مقالات ونصوص سينمائية

الترجمة السينمائية إلى العربية… التباسات مهنة ولامبالاة فكر ومعرفة/ نديم جرجوره

العزلة القسرية في المنزل، جرّاء تفشّي فيروس “كورونا” في العالم منذ أسابيع عديدة، دافعٌ إلى استعادة ماضٍ ـ لبناني عربي تحديداً ـ حافلٍ بـ”فضائح” متعلّقة بترجمة الأفلام والمسلسلات الأجنبية إلى اللغة العربية، المعروضة في صالات السينما، والمبثوثة على شاشات التلفزة. يمرّ وقتٌ طويل، يسهو فيه المرء عن أمرٍ كهذا. مُشاهدة أفلامٍ أجنبية، في أعوامٍ سابقة، معقودةٌ على نسخٍ أجنبية، فتكون الترجمة إلى إحدى اللغتين، الفرنسية أو الإنكليزية. الابتعاد عن التلفزيون، اللبناني والعربي، مردّه تردّي أوضاعه، برمجة وأسلوب عمل ونتاجاتٍ، غالباً. لكن العزلة تفرض متابعةً يومية، فتنكشف مُجدّداً فداحة الترجمة العربية، بمفرداتها كلّها، بالإضافة إلى فداحة تُصيب أنماطاً متنوّعة من اشتغالاته. العزلة نفسها تستدعي تجربة قديمة مع الترجمة إلى العربية، يصعب العثور على إيجابيّاتٍ فيها، لأنّ السلبيّات أكثر وأطغى.

***

محطات تلفزيونية عربية تبثّ أفلاماً ومسلسلات أجنبية مُترجَمة إلى لغةٍ يُفترض بها أنْ تكون عربية، لكنّها لن تكون عربيّة، لشدّة بهتانها واستسهال التعامل معها ومع اللغة المُترجَم عنها. محطّات عديدة بينها تعتمد، منذ أعوام، تقنية الدبلجة العربية، المتعلّقة بمسلسلات يغلب عليها نتاجٌ أميركي لاتيني، أبرزه مكسيكي، قبل سطوة التركيّ لاحقاً. هذا لن يُسقِط عن الدبلجة مأزق الترجمة إلى العربية، بل يُزيد من تأزّمها بسبب انعدام نُطقٍ سليم للغة عربيّة سويّة، وغياب نبرة تتلاءم والأداء الصوتيّ لشخصياتٍ، يُفترض بها أنْ تمتلك حسّاً بشرياً وإنسانياً وانفعالياً متنوّع الأشكال والأنماط.

الغرب يعتمد الدبلجة أساساً، فالهمّ معقودٌ على تأمين أفضل وسيلة ممكنة للمُشاهد كي يتمتّع بالمُشاهدة، من دون أنْ تُربكه الترجمة، التي ستحول دون تركيزٍ أعمق وأكبر وأوسع على العمل المعروض على شاشة التلفزيون أو في صالات السينما، لأنّ بثّها أسفل الشاشة ربما يُشوِّش عليه قليلاً. ترجمة كهذه تحتلّ شيئاً من الشاشة، ما يدفع إلى اعتماد الدبلجة وسيلة تواصل مع لغةٍ غير اللغة الأم. صالات قليلة في الغرب تعرض أفلاماً بنسخها الأصلية، واضعة الترجمة أسفل الشاشة، لأنّ بعض المُشاهدين راغبٌ في تواصل حسّي مباشر مع الفيلم وعالمه وصانعيه وتفاصيله، من دون حاجز تصنعه الدبلجة، التي تُلغي نبرة الممثل مثلاً، فتَفْقدُ نبرةُ الشخصية بعضَ حساسيتها.

الترجمة والدبلجة صناعة وثقافة وفنّ، تماماً كالأفلام والمسلسلات. لكنّ الترجمة إلى اللغة العربية، سينمائياً وتلفزيونياً، مُصابة بتسطيح واستسهال ورداءة، أحياناً كثيرة. الترجمة مُصابة بهذا، والدبلجة أيضاً، في جوانب أساسية في اللغة والترجمة والصوت (نبرة صاحب الصوت في الدبلجة وأحاسيسه، التي يُفترض بها أنْ تُعبِّر عن نبرة الشخصية وأحاسيسها)، فالدبلجة محتاجة إلى أداءٍ تمثيلي، له تقنيّاته وأساليبه.

لا مُطالبة بترجمة عربية تعتمد لغة سيبويه. للترجمة السينمائية والتلفزيونية أصول، إذْ عليها الجمع بين صحّة قواعد وأسلوب، وتبسيط غير استسهاليّ وغير مُسطّح. فالمُشاهد يحتاج إلى أبسط التعابير العربية وأصدقها وأقربها إلى النصوص الأجنبية المُترجَمة إلى العربية، للتمكّن من مواكبة الأحداث والتطوّرات، ومن فهم النفوس والتصرّفات، من دون جهدٍ في القراءة وفهم المعاني. لكنّ الحاصل عربياً يتمثّل بأخطاءٍ جمّة تبدأ باللغة وأسلوب الكتابة، وتنتهي بالطباعة وشكل الأحرف وصوغ الجُمَل. محطات تلفزيونية تبثّ ترجمة إلى العربية غير كاملة، إذْ يترك المترجم أو المسؤول عنه (إنْ يكن هناك مسؤولٌ عنه) كلماتٍ أجنبية داخل جُمَلٍ عربية، إما لأنّ المترجم والمسؤول غير مُدرِكَين المعنى العربيّ، وإما لأنّهما غير مُكتَرثِين بترجمة صحيحة تتلاءم وآلية عمل الترجمة ومتطلّباتها، وإما لجهلٍ يدفعهما إلى اعتماد مُطلقٍ على “غوغل”، وما أدراك ما هي الترجمة العربية التي يُقدِّمها “غوغل”.

بعض الترجمة يتحاشى نقل كلمات محدّدة إلى العربية، كـ”يهوديّ” (المترجم إلى العربية بـ”غريب”) و”ويسكي” وغالبية أنواع الخمر (المُعادل العربي لها: “شعير”)، وشتائم كثيرة تُختزل كلّها بـ”تباً” أو “اللعنة”، علماً أنّ “المحكية” في بلدان ومجتمعات عربيّة أيضاً، من لبنان إلى دول المغرب والخليج، تمتلك مفردات شعبية خاصة بالشتائم وبغير الشتائم، وبعضها إباحيّ وجنسي يتمّ تداوله في كلامٍ يوميّ بين الناس. ربما يكون هذا مفهوماً، وإنْ يكن فهمه غير منبثقٍ من قبوله. لكنْ، ماذا عن كلماتٍ كثيرة ومفردات كثيرة وجمل كثيرة تخضع لاستسهالٍ كبير، تُعزّزه طباعة رديئة (شكلاً وأحرفاً وأخطاء)، وتَسَرّع في البثّ يصل أحياناً إلى حدّ رفع الترجمة العربية قبل انتهاء الجملة الأجنبية، من دون تناسي “لون” الطباعة، غير المتلائم غالباً مع الصُور والمَشَاهد وألوانها المبثوثة على الشاشة. أحياناً، يعجز المتفرّج عن قراءة الترجمة، لأنّ لون طباعتها هو نفسه لون الشاشة تماماً.

بعض الترجمة أيضاً يعتمد مفردات وتعابير محلية، ما يحول دون فهم كثيرين المعنى الأصليّ لها. فاللهجات المحلية المغاربيّة عصيّة على أبناء المشرق العربيّ، والمستَخدَم في دول الخليج يصعب فهمه في مدنٍ أخرى. الترجمة التي تستخدم مفردات محلية تُصنع غالباً في مصر، من دون اكتراثٍ إلى التفاوت الكبير الحاصل بين الفُصحى ـ التي يُفترض بها أنْ تكون مُخفّفة، فالمطلوب من الترجمة هنا تسهيل التواصل بين المُشاهد العربيّ والعمل الأجنبي ـ والمحكية المحلية التي ربما لن يفهمها أبناء البلد الواحد، إنْ ينتمي هؤلاء إلى مناطق أخرى غير المدينة.

والاستسهال يظهر أيضاً في وضع كلمة “نهاية”، أو اسم المترجم أو الشركة التي يعمل فيها، قبل انتهاء الفيلم مثلاً، وقبل بثّ “جينيريك” النهاية. هكذا تُقرّر شركة الترجمة إنهاء الفيلم قبل نهايته السينمائية، علماً أنّ أفلاماً كثيرة غير منتهية لا مع انتهاء الكلام/ الحوار، ولا مع بداية الـ”جينيريك”، أو انتهائه أحياناً. تصرّف كهذا يُلغي جزءاً أساسياً من مفردات التعامل والتفاعل والتواصل مع الفيلم، ومناخاته وأحداثه وسياقاته واشتغالاته. تصرّف كهذا، الذي تتحمّل شركة الترجمة مسؤوليته، يُلغي جزءاً أساسياً من مفعول النهاية/ الخاتمة في أفلامٍ عديدة.

