نصوص

ثلاث رسائل إلى الله والدين والقارئ/ سلمان رشدي

ترجمة أسامة إسبر

١- رسالة إلى الله

عزيزي الله

إذا كنت موجوداً، وكنتَ كما يصفونك عالماً بكل شيء وكلي الحضور وقبل كل شيء جباراً، أكيد أنك لن ترتجف على عرشك السماوي حين يواجهك مجرد كتاب وكاتبه؟ اختلف الفلاسفة المسلمون العظام دوماً حول علاقتك الدقيقة مع الكائنات البشرية والأفعال البشرية. قال ابن سينا: بما أنك بعيد فوق العالم، فإنك تكتفي بمعرفة المسألة من وجهة نظر عامة وتجريدية فحسب. لكن الغزالي اختلف معه قائلاً إن أي إله “مقبول للإسلام” يجب أن يعرف بالتفصيل كل ما يجري على سطح الأرض ويكون له رأيه فيه. اعترض ابن رشد على هذا قائلاً إن رأي الغزالي يجعلك تبدو كالبشر في مجادلاتهم الحمقاء وخلافاتهم الصغيرة ووجهات نظرهم التافهة. وهذا أدنى منك، وإقحامك في الشؤون البشرية يقلل من أهميتك. وهكذا من الصعب أن نعرف بماذا نفكر. إذا كنت رب ابن سينا وابن رشد فأنت لا تعرف ما قيل أو فُعل الآن باسمك. على أي حال، حتى لو كنت إله الغزالي، وتقرأ الصحيفة، وتشاهد التلفاز وتتحزب في الخلافات السياسية وحتى الأدبية، لا أعتقد أنه ستكون لديك مشكلة مع رواية الآيات الشيطانية أو أي كتاب آخر، مهما كان بائساً. أي نوع من الآلهة يمكن أن يهزه عمل الإنسان؟ على العكس، أيها الإله، إذا صادف وكان ابن سينا والغزالي وابن رشد كلهم على خطأ وأنت لا توجد مطلقاً، إذاً، أيضاً، في هذه الحالة، لن تكون لديك مشكلة مع الكتاب أو الكتب.

أستنتج بالتالي أن مشاكلي ليست معك، بل مع خدمك وأتباعك على الأرض. قالت لي مرة روائية متميزة إنها توقفت عن كتابة الرواية لبعض الوقت لأن لم تحب المعجبين بها. أتساءل إن كان بوسعك التعاطف مع موقفها. شكراً لانتباهك (انظر أعلاه، إلا إذا كنت لا تصغي).

٢- رسالة إلى الدين

عزيزي الدين،

هل أستطيع أن أطرح سؤال المبادىء الأولى؟ لأنه من الغريب، أو ربما ليس غريباً، أن المتدين وغير المتدين لا يستطيعان الاتفاق على ما هي هذه المبادىء. كانت المبادئ الأولى بالنسبة للإنسان اليوناني العاقل، الذي يقارب مسألة الحقيقة، نقاطَ انطلاقٍ (المنشأ) وأدركناها لأننا امتلكنا الوعي (الفكر). واعتقد ديكارت واسبينوزا أنه باستخدامنا للعقل المحض، واعتمادنا على إدراكنا الحسي للعالم، بوسعنا التوصل إلى وصف للحقيقة نتعرف عليه كحقيقي. من ناحية أخرى، يقول المفكرون الدينيون، مثل توما الأكويني وابن رشد، إن العقل يوجد خارج الوعي البشري، وإنه معلق في الفضاء كمثل الأضواء الشمالية لحزام الكويكبات منتظراً أن يُكتشف. وقد اكتُشف مرة أنه ثابت وغير قابل للتغيير لأنه كان يوجد سابقاً ولم يعتمد علينا كي يوجد، كان فحسب.

من الصعب قليلاً قبول فكرة عقل غير متجسد، عقل مطلق، خاصة حين تضمه أنت أيها الدين إلى فكرة الوحي، لأن التفكير سينتهي حينئذ، أليس كذلك؟ إن كل ما يجب أن يُفكر به أُوحي ونحن عالقون في هذا، بشكل أبدي ومطلق ودون أمل الاستئناف. ويمكن أن يصيح المرء: ليساعدنا الله! أنا مع الفريق الآخر، الذي يؤمن أنه إذا لم نقم بتحدي المبادىء الأولى التي من هذا النمط بمبادىء أولى من النمط الآخر، وبالعثور على نقاط بدء جديدة، وقاربنا بوعينا ووعينا الحسي لما هو كائن نقاط البدء تلك، وخرجنا باستنتاجات جديدة، فإنه سيُقضى علينا وتنتن أدمغتنا وسيرث الرجال الذين في العمامات ولهم لحى طويلة (أو الرجال الذين في الفراكات المتظاهرون بأنها طاهرون بينما يعتدون جنسياً على الأطفال) سيرثون الأرض. على أي حال (وهذا يمكن أن يربكك) لستُ في المسائل الثقافية نسبياً ولا وأؤمن بالكليات. مثلاً، حقوق الإنسان والحريات الإنسانية والطبيعة البشرية وما تريده وتستحقه. بالتالي لا أتفق مع الأستاذ س. هنتنغتون وفكرته بأن العقل ينتمي إلى الغرب والظلامية إلى الشرق. إن القلب هو ما هو ولا يعرف أي شيء عن نقاط البوصلة.  إن الحاجة إلى الحرية هي مثل حتمية الموت، كونية. يمكن ألا توجد مسبقاً كونها نتاج إنسانيتنا الجوهرية، لكنها غير قابلة للتفاوض.

 أفهم، أيها الدين، أن هذا يمكن أن يشوشك، لكنني واضح بشكل كامل حياله. سألتُ منشأي وأيّدني. ناقشْ. بكل الوسائل. ناقشْ. آه. ملاحظة: ما الأمر حيال تلك الاستمارات الباكستانية الرسمية (كلها، ومن أجل كل شيء) التي تلح على أن تعلن دينك، ولن تقبل “لا يوجد” كجواب؟ تعتبر أن جواب “لا يوجد” يفسد الورقة ويجب أن تملأ أخرى أو تواجه خطر العواقب، التي قد تكون قاسية.

لا أعرف إن كانت هذه هي الحالة في بلدان إسلامية أخرى لكنني أشتبه نوعاً ما أن هذا هو الأمر. هذا متطرف قليلاً، أيها الدين، ألا تظن؟ إنه يتاخم الفاشية؟ أي نوع من النوادي يفرض عليك بالقوة أن تكون عضواً فيه؟ أعتقد أن أفضل النوادي كانت حصرية وحاولت ما بوسعها للتخلص من الحثالة.

ناقش هذا من فضلك أيضاً. 

٣- رسالة إلى القارىء

عزيزي القارئ

 شكراً لكلماتك اللطيفة حول روايتي. هل أستطيع طرح النقطة الأولية بأن حرية الكتابة وثيقة الصلة بحرية القراءة، وأنه من المهم جداً ألا يتم اختيار مادتك للقراءة، أو أن تُفحص أو تُراقب من قبل أي كهنوت أو جماعة غاضبة؟ منذ متى كان العمل الفني يُعرَّف من قِبل الذين لا يحبونه؟ تكمن قيمة الفن في الحب الذي يولده، وليس في الكراهية. إن الحب هو ما يجعل الكتب تستمر.

واصلْ القراءة من فضلك.

[المصدر: جوزف أنطون، سيرة ذاتية. تصدر قريباً عن منشورات الجمل]

[ترجمها عن الإنجليزية: أسامة إسبر]

جدلية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى