ثقافة وفكر

مقالات مختارة تناولت “أزمة الإسلام”

رعاة الإرهاب تعرفونهم جيداً


′′ مقتل صموئيل باتي يضاف الى سلسلة طويلة من الجرائم الارهابية التي يرتكبها شبان مسلمون فرنسيون او مقيمون بفرنسا ′′ برعبه و رمزيته الكئيب، زاد القتل من تفاقم الشهوات كما لم يسبق لها مثيل، وكاد يكون من المستحيل مناقشة كل ما يتعلق بالاسلام والمسلمين.
هذا ما يحثنا، كمنثقين ديمقراطيين وعلمانيين ورثة لثقافة تعددية تتميز بالاسلام، على التاكيد اولا على ان النقاش ضروري اكثر من اي وقت مضى للهروب من مصيدة عبد الله انزروف انا لا استطيع ان اقول لك. ما يبحثون عنه ومحرضه وكل من يبرر جنونه القاتل هو ان يوسع الفجوة بين المسلمين وبقية البشر يوميا. وللاسف لا ينقص الغرب اشخاص يعجبون اللعب نفس اللعبة ويريدون العيش في قلعة محصنة لا يباليون بكل ما يحدث حولها.
حقد العالم، عالمنا جميعا، حقد قيم العدل والحرية والمساواة، ينتشر باستمرار في اوساط المسلمين، وكذلك في اوروبا وامريكا كما في روسيا، الهند في الصين او البرازيل. هذا في اللحظة التي لا يستطيع فيها سوى تفتيح مجتمع عالمي متضامن ايجاد حل فعال لمشاكل عصرنا الكبرى، سواء كانت البيئة او الاحترار العالمي او الاوبئة او المجاعة او الهجرة الدولية.
عالم اليوم في تنوعها ووحدته في ازمة. لم يعد هناك شيء يربط مكوناتها المختلفة ببعضها البعض. المسلمون ودينهم منهم سواء شئت ام لا شئت ام لا الرئيس ماكرون لم يكن مخطئا في قول ان الاسلام في ازمة الكثير من المثقفين في العالم الاسلامي سواء كانوا مؤمنين او غير مؤمنين، يعيدون ذلك منذ سنوات طويلة، وبكلام اصعب من اهله. ولم يقل شيئا عن الازمة الاخرى التي تؤثر على عالمنا ككل وتزيد من سوء الاسلام. ولا تزداد ازمة الاسلام، التي تتجلى بشكل خاص في تزايد الجهاديين العدمية، مع تزايد كره الاجانب والعنصرية في الغرب وخارجها.
على مهنة صموئيل باتي ذاتها، التي كانت تدرس التاريخ، ان تجعل اصول الجهادية تفكر. اقتحم الساحة العالمية في اوائل التسعينات بافغانستان عندما عمل الامريكيون لجعل هذه البلاد غزوها واحتلتها الاتحاد السوفياتي نوع من ′′ فيتنام ′′ الاسلامية تنتقم من هم هم. بالتعاون مع المخابرات الباكستانية ومع المساهمين بدولارات وتبشير الوهابية من السعودية حشد عشرات الالاف من شباب المسلمين وتدريبهم وطلقونهم على ارض الواقع. وكان ذلك في نفس الوقت عندما بدات جمهورية ايران الاسلامية، التي ولدت من ثورة 1979، في تصدير ايديولوجيةها الى الدول المجاورة، وخصوصا الاقلية الشيعية التي شعرت بالانتهام. في حرب مفتوحة او مرفوعة مع خصومها الاقليميين والدوليين، هكذا قامت، بالتوازي مع السلفية السنية الجديدة، بتشجيع اسلامية شيعية متطرفة ايضا. في وقت لاحق من عام 2003، اهدى الغزو الامريكي للعراق بحجج كاذبة للجهادية المتجولة ارض خصبة خاصة، فقد دمرت هذه البلاد بالفعل في بنية التحتية المادية كما في نسيجها الاجتماعي، بسبب استبداد صدام حسين وحروبها التي لا تنتهي. ماضاف منذ عام 2011 الدمار المنهجي للمجتمع السوري من قبل نظام بشار الاسد و حمايته الايرانيين والروسيين. وعلى حطام دولتين العراق وسوريا اسس داعش دوليا للجريمة.
العدمية الجهادية تزدهر عندما تغلق الانظمة السياسية في بلاد الاغلبية المسلمة، حين يمنع مجتمعاتها من السياسة، حين يفلت منها قدرها. اذا كان الدين حسب الشاب ماركس روح عالم بلا روح فهو في ارض الاسلام سياسة عالم خال من السياسة. الحرمان من السياسة جنبا الى جنب مع العدمية. اما المشاركة النشطة للمواطنين في حكومة المدينة المناعه ضده
منذ بداية التسعينات، وخاصة منذ هجمات 11 سبتمبر 2001، اعترفت اكثر القوى تاثيرا في العالم ب ′′ الارهاب الاسلامي ′′ باعتباره الشر المطلق. من لم يوقفها ولكنه جعلها تتصدى للمشاكل السياسية للعالم الاسلامي من زاوية امنية فقط والتفاعل مع انظمة شرسة وهي في الغالب وكالات متخصصة في القتل والتعذيب. بعد عقدين من اندلاع هذه المعركة المشكوك فيها اصبح العالم اقل امنا، والكراهية الجماعية اكثر جذورها، وما زال اكبر المجرمون يتمتعون بالافلات من العقاب. لم تقم اي محكمة محلية او دولية بالعدالة لضحايا الارهاب ومكافحة الارهاب في دول مثل العراق او سوريا. ولا يثيرون الرحمة في الغرب الا ضحايا غير المسلمين، ويستحقون الانتقام.
وما فائدة هذه الحرب ضد الارهاب ان لم يكن في تبيض الارهابيين الذين تعهدوا بها: دولة بشار الاسد المعذب في سوريا، دولة السيسي في مصر، نظام الابادة الجماعية للروحينجية في ميانمار… قامت بدعم حكومة ناريندرا مودي في الهند، ومع ذلك مذنبة بممارسة تمييز صارخ ضد سكان المسلمين. لا تقلق السلطات الصينية التي حبست مليون ويغور في مخيمات ′′ الفروسية “. وتدعي اسرائيل بانتظام لاضفاء الشرعية على الاستعمار والفصل العنصري. لم يعد هناك مجرمون فاسدون ما دام تحت هذه اللافتة وما دام الارهاب الا الارهاب الاسلامي.
وسنكررها مرة اخرى: للمسالة المسلمة وجهان اليوم. من ناحية العدمية الجهادية التي ترعب قسوةها العالم اجمع، ومن ناحية اخرى كره المسلمين، جميع المسلمين دون تمييز. رؤية واحدة او واحدة فقط، تحت اي ذريعة، تعدنا بمستقبل مظلم. كراهية الاسلام، التي تطيل تاريخ طويل من الفتح الاستعماري والمجازر، تغذي اكثر الاسلام جذرية. بالعكس هذا الاسلام يثير كراهية المسلمين لا يزدهر الا في الاجواء السقيم. وضعية مدافع او انتقام للاسلام المسيء يليق به تماما لانه ليس له ما يقترح على المسلمين سوى الاستياء.
لا يزال هناك وقت – ولكن هذا الوقت يحسبنا – لنسال السؤال الاسلامي في خصوصية وعلاقته بعالمنا المشوش، بدون مشروع، بدون وعد، بدون امل. نحن لا نريد لعب كاساندرا ولكن ما نراه ونسمع يخاف الاسوا. والاسوا لا يعلن ابدا عن ساعة وصولها بالضبط.
منبر ياسين الحاج صالح وزياد ماجد وفاروق مردم بك حول ازمة الاسلام والجهادية العدمية وعن العنصرية وكراهية الاسلام وكراهية العالم.
اللوموند

—————————

أزمة الاسلام” وعنف المسلمين/ برهان غليون

يجعل الاعتقاد الخطير السائد اليوم بأن التطرّف والعنف ورفض الآخر جزء من العقيدة الاسلامية أحد أكبر منابع التوتر والحرب الباردة، والساخنة أحيانا، في العالم المعاصر. وتشكل مواجهة هذا التطرّف محور الحياة السياسية والثقافية لحكومات الدول العربية، وبعض الإسلامية، وتحتل موقعا متميزا في الأيديولوجية السياسية التعبوية، وفي الخطط الإستراتيجية للدول المركزية في الغرب والشرق، كما تشير إليه “الحرب الدولية على الإرهاب” التي هي الحرب الوحيدة العالمية المعلنة والمشروعة اليوم. وينجم عن هذا الاعتقاد ما يشبه التهمة الخفية بأن كل مسلم يحمل في عقيدته جرثوم التطرّف والنزوع إلى العنف. والإسلام عموما هو المتهم، والمسلمون ضحايا عقيدة مقدسة فاسدة من الأصل، وعليهم إصلاحها أو تحمّل المسؤولية عن التهم الموجهة إليهم، وعلى رجال دين المسلمين ومفكريهم أن ينكبّوا على إعادة تفسير النصوص الدينية لتطهيرها من لوثة العنف والتطرّف، إذا أرادوا أن يستعيدوا ثقة الآخرين، ويوقفوا تيار الكراهية ونزعة العزل والإقصاء المتفاقمة التي تهدّدهم، بوضعهم خارج سقف القانون، حيثما كانوا، في بلدانهم نفسها، وفي بلدان إقامتهم وهجرتهم التي أصبحت أحد أوطانهم الرئيسية أيضا.

بصرف النظر عن صحته أو خطئه، يخدم هذا الاعتقاد، والخطاب الذي يروّجه، أطرافا عديدة. أولها حكومات الدول المركزية التي تهيمن على المنظومة الدولية، وتتحكم بأجندتها السياسية الرئيسية. فهي تستخدم الخطر الاسلامي لهدفين هامين: إيجاد خطر جديد عالمي، يعوّض الخطر الشيوعي الذي وحد العالم الليبرالي عقودا طويلة، ويكون، من النوع ذاته تقريبا، عولميا، كريها، وعدوانيا وشاملا، وغامضا لا يمكن الإحاطة بملامحه جميعا، ما يبرّر أيضا الاستمرار في تعظيم النفقات العسكرية والاستثمار في التقنية القتالية من كل الأنواع، أي في شرعنة اقتصاد الحرب الذي أصبح جزءا أكثر من مهم من الاستثمار “الرأسمالي” العالمي، ويعمّق التحالف مع النظم الاستبدادية الفاسدة، ويسوّغ التدخلات العسكرية المتزايدة في بلدان الجنوب الفقيرة التي تشكل اليوم محيطا هائجا يغلي بالتوترات والنزاعات الأهلية ومشاريع الهجرة الجماعية نحو المراكز العالمية.

ولا يقل الهدف الثاني أهمية عن الأول، وهو استخدام الخوف أو التخويف من الإسلام لاستنهاض المشاعر والكليشيهات القومية والإثنية المنحلة، وتوحيد الكتلة الرئيسية من السكان، على حساب التمييز ضد الطبقات البائسة الجديدة التي تحتل معظم الأرياف المحيطة بالمدن العامرة في الدول الصناعية، والتي تكاد تتحوّل إلى مناطق سكن العمال المهاجرين والباطلين عن العمل والبروليتاريا الرثّة المتعدّدة الاصول والقوميات. وأعتقد أن الدور الرئيس للإسلاموفوبيا هو اليوم إعادة الإنتاج المستمرة لهؤلاء السكان الملونين، كأجانب ودخلاء ومختلفين ومتطفلين على المجتمعات البيضاء، أي مواطنين من الدرجة الثانية. ومن ثم قلب الإيديولوجية التقليدية اليسارية رأسا على عقب، حتى تصبح “البروليتاريا الجديدة” هي التي تستغل المجتمعات البيضاء المتقدّمة، وتنتزع منها فرص عملها، وليس العكس.

ويخدم الإسلام المعدّل جينيا ليصبح مصدر خطر داهم ودائم، ثانيا، النظم الديكتاتورية، فهي تضخم من مخاطر انفلات عدوانيته، وإذا اضطرت إلى المشاركة في إنتاجها، لتبرّر سياسات القمع الشامل وإغلاق المجال السياسي والقضاء بجميع الوسائل غير القانونية وشبه القانونية على معارضيها، وأحيانا للتغطية على عمليات الإبادة الجماعية، كما يحصل اليوم للأقلية الإيغورية في الصين الشعبية، وكما حصل في مناطق سورية عديدة أيضا خلال هذا العقد المنقضي.

ويخدم الإسلام “دين السياسة المسلحة” والتضحية والجهاد، ثالثا، النخب الاجتماعية المتمرّدة أو النازعة إلى التمرّد على سلطات جائرة وقاهرة ومحمية خارجيا بما يقدّمه لها من زاد إيديولوجي ومصدر شرعية مضادّة، تحظى بالصدقية، بمقدار ما تضمر بالفعل لغة العنف وإمكانية إنتاجه واستخدامه، وأعني بها بالطبع النخب الإسلاموية.

وهذا ما يفسّر ظاهرة تفاقم نفوذ القوى المعارضة الإسلاموية على حساب القوى الديمقراطية المدنية في ظل النظم الديكتاتورية العربية. إذ يبدو الديمقراطيون المدنيون نمرا من ورق أمام نظم طاغية، ومستعدّة لارتكاب كل المجازر، يصعب الرهان عليهم في أي مشروع تغيير، مقابل قوى إسلامية توحي بالمقدرة على مواجهة العنف وإنتاجه أيضا بصورة أقوى، والاستعداد للموت ومواجهة الاستبداد الوحشي بسلاحه، أي بالعنف ذاته. بمعنى آخر، ليس التمسّك بالشعائر الدينية وضمان الحياة الآخرة هي التي تجذب الشباب الضائع من دون أمل أو مستقبل إلى الحركات الاسلامية، ولكن بالعكس تماما، مفهومها للعنف وعلاقتها به، من أي مصدر جاء. وليست آيات الجهاد هي التي تدفع المضطهدين والمهمشين والمعزولين إلى اللجوء إلى العنف في صراعهم الدموي، وإنما العكس هو الصحيح أيضا. إن ضراوة الصراع وفرض لغة العنف على المعركة الدائرة من عقود ضد السلطة الفاسدة، ومن أجل التغيير، هو الذي يولد الحاجة لخطاب العنف، ويعيد إحياء معاني الشهادة واستعادة الذاكرة الجهادية القديمة التي ارتبطت بعصر الفتوح والانتصارات التاريخية. باختصار، لا تستطيع المعارضات الجديدة أن تقنع أحدا بقدرتها على مواجهة العنف، ما لم تتبنى عقيدةً توحي بإمكانية استخدام العنف، وتضمره في مواجهة عنف السلطة وجبروتها وإصرارها على تأبيد حكمها، مهما كان الثمن.

وهذا ما يجعل “الإسلام السياسي” المزخر بعنف مضمر أيضا يبدو نمرا بأسنان حديدية، ومن ثم ضمانة للتقدّم في مواجهة الديكتاتورية الدموية، بالنسبة لجمهورٍ واسع يشعر بالحرمان والقهر والاضطهاد في أكثر البلدان العربية والإسلامية التي افتقرت لأي نوعٍ من الممارسة السياسية وأي جهد، أهلي أو رسمي، لنشر ثقافة مدينة حقيقية. الطريق الوحيدة لربح المنافسة مع الحركات الإسلامية على قيادة الجمهور الناقم والمتحفز للعمل والانتفاض وانتزاع تأييده في هذه المواجهة الدموية التي فرضتها النظم السياسية القائمة، كانت تمرّ بأحد مسارين: مسار حروب الغوار التي طورتها الحركات اليسارية في أميركا اللاتينية وآسيا، ورعتها فكريا الفلسفة الماركسية والشيوعية. وهذا يفترض أن ينزل المثقفون العلمانيون، كما فعل أسلافهم من اليساريين، مثل غيغارا وكاسترو، وقبلهم لينين وماوتسي تونغ، إلى الميدان، ويحملوا السلاح لقيادة شعوبهم. وهو ما أصبح مستحيلا وفارغا من المعنى والصدقية، بعد انهيار التجارب السوفييتية والشيوعية عموما، وانحسار القيمة التحرّرية لهذه العقائد اليسارية، أو تلقي دعما حقيقيا وقويا من قوى خارجية تدعم خيار الديمقراطية والدولة المدنية وتقلب التوازنات لصالح النخب التحديثية العلمانية. وكلاهما بديا بعيدي المنال.

ويشكل الإسلام المزخر سياسيا وعسكريا، رابعا، أي المستعد للدخول في الحرب المفروضة من السلطات القائمة، بعد تدمير السياسة وتذويبها في الحرب، ذريعة لدى بعض الأقليات للانشقاق عن الجماعة القومية الخاضعة، والإنكفاء على سياسة قديمة ما قبل وطنية، هي الإنعزال، وعدم الإنخراط والسير ما أمكن بمحاذاة الجدار أو أكثر من ذلك بالنسبة لبعض الأقليات القومية، الانفصال، على أمل الخروج من حلقة التهميش أو الاضطهاد المعمّم، أو الاستعصاء السياسي، والبحث عن مخارج محتملة خارج الصراع بين النظم المتوحشة والمعارضة الإسلامية الإقصائية.

وأخيرا، يوفر “الإسلام السياسي” المتنامي في صفوف الجمهور المروّع والباحث عن مجاهدين وأبطال ومتبرّعين بأرواحهم دفاعا عنه وسيلة سهلة للنخب المثقفة المدنية، التي تنظر لنفسها بوصفها الوريث الطبيعي والوحيد الممكن لنظام القمع، لكنها تفتقر، في الوقت نفسه، لأي قوة مادية ذاتية، أو دعم خارجي قوي، يمكنانها من مقارعته والتأثير فيه، لحفظ ماء الوجه، وإمكانية متاحة لإنقاذ كبريائها المثلوم، ورمي المسؤولية في فشل انتفاضات التغيير الشعبية على منافسيها وشركائها معا في المعركة الشاقة لإسقاط نظامٍ يمدّ جذوره عميقا في خراب المجتمعات المحلية والتحالفات الدولية شبه الاستعمارية، فالواقع، بصرف النظر عن أوهامها الكبيرة عن نفسها، لا تمثل النخب المدنية المنشغلة فعلا بالهم العام سوى مجموعات محدودة ومعزولة من المثقفين، لا تزن كثيرا في ميزان القوة العسكرية والاستراتيجية العاملة في ساحات المواجهة التي تتخذ أكثر فأكثر، كما أظهرته تجربة الثورات العربية لهذا العقد، طابعا عالميا، وتشارك فيها دول على درجةٍ كبيرةٍ من النفوذ والقوة والتصميم، ومن الصعب عليها موضوعيا أن تشكّل، في مثل هذا الوضع، قوة تغيير ناجعة وفعالة في إطار صراع يكتب بالدم.

(2)

والمقصود من ذلك كله أن المعتقد الإسلامي، مهما كان تأويلنا غاياته، أو جوهره، أكان عقيدة غزو وفتح وبناء امبراطورية أم دين تعبّد وتهجد وتهذيب للنفس وتدريب على الأخوة والتكافل والتضامن بين أفراد الجماعة الواحدة والإنسانية، وهو في الواقع كلاهما، ليس هو الذي فرض لغة العنف هذه على صراع اجتماعي وسياسي، كان من المفروض، حسب ثقافة العصر الذي نعيش فيه، أن يجري كما توقع الجميع، بوسائل غير التي كانت مستخدمةً في القرون الوسطى، أو على الأقل أن لا يصل فيه العنف إلى مستوى ارتكاب المجازر والإبادة الجماعية واستخدام أسلحة الدمار الشامل، بما فيها الأسلحة الكيميائية في بعض الحالات. العكس هو الصحيح. ما فجّر مخزون العنف في تراث الإسلام الديني والدنيوي هو اللغة الدموية التي فرضها الخصم الممسك بالسلطة وحلفاؤه على الصراع، ليس الآن فحسب بل منذ عقود، وسدّهم بذلك أبواب الرحمة والأمل، وأي مخرج ممكن سوى الصعود إلى أقصى ما يمكن من العنف، فقاعدة الحرب التي يفرضها دائما القوي والأقوى هي التي استدعت تسييس الإسلام والتركيز على منابع الغضب والنقمة والكراهية فيه، وشحن السياسة الجديدة التي ولدت منه أو أضيفت إليه بعنف أهلي فائض وغير مسبوق.

لا يعني هذا أبدا أن النصوص الأصلية المعترف بشرعيتها في الإسلام لا تتضمن أفكارا واعتقادات تدفع إلى التطرّّف والقتال والحرب، فلا يوجد دين ولا أي عقيدة اجتماعية، بما فيها العقائد العلمانية الحديثة الليبرالية، والشيوعية، خالية من منابع القوة والعنف. وليس مستغربا، إذن، أن تكون هناك توجهات عدوانية في نصوص الأديان المقدّسة التي أصبحت، في الغالب أيضا، مرجعية سياسية لدول او سلطات سياسية امبرطورية، تقوم على  القوة والشوكة، وبالتالي العنف حتما.  والحرب التي هي العنف المنظم والمقطر جزء من السياسة والحياة السياسية الداخلية والدولية في عالم قائم على التنافس على الموارد والمواقع والنفوذ. ولا يمكن لديانةٍ عالميةٍ تماهت لحقبة مع سلطة دولة، وأصبحت ديانة امبرطورية، أن تخلو من النصوص التي تمجّد الكفاح والدفاع عن العقيدة والجماعة والأمة والمذهب. ولا تستبعد معتقداتنا الحديثة فكرة العنف والصراع والكفاح من قاموسها السياسي. ما تقوم عليه عقيدتنا السياسية الحديثة أن سيادة الدولة، وبالتالي سيادة الأمة التي تمثلها، تفترض الاستعداد الدائم للحرب والجرأة على خوضها. وهذا ما يفسّر المكانة الكبيرة التي تحتلها الإستراتيجية والحرب وتطوير السلاح أداة العنف باضطراد وتضخيم الميزانيات الدفاعية في إدارتنا السياسية واقتصادنا وثقافتنا حياتنا العامة أيضا، بما في ذلك ثقافة التجنيد الإجباري. ولم تتردّد حركات الإستعمار القديم والجديد والراهن عن رعاية العنف وتمجيده أحيانا، ضد الآخر، العدو، جنبا إلى جانب مع الاعتقاد بالسلام والرحمة وحب الآخر والتمسّك بالقيم الإنسانية والتشجيع على الأعمال الخيرية والمساعدات الإنسانية داخل الجماعة الدينية الواحدة، مسلمة كانت أم مسيحية أم يهودية أم ليبرالية أم علمانية.

ومع ذلك، لا يوجد شك في أن الاعتقاد الإسلامي السائد اليوم في معظم المجتمعات الإسلامية، والعربية منها بشكل خاص، ينزع إلى التركيز على الجانب العنفي في العقيدة، وإلى القبول السهل بالعنف والتسامح معه ومع ممارسيه أحيانا كثيرة، سواء في العلاقات بين المسلمين أنفسهم أو وبينهم ومن يختلف معهم أو يقف في وجه تطلعاتهم. وكذلك أن اللجوء المفرط، الفردي والجماعي، إلى العنف يشكل اليوم أحد سمات سلوك المسلمين أو تيارات ومذاهب وتنظيمات إسلامية كثيرة عاملة في الحقل السياسي، المحلي والعالمي. وربما لم يستسلم المسلمون عامة للاعتقاد بفضيلة القوة وأولوية الرهان عليها في تحقيق الأهداف السياسية في أي حقبةٍ سابقةٍ من تاريخهم، كما هو حالهم اليوم للأسف. وللأمانة، يشاركهم في ذلك جميع الذين خسروا رهاناتهم ومستقبلهم بسبب ضعفهم وتسلط أصحاب القوة الغاشمة عليهم، سواء كانت قوة الاستبداد والديكتاتورية الدموية أو قوة التدخلات العسكرية الفتاكة والرهيبة التي تحصد، منذ عقود، شبابهم وتدمر مدنهم وقراهم الفقيرة.

كما لا يعني ما ذكرت أن الاعتقاد الإسلامي، أو النسخة الحديثة الأكثر انتشارا منه، والتي عمل عليها مصلحون كثر في جميع مناطق العالم الإسلامي، الهندي والايراني والعربي والتركي والأفريقي والآسيوي، من دون توقف منذ أكثر من قرن ونصف، لا يمر بأزمة عميقة. بالتأكيد لا. فلم يكن الاسلام اعتقادا مفتتا، ومن دون مرجعية ثابتة وواضحة للمسلم، أو الذي يريد أن يعتنق الإسلام، كما هو عليه اليوم، حتى أصبح فيه من الصعب على المسلم العادي أن يميز الصحيح من الخاطئ والأصيل من المزوّر، لكثرة ما ظهر من تأويلاتٍ وتفاسير متضاربة، همشّت النص الأول نفسه، وشوشت عليه، كما لم يحصل في أي حقبة سابقة، حتى ليكاد كل مسلم أن يصوغ إسلامه، حسب رغبته ومصالحه. وبينما كان يكفي للاعتراف باسلام الفرد قبل عدة عقود لفظ الشهادة، أي تأكيد الإيمان بالله الواحد وبرسالة نبيه محمد، أصبح أي اختلاف في النظر في أبسط جزئيات الحياة اليومية، التي ليس لها علاقة أصلا بالإيمان، كافية للتكفير وإخراج المسلم من دينه.

كل هذا صحيح، لكن الاعتراف به لا يقدّم لنا أي مساعدة في فهم ما يجري، إن لم نسع إلى وضع هذه المعاينات في سياقها، وفهم شروط حياة المجتمعات وقلقها واضطراب ميزانها، وتضارب حوافز الأفراد العميقة وتشوش وعيهم وإدراكهم. ولا نستطيع أن نفهم الطلب المتزايد على خطاب العنف، بما في ذلك البحث عن مبرّراته في عصور خالية، من دون أن نفكر في الأوضاع التي تجعل من امتلاك العنف ومراكمته أولويةً، للحفاظ على البقاء في مجتمعات تقوم فيها السلطة، وبالتالي المكانة والموقع والموارد المعيشية، وربما حياة الأفراد، على العنف والقدرة على الأذى والدمار.

ما يعني أننا لا يمكن أن نفهم ما تتمتع به اليوم قيم التطرّف من جاذبية، إن لم نبحث عن  جذورها في تطرّف الواقع المعيشي نفسه. وبالمثل، لن نفهم “أزمة الإسلام” وما يعيشه من تفتت وتشتت في فكره وسلوك أتباعه، من دون معرفة الإجتياح السياسي لمرجعياته الدينية في كل بقاع العالم، وبشكل خاص في مناطقه الرئيسية في المشرق والعالم العربي وآسيا وأفريقيا وأوروبا ما بعد الاستعمارية. وسوف ندرك بسرعة أن الإسلام المستباح، فكرا وقيما وأخلاقا، أي عقيدة، هو جزء من الاستباحة التي تعيشها المجتمعات العربية وعديد من المجتمعات الإسلامية الأخرى، بسبب انهيار نظمها الاجتماعية، وخيانة نخبها السياسية والثقافية، وتغوّل الدول والسلطات القائمة على عموم مصالح الناس، وتدمير شروط حياتهم الطبيعية. سنجد حتما أن خطاب الحرب الذي يفسر صعود الإسلام السياسي ويغذيه ويصنعه ليس سوى الإنعكاس المباشر والحتمي للحرب الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والفكرية والأخلاقية، وأحيانا للحروب الأهلية الكامنة والمشتعلة التي يعيشها المسلم أو أكثر المسلمين العاديين، في مجتمعاتهم وخارجها، منذ عقود، وتطغى على وجودهم وتسلبهم إيمانهم وإنسانيتهم.

(3)

لكن، على الرغم من كل ما قيل، لا ينبغي أن يُفهم من هذا أن استفحال العنف في حياتنا الاجتماعية وعلاقاتنا الدولية أمر لا مردّ له، وأنه لا خيار لنا سوى القبول به والتعامل معه أمرا واقعا أبدا. ما يهدف إليه هذا التحليل هو:

أولا، أن لا نفكر كما لو أن كل مسلم يحمل في حمضه النووي بذور العنف والإجرام والإستعداد الدائم، بسبب معتقده الديني، للعداء للأجنبي وكراهية المختلف وقتله. وهذا ما يوحي به اليوم الخلط السريع بين الإسلام والجرائم التي يرتكبها مسلمون، سواء نسبوها إلى اعتقادهم الديني أم لا للأسف.

وثانيا أن من الممكن للفرد المسلم، متدينا كان أم لا، مقيما في بلده الأصلي أم في بلد مضيف، مندمجا ثقافيا أو قليل الاندماج، متعلما أو غير متعلم، أن يرتكب مخالفات للقانون، ويقوم بجرائم، ويعيث فسادا في المجتمع الذي يعيش فيه، كما يمكن أن يفعل أي فرد آخر غير مسلم، جانح أو قليل الاندماج الاجتماعي، أو غير راض عن القانون القائم، من دون أن يكون لذلك، بالضرورة، علاقة بجوهر الدين الذي ينتمي إليه، تماما كما أن الملحد يمكن أن يرتكب جريمة من دون أن يكون سببها عدم إيمانه بإله. ما يعني أنه يحق للمسلم أيضا أن يعامل كإنسان، يمكن أن يخطئ ويضعف ويشذ ويفسد وينحرف أو أن يكون مريضا نفسيا أو مختلا عقليا، أي أن يعترف له بشرطه الإنساني قبل شرطه الديني، وبصرف النظر عن انتمائه القومي والمذهبي، فالأميركيون البيض الذين قضوا على شعوب أميركا الهندية، والألمان الذين مارسوا الإبادة الجماعية ضد اليهود وجماعات أخرى، ودعاة الاستعمار العسكري والاستيطاني الذين استعبدوا أصحاب البلاد الأصليين، وكثيرون ممن ينكرون المساواة ويمارسون التمييز العنصري في البلدان الديمقراطية الليبرالية إلى اليوم، لا يصدرون في أعمالهم عن اعتقاداتهم المسيحية أو الليبرالية أو الثقافة الغربية، وانما يستخدمونها جميعا للتغطية على سقوطهم في سديم الوحشية الطبيعية العمياء والغرائزية البدائية التي تتحكّم بالصراع في عالم الحيوان المفتقر للعقل ومعنى الخطأ والصواب. والمطلوب محاكمة المجرم نفسه، لا دينه، ولا السلاح الذي يستخدمه، مادّيا كان أم معنويا، حتى لا نقدّم مزيدا من المسلمين المتمسّكين بدينهم وهويتهم وأخلاقياتهم وشعائرهم الطبيعية هدية لأصحاب النوايا الشريرة أو المشاريع السياسية والاستراتيجية الخاصة. أما إصلاح الأفكار والمعتقدات الخاطئة فسبيله النقد والتمحيص والتدقيق والتربية الإنسانية الصحيحة.

وثالثا وأخيرا، أن لا نضيع الهدف، ونتجه مباشرة إلى وضع أصابعنا على المفاصل التي تمكننا من معالجة مصدر السقطات والانزلاقات والتشوهات، لمعالجتها والقضاء عليها. لأنه من دون ذلك لن نتقدّم خطوة في أي اتجاه، ولن يدفع بنا المبالغة في العنف وتوسيع دائرة الإتهام الجماعي، إلا إلى مزيد من العنف، وبالتالي من التأزم والاحتراب والعدمية السياسية والأخلاقية. ولن نستطيع إطفاء الحرائق بإشعال مزيد منها، وإنما بسد  الذرائع، حسب قاعدة فقهية شهيرة، وهي كامنة، كما ذكرت، في الأزمة الوجودية المديدة والمتفاقمة التي تغذي جحافل المحتجين والمتمرّدين والمنقلبين على النظام والقانون، وفي شروط حياة الناس التي تدفع إلى التمرّد والانحراف في الجزء الاكبر من العالم اليوم. وهي الشروط التي يعمل على تدهورها، يوما بعد يوم، التحالف المدمر بين نظم الأوليغارشية العالمية المهيمنة ونظم الاستبداد والقهر المنتشرة في معظم بلدان الجنوب وانعدام أي أمل في التغيير أو تحسين الأحوال على المدى المنظور. ولا يتعلق البؤس اليوم بشروط الحياة المادية وحدها. إنه يتغذّى أكثر من الشعور بالتمييز، وانعدام المساواة، والشعور بالإذلال وفقدان الكرامة والأمل بالمستقبل. بهذا المعنى، ما يثير اليأس والقلق والخوف بشكل أكبر اليوم ويعمق الشعور بانسداد الآفاق هو الانهيار الواضح لقيم التضامن العالمي وآلياته، وتخلّي الحكومات المنفردة بالقرار العالمي عن مسؤولياتها ونزوعها إلى تقاسم المصالح والنفوذ والمواقع على حساب الشعوب الضعيفة والمفتقرة لأي قيادة وطنية أو اجتماعية حقيقية.

يتطلب هذا أيضا أن يدرك أصحاب السلطة والقرار في داخل كل قطر، وعلى الصعيد العالمي، أنه لم يعد من الممكن مواجهة التهديدات والمخاطر الكامنة بالإنكفاء على الدوائر القومية أو المحلية، كما لو كانت إقطاعيات مستقلة قروسطية يتحكم بمصيرها  سيد وحيد كما يشاء، ولا معالجة الأزمة الضاربة في بعض المجتمعات بمعزل عن الأزمة العامة التي تغذّيها جميعا، وهي أزمة النظام الدولي النابعة هي نفسها من فساد السياسة الدولية وتناقضاتها وتخبط أجنداتها، فنحن نعيش جميعا الآثار المدمرة لفشلنا المحزن كمجموعة إنسانية في المعارك العولمية الرئيسة التي كان علينا ربحها خلال نصف القرن الماضي، أعني معارك الإستقلال وتعميم حكم الدولة والقانون وتثبيته في الأقطار المستقلة، ومعالجة التخلف وتحقيق التنمية الإنسانية والقضاء على آفة الفقر، ثم معركة تعزيز السلام العالمي وتقليص رقعة الحرب.

فما نعيشه اليوم من تطرّف وعنف على مستوى البلدان الفقيرة، والذي لم يعد من الممكن حصره في أماكنه البعيدة، ومنع اختراقه فضاء الدول المركزية، مهما كانت تحوّطاتها الأمنية، ليس سوى من آثار هذا الفشل الكبير، والذي نجم، بشكل رئيس، عن رفضنا التفكير عالميا، وانكفائنا على سياسات التقدم الأنانية القومية والمحلية. ولم يعد لنا اليوم مخرج، إذا أردنا مواجهة المستقبل المظلم المليء بالمخاطر والتهديدات للجميع، إلا أن نتمثل، بالفعل وبالعمق، وليس باللسان فحسب، أننا أصبحنا نعيش، وسوف نعيش أكثر، باضطراد، في مجتمع واحد، وعالم واحد، وأننا أمام إنسان فرد واحد في كل مكان على ظهر المعمورة، تحرّكه المشاعر والمطالب والتطلعات والآمال والأحلام ذاتها بالكرامة والحرية والعدالة والمساواة، بصرف النظر عن ثقافته القومية الخاصة أيضا، أي أننا نعيش في حضارة واحدة وثقافة عالمية. وما لم ندرك هذه الحقيقة، ونعمل بوحيها، سوف نجد أنفسنا أكثر فأكثر غرقى حروب أهلية واقليمية ودولية لا نهاية لها، وضحايا بؤس معمم لا قاع له أيضا.

العربي الجديد

—————————–

تغيير بدون إسلاميين: السياسة والخروج من الحتمية الثقافية/ محمد سامي الكيال

ساد لعقود طويلة منظور سياسي- ثقافي عن التغيير في العالم العربي: استبعاد القوى الإسلامية من المشاركة في الحكم والعملية السياسية، مظهر ومسبب أساسي لغياب الديمقراطية، باعتبار هذه القوى ممثلاً لشرائح واسعة، قد تكون أغلبية المجتمع. دمقرطة الدولة العربية تمّر حتماً بإشراك الإسلاميين في السلطة من جهة، وإعادة تأهيلهم ليصبحوا أكثر تقبّلاً للقيم الديمقراطية من جهة أخرى.

يبدو هذا الطرح متماسكاً، وغير قابل للنقد من زاوية سياسية بحتة، فإلغاء قوى قادرة على حشد المؤيدين والأصوات الانتخابية، فعل مناف للديمقراطية بالتأكيد، ولكنه يثير أسئلة كثيرة على مستوى النظرية السياسية: كيف يمكن، بشكل مسبق، اعتبار تيار معين ممثلاً طبيعاً، أو شبه طبيعي، لشرائح سكانية عريضة، في غياب العملية السياسية الديمقراطية نفسها، ورغم عدم وجود حيّز عام مفتوح؟ يحيل هذا السؤال إلى السياسة، بوصفها عملية أو صيرورة مستمرة: لا يمكننا أن نعرف مدى حيثية الإسلاميين في عملية سياسية ديمقراطية، قبل تأسيس وإطلاق هذه العملية نفسها.

هنالك سؤال آخر: هل يمكن أن تتوفر الشروط الأساسية للعملية السياسية الديمقراطية، وأهمها وجود الحيز العام المفتوح، بحضور القوى الإسلامية الحالية، حتى بعد كل عمليات المراجعة وإعادة التأهيل التي مرّت بها؟ الإحالة هنا إلى السياسة بوصفها بنية: من الصعب تخيّل بنية نظام ديمقراطي تحوي كماً هائلاً من المحرمات في الجدل العام، وتعاني جديّاً في تقبّل أبسط الحريات الفردية والاجتماعية، وعلى رأسها حرية المعتقد والتعبير، ومن أكثر مضامينها أولية حرية تغيير الدين أو نقده.

إذا نظرنا للسياسة، بوصفها عملية تجري داخل نسق معين، يصبح منظور تمثيل الإسلاميين لشرائح معينة لا معنى له، فالتمثيل لا يتمّ إلا عبر آليات النسق الديمقراطي، وبعد ترسخها، وربما كانت القوة المفترضة للقوى الإسلامية ناتجة أساساً عن غياب هذا النسق. العامل الوحيد، الذي قد يدفعنا لافتراض حيثية سياسية – اجتماعية للإسلاميين، سابقة لأي نسق ديمقراطي، هي الحتمية الثقافية: المجتمعات العربية متديّنة بطبعها وجوهرها، وهذا الجوهر الثقافي سينعكس حتماً على أي عملية سياسية. وبما أن العرب متدينون دائما وأبداً، وكل ما في أشكال اجتماعهم الإنساني يعكس هذه الحقيقة، فالحل الوحيد لجعلهم قريبين من الديمقراطية، بوصفها أفقاً عالمياً، هو مصالحتهم معها عبر الإسلاميين. قد يكون هذا المنظور مناسباً جداً لبعض مراكز الدراسات الغربية في العقود الماضية، ويفسر جانباً من الحماس الكبير لبعض التجارب الإسلامية «الديمقراطية»، مثل تجربة حزب «العدالة والتنمية» التركي، ولكن يمكن القول إنه بات منظوراً عتيقاً للغاية، بعد كل التغيرات السياسية والاجتماعية، التي عرفتها المنطقة، والتي طرحت أسئلة أكثر عمقاً عن تلك الحتمية المفترضة.

لا سياسية التقليد

تبدو التصورات عن الحتمية الثقافية غير سياسية بالضرورة، فسواء اعتبرنا السياسة نتيجةً لتشكيل إرادة عامة ونمط معيّن من الحس السليم، عن طريق فرض الهيمنة السياسية والأيديولوجية لقوى ما، أو رأينا أنها يجب أن تقوم على الانتصار العقلاني لـ»الحجة الأفضل» في الحيز العام، فمن المتعذر بناء التصورات السياسية على حتمية ثقافية لا تتغيّر: يمكن بناء تركيبات سياسية وأيديولوجية لا متناهية من العناصر الثقافية الحاضرة اجتماعياً، الإسلامية شكل من أشكال هذه التركيبات، يمكن تأريخ نشوئه وتطوره، وليس الشكل الوحيد والحتمي. من ناحية أخرى يمكن للدين تقديم حجج سياسية واجتماعية عقلانية في الحيز العام، ولكن معيار هذه الحجج سيكون عقلانيتها، أو بالأصح إمكانية ترجمتها إلى لغة عقلانية مشتركة، وليس تطابقها مع الأصل الديني، مادامت معدّة للطرح في جدل عام بين أطراف متنوعة المعتقد والتوجه السياسي.

هنالك شكل آخر لطرح الحتمية الثقافية: الإسلامية قد تكون تعبيراً سياسياً، عن مقاومة البشر في العالم الإسلامي للسياسات الإمبريالية والهيمنة الثقافية الغربية، ما يجعلها، بشكل من الأشكال، «صوت الجنوب»، حسب التعبير الشهير للباحث الفرنسي فرانسوا بورغا، وعلى الرغم من أن هذا الطرح يلحظ أن الإسلامية لم تكن يوماً الشكل الوحيد، أو حتى الأكثر فاعلية في العالم الإسلامي، لمواجهة الاضطهاد الخارجي، إلا أنه قائم على مصادرة تجعل نقاشه متعذراً وغير مفيد: ما البرهان على أن مواجهة المركزية الغربية والإمبريالية هي العامل السياسي المحرّك للمجتمعات العربية والإسلامية؟ وإذا افترضنا بالفعل أنها كانت محركاً أساسياً في فترة التحرر الوطني، فلماذا الافتراض أنها ما زالت وستبقى أساسيةً في كل الفترات والعصور؟

التجربة التاريخية القريبة، تطرح كثيراً من الاعتراضات على الحتمية الثقافية: استطاعت الدولة المصرية، عقب انقلاب الثلاثين من يونيو/حزيران، أن تنتج نوعاً من الهيمنة، قام أساساً على مواجهة الإسلاميين، عن طريق مزيج من الرطانة الوطنية ودعم الميل المحافظ اجتماعياً والتخويف من الفوضى؛ التغيير في السودان قامت به قوى نقابية وسياسية ذات ميل مدني، على أساس مواجهة «الكيزان» أو «الزواحف» (العسكر والإسلاميين)؛ ورغم النجاحات الانتخابية لحزب النهضة التونسي إلا أنه لا يبدو ممثلاً حتمياً حتى للتونسيين الأكثر تديناً، وأظهر كثيراً من الهشاشة وسط التقلبات السياسية. وإضافة للوقائع السياسية المباشرة، تُبدي المجتمعات كثيراً من المظاهر التي لا تتفق مع ما يفترض أنه تقليد اجتماعي مترسّخ، وأصبحت قضايا مثل، حقوق النساء والمثليين والحرية الجنسية والإلحاد جانباً من الجدل اليومي في العالم العربي.

التقليد بهذا المعنى ليس أكثر من نموذج ذهني اختزالي، قد يكون مفيداً لفهم بنية ممارسة اجتماعية ما، ولكنه لا يصلح بالتأكيد لدراسة الأوضاع السياسية والثقافية القائمة لمجتمعات تتمتع بحيوية كبيرة، وتُنتج دائماً عديداً من خطوط الانفلات.

وإذا كان بناء السياسة على الحتمية الثقافية للتقليد، أمراً متعذراً، فما الأفق السياسي المتبقي للإسلاميين؟

المأزق التسلطي

إذا تجاوزنا منظور الحتمية، يصبح ما هو مطلوب من الإسلاميين شديد الالتباس: عليهم أن يصبحوا ليبراليين للغاية، لدرجة أن يصبحوا الرافع الأساسي للحريات الاجتماعية والفردية الأساسية، وأن يحتفظوا بالوقت نفسه بهويتهم بوصفهم إسلاميين.

التجربة التركية وضّحت في السنوات الماضية مدى عمق هذا الالتباس، بقاء حزب «العدالة والتنمية» في الحكم، بدون انقطاع، استلزم كثيراً من الإجراءات التسلطية، المرتبطة بخطاب شعبوي قومي- ديني، وهجوم متواصل على كثير من الحريات الاجتماعية والفردية للمواطنين الأتراك، فضلاً عن حروب لا تنتهي مع «العدو» السياسي، وهو في الحالة التركية الآخر القومي أساساً. يصعب اليوم اعتبار تركيا نموذجاً لديمقراطية إسلامية، بل باتت حالة نموذجية لسياسات شعبوية تسلطية لا تجد تبريراً لها مجدداً، إلا بالحتمية الثقافية. وإذا كانت الشعبوية شكلاً من أشكال الممارسة السياسية، فإن الإدعاء الشعبوي الإسلامي، قد يُواجَه يوماً بادعاء مخالف، قادر على إزاحته. بهذا المعنى لا يبدي الإسلاميون قدرة على تأسيس أنظمة ديمقراطية مستقرة، وتبدو التسلطية لازماً من لوازم السياسة الإسلامية، التي لا تستطيع، بحكم بنيتها الأيديولوجية نفسها، التخلّص من المنظور القمعي للحتمية الثقافية. قد يطرح هذا مأزقاً آخر، لا يخصّ الإسلاميين وحدهم: يبدو أن الديمقراطية غير ممكنة مع الإسلاميين، وغير ممكنة بدونهم، أو على أساس استبعادهم، في الوقت نفسه.

«شعب» التغيير

فكرة وجود أحزاب دينية في الديمقراطيات الراسخة ليست أمراً غريباً، ولعل المثال الأبرز هو الحزب الديمقراطي المسيحي الألماني، الذي حكم ألمانيا للفترة الأطول بعد الحرب العالمية الثانية، واستطاع فعلاً أن يكون «حزب الشعب»، الضامن لأساسيات النظام الديمقراطي القائم. إلا أن تجربة الحزب المسيحي الألماني مستندة أساساً إلى ميل محافظ، قائم على تصليب القيم الاجتماعية والثقافية والدينية للبورجوازية، وهي قيم قائمة ومُمارسة بالفعل، وأصبحت التيار الاجتماعي الرئيسي، فيما يبدو الإسلاميون أكثر راديكالية وأقل محافظة: هنالك دائماً تاريخ مجيد وقيم ضائعة يجب العودة إليها واسترجاعها، وإعادة هندسة المجتمع من جديد على أساسها. قد تكون المشكلة في غياب فئة اجتماعية راسخة تضمن المشروع الديمقراطي، وهذا ما يجعل السعي للديمقراطية في العالم العربي ثورياً بالضرورة، ولا يبدو الإسلاميون، نظراً لحتميتهم الثقافية، الطرف الأمثل لتبني القيم التحررية، بل عائقاً أساسياً أمام تحقيقها، وقد يكون انتظار طرف إسلامي، يدعم حرية المعتقد والتعبير وحقوق النساء والأقليات والمثليين، انتظاراً عبثياً.

وإذا كانت هذه الفئات المتضررة من التسلطية العربية صاحبة المصلحة الفعلية في النضال لأجل الديمقراطية، ولا يمكنها أن تأمل بتبني الإسلاميين لقضاياها، فلا يبدو أن التغيير الديمقراطي في العالم العربي يستلزم بالضرورة إشراك الإسلاميين به، بل ربما كان العكس صحيحاً، في الحالة السودانية تم بناء «شعب»، أي ائتلاف اجتماعي متعدد الفئات والمطالب، حامل لمشروع التغيير، على أساس التضاد معهم. ورغم كل المشاكل والأزمات، يمكن اعتبار ما حققته الثورة السودانية من الأفضل عربياً، ولذلك فربما كان تعميم تجربة ذلك الائتلاف ضرورة عربية ملحّة.

٭ كاتب من سوريا

القدس العربي

———————————-

دين في أزمة: هل الإسلام نزعة انفصالية؟/ محمد سامي الكيال

يعود نقاش «الإسلام» في الدول الغربية بشكل متكرر منذ تسعينيات القرن الماضي، وأصبح عاملاً سياسياً وانتخابياً شديد الأهمية. أحد الأسئلة، التي تُطرح بصيغ مختلفة ضمن هذا النقاش: لماذا الإسلام بالذات؟ فبعد عقود من سياسات الهوية، التي قامت أساساً على تصليب الرموز الثقافية للأقليات والاحتفاء بها، بل وإنتاج أقليات جديدة على الدوام، يبدو «الإسلام» واحداً من أكثر الهويات إثارة للمتاعب، لدرجة أن أنظمة «التنوّع» نفسها تلاقي صعوبات شديدة في استيعابه.

حاول الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون تقديم إجابة، في خطابه الأخير، الذي ألقاه من إحدى الضواحي الباريسية «المؤسلمة»: الإسلام، بصيغته الحالية، نزعة انفصالية، تضع نفسها فوق القوانين والقيم الجمهورية، ويجب محاربة ميله الانعزالي عبر سلطة جهاز الدولة. ولتلافي اتهام فرنسا بالميل اللائكي المتطرف، تحدث ماكرون عن أن الإسلام يعاني أزمةً «في كل مكان» وليس في الجمهورية الفرنسية فقط. وبالفعل يصعب إنكار أزمة الإسلام تلك، فحتى في بريطانيا والولايات المتحدة، الأكثر تمسكاً بأيديولوجيا «التعددية الثقافية» أو في كندا، الموطن الأول لهذه التعددية، لا يبدو «الإسلام» مرتاحاً للغاية مع محيطة السياسي والاجتماعي، والعكس صحيح.

تظهر المشكلة أساساً في مستوى حاكمية الدولة الحديثة: لا يمكن أن يكون هناك شرع أو قانون أو انتماء أعلى من الدولة. معظم جماعات الهوية لا تسعى بشكل مباشر للاصطدام بهذه الحاكمية، مهما بلغت «خصوصياتها» فيما يمتلك «الإسلام» مفاهيم أخرى للحاكمية، ما يجعله نزعة انعزالية – انفصالية. إلا أن الموضوع ليس بهذه البساطة، فتعالي السلطة الحديثة، وقدرتها على التحكم الحيوي والسياسي بحياة مواطنيها لا يمكن أن يتجسّدا بشكل عنيف ومباشر، لا بد من هيمنة أيديولوجية تضمن القبول بسلطة الدولة، وأجهزة ومؤسسات معينة، توطد بممارساتها المادية تلك الهيمنة. ما يجعل السؤال الأهم: لماذا تبدو هيمنة الدولة اليوم هشّة لهذه الدرجة؟ هل المسألة في «الإسلام» نفسه، بوصفه نمطاً أيديولوجياً منافساً لأيديولوجيا السلطة، وغير قابل للتآلف معها، أم في تراجع فعالية الأجهزة الأيديولوجية للدولة؟ ماكرون انتبه لدور المدارس في مشكلة التطرف الإسلامي، والمدرسة، حسب المفكر الفرنسي لويس ألتوسير، النموذج الأساسي لأجهزة الدولة الأيديولوجية. وكذلك تحدث الرئيس الفرنسي عن فشل مدّ القيم الجمهورية إلى الضواحي، إلا أن تصريحاته بدت وكأنها محاولة لاستدارك تقصير إجرائي في عمل الدولة، وربما كان السؤال الأجدى: هل مازال بالإمكان فعلاً فرض هيمنة قيم الدولة بالطريقة الكلاسيكية؟ وما انعكاس مشكلة الهيمنة هذه على «أزمة الإسلام» العالمية؟

تعطل وظيفة الاندماج

«الاندماج الاجتماعي» ليس مجرد شعار سياسي يُطرح في مواجهة المسلمين، أو المهاجرين، بل هو واحد من أهم مفاهيم علم الاجتماع المعاصر، بالنسبة لإميل دوركهايم، على سبيل المثال، اتسمت المجتمعات قبل الحديثة بنوع من «التضامن الميكانيكي» فقد كانت علاقات القرابة تؤمن تجانساً طبيعياً، مادياً وقيمياً، في مجتمعات ضعيفة التمايز. مع تعقّد الأنظمة الاجتماعية، واكتسابها الاستقلالية والتمايز الوظيفي، وبروز الفردانية، صار الاندماج وظيفة أكثر تركيباً، وعليه أن يضمن عمل الأنظمة الاجتماعية (مثل أنظمة السياسة والقانون والأخلاق والفن) بشكل متسق من جهة، وتأمين التماسك بين الجماعات المتعددة، وكذلك بين الفرد والمجتمع عموماً، من جهة أخرى. جورج زيميل يعتبر هذا النمط من الاندماج مميزاً للحياة في المدينة، بكل ترميزاتها وتياراتها وأنظمتها المتعددة، عن حياة الريف.

يولي عدد كبير من علماء الاجتماع أهمية كبرى لما يسمى «المؤسسات الوسيطة» في عملية الاندماج، وهي مجموعة من الهيئات، التي لا يمكن نسبتها بشكل مباشر إلى الأجهزة التنفيذية للدولة، فمعظم الأفراد لا يتعلّمون القيم المشتركة والقوانين العمومية بتماس مباشر مع الشرطة والمحاكم والسجون، بل بتوسط شبكة شديدة التعقيد من المؤسسات التعليمية والإعلامية والاجتماعية والثقافية والدينية، كما توفر هذه المؤسسات نوعاً من الرعاية والضمان الاجتماعي العمومي للمواطنين، لم يعد بالإمكان التعويل على بنى العائلة والقرابة في تأمينه.

وبعيداً عن النقد المعروف لهذه المؤسسات، بوصفها أساساً للهيمنة الطبقية، حسب الماركسيين، أو لهيكلية السلطة الذكورية البيضاء حسب حركات التظلّم المعاصرة، فلا يمكن تخيّل مجتمع شديد التعقيد، يعمل بحد أدنى من الاتساق والفعالية، بدون وجودها. عالم الاجتماع الألماني أوليفر ناختفاي يصفها بـ«مدارس الديمقراطية» ويتحدث، بأسى شديد، عن انحلالها في شرطنا المعاصر، ما يعطّل عملية الاندماج، فيصبح من الصعب الحديث عن قيم مشتركة، يمكن الاحتكام إليها بين المجموعات المختلفة، ويجعل الأفراد معزولين، محرومين من الرعاية والتأهيل، وغير مهيئين للمشاركة في العمليات الاجتماعية الأساسية. من جهة أخرى يختلّ الاتساق البنيوي بين الأنظمة، فيصبح الاقتصادي مثلاً طاغياً على الاجتماعي. هذه الحالة يعتبرها ناختفاي «نزعاً للتحضّر».

انحلال وظيفة الاندماج لا يعني المسلمين وحدهم، إذن في المجتمعات الغربية، والقيم الديمقراطية والجمهورية أصبحت تعاني مع مختلف المجموعات السكانية. الاستقطاب السياسي الحاد في الولايات المتحدة مثال جيد على هذا: أنصار التيارات السياسية المختلفة يعيشون في عوالم منفصلة، ولا يعتبرون الآخر خصماً سياسياً بقدر ما يرونه نموذجاً للشر أو الغباء، والتطرف، يتصاعد في كل المعسكرات، ولا يبدو أن هنالك قيماً ثقافية أو سياسة أو حتى وطنية مشتركة بين الأطراف المتنازعة. وبما أن تعطّل وظيفة الاندماج الاجتماعي جانب من شرطنا التاريخي المعاصر، فمن الصعب التعويل على قدرة الجمهورية الفرنسية على نشر قيمها في مواجهة «الانعزالية الإسلامية» ولكن هل يمكن رد «أزمة الإسلام» بأكملها إلى انحلال المؤسسات الوسيطة في المجتمعات المعاصرة؟

نزعة غير انفصالية

تصاعد التطرف والتفكك الاجتماعي والهوياتي بشكل عام لا ينفي خصوصية معينة لـ«الانعزالية الإسلامية»: تعمل كثير من أيديولوجيات الإسلام السياسي المعاصرة على صياغة نمط قيمي وحياتي لا يتسم فقط بالانفصال عن الآخرين، بل أساساً بالتضاد مع قيمهم والاستعلاء عليها. لا يبدو منظور هذه الأيديولوجيات منظوراً أقلوياً، يسعى لحماية أقلية مهددة والحفاظ على خصوصيتها ورموزها الثقافية الأساسية، بل أقرب لمنطق جماعات راديكالية، تسعى، بشكل استعراضي، إلى إلغاء قيم الآخرين وتقويم سلوكهم. قيام المتطرفين الإسلاميين بقتل فنانين يُعتبرون مسيئين للقيم الإسلامية، ليس دفاعاً عن جماعة مستضعفة، بقدر ما هو محاولة لجعل أحكامها وشرائعها سائدة ومراعاة في الحيز العام.

بناء على هذا فربما كان من الخطأ الحديث عن «نزعة انفصالية» أو حتى «انعزالية» في الأيديولوجيا الإسلامية المعاصرة، فهي لا تريد التعبير عن إثنية أو جماعة قومية تناضل لانتزاع حيّزها السيادي المستقل، كما فعل كثير من حركات التحرر الوطني الراديكالية في ما مضى. لا يهدف الإسلاميون إلى الانفصال بإقليم إسلامي عن فرنسا مثلاً، أو إلى تحقيق مناطق حكم ذاتي معترف بها في الضواحي الأوروبية، بل يسعون إلى جعل منظورهم للأسلمة حاضراً، ولا يمكن تجاوزه في الحياة العامة. يبدو الحديث هنا عن نوع من «الكونية الإسلامية» أكثر مناسبة من التحذير من الانفصالية، وهي كونية لا أهداف سياسية واضحة إلا أحلام بالأسلمة التدريجية للمجتمعات، يصعب على رئيس فرنسي الاعتراف بأن جمهوريته، المستندة لتراث تنويري كوني متين، تواجه كونية مضادة، ولذلك قد يكون اختزال المسألة بـ«نزعة انفصالية» مريحاً وأقلّ تعقيداً.

«إسلام الأنوار»

إلا ان جمهورية ماكرون تبدو متناقضة مع قيمها العلمانية لدى حديثه عن ضروره دعم «إسلام الأنوار» بدلاً من الإسلام الانعزالي المتطرف، لأنها بذلك تصبح طرفاً غير محايد دينياً، يدعم معتقدات معينة على حساب أخرى، وينظّم الشؤون العقائدية بشكل مباشر. سيكون من الحزين للمفكرين الأحرار، الذين تدّعي الجمهورية استلهام تراثهم، أن يروها تحولت لمعهد لتخريج الأئمة «المتنورين».

المفارقة الطريفة في عصرنا أن قضية «إصلاح الإسلام» من داخله باتت تشغل أطرافاً عديدة، من المفترض ألا تكون معنية أصلاً بالعقيدة الإسلامية، من بعض المفكرين العلمانيين العرب، وصولاً للسياسيين الأوروبيين. ويبدو أن «الإسلام» المعاصر يظهر دائماً بوصفه جوهراً أصيلاً ضائعاً، يحاول الجميع استخلاصه من شوائب التطرف والانحراف.

ربما كان الأجدى أن ينهمك المسؤولون السياسيون بالحفاظ على دولة القانون، وإعادة ترميم المؤسسات الاجتماعية الأساسية، وتجفيف مصادر تمويل التطرف، أما العقائد الإسلامية، فهي شأن معتنقيها وحدهم. «أزمة الإسلام» وتفاعلاته المتعددة في العالم الإسلامي وخارجه، ستنتج غالباً كثيراً من التغيرات الاجتماعية والثقافية، التي ستنعكس بالضرورة على الأيديولوجيا الإسلامية الحالية وأنصارها، وبوادر هذا بدأت تظهر في العالم العربي، حيث أصبح الإسلاميون عموماً في موقف الدفاع. قد يكون الدافع الأكبر لجعل الإسلام يعيش حالة انعزالية هو محاولة سياسيين وناشطين غربيين، سواء كانوا من أنصار النزعة الجمهورية، أو سياسات الهوية، مناصرة نسخة متخيلة عن إسلام متنوّر أو ديمقراطي، وكأنهم يقيمون محميات طبيعية لحياة صحيّة للمسلمين، ويحمونهم من أنفسهم ومن الآخرين.

٭ كاتب من سوريا

القدس العربي

———————————-

العلمانية الفرنسية: سجال الدين والدولة أم عبادة عجل ذهبي؟/ صبحي حديدي

في كتابه «العلمانية إزاء الإسلام» ولعله ضمن الأعمال المعاصرة الأبرز في هذا الميدان، يذكّرنا المؤرخ وعالم الاجتماع الفرنسي أوليفييه روا بالفارق، الجوهري في الواقع، بين العلمانية الفرنسية Laicité؛ والعلمانية في مفهومها الأوسع، والكوني ربما، الذي يحمله مصطلح Secularism. الثانية، حسب روا، هي حال تحرّر المجتمع من معنى المقدّس، من دون نكرانه بالضرورة؛ والأولى هي لجوء الدولة إلى «طرد» الحياة الدينية إلى حدود عرّفتها الدولة بقانون. والفارق يمكن أن يتبدى صريحاً أو حتى صارخاً في إطار سلسلة من المواقف، تلخصها مسائل من النوع التالي: فصل الدين عن الدولة (نعم أم لا) وموقع الدين من المجتمع (قوي أم ضعيف) واحتمال أن تكون دولة علمانية بالمصطلح الثاني وليس الأوّل لأنها تقرّ ديناً رسمياً (بريطانيا، الدانمرك) أو أن تفصل الدين عن الدولة وتعترف في الآن ذاته بدور الدين في المضمار العام (الولايات المتحدة، حيث أقرّت المحكمة العليا استخدام مفردة «الله» في أداء القسم داخل المدارس) أو أن تعلن العلمانية ولا تشير إلى الإسلام في دستورها لكنها لا تفصل الدين عن الدولة (تركيا)…

والحال أنّ العلمانية الفرنسية وجدت تعبيراتها الأولى في قانون 1905 حول فصل الدين عن الدولة، ويومذاك كان «العدو» هو الكنيسة الكاثوليكية، أمّا اليوم فإنّ الإسلام حلّ محلّ الكاثوليكية؛ الأمر الذي يثير السؤال الحاسم: أهذا واقع استمرار، أم انقطاع؟ يتساءل روا: «في نهاية المطاف، هل يدور نقاش الإسلام حول مكانة الدين في المجتمع الفرنسي، أم ـ على نقيض الاستمرارية البادية ـ يُنظر إلى الإسلام اليوم كدين مختلف، حامل تهديد محدد؟ وفي هذه الحالة، أيعود الأمر إلى سمة محددة في الفقه المسلم، أم في أنّ الإسلام دين المهاجرين بما يُلقي على فرنسا ظلّ صراعات الشرق الأوسط؟». وليس خافياً أنّ إشكاليات كهذه، وسواها بالطبع، جثمت بقوّة في خلفيات طرازَين من السجالات حول الإسلام في فرنسا؛ الأوّل يخصّ العلمانية، في نسختها الفرنسية حصرياً، وارتباطها بالقِيَم الجمهورية والهوية الوطنية؛ والثاني يخصّ الإرهاب الإسلاموي، الذي استسهل الكثيرون ربطه مباشرة بالدين الإسلامي عموماً، وليس بعقائد متشددة أو تيارات جهادية. الحصيلة، في عقود الجمهورية الخامسة أو فرنسا المعاصرة بالأحرى، كانت سلسلة متعاقبة من السجالات، السطحية غالباً والعميقة نادراً، حول «قضايا» مثل الحجاب أو اللحم الحلال أو إضافة لحم الخنزير إلى الوجبات المدرسية، في الطراز الأوّل؛ وما إذا كانت الديانة الإسلامية، بوصفها ثقافة وشريعة أيضاً، حاضنة محرّضة في ذاتها على الإرهاب، ضمن الطراز الثاني.

ويندر أن يشهد بلد مثل بريطانيا أو ألمانيا أو الدانمرك انشقاقات كبرى في صفوف الأحزاب السياسية والرأي العام والصحافة اليومية وأروقة الجامعات، شبيهة بما شهدته فرنسا في سنوات 1989 و1994 و2003 و2004 و2010 و2016 و2017 حول الحجاب مثلاً؛ فاقتضت اللجوء إلى «مجلس الدولة» الذي أفتى بأنّ غطاء الرأس ليس في ذاته متناقضاً مع مبادئ العلمانية؛ أو تشكيل «هيئة ستاسي» وما أعقبها من إصدار قانون يحرّم في المدارس ارتداء العلامات أو الثياب التي توحي بالصفة الدينية؛ أو الدخول في جدل عقيم، مضحك أيضاً، حول الفارق بين البرقع والنقاب؛ وصولاً إلى الجامعات ونقاش منع الطالبات من ارتداء الحجاب فيها، أو شواطئ البحر والحقّ في ارتداء لباس السباحة الذي اشتُهر باسم «البوركيني»… في نطاق الطراز الثاني، تسابق اليمين الجمهوري مع اليمين المتطرف، ولم يتأخر الليبراليون طويلاً عن اللحاق بالركب، في تأثيم الإسلام كدين وثقافة تحت لافتة تجريم الإرهاب الذي يُرتكب باسم الدين الإسلامي؛ وبات مصطلح «الإرهاب الإسلامي» منفلتاً من كلّ ضابط مفهومي أو عقلاني أو منطقي أو تاريخي. ولعلّ هذه الهستيريا بلغت الذروة في تفكير رئيس اشتراكي مثل فرنسوا هولاند بسنّ قانون يجرّد ذوي الجنسية المزدوجة من الجنسية الفرنسية على خلفية الاتهام بأعمال إرهابية.

وكما هو معروف، اندلعت الجولة الأحدث من هذه الهستيريا على خلفية الجريمة الإرهابية البشعة التي ارتكبها مراهق شيشاني بحقّ المدرّس الفرنسي صمويل باتي الذي شاء تدريس مبدأ حرّية التعبير عن طريق عرض رسوم كاريكاتورية نشرتها «شارلي إيبدو» واعتبر القاتل، ومشايخه المحرّضون، أنها تسيء إلى النبي محمد وتستوجب ذبح المدرّس. وحتى يثبت العكس (لأنّ الحبل على الجرار كما يُقال) انفرد وزير الداخلية الفرنسي جيرار دارمنان بالسبق في التهافت والضحالة، فاتهم المخازن الكبرى في فرنسا بأنها تغذّي النزعات الانفصالية والجهوية حين تعرض على رفوفها أغذية أو ألبسة تدلّ على دين أو محتد! رئيس وزراء فرنسي أسبق مثل مانويل فالس، كان اشتراكياً ثمّ انقلب إلى يميني متسابق مع أقصى اليمين، نفض الغبار عن شخصه (هو الذي عاد إلى أصوله الإسبانية، وفشل في الفوز برئاسة بلدية برشلونة) فلم يكتفِ بالمطالبة باقتلاع «الإسلامية» من جذورها، فحسب؛ بل فتح النار على ساسة وكتّاب فرنسيين طالبوا بالفصل بين الإسلام وإرهاب أفراد مسلمين.

وبهذا فإنّ الإدانة الصريحة، بلا تردد أو تحفظ أو تسويغ أو تلاعب، لجريمة اغتيال المدرّس الفرنسي لا يصحّ أن تحجب الحقّ في فتح ملفات الاختلاف، أو حتى التناقض أحياناً، بين علمانية وعلمانية؛ على صعيد المجتمعات التي تحتضن جاليات مسلمة لا خلاف في أنها تعاني الكثير من المصاعب في بلوغ الدرجة المطلوبة من الاندماج الاجتماعي والثقافي والقانوني. كما لا يجوز للإدانة ذاتها أن تطمس حقوق المساءلة المشروعة لازدواج الخطاب الفرنسي، والأوروبي بصفة عامة، حول قضايا العلمانية وفصل الدين عن الدولة والمواطنة والقِيَم الجمهورية؛ وكيف أنّ قسطاً غير قليل من مسائل الحجاب والنقاب واللحم الحلال و«الإرهاب الإسلامي» تبدأ بواعثها من السياسة والساسة، في سياقات إلهاء الرأي العام عن الهموم الاجتماعية الكبرى، كالبطالة وانخفاض القدرة الشرائية ومشكلات التقاعد، من جهة أولى؛ وعلى سبيل استغلال هذه الهموم، أيضاً، بهدف تضخيم إحساس المواطن بأنّ الجزء الأكبر من المتاعب مصدره وجود «الأجانب» وانقلاب ذلك الوجود إلى عبء على الاقتصاد، من جهة أخرى.

هذه الخلاصة لا تلغي، مع ذلك، حقيقة أنّ المواطن إياه، ذلك النموذج المتوسط الممثّل للشرائح الأعرض في المجتمعات الغربية، أخذ يتأثر أكثر فأكثر بأجواء الخواف من الإسلام والمسلمين، بحيث صار التوجس من مؤشرات المستقبل الاقتصادي مقترناً بتوجّس من فقدان الهوية الثقافية (في التعبير الملطّف) والهوية الدينية المسيحية (في المحتوى الواقعي الصريح، الذي يطابق الواقع). كما أنها خلاصة لا تمسّ تلك الحقيقة الأخرى الرديفة، التي تشير بوضوح إلى أنّ مسائل العلمانية وحرّية المعتقد وفصل الدين عن الدولة… بريئة من حزمة البواعث التي تحرّك سلوك الساسة واتجاهات السياسة.

وقد يتفق معظم الذين يتذكرون النقاشات الفرنسية الساخنة حول حظر الحجاب، في المؤسسات التعليمية بصفة خاصة، أنها انطوت في الجانب الصحّي منها على ضرورة صيانة مبدأ العلمانية؛ وأسفرت، في الجانب العليل، عن مسخ العلمانية إلى ما هو أكثر جاهلية من عبادة عجل ذهبي. الأمر الذي يعيد هذه السطور إلى الأسئلة الأبسط: عن أي إسلام تتحدث فرنسا، في نهاية الأمر؟ ألا تتراوح آراء المسلمين أنفسهم بين إسلام مستنير يرفض الحجاب، وإسلام أصولي يذبح باسم المقدّس؟ وفي المقابل، ألا تتفاوت آراء الفرنسيين أنفسهم في معنى النسخة الفرنسية من مفهوم العلمانية، بحيث تتعايش تحت راياتها مبادئ الحرية والمساواة والأخوّة، مع عنصرية مارين لوبين وليبرالية إيمانويل ماكرون و… بلاهة دارمنان؟

كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

القدس العربي

————————————-

جريمة باريس .. تطرّف في الدين أم في اليأس؟/ راتب شعبو

ضجت فرنسا بأصداء جريمة وقعت في 16 أكتوبر/ تشرين الأول الجاري، حيث أقدم مراهق شيشاني (18 سنة) على مهاجمة مدرس تاريخ في مدرسةٍ في إحدى ضواحي باريس، وقتله في الشارع وقطع رأسه، انتقاماً منه، لأنه عرض على تلاميذه في الإعدادية، رسوماً كاريكاتورية غير لائقة ومسيئة للنبي محمد. ومن شأن هذه الجريمة الشنيعة أن تطمس تفاصيل كثيرة سابقة عليها، تشير إلى احتجاجات من بعض الأهالي المسلمين، واجتماع أولياء الأمور مع المدرس، واعتذاره عن فعلته التي تورد أقوال أخرى أنها لم تكن معزولة، وأن المدرس دأب على تكرارها منذ العمل الإرهابي الكبير الذي تعرّضت له أسبوعية شارلي إيبدو الساخرة على يد الأخوين كواشي في ديسمبر/ كانون الأول 2015، وراح ضحيته 12 شخصا، منهم ثمانية من هيئة التحرير التي اضطرت أن تواصل عملها بعد ذلك من مكان سرّي.

كان المدرس الضحية، صامويل باتي (47 سنة) يجد في رسوم المجلة عن النبي محمد الوسيلة الأنسب لشرح حق حرية التعبير لتلاميذه، ويسبق عرضه للرسوم بالطلب من التلاميذ المسلمين مغادرة القاعة، كي لا يثير حفيظتهم. هذا ما رواه في فيديو ولي أمر إحدى التلميذات. يتطلب الأمر إذن أن يسأل المدرس عن ديانة التلميذ، وهذا أمرٌ مخالف لمبدأ العلمانية. المدرس، والحال كذلك، يرى إلى نفسه مدافعاً عن حرية التعبير، ويرى أن هناك من لا يستطيع تحمّل هذه الحرية، وأن الحل هو بخروجهم من غرفة الصف. ويلخص هذا المشهد المشكلة. إذا كان هذا الحل ممكناً في غرفة صف، فكيف هو الحل على اتساع بلد؟

ينتظر العالم، بعد كل “إهانة” لمقدسات المسلمين، حدوث جريمة مروّعة ما بحق “كارهي” الإسلام. الفظاعة “الداعشية” لهذه الجرائم، ومنها الجريمة التي ارتكبها المراهق الشيشاني، تُخرج الموضوع عن مجال المناقشة على المستوى الفكري السياسي الذي يستحقه، لتحشره في خانةٍ مضادّة للنقاش، هي خانة ثنائية، تمتص كل تعقيدات الأمر، لتختزله في قطبين ملتبسين، حرية التعبير مقابل القتل. وتجعل هذه الثنائية الحدّية من عمل فردي (وإنْ كان يدل على عقلية فئة من المسلمين)، إيذاناً ببدء عملية استقطاب حربية الطابع، تفرض على الناس التوزّع على ضفتين متقابلتين. من المفهوم، والحال هذه، أن يتجمّع عشرات أو مئات آلاف الفرنسيين في ساحة الجمهورية في باريس، وفي ساحات مدن فرنسية عديدة وشوارعها، فيما سمّوها “الوحدة المقدسة” ضد الإرهاب. حضور كلمة “مقدّسة”، على الرغم من عدم تلاؤمها مع المجال السياسي العلماني، يشير إلى حدّة الاستقطاب، وإلى امتناع النقاش العقلي.

التعارض بين مبدأي حرية التعبير واحترام المقدسات، كان، على نحو دائم، المنبع الثابت لهيجانات شعبية عديدة ولجرائم عديدة يثأر من خلالها أفراد عصابيون لما يبدو لهم انتهاكاً لمقدّساتهم. هؤلاء الأفراد هم في الواقع نتاج بيئة عصابية، وهم في الواقع اليد الضاربة لهذه البيئة التي تعمّم صورتها على الإسلام بفعل قوة تأثير الأعمال الجرمية الانتقامية هذه، وسيطرتها المشهدية والشعورية على جميع الأعمال العقلانية التي ينتجها بقية المسلمين.

لا تنبع هذه الجرائم من تطرّف ديني كما يشيع القول، وغالباً ما يكون “أبطال” هذه الجرائم هم ممن لا يمارسون الطقوس الدينية، ولا يفقهون في دينهم إلا عموم الكلام. يمكن أن يقود التطرّف الديني بحصر المعنى، وعلى عكس ما هو شائع، إلى الزهد، أو إلى الاقتراب أكثر من العمق الروحي للدين المعني، ما قد يوصل “المتطرّف” إلى الأرض المشتركة للديانات جميعاً، فيجعله أكثر إدراكاً لوحدتها وأكثر تقبلاً لتنوعها. على هذا، يبدو التصوّف تطرّفاً دينياً وهو بعيد تماماً، كما هو معروف، عن أشكال العنف التي تنسب، على نحو خاطئ، إلى التطرّف الديني.

منبع هذه الجرائم بالأحرى هو التطرّف في اليأس. يأس يولّده التوتر بين مخيلة المسلمين المشبعة بتقدير ذاتي مفرط بوصفهم خير أمة أخرجت للناس، وأهل حضارة تفلتت من بين أيديهم، وأتباع آخر الرسل وسيدهم، وبين واقع المسلمين المتردّي الذي لا يملكون منه فكاكاً، واقع يجعلهم في ضعفٍ لا يستطيعون معه الدفاع عن أرضهم وحقوقهم التي تنهب أمام أعينهم على أيدي “الآخرين”. التعويض عن العجز أمام واقع سياسي يسلب المسلمين ثرواتهم وأراضيهم، يكون بالتشنج المبالغ فيه في الدفاع عن “مقدّساتهم”. ويتخذ هذا النوع من التعويض الشكل الجرمي الفظيع تعبيرا عن فظاعة ما يعتمل في نفوس المسلمين من يأس. هو نوع من الإحلال النفسي: إذا كنا لا نستطيع استعادة أرضنا المسلوبة وثروتنا المنهوبة، فإننا لم نصل إلى حد العجز عن قتل كل من يتجرأ على نبينا وعلى ديننا.

لا تنبع جرائم الانتقام هذه من “غيرة على الدين”، بل من شعور عميق بالضعف، وليس تقبل أتباع الأديان الأخرى للسخرية من رموزهم الدينية دليلا على قلة غيرتهم على دينهم، بل على شعورهم بالقوة التي تسمح لهم بإيجاد مسافة كافية بينهم وبين رموزهم، تستوعب اللهو والسخرية.

تلتقي حاجة السياسيين الغربيين لصناعة عدو، مع جاهزية فئةٍ من المسلمين لأن تكون المادة الأولية القابلة للتصنيع. هكذا تتكامل الأدوار، سياسيون يريدون ناخبين والطريقة الأسهل اليوم هي تحريك عصب الهوية والخوف، وجماعة لديها عصاب الهوية، ولا تحتاج سوى إلى محرّض بسيط كي تنفجر بكل الأشكال اللامعقولة التي تحقق الغرض المراد. ليس من فراغ أن نجد بين المسلمين، إلى جانب المنتشين بالجريمة، والذين يعتبرون القاتل القتيل شهيداً، من يرى أن جريمة باريس مفبركة لتشويه الإسلام، ولإيجاد عدو يجري استثماره سياسياً في الصراعات الانتخابية. والخاسرون في هذا التكامل السيئ هم المسلمون أولاً حين يدخلون في التنميط. وشعب البلد ثانياً حين تصبح برامج الأحزاب صيانة الهوية ومعالجة مخاوف الناس، بدلاً من البرامج الاقتصادية والاجتماعية التي تحسّن من مستوى المعيشة وأنماط الحياة.

العربي الجديد

——————————————–

الشعبويون وماكرون.. أزمات متبادلة/ رشيد الحاج صالح

من مشكلات الشعبوية في كل بقاع العالم، بغضّ النظر عن كونها شعبوية قومية أم دينية، يمينية أم يسارية، أنها لا تتعامل مع الانتقادات الموجهة إليها من موقع التحليل والتفكر والرد، بل من موقع التهجم وخلط الأوراق. حتى زعماء الشعبوية يحرصون على تحويل طريقة التعامل مع المشكلات المستجدة، من الطريقة الطبيعية للتعامل معها، وهي المناقشة، واقتراح سيناريوهات للتغلب على تلك المشكلة والتأثير فيها، إلى الطريقة الشعبوية التي تقوم على المزايدة من أجل رفع شعبية رموز الشعبوية بين أتباعهم وتعزير مكانتهم بين مناصريهم.

بالنسبة إلى الشعبوية الإسلامية، يحدث ذلك كلّما وجّه أحدهم نقدًا إلى أوضاع المسلمين أو عقائدهم أو تراثهم وطريقة عيشهم. آخر تقليعات صراع الشعبويين الإسلاميين كانت مع الرئيس الفرنسي ماكرون، والانتقادات التي وجّهها إلى الإسلام وأوضاع المسلمين في فرنسا؛ إذ قال في خطابه إن: “الإسلام دين يعيش اليوم أزمة في كل مكان بالعالم”، وإن “على فرنسا أن تتصدى للانعزالية الإسلامية التي تريد إقامة نظام موازٍ ينكر الجمهورية الفرنسية”، حيث إن الانعزالية الإسلامية، بحسب ماكرون، تجعل قوانينها فوق قوانين الجمهورية في فرنسا. أتت هذه التصريحات في أثناء زيارة ماكرون إلى ضاحية باريسية فقيرة، حيث طالب أيضًا “بفهم أفضل للإسلام”، و”تعليم اللغة العربية” من قبل الدولة، محملًا السلطات الفرنسية مسؤولية ترك بعض الأحياء تتحول إلى “مجتمعات مغلقة”، مؤكدًا أن تراجع دور السلطات هو ما سمح للآخرين ببناء مشاريع انعزالية.

طبعًا، العبارة التي وقف عندها الشعبويون الإسلاميون هي أن “الإسلام دين يعيش أزمة في كل مكان في العالم”، وهي عبارة غير موفقة، لأنها تستفز المسلمين وتوحي بأن المشكلة في الإسلام ذاته، لا في المسلمين وأوضاعهم وشيوخهم وتعليمهم. ماكرون رجل سياسة، وليس باحثًا أكاديميًا متخصصًا كي يختار مصطلحاته بدقة، وعند التدقيق؛ يبدو أنه قصد في كلامه أوضاع المسلمين، ولا سيّما في فرنسا، وليس الإسلام بحد ذاته. هدف كلامه يأتي في سياق التحضير لقانون جديد، يُتوقع أن يطبق العام القادم، ضد ما سمّاه بـ “الانفصال الشعوري”، وهو قانون يستهدف الحد من دور ممثلي الديانات الذين لا يحترمون مبادئ الدولة العلمانية للجمهورية الفرنسية. حتى إن المطلعين يشيرون إلى أن هذا القانون سيفرض رقابة صارمة على الجمعيات الإسلامية والمساجد التي تتلقى تمويلًا من جهات غير حكومية.

مضمون النقد الشعبوي الإسلامي صدر من جهات عدة، منها مجمع البحوث الإسلامية في الأزهر الشريف، الذي وصف تصريحات ماكرون بـ “العنصرية”، ورأى أن من شأنها أن تؤجج مشاعر ملياري مسلم، فيما اعتبر الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين أن تلك التصريحات دعوة مبطنة لحرب صليبية جديدة، وأنها تؤذي مشاعر مليار و700 مليون مسلم في العالم. واعتبر آخرون أن الرئيس الفرنسي “غبيّ ووقح”، وأنه يخاطر بأصوات 6 ملايين مسلم في فرنسا. أما رابطة العلماء السوريين المعارضة للنظام السوري، فذكّرت بديانة ماكرون الكاثوليكية، مشككة بالحرية والعلمانية التي تدعو لها فرنسا. وأضافت الرابطة أن أزمة الإسلام في “عملاء الغرب المتسلطين على مناهج المسلمين وتفكيرهم ووسائل إعلامهم”، داعية الحكومات والشعوب والمؤسسات لمواجهة هذا الخطاب ومقاطعة الاقتصاد الفرنسي. لا نريد أن نستطرد أكثر في سرد عشرات بل مئات التصريحات والمواقف التي صدرت بحق تصريحات ماكرون، وشملت رؤساء ووزراء ومديري إفتاء وشيوخ مستقلين كلهم يدين ويستنكر ويذكّر بعنصرية التصريحات، حتى إن بعضهم بدأ بقرع طبول الحرب.

تصريحات ماكرون، وغيره، حول الإسلام والمسلمين غالبًا ما تأتي ضمن حسابات ومواقف سياسية خاصة تتعلق بانتخابات أو صراع أحزاب محلية، ولا تتعلق بالإسلام نفسه. فبالنسبة إلى حالة ماكرون، فإنه يسعى لرفع شعبيته المنهارة، وطرح برامج جديدة، وتقييم عام لسياسات الحكومة علّه يحسّن من وضعه الانتخابي، ولا تتعلق بالإسلام نفسه. حتى حديثه عن “الانعزالية الإسلامية” هو نقد سياسي اجتماعي، وليس دينيًا لمسلمي فرنسا، ولا سيما أنه يشرك السلطات الفرنسية في المسؤولية عن هذه الانعزالية. وعلى ذلك؛ فالمسألة تتحدد في هذه الانعزالية أهي موجودة أم لا، ومن المسؤول عنها؟ وكيف يمكن الخروج منها؟ أي إنها قضية تهم مسلمي فرنسا والحكومة الفرنسية في الدرجة الأولى، ولا أحد يستطيع أن يقدم أو يؤخر في هذه المشكلة سوى هذين الطرفين، وبخاصة أن لدى مسلمي فرنسا عشرات الجمعيات والأئمة وشيوخ المساجد الذين يمثلّونهم.

أما تصريحات كبار علماء الأمة الإسلامية ودعاتها، فتأتي في إطار “البروباغندا الدينية”، التي تسعى إلى تحويل مشكلات المسلمين المحلية، في أي بقعة من العالم، إلى مشكلة عالمية عابرة لحدود الدول، بغية الاستثمار في “مشاعر المسلمين”. في عالم السياسة الحديثة المشكلات محلية بالدرجة الأولى، ويتم التعامل معها على مستوى الفاعلين فيها، سواء كانوا شعوبًا أم دولًا أو مؤسسات. الدعاة ومديرو الروابط والاتحادات الإسلامية لم يعد لهم أي دور يذكر، حتى في دولهم، إلا بالقدر الذي يفسحه لهم الحاكم، بوصفهم شركاء باطنيين معه من موقع التابع. وهو دور لا يختلف عن دور جامعة الدول العربية، ليس له أي قيمة أو معنى على أرض الواقع. هو دور يريد استغلال مشاعر المسلمين والتحدث باسمهم، لأنه يعتبر أن كل المسلمين لا يعرفون مصالحهم وصحيح دينهم إلا عن طريق الأئمة المشايخ والدعاة.

ردات فعلهم وصلت إلى درجة عالية من التعميم المفرط، وتهييج المشاعر لدرجة نسيان أصل القضية بل تجاهل حتى مصالح مسلمي فرنسا. حتى إن دعوة رابطة العلماء السوريين إلى مقاطعة الاقتصاد الفرنسي تعكس عدم معرفة حتى بألف باء السياسة، لأن المسلمين الفرنسيين سيكونون في مقدمة المتضررين من هذه المقاطعة.

يستشعر الزعماء الدينيون الإسلاميون الخطر من تلك التصريحات، لأنها قد تدفع المسلمين إلى التفكير بأوضاعهم وأحوالهم بشكل مستقل عن تلك الزعامات. مشكلتهم مع ماكرون وغيره ليست في الانتقادات التي يوجهها إلى الإسلام والمسلمين، بل في قيم الحرية التي يخشون منها على مكانتهم. قيم الحرية والعلمانية تحوّل الزعامات الدينية إلى أشخاص عاطلين عن العمل، وفاقدين لأي قدرة على التأثير.

اللافت للانتباه في ردّات فعل الزعماء الإسلاميين أنهم يحرصون على ذكر أعداد المسلمين في العالم، أو يذكرون عبارات توحي بأنهم ناطقون باسم كل مسلمي العالم. وهذا يعكس الصراع داخل العالم السنّي على زعامة السنة في العالم. فكل طرف يريد أن يقدم نفسه على أنه مسؤول عن مسلمي فرنسا، بشكل أو بآخر، ويريد أن ينصرهم على أعدائهم المفترضين. هم يعتقدون، بكل بساطة، أن الدين الإسلامي هو ملك لهم، وأنهم المسؤولون عن تدبير شؤون المسلمين في العالم. أي أن دوافعهم ليست دينية بقدر ما هي سياسية تتعلق بالسيطرة وتوسيع دائرة نفوهم.

دائرة نفوذهم الكبرى هي التعليم والمساجد، حيث يحصلون عن طريقها على المكانة والمال والنفوذ. ماكرون يريد منازعتهم على أعز ما يملكون، ولا سيّما أن ماكرون أبدى اهتمامًا بتوسيع نفوذ الدولة على المساجد وتعليم اللغة العربية.

في الأنظمة الديمقراطية، حلت قضية ملكية الدين، فالدين أصبح ملك الناس، لم يعد ملكًا للمؤسسات الدينية ولا حتى للدولة. حتى السياسة أصبحت ملكًا للناس، هم من يقررها عبر الانتخابات والأحزاب، ولا يسمح للزعماء الدينيين بالتدخل في قضايا سياسية عامة. الزعامات الإسلامية السنية، وبطبيعة الحال الشيعية، تريد أن تمتلك الدين والدولة والناس في وقت واحد، على الرغم من أن واقع الثورات العربية يبين بوضوح أنها فئات لا تمتلك الكثير من التأثير والنفوذ على أرض الواقع. حتى إنها تحولت في بعض الأحيان إلى شريك فعال في الثورات المضادة، كما في سورية والعراق ولبنان.

لا يجوز أن يكون الدين الإسلامي بيد الأئمة والدعاة، لأنهم -بكل بساطة- يستغلونه إما لمكانتهم الشخصية ومكاسبهم (غالبية أغنياء)، وإما لإقصاء من يختلفون معه سياسيًا (غالبًا ما يكفّر بعضهم بعضًا بسبب الصراع على السلطة والمال، كما حصل في سورية والعراق) وإما يتاجرون بمكانتهم الدينية، فيدعمون الزعيم الذي يدفع لهم أكثر ويفسح لهم المجال للتكسب عبر الزكاة والتبرعات. حتى معارضتهم للأنظمة السياسية الفاسدة في المنطقة العربية لا تأتي في إطار الانتصار لقيم الحرية وحقوق الإنسان وتحقيق العدالة والمساواة، بل في إطار المنازعة على السلطة. الدين عندهم وسيلة لجلب المصالح والاستقواء حتى على المجتمع والناس العاديين.

أكبر المستفيدين من البروباغندا الدينية هي الأنظمة العربية، التي تعيش أزمة حقيقية بعد عام 2011. فهي تشوش على مطالب السكان المحليين بالعدالة والمساواة، عبر إيجاد مشكلات مزيفة يتم تعبئة الرأي العام بها. بحيث تتراجع المشكلة السياسية في بلد ما لصالح مشكلة تتعلق بتصريحات رئيس دولة أخرى. تحويل مشكلات الناس من مشكلات سياسية تتعلق بالحقوق ونهب الأنظمة شعوبها، إلى مشكلة تتعلق بالهوية والأطماع الاستعمارية وصراع الحضارات، وهذا أمرٌ مفيد جدًا ومغرٍ لتلك الأنظمة.

أما أكبر الخاسرين فهم الناس العاديون. فمثل تلك الزوابع تزيد من سيطرة الزعماء الدينيين عليهم وعلى الرأي العام، كما أنها تقرب بين هؤلاء الزعماء وطغاة المنطقة، لأنها توحد بين مصالحهم. وهذا ما يفسر التشابه التام بين تصريحات الزعماء الدينين المؤيدين والمعارضين للأنظمة، ومزاودتهم على بعضهم البعض. الأمر المأساوي أن تلك البروباغندا تدفع بالمسلمين العاديين، على الأغلب بدون إدراك لخلفية الأمر، إلى مزيد من التطرف والكراهية، فتزداد مشكلات المسلمين بين بعضهم، ومع الشعوب والثقافات الأخرى. والأمر الأكثر مأساوية أن الزعماء الدينيين وطغاة المنطقة يعرفون ذلك جيدًا، ولذلك يستثمرون فيه. فالمتطرفون هم أشخاص يمكن توجيههم والسيطرة عليهم فكريًا بسهولة، بحسب نظريات علم النفس الحديث، ولذلك تاجر بهم حافظ الأسد، وولده من بعده، وكل أنظمة المنطقة. ويبدو أن هذا الاستثمار سيطول، ما لم تتم معالجة أصل المشكلة.

مركز حرمون

———————

عدي الزعبي… التشدّد خيانة لمبادئ الليبرالية

العلمانية والدين، وحدود حرية الرأي، وما يسمح بالسخرية منه وما لا يسمح، كلها أمور تخضع لسياقات متعددة معقدة، في الغرب الليبرالي وخارجه.

في الثمانينيات، شجع تشومسكي كتاباً يشككون بالهولوكست في أوروبا. كان يعتقد أن أعمالهم سخيفة للغاية، ولكن، برأيه، لا يجوز محاكمتهم بسبب سخف آرائهم. في أميركا، على العكس من أوروبا، لا يتعرض الناس للمحاكمة إن شككوا بالهولوكست، لأن المحرقة الكبرى لم تجر على أرضهم. البون شاسع بين أميركا وأوروبا في التشكيك، بالرغم من أن الهولوكوست يعتبر الجريمة الأكثر وحشية، في الضمير الغربي كله.

بريطانيا، على العموم، لم تنشر رسوماً تسخر من النبي محمد، ولم تناقش منع النقاب. طبيعة البلد التاريخية لا تحبذ الدخول في تفاصيل دينية تراها هامشية. على العكس تماماً، فرنسا، منذ ثورتها العظيمة، قطعت راس الملك واحرقت الكنائس وقتلت الرهبان. لا يوجد شيء من هذا في تاريخ بريطانيا وأميركا. المثير جداً أن الأطراف هذه لا تختلف كثيراً في مبادئها النظرية، ولكن، التطور التاريخي جعل من تطبيق هذه المبادئ مختلفاً تماماً.

في حوار لصادق جلال العظم عن التشدد الديني، على ما أذكر بعيد محاكمة مرسيل خليفة، أشار إلى الأغنية الشعبية السورية “يا صاح الصبر نأى عني”، وفيها “مكتوب على در مبسمها: إنا أعطيناك الكوثر”. لم يحاكم أحد بسبب غناء هذه الآية، وأيام العباسيين، استخدم أبو نواس وغيره الآيات في أشعارهم، التي تحولت إلى أغان شعبية للعامة. محاكمة مرسيل أتت في ظروف صعود تطرف إسلامي، على العكس من ظروف أسبق، كان فيها المسلمون لا يعتقدون أن أغنية ظريفة حساسة ستؤدي إلى انهيار دينهم وحياتهم ومستقبلهم.

في كل هذه الحالات، الظروف التاريخية هي التي تحدد المسموح وغير المسموح، وتغير هذه الحدود باستمرار. لا يوجد حرية رأي مطلقة، هكذا بدون تاريخ وبدون سياقات. كما لا يوجد علمانية ودين مقدسين غير تاريخيين.

لا يوجد ما يدعو الفرنسيين لمنع السخرية من معتقدات المسلمين. لا يوجد سياق تاريخي يشجع على ذلك، كما هو حال الهولوكوست. على العكس، طبيعة العلمانية الفرنسية أقرب إلى السخرية من كل الأديان، ولفولتير مسرحية شهيرة بعنوان “محمد” تسخر من الرسول وعمر، عُرضت مراراً، للتشهير بالبابا بشكل رئيس في عصر التنوير.

هنا يوجد مشكلة فعلية، مشكلة لا يمكن حلها باللجوء إلى امور مجردة، مثل العلمانية والدين وحرية الرأي. الحل يكون دوماً بصراع قوى متعدد. قطع الرؤوس، ورفض التعامل بندية (تزخر الثقافة الإسلامية بالسخرية من الهولوكوست والمسيحيين والغربيين)، لن تؤدي إلى رسم خطوط واضحة. وفتح معركة مع كل المسلمين المقيمين، والتشديد عليهم، كما حصل في الدنمارك، سيحوّل البلد الديمقراطي الليبرالي نفسه إلى مرتع للفاشية.

المبدأ الليبرالي التنويري يدعو إلى توسيع مساحات الحرية والسخرية، قدر الإمكان. السخرية تكون من السلطات: وهذه سلطات دينية واجتماعية وسياسية. على الطرف الآخر أن يقدّم حججاً مقنعة، فكرية وحيادية غير مستندة إلى أي مقدس ما ورائي، تجبر غير المؤمن على عدم السخرية. لا يبدو لي أن مثل هذه الحجج موجودة. لا يعني هذا أن السخرية من الإسلام مشروعة. أنا متحفظ على هذه السخرية، لأن الذين يقومون بها، في معظم الأحيان، لا يتنبهون إلى أن الأقليات المسلمة تشعر بانها مستهدفة، وتعيش في جو ضاغط، يجعل حياتهم الاقتصادية أصعب بكثير من أقرانهم البيض المسيحيين. السخرية تأتي لتسخر ممن ليس في السلطة. في السياق الفرنسي تحديداً، الأمور معقدة جداً: أقليات مهمشة، ولكنها تحاول فرض سلطة على بلد كامل لتمنع السخرية من رموزها.

على أية حال، قد لا نجد حلاً قريباً. قطع الرؤوس والعنف ليس جواباً، بل جريمة مكتملة. التشديد على أقليات والتشهير بها ليس جواباً، بل خيانة لكل مبادئ الليبرالية. ما وراء هذين الأمرين، مفاوضات معقدة تحتاج زمناً طويلاً.

(*) مدونة نشرها الكاتب السوري عدي الزعبي في صفحته الفايسبوكية

المدن

————————————-

الدين بين الشعبوية وإخفاق الأنظمة/ عبد الباسط سيدا

“الإسلام يعيش أزمة في كل مكان بالعالم” عبارة أطلقها الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون مؤخراً في خطابه الموجه إلى الداخل الفرنسي، وقد جاء هذا الخطاب في سياق التمهيد لمشروع قانون ضد “الانفصال الشعوري” الذي سيطرح على الجمعية الوطنية الفرنسية في شهر كانون الأول/ديسمبر المقبل؛ وهو يتضمن جملة من الإجراءات التي تستهدف وفق، من يقف وراء طرح المشروع، الحد من ظاهرة انعزال المسلمين في فرنسا عن المجتمع الفرنسي. ومن بين تلك الإجراءات إخضاع الجمعيات الإسلامية في فرنسا للمزيد من الرقابة؛ ووضع قيود متشددة على التعليم المنزلي؛ وخفض سقف عمر الأطفال بالنسبة إلى التعليم الإلزامي، وتدريس اللغة العربية في المدارس الرسمية. هذا بالإضافة إلى إعداد أئمة المساجد في فرنسا وفق قيم ومعايير المجتمع الفرنسي، وغيرها من المقترحات. والجدير بالذكر هنا هو أن مجموعة من الخطوات التي يطالب بها مشروع القانون المعني هي متبعة في العديد من الدول الأوروبية. وهناك تجربة رائدة سويدية في هذا المجال. ولكن الصيغة التي طرح بموجبها ماكرون القضية، والعبارات التي استخدمها لتسويق فكرته، أثارت ردود أفعال سلبية غاضبة في العديد من الدول العربية والإسلامية، كما كان هناك تنديد بين الجاليات الإسلامية في مختلف أنحاء العالم، خاصة في الدول الأوروبية. هذا في حين أن تجربة السويد في ميدان الاندماج تتضمن احترام الأديان، والإقرار بحرية العبادة، وعدم التدخل في مسألة الحجاب، وإتاحة المجال أمام تلاميذ وطلبة المدارس لتناول الطعام الذي ينسجم مع أذواقهم ومعتقداتهم الدينية، هذا إلى جانب تدريس الدين بصورة علمية موضوعية.

أما في فرنسا، فقد تأخرت الدولة كثيراً في معالجة المشكلات المتراكمة منذ عقود، وكانت العلمانية العقائدية المتشددة تتعامل مع المسائل المعقدة بسطحية أثبتت الوقائع لاحقاً عدم فاعليتها، بل فشلها في الكثير من الأحيان. هذا في حين أن التجربة البريطانية في هذا المجال تقدم حلولاً أفضل بكثير من التجربة الفرنسية، مع الأخذ بعين الاعتبار الخلفية الاستعمارية التي تجمع بين التجربتين، لا سيما من جهة توافد أعداد كبيرة من المهاجرين من المستعمرات التي كانت تابعة للبلدين في كل من آسيا وأفريقيا.

ولم تمض أيام على خطاب ماكرون المثير للجدل، حتى جاءت الجريمة البشعة بحق المدرس الفرنسي  صامويل التي أقدم عليها اللاجئ الشيشاني باسم الدفاع عن الإسلام؛ وهو الأمر الذي أثار بدوره ردود أفعال سلبية رافضة وإدانات في العالم أجمع.

إن استخدام التعميمات الشعبوية في تناول الموضوعات الحساسة، خاصة في أوقات الأزمات والتوترات، يرفع من وتيرة إثارة المشاعر، وهيمنة اللاعقلاني، مما يفسح المجال أمام المزيد من ردود الأفعال الاستفزازية التي تساهم من جهتها في توتير الأجواء، والدفع نحو المزيد من الهيجانات والاضطرابات، ويغيب العقل، ويهيمن أصحااب المشاريع المتطرفة من الجانبين على الساحات.

العبارة التي استخدمها الرئيس الفرنسي ماكرون “الإسلام في أزمة” لا تقدم توصيفاً مقبولاً لما هي عليه الأمور في واقع الحال، هذا ناهيك عن تحولها إلى مادة لموجة من المناقشات العاصفة الصاخبة، والاتهامات المتبادلة بين من يرى في الإسلام حلاً، وبين من يعتبره المشكلة. وبين هؤلاء وأولئك تقف الغالبية العظمى من المسلمين في مختلف أنحاء العالم حائرة مبهوتة إزاء ما يقال عن دينها، وما ينذر به المستقبل من مخاطر واصطدامات.

الإسلام هو دين أكثر من مليار إنسان، يجسد معتقدات معتنقيه، شأنه في ذلك شأن سائر الأديان الأخرى. وما يميز الدين بصورة عامة عن العلم والسياسة أنه يقوم على “الحقائق المطلقة” التي يسلّم المؤمنون بها بناء على معطيات جازمة. ورغم محاولات الكثيرين الربط بين حقائق الدين المطلقة، وحقائق العلم النسبية، أو وقائع عالم السياسة المتغيرة، فإن النتائج بصورة عامة لم تكن موفقة، لأن عملية الخلط بين نسقين مختلفين من الوعي الإنساني، يعتمد كل واحد منهما أدوات ومحددات ومسلمات مختلفة، ومعايير متباينة للتحقق، بصورة كاملة؛ أدى، ويؤدي، إلى الكثير من المغالطات وسوء الفهم وردود الأفعال.

فالدين يبقى في منظور المؤمنين بما ينص عليه، ويدعو إليه، سامياً يتمحور حول علاقة الإنسان مع إلهه، ويفصل في الواجبات التي ينبغي تأديتها من جانب الإنسان، حتى يحصل على رضى ربه سواء في الدنيا أم الآخرة.

ولهذا لا بد لأي دعوة إلى حوار الأديان وتعايشها، أن ترتكز إلى قاعدة احترام القناعات الإيمانية لأتباع كل دين. فلكل دين حقائقه المطلقة الخاصة به التي تظل مطلقة في منظور المؤمنين بها، وما علينا إذا أردنا التفاهم والتواصل والعمل المشترك لمصلحة الإنسانية جمعاء، سوى احترام عقائد الآخرين.

ولكن المشكلة الكبرى تظهر حينما نقحم الدين في عالم السياسة، أو العكس، وذلك لتحقيق مكاسب سياسية، أو للتغطية على أهداف سياسية بشعارات دينية توظف للتجييش والتعبئة، أو للحصول على مناصرة المتدينين في المعارك الانتخابية، أو تعزيز المواقع على الصعيد الداخلي في مواجهة الخصوم الواقعيين أو المحتملين، وحتى المتخيلين.

ولدينا في هذا المجال نماذج كثيرة لا تحصى من مختلف المراحل التاريخية، وفي سائر المجتمعات الإنسانية. ولعل أوضحها في عالمنا المعاصر، يتجسد في مثالي كل من إيران وإسرائيل في المنطقة. فالأولى تجعل من المذهب الشيعي هوية للدولة، بل تسعى للتوسع في المنطقة عبر استغلال الورقة الشيعية في مجتمعات المنطقة. أما إسرائيل، فهي قد التزمت مبدأ يهودية الدولة، الأمر الذي يتناقض مع أبسط أساليب العلمانية التي تقوم على مبدأ حيادية الدولة. والأمر نفسه في الهند، حيث يحاول حزب “بهاراتيا جاناتيا” الهندوسي المتشدد الحاكم فرض رؤيته الأحادية على واقع تميز بتنوعه عبر مختلف المراحل التاريخية.

وفي تركيا، يحاول الحزب الحاكم، العدالة والتنمية، الجمع بين الأيديولوجيتين الإسلاموية والقوموية في سبيل تعزيز نفوذه، والاستمرار في السلطة. وفي روسيا، يقيم الرئيس بوتين أوثق العلاقات مع الكنيسة الروسية الأرثوذكسية، ووجدنا جميعاً كيف بارك رجالات هذه الكنيسة أسلحة بوتين التي أرسلها إلى سوريا لتشارك، إلى جانب نظام بشار، في الحرب على السوريين الثائرين.

وفي الولايات المتحدة الأمريكية توجه الرئيس ترامب إلى كنيسة القديس يوحنا في واشنطن، ليظهر أمامها رافعاً الإنجيل في سعي لامتصاص نقمة الأمريكيين المحتجين على تسبب الشرطة في وفاة جورج فلويد، وذلك في تصرف شعبوي كان موضع انتقاد الكثير من الأمريكيين.

أما في سوريا التي اعتاد نظامها منذ أيام حافظ الأسد على تسويق نفسه باسم الاشتراكية والقومية والعلمانية، فقد كان، وما زال، هناك حرص على قيام الرئيس بتأدية صلاة العيد في المسجد بمعية رجال الدين الرسميين.

ومثل هذه النماذج كثيرة في الدول العربية والإسلامية، لكنها لا تعكس أزمة في الدين الإسلامي نفسه، كما ذهب إلى ذلك الرئيس الفرنسي مجانباً للحقيقة، وإنما هي أزمة في النظام السياسي في الدول العربية والإسلامية التي لم تتمكن من اعتماد مبدأ حيادية الدولة التي تقوم على أساس مبدأ المواطنة، واحترام حقوق سائر المواطنين على أساس احترام الخصوصيات الدينية والمذهبية والقومية.

الإشكالية الأساسية التي تعاني منها هذه الدول أنها لم تتمكن من حل المشكلات التي تعاني منها مجتمعاتها، ومنها قضايا التعليم والعمل والسكن والمعالجة الصحية، وحقوق الإنسان على مستوى الأفراد والجماعات وحرية التعبير. بل مارست أنظمة الحكم المعنية، وتمارس، الفساد والاستبداد؛ ولا تعطي أي اعتبار للمساءلة والمحاسبة طالما أنها قد حظيت على تفويض القوى الدولية المتحكّمة بدول الأطراف في آسيا وأفريقيا. فسلطات هذه الدول ملتزمة بتعهداتها لصالح الدول المعنية مقابل الحصول على الحماية و”الشرعية” لتتمكن من الانقضاض على مواطنيها، وتسلبهم عبر أنظمتها الشمولية من أي امكانية للاحتجاج والمطالبة بالتغيير، كما أنها تتعامل مع موارد البلاد وكأنها من أملاكها الشخصية.

وقد جاءت ثورات الربيع العربي لتؤكد رغبة الشعوب في التحرر والخروج من دائرة الفساد والاستبداد اللعينة؛ وكان الاعتقاد أن العالم الديمقراطي سيقف إلى جانب الشعوب، وتمكّنها من الخلاص، الأمر الذي كان سيساهم في حلّ الكثير من المشكلات في المجتمعات الأوروبية، والغربية بصورة عامة، منها تلك الخاصة باللجوء والمهاجرين، ونزعات التشدد والتطرف بكل صيغها.

ولكن الذي تبين لاحقاً هو أن الدول المعنية لم ترفع الغطاء عن الأنظمة المأزومة، بل ساعدتها، وتحايلت على الشعوب؛ وكانت الذريعة هي أن زوال تلك الأنظمة مؤداه استفحال التشدد “الإسلاموي” هذا في حين أن الجميع على معرفة بأدق التفاصيل الخاصة بكيفية تشكيل وتسويق الجماعات المتشددة والإرهابية من قبل أنظمة الفساد والاستبداد نفسها، لتضع العالم أمام بديلين فاسدين: إما الاستبداد أو الإرهاب.

الأزمة هي أزمة الأنظمة المستبدة الفاسدة، وأزمة القوى والحركات والجماعات المصرة على استخدام الإسلام ليكون مادة أيديولوجية تكون وسيلة لبلوغ أهداف سياسية، أو حتى مكاسب مادية؛ وغالباً ما تكون هناك عملية تبادل الأدوار بين تلك الحركات والأنظمة الفاسدة نفسها.

لذلك من الضروري جداً أن يحسن المفكرون والقادة السياسيون التفكير، ويعتمدوا الحذر الموضوعي المطلوب في استخدام التعابير والمصطلحات، وذلك منعاً لأي إساءة إلى معتقدات الناس ومشاعرهم، ومنعاً لإثارة أي ردود أفعال قوية التي غالباً ما تتحول إلى مادة جديدة في عمليات الاستغلال التي تمارسها الأنظمة الفاسدة، والحركات المتشددة. وهي العمليات التي تستفيد منها الماكينات الإعلامية، والحملات الشعاراتية الخاصة بالقوى اليمينة المتطرفة في العديد من المجتمعات الغربية، وحتى في دول أوروبا الشرقية التي تنسب التطرف الإسلاموي إلى الإسلام، بينما نرى أن المسلمين من المؤمنين المعتدلين هم في مقدمة ضحايا تلك الأنظمة والحركات. فهم يعانون من واقع مفعم بالمظالم والاضطراب، كما يعانون في الوقت من مأساة انسداد الآفاق أمام أجيالهم المقبلة.

* كاتب وأكاديمي سوري

القدس العربي

————————————-

إلا رسول الله”… إلا حرّية التعبير/ حسين الوداعي

اشتباك العالم الإسلامي مع حرية التعبير طويل وشائك.ويبدو أن الحملة التي تتشكلُ حالياً تحت شعار “إلا رسول الله” هي إضافةٌ أخرى للاشتباك غير الضروري بين الإسلام وحرية التعبير.

لا يمكن بالطبع إغفال الجانب السياسي للحملة، فهي تأتي بشكل شبه حصري تقريباً من قبل قوى وجماعات مرتبطة بالإسلام السياسي الإخواني، وتغطية على حملة مقاطعة أخرى للسلع التركية تقودها بلدان خليجية مشتبكة مع المحور القطري-التركي. تنشر الحملة بنشاط صور وأسماء السلع الفرنسية المطلوب مقاطعتها ثم تنتقل بحرفية مدروسة لتقديم خطاب للرئيس التركي رجب طيب أردوغان يهاجم فيه الغرب والرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون مقدماً نفسه المقاتل الوحيد في الميدان.

تسعى الحملة الى تحقيق هدف شبه مستحيل هو تحصين الإسلام من النقد داخل العالم الغربي نفسه، وإيصال رسالة الى الغرب أن أي انتقاد أو سخرية سيكون ثمنها غالياً. لكن هذا البعد السياسي لا يمكن أن يقلل من خطورة التوتر القائم بين الغرب والمسلمين، وبين المسلمين وقيمة من أهم قيم العصر الحديث هي حرية التعبير.

ظل هذا التوتر محصوراً في إطار حدود الدول الإسلامية، ومحكوماً بالقوانين التي كانت تنهي هذا الاشتباك بإسكات الرأي المخالف أو مصادرة كتاباته او حبسه او أحيان أخرى قتله أو تطبيق حدّ الردة عليه. لكن العام 1989 نقل الاشتباك الإسلامي مع حرية التعبير إلى حدود أوسع وأخطر.

أصدر زعيم الثورة الإيرانية الإمام الخميني فتواه الشهيرة وسيئة السمعة، التي طالب فيها أي مسلم بتطبيق حدّ القتل قصاصاً ضدّ الكاتب سلمان رشدي بسبب تناوله الدرامي لشخصيات الرسول محمد وزوجته عائشة في رواية “آيات شيطانية”. ويمكن القول ان هذه القضية كانت أول قضية تمس حرية التعبير اتخذت الطابع العالمي، ويكون النقاش فيها عالمياً عابراً للحدود والدول والثقافات. كان ذلك العام عام نهاية الحرب الباردة، وانهيار أسوار المعسكر الاشتراكي، ودخول العالم عصر عولمة التجارة والاقتصاد والمعلومات. ولكن في نفس الوقت كان أيضاً عصر عولمة الهويات الضيقة والأصوليات الدينية.

أحرق المسلمون في أوروبا نسخ الرواية، ومشوا في مظاهرات يطالبون فيها بقتل الروائي رشدي، واشتعل العالم العربي الإسلامي بموجة غضب عاطفية ضد رواية لم يقرأها. وباستثناء حفنة بسيطة من مثقفي العالم العربي، مشت غالبية المثقفين العرب في موجة الغضب العاطفية، ورفض مبدأ حرية التعبير عندما يتناول الدين.

في تلك السنة، من وجهه نظري، خسر المسلمون قضيتين كبيرتين: القضية الأولى هي قضية حرية التعبير، وكانت ردة فعل العالم العربي والاسلامي فشلاً كبيراً في استيعاب مبادئ حرية التعبير وتقاليد نقد المقدس، والقضية الثانية هي قضية الاندماج في عصر العولمة والعالم المفتوح. قدم المسلمون انفسهم لعصر العولمة عن طريق سياسات الهوية والإنغلاق الحضاري. وجاء العام 2001 بتفجيرات برجي التجارة العالمي في نيويورك ليترسخ الوجه الخاطئ الذي ظل الإسلام السياسي يقدم نفسه ويقدم الإسلام للعالم من خلاله، وجه الأصولية الجهادية بوجهيها التطرف والإرهاب.

في العام 2004 سيخلق الإسلام السياسي معركة دموية أخرى مع حرية التعبير عندما سيقوم شاب مسلم بقتل المخرج الهولندي ثيو فان غوخ بسبب إخراجه لفيلم انتقد الإسلام. وسيأتي العام 2005 بأزمة الرسوم الدنماركية وما أثارته من رد فعل لاعقلاني في العالم الإسلامي، لتدفع المسلمين أكثر نحو الجانب الخاطئ من التاريخ، ولتحفر خنادق أعمق بين الإسلام والمسلمين وبين حرية التعبير كمبدأ جوهري للديمقراطية والحياة الاجتماعية والسياسية في عصر العولمة. وستتأسس السردية الإسلامية المضادة لحرية التعبير حول ثلاث نقاط: النقطة الأولى هي إدانة الحوادث الإرهابية، ولكن في نفس الوقت إدانة فعل حرية التعبير. والنقطة الثانية هي الإدعاء أن الحوادث الإرهابية التي تستهدف الفنانين والصحفيين والمثقفين هي نتاج لاستفزاز مشاعر واعتقادات المسلمين. والنقطة الثالثة هي أن الحل لتجنب المزيد من حوادث الإرهاب هو التخلي عن فكرة حرية التعبير بالذات فيما يتعلق بالإسلام، وتحصينه من النقد حتى لو كانت غيره من الأديان تتقبل النقد دون رد فعل يذكر..

غني عن القول أن هذه السردية رسخت وضع المسلمين في الجانب الخاطئ للتاريخ كجماعة معادية لحرية التعبير ولقيم العلمانية والجمهورية. وستكون هذه السردية هي الخلفية الايديولوجية لمذبحة شارلي ايبيدو في 2015.

بعد كل واحدة من هذه المذابح سينتقل المسلمون من الخطاب المزدوج (ندين الإرهاب ولكننا في نفس الوقت ندين الضحية) الى لعب دور الضحية وتحويل القضية من قضية إرهاب واعتداء على حرية التعبير الى قضية استهداف الإسلام و محاربة المسلمين.

يبدو المسلمون في أوروبا الحلقة الأضعف في صراع صار يجري بين “الأغلبية الاسلامية” في بلاد الإسلام، في مواجهة الأغلبية من المواطنين الغربيين في أوروبا. فهم كأقلية لا يستطيعون تكرار خطاب “الاستعلاء الإسلامي” المتمحور حول ” إلا رسول الله”، الذي لا يقبل بأقل من الانتصار الكامل والتحصين الكامل للاسلام  ضدّ أي نقد. وهم مطالبون بفك الإرتباط عن تأثيرات الإسلام الراديكالي خارج أوروبا الذي يدفعهم أكثر فأكثر نحو مواجهة خاسرة مع بلدانهم الجديدة. وفي ظل تفكيك السعودية البطيء لمنظومة الإسلام الراديكالي الوهابي، تبقى تركيا وإيران اللاعبان الكبيران في الإسلام الراديكالي عبر العالم.

لقد قدم اتحاد خطباء وأئمة فرنسا خطاباً متقدماً اعتبر فيه المدرس المذبوح شهيداً من شهداء الحرية، ودعا بوضوح الى محاصرة الاسلام الراديكالي ومنعه من اختطاف المسلمين داخل فرنسا. هذا الموقف المتقدم الذي يختلف كثيراً عن الموقف التقليدي الإسلامي يجري محاصرته عبر حملة يتم تدويلها بإحتراف، تسعى لإستعادة سيناريو المواجهة العقائدية بين الإسلام والغرب التي حدثت في أزمة الرسوم الدنماركية عام 2005، وتحاول استعادة السيطرة على مسلمي فرنسا الذين يحاولون السباحة في بحار صعبة بين الإسلام السياسي واليمين المتطرف.

في هذا الإطار يلعب أردوغان على ساحة المشاعر الدينية ليقدم نفسه خليفة وزعيماً ولاعباً ماهراً بالدين في خدمة السياسة. يتحدث أردوغان عن الإسلام بينما يسعى في الحقيقة الى خدمة النزعة القومية العثمانية والمصالح التركية الضيقة، ويقدم نفسه مدافعاً عن المسلمين المضطهدين في أوروبا بينما يقوم بأكبر عملية اضطهاد ومصادرة حريات للمواطنين الأتراك والأقليات في تركيا.

نجاح مسلمي أوروبا من ناحية، ومسلمي العالم الاسلامي من ناحية أخرى في التخلص من اختطاف الإسلام السياسي لأصوات المسلمين لن يتم إلا باستيعاب المسلمين أن الأفكار والأديان ليست محمية من النقد، وأن حرية التعبير تتضمن داخلها الحق في الإساءة والاستفزاز لعقائد الآخرين.

الشيء الوحيد الذي ترفضه قوانين العالم الحديث هو ترويج خطاب الكراهية والخطاب التمييزي، وهذه هي الساحة الرابحة التي يجب أن تنتقل إليها جهود المسلمين بعد أن يتخلصوا هم من خطاب الكراهية والتمييز الموجه ضد الآخرين!

حسين الوداعي… كاتب وحقوقي يمني

درج.

——————————-

————————–

أزمة التديّن الإسلامي/ أحمد الرمح

أثار تصريح الرئيس الفرنسي ماكرون حول الإسلام انفعالًا عاطفيًا إسلاميًا غير مسبوق! شهدته مواقع التواصل الاجتماعي، ولم يمضِ على التصريح أسبوع حتى هزّت العالم جريمةُ الطالب الأفغاني المسلم الذي قتل معلمه، لنشره صورًا مسيئة إلى الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، وعلى الرغم من وجود بعض الأصوات العاقلة التي أدانت هذه الجريمة النكراء، كانت هناك غوغائية غير عاقلة دافعت عن هذا الفعل الإجرامي! كما هاجمت فرنسا لتصريحات رئيسها.

تعالوا نتوقف بهدوء مع تديّننا، لنرى أهو حقًا في أزمة أم لا؟ ونستعرض من خلال هذه الوقفة الثقافةَ الدينية التي يمارسها كثير منا حوارًا وسلوكًا مع الآخر، لنرى هل التدين الذي نمارسه في أزمة أم لا؟

أزمة الماضوية

يعتمد التدين الإسلامي كثيرًا على مذاهب السابقين وفتاواهم التاريخانية، وهي رؤى ماضوية لها ظروفها، ويجعل منها الموجه الأساس لفكره وسلوكه في عصر المواطنة الذي يساوي بين كلّ المواطنين، فما أفتى به الفقهاء القدامى، على ملّة ما أو طائفة أو جماعة، لا يزال يُعامل كمقدس تراثي يجب الأخذ به، فنجده حاضرًا في خطابنا وسلوكنا، وكأن الأجيال المعاصرة، من تلك الملل أو النحل، هي نسخة طبق الأصل من أسلافهم الذين يبتعدون عنهم بقرون، دون الأخذ بعين الاعتبار تغيّر شكل الدولة وتطور طرائق تعاملها مع مواطنيها، وبالتالي فإن اعتماد الأحكام الماضوية على ذرية الآخر الذي يتعايش معنا ويحمل تطابقًا كبيرًا مع همومنا أدت إلى أزمة يعيشها التدين الإسلامي، في التفريق ما بين عصرين مختلفين في الشروط والواجبات: عصر الاختلاف وعصر المواطنة، عصر الإمبراطوريات وعصر حقوق الإنسان، حيث وضعَ اعتمادُ الخطاب الماضوي تلك الذرية مع أسلافهم في سلة واحدة، وهي عقلية (شنآنية) يرفضها القرآن، إذ إنّ المبدأ القرآني يقوم على: {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} الأنعام 164.

أزمة ثقافة السلة الواحدة!

سيطرةُ الماضوية وتأثيرها في ثقافة المسلمين جعلتها تسير عكس الاتجاه القرآني، في حكمها على جماعة ما أو شعب أو طائفة بعينها، لتحكم بشمولية كما لو أنها من ذات النمط التفكيري أو الاعتقادي لأسلافهم.

وهذا التعميم الخاطئ الذي يضع الآخرين في سلة واحدة مرفوضٌ، قرآنيًا وأخلاقيًا، إذ إن القرآن الكريم يرفض ثقافة السلة الواحدة، ويُفرِّق بين أبناء المجموعة الواحدة، ولهذا وجدناه بحديثه عن اليهود في ذروة الخصومة الاعتقادية لا يضعهم في سلة واحدة، إنما يفرِّق بينهم، إذ قال: {وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأَرْضِ أُمَمًا مِّنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ} الأعراف:168، ورفض القرآن ثقافة السلة الواحدة تجاه الآخر المختلف معك عقائديًا: {لَيْسُواْ سَوَاء مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللّهِ آنَاء اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ} آل عمران:113

هناك شخصيات وشعوب تعاطفت مع قضايانا، ولكن خطابنا ما يزال يصم أفرادها جملةً واحدة، بالكفر والإلحاد والصليبية، ويضعهم جميعًا في سلة واحدة، بالرغم من أن خطاب النبوة لم يتحدث مطلقًا بهذه اللغة! فعندما ضاقت الأرض على المؤمنين في مكة، نصحهم الرسول بالذهاب إلى الحبشة بقوله: (إن فيها ملكًا لا يُظلم عنده أحد). وأوروبا اليوم متشابهة مع نجاشي الأمس، ونتذكر في هذا العصر جماعة حرّاس المدينة اليهودية (ناتوري كارتا) وموقفها المشرّف من فلسطين.

فإن أردنا أن نخرج من ثقافة القطيعة، لنكسب الآخر حتى يكون محايدًا على الأقل، علينا أن نبتعد عن خطاب السلة الواحدة، فدائرة الأخوة الآدمية المُكرمة من الله تسعُنا جميعًا، ودونها دائرة الإيمان بإله واحد، وكذلك دائرة المتعاطفين مع قضايانا، ولنا في هذا المقام أن نذكر الشهيد (الأب باولو) المتعاطف مع السوريين وما فعلته به ثقافة السلة الواحدة؟ والأولى من هؤلاء وأولئك أبناءُ جلدتنا، من علمانيين وقوميين وأمثالهم من المكونات الأخرى الذين لا يستطيع أحد إنكار وطنيتهم وتفانيهم وإخلاصهم، فليس من العدل وضعهم في سلة واحدة والحكم عليهم بالزندقة والكفر!

أزمة المذهبية والطائفية

ما يزال التدين الإسلامي يمارس حتى اللحظة خطابًا مذهبيًا، فيرفض مَنْ هم داخل الدائرة الإسلامية لاختلافهم معه في اجتهادات فقهية أو رؤية عقدية، متناسيًا أن مصطلح “مذهب” يعني وجهة نظر اجتهادية لا يجوز منحها العصمة، ولا الصوابية المطلقة، إلا أن أتباع المذاهب ذهبوا إلى قطيعة مخجلة فيما بينهم، وإلى فترة قريبة كان الدمشقيون يؤدون الصلاة الواحدة بأربع جماعات، ولا تزال محاريب المذاهب الأربعة موجودة في الجامع الأموي حتى يومنا هذا.

ما نزال نعيش مصطلحات عند المؤدلجين دينيًا، لم يعد لها وجود في عصرنا، بعثوها اليوم بين الفصائل الجهادية، حتى سمعنا مصطلحات في الحالة السورية اندثرت منذ أكثر من ألف سنة، أُعيد إحياؤها ليعمقوا الجرح السوري، ويستمر نزفه كمصطلح (حَروري ومُرجئي وأشعري وماتريدي…إلخ) وحملوا السلاح ضد بعضهم بعضًا! وسفكوا الدماء فيما بينهم، ففقدوا ثقة الناس واحترامهم.

ما نزال بسبب هذا الخطاب المذهبي الطائفي نكفِّر المعتزلة، لإعمال عقولهم، ونجَرِّم المرجئة، لأنهم تسامحوا مع المخطئ دنيويًا، ونفسَّق أهل الكلام، لأنهم ناقشوا وتأملوا وفكروا، ونبحث عن ابن رشد معاصر لنحرق كتبه، ونرفع راية الحاكمية لله لنكفر الآخر سياسيًا.

إنّ المذهبية جعلتنا طوائف وشيعًا ومذاهب تتصارع على الإسلام، همّها نُصرة مذهبها، فعقلية (الشنآن) انتقلت من كراهية الآخر، إلى كراهية من يختلف معهم في الرؤية المذهبية أو الاجتهاد المذهبي.

أزمة ثقافة القطيعة

الأوطان والمجتمعات تُبنى على الثقة بين مكوناتها على اختلاف اعتقاداتهم وأيديولوجياتهم، والدولة المعاصرة حيادية، وتُبنى على مفهوم المواطنة أي الحقوق الكاملة غير المنقوصة، وعلينا أن نعلم أنّ دولة المواطنة -بمعناها العميق- لا تُلغي الانتماء الديني أو القومي أو الطائفي! ولكنها تنهي التفضيل على أساسها، لتحقق الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية لكل مواطنيها. ودون ذلك خلل وإساءة إلى الإنسان الذي كرّمه الله، ودعا إلى تكريمه، بغض النظر عن دينه وعرقه ولونه: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا} الإسراء:70

أزمة الصوابية المطلقة!

يعاني التدين الإسلامي مسألة الاعتقاد الجازم بامتلاك الصوابية المطلقة في كل ما يطرحه، فيتحدث بلغة الوصاية على البشرية كلها، ويدعوهم بالقهر لا بالحكمة! وكأن البشرية قاصرة، ونحن وحدنا نملك الرشد!

لقد جعلنا من الله سبحانه زعيمًا دينيًا لنا وحدنا! وخصمًا للبشرية كلها! تخلى عن الآخرين، ليزجّ بهم في الآخرة بجهنم بعد أن نقتلهم في الدنيا! مع أن أول تعريف عرّف الله به نفسه في القرآن الكريم بأنه ربّ للعالمين. ثم اختلفنا على الله فيما بيننا! وآمنا بكذبة (الفرقة الناجية) ليذبح بعضنا بعضًا!! وقد بيّنت دراسة نشرتها حديثًا مجلة (نيويورك تايمز) أن 70% من ضحايا هجمات السلفية الجهادية هم من المسلمين أنفسهم!!

أزمة نظرية المؤامرة

نعتقد كمسلمين أن العالم كلّه يتآمر علينا، حتى أصبحت نظرية المؤامرة جزءًا لا يتجزأ من ثقافتنا، وهذا يشجع على ثقافة الإلغائية وينميها عند الناشئة، نحن نتهم الحضارة الغربية بأنها حضارة مادية، ونتغافل عمّا قدمته للبشرية علميًا! ونشكك في نيّات من يعيش بيننا لنتهمه بالعمالة للخارج، ولا نثق بالعلمانيين والقوميين، مع أن كثيرًا منهم يقف معنا في خندق صراعنا مع الاستبداد، وإذا ما اجتهد أحدهم وقدّم رؤية معاصرة للدين، انهالت عليه الاتهامات بالعمالة لجهة ما وبالمروق من الدين! وبمنطق الاتهامية، يتهرب هؤلاء المتدينون من مقارعة الآخر علميًا وحواريًا باتهامه بالزندقة والإساءة إلى الإسلام، لاستباحة دمه!

ختامًا: إن عدم إدانة سفك دماء الآخرين هو جريمة في حد ذاتها، لكونه يسمح بتكرار الجريمة مرات ومرات، وإن الفتاوى القائلة بسفك دم من يتطاول على الرسول هي فتاوى عصاباتية؛ لأنها تُمارس بعيدًا عن القضاء، فضلًا عن مخالفتها في ذلك للمنهج القرآني الذي بيّن في هذا المقام ما يجب على الرسول نفسه أن يفعله، إذ قال: {فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُن كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ} القلم:48، {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ} الحجر: 98

وأما الردّ الانفعالي على الرئيس الفرنسي، كما بيّنا آنفًا، فإنه يؤكد أن التديّن الذي نعيشه يعاني أزمات عدة لا أزمة واحدة، ولقد جرَّ علينا الانفعالُ الديني العاطفي مصائب وكوارث، ولا بد من موقف قطيعي يتخذه الجميع من الفتاوى التي تبيح دماء المخالفين، وإذا لم نرفض تلك الفتاوى؛ فهذا يعني أننا نعاني ألف أزمة وأزمة.

——————————-

حول أزمة الإسلام في العالم المعاصر/ ماهر مسعود

عندما أعلن نيتشه “موت الله”، نهاية القرن التاسع عشر، وقال جملته الشهيرة: “God is dead, he remains dead and we have killed him”، لم يكن يقصد إلهًا معبودًا بذاته يعيش فوق السماء السابعة، بل موت قدرة الدين عمليًا على الإجابة عن المشكلات الأخلاقية، العلمية، والفلسفية التي تواجه الإنسان المعاصر، وموت الموضوعية الأخلاقية التي تدّعي تفسير ما يحدث في العالم استنادًا إلى وجود إله ضامن لموضوعيتها. فبعد الثورة العلمية، بعد كوبرنيكوس وجاليليو ونيوتن وداروين وماركس وفرويد وأينشتاين وغيرهم.. بات أقرب للمستحيل أن تحافظ التفسيرات الدينية للعالم على معقوليتها وادعاءاتها الموضوعية في تفسير الوجود، أو أن تكون سندًا معقولًا أو مفيدًا في علاج المشكلات الاقتصادية، الاجتماعية، والسياسية الشائكة التي تواجهها المجتمعات المعاصرة.

إن الإعلان النيتشوي، عن موت الله، لم يكن إعلانًا فرحًا بذاته أو متغنيًا بإلحاده، بل إعلانًا متشائمًا وقلقًا إلى أبعد الحدود، فما كان يشغل نيتشه حقًا هو البديل الجديد، بعد نهاية التفسير الديني المستند إلى وجود إله حاكم للعالم موضوعيًا وعدم فاعليته عمليًا، أي ما هو البديل الذي يمكن أن يخترعه البشر لضبط السلوك الإنساني، والحلول مكان الإله الميت والمنظومة الدينية المرتبطة به؟!

لم يطل الوقت حتى جاء القرن العشرون بالجواب على السؤال النيتشوي، حيث بدأت الأيديولوجيات تحل محل الدين، بوصفها قصصًا كبرى تقود البشر إلى خلاصهم، يؤمنون بها ويتبعونها بالطرق الدينية ذاتها. هكذا كانت الشيوعية والنازية والفاشية. والمفارقة أن الدماء التي أسالتها تلك القصص/ الأيديولوجيات الكبرى، تجاوزت كل الدماء التي أسالتها القصص الدينية السابقة عليها.

قد يصح الكلام النيتشوي على معظم الأديان التوحيدية وغير التوحيدية الموجودة في عالم اليوم، لكنه لا يصحّ على الدين الإسلامي، فإحدى أكبر أزمات الدين الإسلامي التأسيسية، ضمن عصرنا الحالي، هي أنه دين جمع الدين والأيديولوجيا في قالب واحد، فالتشريع هو جزء أساسي من النص، والعقيدة متداخلة كليًا بالشريعة، بكلام آخر: “الإسلام هو دين ودنيا، عقيدة وشريعة، عبادة ومعاملة، دعوة ودولة، خُلق وقوة”، كما يقول الشيخ القرضاوي.

إن عدم دخول المجتمعات الإسلامية ضمن صيرورة عصر الحداثة، إلا من موقع الاستهلاك، أدى إلى بقاء الحضور الديني أكثر أصالة من كل المظاهر الحداثية القادمة من الخارج، وجعل الإجابة الدينية، عن أي مشكلة علمية أو أخلاقية أو سياسية أو اجتماعية، سابقة وحاضرة ومتجاوزة لأي إجابة أخرى. بمعنى آخر: إن عدم مرور المجتمعات الإسلامية بالثورة الصناعية وما رافقها من إصلاح ديني وثورات علمية، تربوية، تحضّر، ليبرالية، عقلانية “التنوير”، وصولًا إلى اختراع الدولة القومية التي نتجت عن تلك الصيرورة، أدى إلى فشل الإصلاح الديني الإسلامي، لعدم ترافقه مع الإصلاح السياسي والاجتماعي والاقتصادي. وعلى الرغم من كل المحاولات الجادة للمفكرين الإسلاميين، في مرحلة ما يسمى عصر النهضة، فإنها بقيت ضمن مستويات فوقية وثقافية وفردية، ولم تتحول إلى مأسسة اجتماعية سياسية من الأسفل إلى الأعلى.

انهيار الخلافة الإسلامية الذي رافقه انحلال الإمبراطورية العثمانية، وتحوّل ولاياتها إلى مستعمرات ودول منسوخة وممسوخة عن الدولة القومية في أوروبا، أدى إلى حالة ضياع إسلامي وانقسام الإسلام السنّي بين ثلاثة محاور أساسية: أزهري مصري، ووهابي سعودي، وعثماني تركي، ولم تعد هناك مرجعية دينية/ سياسية واحدة للفتوى والتشريع. وهذا على عكس الإسلام الشيعي الذي انحصر، منذ الثورة الإسلامية الإيرانية، ضمن مركز ديني وسياسي موحد. وربما هذا ما يفسر اليوم أحد جوانب الفرق بين الإرهاب السنّي المنفلت من عقاله وغير المركزي وبقائه إرهاب أفراد وتنظيمات ما دون الدولة، والإرهاب الشيعي الأكثر تنظيمًا ومركزية، والتابع حصرًا لمصالح الدولة الدينية في إيران، وهو تحت إشرافها في كل مكان في العالم.

بعد الاستقلال وولادة الأنظمة العسكرية، أصبح لدينا أيديولوجيات قومية وليس دولة قومية، وأيديولوجيات ماركسية وليس دولة شيوعية، وأيديولوجيات إسلامية وليس دولة إسلامية، ولذلك كان من الطبيعي أن يصبح التنافس الحقيقي والأكثر رسوخًا وصلابة هو بين سلطة الدين المؤدلج الراسخة، اجتماعيًا وتاريخيًا، والسلطات العسكرية صاحبة القوة الضاربة والمدعومة من الخارج ومن القوى الكولونيالية ذاتها التي غادرت البلاد المستعمرة. في الواقع، كانت الأنظمة العسكرية والإسلام السياسي وجهان لعملة واحدة، من حيث إن البنية الهرمية للنظام العسكري موازية ومشابهة للبنية الهرمية للدين، والأصول الاجتماعية للعسكر معادية للتنوير والعقلانية والثقافة المدنية والانفتاح السياسي والاختلاف والتنوع، وتقوم على التحشيد الشعبوي والجماهيري، بالطريقة ذاتها التي يقوم عليها التحشيد الديني، أما الأيديولوجيات القومية والماركسية التي تم تبنيها بالتناوب وبأشكال وظيفية بين القوى السياسية، فقد بقيت مثل الكثبان الرملية فوق صحراء الواقع الاجتماعي السياسي المتخلف، وأما التحديث الذي قامت به الأنظمة، في دول مثل مصر والعراق وسورية على سبيل المثال، فقد كان مشوهًا ومعطوبًا بطريقة غير قابلة للتصحيح، حيث يمكنك أن تجد مؤسسات حديثة ومنسوخة عن الغرب، مثل البرلمان، لكن دون قدرة فعلية لا على التمثيل ولا على التشريع، وقد تجد دستورًا ولكنه ممسحة لأجهزة الأمن، وتجد نظامًا جمهوريًا ولكنه وراثي.. إلخ. كل شيء شكلي داخل الدولة المحدثة، الانتخابات شكلية، والبرلمان شكلي، والقوانين، والقضاء، والنقابات، والأحزاب، والقائمة تطول، أما الدولة ذاتها فقد بقيت مجرد قبيلة محكومة بالعصبية والغنيمة وروابط ما قبل الدولة، ومسلحة بجيش ضخم، مهمته حماية نظام القبيلة وزعيمها، لكن الزعيم ذاته لا يمكن تبديله أو إسقاطه قبل سقوط القبيلة/ الدولة كاملة.

إذا نظرنا اليوم إلى المجتمعات الإسلامية في الغرب والشرق، رأينا أنها محكومة بالدكتاتوريات، أو بالفقر، أو بكليهما معًا، فعندما تجد دولة إسلامية غنية نتيجة مصادفة الثروات الطبيعية، سيكون الاستبداد، ومعه التخلف الاجتماعي/ السياسي، هو المرافق “الطبيعي” لتلك البلاد. من الصين إلى الهند وباكستان إلى تركيا وإيران ومجمل الدول العربية، وصولًا إلى الأحياء الفقيرة في فرنسا وبلجيكا، لن تجد إلا مجتمعات إسلامية تتأرجح بين حدي الفقر والاستبداد، هذا عندما لا يكون الاحتلال، الذي يجمع الحدين معًا، هو الحال. ومن المعروف أن الفقرَ والاستبداد هما مصانع للإرهاب، ومستنقعات لتفريخ الإرهاب وانتشار الأفكار المتطرفة، وإذا نظرنا اليوم إلى خريطة الإرهاب الإسلاموي في العالم ومصادره، من الشيشان التي حطمها الروس، إلى سورية التي حطّمها نظام الأسد مستعينًا بالإيرانيين والروس، إلى العراق التي حطمها الاستبداد أولًا ثم الاحتلال الأميركي ثانيًا، وملأها النظامان السوري والإيراني بالإرهابيين فيما بعد، إلى أفغانستان واليمن وليبيا.. إلخ؛ فسنجد أن انغلاق آفاق المجتمعات الإسلامية في كل مكان في العالم، أمام الديمقراطية أو الإصلاح الديني والسياسي أو الدخول في الحداثة، لم يترك لها إلا الدين؛ فالدول الإسلامية إما محطمة وإما محتلة أو محكومة بالاستبداد، وتلك الدائرة المغلقة لا تعني أن المجتمعات الإسلامية غير فاعلة في تخلفها وانحطاطها ذاته، بل تعني أن التخلف الديني يعود بتغذية خلفية راجعة ليعزز الاستبداد، ويستجلب الاحتلال، وينتهي بتحطم الدول فوق رؤوس أصحابها في دورة جهنمية محكمة الإغلاق، ليس الإرهاب سوى محصلتها ونتيجتها الحتمية.

إن حديث الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، عن أن “الإسلام يعيش اليوم أزمة في كل مكان في العالم”، هو حديث صحيح نظريًا، ولكنه حديث لا معنى محددًا له، فالأنظمة الديمقراطية أيضًا في أزمة، وأنظمة الاستبداد في أزمة، ومناخ الأرض في أزمة، والنظام الدولي كله في أزمة.. إلخ. في الواقع، هناك عودة للهويات الأولية والتعصب القومي والانغلاق الدولتي والمحلي، يتمدد ويتوسع باتجاهات معاكسة تمامًا للعولمة والعالمية التي جعلت البشرية مترابطة أكثر من أي وقت مضى، وهناك ظهور للقبلية tribalism في كل مكان في العالم، وليست الشعبوية واليمين المتطرف إلا أحد مظاهر تلك القبليّة. الفارق أنه لم يبق للمسلمين إلا إسلامهم ليعودوا إليه ويستخرجوا أكثر أدواته تعصبًا وانغلاقًا وعدمية، بعد أن باتت أوطانهم غير قابلة للعيش ودولهم غير قابلة للحياة.

يقول الفيلسوف الفرنسي هنري برغسون، ضمن فلسفته حول الزمن، إن الماضي يعيش دائمًا ضمن الحاضر على نحو افتراضي مثلما تعيش الجينات القديمة، الموروثة، وغير المرئية، ضمن خلايا الجسم المتحرك، وبالتالي فإن الماضي الذي لا نراه لا يعود من الغياب، بل هو موجود فعليًا في الحاضر، ينتظر فقط القوة الدافعة التي تحمله من الافتراضي إلى الواقعي. وهذا أكثر ما ينطبق اليوم على المجتمعات الإسلامية، فعند حصول أي جريمة إرهابية، مثل الجريمة البشعة ضد مدرس التاريخ الفرنسي صامويل باتي، تعود خطابات الماضي الاستعماري للضحايا، ثورة المليون شهيد في الجزائر، احتلال العراق وأفغانستان، معركة حطين والحروب الصليبية… تعود جميعها للحضور، لتكلل بشاعة الجريمة بتبريرها، فمن دخل إلى صفحة “الأزهر الشريف” بعد الجريمة، أو رأى بيان “الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين”، وشاهد آلاف التعليقات المرحبة بقطع الرؤوس، فسيدرك أن الماضي لا يعيش في الحاضر فحسب، بل هو مرآة كالحة السواد للمستقبل.

مركز حرمون

—————————————

===================

===========================

تحديث 28 تشرين الأول 2020

————————————–

عن أزمة الإسلام: دفاعاً عن الحق في النقاش

زياد ماجد، فاروق مردم بك و ياسين الحاج صالح

جاءت جريمة قتل مُدرِّس التاريخ الفرنسي صامويل باتي، بفظاعتها ورمزيّتها، بعد سلسلة من العمليّات الإرهابيّة التي اقترفها شبّان مسلمون، فرنسيّون أو مُقيمون في فرنسا في السنوات الأخيرة، لتدفع الانفعالات إلى مستويات بالغة الحدة، وتلغي لأيامٍ أو لأسابيع إمكانية الكلام المعقول، جاعلةً النقاش في كل ما يتصل بالشأن الإسلامي مستحيلاً أو يكاد.  َ

يدفعنا الأمر، بوصفنا ديمقراطيين علمانيين متحدّرين من المشرق العربي ومن ميراث شَكَّلَ فيه الإسلام رافداً أساسياً، إلى التأكيد بدايةً بأن التواصل بين مختلفين والبحث الشائك في المسائل المعقّدة هو ما يكسر عسكرة التفكير والثقافة التي يدفعنا إليها عدميون إسلاميون مثل القاتل عبد الله أنزوروف ومحرّضيه وأشباه لهم كثيرين، يكونون بخير كلما نجحوا في حفر خنادق أعمق تفصل مجتمعات المسلمين عن العالم حولهم. ويدفعنا إلى القول ثانياً إن العسكرة المذكورة لا تقتصر على العدميين الإسلاميين هؤلاء، إذ ثمّة متطرّفون كثيرون في الغرب يريدون بدورهم تعميق الخنادق، والعيش في قلاع محصّنة لا تبالي بما يجرى حولها وفي مناطق على هامش مركزها.

إننا نتبيّن كرهاً للعالم، عالمِنا المشترك، ولكثيرٍ من قيَم العدالة والتسامح والحرّيّة والمساواة، يتنامى في أكثر من مكان اليوم، في عوالم المسلمين، كما في المجتمعات الأوروبية والأميركية، وفي روسيا والهند والصين والبرازيل وغيرها. هذا في وقت صار فيه قيام «مجتمع عالمي متضامن» هو الحل الأجدى للتعامل مع مشكلات لا حلول محلية لها، مثل مشكلات البيئة والتبدّل المناخي والأوبئة والمجاعة والهجرة.

العالم اليوم برحابته وتعدّديّته ووحدته مصلحة عامة للبشر، وهو في أزمة عميقة، أزمة فقدان وجهة وانعدام وعد يشدُّ الناس إلى بعضهم. المسلمون ودينهم جزءٌ من هذا العالم، فَهم موجودون فيه وهو موجود فيهم. والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ليس مخطئاً في قوله إنّ الإسلام في أزمة، وقد سبق أن قال هذا الكلام كثيرٌ من المثقفين المنتمين الى الميراث الإسلامي نفسه. لكن ما لم يقله ماكرون هو أن أزمة الإسلام، المتمثّلة بالدرجة الأولى في صعود العدمية العنيفة، تتفاقم بقدر ما تنمو في العالم التيارات الشعبويّة والعنصرية والقوميّة الكارهة للمسلمين.

مهنة الضحية باتي، كمُدرِّس للتاريخ، تدفعنا إلى التذكير بتاريخ العدمية الإسلامية المسؤولة عن جريمة قتله. فالأخيرة، بظواهرها العنيفة، وُلِدَت فعلياً في أفغانستان أوائل ثمانينات القرن الماضي، حيث أراد الأميركيون تحويل البلد الفقير إلى فيتنام للاتحاد السوفييتي الذي كان قد اجتاحه واحتلّه لتوّه، بعد سنوات قليلة من فيتنامهم الخاصة. تلاقت وقتها المخابرات الأميركية والباكستانية مع المال السعودي والوهابية لتجذب شبّاناً وتُدرِّبَهم وتُعِدَّهم على العنف والقتال. حصل ذلك في وقت كانت الجمهورية الإسلامية الإيرانية التي أنتجتها ثورة العام 1979 تُصدِّرُ إيديولوجيّتها لمجتمعات مغبونة في المنطقة وتشتبك في أكثر من مكان مع أعدائها الإقليميين والدوليين، مشجّعة بذلك نموّ أصولية شيعية موازية للسلفية السنية الجديدة ومنافسة لها. وفي طور لاحق وفَّرَ اجتياح العراق في العام 2003 واحتلاله بذرائع كاذبة تربةً خصبة لانتعاش العدمية وجهادها. فالعراق المحتل ومُدمَّرُ البنية التحتية بعد أن كانت حروب الاستبداد الصدّامي قد مزّقت نسيجه الاجتماعي، شَكَّلَ بيئة لجذب الجهاديين. وتَفاقَمَ الأمر بعد عقد من الزمن مع تدمير المجتمع السوري على يد الحكم الأسدي، بمساعدة حليفيه الإيراني والروسي، فتأسست «الدولة الإسلامية» (داعش) على أنقاض البلدين المحطّمين.

تَظهر العدمية الإسلامية، في شكليها السياسي والحربي، كلما انغلقت النظم السياسية وجُرِّدَت المجتمعات من السياسة وانفلتت شروط وجودها من تحكّمها. فإذا كان الدين روحَ مجتمعات بلا روح في نظر ماركس، فهو في السياقات الإسلامية المعاصرة سياسة مجتمعات بلا سياسة. وهو ما يعني أن المزيد من الإفقار السياسي للسكان والعنف ضدّهم يسيران يداً بيد مع المزيد من التطرّف الديني، وصولاً إلى العدمية. وبالمقابل، فإن امتلاك السياسة من قبل السكان، التنظيم والكلام وحق الاحتجاج، هو الشرط الأكثر مُلاءَمة لمواجهتها. 

والنقيض من ذلك هو بالتحديد ما جرى ويجري في الشرق الأوسط. فمنذ التسعينات، وبصورة أخص بعد 11 أيلول 2001، شَخَّصَت القوى الأكثر تأثيراً في الوضع العالمي «الإرهاب الإسلامي» بوصفه الشر السياسي المطلق، مما قاد إلى أمننة السياسة عالمياً، وإلى التعويل على أنظمة هي بالأساس وكالات قتل وسجن وقمع حرّيات. وها نحن نحصد ثمار كل ذلك اليوم. فبعد عقدين من الحرب ضد الإرهاب بات العالم أقلَّ أمناً، وترسخت الكراهيات الجمعية، ولم تنفتح الحرب على أي دعوة إلى العدالة، ولم تُستَحدَث محاكم محلية أو عالمية لإنصاف ضحايا الإرهاب والحرب عليه في بلدان مثل أفغانستان وسورية والعراق وسواها. اقتصرت العدالة على بعض الضحايا الغربيين، وأخذت غالباً شكل عمليات انتقام وقتل نفّذتها مجموعات كوماندوس أو طائرات حربية أو مسيّرة يكون فيها الخصم هو نفسه الحكم.

والواقع أن الحرب ضد الإرهاب ليست حرباً بحال. إنها تعذيب. ولذلك لا غرابة أن تَعُدَّ دولة التعذيب الأسدي نفسها شريكة فيها، وأن يلتحق بها نظام عبد الفتاح السيسي، وأن تركب الموجة حكومة ميانمار المنخرطة في حرب إبادة ضد مسلمي الروهينغا، ومعها حكومة مودي القومية الطائفية في الهند، وأن يحشر النظام الصيني مليون مسلم في معسكرات لإعادة التأهيل تذكّر بالتقاليد الستالينية والبول بوتية، وأن يُبيِّضَ «إرهابيون» سابقون سمعتهم بالانخراط في هذه الحرب، وقبل ذلك أن يستظلّ احتلال كولونيالي ونظام تمييز عنصري في الأراضي الفلسطينية بشعار مكافحة الإرهاب إياه ليبرّر ممارساته. لم يعد هناك قتلة وفاسدون ومعتدون ما داموا شركاء للغرب في حربه المزعومة على الإرهاب، وما دام الإرهاب محصوراً بالإرهاب الإسلامي. 

في عالم اليوم إذاً مسألة إسلامية كبرى، لها وجهان: العدمية الإسلامية التي رفعت منسوب القسوة في مجتمعات المسلمين المُعنّفة وفي العالم؛ والعنصريّة المُعادية للمسلمين بدرجاتها المُختلفة. ولا يستطيع المؤثّرون في العالم الفاقد للوجهة وللوعد أن يروا أحد الوجهين دون أن يتعاموا عن الوجه الآخر، تماماً مثلما يفعل الإسلاميون العدميّون أنفسهم. إذ ليست الإسلاموفوبيا، أو العنصرية ضد المسلمين والمستندة الى تاريخ طويل من الغزو والاستعمار، سنداً في مواجهة العدمية الإسلامية. وليست الأخيرة، وهي نخبوية جوهرياً وليست منهج الجمهور الأوسع من المؤمنين، سنداً في مواجهة الإسلاموفوبيا. الواقع أن العدميين الإسلاميين يشعرون بالراحة في أجواء التمييز ضد المسلمين. يحتاجون إلى المظلومية إذ لا شيء إيجابياً لديهم يقترحونه.

لم يَفُت الوقت على تفكير أكثر جذرية ووضوحاً يطرح المسألة الإسلامية وأزمة الإسلام كأحد وجوه أزمة عالمية، تستعصي أكثر كلما تأخّرت معالجتها.

إننا ندعو زُملاءنا ونُظراءنا في فرنسا، وفي أوروبا والغرب، وفي العالم، إلى العمل على بلورة مبدأ للمسؤولية العالمية يقاوم الحصر العنصري وادّعاءات التفوّق العرقي أو الديني.

لا نريد أن نكون نذيرَ شؤمٍ ولا مبشّرين بالخراب، ولكنّ ما يُحيق بالعالم أجمع من مخاطر يجعلنا لا نستبعد أسوأ الاحتمالات، ونأمل من أجل اجتنابها ألا يستبعدها أحد. الأسوأ لا يخبر أحداً بموعد قدومه.

نشرت النسخة الفرنسية من هذا المقال في صحيفة اللوموند

الفيس بوك

———————–

هل الرسوم أخطر ما يتعرّض له المسلمون؟/ جلبير الأشقر

تناولنا الموقف الفرنسي من «حرية التعبير» بنقد لاذع في مقالنا السابق، أي قبل أسبوع وقبل أن تبدأ الحملة على فرنسا التي تزعّمها الرئيس التركي رجب طيّب أردوغان.

ويتوجّب علينا اليوم أن ننظر في هذه الحملة وفي مدى إيفائها بالغرض الذي تدّعيه. أما قبل ذلك فلا بدّ لنا من أن نذكّر القراء بأننا لا نوفّر أحداً من الحكّام، وكل من يتابع هذا العمود الأسبوعي يعلم كم من سهام النقد وجّهها لأخصام الرئيس التركي العرب، حكام المملكة السعودية والإمارات المتحدة ومصر. فلم يعلّق أحد أو يكاد في أسفل تلك المقالات ليتّهم كاتبها بالعداء «الشخصي» لأي من الحكام المذكورين مثلما يزعم بعض كتاب التعليقات كلّما تناولنا الرئيس التركي بالنقد، وكأنه بطل معصوم وكل من يوجّه النقد إليه إنما يفعل ذلك بدافع «شخصي».

أما الحجة المكرّرة بأن تركيا، وهي دولة يزيد عدد سكانها عن الثمانين مليونا، تستضيف ما يزيد عن ثلاثة ملايين ونصف المليون من اللاجئين السوريين، فنسأل إذا كان استقبال سوريا، وهي دولة احتوت على أقل من عشرين مليون نسمة في ذلك الوقت، لمليون ونصف المليون من اللاجئين العراقيين عندما كان العراق ساحة حرب، إذا كان ذلك الاستقبال من شأنه أن يشفع للنظام السوري عن كافة أذنابه. هذا وناهيكم بالطبع من لبنان الذي يستقبل الرقم القياسي العالمي في عدد اللاجئين نسبة لعدد السكان بما ينبغي أن يحرّم نقد حكامه بصورة مطلقة وفق المنطق ذاته.

فلنطمئن إذاً كل من يساوره شكّ في الأمر بأننا لا نستعدي «شخصياً» أيا من الحكام الذين ننتقد، بل لا تربطنا بأي منهم أي صلة «شخصية» كي يكون لدينا حقد «شخصي» إزاءه، وأن كل ما نتوخّاه هو القيام بالدور المنوط بصحافة تحترم قراءها، ألا وهو فضح النفاق من أي جهة أتى وتحذير الناس من الديماغوجيا، أي دغدغة المشاعر بغرض كسب العطف والتأييد السياسيين. وعلى من يختلف مع ما نقول أن يأتي بحجج أقوى ويبيّن لنا خطأ آرائنا وسوف نغيّر وجهة نظرنا لو تبيّن لنا أن ناقدنا على صواب.

وبعد هذه الديباجة التي فرضتها كثرة التعليقات في أسفل ما كتبناه قبل أسبوعين في نقد «العثمانية الجديدة» نأتي إلى موضوعنا لهذا اليوم. فإن الموقف الفرنسي الرسمي من قضية الرسوم التافهة يستحق بلا شك نقداً لاذعاً وذلك لخلطه بين تدريس «حرية التعبير» واستفزاز المشاعر الدينية في المدارس، وتعامله بمكيالين إزاء التحريض على الكراهية عندما يكون موجهاً ضد اليهود أو السود، من جهة، وعندما يستهدف الإسلام والمسلمين من جهة أخرى، كما شرحنا في مقالنا السابق. لكن لا بدّ لمن يريد أن يتدارك الوقوع فريسة للديماغوجيا وذرّ الرماد في العيون أن يتأمل في الأسئلة البسيطة التالية.

هل أن الرسومات السخيفة أخطر من الاضطهاد الشنيع الذي يتعرّض له ما يزيد عن عشرة ملايين من المسلمين في مقاطعة سنجان (شين جيانغ) في الصين؟ فأيهما أسوأ: حال المسلمين في فرنسا أو حالهم في الصين؟ والحقيقة أنها لمقارنة تكاد تكون عبثية إذ أن بشاعة ما يتعرّض له مسلمو الصين لا تُقارن البتة بوضع المسلمين في فرنسا. بل أيهما أسوأ، يا تُرى: حال المسلمين في فرنسا أو حالهم في الهند، حيث يتعرّض ما يناهز مئتي مليون من المسلمين إلى حملات عنصرية سافرة ومستمرّة من قبل الحزب العنصري الحاكم، فضلاً على حالة الحصار المفروضة على ملايين المسلمين في الكشمير؟ والحقيقة أن هذين السؤالين بغنى عن الإجابة لجلائهما.

وبالتالي، أفلا يستدعي الأمر لدى من لا تعميه الديماغوجيا أن يتساءل لماذا لا ينصح الرئيس التركي نظيره الصيني ورئيس الوزراء الهندي بفحص عقليهما، ولماذا لا يدعو إلى مقاطعة البضائع الصينية والهندية مثلما دعا إلى مقاطعة البضائع الفرنسية؟ والحال أن تركيا في عام 2018 (أحدث الأرقام المتوفرة على الإنترنت) استوردت من الصين بضائع تفوق قيمتها عشرين مليار دولار، كما استوردت من الهند ما قيمته سبعة مليارات ونصف المليار بما يزيد قليلاً عن قيمة مستورداتها الفرنسية (7,4). بل إن روسيا، التي لا نحتاج لتبيان عداء حكمها للإسلام والمسلمين، وتكفي الإشارة إلى الفظائع التي أشرف عليها شخصياً فلاديمير بوتين إزاء شعب الشيشان المسلم، روسيا إذاً تصدّرت قائمة مستوردات تركيا في العام المذكور بما بلغ 22 ملياراً، ووضع روسيا في المرتبة الأولى قبل الصين. هذا وناهيكم من أن تركيا استوردت في العام ذاته من دولة الاستعمار الصهيوني بضائع بقيمة تفوق 1,7 مليار دولار…

أفلا يشير ذلك التباين الفاقع في ردود الأفعال إلى أن الغرض من حملة الرئيس التركي على نظيره الفرنسي غير المسبوقة في العرف الدبلوماسي، إلا في الأسلوب البذيء الذي بات يتميّز به الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والغرض من دعوة الرئيس التركي إلى مقاطعة البضائع الفرنسية، إنما يندرج في سياسة تصبو إلى تعزيز شعبيته في الداخل وتوسيع رقعة النفوذ التركي في الخارج؟ فإن الانسياق وراء الديماغوجيا إحدى كبرى المصائب التي تتهدّد الأمم، إذ إن عواقبه دائماً وخيمة، ولا بدّ لشعوبنا المقهورة أن تتدارك الوقوع في فخّ تصديق النفاق من أي جهة أتى.

كاتب وأكاديمي من لبنان

القدس العربي

———————————

ليته كان إسلاماً سياسياً../ رشا الأطرش

ثمة تفصيل صغير-كبير، كان ليصنع كل الفرق في قضية الرسوم “المسيئة للنبي محمد” في صحيفة “شارلي ايبدو” الفرنسية الساخرة، وتبعاتها، منذ الهجوم الأول على مقر الصحيفة العام 2015 في باريس واغتيال عدد من رساميها، وصولاً إلى ذبح أستاذ المدرسة سامويل باتي. وهذا التفصيل يلمس غيابَه الآسر، مَن يراقب تطور الخطاب المناهض لهذه الرسوم، والمُفكّك لمسألة حرية التعبير في فرنسا، سواء بالشقّ الإسلامي المتشدد لهذا الخطاب، داخل فرنسا وخارجها، أو ذاك الذي يدفع به علمانيون ومثقفون ويساريون يستنكرون جريمة باتي وما سبقها، لكنهم يتوقفون عند “معايير ملتبسة” للجمهورية الفرنسية في ما يتعلق باحترام مشاعر فئات دينية وثقافية. التفصيل المقصود يتمثل في السياسة المُفتقدة بشدة.

والحال إن تعبير “الإسلام السياسي” ليس هو الطاغي في أدبيات المسؤولين الفرنسيين ومواطنيهم المرعوبين والغاضبين إثر جريمة مقتل باتي. صحيح أن التعبير مستخدم، وليس عن عبث، إذ طرحت هذه الجريمة، الإسلام في فرنسا، كمعضلة تضع قيم الجمهورية والعلمانية والحريات العزيزة جداً على قلوب الفرنسيين ووجدانهم الوطني، على المحك، إضافة إلى تحديات الأمن والقطاع التربوي واليافعين وهجرة فرنسيين للقتال مع “داعش” وبعض السياسة الخارجية، وصولاً إلى جدلية ما يجب أن يُراقب أو لا يُراقب في وسائل التواصل الاجتماعي والجمعيات ودور العبادة، وكيف، وبأي ثمن… أي الإسلام كإشكالية سياسية في المقام الأول. لكن تعبير “الإسلام السياسي”، تُستخدم بموازاته أيضاً، في الإعلام والأدبيات الرسمية، مصطلحات من قبيل islamisme (الإسلام الأصولي أو المتشدد)، والإرهاب، والتعصّب، والكراهية. وهذا ما لا ينافي الدقة في شيء.

ومن جهة ثانية، هناك الخطاب الإسلامي الذي يشهد الآن تدويلاً مغرضاً ومشبوهاً، لن ينفع مسلمي فرنسا في شيء، بل على العكس سيضرّهم إذ يضيّق عليه الزاوية الضيقة أصلاً حيث هم الآن، بين الإسلام المتطرف واليمين المتطرف. هذا الخطاب هو الذي يطرح إسلاماً سياسياً خطيراً، بدلاً من تسييسه بالطريقة التي تتيح تصديق المقولات الدفاعية المنتشرة، من قبيل “هذا (الإرهاب/الكره) ليس الإسلام” و”القاتل الشيشاني ليس كل المسلمين”. إنه الإسلام السياسي بالمعنى الذي يجعله مباحاً للاستخدام السياسي العصبوي من قبل زعيم شعبوي مثل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان. وفي ظل الحملات المنتشرة في أنحاء العالم العربي والإسلامي لمقاطعة البضائع الفرنسية، مع تظاهرات احتجاجية ترفع شعار “إلا رسول الله” وأحياناً “إلا الحبيب يا عباد الصليب”، هو الإسلام السياسي بالمعنى المنفّر كأنتي-سياسة: الهوية المستقاة كلياً من الانتماء الديني وتحقير كل آخر، إضافة إلى تجيير أحد أساليب الاحتجاج السلمي والمدني (المقاطعة) لخدمة هذه الهوياتية الاختزالية، في بلدان لا يتمتع جزء كبير من سكانها بالقدرة الشرائية لحيازة المنتجات الفرنسية أصلاً، مثل بنغلادش، ولبنان، وفلسطين، واليمن…! وبدلاً من أن تكون القضية برمّتها مدخلاً لنبذ “الأنا المُسلمة فحسب”، لصالح نقاش التحديات التي تواجهها الجماعات المسلمة في فرنسا والغرب عموماً، وما قد تعانيه من تهميش وتمييز (ومثلهم فئات وجماعات أخرى تتعرض لتبعات الفوارق الطبقية والمناطقية وانكماش الفرص وذيول التاريخ الاستعماري). بل إن “اتحاد خطباء وأئمة فرنسا”، المفترض أنه من أوائل المعنيين بالاحتكاك الثقافي والأمني الحالي، هو الذي أبرز خطاباً متقدماً (في اللغة على الأقل وتبقى مراقبة الأداء) على الحملة الدولية البائسة ضد فرنسا. إذ اعتبر “الاتحاد”، باتي، “شهيد الحرية”، ودعا إلى الالتفاف على الإسلام الراديكالي الذي يجب ألا يختطف المسلمين في فرنسا.

والمفارقة الأكبر إن الرئيس الفرنسي، ايمانويل ماكرون، دوناً عن المستنكرين من مسلمين وصانعي رأي، هو الذي تطرق إلى الجزئية السياسية ذات المعنى، وذلك في خطابه خلال حفلة تأبين سامويل باتي حين قال: “لن نتخلى عن الرسوم والكاريكاتور، وسنقدم كل الفرص التي يجب على الجمهورية أن تقدمها لشبابها من دون تمييز أو تهميش، سنواصل أيها المعلم، مع كل الأساتذة والمعلمين في فرنسا، سنعلم التاريخ مجده وشقّه المظلم، وسنعلم الأدب والموسيقى والروح والفكر”.

ولعل خطاب الناشطين غير المتدينين، وعدد من المثقفين والأكاديميين مسلمين وغير مسلمين، يساريين و”ما بعد كولونياليين” وتنويعات…، يتميز بسِمَةٍ إضافية إلى ما سبق: اليهود، قانون تجريم إنكار الهولوكوست، والتذكير بالقضية الفلسطينية باعتبارها الأجدر بأولوية الخطاب الإسلامي المتنور من رسوم تتناول نبي الإسلام. وهنا الفخ السهل الممتنع. والإجابة، على بساطتها، لا تبدو بديهية لهؤلاء: أولاً، إن “شارلي ايبدو” لم توفر اليهود والمسيحيين ومعتقداتهم ورموزهم الدينية من السخرية. بل إن كاتباً ورسام كاريكاتور كتب في صحيفة “هآرتس” الإسرائيلية إنه لطالما تابع الرسام اليهودي جورج ولينسكي، الذي قُتل خلال إحدى الهجمات على “شارلي ايبدو”، وكان بطله الثقافي بجرأته وكسره للمحرّمات.

لكن ولينسكي، بحسب الكاتب، إن أتى للاستقرار في إسرائيل، سيصطدم بقوانين تمنع الإساءة إلى مشاعر المؤمنين. ذلك أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، وبعد حادثة خطف وقتل يهود في “سوبرماركت للبضائع الكوشر” في باريس، العام 2015، دعا اليهود إلى القدوم لإسرائيل ليأمنوا على أنفسهم، إلا أن الكيان الإسرائيلي، بحسب الكاتب، ما كان ليؤمن لهم الحرية التي تؤمنها لهم فرنسا في انتقاد كل شيء، بما في ذلك مقدّسات “أبناء قومهم”، إذ لا مقدّسات تحت شمس التعبير الحر.

في حين أن السخرية من المسيحية بلغت ذروتها العام الماضي، حينما رسمت المسيح المصلوب، عيناه مغمضتان بخصيتين، وأنفه عبارة عن قضيب، وذلك تعقيباً على ما تسرب من فضائح اعتداءات جنسية وبيدوفيليا في صفوف الكهنوت المسيحي والمؤسسات الكنسية.

أما قانون تجريم إنكار الهولوكوست، فلا يُقارن بأي شكل من الأشكال، بالمطالبة بتجريم “الاعتداء على المقدسات”. فالمحرقة النازية حدث تاريخي، جلادوه بشر، وضحاياه بشر، وقد أفرز ما أفرز في السياسة والثقافة والتاريخ. وبشيء من التبسيط، قد يُرى إنكارها، بعد السقطة  الأخلاقية، وبمفردات راهنة، نوعاً من الـfake news والتزوير، كإنكار فيروس الكورونا أو اعتبار لقاحات الأطفال مؤامرة! في حين أن الأنبياء والآلهة يفترض أنهم لا يحتاجون إلى من يدافع عنهم، وهم رُعاة المؤمنين بهم لا العكس، يفترض أنهم لا-تاريخيين ولا-زمنيين، تبقى منهم العقيدة، بعد آلاف السنين، وثمة من يناجيهم الآن: “فداك أبي وأمي يا رسول الله”!

والعكس ينطبق على القضية الفلسطينية، إذ أن جعلها قضية لخطاب ووجدان إسلامي فحسب، هو الظلم بعينه، للقضية التاريخية وناسها. هو الظلم نفسه الذي يوقعه الإسلام بناسه حين يستحوذ عليهم، بمواطنيتهم (الفرنسية وسواها) وفردياتهم وقضاياهم الاقتصادية والاجتماعية: ظلم نزع السياسة عنهم.. إلا ما قَدَّر الله.

المدن

—————————-

مشكلة الفرنسيين مع الإسلام/ راتب شعبو

لا يمكن لأحد أن يُنكر وجاهة السؤال المتكرر: لماذا يُعدّ نقد الرواية الشائعة عن الهولوكوست في فرنسا خرقًا للقانون وليس حرية تعبير؟ أو بصيغة أخرى: لماذا لا تتمّ حماية المقدسات الدينية بقانون شبيه بقانون حماية الرواية “الرسمية” عن الهولوكوست، فيغدو من يتجاوز على هذه المقدسات مخالفًا للقانون؟ لكن من ناحية أخرى، لا ينبغي أن يغيب عن السائل أن قضية الإسلام والمسلمين، وهي المعنية أولًا وأساسًا في السؤال السابق، تختلف اختلافًا جوهريًا عن بقية القضايا الدينية الأخرى، من حيث إن الإسلام ينطوي على تهديد سياسي لا تنطوي عليه الأديان الأخرى. مصدر التهديد هو أن الإسلام يعي نفسه على أنه الدين العالمي الأخير، وأن قضيته هي السيادة على العالم، وأن من واجب المسلم الملتزم أن يكون جنديًا في سبيل هذه القضية. وحين يضاف إلى هذا التصور حقيقة أن تيار المسلمين العام يرى في الإسلام ناظمًا ليس فقط للعلاقة الروحية مع الله، بل للعلاقات الدنيوية مع البشر (فيما بين المسلمين كما مع غير المسلمين) أيضًا، وأن المسلمين في العالم يعدّون بمئات الملايين، وأن الأوضاع السياسية والاقتصادية في بلدانهم شديدة السوء، أي إنهم يمتلكون مخزونًا هائلًا من الذل والبؤس الذي يدفع إلى الفعل، حين نلحظ كل ذلك، يمكن أن ندرك لماذا يكون ارتكاس الدول عمومًا، الغربية وغير الغربية، تجاه النشاط الإسلامي أشدّ منه تجاه نشاط أي مجموعات دينية أخرى.

بكلام آخر، يطرح الإسلام نفسه كبديل “سياسي” دائم وكوني، ومن هنا منشأ مقابلة الأنشطة الإسلامية في الدول الغربية، وفي غير مكان، بتشنج وحساسية لا نجدها إزاء الأنشطة الدينية الأخرى. والطريف أن المصدر الحقيقي للخوف من الأنشطة الإسلامية هو بالضبط عكس ما صرّح به الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وأسماه “الانعزالية الإسلامية” التي قرر مواجهتها بمجموعة قوانين وإجراءات جديدة ستكون قليلة القيمة على الغالب. مصدر الخوف من الإسلام هو أنه غير انعزالي، بل هو بالأحرى غازٍ للأوساط الأخرى، وذو نزوع توسعي متأصل، ليس من حيث سعيه لكسب أتباع جدد، فهو ليس الدين التبشيري الوحيد، بل، الأهم، من حيث ميله إلى السيطرة السياسية. وإذا كان ثمة انعزالية إسلامية شرحها الرئيس الفرنسي بأنها “خلق مجتمع مواز”، فهي، والحال هذه، مرحلة أولية في مسار السيطرة المأمولة والمنظورة. وهذا ما لا يخفى على الفرنسيين ولا على المسلمين، غير أن الطرفين لا ينظران إلى المشكلة في عينيها، أو لا يواجهان الفيل الذي في غرفة المعيشة، كما يقول الإنكليز.

لا يمكن فهم الاهتمام الفرنسي الكبير الذي يصل إلى حدود الاستنفار على كل المستويات، في قضية مقتل مدرس التاريخ، ما لم نأخذ في الحسبان التهديد الإسلامي المستبطن الذي يشكل المنصة الأساسية لانطلاق اليمين الفرنسي المتطرف. الخطير في الأمر أن الشعور بهذا التهديد يتغلغل في الأوساط الشعبية الفرنسية على نحو متزايد، ما يجعل السياسيين الفرنسيين (الذين يحركهم البحث عن ناخبين) يتبارون في مستوى حدة ردود الفعل على مثل هذه الجرائم ذات الخلفية الإسلامية. هذه الموجة تمحو الفروق بين التيارات السياسية، وتغذي “انعزالية فرنسية” لا يستبعد كثيرون أن تكون خطوة باتجاه حرب أهلية.

أطلق الرئيس الفرنسي على مدرس التاريخ الذي راح ضحية الجريمة البشعة التي ارتكبها المراهق الشيشاني، في 16 تشرين الأول/ أكتوبر، وصف “البطل الهادئ”، وأرسل التحيّة له ولكل المدرسين الذين “يصنعون الجمهوريين”. من الواضح أن صناعة الجمهوريين توضع هنا في مقابل صناعة الإسلاميين. كما أقامت الدولة الفرنسية تكريمًا مهيبًا للمدرس الضحية، وخرج إلى الشوارع والساحات آلاف الفرنسيين تضامنًا مع الضحية وعرفانًا بدفاعه عن حرية التعبير واستنكارًا للجريمة. وقررت المناطق الفرنسية في مبادرة مشتركة أن تنشر كتابًا للكاريكاتير السياسي والديني، يجمع أبرز رسوم الكاريكاتير التي نُشرت، سواء في صحف المناطق أو في الصحف الوطنية، ليتم توزيعه على المدارس الثانوية. كما صرّح وزير الداخلية الفرنسي بوجوب إغلاق أقسام (الحلال) في المتاجر الفرنسية. كما لو أن المشكلة في وجود من يمتعض من الكاريكاتير أو من يأكل (الحلال).

في ردة الفعل الفرنسية على العملية الإرهابية ضد مدرّس التاريخ ما يصعب فهمه دون رده إلى استشعار الخطر السياسي الإسلامي، وفي تساؤلات المسلمين عن المبالغة في ردة الفعل الفرنسية براءة حقيقية أو مصطنعة. يتقصد الجانبان عزل العملية الإرهابية، الجانب الفرنسي يعزلها ويركز عليها لتبدو هذه الجريمة الشديدة القبح واجهة تحتمل أقسى ردات الفعل، ولكنهم يعلمون أو يستشعرون، بلا شك، أن وراء هذه الواجهة “الفردية” تكمن عناصر حلم جماعي إسلامي يحتمي بالجمهورية لكي يقوّضها. أما الجانب المسلم فإنه يعزل الجريمة لكي تبدو مجرد جريمة فردية لا تستحق كل هذا الاهتمام، وهو جاهز لإدانتها أيضًا، لكيلا تبدو جزءًا من مشروع سيطرة إسلامية يتحدى الزمن ولا يهادن إلا لكي يتمكن.

قبل جريمة المراهق الشيشاني، أحدث مجرد وجود فتاة محجبة (هي رئيسة الاتحاد الوطني لطلبة فرنسا بجامعة السوربون) في اجتماع للبرلمان الفرنسي موجة احتجاج، وانسحاب عدد من النواب من القاعة. الذين انسحبوا قالوا إن مبرر انسحابهم هو الدفاع عن حقوق المرأة وقيم العلمانية. في هذا الانسحاب تشنج “علماني” يصعب الدفاع عنه، ولا يقرّه القانون الفرنسي نفسه، على علمانيته الصلبة. لا نظن أن ردة فعل النواب ستكون على هذه الشاكلة، لو كان الرمز الديني لهذه السيدة غير إسلامي. الرموز الإسلامية فقط هي ما ينتمي إلى مشروع سياسي غير معلن، على الأقل في فرنسا، ولكنه معروف ويولّد لدى الفرنسيين قدرًا كبيرًا من عدم الثقة وعدم الاطمئنان، فلا يبدو الحجاب مجرد رمز ديني، بل نذيرًا بتغيير مضاد للجمهورية. هذه هي الخلفية التي يمكننا من خلالها فهم ردة الفعل الفرنسية على جريمة باريس.

لتجاوز الانحدار إلى صراع أهلي في فرنسا، من المهم أن لا تنزلق السياسة الفرنسية من مستوى مواجهة (الإسلام السياسي) إلى مستوى مواجهة المسلمين. ومن المهم أن يشارك المسلمون الفرنسيون في عزل نزعة السيطرة أو النزعة المضادة للديمقراطية التي تتوفر عند فئة منهم. تعزيز الاطمئنان المتبادل بين الطرفين مسؤولية مشتركة، وفي غياب الاطمئنان المتبادل تتحول التباينات إلى كراهيات تنبت على تربتها القذرة كل الشرور.

مركز حرمون

——————————

===========================

=====================

تحديث 30 تشرين الأول 2020

—————————–

في أوروبا معاداة الساميّة جريمة لا تغتفر لكن الاستهزاء بالإسلام حريّة؟

في خضم الجدل القائم حول مفهوم حرية التعبير وحدودها في الغرب، أعلن حزب العمال البريطاني المعارض تعليق عضوية زعيمه السابق جيريمي كوربين على خلفية اتهامات له بـ”التهوين” من تقرير يشير إلى “أوجه قصور خطيرة” في التعامل مع شكاوى بـ”معاداة السامية” داخل الحزب خلال فترة قيادته بين عامي 2015 و2019.

في 29 تشرين الأول/ أكتوبر، أُعلن القرار بعدما وجدت لجنة المساواة وحقوق الإنسان العامة، وهي هيئة رقابية حكومية، أنّ الحزب خرق قواعد المساواة في شكاوى متعلقة بمعاداة السامية خلال إدارة كوربين، الذي يعد مناصراً قوياً لحقوق الفلسطينيين، بشكل “لا يمكن تبريره”.

بسبب تصريحاته

بُني القرار الذي وصفه بأنه “صادم” على رفض كوربين قبول جميع استنتاجات تقرير اللجنة الذي تحمس له رئيس الحزب الجديد، خلف كوربين، كير ستارمر.

وأشارت لجنة المساواة في تقريرها إلى “أدلة على التقاعس عن توفير تدريب كاف لمن يحققون في مزاعم معاداة السامية” وعلى “تدخل سياسي في معالجة الشكاوى”.

لكن كوربين (71 عاماً) اعتبر أن مشكلة تعامل حزبه مع شكاوى معاداة السامية ضخّمتها وسائل الإعلام والمعارضة، مبرزاً أن محاولاته للتعامل مع القضية عرقلتها “البيروقراطية الحزبية”.

عقب هذه التصريحات، أعلن الحزب وقف عضوية كوربين الذي استقال عقب الهزيمة الثقيلة للحزب أمام المحافظين في الانتخابات العامة التي أجريت في كانون الأول/ ديسمبر الماضي. وقد وصف القرار بأنه “تدخل سياسي”، مؤكداً اعتزامه التصدي له بقوة.

وأضاف: “”لقد أوضحت تماماً أن أولئك الذين ينكرون وجود مشكلة معاداة السامية في حزب العمل مخطئون. سأستمر في دعم سياسة عدم التسامح تجاه جميع أشكال العنصرية”.

وتابع: “كان الأعضاء اليهود في حزبنا والمجتمع الأوسع محقين في التوقع أننا نتحرك ضد معاداة السامية، ويؤسفني أن الأمر استغرق وقتاً أطول مما ينبغي لتحقيق هذا التغيير”.

“يوم عار… لقد خذلنا اليهود”

تعقيباً على تقرير اللجنة، قال ستارمر: “إنه يوم عار لحزب العمال. لقد خذلنا اليهود… وأنا في شدة الأسف على كل الألم والحزن (لليهود)”، متعهداً “لن نتقاعس مرة أخرى عن التصدي لمعاداة السامية ولن نفقد ثقتكم مرة أخرى”. وكان ستارمر قد أعلن في حزيران/يونيو الماضي أنه طلب استقالة مسؤولة في قيادة الحزب لأنها أعادت نشر تغريدة تندرج في إطار معاداة السامية.

كما هاجم كوربين بالإشارة إلى أن أولئك الذين “ينكرون وجود مشكلة هم جزء من المشكلة… أولئك الذين يدّعون أنها مبالغ فيها أو فئوية هم جزء من المشكلة”.

لكن حزب المحافظين الذي استغل الحادثة لمهاجمة ستارمر قال إن الزعيم الجديد للعمال عمل عن كثب مع كوربين، كما قام بحملة لدعمه في أن يصبح رئيساً للوزراء.

من جهتها، اعتبرت هارييت هارمان، نائبة زعيم حزب العمال السابقة، أن تعليق كوربين “كان الشيء الصحيح الذي ينبغي عمله” متفقةً مع ستارمر على أن تصريحات كوربين تعكس أنه “جزء من المشكلة”.

أما أنجيلا راينر، نائبة رئيس الحزب الحالي، فاتهمت كوربين بأنه مصاب بـ”عمى تام” في تقدير حجم المشكلة، موضحةً أنها “مستاءة للغاية لأن جيريمي لم يكن قادراً على رؤية الألم الذي عانته الجالية اليهودية”. واتفق القيادي البارز في الحزب، جون ماكدونيل، على أن تعليق كوربين “مخطىء للغاية”.

وأعرب ثلاثتهم وقادة آخرون في الحزب عن اعتقادهم أن الزعيم السابق “بات من الماضي” و”لا مستقبل له” مع الحزب.

في الأثناء، رحّب نواب حزب العمال السابقون الذين تركوا الحزب بعد تعرضهم لانتهاكات معادية للسامية خلال سنوات كوربين بتعليق عضوية الرئيس السابق. ورحب بالقرار أيضاً مجلس النواب لليهود البريطانيين، وهي منظمة تمثل الجالية اليهودية في بريطانيا.

ورجحت “الغارديان” أن يؤدي القرار إلى اندلاع “حرب أهلية” داخل الحزب بين الزعيم ستارمر وأعضاء البرلمان المؤيدين لكوربين. في أول رد فعل، أصدر 33 نائباً برلمانياً يمثلون سدس الفريق النيابي للحزب بياناً يطالبون فيه بإعادة عضوية كوربين سريعاً مع إدانة لما اعتبر حملة على اتّجاه “اليسار” في الحزب الذي يتزعمه كوربين من قِبل القيادة الجديدة التي تميل إلى الوسط.

“حرية التعبير تقف عند اليهود”

أثار خبر وقف كوربين استياء وتساؤلات العديد من رواد مواقع التواصل الاجتماعي العرب حول مفهوم حرية التعبير وحدودها في أوروبا، لا سيما لدى احتدام النقاش بشأن الرسوم المسيئة للرسول والإسلام في فرنسا والتي دافع عنها الرئيس الفرنسي بشدة معتبراً أنها تندرج تحت مفهوم “حرية التعبير” الذي هو أحد مبادىء  الجمهورية الفرنسية.

قال بعض المعلقين العرب إن “حرية التعبير في أوروبا ليست مطلقة وإنما حدودها معاداة السامية”.

وفيما لفتوا إلى “ازدواجية معايير الغرب”، تساءل مغردون: “لماذا لا يتهم ماكرون بـ”الإسلاموفوبيا” على المنوال نفسه”؟

وفي حين اقترح البعض احتمال تغيير الحزب المعارض بوصلته على أمل الفوز بالمزيد من أصوات البريطانيين، عقب أربع هزائم متتالية، أشار معلقون إلى الاتهامات بالعنصرية ضد المسلمين والإسلاموفوبيا داخل حزب العمال نفسه، مستفسرين عما إذا كانت ستتم التحقيقات بهذا الشأن ومحاسبة المسؤولين.

وذكّر هؤلاء باستقالة أول عمدة محجبة في بريطانيا، الصومالية الأصل راخية إسماعيل، عمدة إزلنغتون، من الحزب قبل أشهر متهمةً قيادة الحزب الحالية بالعنصرية ومحاباة الرجال البيض والإسلاموفوبيا.

رصيف  22

————————–

مناقشة حرية التعبير والتسامح والعلمانية في أجواء غوغائية/ عزمي بشارة

صعب إجراء حوار مفيد حول مفاهيم معينة في ظلِّ استخدام السياسيين الديماغوجي لها بوصفها مجرد شعارات أو “كليشيهات” في خطاباتهم، وفي أجواءٍ من شحن العواطف وتوتير الفضاء العام على نحوٍ يفسح المجال لانتشار الغوغائيات على أنواعها؛ سواء أكان بسبب التنافس الانتخابي بين اليمين واليمن المتطرّف في فرنسا، أم بسبب بعض الصراعات والتوترات على المستوى الدولي، في غير موقعٍ في محيط البحر المتوسط الذي يصل المسلمين بأوروبا، ويفصلهم عنها في الوقت ذاته. هذا هو حال مناقشة مفاهيم مثل حرية التعبير والتعددية والعلمانية والمسّ بالمقدسات في هذه الفترة.

وليست جريمة قتل المدرّس الفرنسي صمويل باتي، في 16 تشرين الأول/ أكتوبر 2020، على يد مهاجرٍ شيشاني، هو عبد الله أنزوروف، المناسبة الوحيدة التي أُثير فيها هذا النقاش في أجواء مشحونة تمنع إجراء الحوار على نحو مفيد، ولكنّه اتخذ أبعادًا جديدةً هذه المرة بسبب تورط الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مباشرة في الأمر، وذلك منذ خطابه في 2 تشرين الأول/ أكتوبر 2020، أي قبل وقوع الجريمة بأسبوعين؛ إذ أشار فيه إلى أزمة في الإسلام في كل مكان، مسيئًا استخدام المصطلحات. وقد أساء مثل هذا الاستخدام عدة مرات؛ لأنه يحاول الظهور في خطاباته بمظهر المثقف المتفلسف، كأنّ ذلك من متممات الزعامة المطلوبة في فرنسا. وفي الحقيقة، إنه سياسي مثل غالبية السياسيين، يحاول أن يتقن لعبة القوة واغتنام الفرص، ويخاطب الفرنسيين كي لا يخسر أصواتًا انتخابية محسوبة على اليمين المتطرّف. لكنّ ماكرون لا ينتقي الكلمات بعناية حين يخاطبهم؛ إذ يخلط بين نقد التطرّف ونقد الإسلام، وبين أزمة بعض المسلمين وأزمة الإسلام. إنه يخاطب الفرنسيين، لكنّ المسلمين يسمعونه في الوقت ذاته، فلا يعجبهم هذا الخلط، ولا الوعظ الاستعلائي، ولا المقام برمته؛ فالرجل رئيس دولة، وليست وظيفته تقييم الإسلام ولا المسيحية أو إبداء الرأي في أي دين.

تخلّلت حالات معدودات العلاقات المعقدة بين شمال البحر المتوسط وجنوبه وشرقه في العقود الأخيرة، ظهر فيها أشخاص (مهووسون في رأيي) يتملّكهم شغفٌ ما باستعراض علمانية من نوعٍ مشوهٍ، أو إظهار حرية التعبير عبر الإساءة لنبي الإسلام، أو الاستعراض من أجل الظهور ونيل الشهرة عبر استفزاز الآخرين. وللممارسة المنشغلة بشخصية النبي العربي والافتراء عليها ورواية “أخبار” عنه خارج سياقها الحضاري والتاريخي، تراثٌ هامشيٌ في الثقافة الأوروبية؛ وهو ليس تراثًا علمانيًّا تحديدًا، كما أنه، في غالبيته، تراكمٌ عبر مراحل صراعٍ وحروب. ولكن في ظروف الفضاء العام المفتوح حاليًا، وثورة وسائل الاتصال والتواصل، ونشوء الثقافة الجماهيرية في المجتمعات الأوروبية والمسلمة، فإن هذه الممارسة تتخذ أبعادًا مختلفة، تميزها نوعيًا عن نشر الأضاليل في كتب يقرؤها عدد محدود من الناس.

لا شك في أنّ حرية التعبير من أركان الديمقراطية الليبرالية التي تقوم على القبول بالتعددية، والتي يؤرّخ لها بعض منظري الليبرالية (مثل جون رولز وغيره) خطأً، في رأيي، كأن جذورها تعود إلى التسامح الديني ودروس الحروب الدينية، فهناك تكمن جذور الدول الحديثة وقبول درجة من التعددية الدينية فيها، وليس التعددية الديمقراطية. وحتى لو صح تأسيسها على ذلك من ناحية المنشأ التاريخي، فهي لا تقوم عليه في منطق الديمقراطية الحاضر (أي منطق تبريرها لذاتها وإعادة إنتاجها لذاتها)، بل تقوم على الأسس نفسها التي تقوم عليها الديمقراطية الليبرالية المعاصرة، وهي: أولًا، المساواة الأخلاقية بين المواطنين بوصفهم ذوات قادرة على تشكيل أحكام بشأن الخير والشر، وبشأن مصلحتهم. ثانيًا، الحق في المشاركة في تقرير مصيرهم (بالانتخاب مثلًا وما بين الانتخابات)، والذي لا يمكن ممارسته من دون ضمان حرية التعبير. ثالثًا، وضع حدود لعسف السلطة، وهذا أيضًا غير ممكن من دون حرية التعبير والنقد، هذا فضلًا عن دور الأداة الرئيسة وهي الرقابة المتبادلة ما بين السلطات. على كل حال، مهما تعددت الآراء في هذا الشأن، ثمة فرقٌ بين التعددية الديمقراطية، في صورتها الناجزة، وبين التسامح المستمد من تراث ديني بعينه. وهذا موضوع لا مجال للخوض فيه من دون استرسال طويل. ولكن سوف نرى لاحقًا جانبًا من هذا التمييز، وأن التعددية الديمقراطية لا تُغني عن التسامح الديني وغير الديني، والذي قد يتمثل ليس فقط في احترام الرأي الآخر، بل أيضًا في احترام كرامة الآخر من دون أن يفرض فعل التسامح المطلوب، أو يمنعه قانون الدولة.

تحتمل التعددية الديمقراطية ليس فقط تعددية الآراء والأذواق والتيارات الفكرية والديانات والأحزاب، بل تحمي حقها في أن تُعبّر عن نفسها في المجال العام، كما تعد نفسها محايدة في ما بينها أيضًا. ولكن الديمقراطية ليست محايدة بشأن مبادئ الديمقراطية ذاتها. وليس هذا فحسب، بل تضع الديمقراطيات الليبرالية عمومًا حدودًا لحرية التعبير أيضًا، على الرغم من هذا الحياد. فهي تُحاسِب غالبًا على ما يُسمى التشهير؛ إذ يُلحق الكلام الكاذب إساءةً وضررًا ملموسين بشخص أو أكثر بغير حق. ولن أدخل في تعريف التشهير هنا، فهو متباين بين النظم القانونية. كما تضع الديمقراطيات حدودًا بين المسموح والممنوع عندما يتعلق الأمر بالتحريض على العنف أو الحضّ على القتل. ولا تتسامح بعض الدول التي مرت بتاريخ من التمييز العنصري مع التحريض العنصري؛ أي إطلاق تعميمات سلبية سيئة على شعبٍ كامل أو حضارةٍ كاملة أو غيرهما (ولكن غالبًا لا يشمل ذلك التعميمات تجاه الإسلام والمسلمين).

وفي فرنسا، يُمنع التعبير عن إنكار الهولوكوست بقوة القانون؛ إذ عوقب مثقفون، وحتى باحثون، ليس لأنهم أنكروا هذه الجريمة الكبرى التي وقعت وتعد بحق جريمة ضد الإنسانية، بل لأنهم تجرؤوا على مناقشة الأمر فقط. ومؤخرًا، حاول ماكرون في خطابٍ له، في 19 شباط/ فبراير 2020 (في مقبرة كاتسنايم في شرق فرنسا)، أن يساوي بين العداء للصهيونية والعداء للسامية كمقدمة لنزع شرعية التعبير عن موقفٍ شرعي يتفق معه كثيرٌ من اليهود ضد حركة قومية كولونياليّة تقوم بممارسات عنصرية، واستعمرت وطنًا مأهولًا، وطردت سكانه.

إن دفاع ماكرون عن حرية التعبير انتقائي، وليته توقّف عند حدّ الدفاع عنها، فهذا دفاع عن الديمقراطية. ولكنه لا يدافع عن الديمقراطية، بل يخوض معركته السياسية. ويظهر ذلك خارجيًا على نحو جلي، فقد أدى الرئيس الفرنسي دور المحلل للدكتاتور عبد الفتاح السيسي، وجسرًا له إلى أوروبا. يمكن لماكرون أن يدّعي أن مهمته الدفاع عن الديمقراطية في فرنسا وليس في مصر، ولكن حماسته لإضفاء الشرعية الدولية على دكتاتور يقمع أي صوت معارض لا تدل على حرصٍ شديدٍ على حرية التعبير في المجتمعات المسلمة.

ثمّة حدودٌ لحرية التعبير تُحدّدها الديمقراطية الفرنسية. وتختلفُ القوى والتيارات الفكرية المختلفة حول هذه الحدود. إن المسّ بمقدسات الآخرين الدينية متاحٌ غالبًا في الديمقراطيات الليبرالية التي لا تعترف بحدود المسّ بالمشاعر؛ لأنّه من الصعب تعريفه، وقد يُستخدم مصطلح المسّ بالمشاعر الدينية على نحوٍ تعسفيٍ لمنع أفكارٍ مشروعة بحجة المسّ بالمشاعر الدينية. وعلى كل حال، حتى لو لم تحظر الديمقراطية المسّ بشخص نبيٍّ مؤسس لديانة يؤمن بها أكثر من مليار ونصف إنسان، يُجلّونه ويقدّرونه، ويعتبرونه رمزًا للسيرة الحسنة التي يُقتدى بها، فإن هذا المسّ ليس نموذجًا عاديًا لحرية التعبير. قد تتيحه حرية التعبير في الديمقراطية الليبرالية مع أنّه يمسّ بمشاعر ملايين من مواطنيها، وكثيرين من غير مواطنيها، فقط بوصفه ممارسة هامشية مدانة ومرفوضة. ولا تعني إتاحة المجال لمثل هذا المسّ، والتعبير عنه في المجال العام، تقبّله والتسامح معه؛ بمعنى اعتباره أمرًا عاديًا. فهو ليس أمرًا عاديًا، إنه أمرٌ استثنائي وحالة متطرفة، وهكذا يفترض أن يُعامَل. صحيح أن الديمقراطية الفرنسية لا تمنعه، ولكن هذا لا يعفيها من التثقيف ضده، ومكافحته تربويًا وإعلاميًا بوصفه ظاهرة سلبية، بموازاة تبريرها لعدم منعه بحجة تجنّب حصول سوابق من قمع حرية التعبير يمكن توسيعها في المستقبل. ولكن، بالتأكيد، لا يجوز أن تكون راضية عنه أو أن تعتبره مفخرةً.

ليس هذا من العلمانية ولا من التنوير في شيء. التنوير الفرنسي، الذي تتلمذ بعضنا على الأقل في فترةٍ من حياته على أفكاره، لم يكن معاديًا للدين غالبًا، بل كان معاديًا للمؤسّسة الدينية ولتدخّلها في السياسة وتداخلها مع الملكيّة، ومناهضًا لرجال الدين الذين ينشرون الخرافات للسيطرة على عقول الفلاحين والبسطاء، كما كان يردد تنويريو القرن الثامن عشر الذين سموا “الفلاسفة”. لكنّ التيار المعادي للدين مباشرة كان هامشيًا في حركة التنوير، ولم يعتمد السخرية من السيد المسيح أو من النبي محمد. تعد مناقشة الدين والعقائد والمتدينين ورجال الدين من أسس حركة التنوير ومقاربتها النقدية العقلانية. أما السخرية من الأنبياء في الفضاء العام، فهو استفزاز لا غير. يضاف إلى ذلك أن الاستفزاز المقصود قد يعتبر أمرًا مقبولًا في الفن والأدب في ثقافة بلد بعينه، ولكن في هذه الحالة غالبًا ما تسخر الأعمال الأدبية والفنية من مقدسات ثقافتها، أما السخرية من مقدسات الآخرين، وفرض مقاييس المتاح وغير المتاح من ثقافةٍ ما على ثقافةٍ أخرى، فيثيران الحساسيات لأنهما يصطدمان بمسألة الهوية والكرامة وغيرها، ولا سيما حين تكون العلاقة التاريخية بين المنتمين إلى ثقافتين مختلفتين مركبة تتضمن ماضيًا من تحويل الفرق إلى سيطرة واستعلاء.

ومن حق من أطالبه هنا بإبداء التفهّم لهذه الأمور، أن يتوقع من أتباع الثقافة التي ينبغي له احترامها أن يحترموا هم أيضًا الديانات الأخرى، وأن لا يكون شتمها على المنابر أمرًا مقبولًا. هذا أحد أشكال التسامح (الذي يتخذ أشكالًا أخرى عديدة)؛ وهو، في رأيي، أمر مختلف عن التعددية واحترام حرية التعبير. ويتطلب التسامح أحيانًا من الشخص ألا يعبّر، بل أن يمسك عن التعبير من دون إجبار من أحد، حتى لو أتاح مبدأ حرية التعبير الكلام.

والعلمانية، وإن اتخذت أشكالًا متشددة، غير مرنة، في فرنسا بعد الجمهورية الثالثة لناحية الموقف من ظهور الدين ودوره في الفضاء العام، فإنها تشترك مع بقية العلمانيات في أمر جوهري؛ وهو رفض استخدام الدولة ومؤسساتها في فرض دين بعينه، أو الإلزام بمعتقدٍ معيّن أو بفرائضه، وكذلك رفض تدخّل الدولة في قضايا العقيدة، وكل ما يتعلق بالضمير. وجوهر علمانية الدولة هو تحييدها في الشأن الديني. وثمة نقاش في فرنسا حول إتاحة المجال للدين ومظاهره في الفضاء العام في الدول الديمقراطية العلمانية. وهو محسوم عندي لصالح إتاحته؛ لأنه، على الأقل، شكلٌ من أشكال حرية التعبير، ولأن منعه يناقض مبدأ العلمانية، إلا إذا تحولت إلى أيديولوجية مفروضة من أعلى، أو إلى دين بديل من الدولة. لا يمكن حظر الدين في المجال العام، وليس من العدل منعه. وغالبية الدول الديمقراطية لا تفعل ذلك. وفي الوقت نفسه، فإن الدول الديمقراطية تمنع استخدام الدين من أطرافٍ منظمةٍ سياسيًا في ترهيب المخالفين لها وتكفيرهم، أو فرض نمط حياة معين عليهم. ولا بد من تحصين الدولة وتحييدها من أي محاولة لاستخدامها في فرض تعاليم دينية معينة أو في محاربة ديانات وعقائد أخرى دينية وغير دينية. إن الحركات والفرق الدينية التي تختلف مع هذا الموقف هي حركات معارضة للديمقراطية أصلًا، وهي تطالب الديمقراطية بما لا تقبل هي ذاتها به. وهذا موضوع آخر. ولكنّ غالبية المسلمين مندمجون في حياة الدول الديمقراطية التي هاجروا إليها، والمتدينون منهم يمارسون دينهم، ويعملون وينتجون ويسهمون في بناء المجتمعات التي يحيون في كنفها، ويعيشون حياتهم الدنيوية مثل غيرهم.

من حقِ الديمقراطية الفرنسية وغيرها من الديمقراطيات، بل من واجب أي دولة أن تدافع عن المجتمع وتحميه ممن يرتكبون أعمالًا إجرامية باسم الدين أو أي أيديولوجيا علمانية أو دينية. ويمكن أن يرى باحثون أنّ الجماعات المتطرفة التي ترتكب جرائم ضد المدنيين باسم الدين مأزومة، أو أنّ مجتمعاتها تعيش في أزمة. ولكن ليس من وظيفة رئيس دولة أن يحدّد إن كان الإسلام أو اليهودية أو المسيحية في أزمة. ولا أذكر أنّ رئيس دولة مسلمًا، بغض النظر عن طبيعة نظامه، خرج في خطابٍ قال فيه إنّ الكونفوشية في أزمة بسبب ما يُرتكب في الصين في حق الإيغور، أو أنّ البوذية في أزمة بعد ثبوت سياسة التطهير الإثني المشوب بجرائم ضد الإنسانية ضد الروهينغا، أو أنه اعتبر اليهودية في أزمة نتيجة لممارساتٍ في فلسطين تقوم بها جماعات باسم الدين اليهودي مباشرة وبشرعية الوعود التوراتية. ماذا كان سيقال لو هاجم الفلسطينيون والعرب، وتحديدًا المسؤولون الحكوميون منهم، اليهودية أو التوراة التي تُستخدم نصوص منها لتبرير قمع الفلسطينيين؟ لم يكن منطق سلوك الرئيس الفرنسي حين تحدث عن أزمة في الإسلام منطقًا علمانيًّا. قد تعيش المجتمعات المسلمة أزمة، بل أزمات، مثل مجتمعات أخرى، ولكن هذا ليس مبررًا لرئيس دولة أن يشخّص حالة الإسلام.

الإسلام ديانة عظيمة يتبعها أكثر من مليار ونصف المليار إنسان، كما أسلفنا، وتوسم به حضارة شديدة التنوع، ولا يصح أن يزج به، بهذه الخفة والتعميم، في خطاب سياسي لرئيس دولة في سياق مكافحة التطرف والإرهاب، أو في سياق التنافس داخل اليمين الفرنسي المتطرف على الأصوات الانتخابية.

لا شك في أن مقتل المعلم صمويل باتي كان جريمةً شنيعةً. والحقيقة أنّنا لا نعرف الكثير عن أفكاره، ولا أدري لماذا أراد أن يطرح هذا “النموذج” عن حرية التعبير أمام تلاميذه. لكن يبقى قتله جريمة ويجب أن تُدان ليس على استحياء، ومن دون “ولكن”. فـاستدراك “ولكن” غالبًا ما يليه تبريرات للجريمة. فليست أحوال المسلمين في أي مكانٍ في العالم وما يمرون به مسؤولة عن سلوك الشاب الذي قرر قتل المعلم. ولا يجوز تبرير القتل بما يتعرّض له مسلمون في أماكن أخرى في العالم. يمكن دراسة خلفية الشاب وظروفه الاجتماعية وأفكاره، ولكنه مسؤولٌ عن جريمته ما دام واعيًا فعلته، وليس غائبًا عن الوعي. وهو لم يشاور “المسلمين” بما فعل، وليس “الإسلام” مسؤولًا عنها. الإسلام بريء منها بالتأكيد.

الرد على الكلام يكون بالكلام، وعلى السخرية بالسخرية، حتى لو كان ذلك في المجال العام وليس في صفٍ مدرسي. وقد يترفّع بعض الواثقين من أنفسهم حتى عن الرد على الكلام بالكلام. فليس كل كلام يستحق الرد. وكان رأيي دائمًا أنه حتى الرسوم الكاريكاتورية التي نشرت للمسّ بنبي الإسلام في صحيفة دنماركية يومًا ما لا تستحق أن تشغل المجتمعات؛ فالنبي يستحق الدفاع عنه، ولكن الرسام لا يستحق أن تخرج له مظاهرات. وثمّة أسباب كثيرة للخروج من أجل التظاهر في العالم الإسلامي غير صور رسمها رسامٌ مجهول (لن أذكر اسمه)، ولولا هذه المظاهرات لما عرفه أحد، ولا سمع عنه أحد غير قراء صحيفته. بمعنى أنّ من يقوم بفعلةٍ كهذه؛ المس بمقدسات الآخرين، لا يستحق الحشود والتظاهر، بل إهماله. هكذا يتصرّف أبناء حضارة راسخة إذا كانوا واثقين من هويتهم. وليس كلما قرر مهووس استفزاز المسلمين يخرج الآلاف منهم في مظاهرات ويحولونه إلى “نجم”. ونذكر جيدًا حالة القس الأميركي المهووس الذي هدد بحرق القرآن علنًا (لن أذكر اسمه أيضًا)، فاصطفت وسائل الإعلام أمام بيته أيامًا عديدة في انتظار أن يقوم بفعلته هذه. في المقابل، من واجب حكومة الدولة التي يقيم فيها هؤلاء التثقيف ضد هذه الأعمال واستنكارها، مثلما أن واجبها التثقيف ضد العنصرية وإدانتها، لا الاكتفاء بالقول إنها حرية تعبير. ليس صحيحًا أن الدولة الديمقراطية محايدة في كل ما يتعلق بحرية التعبير، حتى لو كان متاحًا.

لكن ما حصل في فرنسا بعد فعلة القتل الشنعاء تلك هو تجاوز الحياد. لقد استخدم التضامن مع الضحية عبر تقديم الصور المسيئة كنموذج لحرية التعبير والتمسك بها. وفي نوع من المكايدة، انتقلت الصور من غرفة صف مغلق إلى جدران المباني الحكومية. وبغض النظر عن النوايا، فإن النتيجة هي التشجيع على المسّ بالمقدسات وتحويلها من أمر شاذٍ إلى نموذج؛ ما استفز كثيرين في العالم الإسلامي.

حتى العلماني الفرنسي يمكنه أن يفهم أنّ الدين ورموزه الأساسية تشكّل أحد مكونات الهوية الحضارية للمتدينين وغير المتدينين عند كثير من شعوب العالم، وأن هؤلاء في غالبيتهم الساحقة يعارضون التطرف الديني، والقتل بسبب الكلام، وتكفير الآخرين، وحتى العنف السياسي عمومًا. ولكنهم لا يتفهمون إهانة رموزهم الدينية عن سبق إصرار، ويعتبرونها مسًا مقصودًا بالكرامة. حتى متوسط الذكاء يجب أن يُدرك أنّ إشهار هذا النوع من “التعبير” على مبانٍ حكومية يُطلق سلسلةً من الأفعال وردود الأفعال لا يمكن أن ينجم عنها أي خير. يجب الخروج من دائرة الشر هذه في أسرع وقت ممكن.

المدن

———————————

هل انطفأت “الأنوار” الفرنسية؟/ دلال البزري

صموئيل باتي، أستاذ ثانوي فرنسي (47 سنة)، مثالي بمهنيته على ما يشهد زملاؤه. يقوم بواجبه مع تلامذته في حصة “حرية التعبير”. مادة الحصة اليوم رسومات الكاريكاتور المستهزئة بالرسول العربي محمد. والمناسبة هي الذكرى الخامسة لمقْتلةٍ تعرّض لها أصحاب الرسومات نفسها. من مجلة “شارلي إيبدو” المعروفة بسخريتها اللاذعة تجاه كل التابوهات، الدينية خصوصاً. يتابعه عن بُعد، أو يسمع به عبد الله أنزوروف. لاجئ شيشياني في الثامنة عشرة من عمره. يصغي إلى التحريض على الأستاذ، أو يستشعر الجو المحيط بأهالي التلامذة الذين حضروا الحصة. وقد أعفاهم الأستاذ منها، وتركَ لهم حرية الخروج من الصف، من دون احتسابٍ لغيابٍ أو تقصيرٍ في المادة. وبعد عشرة أيام من الحصة، يرتكب عبد الله أنزوروف جريمة بشعة بحق الأستاذ. يقطع رأسه، وهو يصرخ “الله أكبر”، ويوزّع صورته صريعاً غارقاً في دمائه.

الجريمة صادمة. وردة الفعل عليها قوية. شعبياً ورسمياً. والفرنسيون على حق. هم الذين يستقبلون الهاربين من دماء سائلة في بلدانهم، ها هم تُهدر دماؤهم على مذبح حرية الفكر. وهذه معضلة وجودية، مديدة وذات إشكالات متعددة. أما الردّ الرسمي، ردّ الأحزاب الممثلة في البرلمان، فهو يجدِّد القلق.

اليمين المتطرّف، بقيادة مارين لوبان، كان سباقاً في طرح مزايداته أمنية الطابع: وفكرته القديمة بطرد المهاجرين، ذوي الغالبية المسلمة. وبتحريضٍ علنيٍّ منه، تنْهال على المحكمة الوطنية للهجرة الشتائم والتهديدات، بصفتها هي المسؤولة عن الموافقة الرسمية على استقبال اللاجئين في فرنسا. اليمين الأقل تطرّفاً يدعو إلى “الضرب بقوة” والعمل ضد “الإسلامية الراديكالية” وضد الهجرة “غير المسيطَر بها”. يحذو حذوَه اليساري “الممانع” جان لوك ميلانشون، الذي يصرّح بأن ثمة “مشكلة مع الجماعة الشيشانية في فرنسا”، وأن على فرنسا طرد الذين ينشطون منهم “في ميدان الإسلام السياسي”. ما دعا ممثل الجالية الشيشانية في فرنسا إلى البحث عمّن يغطي تكاليف دعوى ينوي رفعها ضده. وحده رئيس الكتلة الشيوعية في البرلمان الفرنسي يخشى “فخ الانقسام”، ويحذّر بأنه “لا ينبغي أن ننشر الاعتقاد بأن مواطنينا المسلمين يتعايشون مع الإرهاب الإسلامي”.

والحزب الحاكم ليس أقل عنفاً تجاه المهاجرين. ممثّله إلى أعلى سلطة، الرئيس إيمانويل ماكرون، يخطب بالجموع المحتشدة في تأبين صموئيل باتي. يقول كلاماً عالي النبرة، قريبا من كلام خصومه الكُثر، وخصوصاً مارين لوبان، منافسته المحتملة في الانتخابات الرئاسية المقبلة. يعلنها حرباً على “الإسلاميين”، و”الجهاديين” و”الإرهابيين”. ويدخل البرلمان الفرنسي في مشاريع قوانين تهدف إلى حماية البلاد من “الإرهاب الإسلامي”. يناقشها البرلمان، يحذف هذه أو تلك، يرى أخرى بلا لزوم، لأنها متضمَّنة في الدستور الفرنسي أصلاً. وهذا النقاش لم ينتهِ بعد.

وبالتوازي، تحصل المداهمات للمساجد المريبة، ولمراكز إسلامية. يُعتقل الأشخاص الذين شاركوا في تحريض عبد الله أنزوروف على ارتكاب جريمته، وبصورة غير مباشرة غالباً، منهم أهالي بعض تلامذة الأستاذ المذبوح، ورواد مواقع، وشيوخ. أحد مشايخ مسجد بانتين، الذي أُغلقت أبوابه، يعطي فكرة عن المناخ: يقول إن الحملة الأمنية – النفسية سوف تؤخِّر بروز “التيار المعتدل والتقدّمي” في الإسلام، ولن تزيد المسلمين الفرنسيين غير عزلة وشعور بالملاحقة والاضطهاد.

ومفهوم، كما في حوادث سابقة مماثلة، أن كل ما يصدر من أخبار عن الجريمة يخلق مناخا قوياً من الخلط المصْهور بين مسلم وإسلامي وإرهابي وجهادي. والمناخ نفسه يبثّ مفْردة “الفاشية الإسلامية”، وهي عبارة أخرى تذوب فيها صفة “مسلم” بعبارات الإرهاب والإسلاموية إلخ .. ما يسهّل حوادث إرهابية مضادة: قتل مسلمين، التنمّر عليهم، حرمانهم من حقوق الهجرة والاندماج، وحالات خوف فردي تردع عن الخروج أو التعامل مع “غرباء” على الطريق وعلى غيره. ولا نعرف إذا كان صحيحاً ذاك الشريط الذي شاعَ على الشبكة، عن جزائريتَين تتعرّضان لاعتداء بالسكاكين تحت برج إيفل. ولكن المؤكد أن المناخ مُناسب لنوعٍ كهذا من ردود الأفعال، وضحيتها الأكيدة “مسلم”، أو “مسلمة”، محجبة خصوصاً، بجريرة إسلاموية وإرهاب… إلخ.

المناخ هو ما تمتاز فرنسا بخلقه. تستطيع أن تخلق مناخاً، يكون حيناً أقوى من الوقائع، وأحيانا دونها. حسب حظها. قارن مع المناخ الذي بثّته فرنسا في مرحلة الاستقلالات الوطنية، والعالمثالثية، وبناء الهوية الفردية والفلسفية. كانت هذه عظمة فرنسا. يتصدّر واجهتها فلاسفة معاصرون أحرار، تؤازرهم مناخات شبيهة، عربية، عالمية، غربية. بحيث إن العائد من فرنسا، هو أكثر العائدين من أي دولةٍ غربية أخرى إبداعاً ثورياً، يستوحي من فلاسفتها الأحياء أشكالا ومضامين من النضال والتغيير. كان المجتمع الفرنسي ينهض من حربين عالميتين. وفي طياته شخصيات ومنابر وصحافة ونواب وأحزاب .. جميعهم يغذّي هذا المناخ. وما ساعدَ على ذلك أن الآتين إليها من المسلمين لم يكونوا على درجةٍ من العصبية الدينية، في مجتمعاتهم الأصلية. وقد بلغتهم نسائم هذا المناخ قبل بلوغهم فرنسا.

الآن، تغير المناخ. في العالم كله، يمينٌ شعبوي يزايد على يمين أقلّ منه تطرّفاً وينجح باستقطاب الفرنسيين والغربيين معه. ومسلمون يطفشون من بلدانهم محمَّلين بأثقل ما تستطيعه أكتافهم من فهم لدينهم، يتعارض مع الفهم الفرنسي له، وللأديان كافة. وما يزيد من وطأة هذا الثقل أن الفرنسيين، الفخورين جدا بتراثهم الفكري المعادي لرجال الدين، والفاصل بينه وبين الدنيا، يرغبون بـ”إدماج” أولئك المهاجرين في ثقافتهم. وكلما ارتفعت جهود هذا “الإدماج” زادت العنصرية الصريحة وانعدام العدالة الاجتماعية. كلما زاد تمسّك المهاجرين بدينهم، بصفته هويتهم التي تنحو الثقافة السائدة إلى إذابتها في هوية “مواطنية”، فرنسية لا تؤمِّن لهم العدالة المعنوية والاقتصادية. وفي ذاك المناخ بالذات: أي صعود اليمين المتطرّف، واضطرار الأقل تطرّفاً، بل اليسار المتطرّف، إلى مسايرة الجو، والاستجابة لفكرة “الحل الأمني” مع الإسلامية والحهادية والإرهاب..

رواد الثقافة الفرنسية كانوا، في القرن الماضي، يخوضون معارك ضد التمييز العنصري وانعدام العدالة الاجتماعية، بكل ما أمكنه مجال المعاني الجديدة من احتوائه. الآن، لا تجد على ساحة المعاني، خالقة المناخات بامتياز، سوى فلاسفة نجوم، مثل برنار هنري ليفي، أو ميشار أُنفري، أو روائيين مثل ميشال أولْبيك، أو كتّاب مثل إريك زيمور .. هؤلاء يسيطرون على الساحة الفكرية – الإبداعية، يوحدّهم عداؤهم للإسلام والمهاجرين المسلمين، وضرورة حماية فرنسا منهم. وجلّهم ينعى فرنسا التي ستكون بعد حين تحت سيطرة المسلمين، أو الإسلاميين، لا فرق.

من فرنسا صاحبة الأدوار الريادية القريبة، إلى فرنسا خالقة المعاني المضادّة لها، جذرياً أحياناً. ورئيس جمهورية لا يرى سبيلاً لإعادة انتخابه سوى المزايدة على المزايدة اليمينية المتطرفة. إنه وضع غير مريح لرئيسٍ حالفه الحظ ذات يوم. من أين يأتي بالمعاني في هذه الحالة؟ من التراث الأبعد لفرنسا. وكأن القريب منه مات بغير رجعة. هكذا حضر عصر “الأنوار” في خطابه التأبيني للأستاذ الضحية. وقد جرى في إحدى باحات جامعة السوربون، للتأكيد على عراقة هذا التراث، فهذه الجامعة بنيت منذ ثمانية قرون. أي بماضٍ أبعد من عصر “الأنوار”.

ليس تحقيراً بهذا العصر الذي يمدّ البشرية بأنْبل ما أنتجه الإنسان من معانٍ. إنما، كيف يتناولها صاحبها على أرض الواقع؟ كيف يتم تطبيقها؟ هل يؤمن بها فعلاً الرئيس؟ هو الذي يغضّ الطرف عنها عندما تكون “المصالح العليا للدولة” متناقضةً مع مضامينها؟ بل عندما تُقتل هذه الأفكار على مذبح الحسابات الداخلية، الانتخابية خصوصا؟ هو أيضا يستنجد بتراثٍ قديم، هو عزّة فرنسا وثوابتها. ولكن، كما لم يطوِّر المسلمون دينهم ولم يصلحوه، كذلك، لم يصلح ماكرون “دينه” العلماني الجمهوري، بحيث يتماشى مع واقعه الداخلي ويعالجه. لتصبح “الأنوار”، في هذه الحالة، ميراثا جامدا هي الأخرى. ويكون إنطفاؤه بتحويله إلى “الصواب السياسي”، الذي بتكراره، يعْطب حرية التفكير نفسها، ومعها حرية التعبير. ومعه مصير المهاجرين والمقيمين على حدّ سواء.

————————-

“إلا رسول الله”: السكين مقابل الرسوم/ ديانا مقلد

إنها مقتلة متنقلة تحت شعار “إلا رسول الله”، لكن هذا الشعار ليس سوى تمويهاً خبيثاً يراد منه الحفاظ على “قداسة” زعماء وحكام، وتزخيم شعبية متوهمة.

إشهار سكين وقطع رؤوس وطعن أبرياء مقابل رسوم ساخرة. هذه معادلة يستحيل أن تستقيم.

ما حصل في الأيام الأخيرة من أزمة حول الرسوم الساخرة الفرنسية وما تبعها من حملات تحريض غلبت فيها التعمية على الدم المراق والروح المسلوبة لمصلحة “المقدس”، هو أمر لن يدفع ثمنه أحد بقدر ضحايا التضليل باسم الدين.

والجرائم المرتكبة سواء بحق المدرّس صامويل باتي أو بحق مصلين في كنيسة في نيس، هي من البشاعة والقوة بحيث يصعب حصر الجرم بمرتكبيه، خصوصاً حين ينحرف النقاش ليصبح عن صوابية نشر رسوم ساخرة، بدل حصره بفظاعة القتل والذبح بسبب فكرة مهما اعتبرناها مزعجة.

وحين يكرر قادة وزعماء ووسائل إعلام عبارات من نوع “الرسوم المسيئة للإسلام” على نحو ما تفعل قناة “الجزيرة”، بما يثبت في ذهن الرأي العام التلازم بين الرسوم وحق التعبير وبين الإساءة للمقدس بوصفه كبيرة من الكبائر، فهم عملياً يشرعون الباب أمام موتورين ممن هجموا وقتلوا الأستاذ والمصلين وأبرياء آخرين.

إنها مقتلة متنقلة تحت شعار “إلا رسول الله”، لكن هذا الشعار ليس سوى تمويهاً خبيثاً يراد منه الحفاظ على “قداسة” زعماء وحكام، وتزخيم شعبية متوهمة. فأن يظهر الرئيس التركي ينشد “طلع البدر علينا” ويتصدر حملة الهجوم على فرنسا كونه “يذود عن كرامة المسلمين”، فيما هو ينتهك يومياً حقوق وكرامات شعبه وشعوب أخرى تورط نظامه بدمها فهو أمر بالغ الرثاثة.

كيف نصدق من انبروا يهاجمون الرسوم الساخرة وهم منتهكون مستبدون فاسدون تنبغي محاكمتهم؟

لكن كيف السبيل لمثل هؤلاء في البقاء في حكمهم وكسب ودّ البسطاء والمحابين سوى باستخدام سطوة القداسة والشعبوية، سلاحاً في وجه من يقول فكرة أو ينشر رسماً ساخراً.

والمقدس هنا كلمة تضيق وتتسع بحسب الحاجة، ولن تتوقف عند حدود رسوم، بل شهدنا كيف يساق كثيرون في دول “إسلامية” وعربية الى المحاكم والمقاصل بتهم لا تختلف عن تلك التي قتل رسامو “شارلي ايبدو” بسببها.

الغرب العنصري

والنقاش حول الرسوم الساخرة وما تبعه من جرائم، حاول البعض استدراجه نحو نقاش العنصرية في فرنسا والغرب وهذا نقاش محق وضروري، لكن محاولة كثيرين الهروب من نقاش واقع المجتمعات المسلمة للقفز نحو مسؤولية الغرب هو سقوط آخر.

فالعلمانية الفرنسية والغربية عموماً ليست نفياً للحق في الإيمان بل هي تتمحور حول حياد الدولة والفكر إزاء الدين، وهذا ما فشلت به مجتمعاتنا العربية والاسلامية.

مدينة نيس الفرنسية عقب الجريمة

مذ أعلن أبو بكر البغدادي خلافته المزعومة عام 2014 وشرع تنظيمه الإرهابي بارتكاب مجازر مرعبة باسم الإسلام، تعالت مطالبات لأكبر مؤسسات الإسلام السني أي الأزهر، بإعلان تكفير التنظيم، لكنه لم يفعل.

دان الأزهر إرهاب التنظيم ودعا إلى محاربته لكنه رفض حسم تكفيره وإخراجه من الإسلام.

بالأمس قرر مجلس حكماء المسلمين في الأزهر مقاضاة صحيفة “شارلي ايبدو” التي نشرت رسوماً ساخرة عن النبي وطلب تجريم السخرية من الإسلام.

ليس هذا الموقف محصوراً بالأزهر، لكنه موقف يمتد ليشمل قياديين إسلاميين كثر. صحيح أنهم أدانوا إرهاب “داعش” لكنها إدانة لم ترق إلى الشراسة والحماسة اللتين أثارتاهم حيال رسوم ساخرة.

فما الذي يجعل رسوماً أكثر إزعاجاً من قتل أبرياء؟ وما الذي يجعل من السهل قتل كتّاب ومفكرين وسجنهم وتكفيرهم كما حصل مع عشرات المثقفين والنشطاء في دول عربية واسلامية.

لا تمكن محاصرة الفكرة والرسوم بفتوى أو قانون أو حتى بالقتل.

ففي عصر لا إمكان فيه لتمويه التعبير الفني أو الموقف الفكري أو السياسي أو إخفائه، من الصعب الطلب من أحد ألا يسخر أو ينتقد أو أن يجدف من معتقد مهما كان يراه البعض مقدساً.

إشهار سكين وقطع رؤوس وطعن أبرياء مقابل رسوم ساخرة.

هذه معادلة يستحيل أن تستقيم.

يتابع العالم ما يحدث في فرنسا، وما يفعله الرئيس ايمانويل ماكرون في مقاربته الإسلام الراديكالي بحسب وصفه.

مقاربة مواقف ماكرون من زاوية تاريخ فرنسا الاستعماري الذي حتماً يستحق النقد، قد تكون مشروعة، لكنها الآن في هذا الوقت والظرف ليست سوى تمويه رخيص وهروب من مسؤولية القيادات الإسلامية وزعماء المنطقة عن إنتاج هذه الثقافة.

فرنسا دفعت أثماناً باهظة للتخلص من هيمنة الدين على الفضاء العام،

وهذا إنجاز تاريخي ما زالت تفتخر به، بل وتدافع عنه في وجه اليمين السياسي واليسار الراديكالي والرجعية الظلامية، وهو تلازم مع إخفاق أوروبي بدأ منذ ثورات الربيع العربي، التي أجهضها بأبشع الوسائل حكام ديكتاتوريون، ما أخرج ملايين المهاجرين العرب والمسلمين إلى دول أوروبا بحثاً عن الأمان والاستقرار والحياة.

ومسألة السخرية من الأديان والأنبياء ومعتنقيها أمر تجاوزه الفرنسيون والغربيون عموماً، ولا يثير الكثير من الجلبة. إذاً، المشكلة ليست في صحيفة “شارلي إيبدو” بل هي أولاً في الثقافة التي تواجه المختلف بالقتل، والمرأة بالحجب، والحريات بالتحريم، والعلمانية بالتكفير، والمغاير بالازدراء والسجن والنفي والقتل.

هذه ثقافة مؤسساتية لها مساحتها في مناهج التعليم ومؤسسات الدول وفي قرارات الحكام ورجال الدين بل وحتى المثقفين التابعين لهم.

هذه الثقافة جندت قتلة وإرهابيين من أقاصي الدنيا وهي نمت بوصاية إسلام سياسي وبسلطة حكام مستبدين.

تلك الثقافة قتلت مدرّس التاريخ الفرنسي وقبله وبعده أبرياء كثر، فرسوم “شارلي إيبدو”، لم تكشف لنا إلا عمق أزمة النص الديني والاستعصاء السياسي في فهم معنى الحريات وحقوق الإنسان.

درج

——————————————

جريمة نيس والوعي المزدوج المفتوح على الشعبوية/ إيلي عبدو

جريمة نيس وما سبقها وما سيتلوها، جرائم ستُستقبل بوعي ممانع محصن تجاه أسئلة التصادم بين منظومتين للقيم، والبحث عن تسويات بينهما…

لا تغير جريمة نيس التي راح ضحيتها ثلاثة أشخاص، من وعي راسخ عندنا، له شقان، إسلامي وثقافي، يتداخلان أحياناً ويتصادمان أحياناً، لكنهما يفرزان ذات النتائج، مظلومية متواصلة وكراهية للغرب.

الأول أي الإسلامي، يبني أسانيده على تصور للدين، يجعله منظومة مطلقة لا تقبل أي تسويات أو تنازل لصالح قيم أخرى، تتعلق بالجمهورية أو العلمانية، دون التمييز، حتى بين الفروع والأصول، والتعامل ما هو قابل للتفاعل مع الشرط التاريخي. ومن هنا، يصبح مسلمي فرنسا كتلة واحدة صلبة مستوية لا يشوبها أي تنوع أو اختلاف، هؤلاء تبعاً لهذا التفكير، جزء من أمة واحدة أفرادها ينتمون إلى أفكار وقيم وسلوك، وتحولات الزمان والمكان لا تغير من هذه العناصر، بل تدفعها إلى حدود الاستنفار للدفاع عن نفسها في مواجهة، التهديدات المتمثلة بالاندماج والبيئات الثقافية الجديدة.

أما الشق الثاني، فيتعلق، بخلطة ثقافية متناقضة تجمع بين معاداة الاستشراق وتبني نظريات يسارية قديمة ضدية تجاه الغرب، تضم في متنها تكراراً عن مظلومية المركز والأطراف، وهيمنة الحداثة وابتلاع الثقافات الفرعية، وفرض الثقافة المنتصرة على الشعوب الضعيفة، والنتيجة، تثبيت فرنسا في حقبة الكولونيالية، وسط اجتزاءات حيال الأخيرة، تجعلها فقط قتلاً للشعوب المستعمرة وقمعها ونهبها ومنعها من التكون كدول. والحال فإن كل عنصر من عناصر هذه الخلطة، منزوع من سياقه، ومُسقطٌ على ظروف غير ظروفه، ويجري زجه في شبكة علائقية أجزائها متناقضة، تفرز ذات النتائج مهما تغيرت البيئة التي يتم العمل عليها مكاناً للتحليل. وعليه فإن المسلمين، تبعاً للخلطة تلك، يمكن استبدالهم بأي شعب آخر، ينطبق عليها شروط الضحية التي تواجه الحداثة الغربية وهيمنتها.

وإن كان ما هو إسلامي، يبعد المسلمين في فرنسا عن موقعهم الحقيقي، كمواطنين في دولة علمانية، يصنعون تسويات بين ما يؤمنون وبين القوانين الناظمة لدولتهم، فإن ما هو ثقافي، يبعد فرنسا نفسها عن موقعها بوصفها دولة مسؤولة عن مواطنيها، ومعنية بطرح أسئلة، حول المهاجرين وقسوة التعامل الأمني معهم، وتطوير أدوات الاندماج. بمعنى، أن الجزء الثقافي من الوعي السابق، ينظر إلى فرنسا كمعادية للمسلمين بسبب طبيعتها “الكولونيالية” و”الاستعمارية”، ولا ينظر إليها كدولة لها مشاكل مع المسلمين، بسبب تصادم هوياتي، وأخطاء في السياسات المتبعة.

والتراوح بين شقي الوعي هذا، تبدى بشكل واضح في التعامل مع المسار الذي سبق جريمة نيس، وتداخله مع مسائل تتعلق بقيم الجمهورية الفرنسية، وقضية الرسوم، وقطع رأس المدرس الذي عرضها أمام تلاميذ. إدانة جريمة قتل المدرس، جاءت مشوبة بنقد تعامل فرنسا مع المسلمين، و”قمعها” و”اضطهادها” لهم، وكذلك بنقد تاريخها الاستعماري والعنف الذي مارسته في الماضي. وحرية التعبير جرى ضبطها بعدم الإساءة، وكذلك بنقد ثقافي يشكك في الحداثة وقيمها، والعلمانية الفرنسية صنفت معادية لمسلمين، وكذلك قسرية ونمطية ولا تراعي الحساسيات، بمعنى آخر، كل مسألة أو جزئية تمت معالجتها تبعاً لشقي الوعي السابق.

ولعل توحد الأعداء والمتحاربين ضد بعضهم البعض، في منطقتنا، على موقف واحد من مسألة الرسوم والإساءة والنظرة لفرنسا، يبين سيولة هذا الوعي، وقدرته على امتصاص أي ظاهرة، وإعادة إفرازها بشكل شعبوي مفتوح على التوظيف السياسي. فإيران وأعداؤها و”حزب الله” وأعداؤه، وتركيا وأعداؤها، وأنصار الثورة السورية وأعداؤهم، والإسلام السياسي وأعداؤه، الجميع توحدوا على موقف متشابه، مع تفاوت في حدة الخطاب وهوية المستهدف منه.

جريمة نيس وما سبقها وما سيتلوها، جرائم ستُستقبل بوعي ممانع محصن تجاه أسئلة التصادم بين منظومتين للقيم، والبحث عن تسويات بينهما، وعي يدين بشروط، وبحجة وضع الجرائم في سياق، يأخذ الجدل إلى مكان آخر، مختصراً فرنسا بسلبيات كولونياليتها، ومنتزعاً مسلميها من بيئتهم. والخطير أن هذا الوعي الذي يتجاهل أصل المشكلة، وينقلها إلى “الخصم”، يتلاقى مع آخر فرنسي لا يقل عنه سوء في أدوات الفهم مع اختلاف البناء والخلفيات، ذاك أن اليمين المتطرف سيجد في جريمة نيس فرصة ذهبية لتصعيد الشعبوية واختراع أوهام حيال المسلمين، خصوصاً أن الذبح حصل قرب كنيسة خلال الجريمة.

————————————

نزع أهلية الإسلاميين وتغييب القول السياسي للراديكالية/ محمد سامي الكيال

تثير العمليات الإرهابية، التي تحدث في فرنسا، أصداءً أكثر حدة من المعتاد، فعلى الرغم من أنها ليست البلد الوحيد الذي يتعرّض لأعمال عنف مرتبطة بالتطرّف الإسلامي، إلا أنها تبدو ميداناً خصباً لطرح كل القضايا الأشكالية حول الإسلام السياسي: الغرب، العلمانية، التاريخ الاستعماري، الهجرة والتهميش.

هذه المجموعة من القضايا تُعالج عادةً من منظورين، الأول «أزمة الإسلام» في الدول الغربية، بوصفه ديناً يعاني مشاكل متعددة في التعامل مع المنظومات الديمقراطية العلمانية المعاصرة؛ والثاني أزمة الغرب مع الإسلام، على اعتبار أن الحكومات الغربية غير قادرة، أو غير راغبة بالتعامل مع تاريخها الاستعماري، والتصدي للإسلاموفوبيا والتمييز البنيوي ضد المسلمين. وعلى الرغم من أهمية هذين المنظورين إلا أنهما يحصران المشكلة دوماً في مواجهة مزمنة بين طرفين متناقضين، ويعزلانها عن سياق عالمي أكبر، قد تؤدي ملاحظته إلى طرح أسئلة أكثر فائدة عن المشكلة الإسلامية المعاصرة.

يمكن تعديل منظور «أزمة الإسلام» قليلاً بالتذكير أن كل نظرة شمولية للعالم، حتى لو كانت غير دينية بشكل مباشر، قادرة على إنتاج أنماط أيديولوجية شديدة التطرف. جماعة «الدرب المضيء» في البيرو مثال جيد على هذا، فقد ارتكبت هذه الجماعة الماركسية المسلّحة جرائم بحق المدنيين، لا يمكن مقارنتها إلا بممارسات تنظيم «داعش»، ومنها إعدام الناس رجماً بالحجارة، التدخّل في حياتهم الشخصية وسلوكهم الجنسي، التعذيب الوحشي والاختطاف. أما منظور أزمة الغرب مع الإسلام فيمكن نقده بالتذكير أن الغرب لم يستعمر الدول الإسلامية فقط، كما أن «مهمشي» الضواحي، ومن يعانون العنصرية والتمييز، ليسوا جميعاً مسلمين، رغم هذا لا يرتكب سكان الضواحي من أصول فيتنامية أو هاييتية أو توغوية، وهي كلها مستعمرات فرنسية سابقة، ذات أغلبية غير إسلامية، أعمالاً إرهابية، شبيهة بقطع رأس مدرس تاريخ، أو قتل رسامين في جريدة ساخرة.

بناءً على هذا فلا يمكن اعتبار الفعل الإرهابي ردة فعل ميكانيكية على ظروف معينة، مثل الاضطهاد الثقافي والتهميش الاقتصادي، بل هو دوماً فعل ذو أبعاد سياسية وأيديولوجية، تعمل لتقديم تفسير اجتماعي للمعاناة المفترضة لمرتكب الفعل، وإسباغ معنى ما عليها، وتعطي للفعل العنيف طابعاً سياسياً هادفاً، فتحوله من مجرد جريمة إلى ممارسة أخلاقية. الأيديولوجيات الإسلامية المعاصرة قادرة على تأمين هذا النوع من الغطاء السياسي والأيديولوجي، إلا أنها لا تعمل فقط بناء على تراث متأصل، بل ضمن ظرف عالمي معقد، يعطيها دوماً أبعاداً جديدة.

ما يفتقر إليه التحليل التاريخي أو الثقافي عن أزمة لدى كيانات متعالية، مثل الغرب أو الإسلام، محاولة استكشاف البعد السياسي للأعمال الإرهابية، فضمن أي شرط سياسي تعمل الراديكالية الإسلامية المعاصرة؟ وما القول السياسي لقاطعي الرؤوس، الذي يُغفل سماعه كثيرون؟

يسار نزع الأهلية

يأتي المتطرفون من بيئات متعددة، لا تنطبق عليها بالضرورة صفه التهميش، أياً كان تعريف هذا المفهوم، المتسم بكثير من الميوعة. ولكن إذا اعتبرنا أن «المهمشين» هم سكان الضواحي الفرنسية والأوروبية عموماً، فنحن لا نتحدث هنا عن عشوائيات عالمثالثية، بل عن مناطق كانت تاريخياً أحياء الطبقة العاملة، البيضاء منها والمهاجرة. المسلمون، مثل غيرهم من سكان هذه الضواحي، اعتُبروا دوماً خزّاناً انتخابياً لأحزاب اليسار. ولم تبدأ أسلمة قضية المهاجرين والعمال الضيوف، إلا منذ تسعينيات القرن الماضي، بعد أن التقى «المنعطف الثقافي» في الأيديولوجيا الغربية اليسارية بتقدم «الصحوة الإسلامية» عالمياً.

لطالما اعتبر اليسار، بتنويعاته المختلفة، نفسه ممثلاً عن فئات مُستغَلّة أو مظلومة، وحاول أن يبثّ الوعي بين هذه الفئات، إلا أنه اعتبر جمهوره دوماً كامل الأهلية: أفراد منتجون قادرون على اتخاذ موقف سياسي واعٍ، وبإمكانهم تغيير التركيبة الاجتماعية بأكملها، نظراً لموقعهم المركزي فيها. الأهم أنهم يستطيعون فهم وضعهم الاجتماعي بشكل مطابق، بعيداً عن «الوعي الزائف»، الذي تنشره الأيديولوجيا السلطوية، ما يجعلهم مؤسسين لتنظيمات سياسية وثقافات مضادة قادرة على التغيير.

يتسم منظور ما يسمى يساراً اليوم بسمات معاكسة: المنتجون يصبحون مهمشين وضحايا، وبعد أن كان التعويل على تحويل المضطهدين إلى ذوات سياسية فاعلة، تُثوّر الحيّز العام، صار يجب إنقاذهم من «الاعتداءت» التي يحفل بها هذا الحيّز. ومن هنا صار التجديف، ونقد الدين المنظّم، اعتداء على مجموعات مهمشة بأكملها، بعدما كان ركناً أساسياً من أي ثقاقة يسارية منذ عصر التنوير. الأكثر إثارة للانتباه، اعتبار الفعل السياسي للمهمشين، وهم في حالتنا منفذو الاعتداءات الإرهابية، رد فعل وليس عملاً واعياً مستنداً إلى أيديولوجية ذات تماسك واتساق معين. وكأن القتلة كائنات لا تمتلك وعياً، بل تعمل على أساس غرائز لا يمكن كبتها أو تنظيمها. يمكن اعتبار هذا أكثر من «طفلنة» الضحايا، التي يُتهم بها اليسار عادة، فهو أشبه بـ»حَيوَنة» لأبناء الضواحي، يصعب جداً عدم اتهامها بالعنصرية.

لو اعتبرنا أن المسلمين يعانون اضطهاداً هيكلياً، تمارسه الدولة الفرنسية، فالمفترض أن أيديولوجيا تستهدف معلمي المدارس ورسامي الكاريكاتير، وليس مسؤولي الحكومة وضباط الشرطة مثلاً، مضرّة بشدة بقضيتهم، ويجب أن تكون مواجهتها على رأس اهتمامات أي منظور يساري متعاطف. يبدو أنه لا توجد قضايا سياسية لأي فئة، من منظور ما يسمى يساراً اليوم، فالأهم هو إثبات القدرة على التفهّم، أي تعزيز النرجسية الأخلاقية، من خلال إظهار إمكانية المنتمي لأيديولوجيا «التنوع» على إبداء نوع من التعاطف، المتعالي والمُبطّن، مع أي فعل تقوم به «الضحية»، مهما كان وحشياً أو رجعياً، أو يعكس غباءً سياسياً. تغييب قدرة «الضحايا» على الممارسة السياسية، وطمس قولهم السياسي، جانبٌ من تفكيك شامل للحيز العام، ونزع السياسة من المجتمع، يساهم فيهما ما يسمى يساراً اليوم، بعد أن صارت أيديولوجيته، لأسباب بنيوية شديدة التعقيد، التيار السائد سلطوياً، عبر سلسلة طويلة من المؤسسات غير الحكومية، والشبكات الإعلامية والثقافية الكبرى.

ماذا يقول الراديكاليون؟

إذا اعتبرنا الراديكاليين الإسلاميين أفراداً واعين وكاملي الأهلية، أي رأيناهم أنداداً لنا، وتجاوزنا النظرة الاستعلائية تجاههم، فقد يظهر قولهم السياسي أكثر وضوحاً مما يظن كثيرون: إحداث تغيير سياسي وقانوني شامل، عن طريق الاعتراف بوجود طائفة، ذات مرجعية غير متسقة مع المرجعية الدستورية القائمة، تسعى لبلورة تمثيل سياسي ما لها. يمكن رصد استجابتين مهمتين لهذا المشروع: الأولى قانونية، نجدها في تصريحات سابقة لمسؤولين باكستانيين، طالبوا بتعميم قانون التجديف الباكستاني دولياً، وهو القانون الأقسى في العالم؛ وكذلك في تصريحات مشيخة الأزهر، التي دعت لسن قانون عالمي يمنع «الإساءة للأديان».

الاستجابة الثانية سياسية، ومثالها الأبرز الدور الذي يحاول الرئيس التركي أردوغان لعبه، بوصفه الوصي السياسي على مجتمعات المهاجرين المسلمين في أوروبا. زياراته الإشكالية السابقة لألمانيا ، وتصريحاته عقب الأحداث الفرنسية الأخيرة، تدّل على محاولة واعية لجني مكاسب سياسية من أفعال الراديكاليين الإسلاميين.

تعمل جهات إسلامية متعددة، بدون تنسيق كامل بالضرورة، على خزان بشري ممن يمكن تسميتهم، ببعض الاستعارة من بلاغة اليسار الهوياتي، «ذكوراً مسلمين غاضبين»، لكسب موطئ قدم سياسي، وهيمنة أيديولوجية في الدول الغربية، وهو مشروع طموح ، إلا أنه يعاني من إشكاليات أساسية.

أزمة إسلام «التنوع»

إذا كان الحديث عن أزمة الإسلام، بوصفه كياناً فوق تاريخي، لا معنى سياسياً له، يمكن التفكير بأزمة الأيديولوجيات الإسلامية في الغرب، ضمن سياقها المعاصر: مجتمعات «التعددية الثقافية». يبدو الإسلاميون المعاصرون، على اختلاف مشاربهم، مهتمين باستعارة عناصر كثيرة من خطاب اليسار الهوياتي، أو بالأصح إيجاد مكان سياسي- مؤسساتي لهم، مثل بقية مجموعات الهوية، التي تطالب بـ»التمكين» و»مراعاة الحساسيات». إلا أن الجماعات والمنظمات الإسلامية في الغرب ليست مجرد ممثل عن مجموعات هوية، بل تعمل أيضاً بوصفها مرجعية فوق دولتية، ولدى مقارنتها بحركات التظلّم المعاصرة، يندر أن نجد جماعة هوية أخرى تملك شرائع متكاملة، ومنظوراً ثقافياً كونياً منافساً لحاكمية الدول القائمة. ربما كان على الإسلاميين أن يحلّوا التناقض الأساسي في أيديولوجيتهم: كونية الدعوة الإسلامية وشموليتها، مقابل الخصوصية والنسبية الثقافية التي يفترضها طرحهم لذاتهم، بوصفهم ممثلي جماعة هوية في الغرب. هذا التناقض يضع الحلفاء المزمنين للإسلاميين أنفسهم، من يساريين هوياتيين ومعادين للإمبريالية في الغرب، في موقف محرج. فمن الصعب الدفاع عمن يدّعون تمثيل «أقلية مضطهدة»، وهم في الواقع يتصرفون بوصفهم أمناء على حقائق كونية، تمكّنهم من محاكمة الآخرين وأنماط حياتهم.

قد تكون إحدى أهم أزمات المشروع السياسي للإسلاموية المعاصرة عدم قدرته على الاندراج، بشكل مرضٍ، ضمن النسخة الحالية من الليبرالية- اليسارية، رغم اعتماده عليها سياسياً، وهنا لا تعود مشكلته مع علمانية الجمهورية الفرنسية وحدها، بل حتى مع أكثر مجتمعات التنوّع احتفاءً بالتسامح.

٭ كاتب من سوريا

القدس العربي

—————————

لمصلحة مَن تعميق «الإسلام – فوبيا»؟ عن مسرح العبث الأيديولوجيّ العموميّ في جمهوريّة الأنوار/ ندى حطيط

حادثة مقتل أستاذ ثانويّة فرنسي ذبحاً على يد شاب مسلم متديّن، ومجموع ردود الأفعال، التي تردد صداها في وسائل الإعلام – في فرنسا ذاتها رسمياً وبين المجموعات العرقيّة والدينيّة التي تقطنها، كما في الغرب عموماً وبالطبع عبر العالم الإسلاميّ من بروناي إلى المغرب – استعادت إلى الأضواء مجدداً مسألة تزايد رهاب الإسلام (إسلام – فوبيا) في جمهوريّة الأنوار، خلال العقدين الأخيرين، والتي استبدلت بشكل غرائبي متراكم تلك النماذج الكلاسيكيّة للعنصرية الفرنسيّة المشهورة منذ العصور الإمبرياليّة لتصبح اليوم غلافاً مثيراً لأيديولوجية عنصريّة ما بعد حداثة النّخبة الفرنسيّة وحكماً الدّولة التي تهيمن عليها.

ورغم المحاولات الحثيثة التي يبذلها الفريق الليبراليّ الحاكم بقيادة الرئيس ماكرون وجوقة الشوفينيين الفاشيين في التلفزيونات والصحافة والأكاديميات لإدراج مسألة نشر الرسومات المسيئة لنبي الإسلام (صلى الله عليه وسلم) في الإطار البرّاق لحريّة التعبير والرأي والاعتقاد – وهي قيم تفاخر بها فرنسا العالم، لكنّها لا تُستدعى إلإ ضدّ المسلمين، بينما يعاقب بشدّة مثلاً من يشكك بتاريخيّة «الهولوكوست» أو يدين الصهيونيّة، فإن الحادثة الأخيرة لا يمكن في أي حال قراءتها بمعزل عن مجمل السّياق الكليّ لعلاقة الجمهوريّة بالإسلام، أقلّه في طورها الجديد منذ بداية الألفيّة الثالثة.

لا يمتلك المراقب لتطورات الحياة في فرنسا إلا أن يلحظ تلاقي جهات عدّة من مختلف ألوان الطيف في المشهد السياسي لهذا البلد ومنذ بعض الوقت على وصم جماعيّ للمسلمين كتلة واحدة بوصفهم مصدر تهديد حضاري وجوديّ للغرب وقيمه وثقافته وأسلوب حياته.

وقد تسربت هذه السرديّة عن مكوّن أساس من الواقع الفرنسي (حوالي 5 ملايين نسمة) رويداً رويداً على أيدي السياسيين اليمينيين الشعبويين والإعلاميين المنحرفين المرتزقة إلى سياسات رسميّة عنصرية ممنهجة تتفوق في مقدار العبث الذي تحمله على أسوأ منتجات الفاشية الأوروبيّة قبل الحرب العالميّة الثانية، توجه كقوّة عمياء ضد الآخر – المسلم –المختلف، ليس فقط لناحية موروثه الثقافي أو عقيدته الدينيّة، بل تمددت لتشمل بلد المنشأ (العربي المسيحي كما المسلم) أو نمط اللباس، أو النظام الغذائي أو لون البشرة أو حتى الحي السكنيّ إلى غيرها من الدّلالات على التناقض مع الفرنسي الأبيض – النموذج -، والتي تؤهل أصحابها للتصنيف تحت نمط من السكان اللامنتمين والذين هم لذلك بحاجة إلى رصد ومتابعة وقائيّة وتدخلات حاسمة في شؤونهم حتى أشدّها تفاهة.

فتّش عن الأمريكي، و»الحرب على الإرهاب»

تفشّي ظاهرة «الإسلام – فوبيا» ونشرها الممنهج وتبنيها كسياسات رسميّة ليس مقتصراً بالطبع على الفرنسيّ حصراً، بل هي ظاهرة عمت العالم الغربيّ من أقصاه إلى أقصاه.

في بريطانيا مثلاً، تشكلت في الكواليس آلية معقّدة للتعامل مع هذا «العدوّ الداخلي» المتخيّل تمددت خلال كل المجالات العامة تقريباً، من التعليم والصحة إلى الشرطة ودوائر الهجرة وإدارات المنافذ، ودون شك مختلف أجهزة أمن الدولة.

البرّ الأوروبيّ أيضا، يعجّ بالمبادرات المعادية للمسلمين التي يتولى الإعلام المتواطىء الترويج لها عبر تضخيم «الخطر الآتي من الجنوب» نحو القلعة الأوروبية، ولا يجد سياسيّو تيارات اليمين المتطرّف الديماغوجيّون أفضل منها أدوات لتسويق بضائعهم المسمومة في المجر والنمسا وبلجيكا وإيطاليا وهولندا والدول الاسكندنافيّة، إضافة إلى فرنسا.

والواقع أنّه يمكن الزّعم أن تضّخم «الإسلام – فوبيا» والدّفع بها إلى مقدّمة المسرح الاجتماعي – السياسي تزامنت وبشكل يبدو مدعاة للارتياب مع البدعة الأمريكيّة المسماة «الحرب على الإرهاب» التي أطلقها البوشيّون (نسبة إلى الرئيس جورج دبليو بوش) بعد حادثة 11 سبتمبر/أيلول والتحضير لغزو العراق، وتسارعت تحت مظلتها استراتيجيات مكافحة التّطرف التي استهدفت المسلمين في شيطنة لا هوادة فيها استمّرت في ظل الإدارات المتعاقبة، توازياً مع تكثيف وانتشار العمليات العسكرية الأمريكية في مناطق عربيّة وإسلاميّة وما نتج عنها من موجات لاجئين وهجرة، ووصلت إلى مطلق الهستيريا في عهد جنون الاستعراض الترامبي (نسبة إلى الرئيس دونالد ترامب).

مسرح عبث أيديولوجيّ عموميّ

في فرنسا التي ومنذ ثورة الباستيل عام 1789 وتأسيس الجمهوريّة قدّمت نفسها – زوراً – في موضع التنوير والتحديث والقيم الإنسانيّة والمواطنة، اتخذ إضفاء الطابع العنصري على المسلمين ورسمهم نقيضاً مجسّداً للقيم والحساسيات الوطنية الفرنسيّة أشكالاً خبيثة وسخيفة بشكل خاص تحوّلت في تدحرجها وتراكمها إلى مهرجان مستمر للعبث الأيديولوجي العموميّ يتنافس على مسرحه الجميع – تقريباً مع استثناءات نادرة تؤكد القاعدة: رؤساء جمهوريّة، رجال دولة وموظفون رسميّون، أحزاب وناشطون، مشاهير مهووسون، إعلاميّون متصهينون، عمداء مدن، رجال شرطة واستخبارات، أكاديميّون ومثقفون مرتزقة، فاشيست ويساريّون، أفرغوا طاقتهم على مدى السنوات الأخيرة لتهميش وعزل ومعاقبة أقليّة وازنة من مواطنيهم واللاجئين – ومنهم لسخرية الأقدار أغلبيّة قاتل آباؤها من أجل فرنسا ضدّ أوطانهم الأم المستعمرات ما وراء البحار جنوداً وعمالا وجواسيس ومترجمين – كما ضحايا وفارون من حروب الإمبراطوريّة الفرنسيّة البائدة ومساهماتها الأثيرة الأخيرة في الحروب الأمريكيّة على غير ما بلد عربي وأفريقي ومسلم من أفغانستان إلى ليبيا، ومن مالي إلى الجزائر.

هذا التشكل الجديد للعنصريّة الفرنسيّة خرج إلى العلن مقونناً في إجراءات رسميّة بداية من العام 2004 عندما منعت الفتيات الصغيرات في كل المناطق من ارتداء الحجاب داخل المدارس، ثم حظرت عام 2011 النقاب في الأماكن العامة (رغم أن عدد المتنقبات في فرنسا وقتها لم يزد عن 357 امرأة، وفق الإحصاءات الرسميّة وكثيرات منهن فرنسيّات من ذوات البشرة البيضاء).

وشهد العام نفسه منع المصلين المسلمين من الصلاة في الشوارع قبل أن تصبح الشواطىء وحمامات السباحة محور ذعر وطني شامل بعدما ترك المرشحان الرئيسيان في حملة الانتخابات الرئاسية لعام 2012 (فرانسوا هولاند – يسار، ونيكولا ساركوزي – يمين) كل المصاعب البنيوية المستعصية اجتماعياً واقتصاديّاً لإثارة عاصفة هوجاء حول قرار حمام سباحة بلدي في مدينة ليل بالسماح لمجموعة من النساء ذوات الوزن الزائد (وبعضهن مسلمات) بعقد صف رياضية مائيّة منفصل، وأعلن ساركوزي بصوت عال أن أولئك الذين يدعون إلى هذا التعديل لجداول السباحة إنما يعتدون على مبدأ المساواة – المقدّس في أساطير كهنوت النظام الفرنسي – و«لا مكان لهم على أراضي الجمهورية».

ولاحقاً في صيف عام 2016 عندما أصبحت الشواطئ الفرنسيّة الممتدة مناطق «مغلقة» عملياً على النساء المسلمات إن هنّ يخترن إبقاء أجسادهن مغطاة عند السباحة والتمنع عن مباركة الشمس للتعرّي.

وفرض رؤساء بلديات موتورون حظراً على ارتداء البوركيني، وهو شكل جديد من ملابس السباحة المصممة للنساء المحجبات، وعلى أشكال أخرى من الملابس غير المناسبة للبحر وتم تغريم العشرات من قبل رجال الشرطة الناهين عن المنكر الذين تركوا كل الجرائم، التي يغرق بها المجتمع واندفعوا بحماسة حملة صليبيّة قديمة على تجريدهن من القمصان ذات الأكمام الطويلة قبل أن يلغي مجلس الدّولة الفرنسي الحظر بعد الضغوط، ليلتزم به رؤساء البلديات على مضض.

توظيف رخيص لـ «الإسلاموفوبيا» للأغراض السياسيّة المحضة

في الحادثة الأخيرة المدانة بشدة لذبح الأستاذ الفرنسي – والتي تعكس همجيّة غير مقبولة في مجتمعات بشريّة مستقرّة – كما يُدان في الوقت ذاته أيّ احتفاء بأعمال الكاريكاتير المسيئة لمشاعر المسلمين، والمسّ برموزهم الدينية وعقائدهم فإن وضع الأشياء في سياقها التاريخي والفكري والاجتماعي يُظهر أن النخب الغربية في دول الشمال على اختلاف سياساتها الأيديولوجيّة تشترك معاً بالضيق والتأزّم من صعود دور دول الجنوب، وترى في المسلمين الهدف الأسهل بحكم الجوار التاريخي والجغرافي معاً في صيغة «عدو مثالي» يمكن استنفار عصبيّة قوميّة – دينيّة لذوي البشرة البيضاء (عمّالاً وأصحاب أعمال) ضدّه، لا سيّما بعد أن طال تململ الطبقة الأدنى مهنياً في فرنسا معبراً عنه بحراك السترات الصفراء.

وما لم يقرأ الفرنسيون والغرب هذه الحادثة بوعي وتجرّد ويدينون الأطراف التي تدفع بهم لاستقطابات جانبيّة، فإن أوطانهم على موعد مع المزيد من النزاعات (داخليّة) وأعمال العنف المجاني، ولن يبخل سياسيوها ببعض الآلاف من القتلى والمتألمين إذا كان السعر الذي يتوجب عليهم دفعه للاستمرار في امتلاك مناصب السلطة ومفاتيح الهيمنة.

 إعلامية وكاتبة – لندن

 القدس العربي

 ——————————

لعبة ماكرون… إيقاظ الوحوش القديمة/ سامح المحاريق

هل وصل العصر الذهبي الأوروبي إلى نهايته؟ وهل ستعود أوروبا إلى صراعاتها من جديد؟ مع دخول شتاء 1989 كان مئات الآلاف من جانبي مدينة برلين ينقضون على جدار برلين، في مشهد لم يلبث أن تحول إلى أيقونة عالمية، ومع موسم الكريسماس في السنة ذاتها، كان حفنة من الجنود الرومانيين تردي الديكتاتور المرعب نيكولاي تشاوشيسكو قتيلاً بعد محاكمة قصيرة لا تليق بإنهاء عصر الطاغية، الذي ما زالت رومانيا تحاول التعافي من ظله الثقيل، الذي أطبق على سمائها لعقود من الزمن.

رفعت هذه المشاهد العاطفية، التي نقلت مع شحنة إعلامية متفائلة، سقف الطموحات الأوروبية، ليناهز السماء، فالاتحاد الأوروبي يمكن أن يصبح حقيقة، ودائرة الانتقام التي تورط الأوروبيون في فصولها على امتداد قرون من الزمن، يمكن أن تصلح جزءاً من الماضي، فالفرنسيون والألمان والإيطاليون يعيشون أجواء من التفاهم، ويتطلعون إلى ئغطلاق مرحلة جديدة من تاريخ القارة.

في تشكلات العقل الأوروبي الحديث، تقود ثلاث مدارس أساسية توجهات المزاج العام، الألمان والفرنسيون، ومن ورائهم الإيطاليون، والإسبان على ضفاف المتوسط، وعدا ذلك فالمشاركة في تشكيل العقل الأوروبي، مشاركات هامشية من اليونان ورومانيا وبولندا والدول الاسكندنافية. العقل، أو الروح الأوروبية، إذا كنا سنأخذ منظوراً رومانسياً إلى حد ما، والفترة التي نعالجها تشجع على ذلك، اتُخذت لتبرر صعود الأوروبة، مجموعة من الأفكار المرتبطة بالحرية والمساواة والتسامح والرفاه الاجتماعي، أي ما يوحي بتقديم إبراء ذمة من التركة الثقيلة لحروب القارة، التي أوصلتها إلى الحرب العالمية الثانية، الأكبر والأشرس في تاريخ البشرية، ولكن ذلك لم يكن يقوم على أرضية صلبة، كما أظهرت أزمة كورونا الأخيرة، حيث توجه العديد من الدول بانتقادات للتضامن الأوروبي وقتها، وشعرت بأن الأزمة كشفت جزءاً من الخلل القائم في أوروبا. الدخول إلى الجنة الأوروبية بقي حلماً يراود الكثير من الدول في محيط القارة العجوز، ولكن القارة على ما يبدو لا تتحمل تداخلاً ثقافياً كبيراً، وتفضل أن تحصل على حاجتها السكانية، ضمن عملية اندماج يمكن أن تتحول إلى تنميط مع الوقت، فالقادمون الأرثوذكس بجانب الكاثوليك والبروتستانت، يحدون من استقرار العلمنة التي وجدها الأوروبيون حلاً لحروبهم القائمة على أسس قومية ـ دينية، بينما يشكل المسلمون تحدياً مباشراً للقيم الأوروبية الحديثة ونزعتها للتسوية والاختزال، والاختزال في هذا السياق يعني إقرار نموذج الإنسان الأوروبي المنتج، الذي يتسق مع القيم الجديدة بصورة آلية طالما أن استقراره الاقتصادي الذي تحركه العملة الموحدة، تفرضه القوى المهيمنة في السوق الأوروبي، ألمانيا، وبدرجة أقل فرنسا.

مؤخراً بعد صعود تيارات التطرف الديني، التي تجد وشائج مع حالة الاضطهاد والإقصاء للأقليات المسلمة في أوروبا، أصبح المسلمون يشكلون صداعاً لأوروبا، فاللجوء والهجرة غير الشرعية، ومعدلات الخصوبة، كلها عوامل جعلت تزايد أعداد المسلمين يرهق، ومن ثم يدفع ببرامج الاندماج إلى الفشل، وأصبحت أوروبا أمام حقيقة جديدة ومخيفة إلى حد ما، وسؤال يتهرب منه الجميع، هل يبني المسلمون الغيتو الخاص بهم في القرن الجديد، وهل يعني ذلك بالتبعية أن تستيقظ الفاشية من جديد؟ الأيام الأخيرة العاصفة في فرنسا، بعد مقتل المدرس الفرنسي، الذي عرض الرسوم المسيئة لنبي الإسلام، والتصريحات الرئاسية المتشنجة التي أخذت تتحدث عن قيم الجمهورية، وكأنها مناقض كامل ونهائي وقاطع مع القيم الإسلامية، والمقاطعة للمنتجات الفرنسية، والتراشق مع تركيا، ودخولها طرفاً على الأزمة، كلها عوامل تطرح مخاوف كثيرة حول ما إذا كان المسلمون سيتحولون إلى وقود جديد لإذكاء الماكينة القومية في فرنسا وغيرها من الدول، وهل سيدفع ذلك إلى صراع داخل الاتحاد الأوروبي، خاصة أن ألمانيا تبدي تعطشاً لمزيد من اللاجئين أمام مخاوف ديموغرافية هائلة، تذهب إلى تراجع كبير في عدد سكانها خلال العقود المقبلة؟

دخول ماكرون على الخط، يشكل تعقيداً للموقف لأنه يظهر تحالفاً مع اليمين المتطرف، فالدفاع عن حرية الأفراد والجهات في التعبير، مع أنه يظهر وهماً عند التطرف للهولوكوست مثلاً، يختلف عن تبني الدولة نفسها لرسومات مسيئة بهذه الصورة، فالخلاف بين المسلمين الفرنسيين، ومن يتبنون الصور من الفرنسيين يبقى مسألة صراع داخل المجتمع، يمكن أن يتم حله من خلال الفعل السياسي بتعديل القوانين مثلاً، وإلحاق الرموز الدينية بالهولوكوست، أو غيره من المقدسات الجديدة، أو حصرها النقد في مجال الأديان في المجال الأكاديمي، أما أن تنحاز الدولة ضد أحد مكوناتها، فهو الأمر الذي ينذر بعملية مباركة ضمنية لأي عنف مستقبلي، فهل ستنتظر فرنسا مشهداً مشابهاً لتحطيم النازيين لمحلات اليهود في المدن الألمانية؟ وما الذي يمكن أن تفعله في مثل هذه اللحظة؟ وهل تمتلك أصلاً تصوراً لذلك؟ أم أن الأمر لا يتعدى محاولة مزدوجة للحصول على أصوات انتخابية بين اليمين لتعويض تراجع شعبية الرئيس ماكرون، والتهام أزمة السترات الصفراء الاحتجاجية داخل أزمة أكبر منها؟

ما يحدث في فرنسا لا يمكن تجاهله لأن فرنسا تسيطر على جانب كبير من تشكيل العقل أو الروح في أوروبا، والنقاش الذي يدور في فرنسا عادة ما يفرض نفسه على الدول الأخرى، بينما العكس لا يحدث عادةً، فالدنمارك أو بلغاريا لا تستطيعان إحداث الأثر نفسه في التوجهات الأوروبية العامة، ولذلك فاللعبة التي يدخلها ماكرون أكبر منه، ومن إمكانياته السياسية والفكرية، وأخطر بكثير من التفاعلات الحالية التي أخذت تتشكل على وقع رعونة سياسية تتجاهل ما هو اقتصادي واجتماعي.

كاتب أردني

القدس العربي

———————

ماذا نحن فاعلون؟/ د. ابتهال الخطيب

دار الحديث مطولاً عن الحريات وأهمية إفساح حيز للرأي الرخيص قبل الثمين لحماية المبدأ في عمقه، إلا أن الأزمة «الفرنسية الإسلامية» ـ إن صح التعبير ـ تشير إلى مشكلة أعمق من مجرد موضوع التعصب لحرية رأي في مقابل تشنج عقائدي، الموضوع لربما يذهب إلى خطة مدبرة، والمسلمون يساهمون في ضبطها ضد أنفسهم دون استيعاب حقيقة تكيفها ضدهم.

ولقد كتب د. فهمي جدعان مقالاً في العربي الجديد بعنوان «في أغلوطة ماكرون ومتعلقاتها» يشير فيه إلى أن هناك من يوهم بأن «الديانة الإسلامية في أزمة» بينما الحقيقة هي أن الأزمة ماثلة في «واقع المسلمين» الذي يتحدد، في الغالب الأعم، في وجودهم التاريخي الثقافي، لا في وجودهم «الديني العقائدي» أو اللاهوتي الذي يجسد ماهية الدين وحقيقته. لأن الحقيقة هي أن هذا «الواقع» هو الذي يحيا «أزمة». يشير الكاتب إلى أن هذه الأزمة تتمثل في الوجود الترامبي في أمريكا، والتصاعد اليميني في فرنسا، والراديكالية الهندوسية في الهند، والشيوعية العازلة في الصين، والانتهاكات البوذية للروهينغا، وغيرها. وعلى حين أنه لا يمكن نفي هذه الأوضاع العسيرة التي يحياها المسلمون «كأقلية سياسية» في أماكن متعددة من العالم، والتي تخلق تهميشاً يصنع كل هذا الغضب وردود الأفعال العنيفة بين الجاليات المسلمة، فإنه لا يمكن نفي أن هناك أزمة قراءة دينية لا تريد أن تتحرك، عابرةً الزمن الذي ولدت فيه الديانة، وصولاً للزمن الذي تعاصره الآن، ولا يمكن نفي وجود مقاومة إسلامية شائعة لكل قراءة تجديدية تخفف من حدة الانفصال بين المسلمين وزمنهم الحالي.

فحوى مقال د جدعان يؤكد أنه لا توجد «أزمة في الديانة» نفسها، وإنما يحيا المسلمون اليوم «حياة مأزومة» لا علاقة لها بمجمل العقائد اللاهوتية الركنية، وهو المفهوم الذي ـ في رأيي ـ يعمق دور الضحية كصفة أساسية في تشكيل الهوية الإسلامية. لا يمكن نفي معاناة المسلمين في بعض أنحاء العالم، إلا أن المسلمين ليسوا الفئة الوحيدة المهمشة أو المستهدفة من العالم كله، كما يحاول بعض المفكرين إظهارها، فهناك فئات عديدة مهمشة ومقموعة في العالم كله إلا أن صفة العنف ورفض النقد والإصرار على امتلاك الحق المطلق أصبحت صفات مستحقة لهم بسبب معاناتهم، وأضحت مفروضة على بقية العالم بسبب تطرفه ضدهم. هذا، وبعض مظاهر التطرف الحادة جداً ظهرت في أكثر المناطق الإسلامية وبين أكثر الأسر المسلمة رفاهية وراحة، أسامة بن لادن ـ مثالاً. نعم، قد يكون بن لادن شاهداً على الوضع الإسلامي في العالم، متأثراً بالحوار الفوبيائي العام تجاه الدين مما دفعه في اتجاه راديكاليته، إلا أنه كان يمتلك من راحة الحياة ومن طيب أمنها ما يُمَكِّنه من مقاومة الحلول المتطرفة، لكنه لم يفعل، ولربما ما دفع به لعدم المقاومة هي القراءات الدينية المأزومة التي يحاول د. جدعان تبرئتها كأحد أسباب المشكلة.

نساهم في المشكلة وفي توضيح وتعميق و«تلوين» الصورة الإسلامية الراديكالية للعالم، ليس فقط برفضنا للنقد تقريباً بكل أشكاله وبادعائنا امتلاك الحق المطلق وبإعطاء أنفسنا الحق في اتهام أديان الآخرين و«إثبات» فشلها وتحريفاتها وضعفها ورفضنا أن يعاملنا الآخر بالمثل، لكن كذلك بردود أفعالنا الصاخبة التي تؤكد للعالم ما يتهموننا به. في حوار لي مع الدكتور والمفكر الكويتي شفيق الغبرا، أشار ببساطة ووضوح إلى عمق المشكلة: نحن نسمح للعالم باستفزازنا من خلال ردود أفعالنا. فعوضاً عن أن نرد الاتهام بالحجة، وعوضاً عن أن نكتب المقالات ونؤلف الكتب وننتج المسلسلات والأفلام التي تحكي قصتنا العقائدية الحقيقية وواقعنا الزمني الراهن… نغضب ونثور، ممعنين في تثبيت التهم الفوبيائية على أنفسنا. نستسلم لخطة ممنهجة لتشويه سمعتنا ونميل إلى أفعال تعمق غرقنا في رمال متحركة لمؤامرة قبيحة لا نريد أن نميزها.

هذا وتبدو المحاولة المستمرة لمقارنة النقد الديني للإسلام بالعنصرية ضد السود ـ مثلاً ـ هي محاولة لا تزيد الطين سوى بلة. فالعنصرية لأسباب بيولوجية كاللون أو الجنس أو العرق لا يمكن مقارنتها بالنقد الأيديولوجي مهما بلغ عنف هذا النقد أو تطرفه. قد يصبح نقداً غير حصيف وغير متزن ليربو على الفوبيا الدينية، إلا أنه لا يمكن أن يتحول النقد الأيديولوجي إلى عنصرية إلا إذا تحول إلى فعل. أعني بذلك أنه أن يكتب أحدهم –مثلاً- مهاجماً الحجاب، فهذا حقه في التعبير عن رأيه، أياً كانت درجة رداءة هذا الرأي، لكن أن يهاجم أحدهم سيدة محجبة في الشارع أو أن يُفَعَّل هذا النقد في صورة قانون يمنع الحجاب فتلك هي العنصرية السياسية والاجتماعية التي يجب محاربتها. نحارب التنفيذ العنصري للأيديولوجيا ولا نحارب الفكرة المكتوبة أو المرئية أو المنطوقة، فطالما بقيت في حيز الكلمات فلا يمكن الرد عليها سوى بالكلمات.

حركات البيض العنصرية لا تزال تجد لها مكاناً في الغرب رغم موتها الإكلينيكي، ولا تصبح تحت طائلة القانون إلا إذا دخلت حيز التنفيذ، حين تتم التفرقة على أساس اللون أو حين يُمارس العنف بسببه. وحتى في حال وجود قوانين تجرم العنصرية اللفظية بسبب اللون، فهذا مفهوم منطلقاتها، فهي عنصرية بيولوجية لا يد للإنسان فيها. الديانة المسيحية تجد ذات النقد الذي يجده الفكر الإسلامي وربما أقسى بكثير، ذلك أن الدين فكر يدخل في حيز النقد، في حين أن اللون هو بيولوجيا مفروضة على الإنسان لا يجب أن تتحمل النقد.

المحصلة أن الحديث المستمر عن حياكة مؤامرة ضد المسلمين، رغم تعزيزها لدور الضحية الكريهة، قد لا تخلو من كل صحة، المهم… ما نحن فاعلون تجاهها؟ هل نقاومها بالتي هي أحسن أم نقويها ونعززها بردود أفعالنا الصاخبة العنيفة؟

القدس العربي

—————————-

العلمانية الفرنسية: سجال الدين والدولة أم عبادة عجل ذهبي؟/ صبحي حديدي

بات مصطلح «الإرهاب الإسلامي» منفلتاً من كلّ ضابط مفهومي أو عقلاني أو منطقي أو تاريخي.

أسفرت النقاشات حول الإسلام في جانب منها عن مسخ العلمانية إلى ما هو أكثر جاهلية من عبادة عجل ذهبي!

هل مسائل العلمانية وحرّية المعتقد وفصل الدين عن الدولة بريئة من بواعث تحرّك سلوك الساسة واتجاهات السياسة؟

انشقاقات كبرى اقتضت اللجوء لـ«مجلس الدولة» الذي أفتى بأنّ غطاء الرأس ليس في ذاته متناقضاً مع مبادئ العلمانية.

قد يتفق معظم الذين يتذكرون النقاشات الفرنسية الساخنة حول حظر الحجاب أنها انطوت على ضرورة صيانة مبدأ العلمانية. 

*     *     *

في كتابه «العلمانية إزاء الإسلام» ولعله ضمن الأعمال المعاصرة الأبرز في هذا الميدان، يذكّرنا المؤرخ وعالم الاجتماع الفرنسي أوليفييه روا بالفارق، الجوهري في الواقع، بين العلمانية الفرنسية Laicité؛ والعلمانية في مفهومها الأوسع، والكوني ربما، الذي يحمله مصطلح Secularism.

الثانية، حسب روا، هي حال تحرّر المجتمع من معنى المقدّس، من دون نكرانه بالضرورة؛ والأولى هي لجوء الدولة إلى «طرد» الحياة الدينية إلى حدود عرّفتها الدولة بقانون.

والفارق يمكن أن يتبدى صريحاً أو حتى صارخاً في إطار سلسلة من المواقف، تلخصها مسائل من النوع التالي:

– فصل الدين عن الدولة (نعم أم لا) وموقع الدين من المجتمع (قوي أم ضعيف) واحتمال أن تكون دولة علمانية بالمصطلح الثاني وليس الأوّل لأنها تقرّ دينا رسميا (بريطانيا، الدانمرك)؛

أو أن تفصل الدين عن الدولة وتعترف في الآن ذاته بدور الدين في المضمار العام (الولايات المتحدة، حيث أقرّت المحكمة العليا استخدام مفردة «الله» في أداء القسم داخل المدارس)؛

أو أن تعلن العلمانية ولا تشير إلى الإسلام في دستورها لكنها لا تفصل الدين عن الدولة (تركيا)..

والحال أنّ العلمانية الفرنسية وجدت تعبيراتها الأولى في قانون 1905 حول فصل الدين عن الدولة، ويومذاك كان «العدو» هو الكنيسة الكاثوليكية، أمّا اليوم فإنّ الإسلام حلّ محلّ الكاثوليكية؛ الأمر الذي يثير السؤال الحاسم: أهذا واقع استمرار، أم انقطاع؟

يتساءل روا: «في نهاية المطاف، هل يدور نقاش الإسلام حول مكانة الدين في المجتمع الفرنسي، أم ـ على نقيض الاستمرارية البادية ـ يُنظر إلى الإسلام اليوم كدين مختلف، حامل تهديد محدد؟ وفي هذه الحالة، أيعود الأمر إلى سمة محددة في الفقه الإسلامي، أم في أنّ الإسلام دين المهاجرين بما يُلقي على فرنسا ظلّ صراعات الشرق الأوسط؟».

ليس خافياً أنّ إشكاليات كهذه، وسواها بالطبع، جثمت بقوّة في خلفيات طرازَين من السجالات حول الإسلام في فرنسا:

– الأوّل يخصّ العلمانية، في نسختها الفرنسية حصرياً، وارتباطها بالقِيَم الجمهورية والهوية الوطنية؛

– والثاني يخصّ الإرهاب (الإسلاموي)، الذي استسهل الكثيرون ربطه مباشرة بالدين الإسلامي عموماً، وليس بعقائد متشددة أو تيارات جهادية.

الحصيلة، في عقود الجمهورية الخامسة أو فرنسا المعاصرة بالأحرى، كانت سلسلة متعاقبة من السجالات، السطحية غالباً والعميقة نادراً، حول «قضايا» مثل الحجاب أو اللحم الحلال أو إضافة لحم الخنزير إلى الوجبات المدرسية، في الطراز الأوّل؛ وما إذا كانت الديانة الإسلامية، بوصفها ثقافة وشريعة أيضاً، حاضنة محرّضة في ذاتها على الإرهاب، ضمن الطراز الثاني.

ويندر أن يشهد بلد مثل بريطانيا أو ألمانيا أو الدانمرك انشقاقات كبرى في صفوف الأحزاب السياسية والرأي العام والصحافة اليومية وأروقة الجامعات، شبيهة بما شهدته فرنسا في سنوات 1989 و1994 و2003 و2004 و2010 و2016 و2017 حول الحجاب مثلاً!

فاقتضت اللجوء إلى «مجلس الدولة» الذي أفتى بأنّ غطاء الرأس ليس في ذاته متناقضاً مع مبادئ العلمانية؛ أو تشكيل «هيئة ستاسي» وما أعقبها من إصدار قانون يحرّم في المدارس ارتداء العلامات أو الثياب التي توحي بالصفة الدينية؛ أو الدخول في جدل عقيم، مضحك أيضاً، حول الفارق بين البرقع والنقاب؛ وصولاً إلى الجامعات ونقاش منع الطالبات من ارتداء الحجاب فيها، أو شواطئ البحر والحقّ في ارتداء لباس السباحة الذي اشتُهر باسم «البوركيني»..

في نطاق الطراز الثاني، تسابق اليمين الجمهوري مع اليمين المتطرف، ولم يتأخر الليبراليون طويلاً عن اللحاق بالركب، في تأثيم الإسلام كدين وثقافة تحت لافتة تجريم الإرهاب الذي يُرتكب باسم الدين الإسلامي!

وبات مصطلح «الإرهاب الإسلامي» منفلتاً من كلّ ضابط مفهومي أو عقلاني أو منطقي أو تاريخي. ولعلّ هذه الهستيريا بلغت الذروة في تفكير رئيس اشتراكي مثل فرنسوا هولاند بسنّ قانون يجرّد ذوي الجنسية المزدوجة من الجنسية الفرنسية على خلفية الاتهام بأعمال إرهابية.

وكما هو معروف، اندلعت الجولة الأحدث من هذه الهستيريا على خلفية الجريمة الإرهابية البشعة التي ارتكبها مراهق شيشاني بحقّ المدرّس الفرنسي صمويل باتي الذي شاء تدريس مبدأ حرّية التعبير عن طريق عرض رسوم كاريكاتورية نشرتها «شارلي إيبدو» واعتبر القاتل، ومحرّضوه، أنها تسيء إلى النبي محمد وتستوجب ذبح المدرّس.

وحتى يثبت العكس (لأنّ الحبل على الجرار كما يُقال) انفرد وزير الداخلية الفرنسي جيرار دارمنان بالسبق في التهافت والضحالة، فاتهم المخازن الكبرى في فرنسا بأنها تغذّي النزعات الانفصالية والجهوية حين تعرض على رفوفها أغذية أو ألبسة تدلّ على دين أو محتد!

رئيس وزراء فرنسي أسبق مثل مانويل فالس، كان اشتراكياً ثمّ انقلب إلى يميني متسابق مع أقصى اليمين، نفض الغبار عن شخصه (هو الذي عاد إلى أصوله الإسبانية، وفشل في الفوز برئاسة بلدية برشلونة) فلم يكتفِ بالمطالبة باقتلاع «الإسلامية» من جذورها، فحسب؛ بل فتح النار على ساسة وكتّاب فرنسيين طالبوا بالفصل بين الإسلام وإرهاب أفراد مسلمين.

وبهذا فإنّ الإدانة الصريحة، بلا تردد أو تحفظ أو تسويغ أو تلاعب، لجريمة اغتيال المدرّس الفرنسي لا يصحّ أن تحجب الحقّ في فتح ملفات الاختلاف، أو حتى التناقض أحياناً، بين علمانية وعلمانية.

على صعيد مجتمعات تحتضن جاليات مسلمة لا خلاف في أنها تعاني الكثير من المصاعب في بلوغ الدرجة المطلوبة من الاندماج الاجتماعي والثقافي والقانوني.

كما لا يجوز للإدانة ذاتها أن تطمس حقوق المساءلة المشروعة لازدواج الخطاب الفرنسي، والأوروبي بصفة عامة، حول قضايا العلمانية وفصل الدين عن الدولة والمواطنة والقِيَم الجمهورية.

وكيف أنّ قسطاً غير قليل من مسائل الحجاب والنقاب واللحم الحلال و«الإرهاب الإسلامي» تبدأ بواعثها من السياسة والساسة، في سياقات إلهاء الرأي العام عن الهموم الاجتماعية الكبرى، كالبطالة وانخفاض القدرة الشرائية ومشكلات التقاعد، من جهة أولى!

وعلى سبيل استغلال هذه الهموم، أيضاً، بهدف تضخيم إحساس المواطن بأنّ الجزء الأكبر من المتاعب مصدره وجود «الأجانب» وانقلاب ذلك الوجود إلى عبء على الاقتصاد، من جهة أخرى.

هذه الخلاصة لا تلغي، مع ذلك، حقيقة أنّ المواطن إياه، ذلك النموذج المتوسط الممثّل للشرائح الأعرض في المجتمعات الغربية، أخذ يتأثر أكثر فأكثر بأجواء رُهاب الإسلام والمسلمين.

بحيث صار التوجس من مؤشرات المستقبل الاقتصادي مقترناً بتوجّس من فقدان الهوية الثقافية (في التعبير الملطّف) والهوية الدينية المسيحية (في المحتوى الواقعي الصريح، الذي يطابق الواقع).

كما أنها خلاصة لا تمسّ تلك الحقيقة الأخرى الرديفة، التي تشير بوضوح إلى أنّ مسائل العلمانية وحرّية المعتقد وفصل الدين عن الدولة… بريئة من حزمة البواعث التي تحرّك سلوك الساسة واتجاهات السياسة.

وقد يتفق معظم الذين يتذكرون النقاشات الفرنسية الساخنة حول حظر الحجاب، في المؤسسات التعليمية بصفة خاصة، أنها انطوت في الجانب الصحّي منها على ضرورة صيانة مبدأ العلمانية؛ وأسفرت، في الجانب العليل، عن مسخ العلمانية إلى ما هو أكثر جاهلية من عبادة عجل ذهبي.

الأمر الذي يعيد هذه السطور إلى الأسئلة الأبسط: عن أي إسلام تتحدث فرنسا، في نهاية الأمر؟ ألا تتراوح آراء المسلمين أنفسهم بين إسلام مستنير يرفض الحجاب، وإسلام أصولي يدعو باسم المقدّس؟

وفي المقابل، ألا تتفاوت آراء الفرنسيين أنفسهم في معنى النسخة الفرنسية من مفهوم العلمانية، بحيث تتعايش تحت راياتها مبادئ الحرية والمساواة والأخوّة، مع عنصرية مارين لوبين وليبرالية إيمانويل ماكرون و… بلاهة دارمنان؟

* كاتب وباحث سوري يقيم بباريس,

——————————

تساؤلات على هامش تعاطي المسلمين مع رسومات النبي الكاريكاتيرية/ دمّر السليمان

بالتزامن مع محاكمة خمسة أشخاص من المتهمين بالهجوم الإرهابي الذي استهدف صحيفة شارلي إيبدو، أعادت الصحيفة المذكورة نشر الرسومات الكاريكاتورية التي تصوّر النبي محمد والتي اعتُبرت الدافع الرئيسي وراء هذا الهجوم، طارحةً السؤال التالي كعنوان أساسي لعددها المذكور: “هل كلّ هذا من أجل هذا؟”.

وكما هي العادة، أثار الموضوع هرجاً ومرجاً يعيدان التذكير برواية غابرييل غارسيا ماركيز “قصة موت معلن”، خاصةً بعد مقتل أستاذ التاريخ صمويل باتي على يد مراهق شيشاني، قُتل بدوره أيضاً، كان قد حصل على حق اللجوء في آذار/ مارس الماضي.

ونظراً للعناصر الدينية في مجمل السياق الآنف الذكر، كان من المنتظر أن تنبري المؤسسة الدينية الإسلامية لتقدّم موقفها ورؤيتها المتوازنة للحدث، ولكن…

في أعقاب الاعتداء على شارلي إيبدو عام 2015، بسبب نشرها رسوماً اعتُبرت “مسيئة” للرسول، أدانت مؤسسة “الأزهر” العملية الإرهابية معتبرةً أن هذا السلوك لا يتوافق مع تعاليم الدين الإسلامي. وبعد الحادثة بأسبوع، سارع الأزهر إلى دعوة المسلمين إلى تجاهل الرسوم المنشورة في الصحيفة في عددها الأول بعد الاعتداء مباشرةً، وهو عدد احتوى على كاريكاتير يصوّر النبي محمد على صفحته الأولى.

وفي الوقت نفسه، اعتبر الأزهر أن هذا الفعل “خيال مريض”، مطالباً “كل عقلاء العالم وأحراره بالوقوف ضد كل ما يهدد السلام العالمي”، ومناقضاً التوجيه الذي نصح به عموم المسلمين بتجاهل هذه الرسوم.

يستطيع المراقب أن يرى أن ذات التناقض الذي وقع فيه “الأزهر” في المرة الأولى وقع فيه مرة ثانية، عند مقتل أستاذ التاريخ. فقد أدان الجريمة البشعة ولكنه في ذات الوقت وفي ذات البيان دعا إلى تبني قانون عالمي يحرّم تناول الرموز الدينية، وكأنّ هذه الجريمة هي المكافئ الموضوعي والنتيجة الطبيعية لأي تناول لرمز ديني قد لا يروق لأحدهم.

إذاً، يطلب الأزهر التجاهل، وفي ذات الوقت يطالب بتشريع عالمي يدين ويحاسب ما يجب تجاهله.

على الضفة الأخرى من المتوسط، وفي قلب فرنسا، دعا رئيس المجلس الفرنسي للثقافة الإسلامية السيد محمد موسوي المسلمين إلى “ضرورة تجاهل هذه الصور”، ولكنه دعا أيضاً عموم المواطنين من معتنقي الدين الإسلامي إلى ضرورة الانخراط الفعلي في جميع مظاهر الاحتجاج على مقتل المدرس المغدور، من أجل تأكيد انتمائهم لفرنسا ورفضهم لكافة أشكال العنف الذي يؤدي إلى الإساءة الحقيقية للمسلمين، ويمنح قوى اليمين المتطرف الأداة المناسبة والفرصة المؤاتية لإطلاق سيل من التعميمات التي تنال من إمكانية الحوار الاجتماعي الفعال والبنّاء داخل المجتمع الفرنسي.

ودعا موسوي أيضاً إلى “الأخذ بعين الاعتبار أن قوانين الدولة الفرنسية تتيح إمكانية تناول أي موضوع وبأية طريقة كانت، انسجاماً مع مبدأ الحرية”، معرباً عن اعتقاده بأن نشر الكاريكاتورات التي تصوّر النبي في كتيّب يُعرَض على طلاب المدارس “ليست الحل الجيّد لشرح حرية التعبير للأطفال”، ومؤكداً “على الثقة بحس المسؤولية لدى المؤسسة التربوية الفرنسية في آلية تناولها للموضوع أمام التلاميذ عموماً”.

وكانت السلطات المحلية في مناطق فرنسا الـ13 قد أعلنت عقب مقتل باتي أنها ستنشر كتاباً “يجمع الرسوم الكاريكاتيرية الدينية والسياسية الأكثر لفتاً للنظر”، وستوزّعه على تلامذة المدارس الثانوية، “التزاماً بالدفاع عن قيم الجمهورية والحق الأساسي لكل فرد من مواطنينا في العيش في سلام وحرية”.

ولا بد من الإشارة هنا إلى أن الحدث لا يتعلق بموضوع العلمانية بقدر ما يتعلق بموضوع حرية التعبير، فصحيفة شارلي إيبدو لم تتردد في تناول الرموز الدينية بشكل عام، سواءً أكانت إسلامية أو مسيحية أو يهودية، مع الإشارة إلى أن خطها العام مناهض للأحزاب اليمينية المتطرفة والشعبوية، وهو ما يؤكده البيان الذي نشرته رداً على محاولات استثمار اليمين المتطرف الفرنسي للحدث الأخير انتخابياً.

استثمار سياسي واسع النطاق

كان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في وقت سابق وفي مناسبات عدة قد تناول إشكالية الإسلام داخل المنظومة الفرنسية، وردّ العديد من المحللين الأمر إلى أهداف انتخابية صرفة، باعتباره مسعى منه لمغازلة جمهور اليمين الفرنسي المتطرف.

وبعد حادثة القتل تلك، تصاعد خطاب الرئيس الفرنسي، ليلقى استجابة شديدة السرعة وشديدة الدلالة من قبل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، بالتزامن مع التوتر في العلاقات بين الطرفين في الآونة الأخيرة بسبب الخلافات في شرق المتوسط.

لكن الملفت للنظر هو مستوى الخطاب غير المسبوق من قبل الرئيس التركي، إذ طالب الرئيس الفرنسي “بضرورة الخضوع لفحص لقواه العقلية”، وهو الأمر الذي لم تعهده الدبلوماسية الدولية إلا في أعقاب وصول الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب إلى الحكم، وهو الذي اشتهر بتغريداته المثيرة للسخرية بقدر إثارتها للجدل.

من جهة أخرى، أدلى الجانب الإيراني أيضاً بدلوه، فقد صرّح المرشد الأعلى للجمهورية الإيرانية علي خامنئي بأن “مساندة الرئيس الفرنسي لنشر الصور هو عمل غبي”، رغم أنه سواء أيّد الرئيس الفرنسي نشر الصور أو لم يؤيد ذلك فالأمر سيّان، لأن القانون الفرنسي الذي يصون حرية التعبير لا يتيح للرئيس الفرنسي التدخل والتأثير في منع أو حجب أي شكل من أشكال التعبير عن الرأي. كما أن الصحف الفرنسية، ومنذ تأسيس الجمهورية الخامسة، لم تتوانَ عن تناول رؤساء الجمهورية بصيغة ساخرة وكاريكاتيرية.

السياق السابق أثار مشاعر الكثيرين من المسلمين، فرفعوا عبارة: “إلا رسول الله”، لكنّ هذا الشعار يحمل في طياته تساؤلاً: هل تناول شخصية النبي محمد مسألة تستوجب القتل؟ فهذا ما توحي به أداة الاستثناء “إلا”.

هنالك تساؤل أساسي يتم تجاهله وسط كل ما يحصل، ألا وهو القيمة الأساسية لحياة البشر بغض النظر عن قناعاتهم وآرائهم والطريقة التي يعبّرون بها عن هذه الآراء، وهنالك تساؤل عن المصادر الأساسية للعنف الذي يشمل مرتكبي أعمال الذبح والقتل الأخيرة، ويشمل أيضاً اعتداءات اليمين المتطرّف على المسلمين كجريمة برنتون تارانت بحق مجموعة مصلّين في نيوزيلاندا قبل نحو عام، والتي راح ضحيتها 49 إنساناً.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف

—————————–

هكذا ردَّ المُعلّم على مكتوب ألبير كامو/ أمجد العطري

مساء الأربعاء ، الحادي والعشرين من تشرين الأول (أكتوبر) 2020، جرت في جامعة السوربون في باريس مراسم تأبين المدرِّس الفرنسي صامويل باتي، الذي كان قد قُطِعَ رأسه، بعد ظهر الجمعة السابق، قرب مدرسةٍ كان يُدرِّسُ فيها التاريخ والجغرافيا في منطقة كونفلان سانت-أونورين، في الضاحية الغربيّة لباريس. وهو ربّ عائلة يبلغ سبعةً وأربعين عاماً. قتلتْ الشرطةُ منفّذ الجريمة، وهو لاجئٌ روسيٌّ من أصلٍ شيشاني يدعى عبد الله أنزوروف، ويبلغ من العمر ثمانية عشرة عاماً.

كانت من مراسم التأبين قراءة رسالة ألبير كامو، التي كان قد أرسلها إلى مُعلّمه لويس جيرمان بعد فترةٍ وجيزةٍ من حصوله على جائزة نوبل في الأدب. وقد شارك آلافٌ من الفرنسيين، في يوم التأبين، رسالة كامو على مواقع التواصل الاجتماعي الإلكترونية، إلا أنهم لم يشاركوا رسالة الردّ من مُعلِّمه.

خلال البحث عن نصّ رسالة كامو، وقعتُ على ردّ المدرّس جيرمان، الذي يحذّر فيه من خطر إدخال الدين في البرامج الدراسية، لا سيّما في الدولة العلمانية، مؤكّداً على دور المدرس التوعوي ومحافظاً عليه. وليس هناك معلومات كثيرة متوافرة عن المدرّس لويس جيرمان، ولا سيّما أن ثلاثة أعلام فرنسيّين في القرن العشرين حملوا الاسم نفسه: أحدهم عالِم رخويّات، والآخر رسّام، ومعلّم كامو الذي كان له تأثيرٌ قويٌّ في طلّابه. وما ورد عنه في سيرة ألبير كامو هو أنّه كان مُعلِّمَ كامو الأوّل، من العام 1918 إلى العام 1923، أي عندما كان عمر كامو من خمس إلى عشر سنوات. وهو الذي أعدّ كامو لمسابقة المنح الدراسيّة للمدارس الإعداديّة والثانويّة. ثمّ قدّم إليه كامو لاحقاً الإهداء في كتابه خُطَب السويد، الذي صدرت طبعته الأولى عن دار غاليمار في العام 1958، ويضم الخطبتين اللتين كان قد ألقاهُما في السويد في كانون الأول (ديسمبر) من العام 1957 بمناسبة حصوله على جائزة نوبل.

إهداء إلى لويس جيرمان

إهداء إلى لويس جيرمان

رسالة كامو إلى مُعلِّمه رسالةٌ خاصّة تحوّلت إلى عامّة، بينما يختتم السيد جيرمان مكتوبه إلى كامو برسالةٍ عامّة، يبدو أنها تحوّلت إلى خاصّة.

وهذه ترجمتي لرسالة كامو وردِّ المُعلِّم عليها:

19 نوفمبر 1957

عزيزي السيد جيرمان،

تركتُ الضوضاء التي أحاطت بي كل هذه الأيام تخمد قليلاً قبل أن آتي لأحدّثك قليلاً من كل قلبي. لقد تلقيتُ مؤخراً شرفاً رفيعاً لم أسعَ إليه ولم أَطلُبه. لكني عندما علمتُ بالخبر، كان أول من فكرتُ فيه بعد أمي هو أنت. بدونك، بدون تلك اليد العطوفة التي مددتها إلى الطفل الصغير المسكين الذي كُنتُه، بدون تعليمك، والاقتداء بك، لما حدث شيءٌ من هذا. لا أجعل من نفسي كائناً بحجم الدنيا بهذا الشرف الذي نلتُ، لكنّه على الأقل فرصة لإخبارك بما كنتَ، وما زلتَ عليه، بالنسبة لي، ولِأؤكد لك أن كَرَمَ جهودك وعملك وقلبك الذي كنت تبذله ما يزال على قيد الحياة في أحد صغارك الطلبة، الذي، على الرغم من عمره، لم يتوقف عن كونه تلميذاً ممتناً لك.

أعانقك بكل قوتي.

ألبير كامو

رَدُّ المُدرِّس

30 أبريل 1959

صغيري العزيز،

(…) لا أعرف كيف أعبّر لك عن السرور الذي جَعلتني أشعر به بتصرفك الطيب، ولا عن شكري لك. لو قُيِّضَ الأمر لي، كنتُ سأضمُّ بشدة ذاك الفتى الكبير الذي صِرتَه، والذي يبقى دائماً بالنسبة لي «صغيري كامو».

(…) من هو كامو؟ لديّ انطباعٌ بأنّ أولئك الذين يحاولون النفاذ إلى شخصيّتك لا ينجحون في ذلك تماماً. لقد أظهرتَ دائماً حشمةً غريزيةً في كشف طبيعتك ومشاعرك. ذاك لأنك بسيطٌ ومباشرٌ، وطيّبٌ علاوةً على ذلك. هذه الانطباعات، أعطيتني إياها في قاعة الدروس. المعلم الذي يريد أداء وظيفته بضميرٍ حيٍّ لا يُفوِّتُ أي فرصةٍ للتعرف على طلّابه وأطفاله، وهو دائماً يقدم نفسه باستمرار. جواب، أو إشارة، أو موقف، أمورٌ تكشف الكثير. لذلك أعتقد أنني أعرف الإنسان الصغير الطيب الذي كُنتَه، وفي الطفل غالباً بذرة الإنسان الذي سيَصيرُه. كانت سعادتك بالوجود في القاعة تتفجر في كل مكان. وكان التفاؤل يبدو على وجهك. وخلال دراستك، لم أشكَّ مطلقاً في الوضع الحقيقي لعائلتك، لم يكن لدي سوى لمحة عنه عندما جاءت والدتك لرؤيتي بشأن تسجيلك في قائمة المرشحين للمنح الدراسية. كما أن ذلك كان لا يزال يحدث عندما كنتَ على وشك أن تتركني، لكن حتى ذلك الحين، كنتَ تبدو لي في وضع رفاقك نفسه. كان لديك دائماً ما تحتاجه. كنتَ ترتدي ملابس أنيقة، مثل أخيك. أعتقد أنه لا يمكنني مدح والدتك بأجمل من هذا.

رأيتُ قائمة الإصدارات المتزايدة المخصصة لك أو عنك. وإنه لمن دواعي رضائي أن شهرتك (وهي الحقيقة الحقّة) لم تُدِر رأسك. لقد بقيتََ كامو: براﭭو. تابعتُ باهتمام التغييرات المتعددة على المسرحية التي قمتَ باقتباسها وتحريرها: الممسوسون. أحبك جداً لدرجة أن لا أتمنى لك النجاح الأكبر: النجاح الذي تستحقه.

وكذلك «مالرو» يريد أن يعطيك مسرحية. أعلم أنه لديك شغف بهذا. لكن…، هل ستتمكن من تنفيذ كل هذه الأنشطة في وقتٍ واحد؟ أخشى عليك أنك تُفرط في استغلال قواك. واسمَح لصديقك العتيق أن يُذكّركَ أن عندكَ زوجة لطيفة وطفلان يحتاجون إلى الزوج والـ بابا. في هذا الصدد، سأحكي لك ما قاله لنا ذات مرة مديرنا في المدرسة. كان قاسياً جداً علينا، ذاك ما منعنا أن نرى ونشعر أنه كان يحبنا حقاً: «الطبيعة تحتفظ بكتابٍ كبيرٍ تسجلُ فيه بعناية جميع التجاوزات التي يرتكبها المرء». يجب أن أعترف أن هذه النصيحة الحكيمة عصمتني [حرفياً] كثيراً عندما كنتُ على وشك نسيانها، لذا حاول أن تُبقي الصفحة المحفوظة لك في كتاب الطبيعة العظيم بيضاء.

يُذكّرني أندريه أننا رأيناك وسمعناك في برنامجٍ تلفزيونيٍّ أدبي، حول «الممسوسون». كان مؤثراً أن أراك تجيب على الأسئلة المطروحة، ولم أستطع منع نفسي من إبداء ملاحظةٍ خبيثةٍ مفادها أنك كنت واثقاً أني في النهاية سأراكَ وأسمعك. لقد عوّض ذاك عن غيابك عن مدينة الجزائر. لم نَركَ منذ فترةٍ طويلة.

قبل أن أختتم، أودّ أن أخبرك عن الوجع الذي أكابده كوني مُدرِّسَاً علمانياً، أمام المشاريع المهدِّدة المعدَّة ضد مدرستنا. طوال مسيرتي كنتُ أؤمن باحترامِ ما هو الأقدس عند الأطفال: الحق في البحث عن حقيقتهم. أحببتكم جميعاً، وأعتقد أنني فعلتُ كل ما في وسعي حتى لا أعبّر عن أفكاري، وبالتالي أثقلَ كاهل ذكائكم الشاب. عندما كان يطرح موضوع الله (في البرنامج الدراسي)، كنتً أقول إنّ هناك من يؤمنون به وهناك من لا يؤمنون به. وإنّ الجميع، في إطار حقوقهم، فعلوا ما يريدون. وبالمثل، بالنسبة لما يتعلق بالأديان، كنتُ أَقتصرً على الإشارة إلى تلك الموجودة، والتي ينتمي إليها من يرغبون بها. لأكون صادقاً، كنت أضيف أن هناك أشخاصاً لا يمارسون أي دين. أعلم أن هذا لا يعجب أولئك الذين يريدون تحويل المُعلِّمين إلى كتبةٍ متنقلين في الدين، وبصورةٍ أدق، في الدين الكاثوليكي. في المدرسة العادية في مدينة الجزائر (التي كانت موجودةً آنذاك في حديقة غالاند)، كان أبي، كما رفاقه، مضطراً للذهاب إلى القدّاس وتناول القربان كل يوم أحد. في أحد الأيام، مُرهَقَاً بهذا القيد، وضع خبز القربان المقدَّس «المُخصَّص» في كتاب قُدّاسٍ أَغلقَه. تم إبلاغ مدير المدرسة بهذا الأمر، ولم يتردد في استبعاد والدي من المدرسة. هذا ما يريده أنصار «المدرسة الحرَّة» (حرة…، بالتفكير مثلهم). مع تركيبة مجلس النوّاب الحاليّة أخشى أن الطامّة الكبرى آتية. أفادت صحيفة لو كانار أنشينيه أنه، في إحدى المقاطعات، حوالي مئة قاعة دراسية في المدرسة العلمانية تُدار تحت الصليب المُعلّق على الحائط. أرى في هذا هجوماً مقيتاً على وعي الأطفال. إلى ماذا سيقود هذا، ربما، عمّا قريب؟ هذه الأفكار تحزنني بشدة.

أعلمُ أنني، حتى عندما لا أكتب، غالباً ما أفكر بكم جميعاً.

زوجتي وأنا نُعانقكم بشدة أنتم الأربعة، مع كل الود.

لويس جيرمان

موقع الجمهورية

==================

====================

تحديث 01 تشرين الثاني 2020

———————-

في العلمانية والدين/ بيار عقيقي

لا يمكن أن نفهم لبّ الخلاف الناشب في العالم بين وجهتي نظر مختلفتين، صودف أن إحداهما أساسية في الغرب والأخرى ركيزة جوهرية في الشرق، ما لم نفكّر بما يفكر كل طرفٍ، والتعامل معه على هذا الأساس. بين فرنسا العلمانية، لا المسيحية، والمسلمين، مسألة لم تُحلّ، ولن تُحلّ، طالما أن التعاطي بين الجهتين منطلق من خلفياتٍ لا تترك مجالاً للتحاور المباشر، بل ترسّخ مفاهيم الأنماط المختلفة. وكأن العلمانية جدار لا يمكن الولوج إليه من جهة، وكأن الدين الإسلامي في موضع اتهام دائم من جهة أخرى.

عادة هناك نوعان من التبدّل لدى البشر، إما تبدّل الأفكار، عبر اعتناق أفكار جديدة مبتكرة من وحي التحولات الفلسفية والفكرية المبنية على التطور اليومي والصناعي والتقني وغيره، أو الركون إلى فكرة قديمة موجودة، لكنها تلبّي ما يشاء معتنقها من آراء ومعتقدات. العلمانية والإسلام كذلك. هناك أصلاً من يعتنقهما عن قناعة، ومنذ عشرات العقود، من دون فرضٍ من أحد على الآخر، بل يتعايشان تحت سقف قانون واحد ودستور واحد. عملياً، هذا هو المفهوم الأنسب لحركة التغيّر الدائم لدى الشعوب. لا يمكن القول إن الأفكار تموت بمجرّد مرور الزمن عليها، بل تموت وفقاً لفقدان قدرتها على التماهي مع متطلبات بشر كل عصر. الأديان عموماً تبقى مقصداً لناس كثيرين في القرن الـ21. وستبقى حتى إشعار آخر، وفقاً للحاجات الإنسانية. لكنها، في المقابل، ستفقد قوتها ونفوذها في حال مارست السلطة بالقوة والقمع على الناس، كما حصل مع المسيحية في أوروبا في القرون الوسطى، وصولاً إلى الثورة الفرنسية بالذات في عام 1789.

أما العلمانية، فإن من الأغراض الأساسية لها تأمين حماية جميع مكوّنات المجتمع الذي ينتمي إليها، وممارسة حقه في العبادة أو لا، من دون فرضٍ من أحد ولا ضغطٍ، ولا تعييرٍ ولا نمطية مسبقة ولا تصنيفات حول من المخطئ ومن المُصيب. وما يظنه أنصار الدين خطأ، قد يظنه غير المؤمنين صحيحاً، والعكس. في الحالتين، تضمن العلمانية حماية كل الآراء. بالطبع، لا يمكن أن يتمّ هذا إلا وفقاً لقوانين، تبدو في الظاهر جامدة، لكنها تستلزم الحركية الدائمة، لحماية الإنسان، فالقوانين التي لا تتغير بحسب التطور البشري، وطريقة مقاربة المسائل بين جيل وآخر، مصيرها الرفض إلى درجة إطاحتها.

دوامة الجنون، الممزوجة بتفشّي الغرائز، يدركها تماماً من هم على تواصلٍ دائم مع المسلمين ومع العلمانيين على حدّ سواء، لأسباب عدة، في العمل والمنزل والبلد. ومع أن هؤلاء أقلية في الشرق وفي الغرب، إلا أنهم يدركون أن ما يجري حالياً ليس “طبيعياً”، ولا محصلة لـ”حتمية صدام” هويّاتي سيحصل يوماً ما، بل لأن على الضفتين هناك من لا يفهم ماهية الإسلام ولا ماهية العلمانية، ولا الفارق بين الأخيرة وباقي الأديان. فرنسا ليست مسيحية بالمعنى الحرفي للمسيحية، بل تُعتبر الابنة البكر للكثلكة التي تمرّدت على الكنيسة. والمسلمون ليسوا برابرة آتين من خلف التاريخ، والتنظيمات التي تدّعي انتماءها إلى هذا الدين، مثل “داعش” و”القاعدة” وغيرهما، تشبه ادّعاء النازيين بالانتماء إلى المسيحية.

على الجميع، في مكانٍ ما، إدراك أن المفارقة خلف ذلك كله تكمن في الخلاف السياسي الفرنسي ـ التركي، الذي تحوّل فجأة إلى خلاف ديني ونزاع غربي ـ شرقي. لكن باريس وأنقرة لم يفهما، أو لم يحاولا الفهم، أن مثل هذا الانزلاق في طبيعة الخطاب سيؤدي إلى تحوّل الشرق والغرب إلى “لبنان كبير”. هناك، يعمل السياسيون على استغلال الاختلافات المذهبية وتخويف الناس لتحقيق مكاسبهم. الحرب اللبنانية (1975 ـ 1990)، وما تلاها شاهد على ذلك. ولا يحتاج العالم، لا أمس ولا اليوم ولا في الغد، لمثل هذه الصدامات العبثية، بل لحوارٍ تاريخي متجدّد، وبالتأكيد لن يخسر فيه أحد.

العربي الجديد

——————————

كيف تقطع رأساً بيسر/ عمر قدور

بحسب الأخبار، حاول التونسي “جزار نيس” قطع رأس امرأة من ضحاياه الثلاث، إلا أن الأخبار لا تؤكد نجاحه في فصل الرأس عن الجسد على النحو الذي نجح فيه قبل أسبوعين الشيشاني عبدالله أنزوروف عندما ذبح المدرس صامويل باتي. أنزوروف “18 عاماً” ابن لعائلة لاجئة في فرنسا، بينما نظيره التونسي وصلها للتو عبر إيطاليا، وكأنه آت خصيصاً من أجل تنفيذ المذبحة. الاختلاف بين سيرة الاثنين لا صلة له بنجاح عملية قطع الرأس في المرة الأولى وما يبدو فشلاً جزئياً في المرة الثانية، ولا يعني من جهة أخرى أن عنق الضحية الأولى مطاوع للذبح بخلاف عنق الضحية اللاحقة.

من الفظيع جداً أننا نستطيع المقارنة بين عمليتي جزّ للعنق، لكن الأفظع هو إدراكنا أن قاطعي تلك الرؤوس هم بشر مثلنا، هم الصورة البدائية التي نفترض أننا تجاوزناها كبشر بزمن طويل وبأدوات للقتل أقل بدائية. أداة الجريمة هنا مثقلة بالدلالات، أسهلها وأقربها منالاً “وفق من يستهويه هذا النوع من التفسير الثقافوي” أنها مطابقة للأيديولوجيا القروسطية التي تسوق القاتل. ما يفوق التفسير السابق أهمية أن أدوات القتل تطورت على مستويين، مستوى الفاعلية الأكبر في إيقاع الأذى، ومستوى المباعدة بين القاتل والقتيل.

المباعدة بين القاتل وضحيته أو ضحاياه لا تقلل من حصيلتهم، بل من المرجح أن تزيدها بحكم التطور التقني، إلا أن المسافة تعطينا فكرة قد تكون مهمة عن القاتل. لدينا، في مذبحة نيس مثلاً، قاتل حاول قطع عنق ضحيته. هو لم يكتفِ بطعنها في أماكن قاتلة، كان يريد فصل رأسها عن جسدها. المرأة “التي توفيت بعنق قيد القطع” لن تعود لتقول لنا شيئاً عن لحظاتها الأخيرة، ومن المرجح أن القاتل الإرهابي لن يفعل ذلك. نحن لا نعلم مثلاً ما إذا كان كل منهما ينظر في عيني الآخر، وهل كانت تتوسل بعينيها أم تصرخ متوسلة أيضاً؟ أو، هل كانت تتوسل إليه، أم تتوسل إلى أحد المقربين منها أو إلى الله، كما يفعل كثر منا في لحظات الخطر؟

في مساء 14 تموز 2016، كان التونسي محمد بوهلال يقود شاحنة في نيس أيضاً، ويدعس عامداً المحتفلين بالعيد الوطني. أسفر الهجوم الذي تبناه داعش عن 84 قتيلاً، وقيل آنذاك أن الشاحنة كانت محملة بمتفجرات وقنابل يدوية لم تُستخدم في العملية. حتى عملية الدعس البدائية تلك، رغم حصيلتها المرتفعة، لا تُقارن بقدرة منفذي عمليتي الطعن الأخيرتين على الإمساك بالضحية والشروع في جز عنقها بيسر شديد، وبانقطاع تام عن عذاباتها الأخيرة وتوسلاتها. في الحالة الأخيرة، نحن إزاء علاقة “حميمة” بين القاتل وضحيته، إزاء ذلك التلامس الفيزيائي المباشر والقوي. ربما شيء من حرارة جسم الضحية تسرب إلى جسم القاتل، والأخير كان ملاصقاً لجسد ضحيته وممسكاً به وهو يرتعش كذبيحة. وكما نعلم، لم تؤثر تلك العلاقة بالقاتل، فهو ارتكب جريمته حتى وضع البوليس خاتمتها، وفي المرتين كان يصيح “الله أكبر”، وكأن هذا الهتاف سنده في ما أقدم عليه، أو في ما استطاع ارتكابه بيسر.

في حالات مشابهة شهدناها في سوريا، لم يكن مرتكبو المذابح يهتفون “الله أكبر”، والمذابح الأولى “بالسواطير والسكاكين” ارتكبها شبيحة الأسد، وكان من ضحاياها أطفال ونساء، وكان يصعب علينا أيضاً تخيّل أن يمسك أحد منهم بطفل ليذبحه وكأنه يؤدي عملاً سهلاً ومعتاداً كترتيب السرير مثلاً. بعد مذابح شبيحة الأسد بثلاث سنوات أتت مذابح داعش لتثير غضب العالم، خاصة بسبب الإمعان في الوحشية بتصوير شريط الذبح ونشره، وبالطبع كان لجنسية الضحايا الغربيين أن يمنح الأمر اهتماماً عالمياً واسعاً. السؤال المشترك الذي يطرحه شبيحة الأسد وعناصر داعش وأشباههم هو عن تلك القدرة على ممارسة الذبح في زمن لا يعز فيه الحصول على أدوات قتل تسهّل على المجرم تنفيذ جريمته، وهو سؤال يحتمل الدهشة والاستغراب مثلما يحتمل الاستنكار.

نحن ننظر إلى القتلة قائلين لأنفسنا: يا للهول، إنهم بشر مثلنا. القتلة الجزارون لا ينظرون إلى الضحايا قائلين الكلام ذاته، هم لا يرونهم بوصفهم بشراً، أو في أحسن الأحوال لا يرونهم بشراً مثلهم، على السوية ذاتها مما تستحقه كلمة كائن بشري. الانقطاع عن الضحية، لحظة الإمساك بها والشروع في ذبحها، يستحيل من دون تنزيل قيمتها إلى ما دون القاتل لتصبح مجرد شيء يمسك به ويمزّقه، بل ينبغي أن يقطّعه ليكون عالمه “البشري” أجمل وأنقى. بالذبح يُرهَب الخصم المحتمل الذي يرى كم هو لا بشري من وجهة نظر القاتل، ويُمتحن القاتل أيضاً بالوصول إلى عتبة عليا من الإخلاص لقناعاته. إطلاق الرصاص أو إلقاء القنابل، وحتى العمليات الانتحارية، لا تحمل المستوى نفسه من “الإخلاص” الذي يحمله شخص يذبح شخصاً آخر من دون أن يراوده الإحساس أصلاً بأنه يذبح إنساناً مثله.

واحد من الأخطاء التي يسهل الوقوع فيها أن ننظر إلى أولئك القتلة ونسارع إلى القول: إنهم ليسوا مثلنا. ذلك يضمر نزع صفة البشرية عنهم، على النحو الذي يفعلونه هم بضحاياهم. علّة الاستعجال في التبرؤ من القتلة هي في تضييع فرصة التفكر بهم جيداً، بدل الإسراع إلى اعتبارهم خارج الحيز البشري، والإسراع إلى التفسيرات السهلة التي قد تصلح جزئياً ومؤقتاً كأن يتوقف تفسير الإرهاب عند حده الثقافوي بدلالة منفذيه الحاليين، وفي الغرب تحديداً. التفسيرات السهلة السريعة لا تريح العقول فقط، وإنما تعفي من لديهم القدرة من اتخاذ إجراءات أوسع وأبعد لحماية الناس من التحول إلى جزارين، بوصف هذه الإجراءات هي الأضمن والأمثل لحماية الضحايا.

لدينا اليوم ظاهرة الإرهاب الإسلامي، وهي ظاهرة معاصرة لا يفيد بشيء النظر إليها بأسوأ أنواع الاستشراق، سواء من قبل غربيين أو من قبل بعض أبناء المنطقة. صحيح أن ادعاء القداسة هو زعم خاص بهذا التطرف، لكن معاداته الغرب ومعاداته نسبة كبرى من المسلمين أيضاً هنا شأن سياسي “بمعنى ظرفي وزمني”. ما لا ينبغي إغفاله للحظة أن الإرهاب الإسلامي يتغذى على وهمي القداسة والتفوق، التعبير الدارج عن الأخير هي العنصرية، والعنصرية ليست صفة تقتصر على الإسلام أو على الأديان؛ إننا نراها في خطابات القوميين واليمينيين، واليوم أكثر من أي وقت مضى ثمة خوف من تداعياتها على العالم. بالعنصرية، تحت أي زعم كان، يرى العنصري ذاته بشرياً بينما يرى الآخر المختلف أقل جدارة من الناحية الإنسانية، وهذه عتبة ترشح أصحابها لارتكاب مختلف الجرائم ضد من يرونهم أدنى، لا يُستبعد منه جزّ الرؤوس في وقت ما.

من دون اتفاق عالمي على نبذ مختلف أنواع العنصرية والعنف المعنوي والمادي الناجم عنها، يصعب تصور اتفاق على “الحرب على الإرهاب” أو اتفاق على أخلاقيتها وعدم اعتبارها انتقائية وفق المعايير الغربية. لقد رأينا الرئيس ماكرون يحذر من “الانفصالية الإسلامية”، وكان في بداية عهده قد أطلق تصريحه الشهير عن كون بشار الأسد مجرماً وتهديداً لشعبه بينما داعش تهديد للعالم. الفصل الموجود في ذلك التصريح مثلاً لا يشجع على بناء قضية مشتركة، فضلاً عن أن الفصل بين مختلف القضايا العالمية لم يعد ممكناً. نحن جميعاً نحتاج رفع تلك السكين عن رقابنا، لكن مسؤوليتنا المشتركة لا تبدأ وتنتهي هنا والآن، هي “بحكم الجغرافيا وتاريخ طويل من الاشتباك” مسؤوليةٌ عن العنف على جانبي المتوسط، العنف الذي لا توجد وصفة سحرية لمنع سريانه بين الجانبين.

المدن

——————————-

الغرب ونبي الإسلام.. أقانيم الحداثة بمواجهة أقانيم الدين/ محمد حجيري

الغرب ونبي الإسلام.. أقانيم الحداثة بمواجهة أقانيم الدين قبل تخطي الأقانيم الدينية، كانت نظرة الأوروبيين إلى نبي الإسلام على أكثر من وجه

من دون شك، تخطّت أوروبا “المركزية” الأقانيم الدينية والكنسيّة، وإن كان بعض الكنسيين أو المتدينين يعيشون حنيناً الى زمن سطوتهم ونفوذهم، فرغم تقلص حضور الكنيسة في أوروبا، ما زالت كتب وأفلام تحدث سجالاً ورفضاً ونقداً. رواية “الإغواء الأخير للمسيح” (1951) لـنيكوس كازنتزاكيس منعتها الكنيسة الكاثوليكية؛ وأثارت الجدل ذاته بعدما صورها المخرج مارتن سكورسيزي في فيلم العام 1988، وهاجمت مجموعة مسيحية متطرفة من الفرنسيين السينما التي تعرض الفيلم بزجاجات المولوتوف وأصيب 13 شخصاً… وحين أصدر البرتغالي جوزيه ساراماغو (1922-2010) روايته “الإنجيل بحسب يسوع المسيح” العام 1991، أثارت عاصفةً من الردود التي انهالت على الرواية وصاحبها. استنكرتها الكنيسة الكاثوليكيّة بشدّة واعتبرتها تجديفيّة، أمّا الحكومة البرتغاليّة فمارست الرقابة عليها، معتبرةً إيّاها “مهينةً بحقّ الكاثوليك”.

عملياً، تخطّت أوروبا الأقانيم الدينية منذ زمن، لمصلحة “أقانيم” حداثية، مثل حرية الفرد و”أوشفيتز” ومواضيع تخص العنصرية والمهمشين والمثليين وحقوق المرأة. وعلى هذا، لا عجب أن يحصل الصدام والاشتباك بين الغرب وبعض جمهور المسلمين (أو الإسلاميين) الذين يتمسكون بكل التفاصيل الدينية ويعتبرونها مقدسات لا يمكن المس بها، وكثيراً ما يُستغل هذا الاشتباك في إطار سياسات وهويات “قاتلة”. فالرئيس التركي رجب طيب أردوغان، يوظّف اليوم قضية “الإساءة” الى نبي الإسلام في فرنسا، لتحشيد المسلمين، في اطار الصراع مع ماكرون على البحر المتوسط والمشرق، في حين بقيت إيران شبه صامتة أو مترددة، مع التذكير بأن “روح الله الخميني” كان أصدر في أواخر الثمانينات، فتوى بهدر دم الكاتب البريطاني من أصل هندي، سلمان رشدي، على خلفية روايته “آيات شيطانية” التي اعتبرها الخميني مسيئة لنبي الإسلام… وأدت الفتوى إلى أزمة دولية ودبلوماسية كبيرة لم تنته بعد، واستعمل الخميني الفتوى لاستنهاض العصبية الإسلامية حوله، وانتشرت الرواية وقُتل بعض مُترجميها، ومعظم الكتابات العربية عنها جاء من باب الهجوم على الكاتب قبل قراءة الرواية، ودافع صادق جلال العظم عن رشدي في كتابه “ذهنية التحريم” مبرراً له تخيّله الأدبي…

وقبل تخطي الأقانيم الدينية، كانت نظرة الأوروبيين إلى نبي الإسلام على أكثر من وجه، وفي اتّجاهات متباينة ومتناقضة؛ ذَهبت إلى حدّ وصفه بـ”الدجّال” و”الزنديق” و”الفاسِق”، وذهب مفكّرون وشعراء آخرون، من أمثال غوته ولامارتين وغيرهما، إلى نعْت محمّد بأنّه “إصلاحي” و”عقلاني متميّز”. وفي القرن الـ15 استخدم العديد من المؤلفين الإسبان والأوروبيين الآخرين صورة النبي المشوهة هذه، للدفاع عن حملات صليبية جديدة ضد المسلمين في غرناطة وضد الإمبراطورية العثمانية. وكان نشر ترجمة القرآن مغامرة خطيرة في أوروبا القرن الـ16، إذ سجن ناشر محلي في بازل السويسرية العام 1542 بسبب نشره ترجمة لاتينية للمصحف، لكن القسيس البروتستانتي الألماني مارتن لوثر تدخل لإنقاذه واعتبر أنه ليس هناك طريقة أفضل لمحاربة الترك (العثمانيين) من فضح “أكاذيب وخرافات ماهوميت”. و”ماهوميت”، هو الشخصية المزيفة لمحمد، التي تخيلها ورسمها كتّاب أوروبيون غير مسلمين بين القرنين الـ12 والـ21… وفي القرنين الـ19 والـ20 جرى تصوير النبي باعتباره “دجالاً”، لتبرير الاستعمار الأوروبي للأراضي الإسلامية ولتشجيع عمل المبشرين المسيحيين.

وكان الفرنسي فولتير أكثر فلاسفة الأنوار اهتماماً بالإسلام، وبشخصية نبيه. في البداية هاجمه بشدة، ونعته بأقبح النعوت. ويبرز ذلك في مسرحيته “محمد والتزمت”، وفيها وصف الرسول محمد بـ”الطاغية” و”الماكر”. وترجم الألماني غوته هذه المسرحية إلى لغته الأم. وعندما التقى بنابليون في “ارفرت”، عبّر له هذا الأخير عن تبرّمه من المسرحية المذكورة قائلاً بأنها “مجرد صورة كاريكاتورية بائسة”. وقد وافق غوته على رأي الإمبراطور قائلاً: “أنا على رأيك يا صاحب الجلالة… قد قمت بالترجمة غصباً عني… لكني أعتقد أن الفقرات التي تتضمن هجوماً عنيفاً على التزمت ليست موجهة للإسلام، بل للكنيسة الكاثوليكية”. وقيل إن المسرحية كانت رمزية، قصد منها إسقاطاً على شخصية فرنسية أخرى ليتسنى له تمريرها ويتجنب رقابة الكنيسة، ومع ذلك تراجع فولتير عن رؤاه السلبية لنبي الإسلام، واصفاً الإسلام بأنه “ديانة حكيمة، وصارمة، وإنسانية، وطاهرة”.

وليس فولتير وحده من أساء الى نبي الاسلام. في حوار أجري مع المستشرق برنارد لويس، قال: لقد كانت الإساءة إلى النبي أمرًا شائعًا في أوروبا، ولقرون عديدة”. وأبرز نموذج في هذا المجال “الكوميديا الالهية” لدانتي. فقد سأل الشاعر الفلسطيني تحسين الخطيب لماذا اضطرّ من تنكب مشاقّ ترجمة “الكوميديا الإلهية” إلى حذف الأبيات التي أوردها دانتي ألغييري، في الأنشودة الثامنة والعشرين من “الجحيم” (والتي تصوّر النبيّ الكريم، في الوادي التاسع، “وأحشاؤه تتدلى بين ساقيه”، والإمامَ عليّا وهو “يمضي باكيا/ مفلوع الرأس من هامته حتى ذقنه”) كما فعل حسن عثمان في ترجمته التي صدرت عن دار المعارف المصرية العام 1959، أو إلى “إبهام” الشخصيّتين كما فعل كاظم جهاد في ترجمته الكاملة التي صدرت عن المؤسسة العربية العام 2002؟

يقول حسن عثمان في الحاشية الحادية والخمسين، من الحواشي التي وضعها للأنشودة الثامنة والعشرين “ولقد حذفتُ من هذه الأنشودة أبياتاً وجدتها غير جديرة بالترجمة، ورَدَت عن النبي محمد”. يضيف الخطيب: “وقد أخطأ دانتي في ذلك خطأ جسيماً، تأثر فيه بما كان سائداً في عصره، بين العامة أو في المؤلفات، عن الرسول العظيم، بحيث لم يستطع أهل الغرب وقتئذ تقدير رسالة الإسلام الحقة وفهم حكمته الإلهية. على أنّ هذا لم يمنع أهل العصر -ومن بينهم دانتي- من تقدير الحضارة الإسلامية والتأثر بثمراتها، التي كانت عنصراً فعالاً في خروج العالم الغربي من العصور الوسطى إلى عصر النهضة فالعصر الحديث”. بينما يذهب العراقي كاظم جهاد إلى القول في الحاشية الأولى التي وضعها لترجمته: “يصف دانتي في هذه الأنشودة المكرسة لمحدِثي الشّقاق العذابَ الذي تتلقّاه شخصية إسلامية أساسيّة اضطررنا إلى إبهامها، بدلاً من حذف الأبيات بأكملها كما فعل سلفنا الكبير الدكتور حسن عثمان، مع إشارته بكامل النزاهة إلى قيامه بهذا الحذف”.

بالمختصر، مهما كانت صورة المسيح وغيره في المتخيّل الروائي الأوروبي، قوية ونافرة، لم تصل الأمور الى حد إصدار فتوى بهدر دم صاحب التخيّل، كما حصل في قضية سلمان رشدي. وفي السنوات اللاحقة، وخصوصاً بعد 11 أيلول، حصل ما هو أبعد من الفتوى، إذ وصلت الأمور الى القتل. فمحمد بويري (الأصولي) أقر العام 2004 بقتل المخرج السينمائي الهولندي ثيو فان غوخ، المعروف بانتقاده اللاذع للإسلام وإخراجه فيلماً ضد المسلمين أثار توترات دينية وعرقية في البلاد. وهزت الجريمة سكينة هولندا، التي لم تعرف جريمة منذ عقود، وشعرت الجالية المسلمة بالخطر…. ومن بعدها قتلت مجموعة إسلامية مسلح

المدن

————————–

الرسوم كافرة والإرهاب مؤمن/ حسين الوادعي

أعلن شيخ الأزهر عن نيته رفع قضية ضد الرسوم الفرنسية الساخرة من الرسول بحجة إساءتها للإسلام. موقف الأزهر يعيد إلى الأذهان واحداً من أشهر المواقف المتناقضة التي واجهها في تاريخه.

رفض الأزهر تكفير “داعش” على خلفية المذابح البشعة التي ارتكبها في حق اليزيديين والمسيحيين وفي حق المسلمين عموماً، في المناطق التي سيطر عليها في العراق وسوريا عام 2014.

وكانت حجة الأزهر أن “داعش” لم يرتكب شيئاً يخرجه من الإسلام، ولهذا لا يمكن تكفيره. أما “داعش” فهو من وجهة نظر الأزهر مجموعة فاسقين وفجار لكنهم ليسوا كفاراً.

تظاهرات اعتراضاً على الصور الكاريكاتورية التي طاولت النبي محمد.

برر الأزهر موقفه بالاعتدال وتحفظه في إطلاق لفظ التكفير على أيٍ من المسلمين. وهو موقف نبيل مبدئياً لو كان فعلاً متناغماً مع مواقف الأزهر الأخرى في قضايا خلافية. لكن الأزهر الذي أعلن تحفظه عن تكفير “داعش” بحجة عدم جواز تكفير المسلمين، كان السبّاق في حملات تكفير متسلسلة كانت ضحيتها نخبة من الأدباء والمفكرين العرب.

كان تسامح الأزهر تجاه قضية التكفير سيكون محموداً لو شمل جميع المسلمين. لكن الأزهر لم يكن متسامحاً مع المفكرين والأدباء. لقد تعرض الشيخ محمد عبده نفسه اتهمه الأزهر بالخروج من الإسلام، بسبب مساعيه إلى تجديد الخطاب الأزهري. كذلك كان الأزهر بالمرصاد لأي خطاب تجديدي وكانت تهمة التكفير جاهزة وسهلة جداً. فلم يتردد في تكفير طه حسين بسبب كتابه في الشعر الجاهلي، ولم يتردد أيضاً في إخراج علي عبد الرازق من الإسلام ومن زمره العلماء بسبب كتابه “الإسلام وأصول الحكم”، ولم يتردد أيضاً في تكفير محمد أحمد خلف الله بسبب رسالته للدكتوراه عن “الفن القصصي في القرآن الكريم” التي اعتبرها تقويضاً لقداسة القرآن.

وتبقى قضية الأزهر مع نجيب محفوظ من أشهر قضايا التكفير على خلفيات رواية “أولاد حارتنا”، وهو التكفير الذي لاحقه طوال حياته حتى تعرضه لمحاولة ذبح عام 1995. بل إن الأزهر المتسامح جداً مع “داعش” أيد حكم إعدام المفكر محمود محمد طه عام 1985 في السودان في عهد النميري بتهمة الردة. وقاد الأزهر عبر جبهة علمائه أوسع عملية تكفير ضد الثقافة والأدب في مصر عامي 1992 و2001 عندما تم حل الجبهة بعد صراعها على السلطة مع شيخ الأزهر نفسه.

كانت حجة الأزهر أن “داعش” لم يرتكب شيئاً يخرجه من الإسلام،

ولهذا لا يمكن تكفيره.

والغريب أن الأزهر قاد حملة واسعة ضد التكفير ليس بسبب قضايا التكفير التي عانى منها نصر أبو زيد وفرج فوده وسيد القمني وحسن حنفي، بل بسبب مطالبة الناس لهم بتكفير “داعش”. وكانت المطالبة إحراجاً فكرياً وفقهياً كبيراً، عجز الأزهر عن مواجهته من دون أن يظهر أمام الرأي العام كمتعاطف مع الإرهاب. لهذا اضطر الأزهر إلى امتشاق سيف رافض التكفير والمحذر من خطره على المجتمعات.

أعتقد أن القضية ليس أن الأزهر لا يريد تكفير الإرهابيين، بل المشكلة أنه لا يستطيع تكفيرهم! وهناك فرق كبير بين “لا يريد” و”لا يستطيع”. عجز الأزهر عن تكفير الإرهابيين يعود إلى نقطة مهمة جداً، وهي أنه وبقية الجماعات الإسلامية المعتدلة والمتطرفة، ينطلقون من الأسس الفكرية والأيديولوجية ذاتها.

كان نصر حامد أبو زيد لفت انتباهنا إلى أن الفارق بين الخطاب المتطرف والخطاب المعتدل عند الجماعات الإسلامية هو فارق في الدرجة، وليس في النوع. والدليل على ذلك أنهما يشتركان في المنطلقات الفكرية والايديولوجية ذاتها (الحاكمية والجاهلية وشمولية النص الديني وصلاحيته لكل زمان ومكان واليقين الذهني والحسم الفكري). لهذا السبب يجد الأزهر نفسه قريباً جداً أيديولوجياً من “داعش” و”القاعدة”، وبعيداً جداً من الناحية الفكرية والأيديولوجية من نجيب محفوظ وفرج فوده وطه حسين.

نستطيع فهم موقف الأزهر المتشدد من الرسوم الساخرة التي انتهكت حقوق الله،

وتسامحه ولينه تجاه جرائم الطعن والذبح في فرنسا التي انتهكت حقوق البشر.

وتحضر الآية القرآنية التي تقول “إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك”، لتشكل الخلفية الأيديولوجية المشتركة للخطاب الإسلامي معتدلاً ومتطرفاً في موقفه من التكفير. إن التكفير بحسب وجهة النظر هذه لا يكون إلا لمن “أتى بقول يُفهم منه الشرك” أو “إنكار معلوم من الدين بالضرورة”. والمعلوم من الدين بالضرورة مفهوم واسع يبدأ من الحجاب واللحية ويصل حتى أسس العقيدة. أما من يرتكب أبشع الجرائم والمذابح باسم الإسلام فهو بحسب هذا الخطاب لم يصل إلى مرتبة الشرك وجرمه أقل خطراً من خطر الشرك، والتسامح واللين معه ممكنان.

في ظل هذه الذهنية تتجلى أبرز أزمات الخطاب الديني الذي يجعل الأولوية لـ”حقوق الله” ويتغاضى عن “حقوق البشر”.

وهذه الذهنية متعارضة بشكل واضح مع الدولة الحديثة التي تقوم على عقد اجتماعي يحمي حقوق البشر وحرياتهم ويعمل على سعادتهم ورفاهيتهم. بينما ترى العقلية الدينية أن غرض الاجتماع البشري تنفيذ الأوامر الإلهية والانتقام ممن يعصونها.

من هذا المنطلق، نستطيع فهم موقف الأزهر المتشدد من الرسوم الساخرة التي انتهكت حقوق الله، وتسامحه ولينه تجاه جرائم الطعن والذبح في فرنسا التي انتهكت حقوق البشر. وهي وجهة نظر خطيرة جداً لأنها تصطنع تعارضاً بين الله والبشر وتضعنا أمام اختيار صعب بين الحياة البشرية والحكم الديني.

إن الإرهابيين بالنسبة إلى الأزهر ليسوا كفاراً بل مجرمون فقط. أما الأدباء والمفكرون المجددون فهم كفار ومجرمون معاً، لأن الكفر حكم شرعي ترتبط به أحكام قانونيه أخرى، مثل التجريد من الجنسية ومصادرة أملاكه وتطليقه من زوجته. بحسب هذا المفهوم يظل الإرهابي مواطناً محتفظاً بكل حقوق المواطنة على رغم أنه مجرم (وهذا شيء طبيعي لأن الجريمة لا تلغي الحقوق الإنسانية)، لكن من يرى رجال الدين أنه كافر يفقد كل حقوق المواطنة، لأن المواطنة في الدولة الدينية قائمة على رابطة العقيدة ويفقد حقه حتى في رفض التهمة والدفاع عن نفسه، ولا حل له إلا الاستتابة أو  الموت.

يذكرني موقف الأزهر المتشدد تجاه حرية التعبير، واللين تجاه الإرهاب بموقف الكهنة والشيوخ من محاكمة المسيح وباراباس. كان باراباس لصاً وقاطع طريق وإرهابياً أزهق عشرات الأرواح، وكان المسيح مفكراً محتجاً، لكنه “كافر” ومهرطق بحسب موقف الكهنة وقتذاك. لهذا فضل الكهنة والشيوخ العفو عن الإرهابي وقتل المهرطق لأنه من وجهة نظرهم أخطر. باراباس عدو الناس والمسيح عدو الله. ووكلاء الله على الأرض لا بد أن ينتقموا له!

درج

————————

نيويورك تايمز: ماكرون يغذي فكرة “الإرهاب الإسلامي” ويدفع المواطنين المسلمين في بلاده للانفصال/ إبراهيم درويش

هل تقوم فرنسا بتغذية “الإرهاب الإسلامي” بزعم محاولة منعه؟ طرح العالم السياسي فينسنت غيسر والباحث في المركز الوطني للأبحاث السياسية بجامعة اكس- مارسيه، هذا السؤال في مقال نشرته صحيفة “نيويورك تايمز”، مشيرا إلى أن حكومة إيمانويل ماكرون تقوم وعن غير قصد بتفريخ الطائفية التي تريد منعها.

وجاء في مقاله أن الإرهاب ضرب مرة أخرى فرنسا، ومرة أخرى كشفت العمليات عن تناقضاتها الخطيرة.

جاء أولا قتل المدرس صمويل باتي، أستاذ التاريخ الذي قطع رأسه في 16 تشرين الأول/ أكتوبر على يد شاب شيشاني، بعدما قام باتي بعرض صور كرتونية ساخرة للنبي محمد على تلاميذ فصله.

ثم جاء الهجوم على كنيسة في مدينة نيس، وقُتل فيه ثلاثة من الذين كانوا فيها، وكان المشتبه به الرئيسي في الهجوم شاب تونسي، هتف “الله أكبر” أمام الشرطة. وبعد أيام من مقتل باتي أعلن وزير الداخلية جيرار دارمانين أنه سيقوم بملاحقة من يقومون بنشر الكراهية عبر الإنترنت. وقال إن “بركة سيتي” المنظمة الإنسانية غير الحكومية “عبّرت عن فرحها بتبرير الأعمال الإرهابية” وقام بحلها.

وهددت الحكومة بإغلاق مركز “كوليكتف ضد الإسلاموفوبيا في فرنسا” وهي مؤسسة غير ربحية تواجه الكراهية ضد الإسلام في فرنسا. وبحسب وزير الداخلية دارمانين، فالمركز يعمل “ضد الجمهورية”.

وبالإضافة للإجراءات الأمنية التي اتخذتها فرنسا، أكدت على حرية التعبير بما فيها حرية السخرية من الرموز الدينية، وتأكيد مركزية العلمانية المعروفة بـ”اللائكية” داخل المؤسسات الفرنسية خاصة المدارس.

وفي تأبينه للمدرس باتي، قال ماكرون إنه قُتل لأنه كان “يجسد الجمهورية الفرنسية” وأكد باسمه أنه “سيحافظ على اللائكية عالية”.

وبعد كل هذا، يرى غيسر أن مفهوم الحكومة الفرنسية للإسلامية أو الإسلاموية يقوم على افتراض إشكالي بُني على أن المسلمين فشلوا بتبني الثقافة العلمانية بشكل كامل.

وفي بداية شهر تشرين الأول/ أكتوبر، أعلن ماكرون عن خطة حكومية جديدة بما فيها قانون شامل محل النقاش لـ”تقوية اللائكية وتعزيز مبادئ الجمهورية” من أجل مواجهة ما أسماها “الانفصالية” أو الانعزالية. وتقوم الفكرة هذه على أن الأقلية المسلمة المهمة أبعدت نفسها عن بقية المجتمع الفرنسي، وخلقت جيوبا في الضواحي المحرومة، أو بنت مجتمعا خاصا من خلال المدارس الإسلامية ودكاكين الحلال والمساجد.

ويرى الكاتب أن عملية التشخيص هذه تثير التساؤل وتحمل مخاطر هزيمة الذات، وربما عرّضت النسيج الاجتماعي للخطر. وإحدى المشاكل لهذه الفكرة، هي أنها تعامل المسلمين وكأنهم فئة منفصلة عن الشعب الفرنسي، وأنهم مواطنون غير ناضحين تنقصهم المعرفة أو الفهم بفكرة الجمهورية.

وتناقض الدراسات والأرقام هذه الفكرة، وعلى رأسها المركز الوطني للدراسات الإحصائية الذي كشف أن غالبية المسلمين في فرنسا اندمجوا ثقافيا واجتماعيا في المجتمع الفرنسي. وأقل من الناحية الاقتصادية، وهذا ليس راجعا لهم، ولكن بسبب التمييز في سوق العمل. ووصف العالم السياسي الفرنسي برونو ايتين المسلمين مرة بأنهم “طبيعيون بشكل غير طبيعي”.  وربما نظر المسلمون الفرنسيون في ثمانينات وتسعينات القرن الماضي إلى اللائكية باعتبارها رديفا لمعاداة الدين والإلحاد الممأسس، ولكن هذا التفكير تغير.

وفي 2004، أعلن اتحاد الجمعيات الإسلامية في فرنسا، المنظمة المحافظة رأيها بقانون 1905 الذي ينص على فصل الدين عن الدولة، وقال الاتحاد: “كنا نتمنى ألا يوجد، ولكنه هنا ليبقى وسنطبقه”. وقالت نسبة الثلثين من المشاركين في دراسة أعدها المعهد الميال لليمين “معهد مونتين” عام 2016، أن الدولة العلمانية تسمح بحرية التعبير الديني. وفي دراسة نشرت العام الماضي، قالت نسبة 70% من المشاركين المسلمين، إنهم قادرون على ممارسة الإسلام في فرنسا، وقالت نسبة 41% إن على الإسلام التكيف بطريقة ما مع اللائكية، لكن 37% عبرت عن أملها لو كانت هذه الفكرة مرنة.

وعندما ينتقد المسلمون اللائكية اليوم، فهم لا ينتقدون فكرة الجمهورية العلمانية التي أقامها قانون 1905. فهذا يهدف لحماية حرية المعتقد من خلال مطالبة الدولة بالوقوف على الحياد عندما يتعلق الأمر بالدين. ونص القانون: “لا تعترف الدولة ولا تطبق أو تدعم طائفة” دينية.

والمسلمون الذين ينتقدون اللائكية هذه الأيام يفعلون ضد ما يرونه التفسير الأيديولوجي الذي يرمي أحيانا للوم المسلمين لفشلهم بالاندماج وغير ذلك من الأمراض الاجتماعية. ويشعرون ويخافون أن هذا المبدأ الليبرالي المتأصل أصبح غطاء للعنصرية ضد المسلمين، مفهوم تم تحريفه ونشره لكي يعطي صورة محترمة ومقبولة عن العنصرية.

وحذر جين بوبير، المؤرخ والخبير في علم اجتماع الأديان: “لنتوقف عن استخدام اللائكية ضد الإسلام”.  ومن الواضح الطريقة التي تقدم فيها زعيمة حزب “التجمع” اليميني المتطرف مارين لوبان حزبها بأنه آخر حاجز لحماية قيم الجمهورية بما فيها اللائكية، مع أن العناصر الجوهرية الكاثوليكية والمحافظة في التجمع لا تهتم كثيرا بهذا المفهوم.

وتحولت بهذه المثابة فكرة “عالمية” في الرؤية وتدافع عن التقدم، إلى شعار حزبي. وعادة ما يوبخ الخطاب السياسي الفرنسي المسلمين لعدم قدرتهم على نبذ الراديكالية الإسلامية بشكل واضح. إلا أن الاتهام يعكس حالة من الجهل أو عمى الألوان.

ويقول غيسر: “في مسار بحثي الخاص وجدت عدة أمثلة عن جماعات مسلمة تنبذ الإرهاب. وبعد هجمات 2015 قامت فدرالية مسلمة مهمة بدعوة المساجد للدعاء في خطب الجمعة لحماية فرنسا. ويقوم المسلمون بعقد صلوات منظمة للتضامن مع ضحايا الإرهاب الإسلامي من غير المسلمين. وبالطبع، فالمسلمون هم أحيانا ضحايا الإرهاب الإسلامي. ويعتبر إمام بوردو من أهم الأصوات الداعية لمنع التطرف”.

ويرى غيسر أن فكرة الحكومة عن “الانعزالية” الإسلامية إشكالية؛ لأنها تخلط بين ظاهرتين تتميزان عن بعضهما البعض “الإرهاب الإسلامي” الذي يهاجم رموز الأمة الفرنسية من جهة، و”الطائفية” الإسلامية التي هي تعبير عن نوع من الهوية الإسلامية، كمواطنين في فرنسا ومؤمنين بالإسلام.

ومن هنا فالتحذير من “الانعزالية” الإسلامية لن يعبئ مسلمي فرنسا ضد الراديكالية أو يعطيهم حساً بالانتماء ولكن العكس. وخطاب الحكومة الفرنسية لن يؤدي إلا إلى إقناع المسلمين أنهم بالتأكيد مختلفون عن بقية الشعب الفرنسي. وسيقوم قادة الدولة بزيادة العملية التي يخشون منها، وهي الهوية المسلمة المتميزة، ومجتمع منفصل داخل فرنسا.

القدس العربي

—————————-

القتل بالسكين الذي لا إصلاح دينياً يردعه ولا نهاية قريبة لمسلسله/ زياد ماجد

سادت اتجاهات ثلاثة في أكثر الكتابات العربية المعلّقة على جريمتي ذبح مدرّس التاريخ الفرنسي والسيّدتين المصلّيتين داخل كنيسة وأحد العاملين فيها في مدينة نيس جنوب فرنسا. الاتجاه الأول تبريري، استنكر بالكاد الجريمتين وعطف على استنكاره الخجول تحميل المسؤولية الأولى لفرنسا ولعلمانيّتها المتشدّدة وتاريخها الاستعماري وقوانينها التي أتاحت رسوماً يعدّها مسيئة للإسلام ونبيّه، وللغرب عامة وسياساته تجاه البلاد ذات الأكثرية المسلمة.

الاتجاه الثاني، أقلّ تبريرية، إذ استنكر بوضوح الجريمتين، لكنه خفّف من وزرهما ووضعهما في سياق عام من الجرائم، منزّهاً “الإسلام الحقّ” والمسلمين عن المقتلتين وعن كل أزمة أشار الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إليها في معرض حديثه الأخير عن المسألة الإسلامية.

أما الاتجاه الثالث، وطابعه أكثر نخبوية وأقل حضوراً، فانطلق من أن الحديث عن التاريخ والسياقات السياسية والاجتماعية هو بمجمله تعمية عن الموضوع الفعلي الواجب طرحه والتعامل معه، أي موضوع الإسلام بوصفه منظومة دينية وسياسية مأزومة ومولّدة للعنف إن في المجتمعات المسلمة أو عبر الحدود نحو العالم الأرحب. والمطلوب بالتالي إصلاح ديني وتغيير في الثقافة الإسلامية ومسلكيّات المنتمين إليها.

وإذا كان السجال مع الاتجاهين الأولين غير مجدٍ، إذ أن عدم القول القاطع بأن الجريمتين – كما جميع الجرائم التي سبقتهما في فرنسا وسواها – توحشّ وفظاعة مقزّزة بمعزل عن كلّ الظروف والسياقات الواجب تحليلها، وأن لا رسماً ولا كتاباً ولا كلاماً يمكن أن يبرّر اعتداءً فكيف بالذبح والقتل واستهداف مدرّسين ونساء في دور عبادة، فإن السجال مع الاتجاه الثالث ضروري للتذكير بعدة أمور.

من هذه الأمور بدايةً أن لا جديد في الدعوة إلى الإصلاح الديني (على أهمّيتها)، ولا علاقة للموضوع مباشرة اليوم بالإرهاب الضارب بسكّين أو بسيارة أو بسلاح ناري. فالخوض في شؤون الإصلاح الديني والكلام عن مواجهة التخلّف والاستبداد والبحث في القضايا السياسية والمجتمعية التي “تراجعت فيها أحوال المسلمين وتردّت أمورهم” كانت الشغل الشاغل لأدبيات كثيرة ظهرت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر واستمرّت لعقود طويلة. وتخلّلتها دعوات لمراجعاتِ أدبياتٍ دينية أو منسوبة إلى الدين، وقول بواجب الإعراض عن بعضها، وإشغال النقد والعقل في بعضها الآخر، ردماً للهوّة بين ممارسات ومعتقدات وموروثات متقادمة من جهة وتحدّيات معاصرة وقيم وحقوق إنسانية لا ينبغي نبذها أو التردّد حيال اعتناقها من جهة ثانية. كما أن الحديث العقلاني عن الغرب وعلومه رغم الصدام معه ومع غزواته الكولونيالية لم ينقطع، واعتُمدت حتى بعض مناهجه في قراءة التراث الديني الإسلامي نفسه وتحليله.

ورغم أن العقلية الرجعية داخل المؤسسة الدينية الرسمية والخوف من فقدان وصاية وسلطة منعت الإصلاح المنشود من فرض نفسه وأبقت الحقل الديني بنصوصه وشعائره لفترة طويلة خارج التبدّلات، فإن المجتمعات المسلمة أو ذات الأكثريات المسلمة لم تبقَ بمنأى عن هذه التبدّلات، إضافة إلى أنها اتّخذت مسارات متباينة ومتعدّدة، تزيد فيها الاختلافات عن التماثلات ويستحيل الكلام الرصين عنها (أي عن أكثر من مليار أنسان ينتمون طوعاً أو ولادة إليها) بوصفها أمّة أو جماعة واحدة تشدّها خصائص مشتركة.

على أن السجالات والأزمات التي رافقت كلّ ذلك وتبعته بعد الاستقلالات الوطنية ثم بعد التجارب والمسارات المختلفة المذكورة بين أربعينات القرن الماضي وثمانيناته، لم تؤدّ جميعها، رغم وعورتها والصراعات التي تخلّلتها في العديد من الحالات، إلى انفلات عنف إسلامي فردي أو منظّم يستهدف مدنيين أو منشآت مدنية في بلاد منشئه أو خارجها. فقبل الجهاد الأفغاني ضد الاحتلال السوفياتي المموّل والمجهّز سعودياً وباكستانياً وأمريكياً وما نجم عنه من تأسيس شبكات جهادية عابرة للحدود الوطنية، وقبل الثورة الإيرانية وتصدير إيديولوجيتها وفتوى الخميني بقتل سلمان رشدي بعد صدور “الآيات الشيطانية” لم يعرف العالم إرهاباً يتّخذ من الإسلام مرجعاً وذريعة وأفقاً لأنشطته.

وهذا يعني أن الاكتفاء بتشخيصٍ قوامه مأزومية الإسلام والمسلمين لا يفسّر الظواهر العنيفة اليوم، ولا يقدّم وجهة للتعامل معها، ولا يخرج عن تكرار مقولات كانت قبل عقود أكثر إقداماً وجذرية. وهو فوق ذلك لا يُقيم اعتباراً لكون القسم الأكبر من المسلمين المختلفين في لغاتهم وثقافاتهم وميولهم السياسية وأذواقهم وطبقاتهم الاجتماعية ومنابتهم المدينية أو الريفية، لا علم لهم أصلاً بوجود نصوص تراثية أو معتقدات دينية مطلوب حذفها أو تشذيبها لاعتبارها مسؤولةً عن بعض السلوكيات الإرهابية. أما الجماعات المعتمدة العنف سلاحاً وحيداً، والمتحوّلة عدمية في تعميمها الكراهية والموت، فلن تتأثّر من جهتها بإصلاحات دينية أو بمراجعة نصوص. ذلك أن مخيّلتها الإرهابية أنشأت منظومتها الخاصة وافتتانها بالقوة المجرّدة في غالب الأحيان من السياسة، أو الفقيرة سياسياً والمعوّضة فقرها بالقسوة. والجماعات هذه تجد في مظالم “الحروب على الإرهاب” القائمة منذ التسعينات، والمتحوّلة إيديولوجيا مكتفية بذاتها بعد هجمات 11 أيلول/سبتمبر 2001، وتجد أيضاً في الاحتلالات الأجنبية والتوحّش الاستبدادي في أكثر الدول العربية كما في العنصرية المتقدّمة خوفاً أو كراهية في الغرب وفي الصين والهند وبورما وروسيا والبرازيل قوتاً يُعينها على الجذب وعلى ادّعاء الردّ والذود عن كرامات الإسلام والمسلمين المنتهَكة.

الإرهاب المنخفض الكلفة وطلب “الشهادة“

ولعل جيلين من الشبان المسلمين المعنّفة مجتمعاتهم من أنظمتها السياسية والعسكرية والاقتصادية، التائهين في هويّاتهم الجمعية وإخفاقاتهم الشخصية في مجتمعات هجراتهم أو هجرات أهلهم، المحبطين والمُهانين من ظروف لم يعد لهم ما يمكّنهم من التحكّم فيها، بات لهم منفذ على المخيّلة الجهادية المشار إليها، المدعومة منذ نشوء الهواتف المحمولة ثم وسائل التواصل الاجتماعي بمشهديّة بصريّة تزعم ردّ اعتبار ذاتي عبر العنف، وشهادةٍ تفتح لهم أبواب الجنة وتعفي من الذنوب السابقة (المرتبطة غالباً، كما تُظهر الوقائع، بتهريب مخدرات وجرائم نشل أو عنف منزلي). كما أن ما يشهده الشبّان إياهم من تمييز وعنصرية وما يعتبرونه تعدّ على معتقداتهم المستجدة في لحظة هشاشتهم القصوى، يتحوّل أحياناً إلى انتقام عشوائي يستلهم سوابق جعلت من أصحابها أبطالاً في بعض المرويّات المحلية ومن صورهم وصور فظاعاتهم مادة تداول مثيرة. وكل هذا يدفع ببعضهم إلى دهسٍ وطعن ترافقه صرخات التكبير، بما يكفي بعرفهم لجعلهم دعاة الجهاد الجديد ورجاله.

وهؤلاء، لا إصلاح دينياً، ولا إقفال مساجد، ولا إجراءات أمنية، ولا رصد تمويل (لا يملكونه أصلاً) يمكن أن تحول دون إخفائهم سكّين مطبخ وطعنهم مارة في شارع في باريس أو في أي مكان في العالم.

أما الأكثر تدبيراً ونضجاً منهم والأكبر سناً والأقدر على إنزال الأذية بالمستهدفين لارتباط تنظيمي أو لتجربة جهادية ميدانية “حقيقية” سابقة، الغاضبين لأسباب سياسية أو عقائدية، ممّن عدّهم الباحث الفرنسي أوليفيير روا نتاج “أسلمة الراديكالية” (وليس “راديكالية الأسلمة”)، فالتعامل معهم يبقى صعباً، ولو أن استباق هجماتهم المسلّحة أقلّ استحالة لحاجاتهم اللوجستية ولتحضيرهم الطويل نسبياً لعملياتهم بما قد يسمح باختراقهم. لكن هؤلاء بدورهم، لا إصلاح دينياً يُصيب تصميمهم، ولا إسقاطاً لنصوص وتذكيراً بآيات وترداداً لأحاديث تعنيهم طالما أن ثمة ما يقابلها من ناحية، وطالما أن المناخات السياسية في العالم بأجمعه التي أنتجت ثقافاتهم وغضبهم وتجاربهم لم تتبدّل من ناحية أُخرى.

وإذا كان وسط كلّ هذا من فائدة للقول بخصوصية فرنسية ترتبط بتماس فرنسا المستمر مع ماضيها الكولونيالي، وبجمود نظامها السياسي وتطرّف المقاربات العلمانية الجمهورية فيها وتصاعد التوتّرات في بعض ضواحي مدنها المهمّشة منذ الثمانينات حيث تقطن غالبيات من أصول مهاجرة، وإذا كان من فائدة أيضاً للبحث في سبل تفكيك خطابات الجهاد العدمي والكراهية الإسلامية المتطرّفة ومثلها خطابات الإسلاموفوبيا المتعاظمة لتخفيف الاحتقانات المجتمعية، فإنه في المقابل لا فائدة من طرح مسألة الإصلاح الديني لمواجهة الإرهاب إلا على أساس اعتبارها ضرورة للإسلام والمسلمين عامة، وواحدة من عشرات المسائل الواجب الخوض فيها. والأخيرة هي نفسها المسائل السياسية والاقتصادية والحقوقية التي تعني البشرية بأسرها اليوم في عالم تتعمّق المظالم فيه وتتصاعد النزعات الفاشية والاستئصالية. ولا شيء سوى ذلك سيحول دون استمرار الإرهاب المولود في الثمانينات من الاستحواذ على مخيّلات أفراد مأزومين وعدميّين، ظالمين ومظلومين…

* كاتب وأكاديمي لبناني

القدس العربي

————————

حين يتحدّث ماكرون عن الإسلام/ عباس بيضون

استنفر خطاب ماكرون في تأبين صاموئيل باتي، وقبيل الجريمة، ردوداً عارمة من الوسط العربي والإسلامي، ردوداً لم يكن لها مثيل اتجاه صفقة القرن أو التطبيعات المتوالية للإمارات والبحرين وبعدهما السودان. ذلك قد يعني أنّ الصبغة الدينية تفوز على الصبغة القومية، أنَّ الإسلام الآن هو القضية في مواجهة الغرب، ولم تعد فلسطين هي القضية، حتى عند الحكومات العربية وشعوبها.

لا نعرف بالضبط ماذا يغلب على شواغل الجيل الجديد. لكنّنا نفهم أن الديني والقُطري أيضاً يتصدّرانها في ما يتضاءل الهمُّ القومي. لكن حين نعلم أنَّ المشتبَه به في الاعتداء على “شارلي إبدو” باكستاني، في حين أن قاتل صاموئيل باتي وقاطع رأسه شيشاني، الاثنان ليسا من الأقلية المغاربية ذات الأصل العربي التي تبلغ قرابة ستّة ملايين في فرنسا، فذلك يؤشّر إلى أنَّ الإسلام العالمي هو الآن في الصدارة، وهو في تنامٍ يجعله يسبق الإسلام العربي أو يغدو موجةً عالمية للإسلام، قد تعقب تطوُّرات وموازين لا يمكن التنبّؤ بها. بالطبع، ليست هذه بادرة جديدة وتنظيم “داعش” سبق إلى ضمّ المسلمين من كلّ الأطراف، مع أن الثقل العربي كان لا يزال بادياً فيه. كان الأمر نفسُه، وإن بدرجة أقلّ في القاعدة. يمكننا لذلك أمام الاستنفار العارم الإسلامي الذي شمل ردوداً إسلامية، تركية في رأسها، أن نتكلّم عن موجة، أو عن حملة، إسلامية متصاعدة.

لن نناقش ماكرون في ما لمّح إليه قُبيل مقتل باتي وبعده. الواضح أنَّ الرجل ليس أي ملاحظ أو مناظر، إنه رئيس جمهورية فرنسا، ولكلامه أكثر من وزن شخصي. إنه يتكلّم من موقع الرئاسة وكلامه لذلك قد يبدو رسمياً، قد يكون لذلك بياناً رئاسياً وخطاباً للجمهورية. حين يقول ماكرون إن الإسلام في أزمة فإن هذا، قد يقوله مسلم، وقد يقوله صحافي أو كاتب فرنسي، وإذا قيل على هذا النحو، فهو قابل للبحث، وقد يصل إلى استنتاجات شتى. لكن حين يكون دعوى الرئيس، فإننا نتساءل إلى أيّ حد يستتبع ذلك سياسات وإجراءات من أي نوع.

حين يتكلّم الرئيس عن انفصالية إسلامية وعن نزوع إلى إقامة كيان منفصل عن الجمهورية أو داخلها، فإنَّ كلامه يتوجّه إلى ستّة ملايين من مواطنيه، يجعلهم بكلامه هذا خارج هذه المواطنية. إنهم فرنسيون وينبغي أن يكونوا كذلك بالنسبة إليه، وألّا يكونوا عنده أو عند الدولة مسلمين أوّلاً، أي مختلفين وخوارج. من بين هذه الستّة ملايين لم تصدُر دعوى انفصالية، وإذا كان الانفصال، في نظر ماكرون، قائماً في العقيدة نفسها، فهذا أدهى؛ إذ حين يقول إنّ الإسلام في أزمة، نفهم بحسن نية أنه لا يعني العقيدة، ولكن تمثُّلاتها الاجتماعية والتاريخية والسياسية. أمّا أن يكون الانفصال في العقيدة، فهذا مبحث لا يجوز طرحه من موقع الرئاسة، ولا يجوز إطلاقه على كتلة الملايين الستّة من المواطنين.

ماكرون فرنسي وفرنسا الدولة انفصلت عن الدين منذ الثورة الفرنسية، وحين يتكلّم عن أي دين من خارجه نفهمه، وحين يرفض محاولة تديين الدولة أو تديين النظام، نعرف من أين ينبع كلامه وإلى أين يتّجه. قد يقول قائل سواه إنّ لا سبيل في الجمهورية إلى منع كاريكاتيرات كتلك التي نشرتها “شارلي إبدو”؛ إذ ذاك نفهم أنّ وراء هذا الكلام تراث من نقد الدين وحتى ازدرائه.

لن نذكر هنا المفكّرين الذين عادوا المسيحية، فالتراث الأوروبي حافل بهم. ولا نذكر الفنّانين والأدباء الذين هزأوا من المسيحيّين وسخروا من المسيح ذاته، فهم لا يُحصون. لكن هؤلاء لم يكونوا رؤساء جمهوريات، ولم يكن كلامهم إجراءً رسمياً أو موقفاً للسلطة. فليرَ ماكرون في كاريكاتيرات “شارلي إبدو” أمراً مشيناً. هذا رأيه، وهو بالتأكيد رأي ملايين من الفرنسيّين، لكن هؤلاء ليسوا رؤساء الجمهورية. من حقّ الرئيس ألّا يتعرّض لهذه الكاريكاتيرات، لكن ليس من حقّه أن يتبنّاها، وأن يأمر بالاستمرار فيها، فهذا الكلام هو أيضاً دمغ للسلطة التي ينبغي، تبعاً لقانونها، أن تبقى بعيداً عن هذه المناظرة. لا تمنع شيئاً لكنها لا تتبنّى شيئاً، ولا تُحوّل رأياً من آراء المتخاصمين إلى موقف لها، وإلى رأيها الخاص.

مهما يكن من هذه المناظرة، فإن الذي عاناه المسلمون في أطراف إسلامية شتى من التطرُّف الإسلامي، وما وقع عليهم من عنفه وشطحه، وما عانته المجتمعات التي تحكّم فيها هذا التطرُّف من مسلمين وغيرهم، من أمور ليس أقلُّها القتل والسبي، ما كابده المسلمون وكابدته هذه المجتمعات هائل فظيع، وقد لا يكون القتل وقطع الرؤوس سوى نموذج منه ومثل عليه.

* شاعر وروائي من لبنان

العربي الجديد

————————-

عن الإسلام وأوروبا: حذار من اللعب مع الحرّيّة/ أسعد قطّان

تنبسط القارّة القديمة على جمالها الذي لا يشبه إلاّ ذاته ولا يُنسب سوى إلى ذاته. تنبسط القارّة القديمة على مجاز شكسبير وصرامة إيمانويل كانط في عمارته الفكريّة وروح الشرائع في فلسفة التشريع لدى مونتيسكيو. منذ أكثر من ستّين سنة وهذه القارّة تقدّم للمسلمين الذين أتوها أفضل ما عندها، وهو ما لا تقدّمه لهم غالبيّة المجتمعات التي كانوا ينتسبون إليها والتي نسمّيها «إسلاميّة». تقدّم لهم أوروبّا شيئاً من الرخاء الاقتصاديّ وكثيراً من العدل الاجتماعيّ فيما معظم المجتمعات الإسلاميّة ما زالت تشهد، سواء في القوانين أو في الممارسة، تمييزاً فاضحاً لمصلحة الأقوياء في السياسة على حساب الفقراء والضعفاء. تقدّم لهم حقوق الإنسان والمساواة بين المرأة والرجل فيما نحن ما زلنا، في معظم المجتمعات المدعوة إسلاميّة، نربّي الأطفال على القمع، ونضطهد النساء ونبارك منظومات تشريعيّة تنتقص من حقوقهنّ المجتمعيّة والجنسيّة. والحقّ أنّنا نقوم بكلّ هذا باسم ذكوريّة تافهة تعيد إنتاج ذاتها عبر استعادة نصوص دينيّة على نحو إطلاقيّ يتجاهل تطوّر المجتمعات وحركيّة التغيّر في العقول والذهنيّات. وتقدّم أوروبّا لهؤلاء الحرّيّة، وهي قيمة متأصّلة في الكتب الدينيّة، حيث يدعو الله الإنسان إلى اختيار الخير ونبذ الشرّ، وتشكّل بالاستناد إلى الخبرة التاريخيّة أعمق ما يكوّن وعي الإنسان بالنسبة إلى ماهيّة ذاته. هذه الحرّيّة ما زالت تعتريها في معظم المجتمعات الإسلاميّة نواقص في التشريع وفي الأداء المجتمعيّ، وغالباً ما نسمع ممثّلي المؤسّسات الدينيّة يذمّونها بالاستناد إلى حجج خرقاء.

كيف نفسّر الشرخ بين القيم الإنسانيّة العليا التي تدافع عنها أوروبّا وتجعلها نبراس حسّها المجتمعيّ وبين غالبيّة المجتمعات الإسلاميّة؟ الجواب التبسيطيّ هو أن يقال إنّ المشكلة تكمن في الإسلام ذاته. الجواب تبسيطيّ، أوّلاً، لأنّه ليس ثمّة إسلام منفصل عن المسلمين. فالدين في تمظهره المجتمعيّ يرتبط بأحوال البشر الأفراد ومخزوناتهم الثقافيّة وسلوكيّاتهم، وهذه متنوّعة ولا يمكن اختزالها. أستاذة الطبّ المسلمة ذات التوجّه العلمانيّ في بيروت تلتقي مع المتصوّف المولويّ في اسطنبول على الانتساب إلى الدين ذاته من حيث الأركان والمنطلقات. ولكنّ هناك آلاف الظلال التي تميّز إسلام كلًّ منهما في المقترب الذهنيّ والثقافة والسلوك والعلاقة مع التراث. نكران هذه الظلال أو محاولة إبطالها هما من باب التهويم الإيديولوجيّ. وجواب كهذا تبسيطيّ، ثانياً، لأنّ لكلّ مجتمع من المجتمعات الإسلاميّة حكايته مع التاريخ، وهذه الحكاية صاغته وشكّلته. تاريخ الإسلام في إندونيسيا ليس إيّاه تاريخ الإسلام في إيران. والتاريخ ينشئ اختلافاً في الوعي واختلافاً في الحسّ. من لا يلتفت إلى كلّ هذا التنوّع، يقع في فخّ جعل الإسلام مرادفاً للإرهاب والعنف. وإطلاق الأحكام التعميميّة من خارج الإلمام بالشرط التاريخيّ لا يدمّر الموضوعيّة فحسب، بل هو معرّض أيضاً لأن يغذّي سيكولوجيا عنفيّة متأصّلة في قيعان الذات الفرديّة والجماعيّة.

ولكنّ نبذ الاختزال والتعميم يجب ألاّ يفضي بنا إلى مجانبة السؤال. لقد آن الأوان أن ينبري المسلمون إلى تفحّص هذه المسألة بجدّيّة (وبعضهم منخرط في ذلك) عوضاً من أن ينصرفوا إلى دفاع رخيص عن الإسلام ونبيّه غالباً ما يسوق إلى تسطيح الأشياء وقذفها إلى دائرة الخطاب الشعبويّ. كيف نفسّر الافتراق بين غالبيّة المجتمعات الإسلاميّة والمنظومة القيميّة الإنسانيّة الحديثة؟ أيّ جواب جدّيّ على هذا السؤال لا بدّ له من أن يكون متعدّد الجوانب، إذ أغلب الظنّ أنّنا نتعامل مع قضيّة ذات عوامل متشابكة. ولكنّ الأكيد أنّ جزءاً من الردّ يكمن في علاقة الإسلام المأزومة بالحداثة الغربيّة. فهذه الحداثة هي التي تصنع كلّ شيء اليوم: تصنع الفكر وتصنع الثقافة وتصنع التكنولوجيا وتصنع الاقتصاد وتصنع التاريخ، بحيث يبدو الإسلام بإزائها هامشيّاً بعدما كان يمسك بناصية صنع الحضارة الإنسانيّة طوال قرون. وفق هذا المنطق، يبدو الإسلام حيال الحضارة الغربيّة أشبه بالملك المخلوع عن عرشه رغم مملكته المترامية.

في هذه العمليّة التحليليّة المعقدّة الثنيّات التي يتعيّن على العقل الإسلاميّ أن يخوضها بنزاهة فكريّة وشفافيّة وانفتاح على كلّ احتمالات المساءلة والمراجعة والتصويب، لا بدّ من إلقاء البال إلى أمرين: إشكاليّة تأويل النصوص الدينيّة وإشكاليّة الحرّيّة.

ما خلا استثناءات قليلة مهمّة ولكنّها قليلة التأثير على وجه العموم، تدور عمليّة تأويل النصّ القرآنيّ ونصوص التراث الإسلاميّ اليوم في حلقة شبه مفرغة. فمن يمسك بناصية التفسير والتشريع في العالم الإسلاميّ، ولا سيّما المؤسّسات والحوزات المدعوة «علميّة»، ما زال يقوم بالعمليّة التأويليّة والتشريعيّة بالاستناد إلى مجموعة من علوم الدين الموسومة بختم الماضي، وذلك في انقطاع كلّيّ عن كلّ ما أنتجته العلوم الإنسانيّة الحديثة، كالتاريخ وعلم الآثار وعلم الاجتماع وعلم النفس، من مناهج حديثة في فهم النصوص وتأويلها. طبعاً، جزء من هذه المعضلة يكمن في أنّ هذه العلوم غربيّة الطابع ولصيقة بالحداثة الآتية من الغرب. ولكنّ المسلمين في الماضي تفاعلوا مع علوم اليونان والفرس والهند ولم يقولوا: هذا منتج من خارج «الأمّة» لا يسوغ الأخذ به. فلماذا يحجمون اليوم عن المنتج العلميّ الغربيّ؟ مشكلة العقل الإسلاميّ اليوم مردّها أنّ العلوم الإنسانيّة التي أتينا على ذكرها تشكّل، من جهة، وعي كثيرين من المسلمين حول العالم. ولكن حين نأتي إلى علوم الدين، من جهة أخرى، فإنّ هذه تبدو أشبه بمنظومات ماضويّة مقفلة وغير قادرة على مجاراة العصر وما يتّصف به من تبدّلات ثقافيّة وذهنيّة. هذا الافتراق بين العلوم الحديثة وعلوم الدين ينشئ فصاماً يدفع المسلمون ثمنه فيما معظم حوزاتهم العلميّة تخشى الانزياحات إمّا بضغط السياسة أو محافظةً على سلطتها وإمعاناً في تسلّطها. المسلمون اليوم لا يحتاجون إلى «إحياء» لعلوم الدين، بل إلى تجديد لهذه العلوم عبر استلهام الإنسانيّات الحديثة، مع كلّ ما تستبطنه هذه العمليّة الجريئة والشاقّة من تبدّل في استقراء احتمالات العلاقة بين المعطى الإلهيّ والمعطى الإنسانيّ.

الأمر الثاني هو قضيّة الحرّيّة. لا يقعنّ أحد في الوهم. لن يتراجع الإيمان بالحرّيّة الإنسانيّة في الفكر والتعبير. وهذه الحرّيّة مسؤولة أمام ذاتها فقط، ولا أحد يرسم لها قنوات وحدوداً لا باسم مراعاة المشاعر الدينيّة ولا بالاستناد إلى أيّ معيار آخر. فمن يكمّ اليوم الأفواه لئلاّ يشعر المسلمون بأنّ نبيّهم يهان، ربّما سوّغت له نفسه غداً أن يكمّها باسم العرق أو الجنس أو الانتماء القوميّ. هل هذا ما نريده؟ لا يلعبنّ أحد هذه اللعبة مع الحرّيّة باسم الدين والدفاع عن الأنبياء والمرسلين. فالحرّيّة كنز ثمين لا يفرّط به، والأنبياء لا يحتاجون إلى من يدافع عنهم. يضاف إلى ذلك أنّ جزءاً من هذه الحرّيّة هو نقد الدين. هذا النقد لم تخترعه الحداثة الغربيّة ولا هو لقيط الدوريّات الكاريكاتوريّة الفرنسيّة. أوّل من مارس نقد الدين كان الأنبياء ذاتهم من ابرهيم إلى محمّد مروراً بعيسى المسيح، ومن بعدهم فلاسفة ودعاة دينيّون كثر. لولا هذا النقد، لما تدرّب البشر على إقامة تمييز ممدوح بين الدين الأصيل والدين الكاذب ولظلّوا يتخبّطون في مستنقع الأسطرة وتفتك بهم دودة الخلط بين الدين والخرافة. حذار من اللعب مع الحرّيّة باسم الدين. فالتجربة التاريخيّة التراكميّة تثبت أنّ لعبةً من هذا النوع غالباً ما تكون خاسرة. وحتّى لو ربحها الدين، فإنّه يخسر ذاته، إذ ماذا يبقى من الدين إذا انتفت الحرّيّة الإنسانيّة؟

المدن

———————–

الإسلاموفوبيا والعلمانية في فرنسا/ بشير البكر

فرنسا دولة قوانين، وخاصة تلك التي تحارب وتعاقب جميع أنواع التمييز والاعتداءات ذات الطابع الديني والعرقي، ولكن المشكلة تكمن في التطبيق على النحو الصحيح. وإذا أخذنا ظاهرة مثل الإسلاموفوبيا نرى أن التقارير التي تصدر عن هيئات متخصصة تؤكد بأنها تتصاعد بسرعة منذ حوالي عقدين. وتفيد بعض الأوساط الإسلامية المراقبة للظاهرة أنها أضخم بكثير مما يرد في التقارير، وكثيرا ما علقت “رابطة مسلمي فرنسا” على الأرقام واعتبرتها “بعيدة على الواقع” وأنها لا تعكس حقيقة ظاهرة “الإسلاموفوبيا”، التي تفشت بشكل سريع في المجتمع الفرنسي. ولذا لا تقف تقارير هيئة “الائتلاف ضد الإسلاموفوبيا ” عند الجوانب القانونية، بل تدعو للقيام بحملات للتعريف بمفهوم المواطنة واعتبار أن عهد “الانتماء الديني” الأوحد قد ولى، وحان الوقت للاعتراف بالتعددية الدينية للمواطنين، وهو الأمر الذي يمكن من مزيد التعرف على الأديان الأخرى، ومن ضمنها الإسلام حتى لا يبقى الإسلام ديانة “أجنبية” في فرنسا وفقا للتقارير. وتحض التقارير على وجوب مقاومة “الخوف من الإسلام” ومن الآخر وتصوير العالم على كونه حربا بين الأديان في وسائل الإعلام ولدى المثقفين، والتي عادة ما تحاول إظهار اللاتطابق بين الجمهورية والأقليات وبين المسلمين والديمقراطية.

وهناك مهمة تقع على عاتق المثقفين الفرنسيين، وهي التذكير بقيم الاختلاف واحترام الخصوصيات الشخصية والاجتماعية والعمل إعلاميا على محاربة أفكار نهاية التاريخ وصدام الحضارات. ويجدر هنا التوقف أمام الكتاب الذي أصدره عام 2008 المفكر الفرنسي من أصل بلغاري الناقد الراحل تزفتيان تودوروف تحت عنوان “الخوف من البرابرة، ماوراء صدام الحضارات”، وهو يتحدث عن انتشار عدوى “الإسلاموفوبيا”، بوصفها بابا للارتداد عن القيم الغربية نفسها، باسم الدفاع عنها. فالخوف يصبح خطرا بالنسبة للذين يشعرون به. بل إنه باسم الوقاية من القيم والسلوكات غير الإنسانية لدى الآخر، يصبح التبرير الرئيسي للسلوكات نفسها.

إن الخوف من “البرابرة” من شأنه أن يحولنا إلى “برابرة” حسب المؤلف الذي يلوذ بالتاريخ بشكل منهجي مطرد، ليبرز أن العلاج قد يكون أخطر من المرض ذاته. فقد قاد الاستسلام للخوف في الغرب إلى الدخول في مغامرات عسكرية أنتجت فشلا مزدوجا “جعلت الخصم أكثر قوة، وجعلتنا أكثر ضعفا”. ويرى الكاتب أن الخطر الإرهابي في الحالة الأميركية لم يكن فعل دول بل فعل أفراد، وبالتالي فإن ضرب دول مسلمة عسكريا (العراق وأفغانستان..) لم يضعف الإرهابيين وإنما ألقى بهم في حضن الشعوب. ثم إن هذه الحملات أنعشت مشاعر الحقد والرغبة في الثأر لدى الجماهير الواسعة، فضلا عن أن المبالغة في الرد على الإرهاب أسقطت الغرب في التناقض مع قيمه، وهو يتبنى أو يغض الطرف عن الاجتياح العسكري المنافي للقانون الدولي وممارسة التعذيب وقصف قرى المدنيين من وحي المفهوم المكيافيلي “الغاية تبرر الوسيلة”.

ومن بين “التواريخ السلبية” بالنسبة للأقلية المسلمة في فرنسا خلال العقدين الماضيين إقرار قانون حظر الرموز الدينية، ومن بينها الحجاب في المدارس الفرنسية، وطرد أئمة من الأراضي الفرنسية، بجانب تزايد الانتهاكات والإساءات ضد المسلمين، وتنامي ظاهرة “الإسلاموفوبيا”. وشهد العقدان الأخيران اهتماما بالغا بالإسلام وقضايا الجاليات المسلمة، وظهر ذلك بصورة لافتة للنظر وغير مسبوقة في مختلف وسائل الإعلام، ويكفي أن ننظر إلى رفوف المكتبات التي امتلأت بالكتب حول الإسلام. غير أنه من اللافت أن هذا الاهتمام كان ينحو أحيانا إلى تجريم المسلمين تحت لافتة محاربة الظاهرة الإسلامية. وشكل قانون منع الرموز الدينية الظاهرة في المدارس الحكومية، ومنها الحجاب، أبرز الأحداث المؤثرة على الأقلية المسلمة في فرنسا، حينما أقرت الحكومة الفرنسية مطلع 2004 مشروع القانون رغم اعتراض “حزب الخضر” والحزب الشيوعي الفرنسي”. وقد لعب حزب “التجمع من أجل الحركة الشعبية” اليميني الحاكم والحزب الاشتراكي (أكبر الأحزاب المعارضة) دورا مهما في تمرير القانون رغم أنه من النادر أن يتفق الحزبان على قانون واحد. وبمقتضى القانون يحظر ارتداء الحجاب والصليب كبير الحجم والقبعة اليهودية وعمامة طائفة السيخ بالمحيط المدرسي، ويتم طرد غير الملتزمين بهذه التعليمات من المدارس. واتجهت فرنسا إلى إقرار ذلك القانون بعدما طالبت اللجنة المكلفة بمراقبة العلمانية بفرنسا بإصدار تشريع يحظر الرموز الدينية، خوفا من تأثير الدين على النظام العلماني في فرنسا، على حد تقدير اللجنة. وتبدو المقاربة هنا أنه حين تثير الممارسة الدينية لدى الأقليات حفيظة شريحة من الفاعلين السياسيين والإعلاميين الذين يبنون مجدهم على شعبوية يمينية تنسب جميع أمراض المجتمعات الغربية إلى الأجانب والمسلمين بوجه خاص، بل تطور الأمر إلى إفراز طبقة من “الخبراء” في الإسلام الذين تناسلوا فجأة في وسائل الإعلام، وهم يعتبرون التدين خطرا ينبغي محاربته بوصفه يحمل كابوس العودة إلى عهد الشمولية الكنسية.

المدن

——————-

حوار| آلان غريش: الإسلام في فرنسا لا يزال موضوعًا استعماريًا

سفيان البالي

سترات صفراء تقترب من سنتها الثانية في الشارع، ونقابات ساخطة على الحكومتين المتعاقبتين. كلّ هذا منضافٌ لما طبع السنة التي نودع من كارثة صحية، دفع ثمنها الفرنسيون عدد إصابات تعدى المليون، جائحة فيروس كورونا الجديد. فيما لا يقارنُ كلّ هذا بالفاتورة الاجتماعية للأزمة، راسمة مشهدًا من الهشاشة والفقر اللذين يترصّدان شريحة مهمة من الشعب الفرنسي، واقتصاد البلاد يمرّ بأحلك فتراته.

ليس لهذا التذكير المقتضب بما تعيشه فرنسا من مصاعب داخلية من هدف، إلا إلقاء الضوء على الشروط الموضوعية التي طبعت ولاية الرئيس إيمانويل ماكرون كأحد أكثر الولايات الرئاسية قلقًا في تاريخ الجمهورية، إن لم تكن أكثرَها على الإطلاق. كما الظروف الي خرج تزامنًا معها ماكرون بخطابه لـ “محاربة الانعزالية الإسلامية”، وهو الخطاب المثير للجدل والذي أعاد سؤال الإسلام والأقلية المسلمة في البلاد إلى الطفو على سطح الرأي العام.

للإجابة عن هذا السؤال وعن طبيعة العلاقة التي تجمع فرنسا بالإسلام، وعن تصاعد الخطاب المعادي للهجرة والمسلمين، يحاور “ألترا صوت” آلان غريش، الكاتب الصحفي الفرنسي ومدير موقع Orient XXI.

    مصطلح “Séparatisme” كان الكلمة المفتاح لخطاب ماكرون في الثاني من تشرين الأول/ أكتوبر، والذي دخل الساحة الإعلامية لأول مرة عبر ذلك الخطاب، لدرجة أن هذا الإعلام في قسمه العربي لم يجد للكلمة مقابلًا واحدًا بل اثنين: هناك من ترجمه بـ “انفصالية” و هناك كذلك من ترجمه “انعزالية”. كيف تفهم هذا المصطلح؟

من الأجدر طرح هذا السؤال على ماكرون، لأننا نحن أيضًا نجد عسرًا في فهم هذا المصطلح. لكن هناك مقال لأوليفيي روا، وهو باحث كبير في الإسلاميات، يربطُ فيه بين مصطلح “الانفصالية” الذي برز عبر خطاب الرئيس وقانون سنة 1905 الذي جاء ليفصلَ الكنيسة عن الدولة، إذن فالقانون الذي أتى لإقرار اللائكية سميَ بـ “قانون الفصل”. فيما إيجاد تعريف عام للمصطلح يبقى صعبًا نوعًا ما، بل حتى ماكرون ذات نفسه ليس متأكدًا من استعماله، وأقر بذلك حين قالَ إن القانون الذي سيطرح في الفاتح كانون الأول/ ديسمبر القادم لن يتضمن مصطلح “الانفصالية”.

عدا هذه الإشكالات الدلالية، هناك جانبان مهمان يحيل عليهما الخطاب: قبل كل شيء، أن السلطة ورئيسها إيمانويل ماكرون يفترضان وجود ضرورة لسن قانون متعلق بالمسلمين، والواقع أن ماكرون أعلنها بعظمة لسانه كون  الانعزالية التي يقصدها إسلامية، إذن فالأمر متعلق مباشرة بالمسلمين. بالمقابل، وكما تعلمون نحن في بلد يعيش أزمة صحية خطيرة، يعيش تصاعدًا مهمًا في معدلات الفقر، مشاكل اجتماعية بالجملة، مشاكل الصحة والتعليم.. إلخ.  بالتالي يصعب علينا تصديق أن تكون أولوية حكومة ما  في ظل كل هذه الظروف هي التطرق لـ “الانعزالية الإسلامية” وما يقع داخل الأوساط المسلمة.

ولا نعرف حقا إذا ما كان الأمر له علاقة بتهديدات التطرف، لأن هذا المصطلح يحتاج تفسيرًا هو الآخر، أم متعلق بالجريمة، أم هو مزيج من هذا كله.. إذن، حتى قبل الاضطلاع على محتوى هذا القانون الذي وعد به ماكرون، المشكلة تكمن في كونه غير ضروري في الوقت الراهن، وأنه يهدف فقط إلى التعتيم على المشاكل الحقيقية التي تعيشها البلاد، بمعنى أنه يجعل من المسلمين فزاعة لتهريب النقاش العام عن تلك المشاكل الحقيقية.

    لكن هل ترى أن هناك خطرًا حقيقيًا لما يًسمى بـ”الانعزالية الإسلامية” داخل فرنسا؟ 

حسب ما أفهمونا، فهذه “الانعزالية ” تعني إرادة العيش على تراب الجمهورية لكن خارج قوانينها. فيما الحقيقي في الأمر هو وجود أحياء شعبية، فقيرة في معظمها، الجزء الكبير من ساكنتها هم جاليات مهاجرة، جاليات مسلمة على وجه التحديد، بمختلف أصولها ووضعياتها المختلفة -عكس النظرة  السائدة عند الفرنسيين على أن هذه الجالية المسلمة وحدة متجانسة- تعيش وضعية صعبة داخل هذه الأحياء الهامشية. إذن، فالحقيقة أنهم ليسوا هم من انعزلوا عن الجمهورية، بل الجمهورية هي من انسحبت من حياتهم، وتركتهم يعيشون في وضعية الحرمان تلك، دون خدمات اجتماعية، دون خدمات صحية، دون مصالح عمومية ولا وجود للشرطة.. هي ذي الانعزالية الحقيقية،  لكن الدولة هي من تتحمل مسؤولية حدوثها.

ومن داخل هذا الوضع، نعم هناك بعض الجماعات المتشددة –السلفية بالأساس-  تحاول التوسع، مستغلة التهميش وانسحاب الدولة من هذه الأحياء. لكن حتى هذه الجماعات بدورها تمثل ظاهرة شاذة، وأقلية داخل الأقليات المسلمة. فمثلا عندنا في استطلاع رأي سابق سألوا الفرنسيين إذا ما كانوا سعداء بالعيش في البلاد، الجواب كان أن 85 في المئة أجابوا “نعم”، مقابل 15 في المئة قالوا “لا”. المفاجئ هو أن نفس نتائج هذا الاستطلاع انطبقت على المسلمين عندما طرح عليهم السؤال.

بالتالي ليس هناك مشكل خاص بالمجتمعات المسلمة في فرنسا، إلا ذلك المرتبط بالفقر والهشاشة الاجتماعية، هذا من جهة. ومن جهة، أخرى هناك الخطاب الذي يردده بعض من هم في السلطة، وحتى بعض المثقفين وبعض المنابر الإعلامية، يغدي عند بعض المسلمين إحساسًا بأنهم غير فرنسيين. بما في ذلك خطاب ماكرون الأخير  – وكنا واضحين في وصفه هكذا- كأنه يقول للمسلمين  “أنتم لستم فرنسيين”، فهذا هو السبب الحقيقي الذي يغذي الانعزالية.

    نلاحظ وجودَ خطاب عنصري صريح معادٍ للمسلمين يطغى داخل الإعلام الفرنسي. حتى أنه، على سبيل المثال، اسم كـ إيريك زيمور، الذي أدين في أكثر من مرة بقضايا نشر خطاب عنصري، دائم الحضور على بلاتوهات القنوات الفرنسية. فيما يقول البعض إن مرد هذا إلى العلاقات التي ربطت الجمهورية بالديانة الإسلامية. من ناحية تاريخية ما طبيعية هذه العلاقات، وكيف تساهم سياقات تطورها في تأسيس واقع اليوم؟

هي حكاية طويلة جدًا، وللجواب على هذا السؤال يجب أن نعود إلى الحقبة الاستعمارية، أي إلى العلاقة التي ربطت من جهة فرنسا كقوة استعمارية بالعشرات من الدول الجديدة ذات الساكنة المسلمة، ليس في شمال إفريقيا فحسب، بل حتى في إفريقيا جنوب الصحراء والشرق الأوسط. حيث السؤال الأساسي وقتها كان معرفة الكيفية التي سيتم التعامل بها مع هذه الديانة، خاصة وأن الإسلام مثّل بالنسبة للقسم الكبير من هذه الشعوب عامل مقاومة ضد ذلك الاستعمار. لهذا فالدولة دائمًا تأرجحت بين الإرادة في بناء شكل من الإسلام يكون دائمًا في خدمة الاستعمار، وبين محاربته كعنصر معادٍ لمصالحها.

ما نعيشه في الوقت الراهن مشابهٌ بعض الشيء لما تمّ ذكره، صحيح أن الوضعية مختلفة تمامًا، لكن الخلفية الكولونيالية لا زالت حاضرة، بمعنى الحديث عن المسلمين كأشخاص ذوي وضعية خاصة، كمشتبه بهم، وغير قادرين على أن يكونوا فرنسيين بشكل تام.. بالمقابل، وجب علينا أن نفهم بأننا بصدد الحديث عن أشخاص في أغلبهم يحملون الجنسية الفرنسية، وفيهم من يحملها منذ ثلاث أجيال، والذين نشكك بشكل مستمر في انتمائهم إلى الجمهورية.

بطبيعة الحال ماكرون لن يقول هذا بصراحة، لن يقول أن الفرنسيين المسلمين ليسوا فرنسيين، لكنّ إذا ما نظرنا للخطاب السائد الذي نسمعه، والذي يسمح بانتشاره في وسائل الإعلام، وإذا ما علمنا بأن ماكرون اتصل بشكل شخصي مع اسم كإيريك زيمور الذي -وكما ذكرت سابقًا- مدان لأكثر من مرة بتهمة العنصرية. كل هذا يعزز النظرة إلى المسلمين كغرباء عن الجمهورية، ومناقضين لحضارتنا وثقافتنا الفرنسية.

    لكن ماذا يمنع فرنسا من الاعتراف بجرائمها الاستعمارية وإطلاق مصالحة شاملة مع موروثها الاستعماري؟

هذه أيضًا حكاية طويلة، أعتقد أنها مرتبطة بعدم قدرة فرنسا على إقامة حداد على روح تلك الحقبة، وأن تتخطى المسألة الكولونيالية، بكل ما مثلته لها وبكل الجرائم التي ارتكبت باسمها. فيما عملية إنهاء هذه الكولونيالية الفرنسية اتسمت بعنف كبير، حيث أن النهاية الرسمية للاستعمار كانت باستقلال الجزائر، وفي نفس الوقت اتسمت بنوع من الإنكار ورفض الاعتراف بما وقع، بمعنى أنه لم يكن هناك نقاش داخل المجتمع حول هذا الاستعمار أو حول حرب الجزائر، بل وحتى مصطلح الحرب كان محذورًا، وانتظر الأمر إلى حدود السبعينات ليتم الاعتراف بأنها كانت حرب فعلية.

هكذا، شيئًا فشيئًا، كان هنالك عمل دؤوب على الذاكرة، وهو أمر جديد إذا ما عدنا  ثلاثين أو أربعين سنة إلى الوراء، حيث أصبح الموضوع الآن معترفًا به وقابلًا للنقاش، ويقدم فيه المؤرخون عملًا مهمًا. لكن في نظري أن المجتمع الفرنسي إلى الآن لم يحل مشاكله بعد مع موروث تلك الحقبة من تاريخه، وهذا ينعكس بشكل كبير على العلاقات بين فرنسا والجزائر على وجه التحديد، لأن الاستعمار في الجزائر عرف ممارسة عنف دموي خلفت آثارًا وخيمة.

    في إطار هذا العمل الأكاديمي، خرجتم رفقة مجموعة من الباحثين في مواضيع ال‘سلام والعالم الإسلامي بردٍ على خطاب ماكرون، حذرتم خلاله من دراسة للإسلام في خدمة أجهزة الدولة. أي حاجة لفرنسا ماكرون اليوم لدراسة الإسلام؟

لطالما كان لدى فرنسا، حتى أثناء الحقبة الاستعمارية، مدرسة استشراقية – بطبيعة الحال كانت متحيزة- انكبت على دراسة الإسلام، وكان هنالك أيضًا باحثون كبار في هذا الشأن، غير أن عملهم اقتصرَ بالأساس على المجال الثقافي. وهناك كذلك مدرسة علوم اجتماعية متطورة جدًا اختصّت في دراسة العالم العربي والاسلامي، وتضم هي الأخرى عددًا من الكفاءات المحترمة.  لكن السؤال هو وجود خطر تحوير هذا البحث الأكاديمي إلى منزلقات أيديولوجية، وهو أشبه قليلًا بما قام به ماكرون بفكرته لإنشاء مؤسسة للإسلامولوجيا، فقد منحنا انطباعًا بأن هناك إرادة لتوجيه الأبحاث في المجال.

مثلما حصل بالفعل خلال السنوات العشر الأخيرة مع الدراسات حول الإرهاب، حيث تمّ توجيه عدد كبير من البحوث، واستثمار أموال طائلة وتعبئة عدد كبير من الباحثين، الذين وجدوا أنفسهم في الأخير يشتغلون لتأكيد ما تريد أجهزة الدولة تسويقه: أي وجود تهديدات إرهابية وأننا في حالة حرب.. إلخ.

لدينا انطباع أن هذا ما يريده ماكرون، بالأخص مع توجه معظم الباحثين في الإسلامولوجيا – مع وجود استثناءات-  لدحض خطاب الانعزالية والتهديد الإسلامي، فيما يريد هو بالمقابل ضخ المال لتطوير لتصبح العلوم الاجتماعية في خدمة أجهزة الدولة. لكن لا أظن أنه سينجح بتمرير هذا الأمر، لأن هناك مقاومة كبيرة من الباحثين والباحثات الفرنسيين.

    في مناسبتين من أصل خمس انتخابات رئاسية أخيرة، يتوجه الفرنسيون نحو مكاتب الاقتراع للتصويت كي لا يصعدَ رئيس يميني متطرف: الأولى مع شيراك وجان ماري لوبان والثانية مع ماكرون ومارين لوبان. مع ذلك، وفي المناسبتين يشرع الرئيسان المنتخبان (شيراك/ماكرون) في تبني خطاب يستهدف المسلمين. هل هناك رابطٌ بين الظاهرتين؟

بطبيعة الحال – وحتى إن لم أجهر بها بداية  لكنني أرى أنه من الضرورة الإشارة إليها – فبالنسبة لي خطاب ماكرون الأخير خطاب انتخابي، وهو في صدد تجهيز نفسه الآن لرئاسيات 2022، ويأمل بهذه الطريقة أن يحصد بعض الأصوات المائلة إلى اليمين.

إذا سمحت لي، فقط أود توضيح نقطة مهمة فيما يخص الخطاب المعادي للمسلمين. هناك اعتقاد سائد بأن مارين لوبان أكثر وجه شائع حمل هذا الخطاب، لكن الانطباع الحاصل الآن هو أنها ليست أكثرهم تطرفًا، مقارنة بسياسيين آخرين من اليمين التقليدي أو حتى من اليسار الذين تبنوا خطابًا متطرفًا في عدائه للمسلمين. وقد أشرنا سابقًا لإيريك زيمور كمثال لكن هناك آخرون أيضًا كآلان فينكلكروت وغيرهم ممن يتبنون هذا الخطاب الذي كان، قبل سنوات قليلة، خطابًا هامشيًا والآن أصبح هو السائد. وفي السابق كنا نتحدث عن مصطلح “لَوبَنة العقول  La Lepénisation des esprits” (أي جعلها تتبنى نفس التوجه السياسي لعائلة لوبان)، يظهر لي أن الأشخاص الذين كنا نصفهم بذلك أصبحوا الآن أكثر عداءًا للمسلمين من لوبان ذات نفسها.

إذن هناك ظاهرة مقلقة، تتحمل بعض المنابر الإعلامية وشبكات التواصل الاجتماعي المسؤولية في تناميها. وحقيقة إنه لأمر مثير للاهتمام أن يكون إيريك زيمور، الذي أدين قضائيًا في مرتين أو ثلاث بالعنصرية، مرحبًا به في بلاتوهات عدد من القنوات الفضائية الكبيرة في فرنسا دون أدنى حرج من ذلك.

    يمكننا اعتبار  الولاية الرئاسية الحالية أحد أكثر فترات الحكم قلقًا في تاريخ فرنسا الجمهورية، إن لم تكن أكثرها على الاطلاق، حيث دفع الرئيس ماكرون ثمن هذا القلق جزءا مهمًا من شعبتيه. كيف خسر ماكرون هذه الشعبية وبأي طريقة يريد استرداد هذه الكتل الناخبة من يدي خصومه السياسيين؟

ماكرون هو ظاهرة فريدة داخل الساحة السياسية الفرنسية، فهذه أول مرة يصل فيها مسؤول سياسي، بلا حزب سياسي يقف خلفه، ليس إلى فرض نفسه فحسب بل إلى إحداث شرخ داخل النظام السياسي بأكمله: فكك اليمين من الداخل وهو الآن مشرذم إلى أقسام، فكك اليسار وقزم سطوة الحزب الاشتراكي. لقد أحدث فعلًا ساحة دمار سياسي، وهي التي منحته فرصة الفوز، مع الاعتقاد الذي ساد عند من دعموه بأن لا يكون هناك يسار أو يمين في الساحة السياسية الفرنسية، وأن يكون الاختيار خارج ثنائية اليسار واليمن السياسي، وهذا “فانتازم” قديم داخل الحياة السياسية الفرنسية.

لكن كل هذا فشل في الحقيقة، حيث تبين أنه لا يمتلك برنامجًا آخر غير برنامج اليمين، عدا بعض النقاط من برنامجه التي أجابت عن بعض الإشكالات الاجتماعية، لكن وحتى قبل السترات الصفراء كان هناك عدد من الاحتجاجات، سواء حول مشروع إصلاح التقاعد أو إصلاح منظومة الدعم المالي للأشخاص دون عمل، وشيئًا فشيئًا أخدت الأمور في الاتضاح على أنه سياسي يميني بساياسات يمينية، كلفه ذلك فقدان قسم من مسانديه في اليسار، وهذا ما يحاول استعادته الآن بخطابه عن التحديات الأمنية والعداء ضد المسلمين. 

لكن المثير هو أنه سنة 2017، أثناء حملته الانتجابية التي نافس فيها مرشح اليمين فراسوا فيون، رفض الدخول في هذه المزايدات المعادية للمسلمين، وكان فرانسوا فيون هو من اعتمد ذلك الخطاب خلال حملته. وما أعتقده شخصيًا هو أن ماكرون لا يؤمن حقًا بما يقول، فهو أكثر تأثرًا بالثقافة الأنجلوساكسونية، وبالنسبة له فإن النموذج الأمريكي – أي طائفتين تعيشان جنبا إلى جنب- هو نموذج جيد. لكن هنا، وكما قلت، هي دوافع انتخابية تدفع إلى البحث عن حصد أصوات في اليمين، ومن ثمة التحضير لمقابلة محتملة مع مارين لوبان في الدور الثاني من الانتخابات القادمة، والتي سترغم اليسار بالمقابل على منحه أصواتهم لأنهم لا يريدون لوبان رئيسة للجمهورية، وبالتالي يضمن حظوظه في ولاية ثانية.

لكنها لعبة خطيرة، لأنه في الحقيقة وكما سبق وأن ذكرت، فإن أفكار مارين لوبان المحملة بالعداء للمهاجرين والجاليات المسلمة في طريقها لتصبح رأي الأغلبية، وهذا أمر مقلق في المستقبل.    

 الترا صوت

 ———————-

ثلاثيتنا التي تأكلنا/ حازم نهار

العصبية، العمى، العنف؛ ثلاث كلمات تنتظم تفكير وسلوك الجماعات الدينية والقومية، بل والسياسية والأيديولوجية أيضًا في المنطقة العربية، لتؤلِّف ثلاثية مسيطرة وقاتلة. يمكن القول إن العصبية تؤدي إلى العمى، وهذا بدوره سينتج العنف. لكن يمكن القول أيضًا إن العمى، الجهل وعمى البصيرة، هو أساس كل عصبية، وهذه بدورها خزان العنف. كذلك يمكن القول إن العنف السائد في المجتمع يدفع المرء للاحتماء بالعصبية، ومن ثم يغدو مدافعًا أعمى عنها. ربما من الأفضل، كي لا نضيع في متاهة الكلمات، ودوامة السؤال عن السبب والنتيجة، أن نقول إن هذه الثلاثية متكاملة، تغذي نفسها بنفسها، وكلُّ ركن من أركانها يغذي ركنيها الآخرين.

كثيرًا ما نواجه في الواقع أسئلة تصعب الإجابة عنها، أو ربما لا تقنعنا الإجابات المتوافرة عنها. كيف نفسر أن الشخص الذي قتل ثلاثة أشخاص لا يعرفهم داخل كنيسة في مدينة نيس بفرنسا، وقطع رأس أحدهم، ظلّ يصرخ مرارًا وتكرارًا “الله أكبر” قبل أن تطلق الشرطة النار عليه، ما يعني أنه مقتنع تمامًا بما فعل؟ وكيف نفسر سلوك كثير من الطيارين السوريين الذين كانوا يحلقون بطائراتنا فيما هم يقصفون أبناء بلدهم الذين لا يعرفونهم بصورة مباشرة، من دون أن يرفّ لهم جفن أو ينتابهم شيء من التردّد؟ هذا النوع من الجرائم التي لا يبتغي صاحبها مصلحة مادية واضحة، ولا يعرف الضحية مباشرة، قد لا تقف عند هذا الحد، بل قد تتعداها إلى التمثيل بالجثث وتقطيعها أو التشفي بها. تحويل الآخر إلى أشلاء دلالة على الرغبة القوية في سحق الضحية ونفي كيانها كليًا.

نحن أمام جرائم أو أعمال إرهابية مثبتة، أصحابها لا يعرفون الضحايا، وهم مقتنعون بأنهم في الطريق القويم، وربما لو قُيِّض لهم الكرة لأعادوها مرارًا وتكرارًا. لكن أيًا تكن تفسيراتنا، فإن الجرائم المنفذة تبقى جرائم، ويستحق مرتكبوها العقوبة القانونية المتوافقة مع طبيعة الجريمة. في المقابل، ينبغي لنا ألا تستغرقنا الجرائم هذه ومرتكبوها، فنقف عند حدودها، ومن ثمّ نقطع التفكير في العوامل المولِّدة لها، خصوصًا مع وجود كثير من البشر الذين يمكن أن يحتفوا بمثل هذه الجرائم؛ رفع عدد من الأشخاص مؤخرًا، في مدينة إدلب، صور الشيشاني الذي قطع رأس المدرس الفرنسي احتفاء به!

في مثل هذه الحالات، من الصعب أن ينظر القاتل إلى نفسه أنه إنسان، وينظر في الوقت نفسه إلى ضحاياه أنهم بشرٌ مثله؛ لأن من شأن ذلك أن يسبب تناقضًا كبيرًا في رأسه، وشعورًا بالذنب، لا يمكن احتمالهما. على العكس، فالقاتل هنا، بالضرورة، ينفي الصفة الإنسانية عن ضحاياه، ويبدي شيئًا من الفرح أو القناعة بما يفعل، فهو يقتل بحماسة، وينظر إلى عمله وكأنه يؤدي رسالة مقدسة بحسب اعتقاده، سواء أكانت رسالة دينية أو أيديولوجية أو وطنية أو غيرها. 

في مجتمعاتنا، لا تزال العصبيات هي الفاعل الرئيس في تفكيرنا وأدائنا، والحداثة ليست أكثر من قناع ظاهري. في رؤوسنا خليط من كل شيء؛ من البداوة والتقليد والحداثة، جنبًا إلى جنب من دون تمازج، وأكثر ما تتجسد هذه الظاهرة/المشكلة في تشابك الأزمنة، إلى درجة نشعر فيها بالحضور الكثيف للماضي في الحاضر، أكثر من حضور الحاضر نفسه، وأكثر من حضورنا نحن في الحاضر. أحزاب ومؤسسات، سياسية ومدنية، حديثة شكلًا، وقبليّة الطابع مضمونًا. ليس غريبًا أن تجدنا نمسك بـ “مسبحة” في يدنا، ونمسك بعدّاد إلكتروني بيدنا الأخرى، صنعه الغرب خصيصًا لنا لنحصي به عدد مرات نطقنا بالشهادة يوميًا؛ استُخدمت الحداثة في بلداننا من أجل إعادة إنتاج التقليد وديمومته. المشكلة نفسها نعانيها منذ أكثر من قرن، ولا جديد في هذا الكلام. الجديد هو أن مسارنا، منذ سنوات، انحداري ومتسارع، أي من السيء إلى الأسوأ، ومن الأسوأ إلى الأكثر سوءًا، فيما كان المسار قبل قرن من الزمان صاعدًا.

بعد أن غادرت سورية بمدة قصيرة، توقعت أن السوريين المعارضين الذين عاشوا في الغرب أكثر تحضرًا، وأوسع تفكيرًا منا، لأكتشف أن قسمًا كبيرًا منهم بدا، فعليًا، كأنه لم يغادر سورية، ولم يعش في الغرب أبدًا، ولم يستفد منه، ما يوحي بأن أوروبا لم تكن بالنسبة إليهم أكثر من قطعة أرض يعيشون عليها، وليسوا معنيين بثقافتها وعلمها وفنها وروحها، تمامًا كما كانت سورية هي الأخرى بالنسبة إليهم؛ مجرد قطعة أرض للانطلاق إلى مشروعاتهم الكبرى، القومية والإسلامية والأممية. هناك سؤال يتردّد كثيرًا في أوساط المعارضة السورية: كيف لمن عاش في الغرب أن يستمر في تأييد النظام السوري، بعد أن عاش في الغرب، واطلع على ثقافته ونظمه وقوانينه؟ في المقابل، هناك سؤال موازٍ ينبغي لنا أن نسأله لأنفسنا: كيف يمكن لسوري معارض للنظام السوري، عاش في الغرب، أن يستمر محافظًا على تصوراته التقليدية في السياسة والحياة؟ ربما كانت العصبية هي التي تحكم الموقفين السابقين، تأييدًا أو معارضة. وفي الحصيلة، سورية لن تستفيد، ولن تتطور، بمثل هاتين العصبيتين. 

هناك أربع حقائق تنتظم العصبيات كلها، سواء أكانت دينية أم قومية أم أيديولوجية: الأولى؛ العصبيات كلها تحمل في أحضانها بذور الاقتتال الداخلي أو العنف الموجه إلى الخارج. الثانية؛ أن العصبيات تستطيع أن تبني سلطات، قهرية في الغالب، لكنها لا تستطيع أن تبني دولًا أو أوطانًا. الثالثة؛ أن العصبية نظام مغلق على نفسه، يميل دائمًا إلى التكرار والاجترار والدوران في المكان، وتنظر إلى نفسها أنها منبع ومستقر الخير والفضيلة والحق، فيما الخارج مصدر كل شر وعدوان ورذيلة، ما يجعلها غير قادرة على التعامل المفتوح مع العالم الخارجي. الرابعة؛ أن العصبيات كلها قاتلة للفرد، ولحرياته وحقوقه ورغباته وهواجسه وروحه، لأنها تطحنه وتهرسه وتدمجه كليًا فيها وفق منطقها الداخلي الذي يقوم على الولاء والطاعة والامتثال. فالاختلاف في الرأي غير مرغوب لأنه “فتنة” تزعزع استقرارنا وأماننا، ما يضع الفرد في حالة من التماهي الكامل بالعصبية، والذوبان الكلي فيها، ليصبحا شيئًا واحدًا؛ هو الطائفة والطائفة هو، هو الإسلام والإسلام هو، هو القبيلة والقبيلة هو، هو القومية والقومية هو، هو الحزب والحزب هو، وهكذا.

ينفجر العنف الكامن في أساس تكوين العصبية إذًا داخل العصبية ذاتها أو خارجها. يمكن أن ينفجر في الداخل، ويؤدي إلى تشظي العصبية الكبيرة إلى عصبيات فرعية أو أصغر تتقاتل فيما بينها تحت ذرائع مختلفة؛ اتهامات بالتآمر، التخريب، الخذلان، الخيانة، الإخلال بالعقيدة، تطهير الساحة من المنحرفين والضالين… إلخ. في أواخر نيسان/ أبريل 2016، حصلت اشتباكات مسلّحة بين “جيش الإسلام” و”فيلق الرحمن” في منطقة الغوطة الشرقية، ما أدى إلى مصرع ما يزيد على خمسمائة شخص، من أبناء المنطقة نفسها، وتربطهم علاقات قربى، فضلًا عن كونهم ينتمون إلى النهج ذاته، لتتشظى عصبيتا القرابة والدين بصورة أقرب إلى الملهاة المأساة؛ فقد جاءت هذه الاشتباكات بين “أخوة المنهج”، بالتزامن مع هجوم “قوات النظام” على القطاع الجنوبي للغوطة، وسقوط منطقة المرج بيدها، تلك التي كانت تُعدّ السلة الغذائية للمنطقة. وقد استخدم “أخوة المنهج” القطاع الجنوبي ورقة ضغط على بعضهم بعضًا، إذ انسحب “جيش الإسلام” منه، قبل أيام من هجوم “النظام”، من دون إخبار المدنيين، تاركًا خلفه عشرة آلاف مدني. على العموم، لم نكن نحتاج إلى كثير من الذكاء، لنعرف أن هذه الفصائل الدينية ستتقاتل فيما بينها عاجلًا أم آجلًا.

أذكر أيضًا أن تيارات سياسية سورية معارضة كانت، خلال المدة التي تلت احتلال العراق في نيسان/ أبريل 2003، تحتفي كثيرًا بالجماعات التي كانت تقطع رؤوس الأميركيين، وكانت تطلق عليها اسم “المقاومة العراقية”؛ لم تكن ترى شيئًا سوى عصبيتها المرتكزة على أيديولوجية قومية معادية للإمبريالية الأميركية! ولا ننسى أيضًا المجازر الرفاقية للعصبية البعثية في كل من سورية والعراق، ولا ممارسة العنف والقتل والتعذيب والتمثيل بجثث معارضيها. كما كانت منظمات وميليشيات تابعة للحزب الشيوعي العراقي، مثل “أنصار السلام” و”المقاومة الشعبية”، تسحل الجثث وتعلقها على أعمدة الكهرباء في الموصل وكركوك في آذار/ مارس 1959. العصبية الكوردية لا تختلف هي الأخرى، ولا يمنعها من التشظي إلى عصبيات فرعية متقاتلة سوى وجود الأميركان والروس والأتراك في المنطقة، خاصة مع انشطاراتها السياسية والأيديولوجية والشخصية التي يبدو ألّا حدود لها. 

لا تكمن مشكلة العنف لدينا في نصوص تراثية هنا أو هناك؛ فالتراث مليء بنصوص متنوعة جدًا. تكمن المشكلة في الثقافة السائدة في كليتها؛ وإلا كيف نفسِّر أن علاقة المثقف “الحداثي”، عمومًا، بمتابعيه لا تختلف عن علاقة رجل الدين بمريديه، فالمثقف هو الآخر يريد منك “السمع والطاعة”. ولا تختلف العلاقة هذه أيضًا عن علاقة شيخ القبيلة بأبنائها، ولا عن علاقة رئيس الحزب بـ “رفاقه”، ولا عن علاقة “الزعيم” السياسي بجمهوره، وهكذا. هذه العصبيات يستفيد منها بعض البشر، فيما تأكل أغلبية أبنائها؛ يستفيد من العصبيات السلطات الحاكمة، تجار السلاح، زعماء الميليشيات، رجال الطوائف، أصحاب رؤوس الأموال، بعض القيادات السياسية… إلخ.

العنف معظمه في مجتمعاتنا مصدره العصبيات السائدة، وهو يرتبط بلا شك بمفهومات ونصوص وقراءات وممارسات تقليدية متوارثة، لكن لا يمكن الاكتفاء بهذا التفسير؛ فالبنية السياسية الاقتصادية السائدة في مجتمعاتنا تغذي وتنمي هي الأخرى الثقافة التقليدية، لتعود هذه، بدورها، وترسِّخ البنية السائدة وتحافظ عليها، وهكذا، وكأننا في حلقة مغلقة. الحل، في اعتقادي، يبدأ من السياسة؛ التغيير السياسي الديمقراطي، فهو الشرط اللازم، لكن غير الكافي، لنمو ثقافة أخرى مغايرة.

المدن

—————————–

====================

====================

تحديث 02 تشرين الثاني 2020

————————–

فاروق مردم بيه… عن المسلمين في فرنسا

عن المسلمين في فرنسا ضد الارهاب

ردّاً على سؤال صديقة سوريّة عن المسلمين في فرنسا، هذه بعض المعلومات التي كنت قد سجّلتها في أواخر 2019.

أوّلاً، ليس بالإمكان تحديد عدد المُسلمين في فرنسا بدقّة إذ لا يحقّ لدائرة الإحصاء المركزٍيّة سؤال المواطنين والمُقيمين الأجانب عن دينهم. نقع دائماً على أرقام متضاربة، بحسب المعيار الذي اعتُمد لتعريف المسلم. فوزارة الداخليّة مثلاً تعتبر أنّ المسلمين هم جميع الآتين أو الذين أتى آباؤهم أو أجدادهم من دولة ذات أكثريّة مسلمة، ومراكز الأبحاث تستند إلى استطلاعات الرأي العام، ولكلّ استطلاع معياره، فهل المقصود عدد جميع الذين يُعرّفون أنفسهم بأنّهم مسلمون؟ وهل هذه الصفة في تعريفهم لأنفسهم دينيّة فحسب أم اجتماعيّة أم ثقافيّة أم إثنيّة (بمعنى أنّهم ليسوا من أصول فرنسيّة قديمة)؟ لذلك تتراوح التقديرات بين أربعة وستّة ملايين نسمة (أي بين 6% و9% من عدد السكّان في البلاد، والفرق شاسع بين النسبتين)، منهم مليونان يُفترض إنّهم مؤمنون ويُمارسون شعائر دينهم. وللمُقارنة، لا تتجاوز نسبة المسيحيّين البروتستانتيين بجميع كنائسهم وفقاً لهذه المعايير التقريبيّة 3% ونسبة اليهود 06%. ومن نافل القول إنّ جميع المسلمين من أصولٍ أجنبيّة: 82% من الجزائر والمغرب وتونس، 9% من إفريقيا السوداء و8% من تركيا.

ثانياً، ربّما كان أوسع استطلاعٍ عن أوضاع المسلمين في فرنسا (مع التحفّظ الضروري في شأن أيّ استطلاع) هو الذي أجرته مؤسّسة إيفوب في 2014 بتكليفٍ من معهد مونتين الليبيرالي. قدّر التقرير الذي صدر آنذاك عدد المسلمين بأقلّ من أربعة ملايين نسمة، وهو أدني الأرقام المُتداولة، 84% منهم لم يبلغوا سنّ الخمسين، أي أنّهم مجموعة سكّانيّة شابّة، ومتوسّط أعمارها أقلّ بقليل من 36 سنة. تبلغ نسبة غير المُتديّنين 46%، ونسبة المُتديّنين الذين يؤكّدون اندماجهم في المُجتمع الفرنسي واحترامهم للتقاليد العلمانيّة الفرنسيّة 25%، في حين أن 28% ، نصفهم من الشبّان (أقلّ من 25 سنة)، مُتشدّدون في إسلامهم، لا يرفضون حتّى النقاب وتعدّد الزوجات. وأشار التقرير إلى أنّ 60% من المسلمين، على اختلاف حساسيّاتهم الدينيّة، يعترضون على منع الحجاب في المدارس، (مُقابل 37% من غير المسلمين)، ولكنّ ثلث المسلمات فقط مُحجّبات. ويُستخلص من التقرير أيضاً أنّ أغلب المسلمين، أكانوا مُتديّنين أو لا، يؤثرون اللحم الحلال في طعامهم (للمُقارنة: 15% فقط من اليهود يستهلكون الأغذية التي أجازها “بيت الدين” اليهودي – كاشير). ولا غرابة في أن يُظهر التقرير تدنّي أوضاع المسلمين الاقتصاديّة، فهم إجمالاً أفقر من غيرهم من الفرنسيّين، ولكنّ 55% منهم يعملون وفق عقودٍ قانونيّة غير محدودة زمنيّاً، و10% موظّفون في مؤسّسات حكوميّة، و4% كادرات متوسّطة وعُليا. ومن المُلاحظ أنّ عدد حملة الشهادات الجامعيّة يزداد بانتظام (أكثر من 10% في 2014).

ثالثاً، عدد المساجد في فرنسا، بحسب وزارة الداخليّة، نحو 2500، ولكنّ أقلّ من مائة منها تتجاوز مساحتها 1000 متر مربّع، وأغلبها أُنشئت في حجراتٍ سكنيّة ضيّقة ممّا يُسببّ في كثيرٍ من الأحيان مشاكل مُعقّدة مع الجوار، كما أنّ أغلب الأئمّة غير مؤهّلين، والمؤهّلون شرعيّاً (300 إمام) غرباء عن فرنسا، عيّنتهم حكومات الجزائر والمغرب وتونس وتركيا، ولم تؤسّس الدولة الفرنسيّة حتّى الآن معاهد محليّة للاستعاضة عنهم على الرغم من الكلام الذي بتردّد منذ أكثر من ثلاثين سنة في هذا الخصوص. وتتضارب الأرقام حول نسبة المسلمين الذين يُصلّون في المساجد يوم الجمعة، إذ تتراوح بحسب التقديرات بين 16% و25% من مجموع المسلمين “المُعلنين”- ولا تتجاوز نسبة الذين يؤمّونها كل يوم 5%.

رابعاً، لا شكّ في أنّ المسلمين الفرنسيّين يميلون أكثر فأكثر إلى المُشاركة في الحياة السياسيّة، وقد برزت في السنوات الأخيرة بعض الشخصيّات ضمن الأحزاب الكُبرى، اليساريّة واليمينيّة، وانتخب بعض المسلمين، أو لنقل ذوي الأصول الإسلاميّة، اعضاء في المجالس البلديّة وفي الجمعيّة الوطنيّة، وشغل بعضهم أيضاً مناصب وزاريّة. وتُبيّن استطلاعات الرأي العام أنّ الناخبين المسلمين تتوزّع أصواتهم بين المرشّحين، مع تفضيل مؤكّد لليساريّين. فبحسب مؤسّسة إيفوب للاستطلاع، صوّت المسلمون “المؤمنون” في 2012 لفرنسوا هولاند مرشّح الحزب الاشتراكي بنسبة 59% في الدورة الأولى، و93% في الدورة الثانية ضدّ منافسه ساركوزي. وفي الانتخابات الرئاسيّة الأخيرة (2017) توزّعت أصواتهم في الدورة الأولى كما يأتي: 39% لميلانشون واليسار الراديكالي، و17% للمرشّح الاشتراكي هامون، و24% لماكرون، و13% لفيّون (الحزب الجُمهوري اليميني)، و5% لمرشّحة اليمين المُتطرّف مارين لوبن. وفي الدورة الثانية حصد ماكرون ضدّ لوبن، كما كان يُمكن توقّعه، جميع أصوات المسلمين. وجديرٌ بالذكر أنّ مُحاولات تأسيس أحزاب طائفيّة إسلاميّة باءت بالفشل.

خامساً، نُشرت في أواخر 2019 نتائج استطلاعٍ أجرته مؤسّسة إيفوب عن العنصريّة المعادية للمسلمين، وذلك بطلب من لجنةٍ وزاريّة مُختصّة ومن مؤّسّسة جان جوريس التابعة للحزب الاشتراكي. أكّد 42% من أفراد العيّنة إنّهم تعرّضوا على الأقلّ مرّة في حياتهم للتمييز الديني، إمّا من قبل البوليس وإمّا في أثناء البحث عن عمل أو عن سكن. ويتبيّن من الاستطلاع أنّ النساء أكثر تعرّضاً للتمييز الديني من الرجال، وبالأخصّ المُحجّبات. 24% من أفراد العيّنة سبق لهم أن شُتموا أو أُهينوا بسبب دينهم (مُقابل 9% من غير المسلمين) و7% اعتُدي عليهم جسديّاً (مُقابل 3% من غير المسلمين). ويُمكن ملاحظة تحوّل العنصريّة تدريجيّاً من العداء للعرب أو للسود إلى العداء للإسلام، وذلك منذ منتصف سبعينات القرن الماضي حين بدأ استغلال موضوع الهجرة المغاربيّة الدائمة إلى فرنسا من قبل اليمين المُتطرّف. وشاركت بعض “النُخب الجُمهوريّة ” طوال الثمانينات في تأجيج العداء للمسلمين باسم العلمانيّة، خصوصاً بافتعال قضيّة قوميّة حول الحجاب (1989) واستصدار قانون بشأنه من البرلمان (2004)، كما افتعل ساركوزي في حملته الانتخابيّة معركة “الهويّة الوطنيّة” (2007) وأصرّ بعناد على خوضها بعد انتخابه رئيساً للجُمهوريّة، مستفزّاً حتّى المسلمين الأكثر اندماجاً في المُجتمع الفرنسي، وتبعها سجالٌ مسموم حول وجبات اللحم الحلال في المدارس، إلخ. إلّا أنّ أشنع عدوان على جميع المسلمين في فرنسا كان العمليّات الإرهابية التي ارتكبها شبّانٌ مسلمون باسم الإسلام (مقتلة شارلي إيبدو ثمّ مسرح الباتاكلان في 2015 وغيرهما).

(*) مدونة نشرها الكاتب والناشر السوري فاروق مردم بيه في صفحته الفايسبوكية

——————————-

عن أزمة الإسلام: المسلمون وسؤال المساواة/ عبد الوهاب كيالي

في مقالهم «عن أزمة الإسلام: دفاعاً عن الحق في النقاش»، يُحاجِجُ الكُتَّاب فاروق مردم بك وزياد ماجد وياسين الحاج صالح أنّ جريمة قتل أستاذ التاريخ صامويل باتي على يد عبد الله أنزوروف، قد نصبت فخاً وقع فيه الساسة الأوروبيون بردود أفعالٍ وتصريحاتٍ انفعالية خارجة عن عقالها. يدافع الكُتَّاب عن حق النقاش المتّزن في الشأن الإسلامي، بعيداً عن العصبيات والاستقطابات، ويقدمون تشخيصهم للواقع الذي يفرز ظواهر مثل عبد الله أنزوروف: العدمية الإسلامية في مقابل عدميةِ الحرب على الإرهاب والإسلاموفوبيا. يقول الكتّاب إنّ الحل لهذه المشكلة لا يمكن أن يكون محلياً ولا مجتزأً، وإن على الساسة العالميين النظر إلى العدميتين سويةً، داعينَ مثقفي ومفكري العالم إلى البحث عن حلٍّ عالمي يتجاوز العدميتين ويخفف من وتيرتهما، ويقوم على «مجتمع عالمي متضامن».

ليس لكاتب هذه السطور، وهو مَدينٌ للكُتَّاب الثلاثة بالكثير على المستوى المعرفي والشخصي، مشكلةٌ مع هذا الوصف لحال العالم اليوم. لكن بالمقابل، أرى أن هذا التشخيص ليس لـ«أزمة الإسلام» التي تحدّث إيمانويل ماكرون، وغيره من المسلمين وغير المسلمين، فيها. ليست المشكلة في عدمية إسلامية (التي يصعب في رأيي نَسبُ ولادتها إلى سبعينيات القرن الماضي واصطفافات الحرب الباردة، إلا إذا سَلَّمنا بأنّ تاريخ الإسلام قبل ذلك خالٍ من العدمية)، ظهرت وترعرعت في مجالات عامة مغلقة وأنظمة سياسية قمعية، تغذيها عدمية مقابلة للتيارات العنصرية والفاشية في العالم. المتن الأوسع من المسلمين اليوم يرفضون العدمية الإسلامية، ويُدينون ممارساتها، ولا يرون أنها تمثل دينهم. في الوقت نفسه، يساوي هؤلاء بين الذبح ونشر الرسومات المسيئة وتصريحات القادة الدوليين عن «أزمة الإسلام»، عبرَ تبني معيارٍ أخلاقي استثنائيٍّ ومنفصلٍ عن معايير العالم الأخلاقية السائدة. أرى أن «أزمة الإسلام» التي حريٌّ بنا أن نناقشها ليست تصرفات المتطرفين العدمية، بل تصرفات المتن الأوسع من المسلمين الذين يشكلون أغلبيةً في المجتمعات المسلمة اليوم. المشكلة التي أودُّ أن أناقشها، وأرى أن الكُتَّاب أغفلوها، هي مشكلة الأكثرية المسلمة اليوم، وليس فقط الأقلية العدمية المجرمة.

لعلّه من المفيد إعادة سرد وقائع الحادثة التي رمت العالم في هذه الدورة الهستيرية. أراد صامويل باتي، في نقاشٍ عن حرية التعبير ضمن مادة التأهيل الأخلاقي والمدني، عَرضَ رسوم شارلي إيبدو المسيئة للنبي محمد، ليس بالضرورة لأنه يتبنى أفكار رسّاميها، بل لأنه، كأيّ مدرس، أراد أن يُعرِّضَ طلابه لموادٍ خلافيةٍ وجدليةٍ تتحدى معتقداتهم، من أجل أن يُخضِعَها للنقاش والتحليل. طلب المدرّس من الطلاب المسلمين في الصف أن يتركوا الغرفة إنْ كانت الرسوم ستُثير استياءهم، مُبدياً الحساسية اللازمة تجاه طلابه المسلمين. إحدى الطالبات (التي زعم باتي لاحقاً أنها لم تكن موجودةً في الصف) وَشَت به لأبيها، الذي تقدَّمَ بشكوى لإدارة المدرسة والشرطة، واتَّهمَ باتي «بنشر صورٍ إباحية»، وردَّ عليه باتي بشكوى تشهيرٍ على إثرها. دعا الأبُ الأهالي الآخرين إلى حملةٍ ضد الأستاذ لطرده من المدرسة، ولكنّ جهوده لم تثمر. ما أثمرت عنه جهود الوالد هو أنّ باتي عُرِفَ في دوائر المجتمع المسلم في ضواحي باريس كـ«عدوٍّ للدين»، وأدى التحريض ضده إلى جريمة عبد الله أنزوروف.

أغلبُ الظن أنّ الأهالي المحرضين على باتي لم يريدوا قتله، وأغلب الظن أن معظمهم كان ينتمى للأكثرية المسلمة غير العدمية. ولكن ما الذي كانوا يطالبون به إذاً؟ هل هو استثناء دينهم وعقيدتهم من الاستهزاء في غرفة الصف دون بقية الأديان والعقائد؟ وتتبّعاً لذلك، ما الذي يطالب به مجتمع المسلمين العالمي اليوم، المشاركين في حملات مقاطعة البضائع الفرنسية والساخطين على الرئيس الفرنسي لاستغلاله الحادثة سياسياً، والمُستنكرين للاستهزاء من الرسول؟ هل هو استثناءُ دينهم وعقيدتهم من حرية التعبير التي يكفلها القانون الفرنسي كحقٍّ من حقوق المواطنة؟ لماذا يشعر المسلمون أنهم يستحقون هذه الاستثناءات؟ ولماذا يطالبون بالرقابة وتقليص المجال العام أمام انتقاد معتقداتهم في بلدٍ يكفل حق الإيمان وعدم الإيمان؟ 

وقائعُ ردِّ الفعل الهستيري لحادثة قتل باتي، بما تضمَّنَ المساواة الأخلاقية من قِبَلِ المسلمين المشاركين في حملة المقاطعة واسعة النطاق بين جريمة القتل وتصريحات ماكرون الانتهازية وحاضر التمييز العنصري في فرنسا وغيرها؛ هذه الوقائع لها دلالاتٌ كبرى، وتطرح أسئلةً صعبةً على المسلمين اليوم. ليس معظمُ المسلمين عدميون اليوم، ولكنّهم متصالحون مع العدمية الإسلامية ويلتمسون لها الأعذار إلى حدٍّ كبير، ويساوون بينها وبين تصرفاتٍ أخرى لا مجال للمقارنة بينها (المساواة بين القتل وازدراء الدين مثالٌ ساطع على هذا). يُبدي المسلمون انتقائيةً فجةً في ما يستشعر حساسياتهم، ويسفر عن حملات شجبٍ وإدانةٍ ومقاطعةٍ توازي هذه الأخيرة، فلا جرائم داعش بحق المسلمين وغيرهم، ولا جرائم بشار الأسد وأعوانه الروس بحق المسلمين وغيرهم، ولا جرائم النظام الصيني بحق عشرات آلاف المسلمين، أثارت حفيظة المسلمين ولا أسفرت عن حملات شجبٍ وإدانةٍ ومقاطعةٍ موازيةٍ لتصريحات ماكرون الأخيرة. ولم ينتقد قائد دولة ذات أغلبيةٍ مسلمةٍ واحد ممارسات الصين ضد المسلمين في مقاطعة تشين-جيانغ التي ترتقي للإبادة (باستثناء رجب طيب إردوغان الذي تراجع مبكراً عن ذلك)، ولم تستنفر هذه الممارسات العصبية الكامنة عند المقاطعين. عبرَ مطالباتهم باستثناء عقيدتهم، من بين سائر العقائد، من التحقير والاستهزاء، يُبدي المتنُ الأعرض من المسلمين شعوراً بالأحقية والاستثناء والامتياز عن عالمٍ يعمل جاهداً على استثنائهم، ويعملون جاهدين على الانفصال عنه.

يستنتج القارئ من الكُتَّابِ أن مشكلة المسلمين اليوم هي المجالات العامة المغلقة في بلادهم، إلا أن «أزمة الإسلام» اليوم، في رأيي، هي أزمة نسبةٍ لا يُستهان بها، غالباً ما قد تُشكّل المتنَ الأعرض من المسلمين، مع مبدأ المساواة في بلادهم وبلاد غيرهم، في مجالاتٍ عامة مغلقة ومفتوحة. هذه أزمةٌ يراها المراقب في المجتمعات المسلمة في ظل أحوال معيشية ومعايير تنموية مختلفة. يمتلك المسلمون سردية تفوّق وسردية مظلومية أساسية (كتب عنها ياسين الحاج صالح مطولاً)، لها دورٌ مركزيٌّ في بناء الجماعة المسلمة. تسفر هذه السرديات عن مشكلة مع المساواة في بلادٍ يشكلون فيها أكثريةً، وأخرى يشكّلون فيها أقلية. في بلاد الأكثرية المسلمة، يُجرِّمُ القانون انتقادَ العقيدة الإسلامية (وليس حتى الاستهزاء بها) وممارسات علنية تثير حفيظة المسلمين، إلى درجة تجريم المجاهرة بعدم الصيام في شهر رمضان في العديد من البلاد المسلمة. في ذلك تجنٍّ على حرية العبادة والمعتقد لغير المسلمين لا يشكل أي هاجس لمجتمع المسلمين هؤلاء. وإن حاججنا بأنّ الأحوال كذلك في مجتمعاتٍ يحكمها ساسةٌ غلاةٌ طواغيتُ يُحكِمون الإغلاق على مجالاتها العامة، يبقى الحال كما هو في بلادٍ يشكّل فيها المسلمون أقليات، ومجالاتها العامة مفتوحة نسبياً، كالدول الأوروبية –حيث تُطالِب المجتمعات المسلمة بالاستثناء والامتياز في الرقابة وتقليص المجال العام، لا المساواة والحقوق. وما شعبية رجب طيب أردوغان، القائد المسلم ذو الشعبية الأكبر بلا منازع في المجتمعات المسلمة، وفي بلاد المسلمين وغير المسلمين، ودوره في تنمية سردية التفوّق المسلمة وتأجيج الهستيريا العالمية الأخيرة، إلا خيرُ دليلٍ على ذلك. يتغاضى محبّو أردوغان عن ممارساته في انتهاك أقليات بلاده السياسية والإثنية، عدا عن ممارساته الاستعمارية في سوريا، ويرون أنه خير ممثلٍ للأمة الإسلامية، وهو يستدعى ماضي الإسلام الامبريالي ويسعى إلى إعادة بناء سرديّته. لا يمثل إردوغان العدمية الإسلامية، بل يعبر عن تطلعات فئاتٍ واسعةٍ في المجتمعات المسلمة لا يمكن تجاهلها.

إذاً، ليست مشكلة الإسلام الأكبر اليوم انعكاساً للمشهد الجيوسياسي العالمي القاتم كما يُحاجج الكتّاب فحسب، والذي يشكل فيه المسلمون مجتمعاتٍ مستباحةً أمنياً وسياسياً، وليس الفاعل الأكبر والأهم فيها هو الغرب الإمبريالي الذي يُغذّي العدمية الإسلامية. في مجالاتٍ عامة مفتوحة ومغلقة، وبلادٍ حرة وأقل حرية، وبمعايير تنمية منخفضة وعالية، ترفض المجتمعات المسلمة المساواة مع غيرها من أتباع العقائد الأخرى (الإبراهيمية وغيرها)، وبالأخص مع من لا يتبعون أي عقيدة. الجرح النرجسي الذي أيقظته حادثة مقتل باتي في المجتمعات المسلمة، والذي يغذّي شعور المسلمين بالاستثناء والتمييز، يَدلُّ على مشكلةٍ ثقافيةٍ عميقة تَحولُ دون انخراط المسلمين في العصر والمطالبة بحقوقهم كسائر شعوب الأرض. لا يمتلك الطرف الأضعف في أيّ نزاعٍ ترفَ المطالبة بالاستثناء والتمييز، بل أقصى ما يمكن أن يطمح إليه هو أن يتساوى مع الطرف الأقوى. لن يشترك الساسة الأوروبيين ولا قيادات المجتمعات غير المسلمة في حل مشكلة المسلمين الثقافية، وإنما يقع ذلك على عاتق القيادات والمجتمعات المسلمة وحدها اليوم. ستخفُّ الهستيريا مع الوقت، وسيبقى سؤال المساواة مطروحاً أمام المسلمين، ويتعين علينا –كعلمانيين ديمقراطيين دَعوْنا وندعو لحقّ المسلمين وغيرهم في بلادنا بالحياة والأهلية السياسية غير المشروطة– أن نُسائلهم عنه باستمرار. يحق للمسلمين المطالبة بالمساواة، ولا يحق لهم ما لا يحق لغيرهم؛ أي الاستثناء والامتياز. 

كنا نأمل أن تنتصر ثورات الربيع العربي التي قامت في 2011، والتي لربما كانت ستفرز مجالاتٍ عامةً أوسع وأرحب لنخوض هذا النقاش، في أجواءٍ أنسبَ وأهدأ. أمّا وقد تعثرت الثورات وسُحِقَت، ونرى المجالات العامة في تَقلُّصٍ بينما يزداد سعار السلطات، فلا بديل عن خوضه اليوم.

موقع الجمهورية

—————————

حوار مع ماري لومونييه: باكستانيون وشيشان؛ بروفايلات الإرهاب الجديدة

ترجمة: حازم السيد

في هذا الحوار، يحلل الباحث السياسي المختص في الجهادية أوليفييه روا جريمة الاغتيال التي راح ضحيتها المُدرِّسُ الفرنسي صامويل باتي في 16 تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، مبيناً أنه رغم تَشَارُك القتلة في انتمائهم للجيل الثاني من المهاجرين، إلا أن بروفايلاتهم، منذ العام 2016 ،أصبحت أكثر تنوعاً.

أوليفييه روا هو باحث سياسي مختص في الأديان، وبروفيسور في المعهد الجامعي الأوروبي في فلورنسا. نشر العديد من الكتب، أبرزها: الجهل المقدس (2008)، البحث عن الشرق المفقود (2014)، الجهاد والموت (2016)، هل أوروبا مسيحية؟ (2019). أجرت هذا الحوار معه ماري لومونييه، ونُشِرَ في 18 تشرين الأول (أكتوبر) الماضي في مجلة نوفيل أوبسيرفاتوار، وترجمه إلى العربية حازم السيد.

*****

هي الهجمة الثانية التي تشهد استخدام السلاح الأبيض خلال محاكمة شارلي ايبدو، المرتبطة بالرسوم الكاريكاتورية عن النبي. الهجوم على المدرسة من خلال هذا الأستاذ، الذي كان يُدرِّسُ حرية التعبير، تَخَطَّى عتبة جديدة في استهداف الإرهاب للجمهورية. هل يمكن اعتبار هذه الهجوم استراتيجية محبوكة قائمة على الهجمات المركزة والحاملة لتوقيع منظمة ما؟

دعى كلٌّ من القاعدة وداعش إلى اغتيال رسامي الكاريكاتير منذ البداية. دَعَت القاعدة لذلك في 2005، وقامت من ثم بقيادة هجوم الأخوين كواشي عام 2015. هناك إذن دعوة دائمة للقتل، ولكن لا شيء يدل على أن هجمات السلاح الأبيض كانت موجّهة. منذ العام 2016، لم نشهد أي هجمات احترافية لأشخاص مُدرَّبين وموجهين عن بعد. لقد ماتوا جميعاً، ومراكز القيادة اللاهثة بحثاً عن حبل نجاتها خَسِرَت بوضوح جزءاً  شاسعاً من قدراتها التنظيمية والتعبوية في الخارج. هجمات السلاح الأبيض لا تعدو أن تكون محاكاة بدائية وفردية غالباً  للهجمات «التاريخية»، وغالباً ما تنتهي بالموت الانتحاري لمنفّذ الهجمة الذي لا يبحث عن الهرب. بالإضافة إلى ذلك، السلاح الأبيض، بتعريفه، يقتل عدداً أقل من نظيره الأوتوماتيكي. فإما أنهم فقدوا قدرتهم على التزود بالأسلحة النارية بسبب غياب الشبكات اللوجستية التي طالما ساندتهم، أو أن هدفهم لا يتلخّص في إحداث أكبر عدد من القتلى وإنما في تفريغ أحقادهم. إنهم لا يمتلكون احترافية منفذي هجمات الباتاكلان، ولا يدافعون عن الخليفة، بل يصطفون في نطاق «الغضب» إزاء التجديف. لا شيء استراتيجي لديهم.

يبدو أن بروفايل المهاجمين قد تَغيَّرَ مؤخراً. ليسوا شبّاناً من جذور مغاربية. أحدهم باكستاني والآخر شيشاني. كيف يمكن أن نشرح ذلك؟ هل هي بوادر مرحلة جديدة للجهادية؟

لم نبرح، برأيي، الإطار التقليدي. إنه تَطرُّفُ الجيل الثاني من المهاجرين (ممن قَدِمَ آباؤهم إلى فرنسا)، والاختلاف اليوم أننا أمام أولئك ممّن قَدِمَ آباؤهم بعد العام 1995، ولكن مع تَغيُّرٍ في البروفايل.

تَشارَكَ الإرهابيون، من خالد كلكال1 في العام 1995 إلى الباتاكلان عام 2015 البروفايل نفسه: أغلبية كبيرة تنحدر من الجيل الثاني من المهاجرين المغاربة، وقرابة الربع من المتحولين إلى الإسلام. جميعهم تقريباً شبّان تطرّفوا في إطار مجموعة صغيرة، دون تجذّر في المجتمعات المسلمة ودون تأهيل ديني مُعمَّق، بينهم كثيرٌ من الأخوة، كما تلعب العلاقات الناشئة في السجن وعالم الجنح الصغيرة دوراً مهماً. تقوم على استنهاضهم جهادات المرحلة، مثل جبهة الإنقاذ بالنسبة لِكلكال، والبوسنة وأفغانستان وسوريا. معظم المحاكمات التي شِهِدناها في تلك المرحلة تؤكد على هذه المعطيات الأساسية. تَطرُّفُ الفاعلين في العام 2015 ولد في عالم السجون، ضمن مجموعات من الأصحاب والأخوة.

الشيشان، آخر الوافدين

تَغيَّرَ ذلك منذ العام 2016. تنوعت البروفايلات والأعمار، وأصبح التنفيذ أكثر فردية وأقل حرفية، فاستُخدِمَت الأسلحة البيضاء كالسكاكين، ومسدسات البكرة والسواطير والمسدسات الصغيرة. فلنذكر هنا هجمات 2017: هجوم زيد بن بلقاسم Zyed Ben Belgacem بمسدس البكرة على دورية في أورسي (آذار 2017)2، هجوم كريم شرفي Karim Cheurfi على الشانزليزيه بين جولتي الانتخابات الرئاسية3، هجوم أحمد هناشي Ahmed Hanachi، مدمن المخدرات، على محطة سان شارل في مرسيليا4. هجوم فريد إيكين Farid Ikken بالمطرقة على أفراد الشرطة5. محاولة آلان فويرا Alain Feuillerat الهجوم على القاعدة العسكرية في أيفرو6، وبعد ذلك هجمة تريب Trèbes وهجمة مركز الداخلية والشرطة في آربون Harpon والفتاتان اللتان أرادتا تفجير نوتردام. هجوم ناتان شيسون في أيفري Ivry. وختاماً الباكستاني زاهر حسن محمود في 25 أيلول7، وهو أحد مريدي مجموعة صوفية، وشيشاني.

ما يثير الإهتمام أننا نشهد انخفاضاً كبيراً في عدد المغاربة المنحدرين من الجيل الثاني من المهاجرين، وزيادة في عدد القادمين الجدد والمتحولين للإسلام، كما نشهد جنسيات كانت غائبة سابقاً (ما من أتراك حتى اليوم). الجنح ما زالت حاضرة، ويبدو أن الإدمان (كحول، مخدرات أو أدوية) يلعب دوراً أكبر. إن استثينا حالياً الشيشاني عبدالله أبويزيديفيتش Abdoullakh Abouyezidvitch، فلن نجد حضوراً للمساجد والأئمة السلفيين. لا بدَّ من الذكر أننا توقعنا مسبقاً تطرف الشيشان في فرنسا.

هل يمكنك توضيح هذا التطرف عند الشيشان؟

لا يوجد كثيرٌ من الشيشان في فرنسا، ولكنهم تورّطوا مؤخراً في أحداث عنيفة (مولوز وديجون) غير مرتبطة بالإسلام، ولكنها تؤشر على جاهزيتهم للانتقال إلى العنف. نعلم أيضاً أن الكوادر الشيشانية كانت فعّالة جداً مع داعش في سوريا، ونتذكر هجوم الأخوة (مجدداً) تسارنايف Tsarnaiev على ماراتون بوسطن عام 20138. باختصار، شعبٌ صغير (لا يتجاوز تعداده المليون) ولكن حضوره في الأنشطة العنفية يتجاوز حجمه.

الفرضية التي طرحتُها في كتاب الجهاد والموت أن التطرّف هو تعبير غير مباشر عن نزع الثقافة «déculturation»، وهو ما يشرح واقعة ارتباطه بالجيل الثاني من المهاجرين (والمتحولين للإسلام)، حيث أن الجيل الثاني المنحدر من المغرب العربي، والذي سيطر على المشهد خلال عشرين عاماً، قد وصل اليوم إلى مرحلة لم يعد فيها للتطرّف السحر المعهود نفسه عليه.

على العكس، يعيش شيشان الغرب اليوم، الوافدون في نهايات التسعينات، غمرة تحولهم الجيلي وأزمة نزع ثقافي متسارعة. كما في كل مكان، تُحطِّمُ الهجرة هرمية الأجيال، وينتزع الجيل الشاب فُسحته الخاصة وينظمها على إيقاع «أنا أكثر إسلاماً منك يا أبي» (ما يدعوه فتحي بن سلامة بالمفرط إسلاماً «surmusulman»). من جهة أخرى، الخسارة أمام الروس ما زالت ندباً حاضراً في مراياهم، فقد خسر آباؤهم هذه الحرب، ويُريد الشبّان أن تسكن مراياهم صورتُهم كأبطال المعركةِ الواجبِ استكمالُها، ولكن بوصفها معركة كونية مرتبطة بالإسلام عوضاً عن القومية الشيشانية.

التحريض على الجريمة والانتقال إلى التنفيذ

في خلفية هذه الجريمة يوجد دعوة قضائية يحرّكها عصبة من الإسلاميين، وشاركهم فيها مُحرِّض معروف، من الأوساط الإسلامية، هو عبد الحكيم صفريوي Abdelhakim Sefrioui. انتشرت على الشبكات الاجتماعية فيديوهات ورسائل داعية لفصل الأستاذ، وقامت بالتشهير بالمدرسة ونشر اسمها وعنوانها. ألا تخلق هذه العناصر اتصالاً ملموساً بين الحركات الإسلامية والإرهاب، مُثبٍتةً سهولةَ اختراق هذه الأوساط؟

ما لم تتوافر عناصر جديدة، يبدو أننا نتعامل مع سلسلتين مختلفتين ولكن متوازيتين. من جهة، تلك الحملة الإعلامية والقضائية التي يخوضها الصفريوي على الملأ منذ سنوات، ومن جهة أخرى تنفيذ الجريمة من قبل عبد الله. حملات الصفريوي تهدف إلى إحراج السلطات واستنهاض المسلمين (دون أن تحقق نجاحاً كبيراً). استراتيجيته تفترض التحرك على الملأ وبالصوت المسموع، وهو ما يعاكس استتار الإرهابي. ليس الصفريوي إماماً محلّياً يود استنهاض «رعيته»، إنه بالأحرى مُتصيّدٌ جوّال ينتهز كل فرصة من أجل المضي بقضيته قدماً. وهو السبب الذي دفعه إلى الوقوف إلى جانب والد الطالب المسلم (المتطرف ربما) وتضخيم اعتراضاته. يسعى الصفريوي، وهو مناضل إسلامي معروف، إلى الاستحواذ على كل حدث من أجل استنكار المهانات التي تستهدف الإسلام. إنه يتواصل مع الناس، يداخل في اللقاءات، يلتمس المواعيد، يقدم الشكاوى ويحرّض أولياء الطلبة، ممّن كان أحدهم قريباً لشخص كان قد التحق بالدولة الإسلامية. لو أن الصفريوي ووالدَ الطالب كانوا قد حضّروا هجوماً لكانوا تفادوا الظهور قبله، بل إن هذه الجريمة تمثل مشكلة تعرقل استراتيجيته.

ولكن لا يبدو أن العائلة الشيشانية مرتبطة بهم: فهم يعيشون بعيدين بعضهم عن بعض، ولم يكن عبدالله طالباً في المدرسة المعنية. لذلك يبدو أن عبدالله قد نفّد الجريمة بمفرده. لا شيء يسمح بالقول إنها كانت بطلب من الدولة الإسلامية. بالتأكيد، عرف بأمر عرض الرسوم من خلال الفيديو الذي قام والد الطالب بعرضه (وبهذا المعنى فإننا أمام تحريض على الجرم).

ليس الحيّ الذي يقطنه حاضناً للسلفية، عائلته متدينة جداً ولكن لا يبدو أنها تنتمي لتقليد ديني محدد؛ لم يستحضر أي مرجع تيولوجي. إنه يعبر عن «غضبه» وعن رغبته بالانتقام: كما هي الحال مع الباكستاني وساطوره. إنه يحاول إنتاج صورته كبطل. وكما الآخرين، إنه يبحث عن الموت. من المحتمل أن يكون قد غذّى تطرفه في إطار مجموعة صغيرة، ولكن برأيي إننا أمام بروفايل أقرب لبروفايلات ما بعد 2015، وهو ما يسبب مشكلة كبيرة في التعرّف على المتطرفين، فلا يمكن في هذه الحالة اعتماد «علامات التطرف» (كالصلاة والتردد المفاجئ على الجامع …): فإما أن هذه العلامات فضفاضة بحيث تنطبق على عدد كبير من السكّان، وبما لا يسمح باستهداف من يريدون الانتقال إلى الهجوم، أو أنها غائبة.

1. خالد كلكال فرنسي من أصول جزائرية، يُعَدُّ الرأسَ المدبر لموجة التفجيرات التي شهدتها العاصمة الفرنسية في صيف العام 1995. عضو في الجماعة الإسلامية المسلحة، الجزائرية. قتل أثناء عملية اعتقاله، التي صورتها محطات تلفزيونية. وقد أشعلت ظروف قتله موجة من الجدل. المترجم.

2. مُنفِّذُ الهجوم فرنسيُ الجنسية يبلغ 39 سنة، معروف لدى أجهزة الاستخبارات والشرطة ومتورط في قضايا سطو مسلح وتهريب المخدرات. مطار أورلي: منفذ الهجوم فرنسي معروف لدى الاستخبارات الفرنسية. المترجم.

3. قالت مصادر مقربة من التحقيق إن المعتدي فرنسي في التاسعة والثلاثين من عمره كان يخضع لتحقيق جهاز مكافحة الإرهاب، ولم يتضح إن كان الرجل نفسه الذي نشر التنظيم اسمه. وأفادت المصادر أن الرجل كان يخضع للتحقيق بعد أن أعرب عن نيته قتل شرطيين وأوقف في 23 شباط/فبراير ثم أفرج عنه لعدم كفاية الأدلة. وكان حكم عليه عام 2005 بالسجن لنحو 15 سنة لمحاولة قتل شرطي وطالب وأخيه في منطقة باريس. فرنسا: منفذ هجوم الشانزليزيه هدَّدَ بمهاجمة الشرطة سابقاً. المترجم.

4. كشفَ وزير الداخلية الفرنسي عن هوية منفذ الاعتداء بمحطة القطارات سان شارل، والذي أودى بحياة امرأتين، مشيراً إلى أنه تونسي يدعى أحمد حناشي، ويبلغ من العمر 29 عاماً. فرنسا: منفذ الاعتداء بمحطة القطارات في مرسيليا تونسي الجنسية. المترجم.

5. تشير أوراق المهاجم الثبوتية إلى أنه مولود في الجزائر في كانون الثاني/يناير 1977، ومُسجَّل منذ 2014 كطالب دكتوراه في علوم الإعلام في جامعة ميتز (شرق فرنسا). ورداً على أسئلة وكالة فرانس برس، قال معظم سكّان المبنى الذي يعيش فيه إنهم لم يكونوا يعرفونه. واحدٌ منهم فقط وصفه بأنه «رجل متكتم جداً (…) يسكن هنا منذ سنة ونصف أو سنتين». وأضاف طالباً عدم كشف هويته: «لم يكن إسلامياً ملتحياً بل يرتدي ملابس أقرب إلى أساتذة المدارس. شخصٌ لا يثير الشبهات».  الشرطة الفرنسية تركز تحقيقها على السيرة غير العادية لمنفذ هجوم الثلاثاء. المترجم.

6. كان العسكري السابق البالغ من العمر 34 عاماً «في وضع نفسي غير مستقر» حسب مصدر قريب من التحقيق، واعترف بعد توقيفه بأنه كان يعتزم تنفيذ اعتداء باسم تنظيم الدولة الإسلامية لأنه لم يتمكن من الالتحاق بالجهاديين في سوريا. قضاء: توجيه الاتهام رسمياً لعسكري سابق خطط لاعتداء في فرنسا. المترجم.

7. وأوقفت الشرطة المشتبه به الرئيسي في ساحة باستيل بُعيدَ الهجوم الذي أسفر عن سقوط جريحين، وهو مولود في باكستان وعمره 18 سنة ويدعى حسن آ، وقد وصل إلى فرنسا منذ ثلاث سنوات عندما كان قاصراً. منفذ الاعتداء قرب مقر شارلي إيبدو السابق في باريس يعترف باستهدافه الصحيفة الساخرة. المترجم.

8. «وكان جوهر وصل إلى الولايات المتحدة في سن الثامنة ونال الجنسية الأميركية في 2012. وسيمثل وحيداً أمام المحكمة لأن شقيقه تيمورلنك (26 عاماً)، الذي سيسعى الدفاع إلى تقديمه على أنه العقل المدبر للاعتداءات، قتل بعد أربعة أيام خلال مواجهة عنيفة مع الشرطة». «وقبل اعتقاله، كتب على جدران القارب حيث اختبأ ما يشبه التبرير لتلك الاعتداءات. وكتب أن الحكومة الأميركية تقتل مدنيينا الأبرياء. لا أستطيع التغاضي عن بقاء هذا العمل الشرير من دون عقاب. نحن المسلمين جسم واحد، وإذا ما أسأتم إلى واحد منا تسيئون إلينا جميعاً». بدء محاكمة جوهر تسارناييف المتهم في تفجيرات بوسطن. المترجم.

موقع الجمهورية

——————————

اللاسامية والإسلاموفوبيا: الحاجة لإعادة صياغة المفهومين معاً/ وسام سعادة

لم يعد ممكناً في زماننا التفكير في راهن كل من «معاداة السامية» و«رُهاب الإسلام» بمعزل عن بعضهما البعض.

لا يُستفادُ من هذا أن التفكيرَ محصورٌ في تعيين أيّ النزعتين أشد خطورة من الأخرى. ولا يستقيم التفكير المقارن والمزدوج هنا بإنكار نزعة والتصديق على الأخرى، ولا بالمماثلة بين النزعتين كما لو كانتا تشبهان بعضهما بعضاً من كل الجوانب وتكرر الواحدة منهما الأخرى، أو تحلّ الواحدة بدل الأخرى.

اللاسامية أولاً. كثيراً ما يثار اللغط عربياً حول هذا التعبير، وتجري المسارعة إلى ردّه بدعوى «أننا ساميّون». وفي هذا إغفال لواقعة أنه قد وُجِدَ بالفعل، في التاريخ الأوروبي، أناس فاعلون يقدّمون أنفسهم كأعداء للسامية. كان هذا قبل أن تعمد الأجيال التالية من معادي السامية الى تورية هويتها في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية. لكن قبل ذلك، كان اللاساميّون يقدّمون أنفسهم كذلك على طول الخط. فالقصد من شيوع هذه التسمية وتبنيهم لها كهوية لهم، الإشارة الى ان اختلاف اليهود عن المجتمعات الأوروبية ليس اختلافا دينيا فقط بل هو اختلاف عرقي بالدرجة الأولى، وأن يهود أوروبا يتحدرون عرقياً من الشرق..

وبما أنه في الفترة نفسها، القرن التاسع عشر، ونتيجة للمقارنة بين الأساطير القديمة والألسن، فُهِمَ أن السنسكريتية والفارسية واليونانية واللاتينية بنات عائلة واحدة، وجرى التعليل من ثم ان الاشتراك في المخيلة والانتماء الى بوتقة لغوية واحدة متعددة الفروع يعني الانتساب ليس فقط إلى لغة قديمة مشتركة، بل الى دم أصيل لم يزل يسري في العروق بنسب متفاوتة بين فروعه، فقد انتشرت خرافة «العرق الآري» الصانع للحضارات شرقاً وغرباً. فاكتشف «الغربي» بالتالي أن لديه أولاد عمومة في الهند أو في إيران، بل أقامت بريطانيا نظام المعادلة بين النبالتين الإنكليزية والهندية على هذا الأساس، ثم أخذ رواد الحركة الوطنية الهندية أنفسهم يطالبون بريطانيا بالتعامل معهم كأبناء عرق واحد. بالضدّ من هذا كان تعيير اليهود بأنهم «ساميّون». للقول في آن واحد أنهم غرباء عن أوروبا وليسوا حتى من أقرباء الأوروبيين في آسيا (آريّو الشرق). لم تكن حاجة لتعيير العرب بذلك، بنفس القدر، ما داموا أصبحوا خارج أوروبا منذ ضياع صقلية والأندلس. أما اليهود، فحينما كان يقال لهم أنتم ساميّون ومكانكم ليس بيننا، فكان يمكن أن يُترجَم ذلك: أنتم كالعرب..

قبل اللاسامية الحديثة، القائمة على اعتبار المشكلة مع اليهود عرقية قبل أن تكون دينية (مع عدم إمكان الفصل تماماً بين الاعتبارين) كان هناك ضرب آخر من معاداة اليهود كيهود في العصر الوسيط ومطالع الأزمنة الحديثة. معاداتهم ليس فقط كمتهمين بـ«قتل الرب» في المأثور المسيحي، وبالبقاء على شريعة نسخها الإنجيل، بل معاداتهم أيضاً كونهم يمثلون «مسلمي الداخل» من ارتكاب الصليبيين الفظائع ضد اليهود اولا وهم في طريقهم نحو الشرق، الى اتهام اليهود بمؤامرة تسميم الآبار، بايعاز من مسلمي الأندلس، لكن هذه النزعة استفحلت أكثر فأكثر مع تجدد الخطر الإسلامي على أوروبا المسيحية من البوابة العثمانية، واستقبال الأستانة لاجئي الأندلس من مسلمين موريسكيين ويهود سفارديم، ناهيك عن تبني السلطنة، من بعد سيطرتها على معظم حوض الدانوب في أعقاب فتح بلغراد 1521 ومن ثم فتح المجر بعد معركة موهاج 1526، لشعار استعادة الأندلس.

لا يلغي هذا، بل يتقاطع، مع نمو المعاداة الفلاحية لليهود في الشرق الأوروبي، وبالذات في المتحد البولوني الليتواني الذي كان يمتد من بحر البلطيق حتى معظم أوكرانيا، وشكّل اليهود فيه، الى حد كبير، وسيطاً اجتماعياً بين النبالة الكاثوليكية وبين الفلاحين الأرثوذكس، بما ارتد سلباً عليهم عند تراجع سيطرة هذه النبالة. لكن في هذه الحالة أيضاً، كان التنديد باليهود وارتكاب المجازر ضدهم، كما في حركة التمرد القوزاقية التي قادها بوهدان خميلنتسكي للتحرر من المتحد البولوني الليتواني في القرن السابع عشر، بدعوى أنهم عملاء لتتار القرم المسلمين الداخلين رسمياً في نطاق الدولة العثمانية..

لم تتراجع هذه النظرة الى اليهود كـ»مسلمي الداخل» في الكريستندوم (دار المسيحية) الأوروبي الا بتراجع الخطر الإسلامي، العثماني نفسه. وهذا الأمر سمح تدريجياً بالنقلة نحو اللاسامية بمعناها الحديث: اعتبار أن هناك حاجزا عرقيا يحول دون اندماج اليهود بشكل صحيح في المجتمعات الأوروبية، ويحوّل هذا الاندماج الى تحايل على هذه المجتمعات، لأن اليهودي «المندمج» يخفي تحت ستار اندماجه، حقيقته المنتمية الى «هناك» الى ساميي الشرق. كانت النقلة اذا من النظرة الى اليهودي كمسلم الداخل في الكريستندوم الى النظرة اليه كعربي الشمال في أوروبا الماضية على طريق الحداثة.

انقلابان جعلا هذه النظرة غير مرئية في القرن العشرين.

فمن جهة، حدث الانتقال من اللاسامية الحديثة في طورها الأوّل، القائمة على التشكيك في نيّة اليهود الاندماج كمواطنين وفي الإخلاص للدولة الأمة انطلاقاً من دوافع عرقية، إلى طورها الأكثر جذرية مع النازية، والقائمة على اعتبار أن اليهود بسيطرتهم على مركز الثروة الأممية (مقولة «اليهو – ـ بلشفية») وتحكمهم بمركز الثروة (رأس المال المالي) إنما يشكلون خطراً وجودياً على ألمانيا والعرق الآري الشماليّ، ليس لأنهم عرق قائم بذاته، بل لأنهم لا – عرق طفيلي، يسمح بتكتيل الأعراق المعادية، وبتحريك الهمجية الأسيوية ضد أوروبا.

ومن جهة ثانية، تقاطع كل من الحلين الإبادي النازي والكولونيالي الغربي للمسألة اليهودية: ابادة ثلثي يهود أوروبا في مقابل إقامة دولة لليهود في «عقر دار» العرب والمسلمين، أي تحويل «مسلم الداخل» في أوروبا سابقاً إلى «أوروبي» خارج أوروبا.

وهنا، أسوأ ما يحصل هو الشكوى من الاهتمام الزائد بالمحرقة واللاسامية، وكيف أنه تجرّم اللاسامية ولا تجرّم الإسلاموفوبيا. مصلحة المتضرّرين من المشروع الكولونيالي المقام على أرض فلسطين التاريخية تقتضي العكس تماماً: التأسيس على وعي المحرقة، وعلى وعي هذه المفارقة المهولة، أي اجتماع كل من الحلين المتوازيين لـ«المسألة اليهودية» حلّها بإبادة معظم يهود أوروبا، وحلّها بإقامة دولة استيطانية كي «يتأورب» داخلها اليهود الذين رُفِضَ تأوربهم في أوروبا نفسها، مرة لأنهم «مسلمي الداخل» ومرة لأنهم «ساميّون» أي «عرب».

التأسيس على وعي المحرقة يكون بنظرة أوسع من النظرة الأوروبية المحض إليها. نظرة تبدأ من كون اليهود عوملوا لقرون عديدة في أوروبا على أنهم «شبه مسلمين» دينياً، ثم «شبه عرب» عرقياً، قبل أن تحدث المحرقة وقبل أن تقوم الدولة الإسرائيلية.

يعني ذلك أيضاً دحض سردية خبيثة. نجدها مثلاً عند مؤرخ الأفكار الفرنسي بيار اندريه تاغييف، الذي يعتبر أنّه انتقلنا من طور كانت فيه اللاسامية غربية، تأخذ على اليهود أنهم آسيويون داخل أوروبا، إلى لاسامية إسلامية تأخذ على اليهود أنّهم رأس حربة الإمبريالية والرأسمالية الغربية. أكثر من هذا، في منطق اندريه تاغييف ما عاد ممكن للاسامية إلا أن تكون إسلاميّة، بما أنّ أوروبا والغرب حلّت مشكلتها مع «المسألة اليهودية. وهذا الحل رباعي بالنتيجة: المحرقة، وإقامة إسرائيل، ثم تطهير الذاكرة من تروما الإبادة، ثم اعتبار أن اللاسامية لم تعد أوروبية بل صارت إسلاميّة، وتحوّل الإنكار الإسلامي للمحرقة إلى «المشكلة المركزية» بدلاً من التداعيات المستمرّة للمحرقة على كل من اليهود والمسلمين سواء بسواء. أيضاً يعتبر اندريه تاغييف أنّ الإسلاموفوبيا غير موجودة، وإن هي إلا ذر للرماد في العيون، قبل أن يخبرنا في كتابه «الإسلاموية ونحن. التفكير في العدو غير المتوقّع» (2017) أن الغرب لا يواجه عدميين بل يواجه بربرية إسلامية بكل ما للبربرية من معنى، ثم يلتفت لدليل نصيّ على ما يقول، فيتجه صوب القرآن، وجديده هنا ليس أن القرآن يحرّض على العنف مباشرة، بل أنّه كتاب مبهم، والبرابرة سموا كذلك عند اليونان لأن كلامهم مبهم، وبالتالي فإنّ هذا الإبهام هو الذي يجعل هذا النص بياناً للبرابرة في حربهم على الحضارة. فإن لم تكن هذه هي الإسلاموفوبيا في أكمل أشكالها النظرية، فما تكون الإسلاموفوبيا؟

كاتب لبنان

القدس العربي

———————————–

عن فرنسا و”ذئابها المنفردة”/ ساطع نور الدين

بالادلة والبراهين اللبنانية التي لا تقبل الشك، ثبت أن الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون مسرحي ناجح، وسياسي فاشل. يعرف جيداً ما يطلبه الجمهور، ويرتجل في التعبير عنه، لكنه يعجز عن ترجمته الى خطوات واقعية خارج خشبة المسرح. ما يؤدي الى الخيبة من أدائه، ومن مركزه..ومن بلاده العظيمة، بإعتبارها أصدق الغرب وأقربه الى الشرق.

على هدى ذلك التقييم لماكرون، لم تكن متابعة توتر العلاقة بين فرنسا وبين المسلمين ممتعة أبداً، لكنها كانت مهمة جداً. ثمة دولة كبرى تقرر الالتفات الى معضلة داخلية مؤجلة، فتجد نفسها مضطرة الى الحديث عن ظاهرة عالمية غير موجودة.. بل أثبتت الوقائع الفرنسية نفسها، أنها في طور الزوال.

ما شهده ذلك التوتر يفوق الخيال. يعجز المرء حتى عن قراءة تفاصيله. منفذا الجريمتين المروعتين في ضاحية باريس وفي نيس ينتميان الى فصيلة في عالم الحيوانات الضارية، ولم يكن ينقصهما سوى أن يفترسا ضحاياهما.هما لا يمتان بصلة راهنة الى عالم البشر وقيمه ومعاييره.. برغم أنهما وليدا أسر معروفة بالإسم، ومجتمعات محددة بالمكان والزمان، وموروثات معلنة لم يخطئها أحد.

ثمة خلل جيني ظاهر في تكوين هذين المخلوقين، دفعهما الى إرتكاب جريمتهما البربرية عن سابق تصور وتصميم. يقابله خلل سياسي واجتماعي وثقافي، وطبي أيضا، في إكتشاف مثل هذه الحالات المرضية النادرة، وفي إستئصالها ، أو في علاجها ، بطريقة تحول دون ظهورها مجدداً.

ليست الصدفة هي التي جعلت الأراضي الفرنسية بالذات هي الموقع المحدد للجريمتين الهمجيتين. بالقياس الى عدد السكان الاصليين، فإن النسبة الاكبر من المهاجرين، الآتين من دول مسلمة خاصة، تقيم على تلك الاراضي. وهي رحابة فرنسية لا شك فيها، مصحوبة بعجز متراكم ومتزايد عن الاستيعاب والاحتواء والاندماج.. ما يفاقم مشكلة ضواحي المدن الكبرى، أكثر من أي بلد أوروبي آخر.

الرئيس ماكرون، الذي قارب تلك المشكلة مثلما قارب الأزمة اللبنانية، بأسلوب إرتجالي مفتعل، وأدرج من دون تروٍ ، الجريمتين الفظيعتين في ذلك السياق، بدا كمن وقع في مأزق. “الانفصالية الاسلامية” التي يحذر منها لم تتفاعل مع خطابه، وظلت الضواحي المضطربة أصلاً،  هادئة مستكينة. لم تتصرف كأنها “مجتمع موازٍ” يتشكل على هامش المجتمع الفرنسي. ولم تنفعل إلا بالخوف من عواقب الجريمتين. عندها قرر الرئيس الفرنسي أن ينقل المشكلة الى ما وراء الحدود، لا بصفتها معضلة في العلاقة مع الشيشان او تونس، بل بوصفها أزمة مع مليار ونصف مليار مسلم.

هنا أيضا، لم تكن ردود الفعل بقدر ما يشتهي ماكرون. صحيح أن الأصوات إرتفعت والتظاهرات سارت، ومواقع التواصل ضجت، لكنها كلها ظلت اقل بكثير مما جرى في أعقاب أزمة الرسوم الكاركاتورية الدنماركية. ربما لأن الجريمتين أبشع من الاساءة الى النبي. يضاف الى ذلك أن العالم السفلي للتنظيمات والشبكات الاسلامية، لم يصدر بياناً واحداً يعبر تبني الجريمتين، او عن الترحيب بهما بإعتبارهما جزاء عادلاً لفرنسا على ما إرتكبته في الماضي بحق المسلمين. حتى تنظيم “داعش” نفسه، الذي بنيت خرافته على قطع الرؤوس الآدمية، لم يجد ما يقوله بهذا الشأن العزيز على قلبه.

لعل التوظيف السياسي المفرط، من قبل الجميع، فرنسيين ومسلمين، هو الذي أسهم في إفراغ القضية التي كادت تبدو حرباً عالمية، أو صراع حضارات، من محتوياتها الكبرى، وتحجيم عناصرها الى حدود واقعية، يمكن التكيف والتعايش معها، بإعتبارها ليست الاولى من نوعها ولن تكون الاخيرة.

الذئاب المنفردة، التي تظهر بين الحين والاخر، لا يمكن أن تغير مجرى التاريخ، والأهم من ذلك أن ظهورها الذي يتباطأ مع الوقت يثبت حقيقة أنها تمثل فصيلة منقرضة من الحيوانات المفترسة، لا طليعة ظاهرة إسلامية في طور النهوض والإنتشار، كما كانت الحال في العقود الفاصلة بين القرنين الماضي والحالي. الاسلام السياسي كله في مرحلة أفول. وربما فرنسا أيضا، إذا لم تعقل وتتزن.

المدن

———————————

فرنسا تخوض لوحدها المعركة على مواقع التواصل

دخل مصطلح “الاسلام الراديكالي” على الادبيات الاعلامية الفرنسية ضمن المعركة الجديدة التي تخوضها فرنسا ضد التطرف الاسلامي ومحتواه الذي ينتشر في الانترنت بعد سلسلة اعتداءات متطرفة، وتتمثل المعركة في حماية الفرنسيين من الحملات الدعائية المتطرفة التي يبدو أنها تزداد قوة مع كل عملية قتل مروعة تشهدها البلاد.

ولعبت وسائل التواصل الاجتماعي دوراً كبيراً في حشد غضب العديد من المسلمين على خلفية إعادة نشر رسوم كاريكاتورية للنبي محمد من قبل مجلة شارلي إيبدو الأسبوعية الساخرة، ما خلّف تداعيات مأسوية لم يكن بمقدور الأجهزة الأمنية من منعها.

وقالت لورنس بايندنر إحدى مؤسسي “جي أو إس بروجيكت” المعنية بمراقبة المضمون المتطرف على الإنترنت: “اعتُبرت إعادة نشر الرسوم الكاريكاتورية إهانة جديدة وكان لديها مفعول سرّع” تطور الأحداث”.

وانتشرت دعوات لمهاجمة أهداف فرنسية انتشار النار في الهشيم على وسائل التواصل الاجتماعي، ما شكّل مفاجأة لأجهزة الاستخبارات التي كانت على علم بأن البلد يواجه في الأساس خطر ما يعرف بهجمات “الذئب المنفرد” (التي ينفذها شخص بمفرده) والتي عادة يستحيل تقريبا تحديد المخطط لها قبل تنفيذه العملية.

وقالت بايندنر لـ”فرانس برس”: “لم تعد المرارة حيال فرنسا محصورة في الدوائر الجهادية… تصل الآن من المستويات السياسية الإسلامية الراديكالية إلى النطاقات الدينية الأوسع بكثير”.

وواصل خطاب الكراهية عبر الإنترنت تحريك دوامة العنف فقتل شيشاني يبلغ من العمر 18 عاما صامويل باتي، الاستاذ الذي أثار حفيظة بعض الآباء عندما عرض رسوم شارلي إيبدو على طلابه خلال حصة عن حرية التعبير.

وأشادت مجموعات على صلة بالقاعدة وتنظيم “داعش” بقاتل باتي وأغرقت الإنترنت بدعوات لاستنساخ الاعتداء.

وقال المدير التنفيذي لمنظمة “مشروع مكافحة التطرف” ديفيد إبسن إن “الارتفاع الأخير في عدد الهجمات الإرهابية في فرنسا أظهر بأننا بحاجة الآن، أكثر من أي وقت مضى، للقيام بحملة ضد انتشار المضمون الإرهابي عبر الإنترنت”.

وتعهّدت فرنسا بالفعل بالتحرّك بشكل أقوى ضد المنشورات التي تحض على الكراهية عبر الإنترنت بعد مقتل باتي، الذي نُشر إسمه وعنوان مدرسته في إطار الحملة التي استهدفته على وسائل التواصل الاجتماعي.

لكن إبسن يشير إلى أن الحكومات تواجه معركة صعبة ما لم تنسّق الجهود مع الشركات التي توفر المنصات التي يستغلها المتطرّفون بهذه السهولة.

وقال إن “سهولة الوصول إلى الصور والتسجيلات المصورة بالغة العنف على وسائل التواصل الاجتماعي تعكس فشل شركات التكنولوجيا في الإيفاء بوعودها والتعامل مع انتشار المضمون المتطرف والإرهابي عبر الإنترنت”.

بدورها، اشارت بايندنر إلى أنه منذ مقتل باتي “هناك منشورات بالفرنسية تنشر على حسابات غير فرنسية تظهر في بعض الأحيان إلماماً متواضعاً باللغة”.

وبإمكان مضمون من هذا النوع أن يكون فعالاً بما فيه الكفاية لتحفيز المتلّقين وخصوصا أولئك الذي يسهل اختراقهم أو الأفراد الذين يعانون من مشاكل نفسية.

وفضلا عن الرسائل مجهولة المصدر في فيسبوك أو تويتر، تزيد الانتقادات الحادة لماكرون من قبل قادة سياسيين أو ودينيين من خطورة الحملات الدعائية المتطرفة.

وعلى سبيل المثال، اتّهم رئيس الوزراء الباكستاني عمران خان الرئيس الفرنسي بمهاجمة العقيدة الإسلامية وتغذية رهاب الإسلام (إسلاموفوبيا) في أوروبا، في تصريحات ساهمت في دفع الآلاف إلى الشوارع للاحتجاج على فرنسا.

ويرى خبراء أن التصريحات الحادة تحمل تأثيرا أكبر من العبارات الفاترة للتعبير عن التضامن مع ضحايا الهجمات الإرهابية.

وإلى جانب مشاهد المتظاهرين الغاضبين وهم يحرقون صور ماكرون، تعد هذه التصريحات تماما ما يحتاجه المتطرفون لحملاتهم المحرّضة على وسائل التواصل الاجتماعي.

وقال ضابط الاستخبارات الكندية السابق الذي يترأس حاليا شركة “بورياليس” للاستشارات فيل غورسكي “أقلها هو أن هذا انعدام للمسؤولية من قبل قادة هذه الدول”.

وأضاف “يتحمّلون المسؤولية لدرجة ما. الكلمات لها وقعها خصوصا عندما تصدر عن أشخاص في السلطة”.

ويشير خبراء إلى أن الإشادات على الإنترنت بمنفّذي اعتداءات فرنسا، والتي تحمل خطر إلهام آخرين بالسعي لاستنساخها، تكشف بأنه لا يمكن لفرنسا أن تخوض وحدها معركة وسائل التواصل الاجتماعي.

وقال إبسن: “يجب أن يتجسد تحرّك ملموس بشكل أكبر ضد المضمون الإرهابي على الإنترنت في أنحاء الاتحاد الأوروبي”. وأضاف: “لن يكون من الممكن مواجهة، وفي نهاية المطاف القضاء على، التطرف عبر الإنترنت إلا من خلال التصميم والتنسيق المتواصل بين الدول الأعضاء”.

—————————

هل فرنسا لديها مشكلة مع الإسلام؟/ فيليكس ماركارت

بوصفي واحداً ممن تحولوا إلى الإسلام وتربوا في فرنسا، لم أكن قط “ليناً” تجاه أي نوع من التطرف. في يونيو/حزيران 2015، استيقظت على أنباء تفيد بأن صورة لي ظهرت في مجلة دار الإسلام الفرنسية التي يصدرها تنظيم “الدولة الإسلامية” (داعش). فماذا كان السبب وراء هذا الاهتمام غير المرحب به، الذي أدى إلى وضعي تحت حماية الشرطة وأرسلني إلى المنفى في نهاية المطاف؟

في أعقاب الهجمات المروعة على مجلة تشارلي إبدو، جمعت مجموعة من الإخوة المسلمين لإطلاق مؤسسة فكرية إصلاحية في إطار جهود ترمي إلى عدم السماح للوحوش الذين كانوا وراء هذه المذبحة بأن “يمثلوا” الإسلام. أشرنا إلى قيود المركزية العربية للإسلام: وهي التكلفة الناتجة عن التأثير غير المتناسب الذي تحظى به بعضٌ من أكثر الأنظمة القمعية حول العالم في تحديد التعاليم الإسلامية في يومٍ وعصرٍ أغلب المسلمين فيه ليسوا من العرب. وشككنا في مدى كفاية الفكرة التي تفيد بأننا، بوصفنا مسلمين، ننأى بأنفسنا عن مرتكبي هذه الأعمال الوحشية ونصرح علناً بأن “هذا لا علاقة له بالإسلام”. (وتساءلنا: “هل يمكننا أن نتفق على أن الحملات الصليبية “لا علاقة لها” بالمسيحية؟”)، وطالبنا بتجديد الفكر الإسلامي وبدفعةٍ جديدةٍ نحو إعادة تفسير النصوص الدينية.

في أعقاب الاغتيال الوحشي الذي تعرض له مدرس ثانوي فرنسي بعد أن استخدم رسوماً عُدَّت مسيئة من جانب مسلمين؛ من أجل شرح درس حول حرية التعبير، استجمعتُ قواي استعداداً للموجة المألوفة من الخطاب المعادي للإسلام التي كانت ستترتب على ذلك بلا أدنى شك. وما لم أتوقعه كان رد فعل السلطات الفرنسية. بعد إغلاق مسجدٍ بدلاً من استبدال القائمين عليه (لاتهامهم بالتعامل مع ولي أمر قاد حملة تشهير ضد المدرس)، مما أدى فعلياً إلى إخراج مئات المسلمين من كبار السن إلى الشوارع، الذين يعد المسجد بالنسبة لهم شبه ناد اجتماعي وشبه دار مسنين، وأعلن وزير الداخلية الفرنسي في أعقاب ذلك حل التجمع المناهض للإسلاموفوبيا في فرنسا.

تعد ردود الفعل السريعة غير المحسوبة هذه جزءاً من نموذج يزعم أنه يقضي على الإرهاب الإسلامي، وبدلاً من ذلك يسيء إلى مسلمين كثر وينفرهم. قبل أسابيع من الهجوم، أعلن الرئيس ماكرون عن خطة لمواجهة “الانعزالية”، وهي محاولة خرقاء؛ كي لا يبدو أنه يخص بالذكر ديانة محددة، ولم تنطل على أحد. وفي حين أن بعضاً من الغضب الدولي، الذي أثاره حديث ماكرون في أعقاب الهجوم، الذي وصف فيه الاستاذ المغدور بأنه “بطل”، صنعه بحرص القادة المسلمون الذين يتوقون إلى إحراز نقاط سياسية رخيصة، تواصل فرنسا منح ذريعة إلى هؤلاء الذين يقولون إن فرنسا لديها مشكلة مع الإسلام.

أولاً، يبدو الفرنسيون غافلين عن الحقيقة التي تشير إلى أن بلادهم صارت واحدة من البلاد القليلة حول العالم، حيث يُنظر إلى الرسوم الكاريكاتيرية التي يعدها المسلمون معادية للإسلام، على أنها أمر مبرر ومساوٍ لحرية التعبير عن الرأي. إذ إن غالبية الإسرائيليين، والأمريكيين، والألمان، ومواطني جنوب إفريقيا، الكولومبيين والكوريين، قد لا يتفقون مع هذا الرأي. أشيد بتعلق الفرنسيين بحرية التعبير، لكني أُشكك في حقيقة أنهم ملتزمون بها أكثر من بقية البشر.

ثانياً، يبدو أن الفرنسيين جاهلون تماماً بطبيعة العلمانية الفرنسية شديدة الخصوصية المناهضة للإكليروسية (معارضة السلطة الدينية الكنسية) والمناهضة للدين عموماً التي تمتد جذورها عبر التاريخ والتي انصب تركيزها لعهد طويل على الكنيسة الكاثوليكية، لكن أغلب اهتمامها تحول الآن إلى الإسلام. ولهذا فقد شعر الفرنسيون بالفزع من حقيقة أن غالبية المسلمين الفرنسيين يعدون أنفسهم مسلمين قبل أن يكونوا فرنسيين وأنهم يعزون ذلك إلى تعارض خاص بين الإسلام والعلمانية. لكنك إذا سألت معظم الناس في الفيلبين أو البرازيل أو بولندا هذا السؤال سيردون عليك بنفس الإجابة. لا يعني هذا أن المسلمين الفرنسيين لديهم مشكلة مع العلمانية. بل يعني أنهم يأخذون الدين والإيمان بجدية في بلدٍ يُعد الإيمان بالله فيه بمثابة إيمانٍ ببابا نويل. بالنسبة للمتدينين، بغض النظر عن مذهبهم، فإن شريعة الله تعلو فوق شريعة البشر. ولا يعني هذا مجدداً أنهم لا يلتزمون بالقوانين التي يضعها البشر أو أنهم يتوقون سراً للحكم الثيوقراطي. بل يعني أن رحلتهم الروحانية الباطنية تأتي فوق أيّ اعتبار.

ثالثاً، يبدو أن الفرنسيين غير قادرين ببساطة على فهم قساوة زعمهم أن الجمهورية الفرنسية هي دولة لا دينية ولا عرقية (لا تراعي الدين أو العرق)، في حين أن معظم المسلمين الفرنسيين هم أبناء وبنات أشخاصٍ ينحدرون من دولٍ كانت مستعمرة سابقاً وما زالوا يعاملون بوصفهم مواطنين من الدرجة الثانية، وفي حين أن المسلمين الفرنسيين يتقاضون في المتوسط أجوراً أقل بكثير من باقي المواطنين ويتعرضون بانتظام للتمييز من قبل رجال الشرطة وأرباب العمل ويعيش معظمهم في أحياء سكنية فقيرة محرومة حيث يتلقى أبناؤهم تعليماً ضعيف المستوى. ولا يقتصر هذا الوضع على عصرنا الحاضر فقط.

ما تزال فرنسا ترفض مواجهة ماضيها الاستعماري وما بعد الاستعماري. بالرغم من أنني ارتدتُ مدارس فرنسية في الثمانينيات والتسعينيات، لكنني لم أعرف شيئاً عن مجزرة باريس في عام 1961-التي راح ضحيتها عشرات ما لم يكن مئات المحتجين الجزائريين الذين ضربوا حتى الموت في شوارع باريس أو ماتوا غرقاً في نهر السين- غير أني سافرت للدراسة في الخارج في منتصف التسعينيات. وبعد أن أعلنت هاييتي استقلالها في عام 1804، هددت فرنسا باجتياحها عسكرياً إذا لم تدفع ما يعادل حالياً 21 مليار دولار أميركي نظير “سرقة” العبيد والأرض. واستغرقت هاييتي أكثر من قرن حتى تتمكن أخيراً من تسديد هذا الدين بالكامل، وكان ذلك في عام 1947.

لا يُعد هذا تاريخاً قديماً.

تُظهر اكتشافات حديثة في مجال علم التَخلُّق الناشئ أن حمضنا النووي يتغير تبعاً لتجاربنا. فنحن نتشكل وفقاً للصدمات التي عايشها أجدادنا وقدراتهم على الصمود وما مروا به على مدار أجيال عديدة. هل يبدو مفاجئاً حقاً أن يرفض المسلمون الفرنسيون المشاركة في مسيرة تدافع عما يطلق عليه الفرنسيون (le vivre-ensemble) أو (العيش معاً) عندما يشعر معظمهم، على نحوٍ يمكن تفهمه، أنهم مستثنون من باقي المجتمع الفرنسي؟ في ذات السياق، يبدو استخدام مصطلح “النزعة الانفصالية” لوصف جهود المسلمين لغرس الثقافة والقيم الإسلامية في نفوس أبنائهم، مُضللاً بوجه خاص، ولا سيما في بلدٍ يرتبط فيه هذا المصطلح بالحركات الاستقلالية الإرهابية.

لدى فرنسا تاريخ طويل من الترحيب بالأجانب. وقد استفدت كثيراً من هذا الأمر كوني أميركياً نمساوياً. ومثلما كتب المؤلف المسرحي البولندي فيتولد غومبروفيتش ذات مرة: “أن تكون فرنسياً فإن هذا يعني بالضبط أن تهتم بأمور أخرى سوى فرنسا”. لكن كثيراً من المسلمين الفرنسيين يشعرون بغربة شديدة في وطنهم. ففي رأيهم، خاصة الشباب منهم، ثمة شيء مهين تماماً ولا منطقي للغاية في المطالبة بإجراء نقاش حول الإسلام وما يدعوه الفرنسيون بـ “قيم الجمهورية” التي لا تمت بصلة لتاريخ فرنسا المظلم في مستعمراتها السابقة، ومنها بلدان كثيرة ذات أغلبية مسلمة، والتي لا تمت بصلة أيضاً للواقع الصعب الذي يعيشه المسلمون الفرنسيون حالياً. هذه ليست مشكلة دينية، وإنما مشكلة سياسية وثقافية. وما دامت السلطات الفرنسية اختارت تجاهلها، فإنها ستواصل إقصاء شرائح واسعة من السكان الفرنسيين المسلمين وستُعجل بانهيار الهيكل السياسي الفرنسي.

فيليكس ماركارت هو مؤسس “بلاك إليفانت” (blcklphnt.com) ومؤلف كتاب “الرُحَّل الجدد-The New Nomads” الذي سيصدر في مارس/آذار 2021، عن دار نشر “سايمون وشوستر”.

درج


هجوم فيينا كانتقام متأخر من الحروب الصليبية/ وليد بركسية
ربما لا تستحق نظرية المؤامرة التي امتلأت بها مواقع التواصل الاجتماعي إثر هجوم فيينا الإرهابي، ليل الاثنين-الثلاثاء، والتي توجه أصابع الاتهام للمخابرات العالمية والماسونية العالمية بمحاولة تشويه صورة الدين الإسلامي، التوقف عندها بحد ذاتها، لضحالتها. لكن ارتباطها بالنصوص الدينية القديمة بشكل يجعلها تتكرر بمناسبة وبلا مناسبة في الأحاديث العامة المرتبطة بمستقبل الدول الإسلامية، يجعلها زاوية مثيرة للاهتمام عند محاولة فهم العقلية التي تحتفي بالعنف في المدن الأوروبية مؤخراً.
يقول أحد المغردين في “تويتر”: “أتهم فرنسا بالوقوف خلف هجمات فيينا”، ويربط آخر المشهد بالانتخابات الأميركية من دون توضيح هذا الرابط العجيب، وبشكل مشابه تتحدث تعليقات أخرى عن افتقاد الخطة الشريرة المدبرة بعناية لإلحاق صفة الإرهاب بالإسلام على اعتباره ديناً مسالماً لا يحض على العنف في تعاليمه السمحاء، إلى الإتقان الكافي في مواجهة الذكاء العربي الحاد، الذي ينجح مجدداً في تصويب الوقائع، بالقول أن المسلمين أنفسهم هم أكثر من تعرض للإرهاب، في إشارة للحروب التي شنتها دول غربية خلال السنوات الماضية في الشرق الأوسط لمكافحة التنظيمات الإرهابية نفسها.
وتفترض النظرية التي تتواجد في عشرات المقالات في الإنترنت أيضاً، أن الغرب يعادي الإسلام بأشكال متعددة لأنه يشكل خطراً على الهيمنة الغربية على العالم بسبب قدرته على التوسع والانتشار. ويعود المعلقون بالذاكرة إلى الحروب الصليبية لوصف “الحقد الغربي على الإسلام” ويكررون الحديث عن الحقبة الاستعمارية، وكيف فشلت الحركات المختلفة في وقف المد الغربي باستثناء الإسلام الذي يشكل برأيهم الأمل الأخير للبشرية في هذا الصراع الوجودي، الذي يريد به الرجال البيض استعباد بقية شعوب الأرض وسرقة ثرواتهم ومسح ثقافاتهم وتحقير حضارتهم. وبين الرغبة في الانتقام والرغبة في السيادة، قد لا يكون من المبالغة القول بأن العالمين الإسلامي وغير الإسلامي باتا لا يتسامحان مع بعضهما البعض، نظرياً على الأقل.
ولا ترتبط هذه النوعية من التعليقات، الشامتة ضمناً بما يجري في المدن الأوروبية وبالضحايا الذين كان ذنبهم الوحيد هو التواجد في المكان والزمان غير المناسبين، بدعاية جهادية أو عقلية راديكالية متزمتة تتحكم بها هيئات سياسية باسم الدين، مثلما يحلو لكثير من المعلقين “العقلانيين” توصيفه منذ تجدد الجدل حول عنفية الدين الإسلامي إثر قطع مراهق شيشاني رأس مدرس فرنسي في باريس لعرضه رسوماً كاريكاتورية تصور النبي محمد في حصة دراسية عن حرية التعبير. بل تشكل التعليقات والأفعال في مجموعهما تعبيراً عن حالة الحرب الأبدية التي تصور بها النصوص الإسلامية مستقبل البشرية، منذ القرن السابع الميلادي.
يذكر المتحمسون لهذه الحرب في “تويتر”، آيات كثيرة في القرآن مثل “هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون”، ورغم أن بعض رجال الدين يربطون هذه الآية تحديداً بحوادث تاريخية مثل فتح مكة، فإن ذلك الرأي يبقى مهمشاً في مقابل رأي يكرره مشايخ آخرون لهم وزنهم في العالم الإسلامي مثل يوسف القرضاوي، رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين سابقاً، يقولون فيه أن هذه النوعية من الآيات القرآنية هي نبوءات تؤكد أن “الإسلام سيظهر، وستعلو رايته ويرتفع”، قبل التحديد بأن الإسلام سيسود على المسيحية والبوذية والهندوسية واليهودية وما تبقى من ديانات حول العالم.
يتكرر ذلك في الأحاديث النبوية أيضاً التي تقول أن الأمم ستتداعى على الإسلام، مع التبشير بنصر كبير في نهاية المطاف. ويستند عشرات المعلقين على هذا الحديث بالذات لبناء وجهة نظرهم السياسية وتقديم تحليلاتهم لما يجري اليوم من هجمات إرهابية تشكل بدورها تطبيقاً عملياً لنفس النصوص الدينية. ويصبح أولئك المجرمون “أبطالاً يجهادون من أجل إعلاء كلمة الحق في وجه الباطل”، مهما كانت أفعالهم شنيعة. ولا يتعلق الأمر بمدى تبعيتهم لتنظيم محدد مقابل كونهم ذئاباً منفردة، لأن الحالتين تنطلقان من جذر فكري واحد في نهاية المطاف.
ويبدو أن ما حدث في فيينا هو انتقام إضافي للنبي محمد وتصرف نابع من “مشاعر مجروحة”، فإن هنالك تشديداً في النقاشات العامة مؤخراً على دور الإسلام السياسي في اللعب على المشاعر الدينية وتأجيج المشهد، وتحديداً ما يقوم به سياسيون شعبويون مثل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، أو دول مشهورة بتصديرها للإرهاب الديني حول العالم، مثل إيران. ورغم ذلك فإن جذور التطرف في الإسلام نفسه تبقى موجودة.
وبالطبع لا يشكل كل المسلمين إرهابيين خطرين أو قنابل موقوتة، بل على العكس، يشكل المتطرفون منهم أقلية تسيء للغالبية. لكن المشكلة تكمن في أن المسلمين المتحضرين والذين يطبقون تعاليم دينهم بطريقة عصرية، يبقون أفراداً غير مؤثرين مهما كان عددهم، لأن المؤسسات الدينية التي تمثل الإسلام، تبقى جامدة، بما في ذلك “الأزهر” الذي يفترض به أن يكون مصدراً للأصوات المعتدلة نسبياً ضمن هذه المؤسساتية، والذي دعا فقط إلى إصدار تشريعات عالمية تجرم السخرية من الرموز الدينية، بدلاً من مداواة الجرح الحقيقي والعمل على الترويج لإصلاح حقيقي للدين، مثلما حصل مع أديان أخرى عبر التاريخ، كالمسيحية بعد عصر النهضة.
ولا بد من التذكير مجدداً، بأن “الأزهر” نفسه رفض تكفير “داعش” مراراً، لأن الدموية التي طبقها التنظيم لم تكن مجرد اجتهادات شخصية أو عنفاً مجانياً، بل كانت تطبيقاً للنصوص الدينية بحرفيتها لا أكثر، وإن خلق ذلك صدمة لدى كثير من المسلمين بسبب رؤية تعاليم دينهم تطبق فعلياً في القرن الحادي والعشرين، فإنه لم يتطور نحو حركة أكثر جدية تدافع عن حقوق الإنسان، بدلاً من الحركات التي اتبعت أسلوب دفن الرؤوس في الرمال وطالبت بتحسين صورة المسلمين التي شوهها “داعش” فقط. وهو ما يحدث مجدداً اليوم بعد الجرائم الإرهابية في الدول الأوروبية خلال الشهر الأخير.
وللدلالة على الجمود في المخيلة الإسلامية العامة، يمكن ملاحظة استعادة بعض المغردين والكتاب قولاً قديماً لأوربان الثاني من خطبة كليرمونت التاريخية العام 1095 للاستدلال على خوف الغرب من الإسلام: “أيها الجنود المسيحيون: اِذهبوا وخلِّصوا البلاد المقدسة من أيدي الأشرار، اِذهبوا واغسلوا أيديكم بدماء أولئك المسلمين الكفار”. ورغم أن تلك الحروب حدثت قبل نحو ألف عام في حقبة كانت الأديان فيها عامل دفع للحضارة الإنسانية بمساهمتها المباشرة في تشكيل الدول والإمبراطوريات التاريخية، فإن الوقوف عندها وجعلها سبباً مباشراً لكل ما يجري اليوم، يؤكد أن الأديان اليوم باتت عائقاً ليس فقط أمام الحضارة بل أمام الحياة نفسها.
ويتم استذكار عشرات الحوادث الأخرى من التاريخ السحيق، للقول بأن الإسلام مستهدف ومحاصر، ولا تتم الإشارة للديموقراطية المعاصرة في الدول الغربية التي تعطي الحق في المواطنة للأفراد بغض النظر عن انتماءاتهم الدينية، بعكس الدول الدينية السائدة في الشرق الأوسط حتى اليوم، كما لا يلاحظ أولئك المتشنجون كمية الرأفة التي أظهرتها الدول الغربية تجاه اللاجئين الهاربين من دول إسلامية مزقتها الحروب والصراعات، ولا يرون أيضاً كيف وصل مسلمون إلى مراكز عليا في الدول الغربية، بما في ذلك الكونغرس الأميركي نفسه، بل يصبح كل ذلك بطريقة ما جزءاً من المؤامرة لسرقة أبناء المسلمين وحرفهم عن دينهم الحقيقي.
وإن كانت النقاط السابقة جزءاً بسيطاً من حقائق أوسع تظهر كيف تجاوزت الدول الغربية ذلك الماضي المظلم من الصراع على أساس ديني، فإن استمرار الصراع من طرف واحد على الأقل، قادر على توليد رد فعل مضاد، يجسده حتى الآن النمو السريع لتيارات اليمين المتطرف في أوروبا، ما يشوه معنى الديموقراطية نفسها، عبر سعي مؤيديها بدافع الخوف والإحباط إلى عزل أنفسهم على طريقة “أميركا أولاً”، مكررين عبارات بأن قيم الحضارات الأخرى لا تتواءم مع قيم الحرية الغربية. ويعمل هذا الاستقطاب، ضمن عوامل أخرى، على خلق ديناميات سياسية خطيرة وغير متوقعة، كوجود شعبوي أخرق مثل دونالد ترامب في البيت الأبيض أو احتمال إعادة انتخابه لأربع سنوات أخرى بعد ساعات قليلة فقط. والمخيف فقط في هذا الطرح، هو احتمال أن يكون صحيحاً فعلاً بسبب الفجوة الحضارية.
كل العمليات التخريبية التي تحصل في الغرب كجريمة #فيينا هي صنع مخابراتي قذر، يخرجون بمسرحية هزيلة، ولكن في حقيقتها عمل استخباري أعقد مما يظن السّذّج، على كل هم يمكرون ويبثون الفتن والله يمكر بهم ويبطل فتنهم وجرائمهم في حق الأبرياء.
— عليّ (@alijaa77) November 2, 2020
من يُنقذ أوروبا المسكينة من المجرم #ماكرون
نحن قمنا ب #حملهمقاطعهالمنتجاتالفرنسية في بلادنا هنا وأوجعنا إقتصادكم بطريقة سلمية وحضارية كما علمنا نبيناً الكريم الذي تسيئون إليه.. لا شأن لنا بقتل الأبرياء في #فيينا .. المسئول عن قتلهم هو من يعاني من #المقاطعة ويبحث عن حل لها.. — كريم الجهمي ⁦⚖️⁩ (@karim_391) November 2, 2020 خطة منهم لجعل حجه ضدنا ، لتبرير افعالهم بالمستقبل ، هاذي افعال قذارة الارض اليهود اشعال الفتن #فيينا — ✨ (@nz1p) November 2, 2020
#فيينا
ماكرون خنزير فرنسا زوج الحيزبون معطي تصريح قبل النمسا نفسها !!
استعدوا بيلصقوها للإسلام والمسلمين 👎🏻👎🏻
أوروبا تركت كل مشاكل الكوكب وبدئت تحارب الاسلام !
— £ ڤانيليا £ (@noorislam22) November 2, 2020
#فيينا
كل الهجمات الارهابية التي تنفذ في الغرب في ( هذا الوقت بالحديد ) هي مفتعله لاتهام الاسلام بالارهاب ، عمليات استخباراتية خبيثه تقودها الدول المعادية للسلام والمسلمين
— وخر عنيّ (@w5r_3n) November 2, 2020
ما يحصل من صنع العصابة الدولية. هذا جزء تابع لتدمير العراق وسوريا وصفقة القرن..#فيينا https://t.co/liw2dHgJiR
— Mehdi Modhri (@saidmodhri) November 2, 2020
سبحانه .. اليس من المصادفة هذي الهجمات الارهابيه قبل اعلان من يفوز في انتخابات امريكا
اوروبا الماسونيه لاتهرول عبث#فيينا
— حمدوف (@Hamad96947320) November 2, 2020
لماذا يتحرك الارهاب المسمى اسلامي في اوقات وازمنه محدده يتبعها تحقيق مصالح او تدخلات في المنطقه ??
يعني سؤال بس 🙄🤔#فيينا
— Sarah 🖐🏻 (@Sarah_sami99) November 3, 2020
و كالعادة الحين يحطون الموضوع بالمسلمين و كأن العالم كله مافيه غير المسلمين .. لا حول ولا قوة الا بالله.
#فيينا
— محميد (@m7med__m6r1) November 3, 2020
هناك مشروع صهيوني امريكي فرنسي جديد بحجة الاسلام والمسلمين اجمعين
يا رب اكفنا شر الشيطان الرجيم#سنةشيعةأخوة يدا واحدة#فيينا
— 💛Abo🏴 Ali 🏴Jawad✍️ (@AboAliJawad) November 3, 2020
من قيدم الازل فطلائع الحملات الصليبية علي الشرق المسلم خرجت من فرنسا بمباركة ما يسمي البابا اوربان الثاني .
— 💡 Dr. Nour 1st. Acc. 💉⚗️🔬😷 ⚖ (@laststandman_21) November 2, 2020
بعض الجرائم التي ارتكبتها فرنسا بحق مسلمي العالم
١-
الحملة الصليبية
قادت فرنسا أول حملة عسكرية شنها الصليبيون، تلبية للدعوة التي أطلقها البابا أوربان الثاني سنة 1095م في كليرمونت جنوب فرنسا من أجل تخليص القدس وعموم الأراضي المقدسة من أيدي المسلمين وإرجاعها للسيطرة المسيحية
— Abdulrhman (@_dhemy7) October 31, 2020
المدن


===========================

تحديث 05 تشرين الثاني 2020

————————–

فرنسا العلمانية وحرية التجديف/ محمود الزيباوي

عُرفت فرنسا تاريخياً بـ”الابنة البكر للكنيسة الكاثوليكة”، وحمل ملوكها تباعاً لقب “الإبن البكر للكنيسة” منذ عهد كلوفيس الأول، الملك الذي اهتدى إلى الايمان الكاثوليكي في نهاية القرن الخامس. تغير الأمر في القرن الثامن عشر، حين دخل أعلام عصر التنوير في مواجهة مفتوحة مع الكنيسة، وتحولت هذه المواجهة إلى حرب هوجاء في السنوات التي تلت اندلاع الثورة الفرنسية في 1789، وانتهت هذه الحرب العام 1905 مع تبني البرلمان الفصل بين الدولة والكنائس بصيغة الجمع. منذ ذلك التاريخ، تميزت فرنسا بعلمانيتها القصوى، وهي اليوم أكثر بلدان أوروبا علمانية من دون أدنى شك.

 خاض كلوفيس حروباً شرسة ضد أعدائه، واتّخذ باريس عاصمة لملكه، وعند موته في العام 511 كان الحاكم الوحيد لثلاثة أرباع بلاد الغال. في السنوات الأخيرة من حياته،‏ سعى هذا الملك إلى تثبيت مملكته، فسنّ سلسلة من القوانين عُرفت بـ”القانون السالي”،‏ كما عقد مجمعًا كنسيًّا في مدينة اورليان حدّد فيه العلاقة بين الكنيسة والدولة.‏ توطّدت هذه العلاقة مع ارتباط الملَكية الفرنسية بالكنيسة الكاثوليكية بشكل كامل منذ عصر سلالة الكرولنجيين التي حكمت أوروبا من منتصف القرن الثامن إلى القرن العاشر. منذ ذلك العهد، اعتُبرت فرنسا “الابنة البكر للكنيسة” لأن ملوكها هم ورثة كلوفيس الأول، الملك الذي اعتنق الايمان الكاثوليكي، وجعله ديناً لمملكته.

في عصر النهضة، أطلق البابا اسكندر السادس، على الملك شارل الثامن، لقب “ولدي البكر”. بعدها، حمل كل من لويس الثاني عشر، وفرنسوا الأول، لقب “الابن البكر للكنيسة”، وفي العام 1562، أكدت الملكة كاترين دو ميديسيس للسفير البريطاني أن “مملكة فرنسا هي الإبنة البكر للكنيسة”. بدأت هذه الصورة تتزعزع مع نشوء الحركة الإصلاحية ودخول البروتستانتية إلى فرنسا في القرن السادس عشر. فَتَحَتْ “العصبة المقدسة” مواجهةً مع الملك هنري الثالث، معلنةً أن فرنسا هي الابنة البكر للكنيسة. وأدى ذلك إلى سلسلة ما يُعرف بـ”حروب الدين”، وهي سلسلة من الحروب الدموية تواصلت بحدة حتى انتصار الثورة الفرنسية و”إعلان حقوق الإنسان والمواطن” الذي أصدرته الجمعية التأسيسية الوطنية في 26 آب/أغسطس 1789، وفيه أقرّت حرية المعتقد وحرية التعبد.

تطرّق هذا الإعلان إلى مسألة التجديف، أي ازدراء الدين، وكان الإعدام هو عقاب من يجدّف بحسب الشريعة التوراتية، كما جاء في الكتاب: “لا ترض منه، ولا تسمع له ولا تشفق عينك عليه ولا ترق له ولا تستره، بل قتلا تقتله، يدك تكون عليه أولاً لقتله، ثم ايدي جميع الشعب أخيراً” (تثنية 13: 9). قضى “إعلان حقوق الإنسان والمواطن” بإلغاء تهمة التجديف قانونياً في حال عدم اخلالها بالنظام العام، وبدت “قضية الفارِس دولابار” منذ ذلك التاريخ آخر قضية تجديف شهدتها فرنسا. تعود تلك القضية إلى العام 1766، في عهد لويس الرابع عشر، بطلُها شاب من عائلة نبيلة يُدعى جان لوفيفر دولابار، اتّهم بالتجديف وبازدراء رموز الكاثوليكية، وهو في العشرين من عمره، وقضت المحكمة بإعدامه، فقُطع رأسه، وحُرقت جثته بعد تثبيت نسخة من كتاب فولتير، “قاموس الفلسفة”، بالمسامير على صدره. وذلك كردٍّ على الفيلسوف الذي دافع عنه، وكتب في هذا الدفاع: “ليس من العدل معاقبة الجنون بالعذابات التي يجب ان لا تُلحق إلا بأكبر الجرائم”. فرّ فولتير إلى سويسرا إثر هذا الإعدام، وواصل حملة دفاعه عن دولابار، ورفع من شأنه، فبات رمزاً لحرية الوعي والتجديف في فرنسا منذ ذلك التاريخ.

حاولت الكنيسة التمسّك بسلطتها بعد اندلاع الثورة، وجاء الردّ عنيفاً مع حركة “التجرّد من المسيحية” التي رفعت شعار المنطق والعقل. نشأت هذه الحركة بعد سقوط الملكية، وعرفت مداها الأقصى في السنة الثانية للثورة، وتميّزت بحدتها. شنت هذه الحركة على الكنيسة الكاثوليكية حرباً هوجاء، فمنعت رجال الإكليروس من ارتداء لباسهم خارج الخدمة، ومنعت كل الاحتفالات الدينية خارج دور العبادة، وصادرت الكثير من أملاك الكنيسة وثرواتها، وسعت إلى فرض ديانة رسمية جدية هي “ديانة المنطق”، واحتفلت بتكريس هذا الدين الجديد في كاتدرائية نوتردام في باريس بعدما أطلقت عليها اسم “معبد المنطق”. في 23 تشرين الثاني/نوفمبر 1793، صدر القرار بإغلاق كل كنائس العاصمة الفرنسية، وتلاه قرار يدعو إلى إغلاق سائر الرهبانيات، ونفي آلاف الكهنة خارج فرنسا. وأثارت هذه القرارات سجالاً واسعاً، وتصدّى لها عدد من كبار المفكرين الذي رأوا فيها تعدياً على الحرية التي نادت بها الثورة، وانتهى هذا الفصل الدموي بإعلان تثبيت حرية المعتقد والتعبد رسمياً في 6 كانون الأول/ديسمبر 1793، وعدم استثناء الكهنة من التعليم الحر.

تراجعت حركة “التجرد من المسيحية”غير انها لم تهدأ، ولم تستقر الأوضاع إلا في شتاء 1795 حين اضطرت الثورة إلى إعادة الاعتبار إلى حرية المعتقد بشكل كامل. تواصل الصراع بين السلطة المدنية والسلطة الدينية في العقود التالية، حيث سعت الكنيسة الكاثوليكية إلى التشبث بدورها التاريخي. خاطب الأب هنري دومينيك لاكودير، فرنسا، ودعاها باسم “الابنة البكر للكنيسة الكاثوليكة” في عظة ألقاها في شباط 1841 في كاتدرائية نوتردام في باريس، يوم كان “ابن الكنيسة البكر” الملك لويس التاسع عشر في المنفى. بعد بضعة عقود، في ظل الجمهورية الثالثة، قررت الحكومة جعل المدرسة الابتدائية “مجانية وإجبارية وعلمانية”، وعمدت إلى “علمنة الأماكن”، وأدى هذا القرار إلى نزع جميع الصور وكل ما له دلالة دينية من المدارس الحكومية. في خطٍّ موازٍ، اعتمدت وزارة التربية سياسة “علمنة المناهج” وأصبحت المواطَنة هي المرجعية وليس الانتماء الديني. تكرّس هذا التحول الجذري في العام 1905 حيث تبنى البرلمان الفصل بين الدولة والكنائس بصيغة الجمع.

ثار الفاتيكان ضد هذا القرار، ورشق بالحرم جميع البرلمانيين الذين اقترعوا لصالح ذلك الفصل، واضطر بعدها مرغماً إلى القبول بواقع الأمر. هكذا انتصر ورثة عصر التنوير الذين خاضوا معركتهم الأساسية ضد سلطة الكنيسة، وبات أعلام التنوير بمثابة الآباء المؤسسين للجمهورية العلمانية. تميّز الخطاب العلماني الفرنسي بنبرته المتشددة الحادة منذ ذلك الحين إلى يومنا هذا. قديماً، كانت الأمة الفرنسية هي الأمة المختارة لتنفيذ مشيئة الله، بصفتها الابنة البكر للكنيسة. وأصبحت في الأزمنة الحديثة الأمة التي عُهِدتْ إليها مهمة “إعلان حقوق الإنسان والمواطن” الذي أقرّ بحرية المعتقد وحرية التعبد، كما أقرّ بحريّة التجديف.

في حزيران/يونيو 1980، أحيا البابا يوحنا بولس الثاني قداساً في مدينة بورجيه الفرنسية، وفيه ألقى عظة تساءل فيها: “فرنسا، أيتها الابنة البكر للكنيسة، هل انت وفية لنذور معموديتك؟”. وفي نيسان/ابريل 2005، رحل البابا يوحنا بولس الثاني عن هذه الدنيا، فدعت الدولة الفرنسية يومها إلى تنكيس أعلامها 24 ساعة حداداً، فاعترضت شخصيات سياسية مرموقة على هذا القرار. وقال أحد النواب الاشتراكيين انه يريد “علمانية” لا تشوبها اي شائبة، لا علمانية “النصف كم”. من المفارقات، أنّ هذه العلمانية كرّست حرية المعتقد والعبادة، وبات الإسلام خلال قرن من الزمن، الدين الثاني في فرنسا، وبات في هذه البلاد أكثر من 2200 مسجد.

شكّل صعود الموجة الإسلامية في فرنسا حالة دينية جديدة لم تألفها البلاد منذ عقود، وأخذت هذه القضية بعداً جديداً في أيلول/سبتمبر 2005 حين نشرت صحيفة دنماركية 12 رسماً كاريكاتورياً تناولت النبي محمد بشكل أو بآخر، وذلك بعدما صرّح أحد الكتّاب بأنه لم يعثر على أي رسام يجرؤ على تصوير محمد لتزيين كتابه حول النبي. جاء ذلك بعد اغتيال المخرج الهولندي تيو فان غوغ على أيدي إسلاميين متطرفين بعدما حقق الأخير فيلماً بعنوان “الخضوع”، اعتُبر معادياً للإسلام والمسلمين. وكان الغرض من نشر هذه الرسوم الكاريكاتورية تأكيد حرية التعبير والنشر في أوروبا بالدرجة الأولى. في هذا السياق، نشرت جريدة “فرانس سوار” هذه الرسوم في اول شباط 2006، وتبعتها “شارلي إيبدو” بعد اسبوع، وأضافت إليها رسمًا ساخرًا احتل الغلاف وضعه الرسام الفرنسي الشهير جان كابو.

 اشعلت هذه الرسوم صداماً حاداً في فرنسا، ودعا جاك شيراك الصحافيين إلى احترام المشاعر الدينية، وتبعت هذه الدعوة حركات احتجاجية عديدة تمثلت في رفع عدد من الدعاوى ضد “شارلي إيبدو”، غير أن السلطة القضائية رفضتها كلها بعدما اعتبرت أن الرسوم لا تنتهك حدود حرية التعبير. عادت هذه القضية إلى الواجهة العام 2008 بعدما أنجز أحد المخرجين فيلمًا توثيقيًّا حول هذه المسألة، وفي تشرين الثاني 2011، تعرضت مكاتب “شارلي إيبدو” إلى حريق متعمد قضى على جزء كبير من محتوياتها. تجدّد هذا الهجوم في مطلع 2015، وأدى إلى مقتل خمسة رسامين لهم جمهور عريض منذ عقود من الزمن، وهم كابو، فولنسكي، هونوريه، شارب، وتيغنوس.

منذ تلك الحقبة، يدور بين المسلمين والعلمانيين في فرنسا حوار هو أشبه بحوار طرشان. يعجز المسلم عن تفهم العلماني، ويجد العلماني نفسه أمام خصم قديم يعود إليه اليوم بثوب جديد، وهو ثوب الإسلام. تجدّد هذا الصراع إثر قطع رأس المدرّس الفرنسي صمويل باتي على يد شاب شيشاني في 16 أكتوبر/ تشرين الأول، وذلك بعد عرضه على طلابه الرسوم الكاريكاتورية التي كانت نشرتها من قبل “شارلي إيبدو”، في درس تناول حرية التعبير في فرنسا. أعاد هذا المدرّس إلى الذاكرة “الفارس دولابار” الذي قُطع رأسه وأحرقت جثّته بعد إدانته بالتجديف، ورأت الحكومة الفرنسية، مدعومةً من عدد كبير من المواطنين، أن هذه الجريمة هي في المقام الأول اعتداء على حرية التعبير، وقالت إنها ستدافع عن الحق في نشر الرسوم.

في هذا السياق، اتخذ الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون موقفاً مشابهاً، وقال إن الديانة الإسلامية تعيش أزمة في مختلف أنحاء العالم. انتقد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان هذا الموقف بعنف، وقال: “لا تستحق فرنسا وأوروبا بشكل عام السياسات الشريرة والاستفزازية والقبيحة التي ينتهجها ماكرون ومن ينتمون إلى عقليته نفسها”. وفي السياق ذاته، اتهم أردوغان الدول الغربية بأنها تريد “إعادة الحملات الصليبية”، وقال إن “الوقوف في وجه الهجوم على النبي مسألة شرف بالنسبة لنا”.

في الواقع، يصعب القول بأن فرنسا تريد “إعادة الحملات الصليبية”. على العكس، يشهد السجال الذي يدور في هذه البلاد بأن الصراع يدور بين اتباع حرية المعتقد والحق في التجديف من جهة، والدعوة إلى احترام المشاعر الدينية من جهة أخرى. رأى رئيس أساقفة تولوز، الكاثوليكي روبير لو غال، ان “حرية التعبير لها حدودها”، وأضاف: “ليس من المسموح ازدراء الأديان، وها نحن نرى نتيجة هذا الازدراء. يجري صب الزيت على النار من خلال إثارة قضية هذه الرسوم الكاريكاتورية. علينا ان نهدئ كل هذا، لأن هذه الرسوم هي ضد الإسلام، كما انها ضد الإيمان الكاثوليكي”. سارع زعيم حركة “فرنسا الأبية” جان لوك ميلونشون إلى الردّ على هذه التصريحات، وقال ان رئيس أساقفة تولوز يبرّر الجرائم ويطالب بالحد من حرية التعبير في التجديف على الأديان.

من جهتها، رأت الاشتراكية كارول ديغا ان العلمانية وحرية التعبير والحق في انتقاد كل مؤسسة دينية أمور لا تنفصل عن الميثاق الديموقراطي الجمهوري، ولا تجوز مناقشتها. كذلك، اعتبر الاشتراكي جورج ميريك ان تصريحات أسقف تولوز تشكل تراجعاً في سياق علمنة الديانة الكاثوليكية، وأضاف: “حرية التجديف ليست فعلاً يُعاقب عليه، فهي حق من حقوق الجمهورية، يؤكّد حرية التفكير والتعبير. مجتمعنا ملتزم مبدأ علمنة الأديان الذي من شأنه أن يؤدي إلى عدم سيطرة أي معتقد إيماني على الحياة العامة”.

المدن

————————

هل يُمكن للبشر الاستغناء عن الدّين؟/ محمد حجيري

هل يُمكن للبشر الاستغناء عن الدّين؟ “أتباع فيثاغورس يحتفلون بشروق الشمس” (1869) – فيودور برونيكوف

النقاش في الغرب عموماً، وأوروباً تحديداً، لا يقتصر على تناول أفاهيم تحمل التقاليد الإسلامية، وأفاهيم وجهتها الحداثة واللاتدين والعلمنة الشاملة، بل يصل الى سؤال طرحه الفيلسوف والأنثروبولوجي الفرنسي، لُوسيان سكوبلا، في مقال عنوان “هل يمكن للبشر الاستغناء عن الدّين؟ لمحة عن محنة الديني في الغرب منذ ثلاثة قرون(*) يتناول أهمّ خصائص الظاهرة الدينيّة، إذ هي على غرار كلّ ظاهرة اجتماعيّة، جماعيّة وقسريّة، ولا وجود، بالمعنى الدقيق للكلمة، لدين شخصي.

وهذه نقطة جوهريّة كانت محلّ فهم عميق حتّى من قبل أعتى الكتّاب الاختزاليّين على غرار فرويد، حين قام، بدلاً من وصف الدين بأنّه “عُصاب كوني”، أي باعتباره اضطراباً فرديّاً مضخّماً إلى مستوى البشريّة، بتعريف العُصاب الوسواسي بأنّه “دين مشوّه”. الدين كما بيّنه مؤسّسو الإناسة، ولخّصه عالم الاجتماع اميل دوركهايم، “نظام ممنوعات وطقوس جماعيّة، تستدعي فصلاً حادّاً بين الشؤون الدنيويّة والشؤون المقدّسة”. وفي القرن التاسع عشر اتّفق الفلاسفة والمؤرّخون وروّاد علم الإناسة أو مؤسّسوهما على إعادة الاعتبار للديني، “إن لم يكن عمليّاً، فعلى الأقلّ موضوعًا يستحقّ التفكير وليس شيئًا يجب مُحاربته وتصنيفه في خانة الخرافات. فغدا الدين حتّى عند من يعتبره وهماً، وهماً طبيعيّاً ومستداماً، وليس مجرّد ظاهرة عارضة لا واقع موضوعي لها”.

ويسأل لُوسيان سكوبلا من أين جاء هذا التغيير في المنظور، وإذا جاز التعبير، هذه البصيرة المشتركة، التي أعقبت العمى العامّ لعصر الأنوار؟ ويجيب: “لا شكّ في أنّه من الثورة نفسها، حين خذلت بعض المفاهيم المختزلة للعلاقات الاجتماعيّة وكشفت عن تمفصل غير متوقّع بين السياسي والديني”. وكما سيقول المنظّر ألكسيس دو توكفيل، لاحقاً، فقد قامت تلك الثورة السياسيّة على طريقة الثورات الدينيّة، ويمكننا أن نضيف، ومتبنيّة الأشكال الأصليّة للقرابين في كلّ دين…

وسواء قاموا بتفسير تاريخ البشريّة بمصطلحات “التقدّم” مثلما فعل هيغل وماركس أو كومت، أو بمصطلحات “الانحطاط” مثلما فعل نيتشه، فإنّ فلاسفة القرن التاسع عشر يعترفون، طوعاً أو كرهاً، بـ”المكانة البارزة للظّواهر الدينيّة”. فماركس نفسه لم يكن أقلّ قسوة على الماديّة المبتذلة منه على المثاليّة الهيغليّة. ومن خلال قلب الجدليّة كي تقف على قدميها، ارتفع ماركس بالدّين إلى مستوى “البنية الفوقيّة، لكنّه اعترف له مع ذلك بوظيفة خاصّة”. أمّا نيتشه، فهو “لا يحلّل الديني بمصطلحات درجة الوعي، بل بمصطلحات علاقات القوّة، وتبدو له المسيحيّة مبشّرة بالمساواة أكثر منها بالحرّية”. لقد رأى نيتشه بوضوح “أنّ العالم الحديث قد شكّلته المسيحيّة، وأنّه عصيّ على الفهم من دون القيم المسيحيّة التي تُشكّل الأُسس التي يقوم عليها، حتّى ولو كان الخاضعون لها يتظاهرون بتجاهلها أو إنكارها”. وكما سيقول أيضاً جلبير تشيسترتون إنّ “كلّ شيء في العالم الحديث هو من أصل مسيحي، كلّ شيء، حتى ما يبدو الأكثر معاداة للمسيحيّة.(…) ويمكننا القول حقّاً بأنّه من أصل وثني، وهو المسيحيّة”.

إنّ هذه الحُدُوس القويّة، معروضة بشكل أوسع عند أكبر الكتّاب الكلاسيكيّين. فهذا توكفيل يُلاحظ أنّ الكنيسة من خلال أسلوبها في التوظيف، ساهمت بشكل حاسم في إقامة مجتمع المساواة. يتعامل توكفيل مع الدين كخير حيوي للمجتمع وللمواطن كإنسان، وليس مشكلة سياسية يجب حلها أو احتواؤها. وفي الواقع تبدو بعض الفلسفات نوعاً من “أديان جديدة”. فحين كتب الاقتصادي جوزيف شومبيتر، عن ماركس، عنون فصله الأول “ماركس النبي”، ولم يكن لـ”ماركس عالم الاجتماع” و”ماركس عالم الاقتصاد” الحقّ في الظهور إلاّ في الفصول التالية. ذلك أنّه قبل أن تكون نظريّة علميّة، فإنّ “الماركسيّة دين”. فالشيوعيّة، بحسب لُوسيان سكوبلا، تجمع بالفعل بين الآمال الدنيويّة للخلاص اليهودي، ولاهوت الخلاص المسيحي. فهي تُنصّب البروليتاريا، كما يُقال، مسيحاً للعالم الحديث، بل إنّ النصوص التي يقوم فيها ماركس بتحليل علمي للدّين “لا تخلو من نبرة دينيّة، من حيث أنّها تُعطي الإنسان الأمل في تحقيق الاكتفاء الذاتي الإلهي بأن يُصبح شمس ذاته، ولم يدرك ماركس أنّه يؤسّس ديناً جديداً، وقد نجح في ذلك بقدر ما اكتفى بإلباس ثياب جديدة لمضمون ديني تقليدي”. (استطراداً، في أبسط الأمور كثر من اليساريين كانوا ينظرون الى غيفارا في غابات بوليفيا كقديس، ويقارنون بين صورته ميتاً او قتيلاً مع صورة المسيح نازلاً عن الصليب، حتى فريدريك إنجلز نفسه وصف كتاب “رأس المال” مجازاً بأنه “إنجيل الطبقة العاملة”)…

ونيتشه لم يباشر نسابة الظاهرة الدينيّة فحسب، بل قدّم نفسه على أنّه “نبيّ دين الإنسان الخارق الذي يمثّل هكذا تكلّم زرادشت، وقد كُتب بأسلوب آيات الكتاب المقدّس، الكتاب المقدّس الجديد”. أمّا فرويد، فقد كان يعتقد أنّه قدّم اكتشافاً يُماثل اكتشافات كوبرنيكوس وداروين، وأنّه اخترع علاجاً قادراً على “تخليص البشر من الوهم الديني وعلاجاته الوهميّة”. “لقد أعطى التحليل النفسي أملاً جديداً في الخلاص، يُواسي البشر في مآسيهم الفرديّة، مثلما تُواسيهم الماركسيّة في شرورهم الجماعيّة”، كما يقول عالم الاجتماع ارنست غلنر.

لم يحتج رُوّاد الإناسة، وهم أكثر استبصاراً من الفلاسفة، إلى خلق أشكال جديدة من الدين لإبراز القيمة الاجتماعيّة للظواهر الدينيّة. يقتبس سكوبلا مقطعاً لدوركهايم يقول فيه: “يتضمّن الدين في داخله منذ البداية، لكن في حالة غائمة، جميع العناصر التي ولّدت من خلال انفصالها وتحدّدها وتآلفها بعضها مع بعض، بألف طريقة وطريقة، مختلف مظاهر الحياة الجماعيّة. فمن الخرافات والأساطير خرج العلم والشعر، ومن الزخرفة الدينيّة والطقوس التعبديّة جاءت الفنون التشكيليّة، ووُلد القانون والأخلاق من الممارسات الطقوسيّة. ولا يمكننا أن نفهم تمثّلنا للعالم، وتصوّراتنا الفلسفيّة حول الروح والخلود والحياة، إذا لم نعرف المعتقدات الدينيّة التي كانت أنموذجها الأوّل. لقد بدأت الأبوّة باعتبارها رابطة دينيّة في أساسها، والعقاب، والعقود، والهبة، والولاء، هي تحوّلات للأضحية التكفيريّة، والتعاقديّة، والتشاركيّة، والشرفيّة، إلخ. وأقصى ما يمكن أن نسأل بشأنه هو ما إذا كان التنظيم الاقتصادي استثناءً ومستمدّاً من مصدر آخر؛ وعلى الرغم من أننّا لا نظنّ هذا، فإنّنا نُوافق على أنّ المسألة تستحقّ بعض التحفّظ”. ويطرح السؤال الآتي: “بما أنّ الدين كان رحم الرابطة الاجتماعيّة، فهل يكون أيضاً العمود الفقري لأيّ مجتمع مستدام؟ وينتقل من نقد رؤية فلاسفة الأنوار للدين بوصفه دجلاً ووهماً سيموت بفعل تقدّم العقل، إلى نقد الرؤية الماركسيّة التي ترى أنّه وسيلة هيمنة طبقيّة”، ليقوم بعدها بتحليل القسر الديني بوصفه نتاج عمليّة تشكّل وانتظام للمجتمعات البشريّة، منفصلة إلى حدّ كبير عن الأفراد الفاعلين فيها. وهي رؤية دوركهايم التي ينتصر لها لُوسيان سكوبلا في مقاله أو كراسه، ويُبيّن مدى رجاحتها. ويخلص سكوبلا إلى أنّ الديني قد يدخل في أزمة، لكنّها أيضاً أزمة المجتمع الذي يضمن الديني تماسكه، وهذا القانون له من القسريّة ما لجميع القوانين الأخرى للطّبيعة، ولكونه مستقلاًّ عن جميع الإرادات، فهو أكبر مبرّر للموقف الديني وأكبر ضامن لاستمراره.

ثمة جوانب عديدة كان يمكن التطرق اليها في موضوع الأديان وتشعباتها، خصوصاً في زمن السينما والاستهلاك واقتصاد الشركات وعالم الماك. أقرب نموذج حين كتب ادغار موران عن نجوم السينما، بدوا لنا من خلال مقاربته كأنهم “أنبياء العصور الجديدة”، اذ لم يعد نجوم السينما في نظر موران، مجرد أشخاص عاديين، بل أنصاف آلهة (من جيمس دين إلى مارلين مونرو)، مخلوقات تدفعنا إلى الحلم عن طريق الاستعراض السينمائي كأساطير حديثة.

وعلى الهامش، حين كتب التونسي فتحي المسكيني مقدمة كتاب “الدين في حدود مجرد العقل” لإيمانويل كانط، قال إنّ أصل حاجة البشر إلى الدّين لا يكمن في أيّ نوع من العبوديّة، بل في قدرتهم الرّائعة على الحريّة، وبالتّحديد حريّة المصير، حريّة اقتراح غاية نهاية لوجودهم على الأرض، تليق بعقولهم، ويسأل: لكن لماذا يحتاج البشر إلى هذا النّوع من الاحترام الأعظم؟ ويجيب نقلاً عن كانط – لأنّ “كلّ شيء، حتّى أكثر الأشياء جلالة، إنّما يصغر بين أيدي بني الإنسان، متى ما أخذوا يطبّقون فكرته في استعمالاتهم” العادية. ينبغي إذن أن يكون ثمّة شيء على الإنسان أن “يقدّسه” حتى لا يتحوّل وجوده اليومي إلى آلية كسولة بلا هدف… والله أعلم.

(*) ترجمة محمّد الحاج سالم، ونشر في موقع مؤمنون بلا حدود، وموقع أكاديميا.

———————-

أردوغان وماكرون وصِدام الحضارات/ محمد صبحي

كما هو متوقع، نُصب فخّ صدام الحضارات، في فرنسا كما في النمسا. انبرى معلّقون في تغذية الخطاب المعادي للمسلمين، بحجة انعزاليتهم ولا-أوروبيتهم. الخلفية الكولونيالية تحضر بقوة، من الجانبين، كما يحضر اسم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، كزعيم محتفى به وكمتهّم مشتبه فيه. لا يمكن القول إن أردوغان ألهم الشاب التونسي الذي أوقع ثلاثة قتلى في محيط كنيسة نوتردام في نيس الفرنسية، لكن من الواضح أنه من خلال استهدافه فرنسا وإهانته ماكرون، عرف كيف يستغل الفرصة لكسب شعبية محلية و”إسلامية” على أرضية نقاش تغيب عنه الموضوعية إلى حدّ كبير. في النتيجة، اشتعل العالم الإسلامي، من المحيط الأطلنطي إلى شرق آسيا، أُحرقت أعلام فرنسا وصور للرئيس الفرنسي بموافقة “القادة المسلمين”، بمن فيهم أولئك الذين (مثل تركيا نفسها) دانوا مذبحة نوتردام في نيس.

ما الخطر في ذلك؟ أن ينفتح صندوق باندورا على تشكيلة شرور خطيرة. ففضلاً عن الجائحة الوبائية التي لا تفرق بين الأمم، تُضاف الآن تلك المواجهة بين الغرب والعالم الإسلامي التي تفسح المجال للاستغلال بجميع أنواعه: هذا ما يودّ أردوغان أن يتعهَّده على جبهات الحرب الثلاث، في سوريا وليبيا وناغورنو كاراباخ، كما في الأزمة المتفجرة في شرقي البحر الأبيض المتوسط، مثلما في مناورته صعوبات اقتصادية واجتماعية خطيرة في الداخل التركي.

هذا ليس جانباً مهملاً، فتركيا مدينة لشركاتها بأكثر من 330 مليار دولار، معظمها للبنوك الأوروبية. ابتزازات أردوغان لأوروبا، لا تتعلّق فقط باللاجئين على المسارات من بحر إيجة إلى ليبيا (حيث استولى على زوارق خفر السواحل الإيطالي)، لكن هناك أيضاً احتمال حدوث فشل مالي في الأفق. إنه يضغط على الأوروبيين ليدفعوا، كما فعلوا سابقاً في اتفاق اللاجئين، لكنه يعلم أنهم لن يفعل ذلك مرة أخرى، والآن يخاطر بفرض عقوبات من الاتحاد الأوروبي على انتهاك المناطق الاقتصادية الخاصة لليونان وقبرص في بحر إيجة. لذلك يلعب ورقة تعبئة العالم الإسلامي، بعد إفراطه في تعريض نفسه للمشاريع العسكرية باهظة الكلفة، والسَّير وحيداً – باستثناء حلفاء إقليميين نادرين- في طرق ومغامرات سياسية غير مأمونة العواقب. معضلة أردوغان تتجلّى في كونه عضواً في حلف الناتو، ما يجعله حليفاً لأوروبا والولايات المتحدة نظرياً على الأقل، لكنه في الوقت ذاته يرتبط بروسيا عبر علاقة صداقة-عداوة مثيرة للتأمل؛ الأمر الذي من شأنه أن يجعل العقدة التركية القديمة، “الرجل المريض”، غير قابلة للحل. لنتذكر، رغم كل الاختلافات الهائلة، أن صدام حسين غزا الكويت عندما قرر التوقف عن سداد ديونه المتراكمة لدى ممالك الخليج والبنوك الغربية بسبب الحرب ضد إيران.

في مثل هذه الأوقات يجدر تذكّر ما حدث في العلاقات بين أوروبا والولايات المتحدة من ناحية، والدول الإسلامية من ناحية أخرى. تاريخٌ معقد، لكننا إذا قصرناه على العقود القليلة الماضية، فثمة مراحل واضحة إلى حد ما. لم يُولد التطرف الإسلامي في صورته التي نعرفها الآن إلا من أزمة تلك الأنظمة العربية العلمانية التي كانت إلى حد كبير حليفة للغرب وتتغذّى بشكل كبير من التدخل العسكري الأميركي وتدخل حلفائها في الشرق الأوسط. في العام 1979، أطاحت الثورة الإيرانية الخمينية، الشاه، الذي اعتبرته الولايات المتحدة حارسها في منطقة الخليج. كان الردّ الغربي على الثورة الشيعية هو تسليح “عراق صدّام” الذي شنّ حرباً عدمية على إيران: ثماني سنوات من الصراع، ومليون قتيل. “الوحش” صدّام، الذي غزا الكويت العام 1990، لم يوقفه حينها سوى حلفاؤه القدامى (بالسلاح) والممالك السنية الخليجية (بالأموال)، وهذه الأخيرة ما زالت أوروبا تبيع لها الأسلحة بكامل طاقتها ويصنع معها ترامب وإسرائيل سلاماً “إبراهيمياً” مزيّفاً، ما يترك مظالم الشرق الأوسط، وأولها احتلال فلسطين، كما هي. الأوروبيون، أيضاً، بسبب عجزهم عن الفعل أو اختيارهم عدم تبنّي أي ردّ فعل جدّي، يستوردون الظلم التاريخي والبروغاندا الإسلاموية التعبوية.

في ديسمبر 1979، غزا الاتحاد السوفياتي أفغانستان، وانتهزت الولايات المتحدة الفرصة، بأموال باكستان والسعودية، لشنّ حرب على موسكو باستخدام المجاهدين، الذين أصبحوا في ما بعد طالبان والجهاديين، والذين خاضت الحرب ضدهم بعد هجمات 11 أيلول/سبتمبر 2001. مع هؤلاء تحديداً وليس غيرهم، يريد الأميركيون اليوم صنع السلام، بينما يستمر مقتل المدنيين في أفغانستان. في العام 2003، قررت الولايات المتحدة، باعتماد أدلة كاذبة على وجود أسلحة دمار شامل في العراق، تدمير النظام البعثي العراقي، ثم طيَّفت الحياة السياسية العراقية، فاتحة الطريق أمام نشوء القاعدة ثم داعش أيضاً، أي إلى أسوأ تجسيدات التطرف الإسلامي، الذي كان العرب أكبر ضحاياها. من هناك، فُتح صندوق باندورا ولم يتمكن أحد من إعادة إغلاقه.

كانت المقتلة السورية وانتفاضات الربيع العربي في 2011 أحدث مثال على كيفية قيام الغرب والعالم العربي الإسلامي – ممثلاً بممالك الخليج التي تزوّد المتطرفين بالأموال تحديداً – باستغلال الجهاد والتطرف الإسلامي. الولايات المتحدة، بإيحاء من وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون، أعطت أردوغان تفويضاً مطلقاً لإطاحة نظام الأسد المتحالف مع إيران وروسيا. كانت فرنسا نفسها متواطئة في خطة جلبت أكثر من 40 ألف جهادي من تركيا إلى سوريا، والآن يجب على باريس أن تدير عودة الجهاديين الفرنسيين من العراق وسوريا. قبل العام 2015، اتفق الأميركيون والأتراك والفرنسيون على إبعاد الأسد بكل الوسائل، بما في ذلك الاستعانة بالسفّاحين الإسلاميين، بينما كانت باريس وواشنطن ولندن قد أطاحت القذافي في ليبيا. هنا، مَن يزرع الريح يحصد العاصفة. والمدنيون دائماً يدفعون الثمن من دمائهم، كما هو الحال في نيس وفيينا وغيرهما، ممن يخافون الآن أيضاً من الوباء.

هذا ليس صِدام حضارات، كما يريد أحدهم أن نعتقد، لكنه صراع مصالح كانت في البداية متقاربة ثم متباينة. نعلم جميعاً أن فرنسا لديها مشكلات كبيرة، اجتماعية وصحية وسياسية، وبالتالي “يصعب تصديق أن تكون أولوية حكومة ما في ظل كل هذه الظروف هي التطرق للانعزالية الإسلامية، وما يقع داخل الأوساط المسلمة”، كما يؤكد الصحافي آلان غريش في حوارٍ نشر مؤخراً. في فرنسا العام 2018، كان هناك 26 ألف شخص يُعتبرون تهديداً للأمن القومي، 10 آلاف منهم متطرفون أو خطيرون. وقوانين “الانعزالية” الدينية ليست كافية لتحرير البلاد. المطلوب شيء آخر: مراجعة نزيهة للتاريخ الحديث، يتحمّل فيها الجميع، بما في ذلك فرنسا، المسؤولية. لكن مطالبة تركيا أردوغان اليوم بتحمل المسؤولية وحدها هو محض وهم.

المدن

————————-

رسالة من فرنسا التي يكرهها المتعصّبون/ كارولين فورست

طالما أن هناك حشوداً قادرة على استغلال الإسلام للتهديد بسبب رسوم كاريكاتورية أو كتاب، وطالما أن هناك مسعورين يذبحون أو يقطعون الرؤوس باسم هذا الدين، فإن صورة الإسلام ستبقى رديئة وعاثرة، وسيتأثر المسلمون بذلك.

    ينشر هذا المقال بالتزامن مع مجلة L’EXPRESS الفرنسية

هي دائماً الصُّوَر نفسها. حشود غاضبة مسعورة يتم تصويرها في باكستان أو في دول العالم العربي وهي تحرق الأعلام. كل ذلك بسبب كتاب لم يقرأوه، رسوم لم يروها، بسبب حرية التفكير أو الإبداع التي يعجزون عن تصوّرها.

حدث ذلك عام 1989 مع رواية «آيات شيطانية» لسلمان رشدي، عندما قامت حشود حمّسها الخميني بإحراق أعلام إنكليزية. وحدث أيضاً عام 2005 ضد 12 رسماً للنبي محمد، عندما أحرقت حشود النظامَين السوري والإيراني الأعلام الدنماركية. وعام 2012 صدر فيلم “مسيء” لمحمد أنتجه مطوّر عقاري، فأحرقت حشود من المصريين والليبيين أعلاماً أميركية. في بعض الأحيان، تستحضر الرسوم أو الأفلام فكرة الإسلام من دون أن تطرح هذه الأعمال أو تستثير أي شيء. يتوقّف كل شيء على السياق والتلاعب السياسي الذي يحصل على أرض الواقع. هذا التلاعب ضروري لكي تصبح المحرمات دمويّة وسَفّاكة.

انقلبت حياة أصدقائي وزملائي في صحيفة «شارلي إيبدو» رأساً على عقب بسبب دورة العنف والوحشية الشديدة. فلنتذكّر أن “شارلي إيبدو” أصدرت الرسم على صفحتها الأولى – محمد ينتقد الأصوليين: “من الصعب أن تكون محبوباً من الحمقى” – فقط كفعلٍ تضامني مع رسّامي صحيفة «جيلاندس- بوستن» الكاريكاتورية الدنماركية، الذين هدّدتهم الحشود الغاضبة بالقتل. لم يكن هدفهم من رسم محمّد سوى كسر الرقابة الذاتية. كان رسّامو الكاريكاتور يرتعبون من فكرة إصدار رسوم عن حياة محمد، خوفاً من أن يُطعَنوا حتى الموت كما حصل مع تيو ڤان غوغ في هولندا. اليوم، وبعد 16 عاماً من اغتياله في أمستردام، يُسفَكُ دم أستاذ مدرسة في فرنسا لأنه أراد شرح منهج “شارلي إيبدو” الفكري، تضامناً مع الدنماركيين المُهدّدين والمخرج الهولندي الذي قُتِلَ مطعوناً. في الواقع، هو استهداف لأوروبا بأكملها، بكل قيمها الديموقراطية وتضامناتها.

«كل ذلك من أجل هذا»

هل إيمانويل ماكرون هو الاسم التالي في القائمة؟ تُحرَقُ صور الرئيس الفرنسي في باكستان وتركيا ودول العالم العربي. لماذا؟ لأنه أكّد الحق الثابت لحرية فناني الكاريكاتور، لأنه رغب في تكريم الأستاذ المدرسي الذي قَطَعَ رأسه متطرّف شيشاني قدّمت له فرنسا اللجوء، لأن دوْر البلديّات عرضت الرسوم التي كلّفت السيد صامويل باتي حياته.

«كل ذلك من أجل هذا»، هكذا عنونت صحيفة “شارلي إيبدو” عددها الصادر بالتزامن مع بداية محاكمة شركاء الإرهابيين الذين هاجموا الصحيفة ومتجراً يهودياً عام 2015. رافق هذا العنوان 12 رسماً صغيراً، إضافة إلى الرسوم الدنماركية ورسم الغلاف الذي يُظهِرُ محمد مربكاً ومنهاراً. هو الحس السليم، البدهيّة، مهنة الصحافة. كل ذلك دفع هيئة الإذاعة البريطانية إلى إعطاء الصحيفة سمة «الاستفزازية»، وإلى رجمها بقسوة في بيان لوزير الخارجية الباكستاني، وإلى تهديد محرّريها مرة أخرى من قبل تنظيم القاعدة. بعد أسبوعين، قام شاب باكستاني متعصب بطعن شخصين أمام مبنى شارلي إبدو السابق. وبعد أيام قليلة، قطع المتعصّب الشيشاني رأس أستاذ مدرسي. وبعد أسبوع أيضاً، أقدم تونسيٌّ على ذبح ثلاثة مؤمنين كاثوليك في إحدى كنائس مدينة «نيس». كانت إحدى اللواتي قُتِلنَ طعناً بالسكين إمرأة سوداء اللون تُدعى «سيمون»، تعمل في مجال رعاية الأشخاص المسنّين، وأم لثلاثة أطفال. كانت كلماتها الأخيرة قبل رحيلها: “قولوا لأولادي أنني أحبهم”.

كل هذا من أجل ماذا؟ من أجل لا شيء، لا شيء على الإطلاق. كل هذا هو بسبب الحمقى الذين يكرهون الحرية.

في كل حالة من حالات ما يسمى «التجديف»، يتم التلاعب بالحشود الحاقدة من قبل أنظمة استبدادية لا تفهم شيئاً عن حرية التعبير، وتستغل الدين والنزاعات لدوافع سياسية شيطانية. في قضية سلمان رشدي، قام الخميني، بدوافع حسابية سياسية بحتة، بمهاجمة كاتب ناطق بالإنكليزية من أصل هندي ربما لم يطّلع حتى على روايته الجميلة. كان الهدف هو الظهور كمدافع عن الإسلام في وقت كان فيه منافسه الأكبر، أي المملكة العربية السعودية، قد فاز لتوه بالجهاد ضد السوفيات في أفغانستان.

عند اندلاع «قضية الرسوم الكاريكاتورية»، كان النظام السوري يتحكّم بالجماهير الغاضبة لإلهاء المجتمع الدولي عن دوره الواضح في اغتيال رئيس الوزراء اللبناني. وكان لإيران مصلحة في المزايدة من أجل كسب الوقت بشأن الملف النّووي.

إن رياح الغضب التي تتصاعد ضد فرنسا هي على القدر نفسه من التهكّم والتبجّح.

على عكس قضية سلمان رشدي، إذ كانت هناك حاجة إلى تشريع معين لإصدار فتوى، لا يحتاج الجائرون والاستبداديون اليوم إلى أكثر من تطبيق «تويتر» لإطلاق تصريحاتهم. وبالطبع، ما إن يبدأ أحدهم، حتى يعتقد الجميع أنه تتعين عليهم المزايدة. تلقّت فرنسا الحجر الأول من وزير الخارجية الباكستاني. أما رئيس الوزراء الماليزي السابق فذهب إلى حد تهديدنا: “للمسلمين الحق في قتل ملايين الفرنسيين”. رسالة عنيفة قام مديرو التطبيق بحجبها، كما حجبوا أيضاً رسالة وزير الثقافة التركي ضد الفرنسيين. احكموا بأنفسكم على لياقة الجملة وكياستها: “أنتم أوغاد… أنتم أبناء العاهرات…”، هذه كلمات وزير الثقافة.

يُدينُ هذا الوابل من الكراهية بالكثير لتركيا. منذ شهور، يصعّد رجب طيب أردوغان ضد إيمانويل ماكرون. عندما لا يلقي خطابات عدوانية تليق بأسوأ لحظات الاستعمار العثماني، عندما لا يذبح الأكراد أو الأرمن، عندما لا ينتهك الحدود لتمرير الأسلحة والجهاديين، يختار الرئيس التركي التهديد بضم أراضٍ يونانية وبسلبنا سفننا من البحر الأبيض المتوسط. تقف فرنسا في وجهه وتتصدّى له، وهذا يثير استياءه. يود الرئيس ماكرون أن يتم تدريب المزيد من الأئمة في فرنسا وليس، كما هو الحال اليوم، في تركيا. لا يتعلق الأمر بـ«إصلاح الإسلام» ولا بإقامة دولة إسلامية كما يخيّل للبعض أحياناً. بل ببساطة تجنب التلاعبات الخارجية واستعادة القليل من الطمأنينة والسيادة بعد 40 هجوماً إسلاموياً أودت بحياة حوالى 300 شخص على أرضنا على مدى السنوات الـ8 الماضية.

قانون مناهضة «الانفصالية» لا يستهدف المسلمين

إن مشروع قانون مناهضة الانفصالية الإسلاموي، كما الحلول التي صدرت في الأيام الأخيرة، لا يستهدف «الجمعيات الإسلامية» كما نقرأ في صحفٍ مثل «نيويورك تايمز» و«واشنطن بوست» والكثير من الصحف العربية. إذ تستهدف إجراءات الدفاع عن النفس الجمعيات الإسلامية الانفصالية، وهذه الكلمة تشير إلى الجماعات المتطرفة التي تحرض على الكراهية وتعرض الجمهورية للخطر، بل وتضع أحياناً أهدافاً محددة للقتلة الجهاديين. لعب البعض، مثل “تجمع الشيخ ياسين”، دوراً شريراً في تعريض الأستاذ مقطوع الرأس للخطر. اتهم والد أحد الطلاب الأستاذ صامويل باتي ظلماً بإظهار صورة لمحمد عارياً (أي شخص عاقل سيعرف أن هذا غير معقول…). في الواقع، لقد اكتفى باتي بشرح الخلاف الذي أدى إلى الهجوم على صحيفة “شارلي إيبدو” من خلال عرض رسوم كاريكاتورية قد تثير جدلاً. على المرء أن يكون على علمٍ بالسياق وأن يتحلّى بثقافة السخرية والتهكم وأن يدرك فكاهة “شارلي إيبدو”، لكي يفهم تلك الرسوم.

هذا ما كان السيد صامويل باتي يحاول شرحه لطلابه كجزء من برنامج التربية المدنية والأخلاقية الذي تم تعزيزه بعد هجوم “شارلي إيبدو”. هو برنامج مصمّم لإزالة الأفكار الخاطئة ومحاربة البروباغاندا القاتلة التي تفتك في عقول شبابنا. كانت هذه هي المهمة المقدسة للمدرسة العلمانية لما يقرب من قرنين من الزمن في هذا البلد: تجنب الحروب الدينية من خلال تعليم الفكر النّقدي الذي يمنعنا من أن نكون عرضةً للتلاعب.

هذه هي الروحية ذاتها التي تلهم رسوم “شارلي إيبدو”. تشكّل تلك الرسوم جزءاً من التقليد الساخر الذي مكّن فرنسا من إصدار قانون فصل الدولة عن الكنيسة عام 1905، وتحقيق السلام في وجه السيطرة القمعية للكنيسة الكاثوليكية. لم نكن، طوال فترة هيمنة الهوية الدينية على السياسة، أحراراً في التفكير أو في الكلام، وظلت الأقليات الدينية تمثّل مواطنين من الدرجة الثانية. تلك الرسومات والصحف الكاريكاتورية التي سخرت من الكهنة ومن الكنيسة ومن يسوع خلال القرن التاسع عشر، هي التي سمحت لنا بإعادة وضع الدين في مكانه، داخل جمهورية علمانية تحفظ حق المواطن بالإيمان كما بعدم الإيمان.

من خلال عَلمَنة المدرسة وإزالة الصلبان عن الجدران وتعليم التفكير النقدي، نجحنا في تهدئة قرون من الحرب الدينية بين الكاثوليك والبروتستانت، وجعل المدرسة تتعامل مع جميع طلابها بمساواة وتكافؤ. إن هذا الشغف بالمساواة هو الذي وجّه رغبتنا في حماية المدارس العامة من التدخل الأصولي، وحماية الطالبات اللواتي لم يرغبن في ارتداء الحجاب، على رغم الضغوط التي كانت تتعرّض لها، من خلال حظر الرموز الدينية العلانية.

إن الأنظمة التي استغلت الدين على مدى قرون لإخماد شعوبها والتلاعب بها، لا تستطيع فهم هذا التاريخ، وبالتالي هذا النهج الفكري. عليكم أن تتخيلوا المشاعر التي اعترتنا عندما علمنا بأن مدرساً علمانياً قُطِعَ رأسه للتو بسبب محاولته تعليم التفكير النقدي وإيصاله. إلى جانب رعب تكرار تلك الهجومات، أصاب هذا الهجوم جوهر فكرتنا عن الجمهورية وماهيتها: «حرية، مساواة، أخوة».

تعصب بلا حدود

لا شك في أنه بسبب امتلاكنا هذه الذاكرة وهذا التاريخ، نقف اليوم في وجه المتعصبين وأيديولوجيتهم القاتلة، بينما تكتفي الدول الأخرى الأقل علمانية بالنظر إلى القضية على أنها مشكلة إرهاب عَرَضيّة. لا، المشكلة ليست عَرَضيّة. على مدى قرون، حافظ المستبدون على عقلية ظلامية مُنساقة، وعلى عقلية قاتلة للحريات ووحشية تنتشر اليوم على الإنترنت وتتحول في بعض الأحيان إلى هجمات. هي قرونٌ من الحريات المكتسبة ضمن هذه الديموقراطيات التي قد تموت إذا استسلمنا للتهديدات اللامحدودة وللخوف المعولَم. هل تستطيع الحشود المتعصبة أن تفرض قوانينها على الديموقراطيات العلمانية؟ هل يمكن أن تملي علينا ما يجب أن نقرأه ونكتبه ونصوّره ونرسمه ونفكّر به؟ إذا كان الأمر كذلك، فقد انتصر الطغاة علينا. وإذا كان فرض تحريم عالمي، بغض النظر عن القوانين والثقافات، لا يتطلّب ذلك أكثر من استثارة الحشود الغاضبة، فالقوانين والحضارات تصبح عديمة الجدوى ولاغية وباطلة وبائدة جراء عدم الدفاع عنها. هذا هو الخطر الذي يحدق بنا إذا استسلمنا لهؤلاء المتطرّفين المسعورين، إذا توقفنا عن رسم محمد لأنهم منعونا من ذلك، إذا تمت مواءمة القانون الفرنسي الذي يحمي حرية التعبير مع القوانين الباكستانية التي تحظر «التجديف».

باسم قانون مكافحة التجديف، تحبس باكستان أقلياتها الدينية. أُلقيت آسيا بي بي في السجن لمدة 8 سنوات بعدما قالت امرأة مسلمة إنها “لوثت ماء البئر” بعدما شربت منه، وأجابتها آسيا بحكمة: “ما كان محمد ليوافقك الرأي”. 8 سنوات في السجن بتهمة التجديف.

إن علمانيتنا وحقّنا في التجديف يحميان الأقليات الدينية من هذه الهيمنة. أولئك الذين يطلبون منا التوقف عن ممارسة حرياتنا لأنها مهدّدة، يعتقدون أنهم سيشترون السّلام. هذه هي الحرب التي يروّجون لها ويحثّون عليها، والتي أطلقتها مجموعات متعصبة ضد حرياتنا. هم في الواقع يسلحونهم من خلال إعطاء سبب لحملاتهم وجرائمهم، في كل مرة يفضلون إلقاء اللوم على رسامي الكاريكاتور بدلاً من القتلة، على الضحايا بدلاً من الجلادين. هو انعكاسٌ سافرٌ وشنيع.

هل يجب أن نتذكر أن الناس يموتون بسبب الإرهاب الإسلاموي في جميع أنحاء العالم؟ في الجزائر وتونس وباكستان والولايات المتحدة فيينا ولندن. يبقى المسلمون هم الهدف الأساسي للإسلامويين. في باريس، عندما لا يقتل الجهاديون رسامي الكاريكاتور أو المعلمين، فإنهم يطلقون النار على الأطفال اليهود والجنود والشرطة والشبان والشابات على الشّرفات والمارة الذين يأتون لمشاهدة الألعاب النارية في 14 تموز/ يوليو. يذبحون القساوسة وخُدّام الكنيسة والنساء اللاتي يأتين للصلاة، كما حدث في «نيس». يقتلوننا بسبب طريقة تفكيرنا وبسبب ما نؤمن به، ولكن قبل كل شيء، يقتلوننا لأننا ما نحن عليه.

لماذا فرنسا مستهدفة أكثر من غيرها؟

فرنسا مستهدفة بشكل مضاعف. أولاً، كدولة «غربية»، وثانياً، لأننا نقاوم الأصولية. يريدون قطع رؤوسنا لأننا نقف في وجههم ونتصدّى لهم. نحن من البلدان النادرة التي تنظر إلى التعصب في عينيه وتسعى إلى تعطيل البروباغاندا التي تقوم، جيل بعد جيل، بتسليح مجموعات الموت والقتل. هناك 8000 متطرف عنيف محتمل على أرضنا. لن نتمكن أبداً من رصدهم ومراقبتهم جميعاً، أو منع المتعصبين على شبكة الإنترنت من الانقضاض على أحد المارة بسكّينٍ ذابح. لكن يمكننا أن نحاول تلقيح الجيل القادم ضد هذه الكراهية السامة. للقيام بذلك، يجب علينا، قبل كل شيء، ألا نتخلّى عن قيمنا وحرياتنا. على العكس من ذلك، يجب أن ندافع عنها ونشرحها ونظهرها للعيان. حتى لو تتطلّب ذلك أن ندفع الثمن لكي تبقى حيّة وفاعلة بعدنا.

نحن لا نطلب من الدول الأخرى أن تحذو حذونا، نحن مستعدون لخوض هذه المعركة بمفردنا، ولكننا نطالب على الأقل بالتوقف عن نشر الأكاذيب حول صراعاتنا. يعتقد جزء من اليساريين والصحافيين الأميركيين أنه يجب علينا الخضوع لهذه التهديدات، والاستسلام بدلاً من الدفاع عن “شارلي إيبدو” وعن حرية التعبير والإعلام. لأن المتعصبين مستاؤون ولديهم الحق في ذلك. لكنه من الغش والتضليل أن يفرض الأميركيون قراءتهم لما يحدث في فرنسا إلى درجة إعطاء صورة مشوَّهة ومحرَّفة تماماً. وبأن يحثّوا العالم على الاعتقاد بأن الحكومة الفرنسية تهاجم المنظمات الإسلامية، بينما هي تعمل جنباً إلى جنب مع «المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية» ومع مسجد باريس (الذي يدعم بشجاعة الحق في الفن الكاريكاتوري)، ولا تستهدف إلا الأصوليين. ليس لديهم الحق في الاعتقاد بأن الكفاح من أجل العلمانية هو معركة عنصرية، بينما الذين يتبنّون الكفاح ويقودون بشغفٍ هم مثقفون ونشطاء من أصل عربي أو إيراني. يمكنني الاستشهاد بأسماء كثيرة تنير نقاشاتنا. لا يزال البعض منهم يعيش في الجزائر، بينما فَرّ البعض الآخر من الإسلامويّة طلباً للجوء في فرنسا. الجميع يريدون الحفاظ على واحة الحرية هذه التي يوفرها فصل الكنيسة عن الدولة في فرنسا.

محاربة التعصب هي محاربة العنصرية

هذا خطأ. أولاً، يمكننا فعل الأمرين معاً. لماذا نضع مكافحة العنصرية في منافسة مع الإسلاموية بعد تنفيذ هجوم ما؟ ثانياً، لا يريد إيمانويل ماكرون «إصلاح الإسلام»، بل يريد محاربة الأصولية. وهو أمر لا تنافر فيه بعد هذا العدد الكبير من الهجمات الإسلاموية.

العنصرية موجودة في فرنسا وهي تتعاظم وتتصاعد بعد كل هجوم. وعلى عكس كندا ونيوزيلندا، نجحنا في إحباط هجمات اليمين المتطرف المعدودة على المساجد. الهجمات العنصرية تقلقنا. إن أفضل طريقة لإحباط هذا الغضب الذي أثارته الهجمات هو التصدي للإسلامويين ومحاربتها ومحاربة العنصرية.

انخفضت العنصرية ضد العرب قبل 11 أيلول/ سبتمبر. وفرنسا هي إحدى الدول الأوروبية – كما تظهر جميع استطلاعات «مركز بيو للأبحاث» – الأكثر انفتاحاً على قضية الإسلام أو على فكرة الزواج المختلط بين المسلمين وغير المسلمين.

لن يكون الإسلام موضع نقاش إذا كف الإرهابيون عن مهاجمتنا باسم الإسلام لمدة 20 عاماً من الآن. اليوم، الإسلاموية هي الأيديولوجية الرئيسية، إلى جانب اليمين المتطرف، للتحريض على الكراهية والعنصرية في بلدنا، وعلى اليهود (ضعف ما يتعرض له المسلمون من اعتداء أو إهانة) والمثليين والعلمانيين والنساء. وإذا كانت الإسلاموية نتاجاً للعنصرية، فلن تكون على هذه الدرجة من العنف في البلدان الإسلامية.

إن محاربة الإسلاموية هي محاربة العنصرية، لأن الكراهية تأتي من الأصوليين. طالما أن هناك حشوداً قادرة على استغلال الإسلام للتهديد بسبب رسوم كاريكاتورية أو كتاب، وطالما أن هناك مسعورين يذبحون أو يقطعون الرؤوس باسم هذا الدين، فإن صورة الإسلام ستبقى رديئة وعاثرة، وسيتأثر المسلمون بذلك. نستطيع معاً، من خلال الاتحاد ضد هذه التلاعبات المدمّرة، حصر الكراهية وقهرها. وذلك بإدانة الذين يكرهون ويقتلون باسم الدين، وليس بإدانة الضحايا الذين يملكون شجاعة الصمود.

درج

————————–

جريمة باريس: لماذا علينا أن نشعر بالمسؤولية؟/ بشار حيدر

غياب الحساسية تجاه الجرائم الأخيرة في فرنسا من قبل البيئات الاسلامية المعنية، وعدم استعدادها لتحمل المسؤولية بمعناها الأعمق والاكثر دلالة، من شأنهما أن يعززا الشعبوية والعنصرية الفرنسية المتزايدة والتي تدفع ماكرون وآخرين إلى مجاراتها.

يمكن وصف ما جرى في باريس ونيس مؤخراً بأنه عمل إجرامي قام به افراد ضد أفراد آخرين. هذا وصف صحيح. لكنه لا يتعارض مع وصف آخر صحيح أيضا، وهو ان ما حدث هو قيام افراد ينتمون إلى بيئات اسلامية بقتل أشخاص آخرين لا ينتمون الى تلك البيئات، وذلك تحت شعارات او قضايا اسلامية ما. كذلك لا تتعارض صحة الوصف الثاني مع رفض المسلمين عامة لتلك الجريمة. لكن مجرد انتماء مرتكبي الجرائم الى بيئة مسلمة وقيامهم بها في ظل ما يَعتقدون أنه قضية اسلامية، يستدعيان تفاعلاً مختلفا مع الحدث من قبل البيئات المسلمة ذاتها او من يتحدثون باسمها او يدافعون عنها. فسمات الفعل هذه تفرض على تلك البيئات الاعتراف بأن ما حصل قد خرج منها، او على الاقل يعنيها بشكل خاص. فالجماعات لديها علاقة خاصة، وبالتالي مسؤولية اخلاقية، وان غير جرمية، إزاء ما يفعله افرادها، وتحديداً عندما يدعي هؤلاء الافراد التحدث باسم الجماعة والدفاع عنها وعن قيمها.  

هكذا يتصرف الألمان اليوم، على سبيل المثال، ازاء جرائم الحقبة النازية وفي مقدمتها المحرقة. فبالرغم من عدم مشاركتهم في تلك الجرائم أو تأييدهم لها، يرونها ويتعاملون معها كعار يدمغ تاريخهم ونظرتهم لأنفسهم كجماعة. فكما يحق للالمان اليوم الاعتزاز بانجازاتهم في الازمنة السابقة مع أنهم لم يساهموا فيها، كذلك من الطبيعي ان يشعروا بخجل حيال جرائم الفترة النازية وان حصلت قبل ولادتهم.

وبنفس المنطق، وكما يحق للمسلمين الاعتزاز والفخر بانجازات الحضارات الاسلامية السابقة وان لم يكن لهم دور فيها، فهم مطالبون بالاحساس بالخجل، وربما العار، ازاء الجرائم التي ترتكب من قبل مسلمين وباسم الاسلام، وان لم يكن لهم دور فيها.

يعزز ذلك ان جريمتي باريس ونيس ليستا يتيمتين، ما يفرض أمرا آخر على تلك البيئات المسلمة والفاعلين فيها. فهم، بمعنى ما، مدعوون أن يعلنوا نيّتهم اجراء مراجعة ذاتية ليروا ما اذا كان هناك شيء في سلوكهم او قيمهم يساهم بشكل ما في انتاج تلك الظواهر المرفوضة منهم. وبعودة الى المقارنة مع الحالة الالمانية، كان مطلوبا أن يقوم الالمانيون بمراجعة لمجتمعهم وثقافتهم سعياً لفهم الفترة النازية من أجل عدم تكرار تلك التجربة او ما يشبهها. ولإعلان نية المراجعة الذاتية والقيام بها هدف يتعدى تحديد المسؤوليات والأسباب وتفادي التكرار، فهو ايضا شكل من أشكال الاعتذار او الاسف العلني عما حصل وأخذ مسافة ملموسة عنه.

واذا كانت المراجعة الذاتية الصادقة والجدية مطلوبة من المجتمعات الإسلامية المعنية، فالردود السريعة عقب الجريمتين والتي تلقي اللوم، ولو جزئيا، على الدولة والمجتمع في فرنسا ودول الغرب، هي اشكالية ايضا، على الاقل في ظرفها وتوقيتها. فقد تتحمل دول غربية ومجتمعاتها قدراً لا بأس به من المسؤولية، وذلك بسبب سياساتها وسلوكها، في السابق وحاليا، تجاه امور اساسية تعني تلك البيئات المسلمة. وبشكل عام، ليست هناك مشكلة في تبيان تلك الأسباب والتصويب على تلك المسؤولية. لكن من غير المحبذ ان يلجأ “ذوو المجرم”، ان جاز التعبير، الى القاء اللوم على “ذوي الضحية” بينما الدماء لم تجف بعد. التصرف خلاف ذلك ينم عن فقدان حساسية ما ازاء فظاعة الحدث. فقط الاقرار والاصرار بأن ما جرى هو جريمة بشعة وغير مبررة هو ما يجوز أن يطغى في زمن الجريمة. اما الحديث عن اسبابها العميقة، خصوصا دور الضحية أو بيئتها، فيُترك الى يوم آخر.

بالرغم من عدم مشاركة الألمان في جرائم النازيين أو تأييدهم لها، يرونها ويتعاملون معها كعار يدمغ تاريخهم ونظرتهم لأنفسهم كجماعة.

كذلك هو الحديث عن علمانية فرنسية مغالية، او الدخول في نقاش حول مسائل التمييز بين الحيّزين العام والخاص وتأثير ذلك على حرية التعبير من جهة، والاساءة للمشاعر الدينية العميقة من جهة اخرى. فبالرغم من أهمية تلك المسائل، فإن من شأن طرحها، مباشرة بعد تلك الجرائم، أن يضعف ما يُفترض أنه الموقف الأهم والاوحد، وهو رفض الجريمة تحت اي مبررات او ذرائع او اسباب. وبدل شعار “الا رسول الله” فليرتفع شعار “إلا قتل المسالمين باسم الدين”.

ختاما، من المفيد ان نعكس الصورة لتبيان الأمر. فلنفترض ان يمينياً متطرفاً في فرنسا قتل مسلمين أثناء صلاتهم في أحد الجوامع، كما حصل في نيوزيلاندا منذ فترة قريبة. فمن غير الصائب او المقبول في هذه الحالة ان يسارع صناع الرأي والسياسة في فرنسا الى القاء اللوم ولو جزئيا على العمليات الارهابية التي قام بها مسلمون في السابق. كما تستدعي جريمة كهذه من المجتمع الفرنسي الاكبر، خاصة إذا تكررت، الشعور بالمسؤولية والمباشرة في البحث عن البواعث والاسباب المحتملة لتلك الظاهرة داخل المجتمع المذكور.

وعلى الفرنسيين في هذه الحالة أن يتفهموا ظهور أصوات من البيئات المسلمة، او من يساندها، تقول ان هناك أزمة داخل المجتمع الفرنسي والقيم السائدة فيه. وإذا اردنا مطالبة المجتمع الفرنسي الاكبر والمجتمعات الغربية عموماً بالتصرف على هذا النحو عقب جريمة عنصرية تستهدف مسلمين، فان على المجتمعات الاسلامية المعنية ان تتصرف بطريقة مماثلة عقب أعمال مماثلة كجريمتي نيس وباريس، بدلا من الاكتفاء بالتنصل من الحدث او الغوص في اخطاء الطرف المقابل.

غياب تلك الحساسية تجاه الجرائم الاخيرة في فرنسا من قبل البيئات الاسلامية المعنية، وعدم استعدادها لتحمل المسؤولية بمعناها الأعمق والاكثر دلالة، من شأنهما ان يعززا الشعبوية والعنصرية الفرنسية المتزايدة والتي تدفع ماكرون وآخرين الى مجاراتها.

درج

————————————-

عن حرية تعبير “الأصوات الإسلامية” في فرنسا

تتطلب الصدمة التي أحدثها اغتيال المدرّس صامويل باتي في 16 أكتوبر/تشرين الأول 2020 تفكيرًا جماعيًا عميقًا وهادئًا بأكبر قدر ممكن. يعد هذا الرهان أساسيا بالنسبة للمجتمع الفرنسي الذي يجد نفسه منذ عدة عقود – من هجوم متبنى من قبل تنظيم مشكل إلى هجوم ينفذه “ذئب منفرد”، ومن مناقشة حول الحجاب إلى نقاش حول “شارلي”، ومن قانون مكافحة الإرهاب إلى قانون ضد “الانفصالية”- متقوقعا في فخ استقطاب مقلق للغاية حول أسئلة مرتبطة بالإسلام.

ترجم هذا المقال من الفرنسية حميد العربي.

لا جدال حول حقيقة انتشار قراءات “متطرفة” داخل المكونات التي تعلن نفسها مسلمة في فرنسا والتي تمنح قيمة مفرطة للعنف. صحيح أن ما يسمى بالأيديولوجية “الجهادية” يظل هامشيا، لكن هذا الفكر يتمتع بقدرة واضحة على التكيف وربط القضايا الخاصة بالعالم الإسلامي بالقضايا الفرنسية. وتوفر له الإنترنت منبراً لتردد صداه خاصة بالقرب ممن هم أصغر سناً، مولدا بذلك الاستياء، ولكن أيضًا الإحباط. ويشكل السجن والانحراف، ربما بنفس وطأة بعض المساجد والجمعيات الدينية، مساحات أخرى للتنشئة الاجتماعية لهذه الرؤية المميتة للعالم.

من الواضح أنه في مواجهة مشكلة معقدة، لا يمكن للتحليل أن يكون أحادي السببية وأن ينظر فقط إلى متغير واحد. إن الهوس بالجانب الديني البحت للظاهرة، الذي يشرعن له بعض الباحثين والذي هو في صميم السياسات الأخيرة للحكومة الفرنسية، يعمل كستار من دخان. إن شن هجوم من خلال السياسات العامة ضد “دعاة الكراهية” أو المطالبة بإصلاح إسلام “مريض” دون أي شكل من التفكير أو الفعل يتجاهل البعد العلائقي للعنف والتوترات التي تمزق فرنسا.

عندما يخضع “الإسلاميو-يساريون” للمحاسبة

يؤدي هذا المنظور إلى إهمال أهمية وضع الأمور في سياقها، متناسيا شرح السبب الذي جعل من تفسير معين للإسلام، من خلال انحرافه السياسي الأكثر انغلاقًا، من اكتساب القدرة على تجسيد رفض المجتمع المهيمن. باختصار تتجاهل هذه القراءة كيف ولماذا وجد التفسير الراديكالي للمرجع الإسلامي وجاهة خاصة لدى بعضهم في السنوات الأخيرة، ولماذا يكون هذا الأمر أكبر في فرنسا منه في أي مكان آخر من أوروبا؟ وهي تؤدي على الخصوص إلى تجاهل الطبيعة الدائرية للديناميكيات التي تسمح لسياق وإيديولوجيا ما بتغذية بعضها بعضا، لتوجه بطريقة تبسيطية إصبع الاتهام لـ“البادئ” وأيضا – وذلك هو نذير الشؤم الجديد الذي ظهر خلال الأشهر الأخيرة- “للمتعاونين مع العدو” والذين ألصقت بهم تسمية “الإسلاميوـ يساريون”

1

والذين تتعين محاسبتهم.

هكذا كُتب وقيل الكثير، وأحيانا بشكل جد متسرع. كباحث ومواطن، أشعر شخصيا وعلى حد سواء بالملل والحزن، حيث صرت أقيس كيف صار مجالي المهني يطوّر بشكل متزايد نوعا من انعدام القدرة على التواصل، مولدا كراهيات عديدة ومؤديا أكثر فأكثر إلى القدح بين أعضائه. يبدو لي أن المنظور الذي يعطي كل مكانته للطابع المعقد للظواهر السياسية والاجتماعية قد خسر بشكل ما اللعبة. فهو مهمش في وسائل الإعلام، وصار بصفة جلية غير مسموع أكثر فأكثر من طرف المؤسسات العامة التي تبحث عن حلول سريعة وعنيفة متجاهلة القانون في الغالب. فالمقاربة المتزنة للعلوم الاجتماعية صارت محصورة في مجالات تعبير تتميز بالانغلاق السياسي والعلمي أو، يجب الاعتراف بذلك، بالانغلاق الطائفي (ويؤدي الأخير أحيانا إلى تحريف الخطاب وتبسيطه قصد الطمأنة).

“حرية التعبير” ولكن ليس للجميع

لا تتعلق آلية تهميش الخطاب المعقد بالباحثين فقط. فشعوري بالإحباط “كخاسر” لا يهم كثيرا في الحقيقة، ولكنه يشير إلى قضية أكثر جوهرية تتعلق بمجال تمثيل وتعبير المسلمين الفرنسيين. في ظرف يتميز بتوترات شديدة حول المسألة الإسلامية يعد هذا انسدادا متكررا ترفض السلطات العمومية وجزء كبير من وسائل الإعلام إدراك طابعه المركزي. يشكل ضعف المساحات المتاحة للأصوات التي تعلن أنها مسلمة والمعترف بشرعيتها من طرف إخوانهم في الدين نقطة عمياء من مصلحة المدافعين عن “حرية التعبير” معالجتها. بنفس قدر المراقبة البوليسية ومتابعة خطابات الكراهية على الأنترنت وفي المساجد، فهي رافعة ضرورية لاحتواء العنف ومكافحته.

لم تكن حرية التعبير مطلقة أبدا، ومازالت هناك بعض الطابوهات المشروعة وهي تتطور مع الوقت. فلنفكر في جريمة الاستغلال الجنسي للأطفال في السبعينيات أو الرسوم الكاريكاتورية عن اليهود والمال في الثلاثينيات من القرن الماضي. ومن بين المدافعين عن علمانية كلية، مَن منهم سبق له أن تحدث مع امرأة محجبة؟ لننطلق أولا من مبدأ أن الجهل بالآخر وبتاريخه يشكل أحد جذور الاستقطاب الخطير في المجتمع الفرنسي. ولنسلم بعد ذلك أنه من المهم أن يكون لكل فرد تصور سليم عن مواطنيه وأيضا، ونحن في ديمقراطية، أن يشعر بأنه ممثل بصفة جيدة وبكرامة في مستويات مختلفة.

فشخصية حسن شلغومي، ذلك الإمام من أصل تونسي بمسجد سان سان دوني (ضاحية باريس) والمجند كثيرا في وسائل الإعلام الكبرى، ترمز إلى خلل واضح في آلية التمثيل هذه. فنزوعه إلى دعم مواقف سياسية مخالفة “لرعيته” المفترضة، ولاسيما بخصوص فلسطين، وأكثر من ذلك عدم قدرته على التعبير بشكل لائق باللغة الفرنسية أو حتى أن تكون له خلفية من الثقافة العامة المشتركة

2

لا تثني عن اللجوء إليه كلما ظهر موضوع متعلق بالإسلام. بل الأسوأ أن الأمر يبدو أحيانا عكس ذلك تماما، كما حدث عندما اتُهمت أسبوعية “قيم حالية” (Valeurs Actuelles) برسم كاريكاتوري للنائبة دانيال أوبونو ذات البشرة السوداء كأمة، فلجأت أسرة التحرير إليه للدفاع عن حرية التعبير ووضعته، وهو تفصيل من دون شك تهكمي ولكنه معبر عن التحقير المعلن، أمام لوحة مطلية مكتوب عليها “ترخيص أربعة (Licence IV) والتي كانت تستعمل في الماضي لتحديد أماكن بيع المشروبات الكحولية.

بالنسبة للملايين من الفرنسيين ذوي الأصول المسلمة والذين يتكلمون اللغة الفرنسية بطلاقة ويشاركون نفس المراجع الثقافية الشعبية لغالبية الفرنسيين، يجب أن نعترف أنه من المهين تماما أن يكون لديهم الانطباع أن وسائل الإعلام لا تملك “نموذجا” آخر لتجنيده أو تثمينه لتقديمه كصوت يوصف بأنه مسلم. كيف إذا لا نتفهم انعدام الثقة لديهم في الإعلام أو في المجتمع ككل؟

عهد الشك

صحيح أنه يعود للمسلمين في المقام الأول تنظيم أنفسهم وتقديم شخصيات تمثيلية للبروز، متجاوزين هكذا تشتت ديانتهم وكذا الهيمنة التي تمارسها الدول الأصل، كالمغرب والجزائر وتركيا في المقدمة. فالصراعات الداخلية هي في حد ذاتها عنيفة للغاية، وهي تستند في الغالب إلى “نرجسية الاختلافات الصغيرة”

3

، التي يتحدث عنها سيغموند فرويد. ولكن، علينا أن نعترف بأن التجربة تظهر أن القيود ليست داخلية “للمجموعة” فقط. فمنذ عشرين سنة أشار عالم الاجتماع ميشيل فيوفيوركا إلى عدم قدرة المجتمع الفرنسي على استقبال أصوات تعرب على أنها مسلمة:

من المغنية منال (مرشحة من أصل سوري في برنامج “ذا فويس” على القناة الفرنسية الأولى والتي كانت ترتدي الحجاب آنذاك) إلى طارق رمضان (رغم كونه من جنسية سويسرية) مرورا بالفكاهي ياسين بلعطار ولجنة مناهضة الإسلاموفوبيا في فرنسا، كانت هناك فرص عديدة لإقصاء الأصوات المحلية التي تعلن عن جزء من إسلاميتها في خطابها والتي هي قادرة على أن تكون مرجعا ثقافيا وسياسيا. إقصاءات تكون أحيانا مشروعة تماما عندما توجه اتهامات بالاغتصاب، غير أن آليات المراقبة تفرض “إظهار علامات الولاء” بقدر يتجاوز ما يمكن توقعه بصفة مشروعة. وبالتالي فإن بعض المواقف، على الرغم من كونها معقولة تماما فهي غير مسموعة.

المطالبة بضرورة محاربة “الإسلاموفوبيا” -أو معاداة الإسلام-، والتي ينبغي ألا يناقش وجودها مثلا عندما يبصق مارة على سيدة محجبة صار بشكل عبثي جزءا من قائمة المحرمات هذه، والتي تم وضعها بدون شك بصفة لا شعورية من خلال سنوات من الأوامر والوصمات الموروثة عن الفترة الاستعمارية.

تؤدي هذه الآلية في الأخير إلى إضفاء الشرعية على منطق الإقصاء الخاص بمسار التطرف، وهي تنتهي إلى نتائج عكسية أي خطيرة. فإعلان نية حل جمعية “لجنة مناهضة الإسلاموفوبيا”، والتي يتمثل عملها الرئيسي في القيام بوساطات قانونية واللجوء إلى المؤسسات العمومية، من شأنه أن يشكل عمليا وفي أعين البعض، إثباتا لعدم جدوى الجمعيات وبالتالي استحالة الاعتماد على المؤسسات القانونية. ويؤدي هذا مرة أخرى إلى إبعاد فضاءات التعبير والتمثيل إلى الأعماق غير المرئية للأنترنت، وبالتالي حفر الفجوات التي تولد عدم الفهم والعنف.

أصبح من الضروري أن نتعلم الاستماع إلى بعضنا بعضا. ويبقى من الضروري أيضا الاعتراف بأنه مثلما تكون الشركة بحاجة إلى نقابات يقظة وتمثيلية فإن المجتمع ككل، متنوعا كما هو، سينتفع حتما من توفير أطر للتعبير الهادئ والمتفتح نحو أقلياته، ما يسمح لهذه الأخيرة بأن ترفع مطالبها حتى وإن كان ذلك يعني عدم إرضائي أو عدم إرضاء الأغلبية أو رب العمل.

لوران بونفوا

المركز الوطني للبحث العلمي (CNRS)، 21 والمركز الفرنسي للآثار والعلوم الاجتماعية (سيفاس) الكويت.

————————-

إندبندنت: اتهام ماكرون بنشر الأخبار الزائفة في رده على مقال صحافية مسلمة/ إبراهيم درويش

اتُهم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بنشر “الأخبار الكاذبة” عن البنات المسلمات. وذلك عندما زعم أنهن يجبرن على ارتداء الحجاب وهن لا يتجاوزن الثالثة من العمر. وجاء هذا الزعم في رسالة نشرتها صحيفة “فايننشال تايمز” البريطانية وزعم فيها أن البنات المسلمات “ينشأن على كراهية القيم الفرنسية”. وقدم الرئيس الفرنسي صورة من غياب الأمن في الضواحي التي يتم فيها انتهاك الأطفال الذين يفصلون عن الجنس الآخر.  وزعم وجود “مئات المتشددين” الذي يمكن أن يقوموا بهجمات بالسكاكين في أي وقت.

وقال في رسالته “زر الضواحي التي تجبر فيها البنات الصغيرات اللاتي لا يتجاوزن الثالثة أو الرابعة على ارتداء الحجاب”. وأضاف أنهن “يفصلن عن الأولاد وعن المجتمع في سن مبكرة وينشأن على كراهية القيم الفرنسية”. وتعلق صحيفة “إندبندنت” إن الحجاب الكامل محظور في فرنسا منذ 2011 بعد المنع المثير للجدل الذي أطلق عليه “حظر البرقع”. وأشارت أنه لا يوجد أي دليل مصور عن بنات صغيرات يلبسن البرقع في فرنسا علاوة على وجود اضطهاد لهن. ومرة أخرى اتهم ماكرون بالتحريض على المشاعر الكارهة للمسلمين (إسلاموفوبيا) وذلك في أعقاب الهجمات الإرهابية والتي نفذها أجانب. وكتب ماكرون في رسالته “تحدث مع مدراء الحكومة الذين يواجهون على الأرض بمئات الأفراد والذين نحشى طعنهم الناس في أي لحظة”. وعلق قائلا: “هذا ما تواجهه فرنسا – خطط كراهية وإرهاب تهدد أطفالها- وليس ضد الإسلام”.

وجاء رد ماكرون بعنوان” فرنسا ضد الانفصالية الإسلامية وقطعا ليس الإسلام” بعد مقال نشرته مراسلة الصحيفة في بروكسل مهرين خان، واتهمت فيه ماكرون بنشر الكراهية ضد المسلمين. وقامت الصحيفة بنزع المقال من صفحة الرأي “بعدما اشتكى قراء لاحتوائه على معلومات غير دقيقة” حسب الصحيفة.

 ودعم ماكرون الخطوة في رسالته وقال: “لن أسمح لأي شخص للزعم أن فرنسا أو حكومتها تحرض على العنصرية ضد المسلمين”. لكن معارضيه لم يقتنعوا بكلامه.

وقالت ناديا هيني- مولاي، الكاتبة الفرنسية المعروفة “يستخدم ماكرون صحيفة بريطانية للحديث عن المسلمين في فرنسا”. و “في سياق مشتعل بشكل خطير، فهذا ليس مناسبا من رئيس دولة”. وقال الناشط مروان محمد إن “مزاعم الرئيس ليست صحيحة ولا تدعمها الأدلة”. ويعيش في فرنسا حوالي 5 ملايين مسلم، وهو أكبر تجمع في أوروبا الغربية. وجاء معظمهم من شمال أفريقيا. واشتكى الكثيرون من زيادة العنصرية وكراهية الإسلام التي يمارسها الساسة ضدهم بمن فيهم ماكرون. وأعلن ماكرون عن خطط لمكافحة ما أسماها “الانفصالية” الإسلامية. وزعم في خطابه بداية الشهر الماضي أن الإسلام حول العالم يعاني من أزمة وتعهد بمواصلة دعم نشر الصور المسيئة للرسول التي نشرتها المجلة الساخرة “شارلي إيبدو”.

وجاء في مقال مهرين خان الذي حذفته “فايننشال تايمز” من موقعها أن حرب الرئيس إيمانويل ماكرون على “الانفصالية الإسلامية” تزيد من انقسام فرنسا. وقالت خان إن ماكرون بحاجة لدعم 6 ملايين مسلم لو أراد قطع شأفة التطرف العنيف، الذي قاد إلى هجومين قاتلين على التراب الفرنسي خلال الأسابيع الماضية، وهناك مخاطر لفشل الرئيس. وأضافت أنه “بعد الحادثين، اختارت حكومته إذكاء الفزع من “مسألة المسلمين”. وفي الشهر الماضي، وقبل مقتل باتي، تحدث ماكرون عن خطة لقتال ما أسماها “الانفصالية الإسلامية”. وتعكس التهمة لغة الحكم الاستعماري الفرنسي السابق، أو تستحضر اتهامات للمسلمين، وأن لديهم ولاءات مزدوجة لأسيادهم الأجانب أو نظريات المؤامرة حول فرض قانون الشريعة، بحسب زعم المصطلح. وتحدث ماكرون عن “وجبات الطعام المذهبية” والحجاب، كإشارات ممكنة عن الانفصالية داخل المجتمع الفرنسي، وفي مناخ مشحون، فكلامه مهم.  وقالت إنه منذ مقتل المدرس باتي والهجمات الأخرى أصبحت عبارات مثل “أعداء الجمهورية” و”اليسار الإسلاموي” و”العملاء” جزءا من اللغة السياسية الفرنسية. وقالت إن معلقا تلفزيونيا طلب من النساء المسلمات نزع الحجاب تضامنا مع باتي. وقال وزير الداخلية إن قانون مكافحة الانفصالية سيشمل على بنود سجن تصل إلى خمسة أعوام لمن يرفض فحصا من طبيب من الجنس الآخر.

وعلقت قائلة: “كمسلمة بريطانية، أعمل من بروكسل الآن، لقد شاهدت نفس النقاش الذي يدمج بين الممارسات المحافظة والعنف الجهادي في مرحلة بعد الهجمات في بريطانيا”. والشك بالإسلام السياسي (الهلامي التعريف) اعتبر موجودا في كل شيء، من المنظمات الإسلامية إلى اختيارات اللباس، وحتى التحدث بالعربية. إلا أن التدخل في حياة المسلمين العامة تخاطر في أخذ الغالبية من المواطنين الملتزمين بالقانون بجريمة مجموعة قليلة من المتطرفين. وقالت: “عندما يأتي موعد انتخابات 2022 من المحتمل أن يطلب ماكرون من المسلمين التصويت له؛ لحماية الجمهورية من اليمين المتطرف الذي تمثله مارين لوبين. وهذا التهديد سيبدو فارغا للمسلمين إن وضعوا في مناخ معاد من رئيس ليبرالي”. وفي رسالته للفايننشال تايمز اتهم ماكرون خان بالنقل الخطأ لكلامه ولم يقدم ردا على ما جاء فيه بقدر ما ركز حديثه على المخاطر التي تواجه فرنسا منذ هجوم شارلي إيبدو، حيث تأكد له حتى قبل انتخابه أن فرنسا أصبحت مركزاً لتفريخ الجهاديين. وقال إن فرنسا تواجه الإرهاب الإسلامي في الخارج خاصة منطقة الساحل في أفريقيا. وقال إن من لا يصدقه عندما يتحدث عن “الانفصالية” الإسلامية عليه زيارة منصات التواصل الاجتماعي التي تنشر الكراهية وتحرض الأطفال على كسر القانون وكانت سببا في التحريض على قتل باتي. وأضاف “نعارض الخداع والتطرف المجنون والعنف والتطرف وليس الدين. ونقول: ليس في بلدنا. ومن حقنا قول هذا كدولة ذات سيادة وشعب حرب. ونحن متحدون ضد الإرهاب الذي يريد كسرنا فنحن. ونستطيع بدون مقالات صحافية تريد تقسيمنا”. وأكد على مبادئ العلمانية التي تتعامل بالتساوي مع المسلم والمسيحي واليهودي والبوذي بالتساوي. وأكد أن تشويه كلام رئيس دولة لا يخدم بل يفاقم الوضع. وأكد أنه واع للخدمات التي قدمتها الحضارة الإسلامية لفرنسا وأوروبا.

القدس العربي”

—————————————-

==========================