أما الأغاني، فالأغلبية الساحقة منها غير مُترجمة، إنْ يكن الفيلم غير غنائي أو غير استعراضي. وهذه أيضاً طامة كبرى، تُضاف إلى مآزق الترجمة.

***

أما الترجمة المُعتَمدة في أشرطة “دي في دي”، وغالبيتها الساحقة ـ المُستعمَلة في العالم العربي ـ مُقرصنة، فتصلح لإنتاج كوميديا تتفوّق أحياناً على أفضل الكوميديات في العالم. ترجمة كهذه غير مكتفية بالقرصنة، أي بما هو مخالف لقوانين حماية الملكية الفكرية (ولهذا نقاشٌ آخر)، إذْ تستعين بمترجمين غير متردّدين لحظة واحدة عن بثّ الاسم والعنوان وأرقام الهواتف في نهاية الفيلم، من أجل عملٍ إضافيّ يريدونه، متجاوزين كلّ قانون، فهم أصلاً غير عابئين بأيّ قانون، طالما أنّهم “يُترجمون” أفلاماً ومسلسلات مُقرصنة أصلاً. كما أنّ بعض هؤلاء يُصرّ على وضع تفسيرات تتعلّق بمضامين الأفلام، خصوصاً تلك التي تُخالف توجّهاته الدينية والسياسية والثقافية والاجتماعية، مالئاً الشاشة الصغيرة بتفسيرات جمّة، من دون اكتراثٍ بمسار الحبكة، وبضرورة أنْ يُشاهِد المتفرّج ما يحدث عليها، بدلاً من أنْ يقرأ “أفكار” المترجم ومن يموّله ويُشغِّله. تفسيرات تحتلّ الشاشة الصغيرة برمّتها أحياناً، فتقضي على العمل، أو على مقاطع كاملة منه.

***

هذا حاضرٌ في المنصّة الأميركية “نتفليكس” أيضاً، في برمجتها الخاصّة بالعالم العربي، وإنْ بشكلٍ أخفّ بكثير من شاشات عربية مختلفة. فترجمات المنصّة تعتمد مفرداتٍ تراها “إدارة الترجمة” (إنْ تكن هناك إدارة للترجمة أصلاً) أنسب إلى المُتداول في النظم الاجتماعية المسيطرة على الفرد والجماعة معاً، وإنْ بشكلٍ أقلّ سوءاً بكثير من طريقة العمل العربي في الترجمة إلى اللغة العربية. فإحدى الترجمات العربية المُثيرة للضحك كامنةٌ في نقل مضمونٍ إنكليزي إلى عربيّةٍ لا علاقة لها بهذا المضمون نفسه، “احتراماً” لتقاليد اجتماعية عربية محافظة.

في لقاءٍ يجمع توماس آدم كيركمان (كيافر ساثرلاند)، رئيس الولايات المتحدّة الأميركية، بمساعدته السابقة إيميلي رودس (إيطاليا ريتشي ـ آمِل)، يسألها عما ترغب في احتسائه، عند لقائها إياه في المكتب البيضاوي في زيارة صداقة، فتطلب نوعاً من الويسكي معروفٌ بـ Single Malt. “عبقرية” الترجمة إلى العربية تُقدِّم تعبيراً مُضحكاً: “ويسكي الشعير رجاء” (الحلقة العاشرة من الموسم الثالث لـ Designated Survivor)، علماً أن مفردة “شعير” مُتداوَلة كثيراً في ترجمة أفلامٍ أميركية تحديداً، منها أفلام “وسترن”. لكنْ، أيُعقل أن يدخل جون واين إلى “بارٍ” (مَقصف)، ويطلب “شراب الشعير”؟

هذا كلّه رغم أنّ المنصّة نفسها غير متردّدة عن بثّ أعمالٍ وثائقية ومسلسلات درامية تتضمّن مسائل متعلّقة بالجنس ومفرداته، التي تُخفَّف ألفاظها العربيّة إلى درجة غير مُحتمَلة أحياناً، مع أنّ بعض تلك الأعمال “متحرّر” من تحفيفٍ يضرّ بمضمونه وحكاياته وانفعالاته.

***

المطلوب في ترجمة الأعمال، السينمائية والتلفزيونية، إلى اللغة العربية حدّاً أدنى من حِرَفية وتقاربٍ وفهمٍ ووضوح واحترامٍ واكتراثٍ، لا أكثر ولا أقلّ.

مجلة رمان

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

2 + 6 =

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى