شعركتب الكترونيةمقالات

جائزة نوبل للآداب لعام 2020 للشاعرة الأميركية لويز غلوك -قصائد مختارة وكتاب-

 

Louise Glück

عن الشاعرة الأمريكية لويز غلوك

إعداد وترجمة د. فائز يعقوب الحمداني

مقدمة

تعتبر لويز غلوك من الأصوات الشعرية المهمة في الشعر الأمريكي المعاصر. وقد نوهت بها الموسوعة البريطانية التي أشارت في معرض حديثها عن السيرة الإبداعية للشاعرة إلى أنها في مجموعتها الشعرية الأولى (ولد لأول مرة -1968 )استعملت تشكيلة منوعة من الشخصيات الساخطة والغاضبة مما أزعج بعض النقاد ، لكن سيطرة غلك على اللغة بشكل رائع واستعمالها البارع للقافية نال استحسان آخرين. بالرغم من أن وجهة نظر العمل ككل كانت متجهمة

أظهرت غلوك في مجموعتها (البيت قرب المستنقع -1975 ) سيطرة أعظم على الصوت الشعري. كما اكتسبت شخصياتها أبعادا تاريخية وأسطورية . واصبح تبنيها المتنوع للمنظور بارعا جدا . تحاور قصائدها في مجموعة (نصر أخيل -1985)،- التي حازت على جائزة حلقة نقّاد الكتاب الوطنية للشعر-، المواضيع الأسطورية الكلاسيكية، و القصص الخرافية، والتوراة. هذه الاهتمامات استمرت في مجموعة أرارات (1990)، التي امتدحت لأمانتها اللاذعة تجاه العائلة والنفس .

تتضمّن أعمالها التي تلت : السوسن البري (1992) والمروج 1996 (أو أول خمسة كتب في الشعر1997 ) إضافة إلى أنها نشرت كتاب (أفضل شعر أمريكي 1993)

***

تشير كرستين أتكنز في مقالتها (تمني القصيدة الأخرى ) إلى أن لويز غلوك تخاطب مواضيع الرفض والفقدان والعزلة داخل اللغة الخادعة ببساطتها الدقيقة بتقنيتها .

وتضيف الى ان غلوك – التي الفت ثماني مجاميع شعرية بالإضافة إلى مقالاتها وتنظيراتها وآرائها – تشغل قصائدها القارئ بمباشرتها المثيرة التي تباغت القارئ في خصوصية لغتها العامية الملتوية. وتضيف كرستين اتكنز : إن المركزي في معظم أشعار لويز غلوك هو الراوية المنعزلة عن عائلتها او التي تشعر بالمرارة من رفض مشاعرها أو المصابة بخيبة أمل لعدم قدرتها على العطاء).

كما أشارت هيلين فيندلر في مقاربتها التقدية حول اشعار لويز غلوك الى أن قصائد لويز غلوك ، تدعو لإشراك القارئ من خلال ملء فراغات القصة وان نستبدل أنفسنا بالشخصيات الخيالية فيها، نخترع السيناريو الذي يستطيع المتكلّم من خلاله أن يحلّ الحكاية. . . ”

. . ” بعد قراءات عديدة تتخلى أشعارها عن كآبتها الأصلية لتمنح إحساسا بالجمال الشاعري (للعالم المتهاوي”).

تركز غلوك في مقدمة كتابها ( مختارات من الشعر أمريكي- 1993 )”على العمل من خلال تصور مفهوم “الصوت.” إن الفرق الأساسي الذي يميّز الصوت في الشعر عن الصوت كما هو مستعمل في أنواع أخرى من الكتابة هي الطريقة التي يتعشق فيها الصوت الشعري بعنصري الملاحظة الدقيقة والفطنة، حين يستمع بحرص إلى ما يقال ويدمج حس المراقبة ذلك بلغته الخاصة . بالتالي تبدو مصمّمة على تعريف الذكاء الشعري.” في نفس المقدمة في قولها:

القصيدة التي تخطئ في مخاطبة الإدراك المتفوق، هي إدانة للذكاء ، في محاولتها إيصال الحكمة إلى القراء ! . بالرغم من أن مثل هذا القصيدة قد تنظم بشكل مثير وقد تصل لحظة الذروة . إنها تفتقد إلى الدراما : إذ تصل نياتها بشكل مبكر . يظهر انتماؤها للأسطورة بلا ألفة عميقة في تصميمها : الأسطورة ليست صيغة . مثل هذه القصائد حيث تستبدل الصفة الاسم؛ تعرض العالم مغمورا بالدلالة الأسطورية. لكن في ارادتها، تفتقر إلى قدرية الأسطورة، عجز الأسطورة أمام الأقدار . بدلا من ذلك، بداهة يستثمر كل شيء كنتيجة في الأداء البطولي. اعتقد ان الذكاء الشعري غير معني بهذا الاستثمار ،هو حذر بطبيعته من افتراضات الأسطورة . ويستخلص طاقته من رغبته في رمي الاستنتاجات بوجه الدليل، رغبته، في الحقيقة، لنبذ أيّ شئ.

احتوت مجموعتها الشعرية (السوسن البري)على 54 قصيدة ، كتبت في عشرة أسابيع -وهي فترة تعطي الكتاب طابعا موسميا يبدأ في الربيع ليصل إلى نهاية الصيف . تظهر أشعار هذه المجموعة (الفائزة بجائزة بوليتزر) حوارا ابستميولوجيا عقيما بين الشاعر والرب وعالم الطبيعة. كما يظهر في قصيدة “ العشب الساحر,” حيث يمسك العشب الضار البستاني بتحد ،محتجا:

“ أنا لست بحاجة إلى مدحك

لكي أبقى ، أنا كنت هنا أولا

قبل أن تكون هنا ، قبل أن تكون ،

قد زرعت حديقة

وأنا سأكون هنا عندما تترك الشمس والقمر فقط والبحر، والحقل الفسيح.

أنا سأكون الحقل”.

تدون الشاعرة خسارتها مرارا وتكرارا و في نفس الوقت تناغي الشيء الذي فقدته .

في (صلاة الغروب ) ترثي :

كم هو مسكر هذا العالم ،

كم هو مفعم بالأشياء التي لا تعود لي –. .

ما اللاشيء الذي كنته

لكي تتغير بهذه السرعة

إلى صورة وعطر –

في كل مكان أنت ، مصدر الحكمة والألم. ”

في غياب الرب المحبّ، تكون مهمّة الشاعر في أن يحتفل بروعة عالم الطبيعة عن طريق اللغة ، وليحدد مكان الباب في نهاية المعاناة حيث ,

من مركز حياتي .. تدفقت نافورة عظيمة، زرقاء

ظلال على مياه البحر اللازوردي. ”

تبسط غلوك في أحدث كتبها (المروج -1996) الأسطورة القديمة لاوديسيوس وبينولوبي على أرضية معاصرة متحدثة عن النزاع الزوجي والفراق. يستدعى العنوان كلا المعنيين الأبدي والمعاصر -ملمحا إلى الوجود الرعوي الخالد مع ملعب الكرة في نيوجرسي .تناقض العالمين المجموعين على أرضية واحدة يجمع ما هو عال فنيا وما هو مبتذل :

“ شيء واحد كرهته فيك دوما

أكره أنّك ترفض

أن يكون عندي أناس في البيت. فلوبيرت

كان عنده أصدقاء أكثر وفلوبيرت كان منعزلا.

كان فلوبيرت مجنونا ويعيش مع أمّه. ”

تحمل بينولوبي غلوك شبها اكثر بالزوجة المعاصرة بزوجها المنكوب بها من تلك التي في الأسطورة، حيث تهكمها وعدوانيتها في أمور الحبّ بالكاد يمكن احتواؤها . انها تحثّ روحها على ترقب اوديسيوس، و تضيف:

“ آه، يجب أن تحيّيه ,

يجب ان تهزي غصن الشجرة لتستدعي انتباهه

لكن بعناية، بعناية، خشية أن

يدمّر وجهه

بالكثير من الإبر الساقطة. ”

تدافع غلوك في مقالتها المتأملة “(تعثر، تردد، صمت-1994)عن جمال التناقض واللغة البسيطة التي أشارت إليها في مقالتها “تعليم الشاعر.” في هذا العرض الأكثر تقدّما – حيث علم الجمال متجذّر في الإحساس كقطعة فنية مستفزة بشكل لا نهاية له- تناقش غلوك اعمال الشعراء : ريلكه ، بيريمان و إليوت – باعتبارها نماذج لممارسة ما لا يقال من الشعر. حيث يغادرونها إلى منطقة الاقتراح .

تقول غلوك (الذي أشترك به مع [شعراء في جيلي هو الطموح؛ ولكني اختلف معهم في تعريفه . أنا لا أعتقد أن المزيد من المعلومات يجعل القصيدة أغنى. أنا مأخوذة بالحذف، بما لا يقال ، بالاقتراح، مأخوذة بالصمت المقصود البليغ . بالنسبة لي، يمارس المسكوت عنه تأثيرا عظيما: في أغلب الأحيان أتمنّى أن تكون كامل القصيدة من هذه المفردات. إنها مماثلة لما هو غير مرئي على سبيل المثال: إلى قوّة الخراب، إلى القطعة الفنية المتضرّرة أو الناقصة. تلمّح مثل هذه الأعمال حتما إلى سياقات أكبر؛ إنها مطاردة لنقصها، رغم إن اكتمالها ضمني: في زمن آخر , عالم كانت فيه مكتملة ّ، أو كادت ّ. ليس هناك لحظة حيث يحس فيه بيتها الأول بأنه متحف . … يبدو لي بأنّ ما يريده الفنّ، أن يسخّر قوّة اللامنتهي. كلّ التجربة الدنيوية جزئية. ليس لأنها ببساطة ،شخصية لكن لأننا لا نعرف، بان معرفتنا بالكون و الفناء، أكثر بكثير مما ندعي معرفته . اللامنتهي أو المحطّم يشارك في هذا اللغز . إنّ المشكلة أن تجعل الكل لا يخسر هذه القوّة) .

تعطي فصول كتاب (إثباتات ونظريات ) للشاعرة لويز غلوك، صورة عن تأملاتها المختلفة حول حرفة الكتابة وحياة الشاعر. مؤكدة على التجربة الأساسية للشاعر. ”وهي إحساسه بالعجز إذ أن معظم الكتاب يقضون الكثير من الوقت تحت طائل عذابات مختلفة: انتظار الكتابة أو عدم القدرة على الكتابة أو انتظار أن يكتبوا بشكل مختلف وعدم قدرتهم على الكتابة بشكل مختلف ، وهل أن الحياة تكبر بالحنين؟ ، وهل يمكن أن تكون هادئة عند تحقيق الطموح؟.

تتمثل رؤية لويز للفنان في شعرها ومقالاتها بأنه الذي يحول يأسه إلى إبداع. بمعنى، انه يكافح في محاولة تحقيق المستحيل ، ويشغله التطلع اكثر من البقاء . رغم ذلك يدخل الشاعر_ في شريعة لويز غلك_ ، الكلمة الأخيرة بثبات، وتعرقل القصيدة مسار الحزن واليأس اللذين يرافقان العالم الحديث، وتشجّعنا، قبل كل شيء، على التمسك بالأمل:

“ تمنّيت الذي أتمنّى دائما

تمنّيت قصيدة أخرى. ”

————————————

من قصائد لويز غلوك

========================

مختارات ترجمة صبحي حديدي

رُسُل

ليس عليكَ سوى أن تنتظر، ولسوف يجدونكَ.

الإوزّ الذي يطير واطئاً فوق المستنقع،

الإوزّ اللامع في المياه السوداء،

سوف يعثر عليك.

والغزلان ـ

كم هي بديعة،

كأنّ أجسادها لا تعترض سبيلها.

تنزلق خفيفة في العراء

تعبر أشعة الشمس ذات الألواح البرونزية.

ما الذي يجعلها تقف ساكنة هكذا

إذا لم تكن تنتظر؟

لابثة بلا حراك، حتى تصدأ أقفاصها،

والشجيرات ترتعش في الريح

جالسة القرفصاء، عارية من الأوراق.

ليس عليكَ سوى أن تترك الأمر يحدث:

تلك الصرخة ــ «أطلقها، أطلقها» ــ مثل ذاك القمر

الذي غضّنته الأرض فصعدَ

ممتلئاً في دائرة سهامه

هكذا حتى تجدهم أمامكَ

مثل أشياء ميّتة، الأجساد صهواتها

وأنتَ تعتليها، جريحاً وقاهراً.

——————————-

تبريك

المشهد يستجمع أشتاته الآن أيضاً.

التلال تزداد عتمة. والثيران

تغفو في أطواقها الزرقاء،

الآن إذْ الحقول حُصدت

والحِزَم

مرصوفة مكدّسة على حوافّ الطريق

بين العشب خماسيّ الأوراق،

آنَ يصعد القمر المسنّن.

هذا هو الغثاء،

غثاء الحصيد أو الوباء

والمرأة التي تطلّ برأسها من النافذة،

والبذور

لامعة، ذهبية، صائحة:

تعالي هنا

تعالي هنا، أيتها الصغيرة.

وأمّا الروح فإنها تدبّ بطيئة، منسلّة من الشجرة.

——————————-

أحزان سيرسيه

وفي النهاية عَرّفتُ نفسي

عند زوجتك،

كما ينبغي أن تفعل ربّة.

في عقر دارها،

في إيثاكا، صوت بلا جسد.

أطرقتْ وهي تغزل، ثم التفتَ رأسها

جهة اليمين أوّلاً، ثمّ جهة اليسار

رغم أنّ الأمل كان ضعيفاً

في رَدّ ذلك الصوت

إلى أيّ أصل ملموس: أشكُّ

في أنها ستعود إلى مغزلها

بما تعرفه الآن. وحين

تراها ثانية، أَخبِرْها

أنّ الربّة تودّع هكذا:

إذا مكثتُ في رأسها إلى الأبد

فإنني سأمكث في حياتك إلى الأبد.(1)

——————————-

أغنية بينيلوب

أيتها الروح الصغيرة، الصغيرة المتجرّدة أبداً

افعلي الآن ما أرجوك أن تفعليه، تسلّقي

أغصان شجرة الصنوبر الشبيهة بالرفوف،

انتظري في الأعلى، متنبهة، مثل

حَرَس أو رقيب. لن يطول الوقت حتى يعود إلى بيته

يتعيّن عليكِ أن تكوني

كريمة. أنتِ لم تكوني

كاملة الأوصاف، بجسدكِ المُرْبِكِ

فعلتِ أشياء ما كان ينبغي

أن تناقشها القصائد. ولهذا

نادي عليه من خلال المياه المفتوحة

والمياه اللامعة

بأغنيتكِ المظلمة، الطامعة،

أغنيتكِ غير المألوفة، الجيّاشة

مثل ماريا كالاس. مَن الذي لن يشتهيكِ؟ وهل يمكن أن تفشلي

في تلبية أيّة شهيّة شيطانية؟

سرعان ما سيعود من حيث يذهب،

مُسْمَرّ البشرة من فرط الغياب، توّاقاً

إلى دجاجاته المشوية. آه، ينبغي أن تُحَيّيهِ

ينبغي أن تهزّي أغصان الشجرة

لكي تلفتي انتباهه،

بحذر مع ذلك، بحذر، لئلا

يتشوّه وجهه الجميل

بالكثير من الإبر الساقطة.(2)

——————————-

قصيدة حبّ

ثمة على الدوام شيء يُصنع من الألم

أمُّكَ منكبّة على الحياكة

تحوّل الشالات إلى تلاوين الأحمر كلّها

كانت برسم عيد الميلاد، وكانت تدفئكَ

وهي تنتقل من زيجة إلى زيجة، تصطحبكَ

معها. كيف تمكّنتْ من هذا

حين خزّنَتْ قلبها المترمّل طيلة هذه السنين

تماماً كما يؤوب الموتى؟

لا عجبَ أنكَ كما أنت اليوم،

تخاف الدم، ونساؤكَ

يتعاقبنَ مثل أحجار الجدار، واحدة تلو الأخرى.

——————————-

ذاكرة أولى

جُرحتُ، منذ زمن بعيد. وعشتُ

لكي أثأر لنفسي

من أبي، ليس

بسبب ما كان عليه،

بل بسبب ما أنا عليه: منذ بدء الزمن

أيّام الطفولة، فكّرتُ

أنّ الألم يعني

أنني لم أكن محبوبة،

أنني كنتُ أحبّ.

——————————-

السوسنة البرّية

في ختام عذاباتي

كان ثمة باب.

أنصتوا إليّ: ذاك الذي تطلقون عليه اسم الموت

أتذكّرهُ

فوق الرأس صخب من كلّ فَجّ، أغصان الصنوبر تتنقّل

ثمّ لا شيء. الشمس الواهية

خفقتْ فوق السطح اليابس.

رهيب أنْ تواصلَ الحياة

والوعي

دفينٌ في التراب المظلم.

وبعدها انتهى الأمر: ذاك الذي تخاف منه، أنتَ

الروح، أنتَ العاجز عن

النطق، المنتهي بغتة، والأرض المتصلّبة

تلتوي قليلاً. وتلك

طيور ترمحُ في شجيرات واطئة.

أنتَ الذي لا تتذكّر

العبورَ من العالم الآخر

أقول لك إنّ في وسعي الكلام ثانية: كلّ

هذا العائد من النسيان، عائد

للعثور على صوت:

ومن سويداء حياتي جاءت

نافورة عظيمة، ظلالٌ زرقاء غامقة

على لازورد من مياه البحر.

——————————-

ليلكة الذهب

الآن إذْ أدركُ

أنني

أحتضر وأعرف

أنني لن أنطق ثانية، لن

أعيش بعد الأرض، لن أُدعى منها ثانية، وما

من زهرة، بل الشوك وحده، والقذارة الخام

تطبق على أضلاعي، أناديكَ

يا أبي وسيّدي: الكلّ من حولي،

الصحب كلّهم يخرّون أرضاً، يظنّون

أنكَ لا ترى. كيف

يجزمون أنكَ لا ترى

وأنتَ لم تخلّصنا بعد؟

وفي شفق الصيف، أأنتَ

قريب بما يكفي لكي تصغي

إلى فزع طفلتكَ؟ أم

أنكَ لستَ أبي،

أنتَ الذي رَبّيتَني؟

——————————-

الزهرة المكحلة

1

هل من عادة الزهرة، أن تنتصب

مثل عصا في المسير؛ ويا أيها الصبيّ التعس الذبيح

هل هكذا تعرب عن العرفان للآلهة؟ بيضاء

بقلوب ملوّنة، تتأرجح من حولك

الأزهار الطويلة، وكلّ الفتيان الآخرين

في الجدول البارد، آنَ يتفتح البنفسج.

2

في سحيق الأزمان لم يكن ثمة زهور

ما خلا أجساد الفتيان، شاحبة، تامّة التصوير.

وهكذا هبطت الآلهة لتأخذ هيئة البشر، الطافحين بالشوق.

وفي الحقل، في غيضة القصب،

صرف أبوللو الحاشية.

3

ومن دم الجرح النازف

قفزت زهرة، شبيهة بالليلكة، أشدّ بهاء

من أرجوان صور.(3)

وكان أن انتحب الإله، ففاضت كآبته الدافقة

على امتداد الأرض.

4

الجمال يفنى؛ وهذا هو منبع

الخلق. خارج حلقة الأشجار

كان في وسع الحاشية أن تصغي

إلى هديل اليمامة ينقل أرياشها

وتعاستها الوليدة معها ــ

توقف أهل الحاشية، وأنصتوا، عبر حفيف القصب.

هل هذا رثاء الآلهة؟

أنصتوا بانتباه شديد. وطيلة برهة وجيزة

كان الحزن يلفّ كلّ نأمة.

5

لا خلود سوى هذا:

البنفسج الأرجواني، متفتحاً في الجدول البارد.

بيد أنّ القلب مسودّ،

واضطرامه ظاهر جليّ.

أم أنه ليس القلب ذاته، هاهنا

بل هي مفردة أخرى؟

وثمة الآن مَن يجثو

لكي يستجمع شتاتها؟

6

لم يكن في وسعهم

البقاء في المنفى إلى الأبد.

ومن خلل الغيضة المؤتلقة

سارع أهل الحاشية إلى الفرار

ونادوا بالأسماء على صحبهم

فعَلَتْ أصواتهم على ضجيج الطير

وعلى أحزان القصب الشريدة.

ولقد صرفوا الليل في بكاء،

لكنّ دموعهم الرائقة

لم تبدّل أياً من ألوان الأرض.

إشارات:

­­­­ــــــ

(1) سيرسيه، حسب الأسطورة الإغريقية، ربّة ثانوية تمارس السحر. وفي «أوديسة» هوميروس، تسقي رجال أوديسيوس حساء سحرياً يحوّلهم إلى خنازير، وتعرض عليه أن يواقعها لقاء إعادتهم إلى مصافّ البشر، والمكوث في ضيافتها.

(2) بنيلوب، عند هوميروس، هي زوجة أوديسيوس التي تواصل انتظاره في إيثاكا، وتلهّي خطّابها بذريعة إتمام حياكة كانت تكرّها ليلاً.

(3) أرجوان صور، نسبة إلى المدينة اللبنانية الساحلية، هو الصباغ الذي ابتكره الفينيقيون واستُخدم في صباغة الحرير النفيس، فرسخ في التاريخ القديم كرمز للبهاء والرفعة

—————————————-

========================

——————————

لم اكن معنية بان اسمع

كانا يتحدثان

لكني أحسست بضوء المصباح ،يكف عن الارتعاش، كما لو أنه وضع على المنضدة. ما كنت لاسمع

أحدهما يقول للآخر

ما افضل طريقة لإثارتي،

بأي الكلمات أو الإيماءات

ولا كنت لاسمع وصفه لجسدي

كيف رد

ما، الذي لم يكن ليفعله. استدرت

درست الأصوات، سرعان ما ميزت

الأول، كان عميقا وقريبا، عن ذلك البديل.

كل ما اعرفه ؛ ان هذا كان يحدث كل ليلة: أحدهم يوقظني

الأول يعلّم الثاني.

ما الذي يحدث بعدئذ

بعيدا عن العالم، في الأعماق

حيث يعنينا الحلم فقط،

والرابطة مع أي روح،

بلا معنى؛ حيث ترميها بعيدا.

ماراثون /المقطع التاسع1987

——————————

البركة

يغطي الليل البركة بجناحيه.

تحت ضوء الهلال أستطيع ان أتصور وجهك

يسبح بين الأسماك الصغيرة وانعكاسات النجوم. في نسيم الليل وجه البركة معدني.

في عينيك. أرى ذكريات أميزها. كما لو كنا صغارا. مهرانا يرعيان على التل

رماديان ببقع بيض.

الآن هما يرعيان

مع الموتى المنتظرين

مثل الأطفال تحت دروع الغرانيت،

مرتخين وعاجزين:

إنّ التلال بعيدة. ترتفع ابعد من الطفولة.

ما الذي تراه ، مستلق بهدوء تام على الماء؟

البيت قرب المستنقع1975

——————————

الخوف من الدفن

في الحقل الفارغ، في الصباح،

ينتظر الجسم لكي يسجّى .

بجانبه تجلس الروح ، على صخرة صغيرة –

لا أحد يأتي ليمنحها هيأه من جديد .

فكّر بوحدة الجسد،

في الليل، يذرع الحقل المشذّب

الظل يتغضن حوله

يالها من رحلة طويلة.

وهناك ترتجف الأضواء البعيدة للقرية ، لا تتوقف من اجله وهي تمسح الطرقات

كم تبدو بعيدة،

الأبواب الخشبية والخبز والحليب

وضعت كأي شيء على المنضدة.

الشكل المنحدر. 1980

——————————

عذاب سايرس

أتأسف بمرارة لكل السنوات التي أحببتك فيها في حضورك وغيابك ، آسفة

القانون والعمل اللذان منعاني من الاحتفاظ بك ، البحر

صفحة من زجاج ، جمال السفن اليونانية المقصور بنور الشمس : كيف لي أن امتلك القوة ان لم تكن لي الرغبة في أن احوّلك:

وأنت تعشق جسدي،

حيث وجدت هناك العاطفة التي حملنا بها كل الهبات الاخرى، في تلك اللحظة

عن الشرف والأمل ، باسم تلك الرابطة

أرفضك

إحساس كهذا من زوجتك

وهي تتركك

تستريح معها، أرفضك

نم ثانية

إن لم استطع أن احصل عليك .

المروج 1986

المصادر

    wishing for another poem: poetry and assays of Louise gluck by Christine atkins 1997

    Proofs and theories (assays on poetry) by louise gluck 1994

    flower power: a general observation on Gluck poetry

    By Helen vendler 1993

    Best American poetry by Louise gluck 1994

——————————

حقيقة ، ليس هناك ما يكفي من الجمال في العالم

(مقطع من القصيدة)

حقيقة، ليس هناك ما يكفي من الجمال في العالم

حقيقة كذلك ، ليس من اختصاصي أن أستعيده

أنا

في العمل ، أكثر صمتا .

البلاهة ،

بؤس العالم

والتي تحاصرنا من كل جانب ، كزقاق

محاط بالأشجار ،

نحن معا ، دون أن نتكلم

كل واحد غارق في أفكاره ،

وخلف الأشجار ، حديد مسبوك

بوابات المنازل الخاصة

غرف بمصاريع مغلقة ،

الهواء جاف ومهجور ،

كما لو أن من واجب الفنان

أن يخلق الأمل ، ولكن مع من؟ مع ماذا ؟

فالكلمة نفسها

زائفة ، مجرد حيلة لدحض

الإدراك؛ لتتقاطع مع

أضواء زينة المنزل .

هكذا ، إذن ، كنت شابة ، أسافر

عبر الميترو مع كتابي الصغير

لكي أدافع عن نفسي

ضد هذا العالم ذاته:

لا لست وحيدة ،

تقول القصيدة ،

داخل هذا النفق الكئيب

——————————

الذاكرة الأولى

في زمن بعيد، جُرحت.

بعدها

عشت لأثأر لنفسي من أبي،

ليس لما كان عليه

وإنما لما كنت عليه.

قديمًا، في طفولتي، اعتقدت

أن هذا الألم معناه:

لم يحبني أحد.

بينما كان يعني: أني أحببت.

——————————

سعادة

رجل وامرأة نائمان في سرير أبيض،

إنه الصباح،

أظن أنهما سرعان ما سوف يستيقظا

على الطاولة الجانبية،

صحبة زنابق

تداعب الشمس

أعناقها

أراه يلتفت نحوها

كما لو أنه يهمس باسمها

لكن في صمت، عميقًا في فمها.

على حافة النافذة

مرة، مرتان

صدح عصفور.

تحركت، جسدها معبأ

بأنفاسه.

فتحت عينيّ، أراك تتأملني.

الشمس – تقريبًا – تغمر

الحجرة.

أتطلع في وجهك، تقول:

التصقي بي لنصبح مرآة

كم كنت هادئًا،

ثم، بلطف، من فوقنا،

عبرت

عجلة الرغبة.

——————————

الغسق

طوال اليوم يعمل في طاحونة ابن عمه، لذا عندما يعود إلى البيت

ليلاً، دائماً يجلس عند هذه النافذة يشاهد وقتًا واحدًا من اليوم،

الغسق. كان يجب أن تكون هناك أوقات أكثر كهذا، لتجلس وتحلم.

وكما يقول ابن عمّه: العيش- العيش يأخذك بعيدا من الجلوس.

عند النافذة، ليس العالم بل مربع مقتطع لمنظر يمثّل العالم.

الفصول تتغيّر، كلّ واحد منها مرئي فقط

لبضع ساعات في اليوم. الأشياء الخضراء تتبعها الأشياء الصفراء

تتبعها البيضاء –أشياء مجردة تأتي منها

متع شديدة، كحبّات تين على الطاولة.

عند الغسق، تسقط الشمس في سديم نار حمراء بين شجرتي حور.

في الصيف تغرب متأخرة – يصعب أحيانا البقاء صاحيا.

ثم يسقط كلّ شيء. العالم ولوقت قصير ثمة ما يشاهد،

وبعدها فقط ما يُسمع، جداجد، صرار الليل. أو ما يُشمّ أحيانا،

عبق أشجار الليمون، عبق أشجار البرتقال. ثم يأخذ النوم هذا أيضا.

لكن من السهل التنازل عن الأشياء هكذا، من باب التجربة، لبضع ساعات.

أفتحُ أصابعي- اترك كل شي يرحل.

العالم المرئي، اللغة، خشخشة الأوراق في الليل، رائحة العشب، دخان الحطب.

أتركها ترحل، وأشعل شمعة.

———————–

أوراق تحترق

أوراق الأشجار الميّتة، تشتعل سريعًا، وتحترق سريعًا؛

في لحظة، تتحوّل من شيء إلى لا شيء.

ظهيرة. السماء باردة، زرقاء؛ تحت النار، تراب رمادي.

على عجلٍ تمضي، على عجلٍ يتلاشى الدخان.

وفجأة في مكان كومة الأوراق، يبدو الفراغ شاسعًا.

في الجهة المقابلة من الطريق، ولدٌ يتفرّج.

يراقب لوقت طويل، الأوراق تحترق.

ربّما هكذا ستعرف، عندما تموت الأرض- تشتعل.

——————

عزلة

اليوم شديد العتمة؛ المطر يمنع رؤية الجبل.

الصوت الوحيد هو المطر،

يرغم الحياة على أن تنزل تحت الأرض.

ومع المطر، يجيء البرد.

الليلة لا قمر ولا نجوم.

نهضت الريح في الليل؛

عصفت بالحنطة طوال الصباح-

عند الظهر توقفت.

لكن العاصفة استمرّت، مبلّلة الحقول الجافة، وأغرقتها-

اختفت الأرض. لا شيء يُرى،

فقط المطر يلمع على النوافذ المظلمة.

هذا مكان سكينة، حيث لا شيء يتحرك-

الآن نعود إلى حيث كنّا،

حيوانات تعيش في ظلمة

بلا لغة أو بصيرة-

لا شيء يثبت أنّي حيّة.

يوجد فقط المطر،

المطر الذي لا ينتهي.

——————————

المتحدثة غير الجديرة بالثقة

لا تستمع إلي؛ أنا مكسورة القلب،

لا أنظر لشيء بموضوعية.

أعرف نفسي

تعلمت أن أستمع كطبيب نفسي

وعندما تغلب العاطفة على كلامي،

لا يمكن الوثوق بي.

أمر محزن حقًا، تميزت طوال حياتي

بذكائي، وسطوة لغتي، وبصيرتي،

في النهاية، ضاعت كلها هباءً.

أبدًا، لم أر نفسي،

واقفة عند العتبة الأمامية، ممسكة بيد شقيقتي،

لذا أعجز عن عدّ كدمات

ذراعها عند نهاية الأكمام.

في عقلي، أنا خفية؛ وهنا مكمن خطورتي

الناس أمثالي، ممن يبدون ناكرين لذواتهم،

هم العاجزون

هم الكاذبون

هم من يجب أن يستبعدوا لصالح الحقيقة.

حين أصمت، ذلك وقت ظهور الحقيقة

سماء صافية، سحب كألياف بيضاء،

تحتها بيت رمادي صغير،

حوله زهور الأزالية* بلونيها الأحمر والوردي الفاتح.

لو أنك تريد الحقيقة، عليك أن تعزل نفسك

عن الابنة الكبرى، أن تنبذها بعيدًا.

حين يتأذى شيء حي، بهذا القدر، في أعمق أفعاله

تنحرف وظائفه كلها.

لهذا أنا لست جديرة بالثقة

لأن قلبًا جريحًا

يعني عقلًا جريحًا أيضًا.

——————————

وفرة

في أماسي الصيف، ريح طرية تهزّ الحنطة.

تنحني الحنطة، وتخشخش أوراق الخوخ في الليل المقبل.

في العتمة، ولدٌ يقطع الحقل: لأول مرّة يلمس بنتاً

فيمشي إلى بيته رجلاً، بجوع رجل.

على مهل تنضج الفاكهة- سلال وسلال من شجرة واحدة

كلّ عامٍ بعضها يتعفّن ولعدّة أسابيع تكون هناك وفرة

قبل وبعد، لا شيء.

بين صفوف الحنطة يمكنك رؤية الفئران، تلمعُ مسرعة على الأرض، وأبراج الحنطة فوقها،

تتموّج في هبوب ريح الصيف.

القمر بدرٌ. صوت غريب يأتي من الحقل-

لعلّها الريح.

هي للفئران ليلة مثل أيّ ليلة صيف. فاكهة وحبوب:

وقتُ وفرة. لا أحد يموت، لا أحد يمضي جوعان.

لا صوت سوى هدير الحنطة.

——————————

تلسكوب

هناك لحظةٌ

بعد أن تحرِّكَ عينيكَ بعيدًا،

عندما تنسى أين أنتَ

لأنّكَ كنتَ، كما يبدو،

تعيش في مكانٍ آخرَ،

تعيشُ في سكون اللَّيل.

لقد توقّفتَ عنِ البقاءِ

في هذا العالمِ.

أنتَ في مكانٍ آخرَ،

مكانٍ حيثُ حياة الإنسانِ

ليس لها معنى.

لم تعُدْ مجرّدَ كائنٍ في جسدٍ.

وإنَّما موجودٌ كما النُّجوم،

تشاركُها في هَدْأتِها و عظَمَتِها.

بعد ذلك، تجدُ نفسَكَ في العالَمِ

مرّةً أخرى، على تلّةٍ باردَةٍ في اللّيل،

تُنحَّي التّلسكوبُ بعيدًا.

بعد ذلك، تدرِكُ

أنَّ الصورةَ لم تكُنْ خطأً

ولكنّ العلاقةَ هي الخطأُ.

و ترى مجدَّدًا كيفَ أنَّ كلَّ شيءٍ

بعيدٌ عن كلِّ شيءٍ آخرَ.

——————————

الذاكرة الأولى

في زمن بعيد، جُرحت.

بعدها

عشت لأثأر لنفسي من أبي،

ليس لما كان عليه

وإنما لما كنت عليه.

قديمًا، في طفولتي، اعتقدت

أن هذا الألم معناه:

لم يحبني أحد.

بينما كان يعني: أني أحببت.

——————————

اعتراف..

أهله لا يملكون أيّ شجرة، لذا يسرقُ أحيانًا،

وهو يحب الفاكهة. هو لا يسرق تمامًا-

هو يدّعي أنه حيوان؛ يأكلُ ما يقع على الأرض،

كما تأكل الحيوانات. هذا ما يقول للقسّيس،

لا يعتقد أنها خطيئة أن تأخذ ما ملقى هناك ليتعفّن،

هذه السنة ككلّ سنة أخرى.

كرجل وكإنسان، يتفق القسّيس مع الولد،

لكن كقسّيس يجازيه، الجزاء الخفيف،

لأخذه شيئا لا يملكه، كي لا يقتل المخيلة.

لكن الولد يحتجّ. هو مستعد أن ينفّذ الجزاء

لأنه يحب القسّيس، لكنه يرفض الإيمان

أن المسيح قد أعطى شجرة التين إلى هذه المرأة؛

هو يريد أن يعرف ماذا يفعل المسيح بكلّ الأموال

التي يتحصّل عليها من العقارات، ليس في هذه القرية بل في كلّ البلاد.

يقول هذا نصف مازح ونصف جاد فيضطرب القسيس-

لا يستطيع أن يتعمّق مع هذا الولد،

رغم أن المسيح لا يتعامل مع العقارات،لا يستطيع أن يشرح

أنّ شجرة التين ما تزال ملكًا للمرأة، حتى ولو لم تقطف التين.

رّبما يوما ما بدعوات الولد، ستصبح المرأة قّديسة وتشارك

الغرباء شجرتها وبيتها الكبير، لكن الآن هي انسان وأسلافها قاموا ببناء هذا البيت.

القسّيس سعيد أنه استطاع أن يغير مجرى الحديث بعيدًا عن المال،

الذي يجعله متوّترا، ويعود إلى كلمات مثل عائلة أو تقاليد، حيث يشعر بالأمان أكثر.

يحدّق الولد فيه-يعلم تماما الطرق التي استغلّ بها سيدة مسنة،

الطرق التي حاول بها أن يسعد القسّيس، لينال اعجابه.

لكنه يبغض خطبا كهذه الآن؛ هو يريد أن يحرج القّسيس:

إذا كان يحب العائلة جدًا، لماذا لم يتزوج كما فعل أبواه،

يواصل نسل أسلافه. لكنه صامت.

الكلمات التي تعني لا مزيد من الأسئلة، لا مزيد من الحجاج-

تلك الكلمات تفوه بها. “شكرا، أبانا،”.

————————-

قصيدة

أشعرُ البحرَ المحيطَ يقضمُ في اللّيالي حياتي. قُربَ الجَوْنِ، في شبكةِ الأخوارِ هذهِ، ولا يكفُّ. يحفُّني الخَطَرُ. ولا أكفُّ، خدرانةً في موجِ خمرِ أنفاسكَ أَعقِدُ . . . هَا إنّ الأسماكَ تدخلُ على طُولِ الشّاطئِ. بلا جلودٍ، بلا زعانفَ، والعوائلُ العاريةُ لجماجمها ما زالتْ مغروزةً، تتكوّمُ صحبةَ اليبابِ الآخرِ. قشورٌ، قشورٌ. أقمارٌ تُصفِّرُ في أفواهها، عبرَ أصدافٍ تلهثُ. أسماكٌ محدّقةٌ. وذبابٌ كالكواكبِ، أصدافٌ كلاليبٌ تُصَلصِلُ عمياءَ عبرَ أزهارِ الحواشي الأمواجِ . . . الشّيءُ يفقسُ. أنظر. هَا إنّ العظامَ تتقوّسُ كي تُفسحَ الطّريقَ. وإنّها العتمةُ. إنّها العتمةُ. ولقد أحضرَ طاسًا كي يلتقطَ أشلاءَ الرّضيعِ.

(ترجمة: تحسين الخطيب)

——————————————–

قصائد ترجمة سامر أبو هواش

***

المرآة

متفرجة عليك في المرآة

أتساءل ما يعني أن يكون المرء بهذا الجمال

ولمَ لا تحب سوى

جرح نفسك وأنت تحلق ذقنك

كرجل أعمى. أحسب أنك تدعني أحدّق

لكي تنقلب ضدّ نفسك

بعنف أكبر،

محتاجاً إلى أن تريني كيف تكشط الجلد

بازدراء وبلا تردّد

لكي أراك بشكل صحيح،

كرجل ينزف، لا لأرى

الانعكاس الذي أشتهيه.

————————————

العودة

حين رحلت

كنت مرعوبة؛ ثم

لمسني فتى في الشارع،

كانت عيناه بمستوى عيني،

صافيتين وحزينتين:

دعوته إلى الدخول؛ تكلمت معه

بلغتنا،

لكن يداه كانتا يديك،

وبرقة هائلة نالتا ما أرادتا

ثم لم يكن مهماً

اسم أي منكما كنت أنادي،

كان الجرح عميقاً إلى هذا الحدّ.


***

حلم الحداد

أنام لكي تبقى حياً،

بهذه البساطة.

الأحلام نفسها ليست شيئاً.

ثمة المرض الذي تسيطر عليه،

لا أكثر.

أهرع إليك في الفجر الصيفي،

ليس في العالم الحقيقي، لكن في المدفون

حيث تنتظر،

بينما الريح يتحرك فوق الخليج، يلعب به،

مولّداً سلاسل رفيعة من الذعر…

ثم يأتي الصباح، باحثاً عن الفريسة.

أتذكر؟ والعالم يذعن.

الليلة الفائتة كانت مختلفة.

أحدهم ضاجعني وأنا مستيقظة؛ حين فتحت عيني

كان الأمر انتهى، كل الحاجة

انتهت وبذلك عرفت حياتي.

ولبرهة حسبتني أدخل

عتمة الأرض الوطيدة،

ظانة أنها يمكن أن تحملني

————————————

البداية

جئت إلى مدينة غريبة، عارية من كل شيء:

في الحلم، كانت مدينتك، وكنت أبحث عنك.

ثم ضعت، في شارع معتم صفت على جانبيه أكشاك الفاكهة.

كان ثمة ثمرة واحدة: البرتقال الدموي.

كانت الأسواق تعرضها على منصات رائعة…

كيف يتنافسون بغير ذلك؟ وفي وسط كل رف

برتقالة واحدة شقت إلى نصفين.

ثم كنت في جادة في الشمس الساطعة.

كنت أركض، كان من السهل أن أركض، ما دمت عارية من كل شيء.

في البعيد، كان بوسعي أن أرى بيتك؛

امرأة منحنية في الباحة.

كان ثمة زهور في كل مكان؛ تتسلق

العرائش العالية.

ثم ما بدأ كحب لك

صار جوعاً للبنية: كنت أستطيع سماع

النسوة ينادينني بلطف عام، عارفات أنني

لن أسأل عنك بعد الآن…

سوّي الأمر إذن: استطعت أن أحظى بطفولة هناك.

ما صار يعني أن أكون وحيدة دائماً.

——————————–

=====================

العصور السبعة/  لويز غليك

في حلمي الأول ظهر العالم

الملح، المر، الممنوع، العذب.

في حلمي الثاني هبطت.

كنت بشراً، إلا أنني لم أستطع تبيّن

أي وحش كنتُ.

كان عليّ لمسه، احتواؤه.

اختبأت في البيارات،

عملت في الحقول، حتى تعرّت الحقول.

ربطة القمح الجاف

سلال التين والزيتون.

زمان.

لن يعود ثانية،

حتى إنني في بعض الأوقات أحببت بطريقتي البشرية المقرفة

ودعوت تلك المأثرة كالجميع

حرية جنسية،

سخيفة مثلما تبدو.

حُصد القمح وخُزن،

آخر ثمرة جفت: زمن

مدخر لم يُستخدم أبداً،

أيمكن أن ينفد أيضاً؟

في حلمي الأول ظهر العالم

العذب، الممنوع.

غير أنه ما من جنة هناك،

مواد أولية فقط.

كنت بشراً.

عليّ أن أتوسل هبوط

الملح، المر، الحاجة، الوقاية.

ومثل الجميع، أخذت، أُخِذت.

حلمت،

خُدعت:

وُهبتُ الأرض في حلم

في حلم ملكته…

قصيدة

في مثل هذا الوقت، أول المساء،

ينكب رجل فوق طاولة الكتابة

ببطء يرفع رأسه؛

تتبدى امرأة، تحمل وروداً.

يطفو وجهها فوق سطح المرأة،

موسوماً بخضرة سوق الورد.

هو شكل معاناة:

تمددت بعده الصفحة الرقيقة دائماً

نحو النافذة حتى برزت عروقها

كلمات امتلأت بالحبر أخيراً.

وددت لو أعرف

ما يربطهما ببعضهما

أو بالمنزل الشاحب المشدود الى المكان بحلول الغسق.

إنه الربيع، شجرة الكمثرى

تكسوها غشاوة زهيرات بيضاء واهنة

لأنه عليّ دخول حياتهما.

منظر طبيعي

مرّ زمن، محولاً كل شيء الى جليد

مادَ المستقبل تحته.

إذا سقطتَ فيه، هلكت.

كان زمناً

للانتظار، للنشاط المؤجل.

عشتُ في حاضر هو

ذاك الجزء من المستقبل الذي رأيته.

عام الماضي فوق رأسي.

مثل الشمس والقمر، مرئياً لكن لمسه مستحيل.

كان زمناً

تحدّه المتناقضات، حيث

لم أحس بشيء

وكنت خائفة.

الشتاء أفرغ الأشجار، وأعاد ملأها ثلجاً.

لأنني لم أستطع الإحساس، تساقط الثلج، تجمدت البحيرة تماماً.

لأنني كنت خائفة، لم أتحرك؛

نفَسي كان أبيض، لوناً للصمت.

مرّ زمن، بات شيء منه هكذا.

وشيء منه تبخّر ببساطة؛

تستطيع رؤيته عائماً فوق الشجرات البيضاء

يشكّل ندف ثلج.

تنتظر الزمن الملائم طوال حياتك.

ثم يكشف الزمن الملائم

عن نفسه كفصل انقضى.

راقبتُ تحرك الماضي، حبلَ غيوم تعبر

حسب الريح،

من اليمين الى اليسار أو من اليسار الى اليمين

بعض الأيام، لم تهب ريح

بدت الغيوم ثابتة في مكانها،

مثلما صورة البحر، أكثر سكوناً من البحر.

بعض الأيام، كانت البحيرة صفحة زجاج.

تحت الزجاج، أصدر المستقبل

أصواتاً خافتة جذابة؛

تضطر الى شد نفسك كي لا تنصت إليها.

مره زمن؛ لا بد أن تشاهد فترة قصيرة منه.

السنوات التي أخذها معه كانت سنوات الشتاء؛

لا يجوز أن تفوّت.

بعض الأيام كانت بلا غيوم،

كأن منابع الماضي قد تلاشت.

كان العالم مبيضاً، مثل نيجاتيف

نفذ الضوء عبره مباشرة.

فبهتت ألوان الصورة.

فوق العالم

كانت الزرقة فقط، الزرقة في كل مكان.

*

الترجمة: موفق اسماعيل

———————————–

====================

ديوان عجلة مشتعلة تمر فوقنا

من المتعارف عليه أن علامة الذكاء الشعري أو الصنعة الشعرية هي الشغف باللغة، التي يعتقد أنها تعني التجاوب المحموم مع أصغر وحدات اللغة: الكلمة. يفترض أن الشاعر هو الشخص الذي لا يشبع من الكلمات المعقدة. بيد أن تجربتي لم تكن كذلك. منذ سن الرابعة أو الخامسة أو السادسة بدأت بقراءة القصائد، وبدأت أرى الشعراء الذين كنت أقرأ أعمالهم بوصفهم رفاقي وأسلافي -منذ البداية آثرت أبسط المفردات. ما فتنني كان الاحتمالات التي يتيحها السياق الذي توضع فيه المفردة. ما كنت أتجاوب معه، على الصفحةن هو الطريقة التي تستطيع القصيدة من خلالها أن تمارس فعل التحرر، عبر الإطار الذي توضع فيه الكلمة، عبر التوقيت والإيقاع الخفيين… وبدا لي أن اللغة البسيطة تناسب أكثر مثل هذه المغامرة… أحب الوزن لكنني أفضله خفياً…”.

تكاد مثل هذه النظرة إلى الشعر المنطلقة ظاهرياً من البساطة، ولكن القائمة على العمق، تختصر تجربة لويز غلوك الشعرية. فهذه الصفة بالذات، أي استعمال الكلمات البسيطة، في تركيب شعري متكامل، وعبر أداة الإيقاع والموسيقى الخفيين أو غير النانين، لخلق التأثير الشعري، نلاحظه سمة دائمة في شعرها. وما يجري على الشكل يجري أيضاً على المضمون أو يمضي بالتوازي والتكامل معه.

تقول غلُك: “ما أتشارك به مع شعراء جيلي هو الطموح، وما أخالفهم فيه هو تعريف هذا الطموح. لا أعتقد أن الإكثار من المعلومات يصنع دائماً قصيدة ثرية. ما يجذبني هو المضمر، الذي لا يقال، الإيحاد، الصمت المعتمد البليغ. ما لا يقال في القصيدة يضمر قوة أكبر. غالباً ما أتمنى أن تصنع قصيدة كاملة من هذا التعبير، أي ما لا يقال، فهو يوازي غير المرئي مثلاً، قوة المخرب، العمل الفني الذي لحق به بعض الخراب أو الذي ليس بكامل. أعمال فنية كهذه تلمح دائماً إلى سياقات أكبر، إنها تلازمنا لأنها غير كاملة، وإن كان الكمال متضمناً فيها: زمن آخر، زمن كانت فيه كاملة، أو كانت ستكون كاملة فيه، متضمن فيها. كل التجرية الدنيوية جزئية. ليس ببساطة لأنها ذاتية، لكن لأن ما نجهله، عن الكون، عن الفناء، أوسع بكثير مما نعرفه. ما هو غير منجز أو ما دمر يعزز هذه الألغاز. المسألة هي في صنع كامل لا يضحي بهذه القوة”.

هكذا تتحرك لويز غلوك ضمن مجالين يفصل بينهما خيط رفيع غالباً ما تنجح في الحفاظ عليه: مجال العادي، السردي، الأوتوبيوغرافي، اليومي، والواقعي. والمجال الآخر الإيحائي، الملغز، الميتافيزيقي، الخرافي أو الأسطوري. تستعيد أو تستعير الشاعرة مثلاً في “المروج” شخصيتي عوليس وبنيلوب والساحرة تسيريس من “الأوذيسة” لتنسج قصة متعددة المستويات حول الحرب والزواج والغياب والرغبة والخيانة والقدر والعودة وفكرة الرحلة وغيرها من معان. لا نحتاج إلى أن نعرف مثلاً أن المجموعة التي تلعب زوجة عوليس فيها، أي بنيلوب، دور الشاعرة كتبت بعد انفصال غلُك نفسها عن زوجها، ذلك أننا سنجد في مجموعتين سابقتين “أرارات” وفي “القزحية” المتوحشة”، كما في غيرهما، التوظيف نفسه لعناصر ميثولوجية بما في ذلك “الأوذيسة” التي تحضر كغلالة تطرح من خلالها غليك هواجسها الكثيرة، أيضاً حول العلاقات، الغرامية وسواها، حول الإرث العائلي، الموت، الغياب، وبالطبع الثيمة الأكثر حضوراً عند غليك هي الخسارة أو الفقدان، ليتحول اليومي بهذا المعنى، بكل إيحاءاته أحياناً أو بكل فجاجته في أحيان أخرى إلى عملية بحث عما تسميه غليك “ما لا يقال”، ولتتحول القصيدة إلى ما يشبه صفحة ماء تبث فيها الشاعرة بعض الاضطراب وتدعنا نتأمل ترقرق الماء عليها.

لتحميل ديوان عجلة مشتعلة تمر فوقنا من الرابط التالي:

ديوان عجلة مشتعلة تمر فوقنا


اعداد موقع صفحات سورية

========================

جائزة نوبل للآداب 2020 للشاعرة الأمريكية لويز غلوك: المنشَدّة إلى المحذوف والقول الصامت/ صبحي حديدي

«كنتُ، على الدوام، مرتاحة إلى المكوث بين أقصيَين»، تقول الشاعرة الأمريكية لويز غلوك Louise Glück، من دون أن تبدي كبير اكتراث بعمق أو ضحالة العلائق بين أقصى الموت وأقصى الحياة، الحبّ والألم، الوهم والحقيقة. ثمة في شعرها هذا التداول المزمن للتوتّر بين الأقصيَين، وأكثر قصائدها قوّة ـ وأبعدها أثراً في الوجدان، وأعمقها فلسفة ـ تلك التي يبلغ فيها التوتّر شأو الهبوط الأخير إلى قاع الحقائق البسيطة، المتجردة من تعقيدات المقيم والطارىء، المفزعة لأنها هكذا تحديداً.

لكنّ مهارة غلوك في ابتكار الصورة الصادمة والجاذبة في آن، وتحقيق نقلات وجدانية ذكيّة ومباغتة بدورها، وقَطْع السطر الشعري على نحو تشكيلي مدروس إيقاعياً (في مستوى المفردة، والصوت، والمقطع النَبْري)؛ كلّ ذلك أتاح لها على الدوام أن «تموّه» الثقل الفلسفي والميتافيزيقي الذي يكتنف موضوعاتها الأثيرة: الموت، الحرية، الصمت، الحبّ، الموسيقى، الطبيعة…

الشاعرة عندها ليست تلك التي لا تملّ من اشتقاق الإيحاءات، والصور والاستعارات والكنايات، من مفردة/ صفة مثل «قرمزيّ». إنها بالأحرى، وكما تكتب في مقالة بعنوان «تربية الشاعر»، تلك التي لا تملّ من تدوير المفردة البسيطة في عشرات التراكيب اللمّاحة، الوضّاءة، والضاجّة بالمعاني المتغايرة. وفي رأيها أنّ ما يهزّ الوجدان في صفحة شعر هو ذاك «السبيل الذي يجعل القصيدة تُحرِّر، عن طريق مَوْضَعة الكلمة، وحُسْن إدخالها في سياقات زمانية ومكانية، وإطلاق ذلك النطاق التامّ والمدهش الذي يتيح اصطراع معانيها».

وفي مشهد الشعر الأمريكي المعاصر تحتلّ غلوك موقعاً أمامياً في صفّ المدافعين عن «القول الصامت»، أو المعنى الذي لا يُقال، أو لا يمكن أن يُقال (أشهر زملائها في هذا الصفّ جيمس ميريل، مارك ستراند، شارلز سيميك). وفي مقالة تتناول هذه المقولة تحديداً، تكتب غلوك: «أنا منشدّة إلى المحذوف، إلى ما لا يُقال، إلى الإيحاء الذي لا ينطق، وإلى الصمت المتعمَّد البليغ. ويحدث غالباً أن أحلم بكتابة قصيدة صامتة، تماماً كما يحدث حين أحلم بمشاهدة ما لا يُرى: قوّة الخرائب هذه التي تفوق قوّة العمران كلّه». وهي ترى أنّ المطلوب في الفنّ هو «تسخير قوّة اللامنتهي. كلّ التجارب البشرية جزئية، ليس ببساطة لأنها ذاتية، بل لأنّ ما نعرفه عن الكون، والأخلاق أكثر اتساعاً من ذاك الذي نعرفه. ما هو غير منتهٍ، أو تمّ تدميره، يساهم في هذه الأستار. والمشكلة هي تكوين حصيلة متكاملة لا تصادر تلك القوّة».

المدهش، مع ذلك، أنّ الأسطوري والصوفيّ عنصران لازمان في معظم قصائد غلوك، بل إننا نعثر عندها على ما يشبه المرجعية النبوئية الدائمة، أو «الحامل الدَلْفي»، نسبة إلى معبد دلفي اليوناني الشهير، كما يحلو للناقدة الأمريكية هيلين فندلر أن تقول، في وصف إشراقات غلوك الروحية، التي لا تبصر ما هو أقلّ من مقام الإبهام والاستغلاق والمعنى الملتبس. وهذا الطراز من اللجوء إلى الأَسْطَرة، الإغريقية بصفة خاصة، هو الذي يمكّن غلوك من رفد القصيدة بخطّ سردي خفيف موارب، يعتمد على بعض عناصر الأسطورة (كما في مثال سيرسيه وبينيلوب)؛ لا لشيء إلا لكي يعيد تغليف تلك العناصر، ذاتها، بمزيد من الالتباس: أي، بمزيد من المعنى المتجدد.

ولدت غلوك في نيويورك سنة 1943، ودرست في جامعة كولومبيا، ثم تنقّلت في أكثر من ولاية داخل أمريكا. مجموعتها الأولى «الوليد البكر» صدرت سنة 1968، وتبعتها مجموعات عديدة بينها «بيت الأهوار»، «انتصار آخيل»، «أرارات»، «السوسنة البرّية»، وهي المجموعة التي نالت جائزة بوليتزر، و»أرض المروج». ولها مجموعة مقالات عن الشعر، صدرت سنة 1994، بعنوان «براهين ونظريات». لم تخطئ الأكاديمية السويدية حين التفتت إليها فمنحتها جائزة الأدب الأرفع عالمياً، فهذه شاعرة كبيرة ومجددة وعميقة وملتزمة.

القدس العربي

—————————-

لويز غلوك… في شعرها الفاضل/ سعيد خطيبي

وحدها «جائزة نوبل» دأبت على انتشال الشعر ورفعه في لحظاته الأكثر عسراً، للمرة الثانية في ظرف عشر سنوات، يعود الشعر إلى الاهتمام، فبعد توماس ترونسترومر (2011)، نالت الأمريكية لويز غلوك (1943) اليوم الجائزة الأرفع. وقبل الحديث عن الشاعرة يستحق الحدث أن نتوقف قليلاً عنده، في هذا الإصرار على إنقاذ الشعر من محنه، وقد كاد أن يتحول إلى سلعة كاسدة، في الأعوام الأخيرة، ليس فقط في العالم العربي، بل الوضع ينسحب على الثقافات الأخرى. بمجرد الاقتراب عن إعلان نوبل، كل عام، تنطلق لعبة التخمينات والترشيحات، تميل في غالبيتها إلى الإعلاء من الروائيين، إلى تداول عناوين روايات، واستحقاق أصحابها للشرف، لكن نادراً ما نُصادف من يُدافع عن شاعر، أو من يُدافع عن الشعر عموماً، فقد انزاح إلى مرتبة أدنى في مخيلة الكثيرين، لا يظنون بأن عمل الشاعر يستأهل مرتبة متقدمة مقارنة بالروائي، مبيعات الأعمال الشعرية تراوح أرقاماً مخجلة أيضاً، لن نعثر على (بيست سيلر) شعري واحد، على الأقل في العقدين الماضيين، فالقراء مشغولون أكثر بالروائيين، بالحكايات، بالسير الذاتية كذلك، بمراودة المسارح وقاعات السينما، الصبورون منهم فقط من يتجرؤون على تسخين مقاعد القاعات، وحضور أمسيات شعرية، غالباً ما يستعجل منظموها إنهاءها كي لا يستشعر الحضور مللاً. ففي فرنسا مثلاً، التي تعد واحدة من أنشط أسواق الكتاب في العالم، فإن مبيعات دواوين الشعر لا تتعدى 1% من مجموع مبيعات الضروب الأدبية الأخرى، مع العلم أن هذه المبيعات تتضمن أيضاً مبيعات الشعر الكلاسيكي، بالتالي فإن حظوظ شاعر مُعاصر تتضاءل في المنافسة، مع كتّاب رواية أو قصة أو سيرة ذاتية، أو كتّاب المسرح، هذا الوضع يحتم على ناشرين صرف النظر عن الشعر، إلا في حالات قليلاً حين يتكفل الشاعر بنفسه طبع كتابه، غالباً في نسخ جد محدودة، بعض الناشرين المغامرين يطبعون أعمالا شعرية، من باب النضال الأدبي لا أكثر، عن قناعة منهم ألا منفعة مادية منها. إنه زمن معادٍ للشعر، متوحش ومتحرش بالشعراء.

شيئاً فشيئاً يختفي الشعر من الفضاء العام، من المكتبات العامة منها والخاصة، فوسائل الإعلام يهمها أن يكتب شاب عن حياته الخاصة، عن تجاربه وعن مراهقته، بدل أن «يُثقل» عليها شاعر مخضرم بجديد تجربته، في ظل هذه الأزمة الشعرية الممتدة، يأتي حصول لويز غلوك على نوبل للأدب أشبه بقارب خلاص، مثل عصا موسى التي تشق بحر اللامبالاة، التي طالما حلم بها الشعر، فمثل هذا الحدث من شأنه أن يردّ للشعر قليلاً من هيبته، يحفظ له ماء الوجه، يخلصه من قنوطه، أن يتنفس بعد سنين من الاختناق، الذي تعددت أسبابه.

لقد جاء اختيار هذا الشاعرة مفاجئاً لكثيرين، لم يسبق أن ورد اسمها في (لعبة الحظ)، التي يداوم عليها البعض، كما لو أنها لعبة يانصيب، ولم تدخل خانة الترشيحات، كما أن فوز اسم من أمريكاً كان ـ إلى حد ما ـ مستبعداً، فقد نالها قبل أربع سنوات المغني بوب ديلان، مع ما رافق تتويجه من صخب، لكن «جائزة نوبل» تثبت مرة أخرى مناهضتها للسائد، نأيها عن ضغط النقاد والصحف والملاحق الأدبية، لم تخضع إلى منطق التبارز بالأسماء، لم تمل إلى طرف على حساب آخر، بل فضلت المراهنة على خطها، في تتويج الأسماء غير المتوقعة، صحيح أن هناك من يعيب عليها انحيازاً إلى نطاق جغرافي على حساب آخر، ترويجها لكتاب غربيين، لكن يجب أن لا ننسى أن «نوبل» يتشكل أعضاؤها من سويديين، يقرؤون باللغتين السويدية والإنكليزية، فهل نفرض عليهم قراءة أدب لم يترجم إلى هاتين اللغتين بما فيه الكفاية؟ على الرغم من أن اسم لويز غلوك ليس شائعاً عربياً، فإنه اسم مكرس في بلدها، بل إنها «شاعرة البلد»، فقبل اليوم كانت قد نالت «ناشيونال بوك أوورد» (2014) عن ديوانها الأحدث «ليل وفي وفاضل»، كما نالت «البوليتزر» (1993)، التي سبقتها إليها في أوائل الثمانينيات سيلفيا بلاث. نحن بصدد شاعرة قضت أكثر من نصف قرن في الشعر، منذ إصدارها الأول «البِكر»، توالت بعده إصداراتها لتصل إلى اثني عشر ديواناً شعرياً، تُضاف إليها كتب نقدية تخصصت في الشعر وأحواله.

يدرك الجميع الأزمة التي تمرّ بها لجنة نوبل، في السنوات الثلاث الماضية، عقب تسرب فضيحة تحرش جنسي، مع ما تلاه من استقالات بعض أعضائها، ثم احتجابها عام 2018، قبل أن تعود العام الماضي باسم البولونية أولغا توركاتشوك والنمساوي بيتر هاندكه (عن سنة 2019)، رغم ما صاحب ذلك من جدل وقلق واسعين، لكن السويديين دافعوا عن أنفسهم بأنهم كرّموا أدب الرجل لا مواقفه «المتناقضة» من حرب البوسنة والهرسك، وفي ظرف عامين منحت الجائزة إلى امرأتين، لعل هذا العام يتميز بتويج نسائي واسع، في مختلف أصناف نوبل، هل هي محاولة قصد ترقيع تغييب النساء في سنوات سالفة، وطي صفحة صدامات داخلية عرفتها؟ لكن مهما يُقال، ورغم هذه العاصفة من النقد، التي تُرافق دائماً إعلان اسم الفائز، بغض النظر عن جنسيته أو نوعه الأدبي، فإن أكاديمية ستوكهولم ترسل في كل مرة إشارات مهمة، يجب أن لا نغفل عنها، فقد ساد اعتقاد أن المتوج بالجائزة يجب أن يكون مترجماً ومقروءاً في لغات أخرى، غير لغته الأم، بينما لويز غلوك تنقض تلك الفرضية، لا ديوان واحد لها ترجم كاملاً، خارج الإنكليزية، وما تُرجم لها ـ لحد الساعة ـ لا يعدو أكثر من نصوص متفرقة، صدرت بشكل خجول، في بعض الأنطولوجيات والمجلات، لقد ظلت المجلات الشعرية تلعب دوراً مهماً في الدفاع عن الشعر، ونوبل هذه السنة لا بد أنها تحية لها أيضاً. إن ترجمة الكتب، كما هو متعارف عليه، لم تعد مقياساً حاسماً في نيل نوبل، بل مقياسها قابل للتغيير، وذلك هو جوهر جائزة بقيمة نوبل، ألا تستكين إلى وجهة نظر واحدة، بل تتحول بتحول المرحلة التي تعيشها.

من مطالعة أولية لبعض نصوص الشاعرة، تبدو كتابتها مختزلة، تدور حول نفسها، كتابة نشعر كما لو أنها ناقصة غير مكتملة، تنحو نحو مسائل شخصية، داخلية، عن حياتها وعائلتها وطفولتها، لا تبدو نصوصاً متأثرة بموضة الشعر المُعاصر، بل خارجة عن التصنيفات التي نعرفها اليوم، ذاتية ونافرة من التجارب التي يعرفها من هُم في جيلها. «لا هو شعر نخبوي ولا شعر بوح ذاتي»، بتوصيف أحد النقاد الأمريكيين. «أميل إلى صمت إرادي، أحبذ البياض، أحبذ النسيان المنشط للذاكرة»، علقت لويز غلوك في كتابٍ لها عن شاعرها المفضل جورج أوبن (1908- 1984). تميل إلى كتابة الأشياء التي لا تقول شيئاً وغير المنتهية، وتكثر من مديح الصمت، فهناك من يشبه كتاباتها بما تركه ولاس ستيفنز (1879-1955)، تبتكر داخل «إنكليزيتها» لغة أخرى، قد تبدو غريبة، لكنها ظلت تميز أعمالها الشعرية.

لويز غلوك التي قالت في حوار أجري معها: «أحبذ أن أكتب عكس ما أفكر فيه»، تأتي اليوم، وقد قاربت عقدها الثامن، كي تنبهنا إلى ضرورة إعادة النظر في علاقتنا بالشعر، ألا نسرف في التقليل منه، أن نعيد قراءته بدون استصغار، أن نستمع إليها وهي تقول: «أكتب ببطء، ببطء شديد، حين أسرع في كتابة قصيدة أشعر بأنها تهرب مني، أشعر بأنني لست كاتبتها».

٭ كاتب جزائري

القدس العربي

————————–

الشاعرة أم “لعبة” جائزة نوبل؟/ معن البياري

أخبرنا العارفون بشعر الأميركية لويز غليك (77 عاما) بأنها شاعرة جيّدة ومتجدّدة، بل ورائعة أيضا، وأن فوزها أمس الخميس بجائزة نوبل للآداب مستحق. وتجيزُ قراءة شيءٍ من القليل الذي تُرجم لها إلى العربية (لها 12 مجموعة شعرية منذ 1968) القول عن موهبةٍ ظاهرةٍ لدى صاحبة هذا الإسم الذي دخل نادي الجائزة العتيدة. والأدعى أن نقرأها بالإنكليزية، أو أقلّه بترجمةٍ عالية. وأهل مكّة أدرى بشعابها في شأن المختارات من أربع مجموعاتٍ لها في ترجمةٍ بالعربية، صدرت عن دار الجمل في بيروت (بالإشتراك مع دار كلمة في أبوظبي) العام 2009. ويدلّ المنظور الذي تصدر عنه الشاعرة لويز غليك، في كتابتها قصيدتَها، على عميق إدراكها الجوهريَّ في الشعر الذي تريد، إذ تقول إن ما يجذبها هو “المُضمَر الذي لا يُقال، الإيحاء، الصمت المتعمّد البليغ. ما لا يُقال في القصيدة يضمر قوة أكبر غالبا”. وتقول أيضا إنها تتمنّى “أن تصنع قصيدةً كاملةً من هذا التعبير، أي ما لا يُقال، فهو يوازي غير المرئي مثلا”.

عدم معرفتنا بالشاعرة لويز إليزابيث غليك، المدرّسة في جامعة ييل في نيويورك (هل الإستفاضة مهمة أنها يهودية ومنفصلة عن زوجها؟) لا تجيز لنا حكما مسبقا عليها، إنْ كان شعرها يستحقّ التكريم بالجائزة الكونية الأشهر أم لا. ولكن “الحيثية” التي أعلنتها الأكاديمية السويدية في استوكهولم أمس عنه، وبدت سببا لمنح صاحبته الأميركية (من أصل مجري) جائزة نوبل للآداب لعام 2020، لا تبدو قويةً إلى الدرجة التي تسوّغ فوزها، فانشغال هذا الشعر بالطفولة والأسرة والوالدين والأشقاء، وكذا استلهامه أساطير في معظم أعمال غليك، لا يبدوان خصوصيّتين تنفرد بهما قصائد غليك عن قصائد شعراء آخرين (بينهم عرب كثيرون) أتقنت الأمريْن هذين. ويبقى الحكم، في نهايات جدلٍ نافلٍ مثل هذا، متعلقا بجماليّات القول الشعري ومنسوبها، وليس بالموضوعات، إن كانت الطفولة أم الشيخوخة مثلا.

هذا بشأن الشاعرة التي لم يحضر اسمُها في التوقّعات (والتمنيات) التي بسطها كتّاب ومعلقون في الصحافات الثقافية في غير بلد بشأن اسم الفائز أو الفائزة بالجائزة. ما قد يُضاعف وجاهة القول الذي صرنا نضجر من تكراره في مواسم “نوبل للآداب”، إن الأعضاء ال 18 في الأكاديمية السويدية التي تحتكر تسمية الفائز، والذين دوّت فضيحة كبرى قبل عامين بشأنهم، كأنهم يتعمّدون “مفاجأة” العالم باسمٍ خارج التخمينات والترجيحات، بل وربما صاروا يستطيبون هذه “اللعبة”، سيما وأنهم يواظبون، منذ سنوات، على ما يجوز، لمحض المفارقة هنا، على “معاقبة” الأسماء الشهيرة، وعالية الكعب، والجديرة بكل بداهةٍ، بالجائزة، بتنحيتها عنهم، ومنحها لإسمٍ لا ذيوع له، وإنْ يحدُث أن يكون في منزلةٍ طيبةٍ أدبيا. وربما كانت “مزحة” إعطاء أولئك الناس الجائزة للمغنّي الأميركي، بوب ديلان، قبل أربعة أعوام، شاهدا على هذه الفرضية التي لا أدلّة على صحّتها سوى خيبات التوقّعات السنوية. وهذه أسهم الألباني إسماعيل كاداريه (أعطته إسرائيل جائزة القدس) كانت عاليةً هذا العام، كما ظلّت منذ أعوام ليست قليلة، وكذا الكيني نغوجي واثينغو، والتشيكي ميلان كونديرا، هذا إذا نحّينا أدونيس والياباني هاروكي موراكامي وغيرهما. وإنْ “زبطت” عند الذين رجّحوا إن الجائزة ستكون للأدب الأفريقي أو للنساء الكاتبات، فجاءت لويز غليك لتكون المرأة الـ 16 بين الفائزات منذ العام 1901، يوما بعد فوز عالمتين بجائزة نوبل في الكيمياء، وجاء الشعر ليكون محلّ التكريم، في زمنٍ يشحّ فيه الشعر الصافي والجميل، وفي زمن الكآبة التي صنعها كوفيد 19.

ليكن نيل شاعرةٍ مقتدرةٍ إذن مبعث غبطة. ولكن ليس في وسعنا، نحن العرب، ومعنا شركاؤنا العالمثالثيون، أن نتخفّف من شعور متوطّن فينا بأن مركزيةً غربية (أوروبية وأميركية)، وبيضاء، تتقصّد التعامل معنا بالفوقية إياها، عندما لا ترانا، إلا أحيانا قليلة، عندما يصرف “كرادلة” الأكاديمية السويدية، بطوطميّتهم السنوية، أبصارّهم عنا، نحن العرب، وعن غيرنا، الآسيويين والأفارقة مثلا، ففينا شاعراتٌ وشعراء وروائيون وروائياتٌ كتبوا عن الطفولة والأسرة والأشقاء، واستلهموا الأساطير (أدونيس اسم أسطورة بالمناسبة)، كما تفعل لويز غليك، وإنْ هي شاعرةٌ كبيرةٌ ومجدّدة، وعميقةٌ وملتزمة، على ما “غرّد” عنها أمس الناقد صبحي حديدي الذي كان قد ترجم لها إلى العربية قصائد مشرقة.

العربي الجديد

——————————–

الأميركية لويز غلوك تخطف نوبل للآداب.. شاعرة القول الصامت/ محمد حجيري

الأميركية لويز غلوك تخطف نوبل للآداب.. شاعرة القول الصامت في قصائدها، تستمع النفس لما تبقى من أحلامها وأوهامها

فازت الشاعرة الأميركية لويز غلوك (او غلك أو غليك او جليك)، بجائزة نوبل للآداب 2020، وأوضحت الأكاديمية الأسوجية في حيثيات قرارها أن غلوك(1943-) كوفئت “على صوتها الشاعري المميز الذي يضفي بجماله المجرد طابعاً عالمياً على الوجود الفردي”، و”في قصائدها، تستمع النفس لما تبقى من أحلامها وأوهامها، ولا يمكن أن يكون هناك من هو أشد منها في مواجهة أوهام الذات”. ومن بين الأسماء التي كانت مرشحة: الفرنسية ماريز كوندي، الروسية ليودميلا أوليتسكايا، الكندية مارغريت أتوود، والياباني هاروكي موراكامي. لكن النقاد الذين استطلعت وكالة “فرانس برس” آراءهم كانوا يرجحون فوز الأميركية الكاريبية جامايكا كينكيد، أو الكيني وا ثوينغو، أو الشاعرة الكندية آن كارسن، أو المجري بيتر ناداس، أو الفرنسي ميشال هوليبيك…

وتعتبر لويز غليك من الأصوات الشعرية المهمة في الشعر الأميركي المعاصر. وقد نوهت بها الموسوعة البريطانية التي أشارت إلى السيرة الإبداعية للشاعرة. وكان الظهور الأول لغلوك ككاتبة العام 1968 بمجموعتها الشعرية “فيرستبورن” (البِكر)، كما نشرت 12 مجموعة شعرية، بالإضافة إلى مجلدات من المقالات حول الشعر، وتتميز جميعها بالسعي إلى الوضوح. وحصلت غلوك على العديد من الجوائز المرموقة، من بينها جائزة بوليتزر (1993) عن مجموعتها “القزحة المتوحشة”، كما حصلت قبل ذلك على جائزة “ناشيونال بوك كريتيك سيركل” عن مجموعة “انتصار أخيل”(1985). وفي العام 2003 اختيرت “شاعرة اميركا المتوجة” بعد الشاعر بيلي كولينز… وجائزة جوائز الكتاب الوطني (2014) وهي واحدة من الجوائز الأدبية السنوية الأميركية.

وغلوك ليست مغمورة في العالم العربي، وإن كانت غير مشهورة أو غير شعبية، شأن الكثير من الأصوات الشعرية العربية والعالمية، فسبق لعدد من العاملين في الحقل الثقافي أن ترجموا أعمالها، بينهم الشاعر سامر أبو هواش الذي ترجم لها مجموعة “عجلة مشتعلة تمر فوقنا”، وصدرت عن منشورات “الجمل”، أيضاً الناقد صبحي حديدي ترجم لها بعض القصائد في موقع “جهة الشعر”، وهناك ترجمات متفرقة لعاشور الطويبي وجلال نعيم وشريف بقنة وفايز يعقوب الحمداني، محمد الحموي، نصير فليح…

وتعتبر غلوك أن “علامة الذكاء الشعري أو الصنعة الشعرية هي الشغف باللغة، التي يعتقد أنها تعني التجاوب المحمود مع اصغر وحدات اللغة: الكلمة”، بعنى انها تميل الى استعمال اللغة البسيطة ذات الوزن، “فما لا يقال في القصيدة يضمر قوة اكبر”، بحسب تقديم سامر ابو هواش لترجمتها، و”دائماً ما تميل أعمالها الأدبية إلى العاطفية وتصويرها المتكرر للخرافة أو التاريخ أو الطبيعة” على رأي بعض متابعيها.

ويقول صبحي حديدي: في مشهد الشعر الأميركي المعاصر تحتلّ لويز غلوك موقعاً أمامياً في صفّ المدافعين عن “القول الصامت”، أو المعني الذي لا يُقال أو لا يمكن أن يُقال (أشهر زملائها في هذا الصفّ جيمس ميريل، مارك ستراند، شارلز سيميك). وفي مقالة تتناول هذه المقولة تحديداً، تكتب لويز غلوك: “أنا منشدّة إلى المحذوف، إلى ما لا يُقال، إلى الإيحاء الذي لا ينطق، وإلى الصمت المتعمَّد البليغ. ويحدث غالباً أن أحلم بكتابة قصيدة صامتة، تماماً كما يحدث حين أحلم بمشاهدة ما لا يُرى”.

ويقول سامر ابو هواش أيضاً أن غليك تتحرك ضمن مجالين يفصل بينهما خيط رفيع، غالباً ما تنجح في الحفاظ عليه: مجال العادي، السردي، الاوتوبيوغرافي، اليومي، والواقعي، والمجال الآخر الايحائي، الملغز، الميتافيزيقي، الخرافي الأسطوري. تستعيد أو تستعير الشاعرة، مثلاً في “المروج”، شخصيتي عوليس وبينلوب والساحرة تسيريس من الأوديسة، لتنسج قصة متعددة المستويات حول الحب والزواج والغياب والرغبة والخيانة….

تفوز غلوك هذه السنة بلا ضجيج، على عكس حصل في السنوات السابقة مع بيتر هاندكة، وبوب ديلان، وغيرهما. وفوز شاعرة سيخفف من “نق” معشر “الشعراء” والقول إن الجائزة منحازة إلى الروائيين… تفوز غلوك بالجائزة، بينما الجزء الأكبر من تعليقات “فايسبوك” تمحور حول الشاعر السوري أدونيس المُنتظِر من قبل الجائزة وبعدها، منذ عقود، والتعليقات كوميدية مألوفة…

المدن

—————————

لويز غلوك المرأة رقم 16 المتوجة بنوبل بين 101 رجل

قصائد الشاعرة لويز غلوك تعرف بعاطفيتها الكثيفة وتصويرها المتكرر للأساطير والطبيعة متأملة في التجارب الشخصية والحياة العصرية.

ككل مطلع أكتوبر من كل عام ينتظر محبو الأدب والأدباء والناشرون نتائج أهم جائزة أدبية عالمية، جائزة نوبل للآداب، ويتكهن المتكهنون ويراهن المراهنون ويكتب النقاد قائماتهم القصيرة للجائزة ويتجادل جمهور الأدب بين أحقية هذا من ذاك بالتتويج، وما أن يقع الإعلان عن اسم الفائز حتى يندهش الجميع، حيث غالبا ما يكون غير متوقع.

ستوكهولم- نالت الشاعرة الأميركية لويز غلوك (77 عاما) الخميس جائزة نوبل للآداب العريقة في خطوة مفاجئة تتوج نتاجها الذي باشرته في نهاية الستينات، على ما أعلنت الأكاديمية السويدية المانحة للجائزة.

وأوضحت الأكاديمية في بيان، أن فوز غلوك بالجائزة لعام 2020 جاء “لصوتها الشاعري المميز الذي يضفي بجماله المجرد طابعا عالميا على الوجود الفردي”.

شاعرة سيرة

وفق ما جاء في بيان الأكاديمية المانحة للجائزة فإن الشاعرة “تسعى في قصائدها إلى طابع عالمي، وفي سعيها هذا تستوحي من الأساطير الحاضرة في غالبية أعمالها”. وأضاف البيان “في قصائدها، تستمع النفس لما تبقى من أحلامها وأوهامها، ولا يمكن أن يكون هناك من هو أشد منها في مواجهة أوهام الذات”.

ولدت لويز غلوك عام 1943 في نيويورك وقد أخذت دروسا في كلية سارة لورانس وجامعة كولومبيا، لكنها لم تحصل على شهادة، وبالإضافة إلى حياتها المهنية كمؤلفة، فقد عملت في الأوساط الأكاديمية كمعلمة للشعر في العديد من المؤسسات.

لم تسجل غلوك في الكلية كطالبة بدوام كامل بسبب حالتها الصحية حيث كانت تعاني من فقدان الشهية العصبي منذ مراهقتها ما خلف لها تأثيرات نفسية كبيرة، وقد خاضت رحلة علاج لتتمكن من تخطي المرض. وقد وصفت قرارها بالتخلي عن التعليم العالي لصالح العلاج بأنه كان ضروريا قائلة “جعلت حالتي العاطفية، وتطرف صلابة سلوكي، والاعتماد المحموم على طقوس معينة من أشكال التعليم الأخرى أمرا مستحيلا”. وبدلا من ذلك، أخذت غلوك درسا في الشعر في كلية سارة لورانس، والتحقت بورشات شعرية في كلية التعليم العام بجامعة كولومبيا في الفترة من 1963 إلى 1965، والتي قدمت برامج للطلاب غير التقليديين. درست أثناء وجودها هناك مع ليوني آدمز وستانلي كونتز. وقد صنفت هذين المعلمين كمرشدين مهمين في رحلة تطورها كشاعرة.

وتعيش الشاعرة اليوم في كامبريدج، ماساتشوستس. وتعمل حاليا كأستاذ مساعد وكاتبة مقيمة ضمن برنامج روسينكرانز في جامعة ييل، حيث تعد واحدة من أبرز الشعراء في الأدب الأميركي المعاصر.

وكان الظهور الأول لغلوك ككاتبة عام 1968 بمجموعتها الشعرية “فيرستبورن” (البِكر)، وركزت إثره في كتابتها للشعر على الجوانب المضيئة للصدمة والرغبة والطبيعة. فأصبح شعرها معروفا بتعبيراته الصريحة عن الحزن والعزلة، ونصوصها تستكشف هذه المواضيع وعوالمها الواسعة، وقد ركز الكثير من النقاد ممن قاربوا تجربة الشاعرة على بناء شخصيتها الشعرية والعلاقة التي تنحتها ببراعة في قصائدها بين السيرة الذاتية والأساطير الكلاسيكية.

غالبا ما توصف غلوك بالشاعرة السير- ذاتية، حيث يعرف نصها بالشحنات المكثفة من العواطف وبتصويره المتكرر للخرافة أو التاريخ أو الطبيعة للتأمل في التجارب الشخصية والحياة العصرية.

وتشكل الطفولة والحياة العائلية والعلاقات الوثيقة بين الأهل والأشقاء والشقيقات موضوعا مركزيا في عملها. ويُعتَبَر “افيرنو” (2006) ديوانها الرئيسي وهو تفسير رؤيوي لنزول بيرسيفونا إلى الجحيم وهي أسيرة هاديس إله الموت.

ومن أبرز دواوينها أيضا “ليلة مخلِصة وعفيفة” وفيه تسبغ على الليل “أبعاد الأسطورة” كاتبة، “أخيرا أحاط بي الليل/ طفْتُ عليه، وربما فيه،/وحملني كما يحمل/ النهرُ قاربا”.

التجربة الشعرية الفريدة لغلوك خولتها أن تصبح واحدة من أهم الشعراء الأميركيين في جيلها، ونشرت على امتداد مسيرتها 12 مجموعة شعرية وبعض مجلدات المقالات عن الشعر. وتتميز جميعها بالسعي إلى الوضوح.

تجربة الشاعرة مكنتها من الفوز بالعديد من الجوائز الأدبية المرموقة في الولايات المتحدة الأميركية، مثل وسام العلوم الإنسانية الوطنية، وجائزة بوليتزر، وجائزة الكتاب الوطنية، وجائزة نقاد الكتاب الوطنية، وجائزة بولينجن، بالإضافة إلى جوائز أخرى. كما حازت على جائزة ولقب الشاعر الأميركي في الفترة من 2003 إلى 2004. كما عينت الشاعرة كمستشارة أدبية لمكتبة الكونغرس عام 2003.

المفاجأة المتكررة

تمنح أكاديمية نوبل في ستوكهولم الجائزة الأبرز للآداب في العالم بعد خروجها من واحدة من الفترات الأكثر اضطرابا في تاريخها. وفي نهاية 2017، هزت الأكاديمية السويدية خلافات حول طريقة إدارة اتهامات استهدفت الفرنسي جان كلود أرنو، زوج أستاذة جامعية وشخصية نافذة على الساحة الثقافية السويدية. وقد أدين بالاغتصاب منذ ذلك الحين.

وهزت الفضيحة المؤسسة في أوج حملة “أنا أيضا” وكشفت كواليسها التي تسودها مكائد، وهزت كل مؤسسة جوائز نوبل وحتى صورة السويد نفسها في ما يتعلق بالشفافية والنزاهة والمساواة. وأرجئ منح نوبل للآداب في 2018، في حدث غير مسبوق منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية.

وما إن بدأت الأمور تعود إلى طبيعتها حتى هزت قضية أخرى المؤسسة بعدما منحت في أكتوبر 2019 جائزتها للكاتب النمساوي بيتر هاندكه المعروف بمواقفه المؤيدة بشدة للرئيس الصربي السابق سلوبودان ميلوشيفيتش.

وردت المؤسسة بالتأكيد أنها منحت جائزتها بعد تقييم أعمال الكاتب وليس شخصه. وكانت مواقع المراهنات هذا العام قد تكهنت بفوز الفرنسية ماريز كوندي أو الروسية ليودميلا أوليتسكايا والكندية مارغريت أتوود أو الياباني هاروكي موراكامي.

وبعض النقاد رجحوا فوز الأميركية الكاريبية جامايكا كينكيد أو الكيني وا ثوينغو أو الشاعرة الكندية آن كارسن أو المجري بيتر ناداس أو الفرنسي ميشال هوليبيك. إلا أنهم اتفقوا على أنه من الصعب جدا التكهن بالفائز بالجائزة هذه السنة.

وككل عام تفاجئ الجائزة المراهنين والنقاد والمتابعين باختيارها الذي غالبا ما يكون خارج التوقعات، حيث تفضل الأكاديمية مرشحين لا يتمتعون بالشهرة مصرة على أنها تختار الكاتب لمنجزه لا لشهرته.

ومن بين كل المتوجين بجائزة نوبل على امتداد تاريخها، الذي يتجاوز مئة عام منذ تأسيسها نهاية القرن الـ19، تشكل النساء نسبة ضعيفة جدا من المتوجين، فالنساء رغم أنهن نصف البشرية لكن 16 منهن فقط فزن بجائزة نوبل للآداب في مقابل 101 رجل.

العرب….

—————————–

“نوبل” لويز غلوك وضرورة إعادة النظر في علاقتنا بالشِّعر/ مصطفى ديب
للسنة الخامسة على التوالي، وكما جرت عادة “نوبل للآداب” في السنوات الأخيرة، لن يكتمل أهمّ حدثٍ أدبيّ في العالم دون مُفاجأة. الجائزة العريقة والمُثيرة للجدل، خصوصًا خلال السنوات القليلة الأخيرة التي شهدت فوز أسماء أدبيّة غير متوقّعة أو موجودة ضمن لوائح مكاتب المُراهنات، مثل سفيتلانا أليكسييفتش، بوب ديلان، كازو إيشيغورو، أولغا توكارتشوك، بيتر هاندكه. ناهيك عن الفضيحة الجنسيّة التي هزّت الأكاديميّة السويديّة سنة 2018، بالإضافة إلى الانتقادات والاتّهامات التي طالتها بعد منحها الجائزة للنمساويّ بيتر هاندكه صاحب المواقف السياسيّة الإشكاليّة. عادت نوبل هذا الموسم بإدهاش جديد تجسّد بإعلان فوز الشاعرة الأمريكيّة لويز غلوك (1943) بـنوبل للآداب (2020) تقديرًا “لصوتها الشاعريّ المُميّز الذي يُضفي بجماله المُجرّد طابعًا عالميًا على الوجود الفرديّ”.
أثارت الأكاديميّة السويديّة إذًا الجدل من جديد لا باختيارها اسمًا أدبيًّا من خارج لوائح الترشيحات أو التوقّعات، أو بتجاهلها المُستمرّ لأسماء أدبيّة عالميّة تتصدّر المشهد عند اقتراب موعد الإعلان عن الفائز، منها ميلان كونديرا، وهاروكي موراكامي، وبول أوستر؛ وإنّما بمنحها الجائزة لشخصيّة لا تتجاوز حدود شهرتها الولايات المُتّحدة الأمريكيّة إلّا نادرًا، إذ تُعدّ وكما وصفتها الصفحات الثقافيّة لكبريات الصُحف العالميّة، شاعرة مجهولة عالميًّا.
لكنّ غياب غلوك عن المشهد الشعريّ العالميّ يُقابله حضورٌ قويّ داخل حدود الولايات المُتّحدة، كرّستهُ عبر 12 ديوانُا شعريًا بالإضافة إلى عددٍ من الكُتب النقديّة المُتعلّقة بالشِّعر وتحوّلاته، بيّنت فيها أو ترجمت عبرها نظرتها إليه وعلاقتها به أيضًا باعتبار أنّ أكثر ما فتنها به هو “الاحتمالات التي يُتيحها السياق الذي توضع فيه المُفردة”. كما أنّ أكثر ما كانت تتجاوب معهُ هو “الطريقة التي تستطيع القصيدة من خلالها أن تُمارس فعل التحرير، عبر الإطار الذي توضع فيه الكلمة”.
تقول لويز غلوك إنّها اختارت اللغة البسيطة في كتابتها للشِّعر لأنّها تتوافق وشكل المُغامرة الشِّعريّة التي تخوضها منذ أكثر من نصف قرنٍ من الزمن، والتي تعود بدايتها بطبيعة الحال إلى ما قبل نشرها مجموعتها الشّعرية الأولى “البكر” (1968) التي عبّرت فيها عمّا تريدهُ من الشِّعر، أو ما الذي تريد أن تقولهُ من خلاله. إذ جاء عملها هذا وما تلاهُ ليكون أشبه بمساحة مفتوحة تشغلها أصوات مُـتحاورة مُختلفة ومُتّصلة بالحياة اليوميّة والعائليّة للشاعرة الأمريكيّة التي بدا أنّ قصيدتها شخصيّة حميميّة تميل لسرد تفاصيل حياتها بأسلوبٍ ساخر تختلف أشكالهُ وسياقاته أيضًا.
ويُمكن الإضافة إلى المواضيع أو السمات التي شغلت غلوك في أعمالها المُبكِّرة تداعيات العلاقات الإنسانيّة الفاشلة، على اختلافها وتنوّعها بين حبّ أو صداقة أو حتّى علاقات عائليّة، على الذات البشريّة. بالإضافة إلى مسحة اليأس الوجوديّ ومُعاناة الذات، لا سيما الأنثويّة منها إزاء مواضيع حسّاسة مثل الأمومة أو مواجهة السلطة الذكوريّة ومُجاراة التحوّلات الراهنة وغيرها من السمات التي هيمنت تقريبًا على مجموعاتها الشّعرية التي كرّست صوتها الشِّعري ولغتها المُباشرة/ الواضحة والمُراوغة/ المُبطّنة في آنٍ معًا.
يتبيّن ممّا ذُكر آنفًا أنّ شعر لويز غلوك يدور حول نفسها بمعنىً ما، إذ يبدو في مضمونه وجوهره شخصيًّا لكونه مُتعلِّقًا بمسائل شخصيّة وداخليّة مُتّصلة بحياتها وعائلتها وطفولتها، الأمر الذي يمنح قصيدتها شكل مساحة تُمكِّنها من الاعتراف بتفاصيل مُختلفة مُتعلِّقة بتأثيرات/ تداعيات خلّفتها حوادث وتجارب مُعيّنة اختبرتها، أو علاقات ما ترتّب عليها خسائر رأت أن توظِّفها داخل تركيبة قصيدتها.
ولعلّ المُثير للانتباه في تجربة الشاعرة الأمريكيّة هو أنّ قصيدتها الشخصيّة واليوميّة أُنجزت بنبرة تميل، رغم بساطتها، إلى الأسلوب الملحميّ. إذ يُمكن هنا القول بخصوص هذا الأسلوب أن غلوك أعادت صياغته بحيث تُشكّل أسلوبًا خاصًّا بها، يتوافق ومُغامرتها الشِّعريّة التي وصلت بها إلى حصد “نوبل”. والتي لا يُمكن الحديث عنها دون ذكر العناصر الأسطوريّة في القصائد التي شكّلتها. إذ لطالما لجأت غلوك إلى الأساطير الإغريقيّة والدينيّة الشرقيّة لتطعيم قصيدتها ومنحها عدة مضامين مُتجدِّدة تمنح بدورها تجربتها هذه معنىً أشدّ اتّساعًا وقابلية لتأويلات وقراءات مُختلفة.
للسنة الخامسة على التوالي إذًا، تذهب “نوبل للآداب” إلى شخصيّة أدبيّة غير متوقّعة، مع فارق أنّ لويز غلوك تبدو مجهولة تمامًا خارج حدود بلادها، ولكنّ هذا لم يمنع أعضاء لجنة تحكيم الجائزة من اختيارها وتقديمها إلى العالم شاعرة تقول إنّها مُنشدّة إلى المحذوف. أو بجملةٍ أخرى، إلى الأشياء التي لا تُقال، والإيحاءات التي لا تنطق، أو الصمت الذي يمُكنها من كتابة قصيدة صامتة بدورها.
الترا صوت


=========================

=============================

تحديث 12 تشرين الأول 2020

———————————-

أشقاء لويز غلوك/ صبحي حديدي

فوز الشاعرة الأمريكية لويز غلوك بجائزة نوبل للأدب يتوجب أن يعيد التذكير بفئة خاصة من شاعرات وشعراء الولايات المتحدة تسيدوا المشهد الشعري الداخلي، وبعض الأنغلو – سكسوني والأوروبي والعالمي أيضاً، خلال سبعينيات وثمانينيات القرن المنصرم؛ من دون أن تتلاقى شعرياتهم، بالضرورة، تحت هذا أو ذاك من الخيارات الجمالية والأسلوبية؛ أو حتى تتعارض أو تتصارع، على غرار عشرينيات وثلاثينيات وأربعينيات القرن ذاته مثلاً. أتوقف هنا، في عجالة تقتضيها المناسبة بالطبع، عند ثلاثة أسماء (من بين عشرة أخرى، على الأقلّ)؛ رحل اثنان منهما، وبقي الثالث الذي كان من حقّه منافسة غلوك على الجائزة، ضمن إطار الشعر الأمريكي المعاصر تحديداً.

مايكل س. هاربر (1938ـ2016) أحد أفضل الشعراء تحريضاً على مناقشة السؤال الشائك: كيف يمكن أن نتحدث عن «إيقاع الجاز» في النصّ الأدبي؟ وكيف يمكن، خصوصاً عند مَنْ لا يعرف الكثير عن الجاز، تمييز عمارة إيقاعية ما، بوصفها تحاكي عمارات الجاز؟ ولعلّ من الخير تقديم مثال فوري من شعر هاربر، في قصيدته الشهيرة «الأخ جون»: رجل أسود/ أنا رجل أسود؛/ أنا أسود؛ أنا ــ/ رجل أسود؛ أسود ــ/ أنا رجل أسود؛/ أنا رجل أسود؛/ أنا رجل؛ أسود ــ».

ففي مستوى أوّل، يكون التصريح الشعري بسيطاً ومؤلفاً من كلمات خماسية المقاطع؛ وفي مستوى ثانٍ يلعب ترتيب الكلمات وحُسن توزيع وتنويع الجملة الاسمية (أنا رجل أسود) دوراً إيقاعياً مميّزاً لا يمكن أن تخطئه الأذن؛ وفي مستوى ثالث، أعمق، تبدو التنويعات الصرفية والإيقاعية والغنائية وكأنها تتضافر معاً من أجل بناء نسيج موسيقي متعدّد السطوح والنقلات، تساعد في تشييده تلك الهندسة الخاصة لتوزيع علامات الوقف وتبديلها، وقَطع السطر، واستعادة التراكيب ذاتها دون تكرارها عملياً. لكنّ «عَروض الجاز» البسيط هذه تخفي سلسلة تعقيدات ذات صلة بموضوعات قصائد هاربر، التي تعتمد على الكثير من عناصر الثقافة السوداء، وتفضيل التورية على التصريح، والاستعارة العميقة على التشبيهات البسيطة.

الشاعر الثاني غالواي كينيل (1927ـ2014) يقترح قصيدة يكمن سحرها في أنها ليست رومانتيكية ولا دينية، ولكنّ احتفاءها المرهف بالعلاقة الروحية بين الكائنات والأشياء والعناصر يرقى إلى مستوى المزمور والترتيلة والصلاة. ثمة ذكاء مذهل في التقاط تفاصيل تلك العلاقات، ونزاهة رفيعة في تنظيم مستويات التكافؤ بين الحيّ والجامد والكبير والصغير والقويّ والضعيف، ومقدار هائل من أنسنة التفاصيل ونفخ الحياة في الروابط: «وإذْ لا أكاد ألمس شيئاً، أراني/ أمْسِكُ بما أستطيع التفكير فيه/ مثل أعمق الذكريات في ذراعيْ،/ ليست ذكرياتي، ولكن كأنما الحياة في داخلي/ كانت تتذكّر ذاتها ببطء./ ترقدين الآن هنا في مادّتك الفيزيائية،/ هذه الدرجة الجميلة من الحقيقة».

وكينيل بهذا المعني مزيج من إميلي دكنسون ووالت ويتمان وت. س. إليوت، وليس من دون دلالة خاصة أنه ظلّ في عداد آخر حماة هذا الائتلاف، سواء لجهة الموضوعات أو الأشكال. «مهمّة الشاعر أن يلتقط ما يجري داخل النفس، وأن يمسك بالرابطة بين الذات والعالم، وأن يسجّل هذا كله بكلمات مشبعة بالشكل، وقادرة بالتالي علي البقاء الطويل»، يقول كينيل؛ المؤمن بأنّ القصيدة رحلة في ذات الشاعر أوّلاً؛ وهي تالياً جولة استكشاف في معنى الحياة، ومعنى الوجود على سطح الأرض.

الشاعر الثالث روبرت بلاي (1923 ـ ) هو أحد أبرز روّاد حركة التجديد العميق والراديكالي التي طبعت معظم النتاج الشعري الأمريكي طيلة عقود؛ ولهذا فإنه، أيضاً، بين أصفى الأصوات التي كتبت قصيدة النثر في الولايات المتحدة وخرجت بها عن إسار الصيغة الفرنسية (بودلير ورامبو)، وصالحتها مع تراثات شعرية أخرى: أمريكية (ويتمان، إدغار ألن بو)، وأمريكية جنوبية (نيرودا، فاييخو) وإسبانية (لوركا)، وألمانية (ريلكه، تراكل).

جانب ثانٍ، وهامّ بالمعنى النظري، كان ثورة بلاي على نظرية ت. س. إليوت حول «المعادل الموضوعي»؛ إذْ ميّز بين نوعَين من الوعي الشعري: ذاك الذي يضيء «أخبار الذهن الإنساني»، والذي يضيء «أخبار الكون». والنوع الثاني يقتضي من الشاعر أن يتوغّل عميقاً في أغوار الدماغ لكي يعثر ــ ربما ــ على «بعض الأخبار السيئة عن النفس، وبعض العذاب الذي تكفّل العقل الخطابي بوقاية الشاعر منه». وفي قصيدة بعنوان «مباغَتٌ بالمساء» يكتب بلاي: «لن ينقضي النهار، نقول لأنفسنا:/ في حوزتنا شَعْرٌ يبدو مولوداً من أجل ضياء النهار؛/ ولكن، في نهاية المطاف، سوف تنهض مياه الليل الهادئة،/ وسيمتدّ جِلْدُنا ببصره إلي البعيد البعيد،/ تماماً كما يفعل تحت المياه».

ويبقى جانب ثالث هو الدور المباشر، العملي، الذي لعبه بلاي في تطوير التجارب الشعرية الأمريكية الشابة، وذلك من خلال مجلّته «الخمسينيات» The Fiftie التي مارست نفوذاً أدبياً ونقدياً واسعاً؛ وتواصلت رسالتها في الأزمنة التالية حين تبدّل اسمها لكي يغطّي العقود اللاحقة: «الستينيات»، «السبعينيات»، «الثمانينيات»، و»التسعينيات».

هؤلاء بعض أشقاء غلوك الذين تركوا بصمات شخصية واضحة تتجاوز خصوصيات موضوعاتهم وأساليبهم وأشكالهم وأدوارهم الجمالية والثقافية، والسياسية أيضاً في معظم الحالات؛ ولا يصحّ، استطراداً، أن يُرى تكريم الفائزة بنوبل 2020 بمعزل عن تزكية منجزاتهم الشعرية الجلية والعالية.

القدس العربي

—————————–

لويز غليك: الليل والصمت عنصران رئيسيان وثابتان في قصائدي

ولدت الشاعرة الأميركية لويز غليك في مدينة نيويورك عام 1943. التحقت بكلية سارة لورانس، وجامعة كولومبيا. يعتبرها الكثير من النقاد من أكثر الشعراء المعاصرين موهبة في أميركا. تشتهر غليك بدقتها الفنية وحساسيتها وتركيزها على الوحدة والصمت والانفصال والموت والعزلة.

حصلت لويز غليك على جائزة نوبل في الأدب هذا الأسبوع “لصوتها الشعري الخاص، والذي يجعل الوجود الفردي عالميا بفضل جماله الأخاذ”. ألفت غليك 12 كتابا شعريا. تميزت كتبها المبكرة بشخصيات تتصارع مع تداعيات علاقات الحب الفاشلة، والعلاقات العائلية المفقودة، واليأس الوجودي، واستمرت طوال أعمالها في محاولة استكشاف معاناة الذات.

نظرا لأن غليك تكتب كثيرا عن خيبة الأمل والرفض والخسارة والعزلة، كثيرا ما يشير النقاد إلى أن شعرها قاتم أو سوداوي؛ إنها في جوهرها شاعرة المهزومين. تكتب الشعر بطريقة أقرب إلى الأحلام السريالية التي تخلق لها عالمها الخاص.

هذه المقابلة مع غليك دارت بينها وبين “مؤسسة الشعر” في شيكاغو عبر الهاتف في أوائل صيف 2014 وتتحدث فيها عن الضعف والحزن وكيف تحدث عملية الكتابة. وأعادت المؤسسة نشرها على موقعها الإلكتروني بعد فوزها بنوبل.

تتحدث لويز غليك، في المقابلة، عن مجموعتها الشعرية ليلة مباركة وفاضلة “FAITHFUL AND VIRTUOUS NIGHT” وتقول إن القصائد التي جمعتها في هذا الكتاب حالمة وأثيرية وممتعة، اختبرت فيها التكثيف أكثر من أي وقت مضى. جمعت غليك في هذا الكتاب سلسلة من القصائد الحميمية المغوية والساحرة، لذلك تعتبره ولادة جديدة لها من أكثر من جانب”.

(*) لم تكوني متأكدة تماما من رغبتك في إجراء هذه المقابلة، في هذه المرحلة من حياتك، هل ما زلت تشعرين بالضعف عند نشر كتاب جديد؟

ـ يا إلهي. بالطبع أشعر بالضعف والرعب ونوع من الحزن على الكتاب الذي اختطفه العالم. لكني كنت سعيدة وهادئة جدا لمدة عام، حيث يمكنني الاستمتاع بنفسي ووجودي، بالإضافة إلى سعادة عدم الاضطرار إلى الكتابة لفترة، والشعور بإنجاز شيء ما.

(*) صرحت في “واشنطن بوست” من قبل أنك كتبت بعض كتبك “بسرعة كبيرة جدا”. كيف تصفين إبداع كتابك “ليلة مباركة وفاضلة”؟

ـ تقريبا كل كتاب كتبته بعد سن الخمسين تمت كتابته بسرعة كبيرة. أعني في ستة إلى ثمانية أسابيع، وأحيانا أطول قليلا. بين هذه الفترات غالبا ما كانت هناك فترات طويلة جدا من الفراغ، تحول ذلك الوقت بعد ذلك إلى قلق شديد.  استغرق كتابي “حياة القرية” 2009 حوالي عام، شعرت بعده كيف يفترض بكاتب الأدب الخيالي أن يشعر. شعور مستمر بعالم خاص يمكنني الولوج إليه أي وقت. لم يكن هذا الكتاب مثل الكتب السابقة، بل كان بطيئا في تقدمه مثل الكتب التي كتبتها في الثلاثينيات والأربعينيات من عمري. ظهرت به أيضا قصيدة مؤلفة من 22 صفحة، رفضت لسنوات التعايش مع أي قصائد أخرى. امتلاك بعض القصائد المفردة، مؤلم أكثر من عدم امتلاك أي مادة. أشعر بالمسؤولية تجاه تلك القصائد. الفشل الدائم في توفير سياق يناسبها للنشر يسبب لي عذابا يوميا، لكن في النهاية المراحل الأخيرة من الكتاب كانت سريعة ولطيفة.

(*) أخبرينا قليلا عن كيفية ترتيب قصائدك. متى تشعرين أن هذا هو الترتيب المناسب؟

 ـ كل كتاب مختلف عن الآخر. مع هذا الكتاب كانت هناك مشكلة جديدة تتعلق بالمونولوج الطويل، الذي بغض النظر عن تسلسل الأجزاء، بدا ساكنا. بعد فترة بدأت في كتابة قصائد سريالية إلى حد ما. قطع نثرية أخرى ذات مونولوج، لكن يختلف أسلوبها عن النص الأول. في النهاية كانت هناك قصائد نثرية، وتلاحمت الأجزاء الناقصة من النصوص معا في يوم أو يومين، بعد سنوات من الإحباط. على أي حال فإن تأليف كتاب من أجزاء متباينة، والاستمتاع بإعادة تركيب الأجزاء المتناغمة وغلق تروس النص، متعة كبيرة.

(*) ما هي بذور أعمالك، هل تبدعين قصائدك من شعور ما تريدين نقله، أو من سؤال ترغبين في طرحه؟

ـ لا. ليس لدي أي شيء في ذهني. في الواقع أنا متشككة في أفكاري الحالية، وقناعاتي. أبدأ في الكتابة عندما تظهر عبارة في رأسي، مجموعة كلمات وأحيانا كلمة واحدة. تتمثل فكرتي في اكتشاف العالم، أو الصوت الذي يمكن أن تتحدث منه هذه الجملة أو القطعة، وما يمكن أن تتطور إليه سواء كان قصة أو شخصية أو حالة مزاجية.

(*) في هذه المجموعة يلعب الليل والصمت دورا كبيرا، ليس فقط في القصيدة عنوان الديوان، لكن في قصائد أخرى. كيف تغيرت علاقتك بموضوعاتك بمرور الوقت؟

ـ الليل والصمت عنصران جميلان وهما رئيسيان وثابتان في كل ما كتبت تقريبا. جل ما أفعله محاولات لإخراج كل هذا الصمت والظلام بشكل مختلف مرة تلو الأخرى. لكن بالرغم من ذلك لا يمكن اعتبار الكتاب الجديد مجرد رحلة مظلمة أخرى عبر نهر طويل.

أعتقد أن لهجتي تغيرت بمرور الوقت أكثر من تغير موضوعاتي. أخبروني أن موضوعات هذا الكتاب مخيفة، لكن يبدو لي أن أسلوبه يشبه الحلم، أو كما قال لي صديق “يطفو منتشيا”. لكن قد يكون هناك 10 أشخاص فقط في العالم يفكرون في هذه الأشياء.

(*) تستضيف هذه المجموعة العديد من المقطوعات النثرية القصيرة جدا، وهي الأعمال الأولى لك بهذا الأسلوب. كيف كان شعورك بكتابة النثر، وهل مثلت لك تحديا من نوع مختلف؟

ـ أنا مدينة بهذه القصائد لصديقتي كاثرين ديفيس، التي كانت فكرتها أن أقرأ قصص كافكا القصيرة، عندما كنت عالقة في الكتابة في وقت ما. فيما يتعلق بتحديات الشكل: سيقول معظم الكتاب، على ما أعتقد، إنهم عندما يفعلون شيئا جديدا تماما، لا توجد تحديات، ولا صعوبات. هذه هي لحظات الابتهاج الحقيقي. لا شيء خاطئا. كل شيء على ما يرام، يبدو مثاليا، واضحا بشكل مشع ومع ذلك من الصعب وصفه حتى الآن.

(*) قلت ذات مرة إنك لا تقرأين العمل القديم أبدا. هل تبتعدين عن هذه القصائد بمجرد نشرها؟

ـ ليس بعد نشرها، لكن عندما أكون على وشك نشرها. لهذا السبب يصعب عليَّ نشر القصائد وأنا ما زلت مرتبطة بها، إنه شعور مثل أن تلامس الماء قدمي. نادرا ما أنظر إلى العمل القديم، لكن كان عليّ قبل بضع سنوات تدقيق صفحات كل كتبي، وقد كانت تجربة مدهشة.

(*) تجربة مدهشة مثل ماذا؟

ـ كانت تجربة أسعدتني أكثر مما توقعت. شعرت في أحيان كثيرة بالفخر، بالرغم من أنني لاحظت مفردات معقدة إلى حد ما، اختفت في كتابتي الحالية.

(*) هل هناك أي شيء تتمنين قوله لنفسك في الماضي كشاعرة شابة؟

ـ ستسير الأمور بشكل أفضل مما تعتقدين. لم أكن أتوقع حتى أنني سأعيش لسن 71. لم أكن أتوقع حتى أن أكون على قيد الحياة في العاشرة من عمري، لذلك حياتي بعد ذلك هي مكافأة إضافية.

ترجمة: سارة عابدين.

https://www.poetryfoundation.org/articles/70146/floating

ضفة ثالثة

———————————–

لويز غليك تتحدث عن الشعر والشيخوخة والمفاجأة «التي لم تستعد لها»

حائزة جائزة «نوبل» للآداب في أول حوار لها بعد فوزها

أليكزاندرا ألتر – ترجمة: سعد البازعي

تقول لويز غليك التي فازت بجائزة «نوبل» في الأدب: «أفترض أن كفاحي ومباهجي ليست فريدة من نوعها. لا يهمني أن أجعل الضوء يسلط عليَّ وعلى حياتي بحد ذاتها، وإنما أن يسلط على كفاحي ومباهجي، على البشر الذين يولدون ثم يجبرون على الخروج».

«أنا امرأة اجتماعية جداً. حقيقة أنني أكره الحوارات الصحافية لا تعني أنني منعزلة»: ذلك ما قالته لويس غليك في بداية حوارنا.

وُضعت غليك في موضع غير مريح. فازت بجائزة «نوبل» للأدب صباح الخميس، فاصطف الصحافيون في الشارع أمام بيتها في كيمبرغ، ماساشوستس. لم يتوقف هاتفها عن الرنين من 7 صباحاً؛ هجمة من الاهتمام وصفته بأنه «كابوسي».

يفترض الآن أن تكون غليك معتادة على الإشادة. في مسيرة تجاوزت الخمسة عقود، نشرت اثنتي عشرة مجموعة شعرية وحصلت على كل الجوائز الأدبية تقريباً: «جائزة الكتاب الوطني»، و«جائزة البوليتزر»، و«جائزة مجموعة نقاد الكتاب الوطنية» و«ميدالية الإنسانيات»، وغيرها.

يقول صديقها ومحرر أعمالها منذ فترة طويلة، جوناثان غالاسي، رئيس دار «فارار، ستروس وجيرو»: «أعمالها مثل حديث داخلي. ربما تحدث نفسها، أو ربما تحدثنا. ثمة مفارقة في ذلك. شيء واحد ثابت في أعمالها هو ذلك الصوت الداخلي. إنها تقيّم التجربة باستمرار في مقابل مثال ما لا تستطيع التجربة مساواته».

كانت الأشهر الأخيرة مرهقة لغليك، التي تعيش لوحدها بعد الطلاق، وكانت قبل الجائحة معتادة على تناول العشاء خارج البيت مع أصدقائها ست ليال في الأسبوع. كانت لعدة أشهر أثناء الربيع تبذل جهداً كبيراً لكي تكتب. ثم في نهاية هذا الصيف بدأت تكتب القصائد مرة أخرى، وأنهت مجموعة جديدة عنوانها «وصفات شتائية من المجموع» التي تخطط دار «فارار وجيرو» لإصدارها العام المقبل.

تقول هي: «الأمل هو أنك إن اجتزت الشتاء حياً فستجد فناً على الجهة المقابلة».

> كيف سمعت الخبر؟

– جاءني اتصال هذا الصباح حوالي السابعة إلا ربعاً. كنت قد صحوت للتو. عرّف رجل نفسه بأنه سكرتير الأكاديمية السويدية، وقال: «إنني أتصل لأخبرك أنك فزت بجائزة نوبل». لا أذكر ما الذي قلت، لكن كان فيما قلت شيء من الشك.

أعتقد أنني لم أكن مهيئة.

> كيف كان شعورك حين استوعبت أن الأمر حقيقي؟

– في غاية الدهشة أنهم اختاروا شاعرة غنائية أميركية بيضاء. كان من غير المعقول. الآن شارعي مغطى بالصحافيين. ويخبرني الناس كم أنا متواضعة. لكني فكرت بأنني أنتمي لبلد ليس محبوباً هذه الأيام، وأنني بيضاء، وأننا حصلنا على كل الجوائز. ولذا فقد بدا أن من المستبعد جداً أن حدثاً مثل هذا يمكن أن أضطر للتعامل معه في حياتي.

> كيف كانت حياتك في هذه الأشهر المتوترة والعازلة أثناء الجائحة؟ هل كنت قادرة على الكتابة؟

– لا بد لي أن أكتب لكن على غير انتظام، ولذا فهي ليست التزاماً ثابتاً. أعمل على كتاب منذ أربع سنوات، وقد عذبني. لكني فجأة في نهاية يوليو (تموز) وأغسطس (آب) كتبت بعض القصائد، وفجأة رأيت كيف يمكنني تشكيل هذه الخطاطة والانتهاء منها. كانت معجزة. الشعور بالفرح الغامر والراحة لم يستمرا بسبب «كوفيد»، لأنه كان عليّ أن أدخل في معركة مع رعبي اليومي والقيود الضرورية على حياتي اليومية.

> ما هو محور المجموعة الجديدة؟

– التشظي. ثمة انتحاب كثير في الكتاب. وفيه أيضاً الكثير من الكوميديا، والقصائد سوريالية بكثافة. كنت أكتب عن الموت منذ استطعت الكتابة. على وجه التحديد منذ كنت في العاشرة وأنا أكتب عن الموت. صحيح أنني كنت فتاة حيوية. الشيخوخة أكثر تعقيداً. وليس الأمر أنك ببساطة أقرب إلى موتك، إنها قدراتك العقلية التي تعتمد عليها – تناسقك الجسدي وقوتك ونباهتك الذهنية – هذه أشياء تتعرض للخلل أو التهديد. إنه موضوع من الطرافة التفكير فيه والكتابة عنه.

> يتكئ الكثير من أعمالك على الميثولوجيا الكلاسيكية، وينسج نماذج أسطورية عليا مع أشعار معاصرة حميمة حول الترابط والصلات العائلية. ما الذي يجتذبك نحو تلك الشخوص الأسطورية، وكيف تثري تلك الحكايات ما تسعين للتعبير عنه وتوصيله عبر شعرك؟

– كل من يكتب يستمد قوته ووقوده من أكثر الذكريات قدماً، ومن الأشياء التي غيرتك أو لمستك أو أثارتك في طفولتك. قرأ والداي عليّ برؤيتهما العميقة الأساطير الإغريقية، وحين استطعت القراءة بنفسي واصلت قراءتها. شخوص الآلهة والأبطال كانت أكثر حيويةً بالنسبة لي مما كانت للأطفال الصغار الآخرين في الحي في «لونغ آيلاند». ولم يكن الأمر كما لو أنني أتكئ على شيء تملكته في مرحلة متأخرة من حياتي لإضفاء نوع من التلميع المعرفي لأعمالي. كانت هذه هي حكايات النوم في صغري.

ومن تلك الحكايات ما استمر يرن في الذاكرة، لا سيما حكاية «بيرسيفوني»، وقد أمضيت حوالي خمسين عاماً أكتب عنها من وقت لآخر. وأظنني إلى حد كبير متورطة في صراع مع أمي، كما هن الفتيات الطموحات غالباً. أظن أن تلك الأسطورة بصفة خاصة هي التي منحت تلك الصراعات وجهاً جديداً. لا أعني أنها كانت مفيدة في حياتي اليومية. حين كتبت كان يمكنني أن أشكو «ديميتر» بدلاً من أن أشكو أمي.

> قارن البعض بين أعمالك وأعمال سيلفيا بلاث، ووصفوا شعرك بأنه اعترافي وحميم. إلى أي حد اعتمدت على تجربتك الخاصة في أعمالك، وإلى أي حد تستكشفين الموضوعات الإنسانية الكونية؟

– إنك تعتمد على تجربتك الخاصة دائماً لأنها مادة حياتك، ابتداءً بطفولتك. ولكني أبحث عن تجارب النماذج العليا، وأفترض أن صراعاتي ومباهجي ليست فريدة من نوعها. تبدو فريدة حين تعيشها، لكني لست حريصة على جذب الأضواء إلى نفسي وحياتي الخاصة، وإنما إلى صراعات ومباهج البشر، أولئك الذين يولدون ثم يجبرون على الخروج. أظنني أكتب عن قابليتي للفناء لأن من الصدمات المزعجة في الطفولة أن تكتشف أنك لن تمتلك هذا إلى الأبد.

> لقد جربتِ أشكالاً مختلفة أثناء مسيرتك، مع أن صوتك ظل مميزاً. هل كانت تلك محاولة متعمدة وواعية لدفع نفسك بتجريب عدة أشكال؟

– نعم، طوال الوقت. إنك تكتب لكي تكون مغامراً. أود أن أُحمل إلى أماكن لا أعرف عنها شيئاً. أود أن أكون غريبة في المكان. من الأشياء الطيبة القليلة التي يمكن قولها عن الشيخوخة أنك تعيش تجربة جديدة. ليس الانكماش البهجة المتوقعة لدى كل إنسان، لكن ثمة ما يقال عن هذه الحال. وذلك ثمين لشاعر أو كاتب. أعتقد أن عليك دائماً أن تندهش وأن تبدأ من جديد، على نحو ما، وإلا فسأصاب بالملل إلى حد البكاء. وقد مررت بأوقات ظننت أنني كتبت تلك القصيدة. إنها قصيدة جميلة، ولكنك كتبتها من قبل.

> ما هي الطرق التي تشعرين أن الشيخوخة قادتك بها إلى استكشاف مناطق جديدة؟

– تكتشف أنك فقدت اسماً (لغوياً) في مكان ما، وجملتك تنمي هذه الفجوات الواسعة في المنتصف، وأنت إما عليك أن تعيد بناء الجملة أو تتخلى عنها. لكن الأهم هو أنك ترى ذلك وأنه لم يحدث من قبل. ومع أن ذلك كئيب ومزعج ويعد بالأسوأ، فإنه على الرغم من ذلك، من زاوية الفنان، مثير وجديد.

> لقد وُصف أسلوبك غالباً بأنه متقشف ومشذب. هل ذلك الصوت الذي يأتي إليك أثناء الكتابة طبيعي، أم أنه شيء طورته وصقلته؟

– هو مشذب أحياناً، نعم. أحياناً أكتب على نحو حواري. إنك لا تصنع صوتاً. تجد الجملة طريقة للتحدث بنفسها. ويبدو هذا قريباً من نبوآت ديلفاي (في الأسطورة اليونانية). إنه أمر تصعب مناقشته، هو صوت. وأظنني مفتونة ببنية الجملة وأشعر دائماً بقوتها، والقصائد التي أثرت في بقوة لم تكن الأكثر امتلاءً بالكلمات. كانوا شعراء مثل بليك وملتون، الذين كانت بنية جملهم مذهلة، طريقة توظيفهم لأماكن التركيز.

> تدرّسين في ييل وتحدثت عن كيف ساعدك التدريس على اجتياز صعوبات واجهتك في كتابتك أنت. كيف شكلك التدريس من حيث كونك كاتبة؟

– إنك غارق دائماً في غير المتوقع والجديد. عليك أن ترتب أفكارك لكي تستطيع أن تستخرج من طلابك ما يثيرهم. يدهشني طلابي. مع أنني لا أستطيع الكتابة دائماً، فبإمكاني قراءة ما يكتبه الآخرون.

> شكراً جزيلاً لوقتك. هل هناك ما تودين إضافته؟

– لو تأملت حقيقة أنني في البداية لم أرد قول شيء ثم قلت كل شيء، لا ليس هناك ما أود إضافته. معظم ما أود قوله مما له أهمية خاصة يخرج في القصائد، وما يتبقى ليس سوى تسلية.

– خدمة «نيويورك تايمز»

الشرق الأوسط

———————————————

============================

كيف تتهجى اسم الشاعرة: Louise Glück

انظر الرابط التالي

https://www.pronouncekiwi.com/Louise%20Gl%C3%BCck

لتحميل ديوان الشاعرة من الرابط التالي

ديوان عجلة مشتعلة تمر فوقنا

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى