شعر

قصائد مختارة للشاعر الأمريكي المعاصر روبرت بلاي -عدة مترجمين-

————————–

المحادثة تجعلنا أقرب كثيراً: روبرت بلاي

ترجمة وتقديم:  صبحي حديدي

يتفق دارسو الشعر الأمريكي المعاصر علي اعتبار روبرت بلاي (1923 Robert Bly- ) واحداً من أبرز روّاد حركة التجديد العميق والراديكالي التي طبعت معظم النتاج الشعري الأمريكي طيلة عقود القرن العشرين المنصرم. كذلك يتفق معظم النقّاد علي أنه بين أصفي الأصوات التي كتبت قصيدة النثر في الولايات المتحدة، وخرجت بها عن إسار الصيغة الفرنسية (برنار، بودلير، رامبو)، وصالحتها مع تراثات شعرية أخري، أمريكية (والت ويتمان، إدغار ألن بو) وأمريكية جنوبية (نيرودا، فاييخو) وأسبانية (لوركا)، وألمانية (ريلكه، تراكل).

جانب آخر في قوّة إنجاز بلاي الشعري كان حقيقة تأثّره العميق بأفكار الفيلسوف الألماني جاكوب بوهمه (القرن السابع عشر)، وإسباغه طابعاً فينومينولوجياً علي الموضوع الشعري وتقنيات بناء الصورة، رغم السطوة الواسعة التي حظيت بها المدرسة التصويرية كما قادها إزرا باوند، وعلي نقيض من شيوع مفهوم (الصورة العميقة) علي نطاق واسع في النصوص الشعرية الأمريكية، وربما الأنغلو ـ ساكسونية إجمالاً. وكان بوهمه قد ثار علي شيوع العقلانية والتجريبية المحسوسة في الفلسفة الألمانية، وركّز علي الإدراك الحدسي للعالم الروحي الداخلي، الأصدق والأغنى.

جانب ثالث، وهامّ بالمعني النظري، كان ثورة بلاي علي نظرية ت. س. إليوت في (المعادل الموضوعي). وفي مقالة شهيرة بعنوان (العالم الميت والعالم الحيّ)، ميّز بين نوعَين من الوعي الشعري: ذاك الذي يضيء (أخبار الذهن الإنساني)، وذاك الذي يضيء (أخبار الكون). والنوع الثاني يقتضي من الشاعر أن يتوغّل عميقاً في أغوار الدماغ لكي يعثر ــ ربما ــ علي (بعض الأخبار السيئة عن النفس، وبعض العذاب الذي تكفّل العقل الخطابي بوقاية الشاعر منه). غير أنّ علي الشاعر أن يذهب أبعد، وأن يتوغّل (في سطوح أعمق من مستوي الأنا، مدركاً في الآن ذاته مستويات أخري من أنا الآخرين).

جانب رابع هو الدور المباشر، العملي، الذي لعبه بلاي في تطوير التجارب الشعرية الأمريكية الشابة، وذلك من خلال مجلّته (الخمسينيات The Fiftie)، التي مارست نفوذاً أدبياً ونقدياً واسعاً، وتواصلت رسالتها في الأزمنة التالية حين تبدّل اسمها لكي يغطّي العقود اللاحقة: (الستينيات)، السبعينيات)، (الثمانينيات)، و(التسعينيات).

أصدر بلاي أكثر من 41 مجموعة شعرية، لعلّ أشهرها مجموعته المبكرة (الصمت في الحقول الثلجية)، 1962؛ و(مجد الصباح)، 1969، والتي ضمّت قصائده النثرية؛ و(هذه الشجرة ستمكث هنا ألف سنة)، .1985 كذلك كتب في النقد، والفلسفة، والسياسة (مناهضة الحرب الأمريكية في فييتنام بصفة خاصة)، وترجم العديد من الأعمال الشعرية الأوروبية والأمريكية الجنوبية والشرقية (مثل قصائد المتصوّف جلال الدين الرومي).

*****

مختارات

مباغَتٌ بالمساء

ثمة غبار مجهول قريب منّا،

أمواج تتكسّر علي شطآن أعلي التلال،

أشجار ملأى بطيور لم تقع أعيننا عليها من قبل،

شِباك مسحوبة بأسماك سوداء.

يأتي المساء، ونشخص بأبصارنا إلي الأعلى، فنراه

جاء من خَلَل شِباك النجوم،

من خَلَل أنسجة العشب،

سائراً بتؤدة على امتداد ملا جئ المياه.

لن ينقضي النهار، نقول لأنفسنا:

لدينا شَعْرٌ يبدو مولوداً من أجل ضياء النهار؛

ولكن، في نهاية المطاف، سوف تنهض مياه الليل الهادئة،

وسيمتدّ جِلْدُنا ببصره إلي البعيد البعيد، تماماً كما يفعل تحت المياه.

رجل يكتب إلى جزء من نفسه

أيّ كهف تقيمين فيه، مختبئة، رابضة تحت المطر؟

مثل زوجة، تتضوّر جوعاً، بلا أنيس،

الماء يتساقط من رأسك، منحنية

علي حنطة الأرض…

ترفعين وجهك إلى المطر

الذي يسوق الوادي ــ

عذراً، إنّ زوجك،

في شوارع مدينة نائية، يضحك

من كثرة مواعيده.

رغم أنه، ساعة الليل، يمضي بدوره

إلي غرفة عارية، غرفة صنعها الفقر،

فيرقد قرب إبريق عارٍ، وقرب حوض

في غرفة بلا تدفئة ــ

مَن بيننا هو الأسوأ حالاً؟

وكيف أنّ هذا الانفصال وقع؟

إلي ولدي نوح، في سنّ العاشرة

الليل يحلّ والنهار، ونهار يمضي بعد نهار،

وما هو عتيق يظلّ عتيقاً، وما هو فتيّ يظلّ فتياً، ويطعن في السنّ.

الركام القَطَني لا يستردّ شبابه، ولا الثخانة تفقد ظلمتها

لكنّ الشجرة العجوز تواصل الحياة،

والحظيرة تشخص واقفة سنين عديدة دون عَوْن؛

ولا يتيه المدافع عن الظلام والليل.

الفرس يخبّ ناهضاً، ويخطر علي قدم واحدة، يلتفّ بجسده،

والدجاجة تضرب المخالب في الجذور، جناحاها يتدفقان ويتمرّغان،

لكنّ البدائي ليس ذاك الذي يُطلق في الليل والظلام.

وبتؤدة يقترب الرجل الطيّب، تهدأ ثائرته، ويجلس إلي المائدة.

ولهذا فإنني لست فخوراً إلا بالأيام التي انقضت في عذوبة غير منشطرة

حين تجلس لترسم، أو تصنع الكتب من تيلة القطن، وتحمّلها رسائل إلي العالم،

أو تلوّن رجلاً تتصاعد النيران من رأسه.

أو نجلس إلي المائدة، والشاي القليل صُبّ بعناية.

ونقضي زماننا سويّة هكذا، في هدوء وحبور.

———————————

الناسك

الظلام يحلّ من خلال الظلام

يحلّ، قادما من إفريز

إلي إفريز.

ثمة رجل جسده تامّ متكامل.

إنه يقف، والعاصفة تقف خلفه،

ونصال العشب تتقافز وسط الرياح.

الظلام يتجمّع طيّات طيّات

عند قدميه.

إنه لا أحد. وحين نبصره،

نخلد إلي السكينة،

ونبحر في أنفاق موت بهيج.

———————————

الحملقة في وجه

المحادثة تجعلنا أقرب كثيراً!

إنها تفتح

أمواج الجسد المتكسر،

تُدني السمك من الشمس،

وتصلّب العمود الفقري للبحر!

تجوّلتُ في وجه، طيلة ساعات،

عابراً النيران السوداء.

نهضتُ إلي جسد

لم يولد بعد،

حاضراً مثل ضياء يلتفّ حول الجسد،

ضياء في غمرته يتنقّل الجسد مثل قمر منزلق.

———————————

قصيدة في ثلاثة أجزاء

I

أوه! في هذا الصباح الباكر أعتقد أنني سأعيش إلي الأبد!

أنا مغلّف باللحم السعيد،

كما العشب مغلّف بغمامات خُضرته.

II

ناهضاً من فراش، حيث حلمتُ

بغارات طويلة عبر القلاع والجَمْرات المتّقدة،

الشمس تقعي سعيدة علي ركبتيّ؛

لقد تعذّبتُ الليل كلّه، ونجوت

سبحت في الماء المظلم، مثل أيّ ورقة عشب.

III

الأوراق القويّة في شُجيرة البَقْس العتيقة،

تغوص في الرياح، وتدعونا إلي الغياب

في برّية الكون،

حيث سنجلس عند أقدام نبات ما،

ونعيش إلي الأبد، مثل الغبار.

———————————

استفاقة

ثمة، في الأوردة، أساطيل تمخر العباب،

إنفجارات صغيرة عند خطوط المياه،

ونوارس تلوّح في رياح الدم المالح.

إنه الصباح. نامت البلاد الشتاء كلّه،

جُلّلت مقاعد النوافذ بجلود الفراء، والباحة

غصّت بكلاب متحفّزة، وبأيدٍ مرتبكة تحمل الكتب الثقيلة.

الآن نستفيق، وننهض من الفراش، ونتناول الإفطار! ــ

جهات الجنوب تنهض من مرفأ الدم،

الغَبَش، الصواري الصاعدة، رنّة العُدّة الخشبية تحت ضياء الشمس.

الآن نغنّي، ونؤدّي رقصات صغيرة علي أرضية المطبخ.

جسدنا كلّه أشبه بمرفأ ساعة الفجر؛

ونعرف أنّ سادتنا غادرونا طيلة النهار.

———————————

القمر الأعلى والقمر الأسفل

الشمس تنحدر، والفضاء يعتم أكثر فأكثر، كلّ دقيقة. الليل يثخن، يجرّ الأرض صوبه.

وإذا كان جسدي هو الأرض، فما العمل بعدُ؟ ثم ها إنني هنا، أثخنُ كلما تقدّم الليل. والقمر يمكث في السماء. جزء منّي يظلّ في الأعلى هناك. كم المسافة حتى ذلك الجزء، هناك!

للأرض أشياء أرضية، أرضية التكوين، متّصلة. إنها تدنو من بعضها البعض، ملتمسة الدفء في وكر أوّل، في مِذْوَد؛ تحملها دفعة من الأذرع، ثُمّ كتلة من الصنوبر. البُوَيْمات تجالس بعضها في شجرة جوفاء. ولكننا انشطرنا.

يحلّ الليل… فماذا بعدُ؟ شمسي ستنحدر أسفل الأرض، وتسافر وهي تئزّ على امتداد درب الظلمة السفلي المحيطية. هنالك مئة من القدّيسين المنبطحين في استرخاء، يلقون نُتَف الظلام علي الدرب…

في منتصف الليل سأدلف إلي الداخل، وسأستلقي علي سريري، وسيتلاشى قمري بغتة. سوف يسافر وحيداً في أرجاء الأرض المعتمة، طيلة الليل، منزلقاً عبر الأذرع الممدودة إليه… وسوف أواصل هكذا، محملقاً…

النائم سوف يمضي نحو العتمة القصوى. مَن الذي سيرافقه؟ سوف يلتقي بسجين آخر

في برج محصّن، لعلّه الخبّاز…

========================

قصائد مختارة ترجمة أسامة إسبر

———————————

دعوة واستجابة

أخبروني، لماذا لا نرفعُ أصواتَنا في هذه الأيام

كي نحتجَّ ضدَّ ما يجري. هل انتبهتم

أن الخطط وُضعتْ للعراق والغطاء الجليدي يذوب؟

أقول لنفسي: “هيّا، اصرخْ. ما معنى

أن تكون راشداً بلا صوت؟ اصرخْ!

وانظر إلى من يستجيب! هذه دعوة واستجابة!”

لنصرخ ملء أفواهنا كي يصلَ صوتُنا إلى

ملائكتنا، ثقيلة السمع، المختبئة

في أباريق صمتٍ مُلئت أثناء حروبنا.

هل وافَقْنا على كثيرٍ من الحروب وصرنا عاجزين

عن التخلّص من الصمت؟ إذا لم نصرخ، سنمكّنُ

الآخرين (الذين هم نحن) من السَّطو على المنزل.

كيف أصغينا إلى المحتجّين العظام ـ نيرودا،

أخماتوفا وثورو وفريدريك دوغلاس ـ فيما نحن الآن

صامتون كعصافير الدوري بين الأماليد الصغيرة؟

يقولُ بعض المعلّمين إن حياتنا لا تستمرُّ أكثر من سبعة أيام.

في أيِّ يوم من الأسبوع نحن؟ هل جاء الخميس؟

أسرعوا، صيحوا الآن! سُرْعَان ما سيصلُ مساء الأحد.

———————————

الليلة التي نادى فيها إبراهيم الكواكب

أتتذكرّون الليلة التي شاهد فيها إبراهيم الكواكب

للمرّة الأولى؟ نادى زحل:”أنت ربّي!”

كانت سعادته غامرة! حين رأى كوكب الزهرة،

ناداه بصوت مرتفع:”أنت ربّي!” لكنه شعر بأنه

مدمّرٌ حين شاهد الكواكب تأفل. أيها الأصدقاء، إنه مثلنا:

نحن الذين نتّخذ من الكواكب الآفلة آلهةً لنا.

نحن الرفاقُ المخلصين للكواكب الخائنة.

نحن الحفّارين كالغريّرات نحبُّ أن نشعر

بالتراب يتطايرُ خلف مخالبنا الخلفيّة.

ما من أحدٍ قادر على إقناعنا أن الطين ليس

جميلاً. إنها روحنا ـ الغريّر هي التي تفكّر بهذه الطريقة.

نحن مستعدّون كي نمضي حياتنا

سائرين بأحذيةٍ ملوثةٍ بالطّين في الحقول المبللة.

نحن نشبهُ المنفيين في مملكةِ الثعبان.

نقفُ في حقول البصل شاخصين بأبصارنا إلى الليل.

قلبي حبّةُ بطاطس هادئة في النهار،

وفي الليل امرأةٌ مهجورةٌ تبكي. قل لي يا صديقي، ماذا أفعلُ

فأنا رجلٌ يعشق الكواكب الآفلة.

———————————

فجر

يَهْوى البعض النَّظر إلى أدغال البحر وهي تبزغُ في الفجر،

أن يتأمّلوا الليل يُخيّم نازلاً من جناحَيْ إوزّةٍ، وأن يسمعوا

أحاديث يتبادلها بَحْر الليّل والفجر.

إذا لم نتمكن من العثور على السماء، فهناك دوماً طيور أبي زريّق.

تعرفون الآن لماذا أمضيتُ عشرينات عمري وأنا أصرخ.

الصرخات ضروريةٌ لمن يستيقظون مضطربين في الفجر.

استُدعيَ آدم كي يُسمّي الشحارير ذات الأجنحة الحمراء،

الأفاعي الجرسيّة وحيوانات الراكون

بأذيالها ذات الحَلقات التي تغسلُ الله في الجداول في الفجر.

بعد قرونٍ ظهرتْ آلهةُ بلاد ما بين النهرين،

ذات العقصات والآذان، وخلفها الجنرالات

مع أبنائهم الذين يرتدون الملابس الزرقاء، والذين سيموتون في الفجر.

كان أولئك النسّاك، آكلو الجنادب، في غاية الطيبة

ذلك أنهم أمضوا اليوم كلّه في الكهف، لكن من الجميل أيضاً

رؤية دعائم السياج تبزغ شيئاً فشيئاً في الفجر.

إن الذين يحبّون الكواكب الآفلة مُحقّون

في عبادتهم للطفل الذي تفوح منه رائحة الإصطبل، لكننا نعرف

أنه حتى الكواكب الآفلة ستختفي في الفجر.

———————————

الغروب عند البحيرة

الشمس تغوص. هنا، على ضفّةٍ مسكونةٍ بأشجار الصنوبر، يُحلّقُ البعوض بكسلٍ، وتنتأ الطحالبُ كما لو أنها ترغبُ بالتحدث. يجثمُ هدوءٌ على البحيرة، الأكثر ثقلاً وكآبةً الآن. بعيداً، تحلّق أطوافُ بطٍّ كعينين مُغمضتين، فيما خطُّ فضّةٍ نحيلٌ يتقدّم، من اللامرئيّ، بطيئاً نحو الشاطئ في ظلمةٍ لزجةٍ تحتَ الضفة الغربية. بضعةُ طيورٍ فحسب، مُضْطربةً، تتحدّثُ مع سَقْف الأرض الذي يُعْتم؛ أعشابٌ صغيرةٌ تنتصب مهجورةً، فيما يُرسل الطّين هداياه إلى مركز الأرض.

———————————

وردة متفتحة

لماذا نقول إنّ الوردة متفتّحة؟ تتفتّح كما ينفتحُ الطريق أما المسافر، كما تنفتحُ المياه للحظةٍ بعد أن يختفي الغوّاص… يتغذّى الأسد سرّاً بين الأعشاب الطويلة فيما يواصل نومه في الكهف. وما يزال التجويف العشبيّ خفيّاً، تقودنا إليه أزهارُ خَشْخاشٍ على المنحدر… وفوقَ أعشابِ تشرين الأول التي عصفتْ بها رياحُ الخريف، لا شيء يعلو إلا رأس طائر تَدْرُجٍ.

حين أرى المياه تتدفق عابرةً فوق نتوءٍ صخريٍّ، يستحثّني دافعٌ كي أتبعها (نسمع عن تلك الحوادث القاتلة بعد عدة شهور من موت صديق). أشعرُ بوحدة “إنه ليس معنا” ـ ذلك المكان، بعيداً داخل المياه المتغضنة، بعيداً  داخل تويجات الوردة. حيث تذهب، أذهب…

———————————

الصيحة تنطلق فوق المراعي

أحبّك بجسدي الحيّ والوحيد. جسدي باشقٌ فتيٌّ يحطُّ في شجرة قرب نهر المسيسيبيّ في أوائل الربيع، قبل نموِّ أية خضرةٍ على الأرض. وفي بعض الأيام تمتلئ تجاويف أشجار الجوز في صَدْري بأضواء وظلال مُطَقْطِقة، هناك تشرب الطيور من قطرات المياه… يحبّك جسدي بما يستخلصهُ من الرجل الحكيم المنحني فوق مستعمرته من العظاءات، يحبك، بهذا، منتهكاً جميع القواعد والتقاليد.

حتى الثقوب الستة في الفلوت تتحرك تحت أصابع الزنجيّ، فيما تُسمع الصرخة الثاقبة فوق مراع كثيفة النموّ، لا يراها أو يزورها أحد في الغسق، من بين جميع الأمكنة المسيجة، سوى الأيّل، الذي لم ير أبداً أيّ سرير إلا سريره المصنوع من أعشاب برية.

التقيتُ بك أوّل مرةٍ حين كنتُ وحيداً لتسعة أيام، والآن يتوقُ جسدي الباشق الوحيد إلى أن يكون معك، فأنت من يتذكّر… ويعرفُ كم نحبّ بعضنا، وسنكون دوماً هكذا. هنالك موت ولكن ثمة أيضاً هذا القرب، هذه المتعة، حين ترتفعُ النحلة في الجوّ فوق خليّتها للعثور على الشمس، كي تصبح الابن، وينطلق المسافر عبر المنفى والخسارة، عبر القذارة والفشل، كي يلمسَ ثانيةً تراب مملكته ويُقبّل الأرض…

ماذا أقول عن هذا؟ أقول: ليتمجّد الرجل الأوّل الذي خطّ  بجلاءٍ هذه المتعة، فنحن لا نستطيع أن نعشق ما لا نقدر على منحه اسماً…

———————————

الخروج لتفقّد النعاج

يا صديقي، هذا الجسد طعامٌ لتنانين الجوّ الألف، وكلّ تنين خفيفٌ كإبرة. هذا الجسد يُحبّنا، ويحملنا إلى المنزل بعد الانتهاء من الركش.

قديمٌ هو، ومليءٌ برزم النوم. في ذبذباته تنطلق الشمس بسرعة تحت الأرض، فيما النوافير التي فوق المحيط تتموج في معدتنا…تتغضّن المياه، النوافير التي تراها عينا الجمجمة في منتصف المحيط، هذا الجسد الذي من أعشابٍ عطريّة وخشب جفْرٍ، هذه البَرَكَة، هذا النتوء الصخري الذي تسيّر المياه دورياتها فوقه… أستيقظُ، الصباح هنا. النجوم ما تزال في الخارج؛ سماءُ الشتاء مدلهمّةً تحومُ فوق حملانٍ لم تُولد… الهُرْيُ باردٌ قبل الفجر، والبوّابات بطيئة…

يتوقُ هذا الجسد إلى نفسه بعيداً في البحر، يطوفُ في السماوات المعتمة، إنه كائنٌ متألّقٌ، مُعتقلٌ في سجن البلادة البشرية…

========================

ثلاثة قصائد ترجمة عادل صالح الزبيدي

———————————

ما تريده الأشياء

عليك ان تدع الأشياء

تشغل فضاءها الخاص بها.

هذه الغرفة صغيرة

الا ان الأريكة الخضراء

يعجبها ان تكون هنا.

قصب الهور الكبير،

الذي يكتظ به المستنقع

يجد العالم حسنا.

عليك ان تدع الأشياء

على حالها.

من يعلم اي منا

يستحق العالم اكثر؟

———————————

تعداد الجثث الصغيرة العظام

لنعد الجثث ثانية.

لو استطعنا فقط ان نجعل الجثث اصغر

بحجم الجماجم

لأحلنا سهلا بكامله ابيض من الجماجم تحت ضوء القمر!

لو استطعنا فقط ان نجعل الجثث اصغر

لربما حصلنا على

قنيص عام كامل امامنا على الطاولة.

لو استطعنا فقط ان نجعل الجثث اصغر

لأدخلنا جثة في خاتم اصبع كتذكار الى الأبد

———————————

القطار المدفون

أخبرني عن القطار الذي يقول الناس أنه دفن

في انهيار جليدي—أ كانت ثلوجا؟–كان ذلك

في كولورادو، ولم يشاهد أحد حدوثه.

كان ثمة دخان منبعث من المحرك يلتف صاعدا

خفيفا من بين قمم أشجار التنوب،

والمحرك يصدر ضجيجا.

وكان هناك جميع أولئك الناس يقرأون—بعضهم

من كتاب لثورو، بعضهم من هنري وارد بيتشر.

والمهندس يدخن ويخرج رأسه من النافذة.

ترى متى حدث ذلك؟ أحدث بعد

المدرسة الثانوية،

أم في العام الذي كنا فيه بعمر سنتين؟

دخلنا هذا المكان الضيق، وسمعنا الضجيج

فوقنا—لم يستطع القطار أن يسير بسرعة كافية.

ليس واضحا ما الذي حدث فيما بعد.

أ كنا انا وأنت

لا زلنا جالسين في القطار، ننتظر اشتعال

الأنوار؟ أم ان القطار الحقيقي دفن حقا؛

فيخرج في الليل قطار شبحي ويواصل السير…

——————————

========================

ثلاثة قصائد ترجمة عبد الوهاب أبو زيد

——————————

مهزوم

هذه الحرقة خلف عيني حين أفتح بابا

تعني أن الشيء السميك في جسدي قد انتصر.

النوم الأكمد الثقيل مثل عشب أكتوبر،

ينمو بعناد ، مبتهجا بنصره حتى عند منتصف الليل.

ويوم آخر يختفي وراء السفح.

يجيء قاطنو الأسكيمو ليحيوه بصيحات حادة.

الماء الأسود يرتفع فوق الحفرة الجديدة.

القرد ، وحيدا في قفصه المصنوع من الخيزران ،

يشم رائحة الأصلة ، ويصرخ ، دون أن يسمع أحد نداءه.

القبر يتحرك إلى الأمام من مكمنه،

ملتفا ببطء، بحركات جانبية ،

مارا تحت الأجمات وعبر أنفاق الورقة،

تاركا الكلاب والخراف مقتولة حيث ينام.

شيء ما متوهج داخلنا ، شيء

قام بخدمتنا على أكمل وجه ، يهز قضبان خيزرانه

ربما يكون قد ذهب قبل أن نصحو.

——————————

الاستيقاظ

إننا نقترب من النوم ؛ براعم الكستناء في العقل

تمتزج بأفكار عن الألم.

في لويزيانا ، الشوارع المبتلة المنقوعة بالمطر

والبراعم المخضلة ، من بين كل ذلك

جئنا ، نفقا يندفع برفق باتجاه العتمة

العاصفة قادمة. المنزل الريفي الصغير في منيسوتا

بالكاد يقوى على تحمل العاصفة.

العتمة ، العتمة في العشب ، العتمة في الأشجار.

حتى الماء في الآبار يرتجف.

الأجساد تشع بالعتمة ، وأزهار الأقحوان

معتمة ، والخيول التي تحمل أثقالا كبيرة من القش

إلى مخازن الحبوب العميقة حيث الهواء المعتم يتقدم

من الزوايا.

نصب لينكولن ، وحركة السير. من الماضي الطويل

إلى الحاضر الطويل،

طائر ، منسي في هذه الإجهادات ، يغني مبتهجا،

في الوقت الذي تنحرف فيه العجلة العظيمة ، طاحنة

الحياء في الماء.

غسيل ، غسيل متواصل ، في ماء ملطخ الآن

بالبراعم والجذوع المتعفنة،

صرخات ، نصف مكتومة ، من تحت الأرض، الأحياء

قد استيقظوا أخيرا مثل الموتى.

——————————

صيد طيور التدرج في حقل الذرة

1

ما الغريب في أمر شجرة وحيدة في حقل مفتوح؟

إنها شجرة صفصاف. إنني أمشي حولها مرارا وتكرارا.

يتوزع الجسد بقوة ولا يقوى على تركها.

وفي آخر الأمر أجلس تحتها.

2

إنها شجرة صفصاف وحيدة في أطيان من الذرة الجافة.

أوراقها مبعثرة حول جذعها ، وحولي،

بنية الآن ، ومرقطة بسواد دقيق،

وحدها قصبات الذرة بوسعها الآن أن تحدث ضجيجا.

3

باردة هي الشمس ، متوقدة خلال المسافات المتجمدة للفضاء.

الأعشاب الضارة قد ماتت من البرد منذ زمن طويل.

لماذا إذن أحب أن أشاهد

الشمس وهي تتحرك فوق الجلد البارد للأغصان؟

4

لقد كان العقل يسقط الأوراق وحيدا لسنين عديدة.

إنها تقف جانبا مع مخلوقات صغيرة بالقرب من جذورها.

إنني سعيد في هذا المكان العتيق،

موضع يمكن العثور عليه بسهولة فوق الذرة،

لو أنني كنت حيوانا صغيرا يستعد للرجوع إلى بيته

عند الغسق.

========================

الحرب والصمت

انتشرت القاذفات، ودرجة الحرارة مستقرة.

أذن زنجي تغفو داخل عجلة سيارة

قطع من الخشب تطفو، دون أن تنطق.

***

يندفع بعض الأساقفة وهم يصيحون: “لا توجد حرب”،

وتتساقط القنابل

تاركة الغبار على شجر الزان.

***

تسير ساق واحدة على الدرب تاركة الأخرى خلفها.

تنشطر العينان

متطايرة في اتجاهين مختلفين.

***

تتكاثر أسلاك الموت.

يقطع الشريف ساقية السوداوين

ويدقهما بالمسامير الى شجرة

قيادة السيارة عبر مينيسوتا

قال العريف،

شعرت بالأسى عليه

ثم نجرت رأسه بطلقة بندقية

أمست هذه اللحظات بلورات،

ذرات

لا يمكن للعشب إذابتها.

مرحنا سيبلغ سدرة منتهاه

في آسيا، وستنظر في قدحك

لترى

قاذفات سوداء.

مدننا هي المدن التي كنا نريد قصفها!

الأسنان التي كشرت عنها “الأم”

ترفرف طائرات الهليكوبتر فوق الرؤوس. نحلة

الموت قادمة. نصال قاتلة

أشبه بعقد الطاقة العصبية تحوم

بعيداً ثم تعود.

هذا انتصار هاميلتون

هذا انتصار بنك مركزي.

***

يكذب الوزراء، يكذب أساتذة الجامعة، محررو

أخبار التلفزيون يكذبون، ورجال الدين يكذبون

ماكنة هذه الأكاذيب؟ معنى ذلك ان البلد

يبغي قضاء نحبه

***

هذا ما يكون عليه الأمر حين يعلن بلد غني الحرب.

هذا ما يؤول اليه الأمر حين تقصف الأكواخ (توصف

لاحقاً بأنها إنشاءات عسكرية).

هذا ما يكون عليه الأمر حين يقتل المزارعون الفقراء (يوصفون

لاحقاً بأنهم “شيوعيون”).

لأن معدل الكلفة اليومية للسرير هي

الآن مائتا دولار

نعمد إلى قصف مستشفيات الشمال…

***

آليات ضخمة ترتفع جميلة عن ظهر الحاملة.

تظهر الأجنحة فوق الأشجار، أجنحة

ذات ثمانمئة برغي.

محركات تحرق ألف غالون من البنزين

في الدقيقة تنطلق فوق الأكواخ ذات الأرضيات المتسخة.

يشعر الدجاج بالخوف الذي يغزو عميقاً نقرة

المنقار.

بوذا وبادما سامباهافا

في غضون ذلك تطفو على مياه بحر الصين

أعداد كثيرة من الجثث الرمادية

المولودة في روانوك،

ويتوسع المحيط من كلا الجانبين

مدعوماً بحركة الأساطيل.

ترفرف طائرات الهليكوبتر في الأعلى. نحلة

الموت قادمة. نصال فتاكة

مثل عقد الطاقة العصبية تحوم

ثم تعود.

هذا انتصار هاميلتون.

هذا انتصار بنك مركزي.

تأتي طائرات ب ـ 52 من غوام، يقضي

الأساتذة نحبهم داخل اللهب. تغفو

آمال تولستوي داخل كومة النحل.

لا تسأل عن الرحمة.

*

ترجمة فوزي محيدلي

========================

أربعة قصائد ترجمة تحسين الخطيب

قصيدةٌ ضدَّ الأغنياء

كل يومٍ أحيا، كل يوم يصعد بحرُ

الضياء، أبدو كمن يرى

الدمعةَ في الحجر،

كما لو أن عينيَّ تحدقان تحت الأرض.

الغني في قبعته الحمراء

لا يستطيع سماع

البكاء في قرى السوسن،

أو الدمع المعتم في أكواخ الحنطة.

كل يومٍ يصعد بحرُ الضياء،

أسمع الحفيف الحزين للجيوش المعتمة،

حيث كلُّ واحد يبكي، والصلوات

الحزينة للحجارة،

الحجارة التي تنحني كلما عبرت الجيوشُ الحزينة.

——————————

الاسـتـيـقـاظُ مـن الـنَّـوم

الصَّرخة والرد

قلْ لي: لِمَ لا نرفعُ الآن أصواتنا،

ونصرخ ضد الذي يجري؟ هل تنبَّهت

إلى الخطط التي أُعِدَّتْ للعراق وأن قبعة الثلج تذوب؟

أحدِّث نفسي: “هيا، اصرخْ. ما نفع أن

تكون راشدًا ولا صوت لك؟ اصرخْ عاليًا!

وانظرْ مَن سيجيب! فهذه صرخةٌ وجوابها!”

يجب أن نصرخ عاليًا كي نبلغ

ملائكتَنا، الثقيلي السمع، المختبئين

في سجون الصمت التي ازدحمت في أثناء حروبنا.

هل سلَّمنا بحروب كثيرة حتى بتنا عاجزين

عن الفكاك من الصمت؟ إذا لم نرفع صوتَنا، سنسمح

للآخرين (الذين ليسوا سوى أنفسنا) أن ينهبوا البيت.

كيف استمعنا إلى تلك الصرخات العظيمة – نيرودا،

أخماتوفا، ثورو، فريدريك دوغلاس – والآن

نحن صامتون كعصافير في الآجام القليلة؟!

بعض السَّادة يقولون إن حياتنا ستتواصل لسبعة أيَّام.

في أيِّ أيام الأسبوع نحن؟ ألم يأتِ الخميس بعد؟

هيا عجِّلْ بالصراخ الآن! عمَّا قليل سيأتي ليلُ الأحد.

——————————

الاستيقاظُ من النَّوم

داخل الأوردة ثمة أساطيل تشرع في الرحيل،

انفجاراتٌ بالغة الصِّغَر على حواف المياه،

ونوارس تترنح في رياح الدم المالح.

إنه الصباح. لقد نامت بلادي الشتاءَ كلَّه.

كانت حواف النافذة مغطاةً بفرو جلود، والحديقة

بكلاب متيبسة، وأيادٍ، ببلاهة، حملت كتبًا ثقيلة.

الآن نستيقظ، ننهض من السرير، ونتناول الإفطار! –

صرخاتٌ تصعد من ميناء الدم،

سديمٌ، أدقالٌ صاعدة، خبْط البكارة الخشبية في ضوء الشمس.

الآن نغنِّي، ونؤدي رقصاتٍ قليلة على أرض المطبخ.

كل جسدنا كميناءٍ عند الفجر؛

نعرف أن سيِّدنا قد تركنا لهذا النهار.

——————————

النَّظَرُ إلى بركة المدِّ

إنها بركة مدٍّ، ضحلة، يأتي الماءُ إليها، صافية، وفي القاع أناسٌ صغيرون بأصداف بيضاء، لا يسألون شيئًا، ولا حتى عن الاتجاهات! على السطح، مستلقية كأيادٍ، الطحالب ذات العجيرات التي، ببطء، تتراجع، ثم تعود. أيادٍ فوق أجساد محمومة، تتحرك جيئةً وذهابًا، كلما غنَّى المبرئ بحماسة عارمة، صارخًا على المسيح وأمِّه الميتة.

——————————

========================

 روبرت بلاي

Robert Bly

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

99 − = 97

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى