخميس أن مناورات عاصفة المتوسط 2020 مستمرة بنجاح.

وانطلقت المناورات في 6 سبتمبر/أيلول الجاري شمال قبرص، وتهدف لتطوير التدريب المتبادل والتعاون بين قوات الجانبين.

    Kuzey Kıbrıs Türk Cumhuriyeti’nde birleşik, müşterek ve fiili olarak icra edilen Şehit Yüzbaşı Cengiz Topel Akdeniz Fırtınası-2020 Tatbikatı başarıyla devam ediyor.#MSB #TSK pic.twitter.com/Fmmc1HETBk

    — T.C. Millî Savunma Bakanlığı (@tcsavunma) September 10, 2020

    Kuzey Kıbrıs Türk Cumhuriyeti’nde icra edilen Şehit Yüzbaşı Cengiz Topel Akdeniz Fırtınası-2020 Tatbikatı; SAT-SAS harekâtları ile devam ediyor.https://t.co/11lmfU8jCH#MSB #TSK pic.twitter.com/EXextRmR38

    — T.C. Millî Savunma Bakanlığı (@tcsavunma) September 10, 2020

وكان وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو انتقد أمس الخميس موقف الاتحاد الأوروبي بشأن التطورات شرقي البحر المتوسط، ووصفه بأنه “غير عادل ولا يتوافق مع القانون الدولي”.

ولفت جاويش أوغلو -في كلمته أمام اجتماع لجنة العلاقات الخارجية في البرلمان الأوروبي عبر الفيديو- إلى أن التوتر الحالي في شرق المتوسط نابع من “انتهاك اليونان وقبرص حقوق تركيا والقبارصة الأتراك عبر سلوكهم أحادي الجانب” حسب تعبيره.

وأشار إلى أن أنقرة منحت الفرصة للدبلوماسية عبر الوساطة الألمانية، إلا أن الإدارة اليونانية قوضت هذه العملية بتوقيعها اتفاقا مع مصر.

وأكد أن بلاده مستعدة للحوار دون شروط مسبقة، وأنه في حال أصرت اليونان على شروط مسبقة فإن تركيا ستضع شروطها أيضا.

وشدد على أن السفن الحربية المرافقة لسفينة التنقيب التركية “عروج ريس” تلقت تعليمات قطعية من الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بحمايتها، وأن مهمتها تتمثل بإيقاف السفن اليونانية في حال تحرشت بها، داعيا اليونان إلى تجنب مثل هذه المحاولات.

وكان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حث أوروبا أمس على إظهار موقف موحد وحازم تجاه السلوك “غير المقبول” لتركيا في شرق المتوسط.

وقال ماكرون -خلال قمة دول الجنوب الأوروبي في كورسيكا- إن تركيا لم تعد شريكة في شرق المتوسط، وهددها بعقوبات إذا لم توقف سياسة “المواجهة” حسب تعبيره.

بالمقابل، ردت وزارة الخارجية التركية على تصريحات ماكرون، واصفة إياها بالوقحة، وأنها تنم عن “فكر استعماري قديم”.

—————————

كعكة شرقي المتوسط/ يامن صابور

جملة من الأسباب جعلت من مرفأ بيروت، ما قبل انفجار مستودع نترات الأمونيوم، بديلاً لمرفأ اللاذقية، وصارت تدخل عبره كثيراً من شحنات المساعدات الأممية. فيما تعدّ مشاركة مرفأ بيروت في عملية إعادة الإعمار في سوريا، كنافذةٍ لاستيراد مواد البناء الأولية والمعدات، من أهمّ الأدوار المأمول أن يلعبها المرفأ في السنوات القادمة.

إذا كان عصف انفجار مرفأ بيروت سُمع في جميع أرجاء لبنان وتردّد صداه حتى وصل جزيرة قبرص، فإن آثاره اللاحقة لن تقف أيضاً عند حدود لبنان، بل ستكون تفصيلاً آخر في مفاقمة المنافسة القائمة منذ سنواتٍ بين مرافئ الإقليم. يعدّ ساحل شرق المتوسط واحداً من أنشط مراكز الشحن البحري، وتتقاسم بضعة مرافئ مقامة عليه عمليات الشحن تلك مع ما يرافقها من خدمات، فيما يسعى كلٌّ منها إلى انتزاع حصةٍ سوقيةٍ أكبر. تتموضع هذه المرافئ في بيروت، لبنان؛ واللاذقية، سوريا؛ ومرسين، تركيا؛ وحيفا في فلسطين المحتلّة حيث تجهد “إسرائيل” لإزالة كلّ عقبات السياسة والحدود المقفلة في وجهها من أجل تحويل مرفأيّ حيفا وأشدود، ثاني أكبر مرافئها، إلى مراكز شحنٍ إقليمية. وعند الحديث عن بدائل مرفأ بيروت، إن كان هذا بسبب الانفجار الحالي أو لأي سببٍ آخر، جرى تداول أسماء هذه المرافئ من دون التدقيق كثيراً في النواحي التقنية والجغرافية والسياسية في أغلب الحالات.

كيف يعمل المرفأ

مع نموّ حركة التجارة المعولمة وتشابكها مع الكثير من الوقائع السياسية والاقتصادية، لم يعد المرفأ مجرد منفذٍ بحريٍ تتحرك عبره البضائع ويخدم المجتمعات المدينية القريبة منه فقط. بل أصبح جزءاً من سلسلةٍ لوجستيةٍ متكاملةٍ تربط مراكز تصنيعٍ وتجميعٍ مع بعضها، فيما تحوّل المرفأ نفسه، في العديد من البلدان، إلى مركز تحويلٍ وتجميعٍ وتوزيعٍ إقليمي ومحلي. تتناول المرافئ عادةً ما يدخلها من مواد، تصديراً أو استيراداً، في محطتيّ بضائع رئيسيتين. أوّلهما محطة البضائع التقليدية (conventional cargo terminal) التي تتخصص بالبضائع الفرط (“دُكما” bulk). يأتي في مقدمة هذه البضائع القمح والحبوب، ومواد البناء من حديدٍ وخشبٍ وإسمنتٍ والمواد السائلة، وإلى ما هنالك من بضائع تشحن في عنابر السفن ولا توضع في حاويات. وغالباً، تخدّم هذه المحطّة في الشرق الأوسط الأسواق المحلية. يوجد مقصد البضائع الآخر في المرفأ في محطة الحاويات (container terminal) التي تتعامل مع كلّ أنواع المواد التي تشحن داخل المستوعبات الفولاذية بما فيها المواد الغذائية أو الطبية التي تحتاج إلى حاوياتٍ خاصةٍ مبردة. وهنالك حصةٌ كبيرة من نشاط المحطات مخصصة لحاويات الترانزيت (transit) والمسافنة (transhipment).

تحوي جميع المرافئ الرئيسية على الساحل الشرقيّ للمتوسط المحطتين، وإن كانت تلك المحطات باستطاعاتٍ وإنتاجياتٍ مختلفة. وعلى الرغم من أهميّة المواد التي تتناولها محطة البضائع التقليدية، إلّا أنها تأتي في الدرجة الثانية تجارياً واستراتيجياً بعد محطة الحاويات مع ازدياد حصة تحويّة البضائع (containerisation) من إجمالي حجم الشحن البحري العالمي باطّرادٍ منذ ثمانينيات القرن الماضي. يساعد الشحن بالحاويات أيضاً على زيادة دخل المرفأ من خلال تسهيل عمليات الترانزيت بنقل حاويات البضائع براً عبر الحدود إلى الدول المجاورة، وعمليات المسافنة حيث تفرّغ الناقلات الضخمة الحاويات في مرفأ التجميع، ثمّ يعاد شحنها على ظهر سفينةٍ أصغر (feeder) إلى مرافئ إقليميةٍ أخرى.

بهذا باتت المرافئ تلعب أيضاً دوراً اقتصادياً تنموياً يجبرها على دوام تجديد البنى التحتية والفوقية، وتطوير الخدمات، وابتكار الحلول. تؤسّس عمليات التطوير هذه لتثبيت الزبائن الحاليين، وجذب الزبائن المحتملين، مما يعزّز من تنافسيّة المرفأ التي بدورها تعتمد قبل أيّ عاملٍ آخر على الاستقرار السياسي للدولة صاحبة المرفأ، ودرجة الأمن والسلامة في المرفأ ذاته، وشبكة المواصلات التي تربطه بظهيره البريّ (hinterland)، بالإضافة إلى علاقات الدولة الجيّدة مع جيرانها وانفتاح حدودها عليهم. ومن هذه الزوايا، يمكن بسهولة اليوم أن يخرج كل من مرفأي اللاذقية، بشكلٍ رئيسٍ، وبيروت، إلى حدٍ ما، من المنافسة وتتقلّص حصصهما السوقية.

من اللاذقية إلى بيروت

من منظار تحسين التنافسية والتواجد على خريطة الشحن الإقليمية، لجأت جميع مرافئ الإقليم إلى درجاتٍ متعددةٍ من أنماط الخصخصة. على سبيل المثال، بعد عددٍ من المشاريع الاستشارية بالتعاون مع “برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP)” و”الهيئة اليابانية للتعاون الدولي (JICA)”، قامت “الشركة العامة لمرفأ اللاذقيّة” باعتماد نموذج “المالك غير المشغل (landlord type management)” في محطة الحاويات، فيما أخذت تركّز جهدها على ترقية تشغيل محطة البضائع التقليدية. وبعد إطلاقها دعوةً عالمية لاستقدام العروض واختيار العرض الفني والمالي الأفضل، وقّعت الشركة عقد إدارة وتشغيل محطة الحاويات مع ائتلافٍ ضم الشركة الفرنسيّة “CMA-CGM”، رابع أكبر شركات الشحن البحري في العالم، وشركة “سوريا القابضة”. أسس الائتلاف شركة “محطة حاويات اللاذقية الدولية (LICT)” التي بدأت عملها عام 2009. وفي حين استطاعت الشركة الجديدة الارتقاء بالعملية التشغيليّة إلى حدٍ ما عن طريق أتمتة بعض العمليات، وإدخال بعض البرمجيات والتدريب على أساليب العمل الجديدة، إلّا أن هذا لم ينعكس تطوراً هائلاً في العمل؛ وذلك جزئياً بسبب استطاعة المحطة المحدودة بالمساحة البريّة الضيقة، وعمق الحوض الضحل، وطول المراسي المتواضع. ولكن يكمن السبب الأساسيّ في قصور البنية التشريعية والجمركية في سوريا عن مواكبة التطور الحاصل في القطاع. فكما هي العادة، تقام مشاريع التطوير والتحديث في سوريا بالقطعة، بشكلٍ منفصل تماماً عما يتعلّق بها من جوانب تنظيمية وقانونية، وبافتقادٍ لخطةٍ متكاملةٍ تتناول القطاع المعني بطريقةٍ شاملة، وبالتأكيد، في ظلّ غيابٍ تامٍ لسياسة موارد بشرية وسيرورة عمل دقيقةٍ ومرنةٍ في الآن ذاته.

القبضة الحكومية الخانقة في سوريا تنعكس فوضى حكومية في مرفأ بيروت. تجلّت هذه الفوضى بشكلٍ فاضحٍ بعد انفجار 4 آب/أغسطس حين بدأ تراشق التهم ورمي المسؤولية بين مختلف الأطراف التي يفترض أن تعمل كجهاتٍ رقابيةٍ وتنظيميةٍ في المرفأ. وعلى عكس الشركات المرفئية السورية، أُحدثت إدارة مرفأ بيروت كامتيازٍ أجنبي منحته السلطنة العثمانية لشركةٍ خاصةٍ تولّت إنشاء المرفأ وتشغيله مروراً بإيام الانتداب الفرنسي ووصولاً إلى الاستقلال. تجدّد الامتياز عام 1960 لصالح “إدارة واستثمار مرفأ بيروت (Gestion et d’Exploitation du Port de Beyrouth)” التي أصبحت شركة لبنانية، وانتهى في العام 1990 حين آلت ملكيّة المرفأ إلى الحكومة اللبنانية التي شكّلت لجنةً مؤقتةً لإدارة المرفأ استمرّت لغاية اليوم. وفي العام 2005 حصل “ائتلاف محطة حاويات بيروت (Beirut Container Terminal Consortium)” الذي شكّلته ثلاث شركات لبنانية وبريطانية وأميركية على امتياز إدارة وتشغيل محطة الحاويات. وبعد حوالي أسبوعٍ من الانفجار الكارثي الذي ضرب المرفأ، أعلنت محطة الحاويات استئناف العمل بقدرةٍ تصل إلى 75 بالمئة من استطاعة المحطة، وذلك لعدم تأثر أرصفة المحطة ورافعاتها التي تبعد حوالي كيلومتر ونصف من “العنبر رقم 12” بالانفجار بشكلٍ حرج.

من الناحية التقنيّة، تتقلّص أفضليّة موقع مرفأ اللاذقية التنافسية لدى مقارنتها مع القدرة التشغيلية لمرفأ بيروت. ينفتح مرفأ اللاذقية على الإقليم، ويمتدّ ظهيره البري الواسع عبر الأردن ليصل إلى دول مجلس التعاون الخليجي. تساهم هنا الرسوم المرفئية المنخفضة نسبياً وشبكة الطرق الجيدة في إغراء أصحاب البضائع القادمة من شمال وغرب المتوسط لاعتماد اللاذقية نقطة تفريغٍ أوليٍّ لتجنّب رسوم قناة السويس ورسوم التناول المرتفعة لدى بعض المرافئ الخليجية، بالإضافة إلى الزمن الذي تستهلكه السفينة في عبورها باب المندب ودورانها حول شبه الجزيرة العربية. لطالما كان مرفأ اللاذقية أيضاً من أهم نقاط الترانزيت البريّ إلى العراق الذي لا يملك منفذاً بحرياً استراتيجياً سوى مينائي الفاو وأم قصر المحصورين بالحساسيات الجغرافية والسياسية، وخاصةً مع إنشاء الكويت لميناء مبارك الكبير من جهة، وتعطّل إنشاء ميناء الفاو الكبير من جهةٍ أخرى. ولكن، تحدّ من استطاعة مرفأ اللاذقية ومحطة الحاويات فيه ضحالة حوض المرسى الذي لا يتجاوز 12.5 متر ووجود أربعة روافع قنطرية لتناول الحاويات (gantry cranes) فقط. بينما تسمح الأعماق في محطة حاويات بيروت بدخول سفنٍ أكبر بغاطسٍ يصل إلى 16.5 مترٍ، ويصل طول أحدث أرصفة المحطة إلى 1,100 مترٍ مع وجود 16 رافعة قنطرية. هذه القدرات التقنية سمحت لمحطة حاويات بيروت العام الماضي بتناول حجم بضائع وصل إلى أكثر من مليون ومئتي ألف حاوية نمطية (1,229,081 TEU وحدة قياسية تعادل حاوية 20 قدم twenty-foot equivalent unit)، فيما لم يتجاوز حجم البضائع في محطة اللاذقية 340 ألف حاوية نمطية.

وعلى الرغم من مساهمة العقوبات المفروضة على سوريا والحرب الدائرة على أراضيها مع ما رافقه من انعدامٍ للأمن على طرقات النقل وفقدان الحكومة لسيطرتها على معظم المعابر الحدودية البرية في تقلّص الحركة المرفئية في اللاذقية، إلّا أنها ليست الأسباب الوحيدة. قدّرت دراسات UNDP استطاعة محطة الحاويات بمليون حاوية نمطية سنوياً، إلا أن ذلك مرهونٌ بتخفيض زمن مكوث الحاوية، ورفع كفاءة عمليتي التحميل والتفريغ من الناحية التشغيلية والجمركية، بالإضافة لاستقدام تجهيزاتٍ تصل قيمتها إلى حوالي 45 مليون دولار أميركي. وبالطبع يتطلّب زيادة الاستطاعة توسعاً في مساحة المحطة مما سيلتهم مزيداً من واجهة المدينة البحرية. في العام 2009، وضع خبراء JICA تصوراتٍ أوليةٍ لمشروع إنشاء مرفأ جديد كلياً في منطقةٍ بعيدةٍ عن المدينة تستوفي المساحات والأعماق المطلوبة لزيادة الإنتاجية. أُعدّت الخطط على أساس إمكانيّة تحقّقها إنشائياً وتشغيلياً في العام 2020، وعلى أساس توقعٍ مستقبلي لحجم بضائع سنوي يصل إلى حوالي مليوني حاوية نمطية وخمسة ملايين طن من البضائع الفرط. ولكن، فضّل بعض مسؤولي وزارة النقل المضيّ قدماً بخطط التوسّع المعتمدة للمرفأ الحالي مع ما تتسبب به من تعقيداتٍ وإشكالاتٍ للمدينة والبيئة ولتشغيل المرفأ ذاته.

جملة الأسباب السابقة جعلت من مرفأ بيروت، ما قبل انفجار مستودع نترات الأمونيوم، بديلاً لمرفأ اللاذقية، وصارت تدخل عبره كثيراً من شحنات المساعدات الأممية، بالإضافة إلى لجوء بعض التجار السوريين إليه من أجل استيراد بضائعهم أو تصديرها عبره. كما تعدّ مشاركة مرفأ بيروت في عملية إعادة الإعمار في سوريا، كنافذةٍ لاستيراد مواد البناء الأولية والمعدات، من أهمّ الأدوار المأمول أن يلعبها المرفأ في السنوات القادمة. ليس الانفجار وحده ما كشف هشاشة الوضع الأمني والعمليّ في مرفأ بيروت الذي يعد واحداً من أعمدة النظام الاقتصادي اللبناني المُستَنزَف بالفساد والمحاصصة والاستيراد المتفلّت. سرعان ما تضعضع ذلك النظام منذ اندلاع “انتفاضة 17 تشرين” وانهيار القطاع المصرفي التالي. وأتت “جائحة فيروس كورونا المستجد” مع ما رافقها من إغلاقٍ للحدود وتقليصٍ للعمل لتمهّد لضربة الانفجار القاضيّة التي دفعت السفن شمالاً وجنوباً بعيداً عن مرفأ بيروت.

مرسين شمالاً وحيفا جنوباً

على كتفيّ اللاذقية وبيروت، يقع مرفآن كبيران بإمكانهما مع ما يضعانه من خطط تطويرٍ وتوسّعٍ أن يخرجا باقي مرافئ الإقليم من المنافسة. أوّلهما مرفأ مرسين الذي يتناول، بحسب خبير اللوجستيات أونور أكارجا، نسبة 17 بالمئة من مجمل حركة البضائع في تركيّا، وذلك على عكس التركّز الذي يشهده مرفأ بيروت بنسبة 70 بالمئة من مجمل بضائع لبنان. سوى أن مرفأ مرسين يعدّ مرفأ الحاويات الأكبر في تركيا، وهو يشهد نمواً مطرداً في إنتاجيته منذ العام 2017 حين تسلق الترتيب ليصل إلى المرتبة الأولى عام 2018 متجاوزاً باقي مرافئ مرمرة والبوسفور، ومحققاً رقماً قياسياً تركياً في العام 2019 بتناوله 1.93 مليون حاوية نمطية بنسبة نموٍ سنويٍ وصلت إلى 12 بالمئة. بدأ تطور مرفأ مرسين منذ تخلّي “مؤسسة السكك الحديدية الحكومية (TCDD)” في العام 2007 عن إدارته لصالح “شركة مرفأ مرسين الدولي (Mersin International Port Inc)” التي تأسست عبر شراكة بين “بي إس إي إنترناشيونال (PSA International)” وآكفن القابضة (Akfen Holding)” بعقد خصخصةٍ للإدارة والتشغيل لمدة 36 عاماً. تتضاءل معطيات مرفئي اللاذقية وبيروت أمام أرقام مرفأ مرسين الذي يعرض لزبائنه أرصفةً بطول 3,370 مترٍ تعمل عليها 12 رافعة قنطرية سككية و38 رافعة قنطرية مدولبة وغاطسٍ يصل إلى عمق 15.8 مترٍ واستطاعة حاويات إجمالية تصل إلى 2.6 مليون حاوية نمطية سنوياً.

على المقلب الآخر، يقع مرفأ حيفا منفذ دمشق التقليدي إلى المتوسط والعالم ما قبل الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين. يعبر المرفأ أكثر من 50 بالمئة من مجمل حجم البضائع في فلسطين المحتلة، وتتناول محطات الحاويات الثلاث فيه ما إجماليه 1.46 مليون حاوية نمطية في العام. ومع انتهاءها من الأعمال الإنشائية والتطويرية لأحدث هذه المحطات المسماة “الكرمل” بأرصفتها ذات عمق 15.8 متر وثماني رافعاتٍ قنطرية جبارة (super post-Panamax gantry cranes) وطاقةٍ استيعابية لتخزين 25,000 حاوية في المحطة، بدأت “إسرائيل” منذ عام 2015 عمليات خصخصة وبيع حصص الشركات الحكومية المشغلة للمرافئ عبر دعوات دولية للاستثمار في هذه المرافق. وعلى الرغم من معارضة حامية أبدتها الولايات المتحدة، فازت الصين بالصفقة التي ستعود على “إسرائيل” بحوالي 500 مليون دولار أميركي بحسب توقعات بلومبرغ. كما أنه من المتوقع أن تضخّ “مجموعة مرافئ شنغهاي الدولية (Shanghai International Port Group)” التي فازت بعقد الإدارة والتشغيل بملايين الدولات على شكل استثماراتٍ في البنية التحتية والمعدات كي تطور أعمال مرفأ حيفا وخاصة في مجالات الترانزيت والمسافنة وتجعله واحداً من النقاط المركزيّة في “مبادرة النطاق والطريق (Belt and Road Initiative)”.

المصالح الاقتصاديّة أولاً

إذاً، عندما تعلّق الأمر بالاستثمارات والتطوير وتجاوز الانكماش والأزمة الاقتصادية، أتى المال قبل السياسة واتفاقيات الصداقة والتعاون، ولم تقف الاعتراضات الأميركية في وجه تطوير “إسرائيل” لعلاقاتها التجارية مع الصين، على الرغم من احتواء مرفأ حيفا مرسى مخصصاً لسفن الأسطول السادس الأميركي. والصين بدورها استثمرت ما يقارب 20 مليار دولار أميركي في “إسرائيل” في السنوات العشرة الماضية وخاصة في قطاعات البنى التحتية والتكنولوجيا والنقل مما رفع درجة الإنذار الأميركية التي تظهر جلية في آخر دراسات “مؤسسة راند Rand Corporation” حول الموضوع. أما “الفيتو” الصيني لصالح سوريا في اجتماعات مجلس الأمن الذي انعكس بهجةً لا مثيل لها في الأوساط السياسية والإعلامية السورية الموالية فهو لم ينعكس في الواقع على شكل استثمارات في سوريا، إذ أن الصين لم تبد حتى اليوم اهتماماً بالمرافئ السورية على عكس روسيا وإيران. قد ينطبق هذا الأمر على مرفأ بيروت أيضاً حيث لا يوجد حتى الآن أي مؤشراتٍ قويةٍ على اهتمام صيني خاص به.

ينتهي عقد إدارة وتشغيل محطة حاويات مرفأ بيروت نهاية هذا العام وكانت لجنة إدارة مرفأ بيروت قد طرحت دعوةً عالميةً لتقديم عروض الاستثمار. وبالرغم من محفّزات الاستثمار الذي يقدمها مرفأ بيروت من النواحي التجارية والجغرافية، إلّا أن الانفجار الأخير ألقى بظلاله على المشهد، وخاصةً مع استمرار الأزمة الاقتصاديّة في لبنان وانكماش الاقتصاد العالمي. تبدو شركة CMA-CGM حالياً أحد أكثر المشغّلين حظاً للحصول على العقد الجديد في حال قرّرت توسيع انخراطها في محطة حاويات بيروت. عربياً، يبرز على الدوام اسم شركة “موانئ دبي العالمية DP World” التي تعمل بحسب مازن سلهب، خبير الأسواق العالمية، “في أكثر من أربعين بلداً بدءاً من ميناء جبل علي، وهو الأكبر على صعيد المنطقة ومن أكبر عشر موانئ عالمياً في إدارة الحاويات، وتدير ثماني وسبعين محطةً من محطات الدعم اللوجستي والخدمات البحرية وموانئ المياه العميقة والمناطق الاقتصادية المرتبطة بها”. يجزم سلهب أن باستطاعة “موانئ دبي العالمية” بما تملك من خبراتٍ وقدراتٍ أن “تدير وتستثمر في مرفأ بيروت، وحتى أن تسهم في إعادة هيكلته، ولكن السؤال ليس هو هل بالإمكان، بل هل ترغب موانئ دبي العالمية أصلاً بموقع كهذا، من وجهة نظرٍ عملية ومالية وعائدٍ على استثمارها، آخذين بعين الاعتبار مستويات المخاطر الجيوسياسية وعدم الاستقرار السياسي في بلد تديره محاصصة طائفية! علماً أنها حققت 1.34 مليار دولار أميركي على شكل أرباح في عام 2019 ونمواً في العائدات وصل إلى 5.64 مليار دولار أميركي، في حين بلغ إجمالي إيرادات مرفأ بيروت 200 مليون دولار أميركي عام 2019”.

خاتمة: الفشل العربي المشترك

وفي حين قد تدفع وقائع كهذه جميعها دولاً أخرى إلى التعاون ومحاولة إيجاد الحلول، ما يزال العمل العربي المشترك أو حتى التعاون الإقليمي غائباً عن خططنا. يبدو واضحاً تكامل مرفأي بيروت واللاذقية، وهما يستطيعان، بالشراكة مع مرفأ العقبة في الأردن، تشكيل وحدةٍ اقتصادية تتقاسم حصةً كبيرةً من حجم الشحن البحري شرق المتوسط. على الرغم من طاقته الاستيعابية المحدودة، يشكّل مرفأ العقبة، وخاصة بعد تطوير محطة حاوياته على يد شركة “ميرسك Maersk”، الناقل البحري الأكبر في العالم، بوابة طرق الشحن القادم من شرق آسيا وأفريقيا. وأشارت عدة دراسات قامت بها “اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (ESCWA)” إلى تكامل سوريا ولبنان والأردن في إقليم نقلٍ واحدٍ بحيث تتقاسم هذه البلدان تجارة الترانزيت للبضائع القادمة إما من الغرب والشمال أو من الشرق والجنوب، مما يقلّل زمن نقل البضائع على ظهر السفن ويقتطع رسوم عبور قناة السويس، بالإضافة لخلق فرص العمل.

انفتاح “إسرائيل” الأخير على دول الخليج العربي واتفاقيات التطبيع الجارية سيشكّل مستقبلاً واحداً من أكبر التهديدات لقطاع النقل في الإقليم وخاصةً في حال تطوير علاقات المسافنة بين مرفأي مرسين وحيفا. تعمل “إسرائيل” اليوم على ترميم خط السكك الحديدية الواصل إلى الأردن وتطويره مما يؤهلها لاستخدامه في نقل البضائع عبر الحدود، وهنا قد تلعب خبرة الصين الكبيرة في مجال النقل السككي دوراً حاسماً. يؤكد سلهب من مركزه في دبي، على هذه الناحية إذ يقول إن “حدوث اتفاقٍ جديد مع أي دولةٍ عربيةٍ سيجعل من الموانئ الإسرائيلية أكثر مرونة ويفتح لها أسواقاً جديدة… وعندها قد يتأثر مرفأ بيروت سلباً لأن اللعبة ستكون عندها معتمدة على المنافسة بالسعر والنوعية وحجم العمليات التي لن يكون مرفأ بيروت قادراً عليها إلّا بعد إعادة إعماره كلياً”. وهكذا في ظلّ كلّ ما يجري من انهيارٍ اقتصادي وأمني وغيابٍ للتعاون بين الدول العربية شرق المتوسط على امتداده الجغرافي، ستبقى مرافئ هذه الدول في خانة المتنافسين على الفتات في وجه مرافئ الإقليم الأكبر والأكثر استقراراً وأمناً، وستشحّ فرص التنمية والتغيير فيها أكثر فأكثر.

كاتب ومترجم من سوريا. يبحث في القضايا السياسية والإعلامية في الشرق الأوسط. كتب في جريدة “السفير” بين عامي 2014 و2016 وله مقالات وترجمات منشورة في مواقع أخرى. حائز على درجة الماجستير في النقد باللغة الإنكليزية.

——————————————–

==================================

========================

تحديث 20 أيلول 2020

——————————-

الصراع حول الطاقة والنفوذ بين تركيا واليونان/ عمار ديوب

يبدو الصراع بين تركيا واليونان قابلاً للتحول إلى حربٍ، وكذلك التراجع إلى السلم. لدى الدولتين طموح إقليمي كبير؛ فتركيا تسعى إلى تغيير معادلات إقليمية سابقة، ومجحفة بحقها، بينما تحاول اليونان تثبيت القديمة منها. تتجذّر المشكلة هذه بتشكل محاور إقليمية خلف مواقف اليونان، بينما تجد تركيا نفسها شبه وحيدة، فتصارع لتشكيل محور داعم لها، وتتبنّى سياسات “هجومية” بما لا يتناقض مع السياسات الأميركية والروسية، وكذلك تحاول الاستفادة من السياسة الأميركية الرافضة اشتعال الحرب بين الدولتين، ورغبة الروس في الدخول على خط هذه الأزمة، من ناحية رفضهم الموقف الأميركي بعامة، وخلخلة حلف شمال الأطلسي، وتعميق الخلاف بين الدول الأوروبية، حيث تركيا موجودة في مؤسسات أوروبية متعدّدة. أيضاً، تقدّم روسيا نفسها وكأنّها جهة دولية وازنة وعادلة وقادرة على التأثير على كلٍ من اليونان من جهة، ولها علاقات تاريخية معها، وتركيا من جهة أخرى، وإيقاف التوتر الشديد بين الدولتين أخيراً. ولكن ما هي قضية الخلاف، وكيف تتفاعل، وأية آفاق ممكنة لها؟

أسباب الصراع

تصاعد التوتر، أخيراً، بعد أن عقدت كل من تركيا وليبيا اتفاقيتين، تخصان التعاون البحري والعسكري في 2019؛ وتتيح الاتفاقية البحرية لتركيا توسعة حدودها البحرية والتنقيب في ليبيا، وهذا دفع تركيا إلى “التعدّي” وتجاوز جزر يونانية كثيرة، وأكبرها كريت، وسواها.

يزيد الصراعَ تعقيداً أن تركيا لا تعترف بجمهورية قبرص، المُعترف بها عالمياً، وضمّت إليها جزءاً من قبرص “الشمالية” في 1974، عبر تدخلٍ عسكري، وتعتبر قبرص بأكملها جزيرة متنازعاً عليها، وليس لها حقوق بحرية خاصة بها، باعتبارها ليست يابسة، وليست لها حدود برية مع دول أخرى، وبالتالي تَعتبر بحر قبرص منطقة تركية بامتياز. تركيا أيضاً لا تعترف بقانون البحار 1982، وبالتالي تريد من ذلك كله توسعة حدودها البحرية ومنطقتها الاقتصادية بأكثر من 44% عما هو حالياً، وضمن المياه الإقليمية لقبرص، وباعتبار قبرص التركية تابعة لها! لا سيما مع اكتشاف كميات كبيرة من الغاز، وحاجتها الملحة إليه، وهي تستورد أكثر من 90% منه من الخارج، بينما تقول الاكتشافات بوجوده على شواطئها!

يضاف إلى ذلك كله رفض تركيا نتائج اتفاقية لوزان عام 1923، والتي ظَلمت تركيا، وأجبرت على التوقيع عليها، حيث كانت من الدول الخاسرة في الحرب، وبالتالي تمّ تقيّدها قضايا كثيرة، منها “سرقة” حقوقها البحرية! ومن هنا نفهم السبب الذي يجعل الرئيس التركي، أردوغان، يردّد أنّه سيمزّق الاتفاقيات الدولية. وبغض النظر عن اللهجة الحادّة هذه، فإن ظلماً تاريخياً ألحق بتركيا، كما أن حاجتها إلى المواد الهيدروكربونية كبيرة.

تلت توقيع الاتفاقية بين تركيا وليبيا تطوراتٌ إقليمية، حيث وقعت اليونان اتفاقية مع مصر لترسيم الحدود البحرية، وأُنشئَ في القاهرة “منتدى غاز شرق المتوسط” بمبادرة منها، واستثنيت منه تركيا، وهناك اقتراحات لإنشاء خط غاز يبدأ بإسرائيل وينتهي باليونان، ومن ثم إلى أوروبا، وتشترك فيها، إضافة إلى الدول المذكورة، كل من مصر وقبرص، وهو يفتح ممرّاً جديداً لتصدير الغاز بعيداً عن تركيا. قطع الاتفاق التركي الليبي بالضرورة هذا الممر، وبالتالي لا بد من اتفاقية جديدة، تكون تركيا شريكةً في أي اتفاق لنقل الغاز، ولها دور في كل ما يخص دول شرق المتوسط، وأية سياسات إقليمية ودولية، تبحث في مصير ثروات هذا الشرق وكيفية استثمارها. وتستفيد تركيا مما لم تعترف به من قبل، وكذلك من عدم ترسيم الحدود البحرية للدول التي تتقاسم شرق المتوسط. وبالتالي، تحاول جاهدة ألا تُستثنى منه، ولكن ذلك يترافق مع حلف إقليمي، لم يعد يقتصر على اليونان ومصر وقبرص، وصار يضم أخيراً فرنسا والإمارات. وهناك تحذيرات أوروبية شديدة، ورافضة خطوات تركيا، وإرسالها إلى سفن التنقيب محمية بالطائرات العسكرية في المنطقة الاقتصادية الخاصة بقبرص.

الاستبعاد التركي

الاستبعاد التركي من أية مخططات لشرق المتوسط متعلق بخلافات تاريخية مع اليونان، ويتجاوز اتفاقية لوزان والتدخل في قبرص عام 1974، ومع مصر تعمق بعد 2013، والانقلاب على الرئيس محمد مرسي، ومع إسرائيل، بعد حادثة سفينة مرمرة خصوصاً. ومع إسرائيل، لم تنقطع العلاقات نهائياً، ويمكن أن تستعاد بأشكال متعدّدة، ولكنها الآن في أسوأ حالاتها، وحتى إن استعيدت، فإن الواقع تعقّد بعد اتفاقية التطبيع بين الإمارات وإسرائيل، حيث ستبدو وكأنها تنضم إلى هذا الحلف، وضد القضية الفلسطينية. أيضاً، لا تزال تركيا تقيم صلاتٍ مع إسرائيل، ومنها يصل نفط كردستان العراق إليها. ما يعقد العلاقة بين تركيا وإسرائيل أن الدول الفاعلة في الإقليم حالياً هي تركيا وإسرائيل وإيران، وهناك تقاربات شديدة بين إسرائيل ودول عربية رافضة للسياسات التركية، وقريبة من روسيا، وعدا ذلك؛ تتعرّض تركيا إلى انتقاداتٍ كثيرة من الأميركيين. وقد أَقر الكونغرس الأميركي في 2019 قانون “الشراكة في الأمن والطاقة لمنطقة شرق البحر المتوسط”، بهدف تعزيز التعاون بين كل من إسرائيل واليونان وقبرص! وبالتالي، هناك إشكالات تخص كلاً من إسرائيل وتركيا، وتحدّد العلاقة بينهما، وتمنع تقاربات أكبر من السابق. وبالتالي، تتقارب إسرائيل مع كل من قبرص واليونان ومصر والإمارات وفرنسا وغيرها.

ظهر فاعل جديد في المنطقة، ويتمثل في تحرّكات الرئيس الفرنسي، ماكرون، والذي زار لبنان والعراق، قبل أيام، وتفيد تصريحاته برفضه السياسات التركية، وانضمامه إلى حلف “مصر اليونان”، وهو لا يمثل فقط فرنسا، بل ودولاً أوروبية كثيرة، والتيارات المحافظة فيها، والرافضة أية أشكال مع العلاقات الدبلوماسية مع تركيا. في الأزمة الحالية، تصطف فرنسا إلى جانب اليونان، وربما لتدخلها في لبنان جانب يتعلق بتطوّر النزاع في شرق المتوسط، والسيطرة على ثروات هذا البلد وسواه، وكذلك بليبيا. تشذُّ من بين الدول الأوربية المساندة لليونان ألمانيا، حيث تعدّ الدولة الحيادية شبه الوحيدة أوروبيّاً في النزاع وتخفيف حدّته، ومنع وصوله إلى صراع مسلح، ستكون نتائجه كارثية، وتتفق سياستها هذه مع الولايات المتحدة الأميركية. تغيير تركيا المعادلات في شرق المتوسط، عبر العلاقة مع ليبيا والتنقيب في المناطق البحرية لقبرص، دفع أميركا ذاتها إلى رفع الحظر عن توريد السلاح إلى قبرص، المعمول به منذ أواخر الثمانينيات، وهذا أمر جديد في العلاقة بين الدولتين، وقد يُفسر على أنه رفض لخطوات تركيا وتأييد لحقوق قبرص.

يؤزّم وجود تركيا في ليبيا وفي مياه قبرص العلاقات مع مصر واليونان، وإذا أضفنا العلاقات المميزة لتركيا مع حكومة ليبيا الإسلامية، يصبح التصعيد اللهجة المسيطرة بين الحلفين، وهذا ما نسمعه يومياً من الدبلوماسية اليونانية والتركية معاً. وأخيراً، يقود الرئيس الفرنسي حملة مركزة ضد تركيا، ولحشد أوروبا إلى جانب اليونان، وكأنّ الحرب واقعة لا محالة! وطبعاً كما دخلت سورية وليبيا واليمن في أزمات معقدة للغاية، فإن أميركا وروسيا وفرنسا، يمكن أن يساهموا في تعقيد العلاقات الإقليمية لتركيا ومع اليونان ومصر، وهي دولٌ غارقة في أزمات اقتصادية كبيرة، وبخصوص تركيا، فهي تتبنى سياسات “هجومية” في العراق وليبيا وسورية، وتمدُّ نفوذها إلى دولٍ كثيرة في الإقليم، وهذا يعني أنها توسع نطاق “معاركها” الإقليمية! مع ذلك، وبسبب خطورة أية حرب بين اليونان وتركيا، ليس من مصلحة الدول الكبرى، لا سيما أميركا وألمانيا، أن يتطور النزاع إلى حربٍ، ولكن لا يمكن رفض هذا الاحتمال أيضاً.

الحلف المضاد

يرى الحلف المضاد لتركيا أنها تخرق الاتفاقيات الدولية، وتتعدّى على جزر يونانية، وتهدّد أمن مصر، وطامحة إلى لعب دورٍ إقليميٍّ، وربما أكبر من ذلك؛ تركيا إذاً، أمام تعقيد كبير، فكيف ستتمكّن من تغيير الاتفاقيات والسيطرة على جزر يونانية، والحفاظ على الاتفاق المهدّد بالفشل مع ليبيا مع أي حل سياسي، حيث من المحتمل أن يتضمن ذلك. قد تكون تركيا في ورطةٍ حقيقيّةٍ، وقد تضطر للحرب، كما فعلت في 1974 وسيطرت على 37% من شمال قبرص، والأخيرة دويلة لا أحد من دول العالم يعترف بها إلا تركيا. ربما، والمنطقة تزداد تأزّماً، أن تخفض تركيا من سقف طموحاتها، وتكتفي ببعض منها، ومحاولة الحفاظ على علاقات جيدة مع ليبيا، والسيطرة على جزء من ثروات بحر إيجة، وبما لا يغيّر من الاتفاقيات الدولية السابقة، وبالتالي تُبرّدْ الأجواء العاصفة في شرق المتوسط، وتستفيد من ثرواته، ولكن ذلك سيقف ضده رفض مصر أية علاقات مع تركيا، وكذلك اليونان وقبرص وفرنسا بشكل خاص، وهناك القرارات الدولية التي تعترف بقبرص جمهورية مستقلة! إذاً القضية معقدة للغاية، وما تفرضه تركيا من وقائع جديدة، قد تخسرها من جديد.

هناك من يرجّح أن النزاع لن يتطوّر إلى حربٍ أو سيراوح في إطار التهديدات المتبادلة، قبل الانتهاء من الانتخابات الأميركية، وهذا يتطلب ستة أشهر على أقل تقدير. ربما هذا صحيح، حيث أوضاع كل دول شرق المتوسط متأزمة، وبعضها يتعرّض للتفكك الشديد، وبعضها يتدخل في أكثر من دولة، ويفشل في الانتصار، وحتى تركيا، كما أوضحنا أعلاه، تتدخل في أكثر من ساحة، ومثلها الإمارات. أما اليونان فأزماتها الاقتصادية والاجتماعية كبيرة. وبخصوص مصر فهي غارقة في أزمات متعددة المستويات، وتتجنب التصعيد في الساحة الليبية، وتبحث عن حلٍ يجنبها الصدام مع تركيا. وبالتالي التصعيد، وخصوصاً حديث أردوغان عن وطنٍ أزرق، أي يشمل مساحات واسعة من مياه المتوسط، وهي مملوكة لقبرص، سيظل في إطار التصعيد الكلامي. الإشكالية الكبرى ليست الانتخابات الأميركية، بل حالة الشرق الأوسط المتأزمة، وفي القلب منها تلاشي أي دور عربي فاعل، وسيطرة كل من تركيا وإيران وإسرائيل عليه. وهناك التدخل الروسي، وأخيراً، تصاعد الدور الفرنسي. تريد تركيا شطب اتفاقية لوزان 1923، وفرض نفسها قوة فوق إقليمية، فهل تستفيد من غياب الدور الأميركي ستة أشهر؟ لا أعتقد، فهناك حلف إقليمي وعالمي واسع ضد سياساتها، وأغلبية الدول الأوروبية تقف خلف اليونان وقبرص، وضد سياسات أردوغان.

الحق بثروات شرق المتوسط:

نطرح الموضوع من زاوية أخرى: لماذا لا تكون ثروات منطقة شرق المتوسط لجميع شعوب ذلك الشرق؟ ولماذا تحتكر بعض الدول الثروات التي تحت أراضيها، وفي مياهها الإقليمية مثلاً. أليست مشكلة تركيا هي تكرار مشكلات دول أخرى. هناك ما يشبه المسلّمة بأن حروب المستقبل ستكون حروب الطاقة والمياه. وبالتالي، كيف ستتم السيطرة على ثروات كوكب الأرض بشكل عادل ومنصف لشعوب هذا الكوكب. تفترض هذه القضية تغييراً كبيراً في القوانين الدولية، ولكنها ليست مستحيلة، سيما أن ثروات الأرض ليست مملوكة لأشخاص محدّدين، بل هي ملكية عامة للدول. وبالتالي يجب طرحها بعيداً عن سيطرة هذه الدولة أو تلك، وتحويلها إلى ملكية مشتركة لسكان الكوكب بأكمله.

تفكيك الشرق الأوسط، وقبله تفكّك الاتحاد السوفييتي ويوغسلافيا، وحدوث مجازر مروعة هنا وهناك، يمكن أن تعود أسبابه إلى الصراع على الثروات والنفوذ، والآن تدخل تركيا في أزمةٍ معقدة مع اليونان، ولكن القضية تجاوزت الدولتين إلى تشكيل تحالفات سياسية واستراتيجية متصارعة. سترفض الدول المتضرّرة من التقسيم غير العادل أية اتفاقيات مجحفة بحقها، وستفرض الدول القوية شروطها على العالم، وتستغله؛ وهناك تاريخ كامل من الكولونيالية، وهدفه السيطرة على الدول، وتتبيعها، وتحويلها إلى سوقٍ من ناحية، وأرض وشعوب للاستغلال من ناحية أخرى.

مشكلة العصر حالياً أن الصراعات تتطوّر بين دولٍ مأزومة، وهذا يفضي إلى إمكانية وقوع الحروب بدرجة كبيرة. هدفت الثورات العربية إلى التغيير الكامل، حيث كانت الاختلالات متعدّدة الأبعاد، ولم تكن القضية فقط الانتقال إلى الديموقراطية؛ المشكلة أن هذه الثورات لم تنتصر وتتطور بما يؤدي إلى توزيع الثروات بشكل عادل. تشعر الدول الصاعدة بالغبن، ومثالها هنا تركيا، فهي “تقاتل” حالياً من أجل تغيير الاتفاقيات، وكذلك تشعر الشعوب، ومثالنا هنا العرب والأكراد بصفة خاصة. هناك موضوع آخر، فقد اتهمت الحركات القومية العربية بأنها تستهدف إسقاط الدول الخليجية في الستينيات، وها هي الدول الخليجية تُتهم بالتدخل في كل الدول العربية. كان الأمر في المرحلتين خاطئاً، إذ إن التقارب والوحدة يجب ألا يكونا بالطرق العسكرية أو التدخلية الفظّة، بل عبر الطرق السلمية والديموقراطية.

ولكن ما القضية المركزية في ذلك كله؟ القضية هي الثروات الباطنية بالتحديد، أي التي لا تحتاج إلى جهدٍ بشريٍّ كبير، كما الزراعة أو الصناعة مثلاً. وبالتالي تدور الصراعات العالمية والإقليمية حول ذلك، ومن أجل ذلك يتم تغيير كل المعادلات الإقليمية، وتحاول تركيا، كما إيران كما إسرائيل ودول الخليج، السيطرة على بقية الدول العربية، كما يحدث في ليبيا واليمن وسورية والعراق ولبنان. هل ابتعدنا عن الموضوع؟ أبداً، فالقضية هي حقوق الدول والشعوب المهدورة، والشعور بالغبن، وضرورة رفعه، لتتمكّن الدول والشعوب من إدارة شؤونها، وحل أزماتها وتأمين احتياجاتها.

تواجَه تركيا الآن بحلفٍ كبير، وشرس، ويضمر عداواتٍ تتجاوز موضوع الطاقة والغاز والنفط. مثالنا هنا فرنسا أولاً والإمارات ثانياً، وهناك مصر التي تستهدف تركيا انطلاقاً من صراعاتٍ تخصّ الإسلاميين، وعكس ذلك فتركيا ترفض نظام ما قبل محمد مرسي، وهناك اليونان والمشكلات المستعصية معها، وهناك إسرائيل التي تستغل الأزمات وتراقب الفرص. ليس المناخ الذي تتحرّك فيه تركيا سهلاً، وهي لا تُواجِه دولةً بعينها، وبالتالي يجب البحث عن طريقةٍ لتغيير السياسات الإقليمية بغير سبل الحرب، أو دعم أطراف في النزاع، كما تفعل مع الوفاق الليبية، أو كما تفعل الإمارات مع اللواء المتقاعد، خليفة حفتر، وكذلك مصر أو فرنسا مع اليونان وقبرص.

طرق التغيير

نحن أمام عدّة طرق للتغيير في المنطقة؛ وتناقش السطور التالية اثنتين مترابطتين: التغيير عبر الحروب، ولنتأمل حال كل من أفغانستان والعراق! وقبلها تجرى جولات من التصعيد، وهناك التغيير عبر الطرق الدبلوماسية والتوافقات الرضائية. والمشكلة هنا أن الحقوق المكتسبة لليونان، مثلاً، لا يمكن التخلي عنها بسلاسة، وهو حال كل الدول الرأسمالية وأنظمة القهر التي تستغل ثروات بلادها وشعوبها. على الرغم من ذلك نقول: هل من طريق آخر تتغير فيه السياسات من الدفاع عن المصالح والنفوذ العالمي إلى الدفاع عن حقوق الإنسان والتفكير بالعدالة وإنصاف المفقرين والمستغَلين. وهنا نفتح قوساً لنقول: لن يتغير العالم ما بعد فيروس كورونا إلى وجهة أخرى عما كان قبله، والتغيير مرتبط بثورات اجتماعية واعية أهدافها، وهذا غير مطروح عالمياً. ويظلّ السؤال: هل هذا ممكن من أصله، أم هي أحلام طوباوية؟

نتائج التغيير عبر الحروب كارثية، وربما يفرض معادلات جديدة، كما الحال مع تدمير كل من ليبيا وسورية واليمن والعراق، وإحداث تغيرات ديموغرافية هنا وهناك، وقتل آلاف البشر، واحتلالات مباشرة وتدمير للبنى التحتية وللتراث التاريخي “العمارة”. تستفيد من الحروب الدول المستقرة، والمافيات الحاكمة، ولكنها تسبّب الكوارث وكُلفها.

هناك تخوّف شديد من أن تحدث الحرب، لا سيما أن هناك حلفاً شرساً، يستهدف تركيا، والأسوأ أنه يُشرّعن دولة استعمارية، أي إسرائيل، وأصبح لها حقوق اقتصادية بالبحر، وتُصدّر ثروة الفلسطينيين إلى الخارج، وكأنّها دولة طبيعية. إذاً، يقوم الحلف المضاد لتركيا على حقوق تاريخية، كما اليونان وقبرص، ويقوم على حقوق استعمارية كما إسرائيل، وعلى دول رفضت الثورات العربية ودعمت الأنظمة المضادة لسحق الشعوب، والمثال هنا الإمارات، وهناك فرنسا الساعية إلى لعب دور في شرق المتوسط. ليست تركيا بعيدة عن ذلك كله، فنظامها أيضاً تدخل في كل من العراق سورية وليبيا والآن لبنان، وهناك فئات واسعة ترفض ذلك، وهي تتدخل داعمة الإسلاميين بصفة خاصة تارة أو التركمان تارة أخرى، ونظامها الديموقراطي يتهمش أكثر فأكثر، وبالتالي، لا تنطلق تركيا من أهداف عامة للدول التي تتدخل فيها، كالديموقراطية والعدالة الاجتماعية وإنصاف الفئات المظلومة كما تريد الشعوب، بل تتدخل كما كل الدول التي تستفيد من تأزم الدول العربية والأفريقية، وبهدف ضمان مصالحها الاقتصادية ومد نفوذها الجيوسياسي.

ويشكل الصراع حول الطاقة والثروات الباطنية خلفية المشهد الكارثي لمنطقتنا العربية، وهو ذاته الذي جاء بروسيا إلى سورية وشرق المتوسط، وهو ذاته الذي دفع ماكرون إلى انتهاج سياسة معادية وهجومية ضد تركيا، وتبنّي سياسة شرق أوسطية، وكممثل عن أوروبا؛ فهل تنجح الولايات المتحدة الأميركية أو روسيا في ضبط الصراعات الشرق أوسطية، وهي التي أشرفت على تدمير كل من العراق وأفغانستان وليبيا واليمن وسورية؟ أشك، ولكن أستبعد الحرب لاعتباراتٍ كثيرة بين الحلفين.

ما يغير معادلات الشرق الأوسط وشرق المتوسط تجدّد الثورات العربية وثورات شعوب المنطقة كذلك، وهو ما بُدئ فيه عام 2010، وتجدّد أكثر من مرة. الآن أيضاً، تتعلق الآمال بتغيير كبيرٍ في السياسات العالمية الاقتصادية والسياسية، ونحو العدالة الاجتماعية والديموقراطية وإنصاف الدول والشعوب المستغَلة؛ تركيا واليونان وقبرص ومصر وإسرائيل لا تفكر في ذلك، وأيضاً الدول لضامنة للاستقرار العالمي. فهل تتجدد الثورات وتصبح اجتماعية وتوحد شعوب شرق المتوسط؟ الأحلام تتعلق بها، وبها يتم التغيير الحقيقي.

العربي الجديد

———–

شرق المتوسط: التهدئة شرطٌ للتفاوض!/ عبد الوهاب بدرخان

لا مصلحة لتركيا في تهدئة قبل التفاوض إذ تصعد للابتزاز: إما تفاوض على تعديل المعاهدة أو على صيغة لإشراكها بموارد النفط والغاز.

أنقرة واصلت اللعب على الأزمة والوساطات فتدعو اليونان لتفاوض ثنائي وتضغط على «الناتو» لترجيح هذه الصيغة استبعاداً للاتحاد الأوروبي.

أنقرة تخوض حربا سياسية مفتوحة مع فرنسا ورئيسها سواء بالتحدّي العسكري أو باتهام باريس باستعادة «العقلية الاستعمارية» وطموحاتها.

*     *     *

لا تزال الدعوة إلى الحوار غالبة أوروبيا من أجل تبديد التوتّر في شرق المتوسّط، لكنها رهن استجابة تركيا لجهود وساطة تتولاها ألمانيا والمفوضية الأوروبية، ويدعمها حلف الأطلسي (الناتو)، الذي يريد بأي شكل استبعاد مواجهة عسكرية بين دولتين عضوين، اليونان وتركيا.

وأظهرت قمة السبع G-7 الأوروبية التي دعت إليها فرنسا الدول الأوروبية المتوسطية استعداداً لحل دبلوماسي، بشرط أن تبادر تركيا فوراً إلى خفض التصعيد، وإلا فإن القمة الأوروبية المقبلة ستفرض «تقييداً» أو عقوبات عليها.

لكن أنقرة واصلت التلاعب على الأزمة وعلى الوساطات، فمن جهة تدعو اليونان إلى تفاوض ثنائي وتحاول الضغط على «الناتو» لترجيح هذه الصيغة استبعاداً للاتحاد الأوروبي.

ومن جهة أخرى تستغلّ تركيا التناقضات الأوروبية لتحريك الوساطة الألمانية من دون تلبية الشرط المسبق بسحب قطعها البحرية من شرق المتوسط قبل أي تفاوض.

في السياق نفسه، فسّرت أنقرة الغموض الذي ساد موقف الولايات المتحدة، طوال أسابيع التصعيد، بأنه في مصلحتها، لكن رفع الحظر الأميركي على السلاح لقبرص شكّل لها «رسالة» سلبية.

ثم إن واشنطن، التي لم تكن مجاملة لفرنسا أو لليونان خلال التصعيد، بدت أخيراً أكثر ميلاً إلى التهدئة، وفقاً لتصريحات مايك بومبيو عشية وصوله إلى قبرص.

فمع اقتراب الانتخابات الرئاسية، استشعرت إدارة دونالد ترامب أن المصالح التي تتحقّق لها حالياً مع تركيا لا توازي السماح لها بارتكاب مغامرة خطيرة داخل المنطقة الاستراتيجية لـ «الناتو» وفي توقيت حسّاس كهذا.

وخاصة أن روسيا التي لزمت الصمت منذ بداية التوتّر أصبحت فجأة مهتمّة بالدخول على خط الأزمة ولو من قبيل عرض وساطتها.

لم تكن أنقرة واثقة بانتزاع ما ترمي إليه به عبر التصعيد والتهديد، إلا أنها تعمّدتهما لرفع سقف مطالبها تحسّباً لأي تفاوض.

فعدا إرسال سفينة التنقيب عن الغاز والحماية العسكرية المرافقة لها، وما أعقب ذلك من مناورات بحرية وزيادة التقارب مع إيران، راحت أنقرة تخوض حرباً سياسية مفتوحة مع فرنسا ورئيسها، سواء بالتحدّي العسكري أو باتهام باريس باستعادة «العقلية الاستعمارية» وطموحاتها.

وقد جاءها الردّ بأنها هي نفسها تعمل بـ«عقلية عثمانية»، وتريد استعادة إمبراطورية زائلة، وقد ساهمت الأزمة في فتح ملف تاريخي طويل من الصراع التركي–الفرنسي، بدأ بمعاهدات ما بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية.

واستمرّ بالتعاطف الفرنسي مع قضيتي الأرمن والأكراد، وتواصل مع سلبية باريس حيال انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، وتفجّر أخيراً على خلفية الصراعين الليبي والسوري وبدء تدخّل تركيا في لبنان.

خلال قمة السبع G-7 الأوروبية، حذر الرئيس الفرنسي من قوى تاريخية تمارس «لعبة الهيمنة» تسعى إلى زعزعة استقرار المنطقة المتوسّطية، مشيراً تحديداً إلى الدورين التركي والروسي، وفي ذلك توصيف لواقع الأزمة مع تركيا.

فلو كانت مسألة مصالح لما استوجبت تصعيداً عسكرياً، لكنها مسألة فرض نفوذ، من شأنه أن يغيّر وقائع جرى التوافق الدولي عليها في معاهدة لوزان (1923)، ذاك أن تجاوز أنقرة الوضع القانوني للجزر اليونانية في بحر إيجة، بذريعة أنها في جرفها القاري، يشكّل انتهاكاً لأحكام تلك المعاهدة.

لذلك لا ترى تركيا مصلحة في التهدئة قبل التفاوض، إذ إنها تستخدم التصعيد للابتزاز: إما التفاوض على تعديل المعاهدة، أو على صيغة لإشراكها في موارد النفط والغاز.

* عبد الوهاب بدرخان كاتب صحفي لبناني

المصدر | الاتحاد الظبيانية

—————————————-

الغاز ومناورات روسية متوسطية/ سلام الكواكبي

تحدّث الإعلام الغربي، بشكل مكثّف، عن عزم البحرية الروسية إجراء مناوراتٍ مشتركةٍ مع نظيرتها التركية شرقي البحر الأبيض المتوسط، في النصف الثاني من شهر سبتمبر/ أيلول الجاري، استناداً إلى إعلان تركيا عن قيام المناورات الروسية. وقد سعى الغربيون في ذلك إلى الإشارة إلى عزم تركيا، وهي العضو في حلف شمال الأطلسي، للتحالف مع “أعداء” هذا الحلف من الروس، لإظهار عضلات المواجهة مع من تعتبرهم قوى معاديةً لمصالحها في هذه المنطقة الحساسة والمقابلة لشواطئها، وفي مقدمتهم فرنسا. وقد سبق للبحرية التركية أن أجرت مناورات محدودة مع إحدى قطع الأسطول السادس الأميركي منذ أسابيع. كما استعرضت فرنسا، في المقابل، عضلاتها البحرية من خلال مناورات مشتركة مع حلفائها اليونانيين والقبرصيين والمصريين والإماراتيين (…). وقد نفت تركيا رسمياً، عبر وكالة الأناضول، مشاركتها روسيا في مناوراتٍ بحرية. وقد تأكد فعلاً بعد ذلك أن الروس يستعدّون لهذه المناورات من طرف واحد، بما أن وطأت أقدامهم المتوسط عبر وجودهم المهيمن عسكريا وسياسيا واقتصاديا في سورية.

الروس إذاً يُجرون تمريناتٍ بحريةً في شرق المتوسط، مستعرضين قوتهم البحرية المحدودة، والتي تعاني من نقص كبير في المعدّات الحديثة، كما تجمع عليه كل المطبوعات المتخصصة بشؤون السلاح والتسلح. على الرغم من هذا، فاستعراض القوة الروسي طبيعي أن يتم في مرحلةٍ صارت فيها موسكو “قوة متوسطية” حقيقية، عبر قواعد ثابتة في سورية، وتسهيلات لوجستية كما في قبرص ومصر. وتحمل هذه المناورات رغبةً روسيةً في المشاركة في تصعيد التوتر في هذه المنطقة المختزنة بالغاز الطبيعي، والذي يعتبر استخراجه واستثماره من أهم أسباب التوتر القائم بين تركيا واليونان منذ أشهر. مساهمة موسكو في تصعيد التوتر تؤخّر برأيها عملية وصول هذا الغاز المحتملة إلى الأسواق، وتُبقي على الهيمنة الروسية على الأسواق الأوروبية على الأقل، والتي تعتبر روسيا مصدراً أساسياً لها، حيث تستورد أوروبا أكثر من نصف احتياجاتها من الغاز من روسيا.

في عام 2016، وبعد أزمة القرم، ووضوح التبعية الأوروبية المُعيقة للغاز الروسي، قدّم الاتحاد الأوروبي حزمة تشريعية أولى عن “الأمن في مجال الطاقة”، مفترضا منها تعزيز استقلالية أوروبا في مجال الطاقة، كما تسعى إلى تعزيز التعاون البيني بين دول الاتحاد في هذا الاتجاه. وتحتوي هذه الحزمة على إجراءات مقترحة، أهمها تعزيز الاعتماد على الغاز المسيل الذي يسهل نقله، على الرغم من كلفته العالية، والذي يُعتبر أقل تلويثاً من الغاز الطبيعي. كما نصت الحزمة على وجوب أن تعمد الدولة العضو إلى إشراك مؤسسات الاتحاد في أية مفاوضات ثنائية لاستيراد الطاقة، كما يفرض تصويتاً من البرلمان الأوروبي على الاتفاقيات المرتبطة. وهذا يفسح المجال أمام مؤسسات الاتحاد أن تلعب ورقة ضغط نسبية في المفاوضات، خصوصاً مع روسيا، المصدر الرئيسي لدول الاتحاد حتى إشعار آخر، يبدو أنه متأخر.

توصل روسيا اليوم غازها عبر شبكة أنابيب إلى أوروبا وتركيا، فهناك الأنبوب الشمالي القادم مباشرة إلى ألمانيا، كما أنبوبان يعبران روسيا البيضاء وبولندا لتغذية أوروبا الوسطى وأوروبا الشرقية. ويضاف إلى ما سبق أربعة أنابيب تعبر أوكرانيا، إضافة إلى أنبوب يصل إلى تركيا، وآخر يزوّد فنلندا مباشرة، وأنبوب أخير لتزويد دول البلطيق الثلاث بشكل مباشر أيضاً. وتسعى شركة غازبروم، المهيمنة على قطاع الطاقة في روسيا، إلى توسيع إمكانات التصدير، عبر مد أنبوب جديد تحت بحر البلطيق، يتحاشى المرور عبر أوكرانيا التي تشهد علاقتها مع روسيا توترا متراكما. وتسعى روسيا بذلك إلى تخفيف الاعتماد، إلى أقل درجة، على العبور في الأراضي الأوكرانية.

وكان الأنبوب المُنتظر روسياً، والمُرحّب به ألمانياً، العابر لبحر البلطيق، سيدخل حيز التشغيل في شهر يناير/كانون الثاني الماضي، إلا أن العقوبات التي فرضت على روسيا، بسبب ضمّها غير الشرعي لشبه جزيرة القرم الأوكرانية سنة 2014، أحدثت تأخيراً مهماً في إنجازه المعتمد على تقنيات وشركات غربية. وعلى الرغم من هذا التأخير، فإن روسيا مطمئنة إلى أمرين، يتعلق الأول باستمرار التبعية الأوروبية لها في مجال مصادر الطاقة، والثاني يتعلق بإمكانية إنهاء العمل، عاجلاً أم آجلاً، في الأنبوب الجديد.

على الرغم من التوتر السياسي بين روسيا ودول الإتحاد الأوروبي، أخيرا، إثر اتهام ألمانيا الصريح موسكو بمحاولة قتل المعارض، ألكسي نافالني، وهو يعالج في برلين حالياً، إلا أن الغاز سيستمر في التدفق إلى أوروبا، ولن تنفع التهديدات الأوروبية المحدودة وغير المزودة بأدوات فاعلة. هذا الأنبوب استراتيجي للروس، لأنه سيؤمّن هيمنتهم الكاملة على سوق الطاقة في أوروبا، في ظل عجز السياسات الأوروبية عن الاستقلال في هذا الملف. وهو سيساعد على الالتفاف حول أوكرانيا وعدم الخَضوع لتوتر العلاقات بين موسكو وكييف. من جهتها، تعتبر ألمانيا المستفيد الأكبر من الأنبوب الجديد. لذلك هي تتجاوز مسألة المعارض الروسي بواقعية قصوى، وتحصر الأمر في الجانب الاقتصادي الاستراتيجي.

وفي غياب موقف أوروبي موحد تجاه روسيا، يُشعرها بوجود ضغط حقيقي، لكي تتراجع عن التأثير سلباً في محيطها عموماً، وفي منطقة المتوسط خصوصاً، كما في ظل فقدان مؤسسات الاتحاد الأوروبي آليات تساعد الأعضاء على التخلص من التبعية لروسيا في مجال الطاقة، فأي حديثٍ عن خلافات مع روسيا لن يتجاوز التلميحات والرسائل غير المباشرة التي تعوّد الطرفان على تبادلها منذ ما قبل نهاية الحرب الباردة.

العربي الجديد

——————————–

شرق المتوسط بحيرة الغاز والتوتر/ فاطمة ياسين

يشهد سوق الطاقة حالةً من عدم التعيين منذ زمن بعيد، وغالبا ما يلجأ كبار المنتجين إلى استخدام سلعة النفط لتحقيق أهدافٍ سياسيةٍ عن طريق رفع الإنتاج أو خفضه، للتأثير في الأسعار، وبالتالي في اقتصاد الدول المعتمدة على استيراد النفط أو بيعه. ويضاف حاليا إلى خلط السياسة بالاقتصاد تأثيرات دخول فيروس كورونا الذي أحدث تدهورا في الأمن الصحي. وبينما يبدي المختصون عجزا في تحديد أي أفقٍ لانتشار هذا الفيروس، يلجأون إلى رفع التحذير من مستقبلٍ قاتم وجولات جديدة للمرض تهدّد بالعودة إلى حالة الإغلاق شبه العامة، والتي هبطت بأسعار الطاقة إلى قاعٍ لم يسبق لها الوصول إليه.. في هذا الظرف المقلق عالمياً، تكشف الدول الشرق متوسطية عن حجم اكتشافاتها الضخمة من الغاز، لتعيد تموضعا في تحالفات القوى العالمية والسياسات الإقليمية، مستعدّة لاقتحام السوق، والبدء باقتسام هذا “الكنز”، ولكن تبدو عملية القسمة بحاجة إلى كثير من التمهيد السياسي، وهذا ما نتابع تفاصيله حاليا على الساحة المتوسطية، وقد وصلت تحرّكات دول من المنطقة، وأخرى مهتمة بملف الطاقة، إلى أوجها.

أمام غاز شرق المتوسط عقباتٌ كثيرة، قبل أن يصبح مادة مسالة قابلة للحرق في المطابخ الأوروبية، وقبل أن ينتقل عبر أنابيب تسير في قعر البحر، ثم يذهب إلى المصانع في مصر أو إسرائيل، ليصار إلى تسييله وتحويله إلى مادّة قابلة للنقل. تتعلق أولى تلك العقبات بالحالة السعرية الراهنة، فأسواق الطاقة الآن لا تشهد استقرارا، ولا تكاد مؤشراتها تثبت لتهبط من جديد، وليس من أفقٍ مرئي للاستقرار في ظل وضع دولي قلق، ومعاناة صحية شاملة على مستوى الكوكب. والعقبة الأخرى فنية وهندسية تتعلق بعمليات الإستخراج والنقل، فالاستثمار في حقول بحرية يشترط توظيفاتٍ فنية عالية، ما سيرفع من التكلفة، ويحتاج الأمر عملا ميدانيا في أعماق البحر بعيدا عن الشاطئ. وهذا من شأنه أيضا أن يضاعف التكاليف، ويضع احتمال عدم الجدوى الاقتصادية.. العقبة الثالثة بيئية، وهذه لا يمكن تجنبها، خصوصا مع وجود اتفاقية الحد من ظاهرة الاحتباس الحراري التي أبرمتها الأمم المتحدة في باريس، واستخراج الغاز الذي يشكل الميتان عنصرَه الرئيسي يُحدث تهديدا كبيرا لهذه المعاهدة، وقد لا تسلم عمليات الاستخراج أيضا من انتقادات أنصار البيئة البحرية وسلامة مياه المحيطات. وعملياتٌ كيميائية من هذا النوع تقوم وسط البحر ستعرّض بالتأكيد المياه لمزيد من التلوث، وجميع الدول الواقعة على المتوسط والمشاركة بالغاز المتوسطي هي من الموقعين على معاهدة باريس البيئية، عدا تركيا، وتوقيعها يدعوها إلى التفكير مرتين، قبل التحرّك نحو الاستثمار الفعلي لحقول الكربوهيدرات الضخمة ..

على الرغم من هذه المحاذير، باشرت إسرائيل ومصر فعلا في عمليات إنتاج الغاز منذ بدايات العقد الثاني من القرن الحالي، ففي أكتوبر/ تشرين الأول 2012، أعلنت إسرائيل عن بناء منصة لاستخراج النفط من بئر تمار في حوض شرقي المتوسط، وبدأت عمليات الإنتاج بعد أشهر. وفي عام 2017، بدأت مصر إنتاجها من حقل غاز ظهر، وتتطلع دول أخرى إلى البدء في ذلك أيضا، ليتحوّل إقليم البحر المتوسط إلى منتدى غازي، تتحالف فيه بشكل رئيسي مصر وإسرائيل واليونان، ويبدو أن أهداف الحلف تتجاوز الوضع الاقتصادي، المتعلق بغاز المتوسط، بانضمام الإمارات التي سرّعت بعملية التطبيع لتتشارك في حلف واحد مع إسرائيل.. وكان الانتشار العسكري قد بدأ بالظهور في البحر المتوسط وحول حقول الغاز المنتظرة قبل تكوين المنتدى، وهو ما يُنتج بؤرة مأزومة تتوتر فيها العلاقات الدولية، وتصبح وجهة للازدحام العسكري الذي قد يتحوّل إلى بعض أشكال المواجهات.. عند هذه النقطة، يمكن أن نضيف إلى كل عقبات استخراج الغاز المتوسطي التسويقية والإنتاجية والبيئية الوجود العسكري الكثيف الذي تفوق إعاقته الإنتاج كل ما تم ذكره.

العربي الجديد

————————————

==========================

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى