سياسة

نقاشات ومقالات مختارة حول بشار الأسد

ما العرض الذي رفضه بشار من ترامب؟/ عمر قدور

لم تكن جريدة “الوطن”، التي توصف بالمقرّبة من بشار الأسد، المبادِرة إلى كشف زيارة مسؤولَيْن أمريكيين إلى دمشق في شهر آب. صحيفة “وول ستريت جورنال” الأمريكية هي التي نبشت خبر الزيارة السرية، التي قام بها مسؤول واحد بحسب معلوماتها، قبل نشر خبر جريدة “الوطن” التي أعلنت عن لقائهما بعلي مملوك مدير مكتب الأمن القومي، حيث، بلسانه، أبلغت سلطة الأسد الأمريكيين بعدم استعدادها للنقاش أو التعاون مع واشنطن قبل البحث في ملف انسحاب القوات الأمريكية من شرق سوريا.

بحسب صحيفة “الوطن” أيضاً، فوجئ المسؤولان الأمريكيان بالموقف السوري، فهما قدِما على نية مناقشة موضوع استعادة المحتجزين ربطاً بالعقوبات الأمريكية المتصاعدة على سلطة الأسد فحسب. استخدام تعبير المفاجأة من قبل الإعلام الأسدي يرتبط عادة برفع سقف المطالب إلى حد لا يقبل به الطرف المقابل، ويتضمن معنى الصمود والانتصار لسلطة تأبى التراجع ولو قليلاً مهما بلغت من الضعف.

ثم علينا، وفق المدلول السريع لكلمة مفاجأة، أن نتخيل موفدين أمريكيين حجزا بطاقة طائرة إلى دمشق بعد الحصول على موعد من علي مملوك، ومن أجل أن يطرح كل جانب ما يشاء. هكذا، كأن ترتيب الزيارة “عبر وسطاء” لا يمر بتحديد موضوع التفاوض بينهما، أو يتعدى موضوع التفاوض إلى أجواء من “الإيجابية” ترجح حصول الاتفاق. بهذا المعنى، وهو من بديهيات السياسة، لا تأتي المفاجآت إلا لتقدّم تنازلاً غير متوقع، أو لتظهر تصلباً يخالف الأجواء التمهيدية ويقرر سلفاً فشل جلسة المباحثات.

المفاجأة الأسدية تعني نسف المفاوضات من أساسها، وربما يتعين علينا تفنيد المزاعم عن استعداد ترامب للانسحاب من سوريا في مقايضة يسترد فيها المحتجزين الأمريكيين ويصوّره نصراً في حملته الانتخابية. فقرار مثل الانسحاب، كفدية لتخليص الرهائن، لا يمكن قبوله كنصر، وأقل ما سيُقال فيه من خصوم ترامب أنه يخضع لمنطق الإرهاب، ويشجع أية مجموعة أو سلطة على خطف أمريكيين كورقة ابتزاز سياسية. ثم إن الوجود العسكري الأمريكي في سوريا لا حضور له في الجدل الانتخابي، والديموقراطيون ليسوا من أنصار الانسحاب، وسيصوّرونه تنازلاً وإهانة لمكانة أمريكا، وأيضاً تخلياً عن الحلفاء الأكراد يضرّ بسمعتها أمام حلفاء آخرين أو حلفاء محتملين.

أن يكون ترامب ميالاً “شخصياً” إلى الانسحاب من سوريا، هذا شأن آخر، ورأينا من قبل كيف كبح مسؤولو الإدارة “ومن خلفهم ربما قادة الحزب الجمهوري” توقَ الرئيس إلى الانسحاب. هذه القضية كما نعلم متصلة بالعلاقة والصراع مع موسكو، وبالتموضع الأمريكي في عموم المنطقة، وبامتلاك القرار المتعلق بمستقبل التسوية في سوريا. في تعليقه بعد انكشاف زيارة روجر كارستينز وكاش باتل، قال وزير الخارجية مايك بومبيو أن بلاده لا تغير سياساتها ولا تدفع مقابل استعادة الرهائن. يستطرد بومبيو بأنهم يعملون على إفهام الجهات الخاطفة أن الإفراج عنهم هو مصلحة لها، أي أن هناك ثمناً في المحصلة، لكن ليس من حساب السياسات الأمريكية الكبرى.

يغري وجود وصايتين على الأسد بردّ الإقدام على مفاوضة واشنطن إلى جهة منهما، ثم اعتبار الجهة الأخرى مسؤولة عن إفشال المفاوضات التي لم تكن تعلم بها من قبل. إلا أن هذا الاحتمال “ما لم يتم التحقق منه” يبقى ضعيفاً بالمقارنة مع سلوك سلطة الأسد في مناسبات سابقة، فهي لا تدخل للمرة الأولى في عملية تفاوض، ثم ترفع سقف مطالبها إلى الحد الذي لن يقبل به الطرف الآخر. في الحالة الأخيرة، من المؤكد أن سلطة الأسد تريد قنوات تواصل مع واشنطن، وهي أيضاً لا تريد نجاحاً تفاوضياً يمس ثوابتها.

العرض الأمريكي لم يتسرب إلى الإعلام، إذا كانت قد وضعت على الطاولة “فدية” محددة كما يحدث عادة في هذه المقايضات. هو تسرب بعموميته، وبما لم ينفه أي من الطرفين؛ إطلاق سلاح مختطفين أمريكيين مقابل تنازلات أو تساهل أمريكي في العقوبات المفروضة على سلطة الأسد. من وجهة النظر الأمريكية، هناك مكافأة تقدّمها الإدارة؛ ملموسة بالتساهل في موضوع العقوبات، وأسهل ما في ذلك “على سبيل المثال” السماح للإدارة الذاتية بتوريد النفط، أو أية استثناءات مشابهة يمكن الإعلان عنها لأسباب إنسانية. الوجه الآخر للمكافأة هو إظهار الأسد مستعداً للتفاوض والمرونة، ما قد ينعكس بالتعويل على “مرونة” يبديها في المفاوضات السورية-السورية، وما قد يشجع دولاً أخرى على فتح قنوات جانبية معه.

بينما كان ينكشف خبر زيارة المسؤولين الأمريكيين السرية إلى دمشق، أتت الصور من شوارع دمشق لترينا طوابير غير مسبوقة أمام أفران الخبز “المدعوم”، وأمام محطات التزود بالوقود، قبل رفع أسعار المحروقات، ثم ورود الأخبار عن التزاحم لشراء الخبز “السياحي” غير المدعوم في دلالة على شح الدقيق. لو لم ينسف علي مملوك المفاوضات مع الزائرين الأمريكيين لربما كان هناك وضع مختلف، لا يخلو من الأزمات بالطبع، لكن ربما لم نكن لنتحدث عن أزمة جوع جراء فقدان الخبز، ولا عن نقص حاد في المحروقات سيتفاقم أثره مع حلول الشتاء، وسيؤدي رفع أسعارها إلى ارتفاع كافة الأسعار والخدمات الأخرى.

إعلام الأسد، الذي ينقل رفض مملوك مناقشة أي موضوع قبل مناقشة الانسحاب الأمريكي، هو نفسه الذي واظب من أشهر على اعتبار العقوبات الأمريكية هي السبب في معاناة السوريين، وفي الأيام الأخيرة كان أكثر إلحاحاً على هذه النغمة. وإنه لمن المستغرب “منطقياً” أن تفوت سلطة الأسد فرصة التخفيف من العقوبات لقاء الإفراج عن مختطفين أمريكيين، أو ربما عن جثثهم إذا كانوا قد لقوا حتفهم. منطقياً، الجزَرة الأمريكية مهما كان حجمها مفيدة أكثر من الاحتفاظ برهائن لن تسمح أية إدارة أمريكية باستخدامهم لابتزازها في سياساتها الكبرى، إذا تغاضينا نهائياً عن الجانب الإنساني في موضوع المحتجزين بتشجيع مما نعرفه عن ملف المعتقلين السوريين.

رفضُ بشار عرض ترامب هو رفض ما هو متاح، وما يُفترض أن يكون بحاجة إليه فيما لو رأيناه رئيساً يكترث بمصائر الواقعين تحت سلطته، وتحديداً أولئك الموزعين بين طوابير ذات أطوال قياسية للحصول على الخبز أو الوقود. إن أي مختطِفٍ قد يرفض الفدية المعروضة طالباً فدية أكبر، وعندما يطلب ما هو في حكم المستحيل فذلك لن يكون خبراً ساراً للرهائن، والرهائن في حالتنا ليسوا فقط أمريكيين لا يُعرف مصيرهم، هم أيضاً سوريون كان يمكن أن يكونوا أقل تضرراً في حال نجحت الصفقة، أي في حال كان بشار مكترثاً بأحوالهم.

لا يخرج إعلام الأسد عن صفاقته المعتادة في تسويق ما حدث كموقف “مبدئي مشرّف”، وكأنه يُنقص من شرف سلطته الإفراج عن مختطفين! أما الأهم فهي الرسالة التي يبدو أنه تقرر تسليمها للأمريكيين والمضي بها داخلياً إلى النهاية، الرسالة هي الامتناع الكلي عن تقديم أية تنازلات مهما كانت بسيطة تحت عصا العقوبات وجزرتها. الرسالة الأخرى هي أنه يتعين على الأمريكيين تقديم فدية من نوع آخر تماماً، فهم يستطيعون البقاء في شرق سوريا بقدر ما يشاؤون، ويستطيعون الإبقاء على العقوبات أيضاً. الفدية المطلوبة هي تطمينات تخص مستقبل الأسد، المستقبل الذي لا يبدو محسوماً في واشنطن حتى الآن.

المدن

———————————-

الأسد الذي لن يختنق/ رستم محمود

ثمة جهتان، وعلى الرغم من تناقضهما، إلا أنهما تعتقدان سوية بأن مزيدا من الضغوط الاقتصادية والسياسية والدبلوماسية على النظام السوري، عبر نماذج مثل “قانون قيصر” والعقوبات الأوروبية التفصيلية، إنما ستؤدي إلى تدهور أحوال النظام وحراجة موقفه أمام قواعده الشعبية من طرف، وعدم قدرته على ممارسة أدواره البيروقراطية والسلطوية من طرف آخر، وبالتالي فإن ذلك سيدفع النظام لتقديم تنازلات سياسية واضحة، بالذات في شكل نظامه السياسي، في سبيل تخفيف تلك الضغوط عن نفسه.

لا تملك آلية التفكير والتعامل السياسي هذه أية مؤشرات جادة على صوابيتها، بل على العكس تماما، ثمة أمثلة ودلائل لا تُحصى على تهافتها السياسي؛ لكنها مع ذلك، أي هذه الطريقة في التفكير والتعامل، تبدو راهنا وكأنها آلية التعامل السياسي الوحيدة لمناوشة النظام السوري، داخليا ودوليا.

تقف القوى السياسية والدولتية الغربية كجهة أولى تركن وتقود إلى مثل هذا التعامل مع النظام الأسدي، بالذات منظومة الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأميركية. فهذه الجهات تعتقد في باطن وعيها بأن النظام السوري في بينيته يماثل أية دولة عصرية طبيعية. فهو حسب هذا الوعي يحمل مجموعة من الالتزامات الاقتصادية والخدمية والسياسية تجاه مجتمعه الداخلي، وأن تدهور قدرته على ممارسة ذلك، كنتيجة للعقوبات، إنما ستؤدي تاليا لتفكك منظوماته الداخلية، وبالتالي أما سينهار داخليا، أو سيضطر لتقديم التنازلات السياسية للجهات التي تعاقبه!

اتخذت هذه الدول الغربية ذلك نموذجا أوليا، ودائما، للتعامل مع المسألة السورية. فمنذ انطلاق الثورة السورية، كانت هذه الدول تعتبر أن معاقبة النظام السوري سياسيا واقتصاديا، إنما ترفع حرج المسؤولية الأخلاقية والسياسية عن هذه القوى الغربية تجاه الشعب السوري، الذي كان وما يزال يتعرض لواحدة من أبشع حالات المحق المنظمة على يد هذا النظام.

في طريقها للتنفيذ والاستمرار على ذلك، فإن الدول الغربية تتخطى بداهتان واضحتان، تقول الأولى بأن هذه الآلية في التعامل مع الأنظمة الشمولية، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى الآن، ما نجحت، ولو لمرة، على تحقيق مرادها، وأسقطت نظاما ما، أو حتى اجترحت تبدلا واضحا في سلوكه وطريقة تعامله مع شعبه.

كذلك فإنها تتجاوز بداهة الطبيعة الأولية لهوية نظام السوري، غير القائمة بتاتا على أية أسس لما تملكه الدولة الحديثة من نُظم داخلية للمؤسسات ومجموعة من الالتزامات تجاه مجتمعاتها الداخلية. فالنظام السوري ينحدر من ذلك المستوى ليكون مجرد غول سلطوي فحسب، يملك ترسانة ضخمة من أجهزة العنف المطلقة القاهرة لأية حياة عامة. بداهتا فشل التجارب التاريخية في ذلك وطبيعة النظام السوري تؤديان منطقيا للقول باستحالة تأثره بمثل هذه العقوبات كطرائق للتعامل.

على الدفة المقابلة للدول الغربية، فإنه ثمة مجموعة من القوى السياسية والمجتمعية والاقتصادية والثقافية السورية الداخلية، التي تملك خطابا ورؤية قائمة على مزيج من القراءات الإصلاحية والأخلاقية تجاه النظام السوري. هذه القوى الداخلية التي لا تتوقف عن تقديم أشكال الرجاء والتمنيات من النظام السوري، مفترضة أن هذا النظام سيستجيب لبعض التنازلات من نفسه، في سبيل تخفيف أوجاعه مجتمعه الداخلي، بالذات عن مواليه الأساسيين.

تقف القوى السياسية الرديفة للنظام السوري، ومعها كتلة من “المثقفين” والنُخب الاقتصادية والبيروقراطية العُليا من المجتمع السوري على رأس تلك القوى السوري الداخلية التي تتبنى ذلك. فهذه الطبقات ترى بأن اعترافها وتسليمها بشرعية النظام السوري ومطلق سلطته، إنما تفرض على النظام شكلا من الالتزام السياسي والأخلاقي تجاه هذه الطبقات الداخلية، من حيث منع تدهور الأحوال بطريقة تؤدي لخسارة هذه الطبقات لمكاسبها ومراكزها وميزاتها، وذلك عبر تقديم بعض التنازلات السياسية الداخلية والخارجية، للتخفيف من ضغوط ما عليها من عقوبات.

غير أن رؤية وخطاب هذه القوى الداخلية لا تملك أيضا أية واجهة معرفية، فإنها تفترض عتبة عُليا من حس الالتزام الأخلاقي والسياسي للنظام السوري تجاه شركائه وحلفائه الداخليين، وهي عتبة ما طالها هذه النظام مرة طوال تاريخه. النظام الذي كان قائما على التصفية الدموية لأقرب أعضائه الداخليين لو تطلبت الحاجة لذلك، وفي أية لحظة كانت.

على التضاد من ذلك تماما، فإن النظام السوري، وكردة فعل بديهية ودائمة على طريقة التعامل هذه معه، يملك آليتين بسيطتين للرد عليها، ليس التنازل السياسي واحدة منها على الإطلاق، بل على العكس تماما، ربما يندفع ليكون أكثر تكورا على ذاته في مثل هذه الحالات، مثله مثل أي نظام سياسي شمولي حديث.

فالنظام أولا يصير يطلب من مجتمعه الداخلي تحمل كل آثار ما يفرض عليه من عقوبات، عبر فرض كتلة من شروط الحياة الجديدة على هذه المجتمع، أيا كانت درجة إطاحتها بما كان هذا المجتمع قد حققه من مراكمة وتنمية لشكل الحياة ونموذج العيش. فالنظام السياسي يتخلى وقتئذ عن أي من مسؤولياته المفترضة، عبر منح القوى الداخلية الحق في منازلة داخلية مفتوحة ودون أية شروط، يقوم فيها الأقوياء المجتمعيون بمحق الأقل قوة، بطريقة تتحول الحياة داخل بلده إلى مجرد غابة، يقف فيها النظام السياسي خارج اللعبة تماما، خلا إمساكه بالقبضة الأمنية والسطوة العسكرية، كنظام سلطاني تقليدي.

على الدفة الأخرى، فإن النظام السياسي يمارس ابتزازا تجاه طرفي التعامل معه. من جهة يطلب من قواعده الاجتماعية الداخلية تبني خطاب مسؤولية الغرب تجاه عذابات وتدهور شروط العيش داخل بلده، وبالتالي غسل نفسه من أية مسؤولية عن مثل هذه العذابات. كذلك ابتزاز المنظومات والقوى الدولية، عبر اتخاذ مجتمعاته الداخلية كرهينة في يده، وتاليا احتكار آلية تقديم أية مساعدات أو طرائق للتعامل يمكن أن تقوم بها تلك المنظومات أو الدول الغربية مع الشعب السوري.

تقدم جائحة كورونا نموذجا مثاليا عن ذلك، فنظام الأسد كان يبتز القوى والمنظمات الدولية، يمنعها من تقديم أية مساعدات أو خدمات للمجتمع الداخلي السوري، ما لم تسعِ لتقديم تنازلات سياسية للنظام السوري.

الحرة

————————————

بديل للأسد يلوح في الأفق..ينتظر الاعتراف الروسي والاميركي

ترى مجلة فورين بوليسي أن الولايات المتحدة تتعامل مع قوات سوريا الديمقراطية على أنها أداة لمحاربة “داعش”، فيما نجحت هذه القوات مع الإدارة الذاتية في الصمود لثماني سنوات في وجه بشار الأسد الذي يريد السيطرة على شمال شرقي سوريا.

وتقول المجلة في تقرير مطول بعنوان: “واشنطن تستطيع مواجهة بوتين والأسد بتواجد بسيط في سوريا”، إن واشنطن أثبتت أنها قادرة على لعب دور عسكري كبير بوجود 600 جندي أميركي فقط في سوريا، لكن ما ينقص فعليا هو الدعم الدبلوماسي.

وتقول كاتبة المقال إيمي أوستن هيلز إنه “لأكثر من ثماني سنوات، واصل قادة شمال شرق سوريا مشروعهم للحكم الذاتي في تحدٍ لنظام الأسد في دمشق. صمدت المنطقة التي يقودها الأكراد في وجه تنظيم داعش، التدخلات التركية المتعددة، الانسحاب الجزئي للولايات المتحدة ونشر القوات الروسية”.

وبحسب التقرير، يبدو أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يعتقد أن انسحاب الولايات المتحدة في الخريف الماضي سيجعل من الممكن أخيراً تحقيق هدفه الأول في سوريا: السماح لبشار الأسد باستعادة السيطرة على جميع الأراضي السورية. ظنّ بوتين أن المنطقة شبه المستقلة سوف تسقط بسهولة تحت سيطرة الحكومة المركزية، بالطريقة التي انهارت بها حلب أو حمص بمجرد دخول قوات النظام. لكن هذا لم يحدث.

وتضيف الكاتبة “بدلاً من الانهيار، تواصل الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا حكم ربع سوريا، بل حتى تدفع رواتب تبلغ ضعف تلك الموجودة في مناطق سيطرة النظام. لقد زرت شمال شرق سوريا لأسابيع في أيلول/سبتمبر وشهدت بنفسي كيف أن جميع مؤسسات الحكم التي أنشأتها الإدارة المستقلة تواصل العمل في تحدٍ للأسد”.

ربما يكون الأمر مخيباً للآمال بالنسبة لبوتين، أن قسد المدعومة من الولايات المتحدة حافظت على هيكل قيادتها الموحد. وبدلاً من أن تعاني الانشقاقات في مواجهة الهجوم التركي وانتشار القوات الروسية وقوات النظام، صمدت في موقفها. لدى قوات سوريا الديمقراطية الآن ما يقدر بنحو 100 ألف مقاتل وتشمل قوات الأمن الداخلي. إنها ثاني أكبر قوة مسلحة في كل سوريا، وتأتي في المرتبة الثانية بعد جيش الأسد.

يريد كل من بوتين والأسد أن تستسلم قسد لقوات النظام السوري. هذا هو المفتاح لإعادة تأكيد سيطرة النظام على منطقة الحكم شبه الذاتي. لكن القائد العام لقوات سوريا الديمقراطية اللواء مظلوم عبدي ليس لديه أي خطط للقيام بذلك.

يقول مظلوم ل”فورين بوليسي” في مقابلة مطولة: “نريد أن نكون جزءاً من الجيش السوري المستقبلي، لكن ليس الجيش الحالي”. وأكدت قسد والإدارة الذاتية مراراً التزامهما بوحدة أراضي سوريا. يريدون تنفيذ مشروعهم في أجزاء أخرى من سوريا وليس بمعزل عن سوريا. ومع ذلك، لا يزال مسؤولو النظام يشيرون إلى الأكراد السوريين على أنهم مهاجرون وليس كمواطنين سوريين ويتهمونهم بأطماع انفصالية. يبدو أن المسؤولين الروس إما يؤمنون بصدق بالدعاية المعادية للأكراد أو يجدون أنها عصا مفيدة لاستخدامها ضدهم.

من الجزرات التي استخدمها المسؤولون في موسكو غالباً، عرضهم للتوسط في محادثات بين دمشق والإدارة الذاتية. لكن الأسد رفض حتى الآن تقديم تنازل واحد. تسأل هيلز مظلوم لماذا؟ هل ذلك لأن الروس غير قادرين أو ببساطة غير راغبين في الضغط على الأسد لتقديم تنازلات؟ ويجيب: “هذا لأنهم لا يريدون ذلك ، فهم يدعمون النظام. لقد استقبلنا الروس ليس لأننا أردنا ذلك، ولكن بسبب انسحاب الولايات المتحدة”.

تفاوضت قسد على الشروط التي يمكن للروس بموجبها العمل في منطقتهم. كان أحد الشروط المسبقة للروس لدخول هذه المنطقة أن ينسقوا معها، وليس مع النظام. “لذلك نحن دائما نواجه الروس إذا لم يلتزموا بالاتفاق”، بحسب عبدي. في الوقت الحالي، يؤكد أن قوات سوريا الديمقراطية لا تزال لها اليد العليا: “الروس ضيوف على قسد، ونحن نرافقهم في دورياتهم”. لكن الجيش الروسي غالباً ما يختبر حدود الصبر.

ولأن الشمال الشرقي رفض الخضوع لسيطرة الحكومة المركزية، فقد تحولت روسيا الآن نحو أشكال جديدة من التحايل. تشمل هذه الأشكال المطالبة بقواعد روسية إضافية في الشمال الشرقي، ومحاولة تقسيم قسد من خلال إثارة التوترات الطائفية بين الأكراد والعرب، ومزيد من التعدي على القوات الأميركية في محاولة لإجبارها على الانسحاب الكامل. لا يزال هناك ما يقدر بنحو 600 جندي أميركي في سوريا. حتى الآن، ثبت أن هذه الأساليب غير مجدية – لكنها تسببت في مشاكل.

تم وضع الأساس للأوضاع التي وصلنا إليها قبل عام. بعد مكالمة هاتفية مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في 6 تشرين الأول/أكتوبر 2019، ولكن من دون استشارة مستشاريه للأمن القومي، أمر الرئيس الأميركي دونالد ترامب القوات الأميركية بالانسحاب من شمال شرق سوريا. بعد ثلاثة أيام، اندفعت القوات التركية ووكلاؤها عبر الحدود، واحتلت مساحة كبيرة من الأراضي الواقعة بين تل أبيض ورأس العين.

وسّع الجيش الروسي وجوده إلى أكثر من 15 قاعدة عسكرية، ووعد بالعمل كضامن ضد المزيد من التوغلات التركية. وطالب الجيش الروسي في أيلول/سبتمبر بقواعد إضافية في المنطقة. عندما رفضت قوات سوريا الديمقراطية، هدد الجيش الروسي بالانسحاب. يثير تهديد روسيا بالانسحاب تساؤلات بشأن التزام الجيش الروسي بحماية المنطقة من المزيد من التوغلات التركية، وربما كان الهدف منه إجبار قسد على تقديم تنازلات.

وترى الكاتبة أن “أي التزام أميركي أقوى في شمال شرق سوريا لا يستلزم نشراً كبيراً أو مفتوحاً للقوات. أظهر العام الماضي أنه حتى مع انخفاض البصمة العسكرية، فإن الولايات المتحدة قادرة على تنفيذ مهام مناهضة لداعش عبر مساحات شاسعة من شمال سوريا. ومع ذلك، فإن الاستقرار والاحتياجات الإنسانية هائلة والوجود الدبلوماسي الأميركي ضئيل للغاية”.

الوجود الدبلوماسي المتزايد سيقطع شوطاً طويلاً نحو استعادة الثقة منذ الانسحاب الجزئي الفاشل لترامب قبل عام. من الضروري أيضاً تواجد دبلوماسي أكبر لضمان تنفيذ سياسات أميركية واسعة النطاق على الأرض، بحسب هيلز.

وتختم تقريرها قائلة: “حان الوقت لأن تتوقف واشنطن عن معاملة قسد باعتبارها مجرد أداة لهزيمة داعش. سيطرت قوات سوريا الديمقراطية والإدارة الذاتية أيضاً على الأراضي بعد تحريرها من الخلافة، وجعلت شمال شرق المنطقة الأكثر استقراراً في سوريا، ورفضت، لأكثر من ثماني سنوات، الاستسلام للأسد. يلوح في الأفق بالفعل بديل لنظام الأسد. تحتاج حكومة الولايات المتحدة فقط إلى الاعتراف بذلك”.

المدن

—————————————-

عندما كانت واشنطن مقتنعة أن موسكو ستطيح بالأسد

كانت الثورة لا تزال في بدايتها عندما تلقّت وزيرة الخارجية الأميركية آنذاك هيلاري كلينتون بريداً إلكترونياً حول الموضوع السوري، ينقل عن مصدر سوري كان مقرباً من بشار الأسد، أن الأسد سيسقط إذا أقنعت واشنطن موسكو وبكين بالتخلي عنه.

في 28 شباط/فبراير 2012 تلقت كلينتون البريد المذكور الذي يصف الشخص الذي يتحدث عن الأسد، بأنه على صلة لصيقة بأعلى مستويات القيادة السياسية والدبلوماسية في النظام السوري.

يقول المصدر حسب رسائل بريد كلينتون التي كشف النقاب عنها، إنه “ما لم تكن هناك بعض الانشقاقات الملحوظة التي تسقط بيت الورق بأكمله بسرعة في سوريا، فإن النظام لديه الجهاز القمعي للبقاء هناك لعدة أشهر إن لم يكن سنوات (هذا ما حصل). أكثر من ذلك، يبدو أن لديه الرغبة والاعتقاد بأن ذلك ممكن”.

ويرى المصدر أن “النظام قد ينهار أيضاً، إذا تم إقناع روسيا والصين بالانضمام إلى بقية المجتمع الدولي وزيادة الضغط والإدانة، فإن نظام الأسد سيكون في خطر كبير. تشير مصادر حساسة للغاية في الأمم المتحدة إلى أنه إذا انضمت روسيا، فستفعل دول البريكس الأخرى (البرازيل والهند والصين وجنوب إفريقيا). ومع ذلك، تعتقد هذه المصادر الحساسة أن الروس سينتظرون لأطول فترة ممكنة، ربما معرفة ما إذا كان الاستفتاء الدستوري الجديد والإصلاحات الأخرى ستنتج أي علامة على إضعاف المعارضة. إذا لم يفعلوا ذلك، فقد تضغط موسكو بقوة أكبر لكي يرحل الأسد ويضع نفسه كلاعب أساسي في الإشراف على أي نوع من الانتقال السياسي. يمكن للأسد وأفراد عائلته بعد ذلك الذهاب إلى المنفى في روسيا أو إيران أو ربما حتى الهند أو فنزويلا”.

ويتحدث المصدر السري عن أمور أعتقد أنها مهمة لفهم بشار الأسد والانتفاضة في سوريا قائلاً: “بينما يعتقد بقية العالم أن الأسد كان واهماً، أو على الأقل يحاول صرف الانتباه عن الأسباب الحقيقية للانتفاضة، منذ خطابه في 30 آذار/مارس 2011 عندما ألقى باللوم على مؤامرات أجنبية بالتسبب بالاضطرابات في سوريا، يعتقد هو ودائرته الداخلية حقاً -أكثر مما يتصور معظم الناس- أنه كانت هناك بالفعل مؤامرات أجنبية منذ البداية”.

ويقول: “هذه، ببساطة، الطريقة المختلفة تماماً التي تدرك بها القيادة السورية طبيعة التهديد بناءً على تاريخها الخاص، وهو تاريخ تعرضت فيه سوريا لمؤامرات أعداء خارجيين، وهذا يكفي لإضفاء مصداقية على مثل هذه التحذيرات بالنسبة للعديد من السوريين”.

ويضيف “القيادة السورية لديها نموذج من المفاهيم مختلف يؤطر طبيعة التهديد الداخلي والخارجي لبلادها. من وجهة نظر الغرب، يبدو أنه مصاب بجنون العظمة. من وجهة نظر دمشق، فهو حكيم وقائم على ظروف تاريخية. وقد ساعد العنف الذي أطلق العنان في خلق الظروف لتدخل القوى الخارجية في الواقع بشكل أكبر على المستوى الدبلوماسي إن لم يكن من حيث التمويل المباشر وتسليم الأسلحة، لذلك فقد أصبحت إلى حد ما نبوءة تحقق ذاتها”.

ويتابع: “حملة الحكومة السورية هي بمثابة زر ضغط ورد فعل متشنج على التهديد الداخلي. يسير العمل بالشكل المعتاد. ليس الأمر وكأن الأسد لا يسيطر على قوات الأمن. كانت هذه هي الطريقة التي تعمل بها سوريا تحت حكم الأسد. وحتى الآن، لم يكن بشار على استعداد لتقليص الحجم الهائل من الفسحة التي منحها لقوات الأمن للتعامل مع التهديدات، المحلية والأجنبية على حد سواء، حيث يُنظر إلى الأخيرة على أنها تسبب الأولى”.

ويقول: “كان هذا تنازلاً خطيراً عن السلطة لصالح قمع قوات الأمن التي لا تعرف سوى طريقة واحدة للتعامل مع التهديدات. أخبرته شخصياً بعد استجوابي بطريقة تهديدية من قبل قوات الأمن في مطار دمشق لمدة ثلاث ساعات في العام 2007 أنه بحاجة إلى مزيد من السيطرة على قوات الأمن، وإذا لم يفعل ذلك، فقد يعود الأمر لمطاردته. حسنًا، هذا بالضبط ما حدث”.

ويضيف “لقد ذهب بشار ببساطة إلى العمل كالمعتاد بدلاً من فهم الظروف الجديدة التي أوجدها الربيع العربي. بالإضافة إلى ذلك، فإن نظامي حافظ وبشار الأسد ببساطة لا يقدمان تنازلات من موقع ضعف متصور. لن يقدموا تنازلات إلا من موقع القوة المتصور، لذا فإن اتخاذ إجراءات صارمة ضد المتظاهرين مع تقديم إصلاحات سياسية هما وجهان لعملة واحدة. هذا سلوك نموذجي للغاية”.

ويروي المصدر أنه “على مدى خمس سنوات (2004-2009) من الاجتماعات المنتظمة مع بشار الأسد (وغيره من المسؤولين السوريين البارزين)، شاهدته شخصياً يصبح أكثر ارتياحاً للسلطة، إلى حد أنه أصبح أسير غطرسة القوة. أعتقد أنه كان بالفعل مصلحاً ملتزماً في البداية، لكنه سرعان ما أدرك ما يمكنه وما لا يمكنه فعله كرئيس. على مر السنين، بدأ في تصديق المتملقين من حوله والدعاية المحيطة به بأن رفاهية البلاد كانت مرادفة لرفاهيته. إنه يعتقد حقاً أن كل ما حدث، حتى العنف، هو في النهاية من أجل رفاهية البلاد على المدى الطويل”.

ويضيف “إنه يعتقد بصدق أن الإصلاحات التي أعلن عنها، مثل الاستفتاء الدستوري، ستحدث فرقاً كبيراً وتقلل من حدة الحرب. ربما يعتقد أنه لم يتلقَّ ما يكفي من الفضل في الصحافة العالمية المنحازة، للإصلاحات التي أعلن عنها وحاول تنفيذها، وهو ما يتسق مع ما شعر به في الماضي من حيث عدم تلقي الامتنان الكافي للإنجازات التي يشعر أنه قام بها. لذلك، يعتقد هو ومؤيدوه أنهم بمفردهم ويجب أن يفعلوا الأشياء بطريقتهم الخاصة”.

ويتابع: “يعتقد أعضاء فريق القيادة في سوريا حقاً أنهم سيقومون بالأمور على طريقهم. إنهم ينظرون إلى الأشياء على المدى الطويل وليس على المدى القصير. تعتقد القيادة أنها إذا تمكنت من الصمود لسنوات أخرى، فسوف يصمدون أكثر من المتظاهرين، وسيجذبون أكثر اهتمام العالم، وفي نهاية المطاف في غضون عشر سنوات أو نحو ذلك سيعيدون البلاد إلى للمجتمع الدولي”.

ويضيف “لقد نجوا في أذهانهم من الهجمة والعزلة من قبل، بعد اغتيال رفيق الحريري عام 2005، وبرزوا في وضع أفضل. على الرغم من أن الوضع الحالي يختلف اختلافاً جوهرياً من حيث طابعه الداخلي، إلا أنهم يعتقدون أنه يمكنهم البقاء على قيد الحياة مرة أخرى والظهور في نهاية المطاف في وضع أفضل”.

ويتحدث المصدر عن فهم الأسد للتهديدات الخارجية قائلاً إنه “في الفترة التي قضاها في السلطة منذ عام 2000 ، كانت ردود بشار الأسد مدروسة للغاية على الاستفزازات. إنه يفهم بالتأكيد القوة غير المتكافئة، أي أنه يدرك أن بلاده ضعيفة نسبياً عند مقارنتها بالعديد من جيرانه والجهات الخارجية المهتمة”.

ويتابع: “على سبيل المثال، كانت ردود نظامه متواضعة إلى حد ما بعد الغارة الأميركية التي نفذتها من العراق على سوريا لقتل متمرد مشتبه به، والقصف الإسرائيلي لمفاعل نووي مشتبه به، والاغتيال الإسرائيلي (المحتمل) لعماد مغنية في وسط دمشق، من بين أمور أخرى”.

ويقول: “حذر أحد مستشاري الأسد المهم بشكل خاص من أن الوضع الداخلي للنظام السوري قد يتدهور إلى درجة أن الانضمام إلى القتال ضد إسرائيل قد يكون بمثابة محاولة أخيرة لتحويل الانتباه وحشد الجماهير حول النظام. واجه النظام السوري ضغوطًا دولية مكثفة من قبل. يشعر أنه يستطيع فعل ذلك مرة أخرى على المدى الطويل، حتى لو أصبح كوريا الشمالية في الشرق الأوسط”.

المدن

—————————–

بشار الواضح..والعالم المخدوع/ عقيل حسين

أظهرت الرسائل المسربة من البريد الإلكتروني لوزيرة الخارجية الأميركية السابقة هيلاري كلينتون نصيباً وافراً من الاهتمام بالشأن السوري بعد العام 2011، بما في ذلك السعي لمعرفة آلية تفكير النظام وهو يواجه الانتفاضة الشعبية ضده، ومحاولة فهم رئيس النظام بشار الأسد ودوره في هذه المواجهة، والذهنية التي يدير بها “الأزمة”.

في إحدى الرسائل التي وصلت إلى بريد كلينتون في شباط/فبرير 2012، ينقل الموظفون في مكتبها عن مصدر “حساس” تربطه علاقات مع مسؤولين في النظام السوري، أنه كوّن معطيات كافية عن عقلية بشار الأسد. ويختصر هذه العقلية بأنها “خبيثة وقادرة على التحايل”، أما سياسياً فهو شديد التمسك بالسلطة ومستعد للقتال من أجل الحكم حتى النهاية، رغم أنه يحاول باستمرار أن يظهر عكس ذلك.

وإذا كان هذا “المصدر” ينبّه في بداية رسالته إلى ضرورة عدم اعتبار الأسد “منفصلاً عن الواقع” كما يحاول هو شخصياً الايحاء بذلك بغرض إبقاء الآمال معلقة عليه، فإن الرسالة تسهب في شرح خطة الأسد نفسه لاحتواء صدمة الثورة الشعبية ضد نظامه والقضاء عليها.

والواقع أن محاولة فهم شخصية بشار الأسد كانت مهمة معقدة للجميع، على اعتبار أن غالبية رجالات النظام ومؤسسات الدول الإقليمية والغربية لم تكن تتوقع أن يتمكن من وراثة منصب والده الراحل عام 2000، إذ وعلى الرغم من التمهيد المبكر الذي بدأ يعمل عليه الأسد الأب بعد وفاة نجله الأكبر باسل عام 1993، إلا أن الكثيرين اعتقدوا أن الأمر سيؤول في نهاية المطاف إلى أحد رجالات النظام الذين لن يقبلوا بأن يقودهم شاب يُنظر إليه على أنه ضعيف الشخصية ولا يمتلك المؤهلات الكاملة ولا المواصفات المطلوبة لكي يخضعوا له.

لكن نجاح الأسد دفع الجميع للعمل بسرعة من أجل التعرف على شخصية رئيس سوريا الجديد، فحضرت وزيرة خارجية الولايات المتحدة وقتها مادلين أولبرايت جنازة الأسد الوالد، والتقت خليفته وخرجت بانطباعات “جيدة” عنه باعتباره “رجلاً إصلاحياً يمتلك ثقافة غربية وانفتاحاً جيداً”، لتكون أول ضحايا الأسد الابن الذين تمكن من خداعهم لاحقاً.

ثاني أشهر ضحايا بشار الأسد هو الرئيس الفرنسي الراحل جاك شيراك، الذي أبدى مبالغة شديدة بالعلاقة مع رئيس سوريا الجديد، وبذل جهوداً كبيرة في تسويقه ودعمه دولياً، وانعكس ذلك اهتماماً كبيراً بالأسد وزوجته في الصحافة الغربية حتى اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري، حيث دخل بشار الأسد ونظامه بعدها في ثاني أزماته الخطيرة، بعد أن تجاوز الأولى التي تمثلت بتهديدات جورج بوش الابن بغزو سوريا عقب احتلال العراق عام 2003.

المفارقة أن ثالث ضحايا بشار الأسد على هذا الصعيد كان رئيساً فرنسياً أيضاً هو نيكولا ساركوزي الذي خلف شيراك بمحاولة إعادة العلاقات مع النظام السوري بعد الحصول على وعود من الأسد بالتعاون من أجل السلام مع إسرائيل وتعزيز الاستقرار في العراق ولبنان والابتعاد عن إيران، بالإضافة طبعاً إلى ملف الإصلاحات الداخلية، وهو ما لم يتحقق بطبيعة الحال.

هذا على صعيد الضحايا الخارجيين، أما داخلياً فقد كان قادة النظام من رجالات حافظ الأسد أول ضحايا بشار، فبعد أن اعتقدوا أنه يمكن التحكم بالرئيس الجديد، على الأقل طالما أنهم لم يتمكنوا من إقصائه، فوجئوا بأن هذا الشاب الدمث في معاملته مع كل من كان يخاطبهم بلقب “عمو” من نواب والده وقادة جيشه وأجهزته الأمنية، نجح في تهميش “الحرس القديم” وتمكن من ابعادهم واحداً تلو الآخر.

وهنا يتذكر الجميع كيف نجح بشار الأسد في توريط نائبه عبد الحليم خدام ووضعه بمواجهة مع المعارضين الذين توسموا خيراً مع بدايات حكمه، فأعادوا افتتاح المنتديات وأطلقوا ما عُرف بربيع دمشق. وبينما كان الأسد يوجه فعلياً بتقويض هذا الحراك، كان رجالات الحرس القديم يتصدون لهذه المهمة نيابة عنه، فوقف عبد الحليم خدام ليعلن على سبيل المثال عام 2004 أنه لا يمكن إلغاء المادة الثامنة من الدستور التي تقضي بأن “حزب البعث هو الحزب القائد للدولة والمجتمع”، كما ينقل الكثير من قادة المعارضة عنه سخريته منهم وتهديداته لهم أيضاً، الأمر الذي أسعد بشار الأسد بلا شك، وأزاح عن كاهله مهمة المواجهة مع دعاة الديمقراطية شخصياً.

عام 2011 ومع انطلاقة الثورة السورية، توقع الكثيرون أن يتدخل الأسد بشكل إيجابي من أجل منع تفاقم الأزمة، بل إن الكثيرين من المؤيدين للنظام، وفي مقدمتهم العلويون، كانوا يأملون بأن يحافظ الأسد على السلطة لكن مع الحفاظ على استقرار البلاد من خلال معالجة حكيمة للأسباب المباشرة وغير المباشرة التي أدت للانتفاضة الشعبية، ورغم أن الرسالة التي تم تسريبها من بريد هيلاري كلينتون تشير إلى الخطاب الأول لرئيس النظام الذي ألقاه عقب شهرين من اندلاع الثورة باعتباره “أحد وجوه الخداع والتضليل التي مارسها بشار الأسد تجاه الداخل والخارج” في آن معاً، إلا أن أمرين اثنين لا يمكن للسوريين أن ينسوهما على هذا الصعيد.

الأول هو مؤتمر الحوار الوطني الذي دعا إليه الأسد وكلف نائبه فاروق الشرع برئاسته، ورغم مشاركة بعض المعارضين والناشطين فيه، لكنه تأكد لاحقاً أنه كان بالفعل كما توقع المعارضون الذين قاطعوه، وهم الغالبية، بأنه مجرد مناورة من النظام، بل إن البعض ينقل عن الشرع نفسه أنه اعتبر نفسه قد تعرض للخداع شخصياً.

والأمر الثاني هو اللقاءات التي عقدها الأسد مع وجهاء المجتمع وشيوخ العشائر ورجال الدين والنخب والناشطين الذين تمت دعوتهم للقاء رئيس النظام على مدار النصف الثاني من عام الثورة الأول، حيث خرج الغالبية من هذه الجلسات وهم متيقنين “أنه يتلاعب بهم” حسب تعبير الكثير منهم لاحقاً، وأن ما كان يريده من خلال هذه اللقاءات، هو استبدال الحوار مع المعارضة بخداع الجميع أنه يحاور الشعب مباشرة.

يحمل العقد الأول من حكم بشار الأسد الكثير من الأمثلة عن تلاعبه بخصومه وحلفائه على حد سواء، كما حدث مع الاخوان المسلمين وتركيا وغيرهم. وعلى مدار السنوات التسع الماضية، كشف العديد من المسؤولين في دول أخرى عن وعود قطعها لهم بشار الأسد في العام الأول من الثورة بتنفيذ إصلاحات، لكنه حنث بكل هذه الوعود…فهم السوريون مبكراً شخصية رئيسهم بينما ظلت مخابرات العالم تحاول فهمه على مدار أكثر من عقد، ولذا فقد أكدت المعارضة منذ البداية للعالم كله أن أي حوار معه هو مضيعة للوقت وإطالة في عمر المأساة واستسلام لخداع لن ينتهي حتى سقوط النظام.

المدن

————————————-

عن بلاد تحترق ورئيس مسخ/ بسام يوسف

في الذكرى الخامسة لبداية الاحتلال الروسي المباشر والمعلن لسوريا، والذي صادف في نهاية الشهر المنصرم، أجرت وسائل إعلام روسية مقابلات مع رأس النظام السوري “بشار الأسد”، وفي كل إجاباته التي قدّمها، لا يمكن لأيّ متتبع أن يلمح أو يقرأ أي إشارة إلى حزن ما، أو ألم ما ينتاب هذا الشخص الذي يُسمى “رئيسا” لبلدٍ، يعيش أفظع مأساة عرفتها البشرية بعد الحرب العالمية الثانية.

منذ عشر سنوات وبشار الأسد يكرر جمله ذاتها، وأسطوانته التي قرفها وملّها السوريون والعالم كلّه، عن المؤامرة، والإرهاب، والجيش، وإعادة السيطرة، وكل هذا الهراء السخيف، لكأنّ سوريا ليست تحت خمسة احتلالات، ولكأنّ الروس الذين أعلنوا أن الساحل حصتهم، والأميركيون الذين اقتطعوا الشمال الشرقي من سوريا، حيث النفط والغاز، وخلقوا حليفاً وأداة لهم في تلك المنطقة، والأتراك الذين سيطروا على الشمال والشمال الغربي من سوريا، ويرّسخون كل يوم ما يجعل من سيطرتهم طويلة الأمد، وإسرائيل التي ابتلعت وهضمت هضبة الجولان السورية، وتستعد لابتلاع مساحات إضافية أخرى، وإيران التي تُحاصص في الوسط والجنوب.. كلّ هذا ليس له أهمية عند بشار الأسد، ولا يبعث في نفسه أدنى إحساس بالمسؤولية، ولا يمكنك إيجاد أي تغير في حديثه، أو انفعالاته، منذ لحظة وراثته الفضيحة لرئاسة سوريا، وحتى وصول سوريا إلى هذه المأساة الوطنية الكبرى.

لا يهتم بشار الأسد بالحقائق التي يعيشها السوريون، ولا بالواقع المرِّ الذي يغرقون فيه كلهم بلا استثناء، كأنّ جوعهم ليس أمراً غريباً، أو انقطاع الكهرباء والغاز والمازوت، والبنزين، والماء لا يستحق الإحساس بالعار والهزيمة، وكأنّ وجوه السوريين الغارقة في الحزن والانكسار، حدثٌ عابر ليس له أدنى أهمية.

منذ أن ثار السوريون، وصرخوا في شوارع مدنهم وبلداتهم، مطالبين بحياة حرّة، كريمة، بدأت أتابع معظم أحاديث بشار الأسد ولقاءاته، كنت في كل لقاء له أحاول أن أجد بعض الحزن في تعابير وجهه، أو في نبرة صوته، يعكس قليلاً من المأساة التي تعيشها سوريا، أو حدا أدنى من التعاطف مع السوريين المنكوبين، لكنّي في كل مرة، كنت أنتهي من متابعتي مصدوماً ومصعوقاً، كان الميل للمزاح والضحك هو الغالب، وكان الانفعال الوحيد الذي يمكن للمتابع ملاحظته، هو غضبه عندما يذهب الحديث إلى اتهام شخصي له.

من يتذكر اللقطات المصوّرة التي ظهر فيها، وهو يقود سيارته في أحياء دمشق المدّمرة، أو يمشي فيها محاطاً بجنوده في داريا أو مناطق أخرى، كان منظر الدمار يدمي القلب، بيوت على مدى العين مدمّرة، ومهجورة، ومحروقة، لا يُمكن لإنسان أن يراها، إلا ويغصّ بحزنه ودمعه، وحده كان يعبر بها ممتلئاً بنشوة انتصار زائف، يُمازح مرافقيه، ويتفاصح بتعليقات وملاحظات غبيّة، يهزّون لها رؤوسهم ببلاهة واضحة.

منذ عدة أيام، قام بشار الأسد بجولة ميدانية، في المناطق التي طالتها الحرائق في محافظتي اللاذقية وطرطوس (لن أطيل هنا عن الأرقام التي أوردتها الجهات المختصة الرسمية، والتي تحدثت عن كارثة بيئية واقتصادية، فقد طالت الحرائق 237 قرية وبلدة في المحافظتين، وما يزيد عن سبعة آلاف هكتار من الأراضي المشجرة – معظمها

من الأشجار المثمرة – فقط في محافظة اللاذقية)، قلت لنفسي أن الأمر هنا سيكون مختلفاً، فهو يزور مناطق تصنّف على أنها مؤيّدة له، وهي مناطق منكوبة، وهدف زيارته هو التعاطف مع سكانها، والتخفيف عنهم في مأساتهم التي التهمت مصادر رزقهم، وأضافت إلى كوابيس حياتهم كابوساً جديداً، أشدّ مرارة ورعباً.

كانوا يتجمعون حوله، أطفال، وفتية، ورجال، ونساء… يتكلمون كلّهم، ورغم محاولات إظهار فرحهم به، إلا أن عيونهم وثيابهم وحركات أيديهم، كلّها كانت تفصح عن حزنهم، وانكسار أرواحهم.

كانوا يحدثونه عن وجعهم، وجوعهم، وخسارة مصادر رزقهم، وكان يتفاصح كأنّه في معركة كلامية.

يحدثونه عن الخبز، فيحدثهم عن الصمود، يسألونه عن الكهرباء، والماء، والمازوت، فيحدثهم عن الانتصار، وفي خلفية الكاميرا التي تصور هذه المهزلة، كان منظر الجبال السوداء التي التهمتها النيران، فتفحّم كلّ شجرها، تُحيل المشهد كلّه إلى كوميديا سوداء، متخمة بالعبث والعدم.

عاد بشار الأسد من جولته تلك إلى قصره، الذي بُني من عرقهم، وعادوا إلى بيوتهم المحروقة، وإلى طعم الرماد في حلوقهم، وإلى هوائهم المشبع برائحة أشجارهم المحروقة، لكنهّ وقبل أن ينام، أصدر أمره بمنح كل قرية منكوبة مساعدة بقيمة أربعة آلاف دولار، ليست للتعويض عن خساراتهم، بل ليجتمعوا ويقرروا مشروعاً ما لقريتهم، أية مهزلة هذه؟!

ذكرني “عطاء” بشار الأسد هذا بالعطاء الذي أعلنته بثينة شعبان، في محاولتها رشوة السوريين عشية اندلاع المظاهرات في آذار 2011م، عندما خرجت لتزف للسوريين خبر زيادة رواتبهم، بمقدار ثلاثة آلاف ليرة شهرياً.

لم يفهم بشار الأسد لحظة واحدة حقيقة ما يحتاجه السوريون، ولن يفهم، فهذه البلاد التي اسمها “سوريا”، ليست بنظره وطناً لشعب عريق، وموغل في القدم، وليس لهذا الشعب بنظره أي حقوق، فهم عبيد في مملكة عائلته، وما يعيده لهم من أموالهم التي نهبها منهم، هو عطاء ومنّة.

البلاد المستباحة المحتلة، البلاد المدّمرة، البلاد المحروقة، السوريون المشتتون في أصقاع الأرض كلّها، صور السوريين المقتولين تعذيبا في سجونه، الطوابير الطويلة من أجل رغيف الخبز، أو جرة الغاز، أو ليترات قليلة من البنزين، كل هذا وغيره الكثير، لم يغير شيئاً من تعابير وجهه أو كلماته الحمقاء، ولم تقلل من نظرات البله في عينيه.

كأنّما هذه البلاد ليست بلاده، وكأنّما ولد هذا الكائن المسخ بلا قدرة على الإحساس.

تلفزيون سوريا

——————————————-

قضية ملحّة/ ميشيل كيلو

بعد تحول القضايا الكبرى للثورة السورية إلى شؤون دولية وإقليمية، لم تعد خاضعة لإرادة السوريين على جانبي الصراع الدائر منذ نيف وعشرة أعوام، تبدّلت أهمية (وأدوار) مسائلها التي يتصدّون لها، وتحوّلت من مسائل كانت لها أولوية في خططهما، إلى قضايا تخلي مكانها لغيرها من المسائل التي كانت تعتبر أقل أهمية منها، بل ومرتبطةً بها وستحسم من خلالها.

كي لا أطيل، أبادر إلى القول إن إسقاط النظام كان أولويةً أخضعت لها جميع مهام العمل العام الثوري، إلا أن تحقيق هذا الهدف خرج من أيدي طرفي الصراع السوريين، وحل محله هدفٌ لا يقل اليوم أهمية عنه، هو إنقاذ الشعب السوري أينما كان، بالنظر إلى الحال الكارثي التي آل إليها، وتجعل لإنقاذه أولوية مطلقة، ما دام مسار الثورة قد غيّر أوضاعها بصورة جعلت انتصارها رهناً بإرادات خارجية لا ترى فيه أولويتها، بينما تتراجع قدرة السوريين على إنزال هزيمة قريبة ونهائية بالأسدية وروسيا وإيران، لأسباب منها وضعهم الراهن.

لم يعد ممكناً تجاهل حدوث التحول الخطير الذي يجعل إيلاء الأولوية لوضع شعبنا مهمة إنقاذية عاجلة، تخرجه من الكوارث التي مزّقته، وأودت بحياة الملايين منه، وبمقومات وجوده المادي، بعد أن اقتلعته الأسدية وداعموها من جذوره، وأخرجته من بيئته التاريخية التي عاش فيها طيلة مئات، إن لم يكن آلاف، السنوات. وها هو اليوم مشتّتٌ بين الدول والقارات، يعيش، منذ أعوام كثيرة، في خيام لا تردّ عنه البرد أو تقيه الحر، بينما حرم مئات آلاف من أطفاله من الدراسة، والطبابة، والرعاية الأسرية المنظمة، وتجاهل المجتمع الدولي مأساته المرعبة، التي أسهمت بعض أطرافه فيها، فلا عجب أن تعمدت تعطيل مؤسسات النظام الدولي الشرعية، واستخدمتها أدوات مساعدة في ارتكاب جرائمها. لذلك، ليس من المبالغة القول إن الشعب السوري صار مهدّداً في وجوده، سيما وأن هدف المجرمين كان تقويض قدرته على مواصلة ثورته وإحباط انتصارها، فضلاً عن جني بعض ثمارها التي أصبح طعهما مرّاً إلى درجةٍ تجعل من الصعب تذوقها، إن بقي هناك من قد يكون راغباً في ذلك! بقول أوضح: لن تستمر الثورة أو تنتصر إلا بقدر ما تعمل لإنقاذ الشعب السوري من محنته، وتلتزم برعايته في كل ما يتصل باحترام مساواة وكرامة وحرية بناته وأبنائه، أقله في مناطق سيطرة الفصائل، حيث تنتهك يومياً على نطاق واسع، على الرغم من أنه كان قد نزل بالملايين إلى الشوارع، وقدّم أغلى التضحيات من أجل تحقيقها، وها هو يجد نفسه خاضعاً لأسديةٍ منحطةٍ تذيقه الأمرّين، ولا تلتزم حتى بحقه في الحياة الذي ثار لانتزاعه من الأسد، وفقده هنا، فهو كمن انتقل من تحت الدلف إلى تحت المزراب، كما يقول اللسان الشعبي عن حالاتٍ كهذه.

إذا كان الشعب هو حامل الثورة وحاضنتها، وكانت هذا حاله، هل يمكن أن نتحدّث بعد عن ثورة حرية، من دون تحصينه ضد الجرائم التي ترتكب ضده، كل يوم وساعة؟ ثم، عن أي ثورة حرية نتحدّث، إن كان لا هم للسوري غير الجري وراء رغيفٍ يعجز أكثر فأكثر عن اللحاق به، بينما يسحق روحه منظر أطفاله وهم ينتظرونه وقد فغروا أفواههم، علّه يأتيهم بلقمة تسدّ رمقهم، وتردّ عنهم غائلة الجوع المستشري.

بعد ثورة الحرية، قرّرت الأسدية تدمير حاملها: المجتمع السوري، لإدراكها أن إسقاطها يغدو ضرباً من الاستحالة، إذا ما مزّقت كيانه الموحد بسلاحي الحرب والإذلال. تُرى، أما حان الوقت لوقف انهيار شعبنا السوري، ولإنقاذه، بعد أن بلغ حافة هاوية الهلاك، وسقطت ملايينه فيها، وتكاد الثورة تصبح كلمة جوفاء بالنسبة له هنا، ومثلها كلمة الانتصار بالنسبة لأسرى السجن الأسدي هناك؟

العربي الجديد

——————————

كيف يراقب الأسد السوريين؟/ غازي دحمان

لا مفاجأة في كشف وثائق “المركز السوري للعدالة والمساءلة” أن سفارات نظام الأسد كانت تتجسّس على السوريين في الخارج، فكل سوري سافر إلى الخارج لأي سبب كان يعلم أن سفارات النظام وقنصلياته ليست سوى فروع أمنية، وأن مهمة جمع المعلومات كانت المهمة الأساسية لهذه البعثات. والمهام الأخرى، التجارية والاقتصادية والخدمات القنصلية ليست سوى مكمّلات للمهمة الأمنية. ويعرف الدبلوماسيون السوريون أن الرجل الأول في السفارات السورية كان “الملحق الأمني”، وليس السفير كما هو مفترض.

ولكن اللافت في هذه الوثائق استمرار سفارات النظام العمل بهذه المهمة في ذروة أزمة النظام، فالمنطقي أن تتراجع أهمية المعارضين الخارجيين لدى النظام في ظل ثورةٍ عارمة شارك فيها مئات آلاف الرجال، فالأجهزة الأمنية السورية لم يسبق لها أن واجهت مثل هذا الحدث، وليس لديها الكادر المدرّب الكافي للتعامل معه، ولا تملك الأدوات المناسبة للسيطرة على الأحداث، فكيف، في ظل هذه المعطيات، لديها القدرة على تولي أعمال إضافية، ليست على قدرٍ عال من الأهمية، بالمقارنة مع المخاطر المتأتية من معارضة داخلية باتت طلائعها على مسافة قصيرة من قصر الرئاسة ومقار الأجهزة الأمنية نفسها.

ومعلومٌ أن أجهزة الأمن السورية اعتقلت، في السنتين الأوليين للثورة، مئات آلاف الأشخاص، ووضعت أسماء أكثر من مليون شخص على قوائم المطلوبين، بل في يونيو/ حزيران 2011 ، ولم يكن قد مضى على انطلاق الثورة أكثر من ثلاثة أشهر، أصدرت أجهزة الأمن قوائم بمئات آلاف المطلوبين الذين شاركوا، بطريقةٍ أو أخرى، في الثورة، وقد كشف ذلك عن حجم تغلغل الأجهزة الأمنية في المجتمع السوري، وتبين أنها تملك شبكات كبيرة في المدن والأرياف، استطاعت من خلالها جمع هذا الكم الهائل من المعلومات عن المعارضين والثوار.

وفي المعلومات التي تسرّبت لاحقاً، تبين أن إيران زوّدت أجهزة الأسد الأمنية بكاميرات حديثة لتصوير المظاهرات، وقد ذكر متظاهرون كثيرون تم اعتقالهم في الأشهر الأولى كيف أن المحققين أروهم صورهم في المظاهرات، لكن تلك لم تكن الآلية الوحيدة للاعتقال، فالجزء الأكبر من الاعتقالات كان عشوائياً، وأحيانا بدون شبهة، حينما كانت قوات الأسد تمشّط القرى في الأرياف والشوارع والمناطق في المدن، بل إن بعض مخبري النظام وشبيحته قد تم اعتقالهم، وبعضهم قتل تحت التعذيب خطأ.

وليس سرّاً أن أجهزة المخابرات السورية لا تعتمد الوسائل الحديثة في العمل الأمني، والقائم على تحليل المعلومات والوصول إلى المعلومات الحقيقية، والجزء الأكبر من عملها يقوم على كتابة تقارير يقوم بها عناصر من الأجهزة، في الغالب من ذوي التعليم المتدني والتدريب غير المناسب، أو من أشخاص متنوعين، يعملون في مؤسسات النظام، وفي الأسواق، ودائماً يتم انتزاع الاعترافات بواسطة التعذيب الذي لا يوجد له مثيل لدى أي جهاز أمني معاصر، كما يجري تزوير هذه الاعترافات وإجبار المعتقلين على التوقيع عليها، أو حتى لا تضطر الأجهزة الأمنية للحصول على توقيع المعتقل الذي سيقتل في الغالب.

هذه الطاقة الكبيرة على العمل كانت مفهومة في السنتين الأوليين للثورة. أما بعد ذلك، ومنذ بداية 2013 إلى 2017، فستنحسر سيطرة نظام الأسد لتصل إلى أقل من 20% من مساحة سورية، وسيتم تدمير شبكاته الأمنية في الجزء الأكبر من سورية، وستصبح حماية رأس النظام وبقية أفراد العصابة الموجودين في دمشق، أهم أولويات أجهزة الأمن السورية. على الرغم من ذلك، ظلت الآلة الأمنية تعمل بكثافة وكفاءة غير مفهومتين، فقد استطاعت أجهزة الأمن متابعة السوريين في دول اللجوء، وزرعت جواسيس ومخبرين، كما حرّكت علنا أدواتها في ألمانيا وفرنسا وهولندا والسويد، وحتى تركيا، للتظاهر تأييداً للنظام، بل تجرّأ بعضهم على إرسال تهديدات للاجئين بمعاقبة ذويهم وعائلاتهم في سورية، كما أسّس في هذه الدول منظمات ونوادي ومنابر باسم اللاجئين لمتابعة تحرّكاتهم ونشاطاتهم.

واللافت في فرنسا، مثلاً، وهي إحدى دول اللجوء السوري، وجود أعداد كبيرة من الأطباء وأساتذة الجامعات وتجار ومشتغلين في تحويل العملات، أغلبهم درس في فرنسا قبل الثورة، إذ كانت الجامعات الفرنسية تقدم مقاعد دراسية “منحا” بالإتفاق مع النظام السوري الذي كان يخصّصها للموثوقين والمقرّبين منه، ومن غير المعلوم ما اذا كان هؤلاء قد عادوا إلى فرنسا بأمر من النظام لتأدية مهمة معينة، ام انهم هربوا من أجواء الحرب السورية، لكن المؤكد أنهم يؤيدون النظام إلى أبعد الحدود.

لم يعد مستغرباً، أن نظام الأسد، وفي ذروة عجزه عن تقديم أي حلّ لأزمة السوريين الاقتصادية، والتي وصلت إلى حد المجاعة الفعلية، منشغل جداً، عبر ما يسمّى “الجيش الإلكتروني” بنشر تطبيقات للهواتف المحمولة لمراقبة اتصالات السوريين العاديين، والتجسّس على مكالماتهم وأسرارهم الشخصية في هذه الظروف العصيبة. وهذا يثبت أن “جمهورية” الأسد ليست سوى جهاز أمني كبير، وأن جميع المؤسسات الأخرى ليست سوى توابع لهذه الأجهزة، وأن المهمة الأولى لهذه الجمهورية أمنية بامتياز، لذا في الوقت الذي تتعطّل فيه كل مظاهر الحياة في سورية، تزدهر الوظيفة الأمنية، ويصبح لها جيوش إلكترونية وأذرع خارجية.

العربي الجديد

—————————————-

عن التطبيع مع إسرائيل… ومع الأسد/ موفق نيربية

لم تعد الانتخابات الأمريكية مثيرة للأعصاب وحسب، بل ربّما أصبحت مملّة قليلاً، ومقرفة أحياناً. فلا بأس إذن بتمرير الزمن الفاصل حتى ظهور نتيجة تلك الانتخابات، من خلال تقليب ظواهر المنطقة، التي لا تنتظر إحداها فوات السابقة حتى تنفجر، بحيث ازدحمت نقاط التوتّر والحرب والصراع، وتحوّلت أسس التحليل من علم الحساب إلى الرياضيات المعقدة.

من ذلك ما طرأ في باب التطبيع مع إسرائيل، والتطبيع مع نظام الأسد، من دون ضجيج كان متوقّعاً جداً في سالف الزمان، بل ربّما بكثير من اللامبالاة وشرود الذهن أيضاً. السوريون أنفسهم لم يثيروا كثيراً من الغبار يوم زار الرئيس السابق للسودان دمشق زيارة خاطفة قبل عامين؛ قبل الثورة التي رحّلته إلى السجن. كذلك لم يحدث هذا مؤخراً مع تفعيل السفارة العمانية في دمشق رسمياً.. وربما بمهمة كمجرّد ساعٍ للبريد يحاول تقاضي أي رشوة تحصّنه على كرسيه. وأيضاً لم تقم الدنيا أو تقعد حين أعلن اتفاق الإمارات وإسرائيل على التطبيع، والبحرين من بعدها.

لدى النظام السوري إحساس كبير بالانتصار على شعبه، وربما على تركيا، بل الولايات المتحدة وأحلافها: الكون المتآمر حسب تعبيره الإعلامي، وهو سعيد بتدهور العلاقات التركية – الخليجية، والتركية- الغربية أيضاً، وسعيد خصوصاً بتدهور أسهم الإخوان المسلمين، الأمر الذي يحسبه سبباً لارتفاع أسهمه، وهو ليس مخطئاً في ذلك. ولا يكفي لطمأنينة الأسد دعمُ بوتين وثوّار الخميني له، وتأييدُ مجاهديّ غزة وحكماء رام الله أيضاً، ومعهم مادورو وكيم وكاسترو (الذي تقمّص في ما بعد) لذلك يرحّب بقدوم عُمان إلى دمشق، تدفعها استراتيجيتها المستندة إلى مفهوم توليد القوة من دور الوساطة، مع إسرائيل غالباً هذه المرة، وربما هي بذلك تُسابقُ الإماراتِ أيضاً. أما التطبيع الخليجي مع إسرائيل؛ الذي يحتمل قريباً انضمام السودان إليه بأحماله الزائدة؛ فله الكثير من الأسباب، كالاستقواء أمام تركيا وروسيا، والتحصّن في وجه الإسلاميين، ولكن خصوصاً من أجل تأمين البلاد والأنظمة في وجه إيران، التي لا تتوقف عدوانيّتها عند حدود حتى الآن. ويؤمّن ذلك تجميع بؤرة الاهتمام الأمريكية والغربية الأولى (إسرائيل) إلى البؤرة الثانية (النفط) والفوز برباط مكين وثابت بينهما. قد يكون مما يغري الإمارات أو عُمان، تقديم تطبيع الأسد عربون صداقة إلى إسرائيل لاحقاً، في توقيت قد لا يتأخر، مقابل التوسط له بشيء من الرضا، الذي يمكن أن يساعده على شراء الوقت، لعلّ السماء تنجده بمتغيّرات تضمن رأسه، ولو إلى حين. ولا بأس هنا بالاستماع إلى البعثي مهدي دخل الله، وأقواله التي صدمت البعض بصراحة موقفها الإيجابي من التطبيع ذاته، ولا بأس أيضاَ في «الإنصات» إلى الصمت البليغ الذي ردّ به النظام السوري على الأخبار الجديدة. وهذا كلّه في طور التكهّن وحسب، رغم كلّ ما يوحي به استعجال أبوظبي إحياءَ سفارتها في دمشق.

يلفت الانتباه ذلك التسارع في اتجاه التطبيع، الذي ينسجم مع معركة ترامب الانتخابية، وانكشاف نتنياهو داخلياً، وحاجته لما يسند عثاره.. ولا يشبه ذلك شيئاً بمقدار ما يشبه ترامب شخصياً، بطريقته في المقاولات السياسية، التي تخرج عن المدرسة التقليدية بقوة، وبتهوّر أيضاً أو على الأغلب، ولو بدا أن في ذلك رهاناً على فرسٍ قد تربح وقد تخسر، فإن عقلية المقاولات الإقليمية لدى «جماعتنا» تساعد على اعتماد ذلك الرهان، بزعم أنه لن يخسر حتى في حال خسارة ترامب، بما سيحتله من مكانٍ في الفراغات الحالية، وسوف يصبح أمراً واقعاً حتى أمام بايدن، الذي ستحاصره الإدارة الإسرائيلية الراهنة عندئذٍ، مسلّحةً بازدواج تركيبتها.

ساعدت نخب عربية – وفلسطينية خصوصاً- على تأمين جوٍ غير عدائي لتوجهات التطبيع، حين أصبحت القضية بين أيدي قوى متطرفة- إسلامية في غزة تجمع ما بين علاقتها بالإخوان المسلمين وارتباطها بإيران، ليكون ضعفها مضاعفاً وعجزها بائناً؛ وسلطة رسمية في رام الله، فقدت الشيء الكثير من مكانتها بشكل لا مثيل له إلا – ربما- في أيام النكبة نفسها، في حين غرقت شعوب البلدان المعنية بالأمر في أزماتها الداخلية حتى كفرت بأي قضية، واستفحل أمر أنظمتها حتى استغرقها الفساد والاستبداد، ولجأت إلى الدمار والدماء والجوع، تردّ عن نفسها خطر السقوط.. تلك الأنظمة نفسها، ومثالها الأكثر شراسة في سوريا، لن تكون دعامة لأي درع قديم من قيم الالتزام بالحقوق المشروعة، بل ستكون سبباً للامبالاة شعوبنا كلّها أمام ما يجري. قبل مصر والخليج، ينبغي النظر إلى إيران وتركيا، اللتين تتآلف إحداهما مع الأخرى وتتصارعان بين يوم وآخر في سوريا والعراق، ولا تنقصهما الجرأة عن الاستغراق بعيداً في سوريا، بدعم مسلحين متطرفين شيعة من جهة، وسنّة من الثانية، مع استعداد للمقاولات.. وتدخل خطوات التطبيع عرضانية وسهلة من دون حسبان لشعوب المنطقة. وبالنسبة لتركيا، فربّما ستخسر كثيراً في ما بعد، بسبب تركيزها الزائد على الخطر الكردي على أمنها القومي، بحيث لا تلاحق احتمالات الحل السياسي في تلك القضية ذاتها، ولا تتردد في التضحية بحصتها في أي حقلٍ آخر، ذلك لا ينسجم مع البراغماتية التركية الشهيرة، لا ينسجم أيضاً سلوك الإيرانيين المتفجّر والمغامر مع سمعتهم التاريخية، في مغامراتهم الطائشة في سوريا والعراق واليمن ولبنان.. ومن سخرية الأقدار أن تكون مواجهة هذين «الخطرين» سبباً مقبولاً للتطبيع، الذي نسمع أصداء إدانته واستنكاره في كلٍّ من طهران وأنقرة. وتلك حلقة شيطانية، وبتساوقِ الوجوه والطموحات، وتقابل أو تشابه الميليشيات الوكيلة والأصيلة، يمكن تفهّم اللقاء بينهما، في مسار أستانة السوري سابقاً، أو غيره لاحقاً. آنذاك يمكن أيضاً فهم ما جرى في عامي 2016 و2017 في سوريا، بعد أن تدخّل الروس بكامل عتادهم في خريف 2015، وأسقط الترك إحدى طائراتهم، وحلّ البَين بين موسكو وأنقرة.. بعد ذلك اعتمد الأمريكيون قوات سورية الديمقراطية – الكردية في الأساس، ذات العلاقة بحزب العمال الكردستاني، العدوّ المطلق للحكومة التركية – أداة على الأرض لمحاربة «داعش» ابتداءً من فبراير التالي في تل أبيض، فرأى أردوغان في ذلك طعنة في الظهر، ثم تعامل أوباما بعنجهية معه عند زيارته الولايات المتحدة في مارس، فما كان من الأخير إلا أن اعتذر- من كلّ قلبه- عن إسقاط الطائرة الروسية، قبل أن يواجه فوق ذلك محاولة الانقلاب الخطيرة عليه في يوليو، مع شكّ، له بعض ما يبرّره، بالموقف الأمريكي من ذلك الانقلاب.. فحدثت بعد ذلك نكسة حلب المثيرة للأسئلة، واستعادة النظام لها في نهاية 2016، ليشهد العام التالي مسار أستانة، والاتفاق على أربع مناطق لخفض التصعيد، تمّت تصفيتها كلّها تقريباً من دون ضجة، ورغم تعارض ذلك مع الاتفاق روحاً ونصاً.

ليس هذا بياناً ضدّ التطبيع مع إسرائيل وخطواته، فلذلك زمانه ومكانه دوماً، ولا هو تبرير أو إعذار لمن يقوم بذلك، لكنه محاولة لاستعادة التوازن، نحتاج إلى الكثير منها، فقد كنا- وما زلنا- على حياءٍ في الجهر بأن جوهر القضية ليس في المسألة الفلسطينية، ولا في الوحدة، أو القضية القومية العربية، بل هو في الانتقال من حالة التأخر إلى حالة التقدم، ومن كهوف الاستبداد إلى فضاء الحرية، بقبول العصر وحداثته ومواطنته وديمقراطيته وحرياته وحقوق إنسانه.. وفي أن ذلك هو المدخل إلى أي قضية أخرى، مهما كانت قداستها أو مناعتها، أو حرارة مسارها. لذلك نتوقف أمام مسألة التطبيع مع الأسد، بدرجة اهتمام لا تقلّ عن اهتمامنا بالتطبيع مع العدو القوميّ التاريخي، بل نستعيد جوانب من قانون قيصر، لن تكون رحيمة مع من يستغرق في تطبيعه هذا، فيعطي من ثمّ بعض شرعية زائفة لنظام ما زال أمامه طريق شائك من المحاسبة والمساءلة عن جرائمه.

سوف تدفع شعوب المنطقة – مع أنظمتها للأسف- ضريبة ما حدث حتى الآن، خصوصاً في العقد الأخير، في سوريا خصوصاً، وفي وليبيا واليمن ولبنان والعراق وغيرها.

كاتب سوري

القدس العربي

———————————–

لكن الأسد ليس إطفائياً!/ عمر قدور

يُنسب إلى الزعيم العراقي عبدالكريم قاسم قوله في خطاب له: يقولون في العراق ماكو بيض، إذا الدجاج ما قام يبيض آني أبِيض؟ بعض الذين عاصروا قاسم تداولوا الطرفة “التي لا ندري مدى صحتها” للانتقاص منه، فهو لا ينطق باللغة المتعالية لرجل دولة، خاصة إذا كان المعيار المقابل له خصماً سياسياً مفوَّهاً بالشعارات مثل عبدالناصر. وهو “أي قاسم” يتنصل من مسؤولياته كرجل دولة عن تأمين لوازم العيش بمنطق يصحّ شكلياً، إنما على نحو هزلي.

مع اندلاع الثورة ومطالبة الليبيين بتنحي القذافي، أطلق الأخير عبارة مشابهة بما معناه أنه لو كان رئيساً لرمى لهم الاستقالة في وجوههم، لكنه ليس رئيساً. على القياس نفسه، يجوز لنا “الدفاع” عن بشار الأسد في وجه منتقدي تعاطي سلطته مع الحرائق الفظيعة التي نشبت مؤخراً في أحراج وغابات ثلاث محافظات سورية، فهو ليس إطفائياً ليقوم بإخمادها، أو ليُنتقد على عدم فعله ذلك. استطراداً في الهزل، قد نضع اللوم على الأشجار التي لا تقاوم الحريق، وهو يصلح كاستطراد منطقي لمنطوق سلطة الأسد التي ألقت باللوم في الموجة الأولى من الحرائق على الأهالي.

لكن الأسد ليس إطفائياً حقاً، وخارج الهزل أيضاً. وألا يكون إطفائياً فهذا لا يستتبع أن يكون قد أشعل الحرائق، وهي تهمة رددها البعض أثناء الموجة الأولى في مطلع أيلول الماضي ويرددها البعض اليوم. تهمة تبحث عن سند، مرةً بتفسير الحريق كسباً لمساحات فارغة من أجل شركات سياحة روسية، ولا ندري كيف تُدمّر أهم المعالم السياحية لإنشاء مشاريع سياحية مكانها! ومرة أخرى بتفسير الحريق رسالةً موجهة إلى موسكو التي تسعى إلى الهيمنة المطلقة، وفحواها ليس جديداً: الأسد أو نحرق البلد. أي أنه سيحرقها قبل تسليمها للروس.

في محاولة فهم أسباب اندلاع الحرائق، وعدم التعامل معها كما ينبغي من قبل سلطة الأسد، مساحةٌ واسعة لترويج سيناريوهات لا تختلف عن التبرير للأسد بعبارة من قبيل أنه ليس إطفائياً إذا توقفنا عند ظاهرها المبتذل. هذه السيناريوهات تُخاطر بترويج فهم غير واقعي، أو غير مفيد أحياناً، لسلطة الأسد ولعلاقتها بمحكوميها، ولا يندر أن تكون قليلة الانتباه إلى أطوار السلطة وأطوار علاقتها بمحكوميها. على سبيل المثال، نستطيع القول أن الأسدية نموذج لإحراق البلد مجازياً وفعلياً، ويكون ذلك صحيحاً جداً من دون أن ينطبق على كافة الحرائق بالمعنى الحرفي أو الجنائي المباشر. ونستطيع فهم عدم اكتراث السلطة بموجتَي الحرائق خلال ما يقارب الشهر على أنه من طبيعتها، من دون فهم إهمالها استكمالاً لإشعالها المزعوم للحريق، فالإهمال كطبيعة مستدامة لها فيه ما يكفي من تجريم لا يفتقر إلى أدلة وبراهين.

هل هناك بين المؤيدين المتحمسين للأسد من يعتقد في قرارة نفسه أن الأسدية حريصة حقاً عليه وعلى مصالحه؟ إذا وجدت نسبة تظن ذلك فمن المرجح أن تكون أقل من نسبة أولئك الذين يعتبرون الأسد طائفياً، ويمثل مصالح طائفته. نبدأ بالملمح الطائفي لا لكونه الرابطة الوحيدة بين الأسد ومحكوميه، وإنما لسهولة استخدامه في تفسير ما يستغلق على الأفهام ضمن علاقة غير متكافئة على الإطلاق. العقد المضمر بين الأسدية وأتباعها خالٍ من مسؤوليات مترتبة عليها، مسؤوليات هي عادةً من طبيعة القوى التي تسيطر على أجهزة الدولة ومواردها، لتأتي المغالطة الأولى والأساسية إذ ينتظر موالٍ سلوكاً عادياً من سلطة استثنائية، وعلى المنوال ذاته ينتقد معارض تلك السلطة التي يدرك استثنائيتها لأنها لم تظهر ردة الفعل الاعتيادية التي تظهرها سلطات غير استثنائية.

كان ثمة قناعة سورية قديمة، لدى نسبة معتبرة من الموالين والمعارضين، أن السلطة قادرة على إصلاح نفسها بالتخلي عن قليل من الجشع إلى النهب، وباعتماد القليل من معايير الكفاءة مع المحافظة على نسبة من المحسوبيات المعهودة في المناصب. بعبارة أخرى، تضمن السلطة لنفسها ولاء أوسع وديمومة مضمونة أكثر، في حال جعلت من الرابطة بينها وبين محكوميها أرأف بهم قليلاً. مثل هذه القناعة سيطل علينا من ثنايا محاولات خارجية لترميم وإصلاح “النظام”، أو لإعادة تدويره بتعبير غربي، على الرغم مما ارتكبه من جرائم، وأيضاً على الرغم من أن سلطة الأسد لم توفر مناسبة لإفهام حلفائها وسواهم أنها لا تعتزم التغيير. لن يكون منصفاً تفسير اجتماع تلك الرغبات من أجل مصلحة الأسدية واستمرارها، وممانعتها ما يخدم مصلحتها، بغباء تختص به ولم يحلْ دون بقائها نصف قرن حتى الآن.

مرت الأسدية بطور أراد من خلاله الأب المؤسس بناء دولته، الطور الذي اكتمل وانتهى مع فكرة التوريث والشروع في تنفيذها. لقد رأينا كيف تحسس الوريث انتهاء صلاحية دولة الأب، من دون أن يكون مستعداً للانفكاك عنها. ما رأيناه شبيه بماكينة ضخمة تجاوزت عمرها التشغيلي، ومن المحتم دخولها في سلسلة لا تنتهي من الأعطال والأعطاب. لو نجحت الأسدية في مواجهة الثورة، بقوتها الخاصة وقوة مواليها، لكان هناك كلام آخر. أما نجاحها بسند إيراني ثم روسي فلا يدل فقط على انهيار عسكري، بل على انهيار وانتهاء صلاحية تامّين. ومن نتائج بقائها بالدعم الخارجي تدني ما لم يكن له قيمة حقيقية لديها، أي تدني منزلة جمهورها الذي لا يُحسب له فضل إنقاذها ومن ثم أحقية الشراكة معها، والشراكة مع الجمهور العريض تعني قليلاً من شبهة الدولة.

أظهرت اللامبالاة الروسية والإيرانية إزاء الحرائق السورية أن شراكة قوتَي الاحتلال هي مع السلطة حصراً، بما هي عليه من احتقار لمحكوميها. ليس هذا وحده ما يعزز البنية المعتادة للسلطة، فإلى جانبه إدراكها أنها أصبحت مجرد سلطة أمر واقع محمية خارجياً، ويمكن استبدالها متى اقتضت مصالح الخارج. وفق هذا المعيار، وخارج التفاضل الأخلاقي، لا أفضلية لها على سلطات الأمر الواقع في أجزاء أخرى من سوريا، فلا واحدة منها تنعم باستقرار وترى مستقبلها بيقين كافٍ من أجل بناء شبكة مصالح أوسع، وأبعد زمنياً.

في غدٍ لا نعرف توقيته، قد يشعل أحد ناراً للاستخدام الشخصي فتمتد لتحرق ما تبقى من غابات وأشجار مثمرة في سوريا، إذا لم يكن الذي أشعلها “متكسب” صغير يريد المتاجرة ببعض الفحم، ويرى في ذلك حقاً له بالمقارنة مع مجرمين كبار. قد ينشب حريق ضخم في منطقة سكنية أو تجارية بسبب اهتراء أسلاك الكهرباء العامة، وقد ينفجر من الاهتراء أيضاً أنبوب رئيسي لمياه الشرب، قد تقع كوارث طيران لا يقلل من احتمالها سوى ندرة عدد طائرات النقل المدنية، وقد تحدث سيول وفيضانات في الشتاء بسبب عدم جاهزية أنظمة الصرف الصحي. أية كارثة كانت لتمر في دولة أخرى بلا خسائر قد تتضخم لتصبح كارثة كبرى، والقليل من النباهة يقتضي عدم التساؤل عن غياب الدولة، ويقتضي أيضاً عدم الاحتفاء وكأن الأسدية تثبت للمرة الأولى ما هي عليه.

المدن

————————————–

الانقلاب على ماهر الأسد/ عمر قدور

في اللقاء الأخير الذي أجرته وكالة روسيا سيغودنيا مع بشار الأسد، يسأله الصحافي عن “بطولات” الروس في سوريا التي يحتفظ بها في وجدانه، وأيّ منها يعتبرها جديرة بأن يرويها لأحفاده. يستخدم بشار الصيغة نفسها، فيسرد ما سيقوله لأحفاده يوماً، ولعله استخدمها وهو مطمئن إلى الزمن المقبل أكثر من أوقات مضت، الاطمئنان الذي يجعله يعِد بالكشف عن ترشيحه للرئاسة لاحقاً، وكذلك يجعله يصرّح بأن مفاوضات جنيف-اللجنة الدستورية “هي عبارة عن لعبة سياسية”.

لا ندري كيف تخيّل بشار شيخوخته المفترضة، وهو يسرد لأحفاده ذكرياته عن السنوات الأخيرة. من المؤكد أنه تخيّل ما يخالف تماماً رغبات سوريين كثر، يتمنون رؤيته خلف القضبان يُحاكَم على الجرائم ذاتها التي سيرويها لأحفاده كانتصارات. ولئن ارتبطت الصورة الشائعة في الأذهان برجل مسنّ متقاعد، يروي لأحفاده زمناً لا يعرفونه لاختلافه عن زمنهم الجديد، فلا ندري إن كان بشار يتخيّل نفسه متقاعداً. وكي لا تذهب الظنون بعيداً؛ لا ندري ما إذا كان يتخيل نفسه متقاعداً لصالح توريث ابنه، أم أن فكرة التخلي عن كرسي السلطة لا تراود هذا النوع حتى إذا كان التوريث للأقرب الذي يجسد الاستمرارية المأمولة.

إذاً، مسنوداً بنشوة النصر، يستطيع تخيّل نفسه كرئيس يجالس أحفاده أحياناً، أو يستطيع “إذا انتابته لحظات قصوى من الغيرية” تخيل نفسه مجالساً لأحفادٍ بعضٌ منهم أولاد ابنه المنشغل بمنصب الرئاسة. وكما نرى، هذه الصورة الوردية لا تتسع لمنافسين محتملين، لا تتسع تحديداً لشقيقه ماهر وأبنائه، فما صار في منزلة البديهيات أن الأسدية إما تستمر عبر بشار وابنه من بعده أو تنتهي عنده. بفضل معطيات مؤثرة عديدة، لم يحقق بشار النصر ضد المعارضة فقط، بل حقق النصر ضمن الأسدية ذاتها، ولا يندر في هذا النوع من المواجهات أن تغطي المعارك الخارجية على معارك داخلية لها ما لها من الأهمية والتأثير.

بالعودة إلى لحظة اندلاع الثورة، كان الموالون المطالبون بسحقها يُنذرون الثائرين بأن ماهر الأسد “لم يشلح البيجاما” ليرتدي بذته العسكري ويستخدم ما هو معروف عنه من بطش. غلاة الموالين رفعوا الشعار الغاضب من بشار، والمنتقص من كفاءته الوحشية: ماهر إلى القيادة وبشار إلى العيادة. رداً على هؤلاء وأولئك، خرج بشار بعد نحو ثلاثة أشهر من اندلاع الثورة واستخدام العنف المفرط تجاهها ليعلن مسؤوليته الشخصية عما يحدث، وليسخر من الذين ردّوا استخدام العنف إلى قرار من ماهر، سواء فعلوا ذلك للإعلاء من شأنه أو لتبرئة بشار من المسؤولية. ذلك الإعلان، في خطاب منقول تلفزيونياً، يصلح كقرينة تدينه في أية محاكمة، إلا أن ما كان ملحاً آنذاك طمأنة غلاة الموالين إلى أنه يقوم على أكمل وجه بما ينتظرونه من ماهر، وكان ضرورياً التلميح إلى أن مواجهة الأخوين “حافظ ورفعت” بعد انتهاء المواجهة مع الإخوان لن تُستعاد بمواجهة مماثلة، وإذا كان لا بد من المقارنة فها هو بشار وقد استفاد من الدرس من أجل تحاشيه.

طيلة السنوات التي انقضت منذ اندلاع الثورة، بقيت ماكينة ماهر الأسد “الفرقة الرابعة” تعمل على مستويين، الأول قمع المظاهرات ثم الحرب على المناطق الثائرة، والثاني تجارة الحرب من خلال السيطرة على طرق مهمة للحركة الاقتصادية والسيطرة على بعض منافذ التهريب على الحدود اللبنانية. هي صورة متواضعة لأمير حرب، تعطيه قرابته من بشار ميزات تفضيلية على أمراء الحرب الآخرين، من دون اقترانها بآفاق أو طموحات سياسية. حتى ما يُشاع أحياناً عن رعاية ماهر من قبل طهران يُفهم كرسالة لبشار ولموسكو، رسالة لا تتجاوز ضبط التوازن بين الطرفين إلى تبنيه كمرشح إيراني بديل عن أخيه.

وإذا كان تصريح بشار عام 2011 يوحي باستفراده بالقرار، من دون أن ينقل الواقع بأمانة، فإن الواقع سيصبح مطابقاً له عبر محطات أقصت الشركاء العائليين. في تموز 2012 كان آصف شوكت، زوج شقيقته بشرى، أبرز ضحايا التفجير الذي عُرف بتفجير خلية الأزمة. بحسب ما يتداوله السوريون منذ ما قبل الثورة، ينبغي أن يكون شوكت قد رحل وفي جسده أثر رصاص أطلقه عليه ماهر عندما كان يحتج على زواجه من أخته، وقيل آنذاك أن الرصاص أُطلق بمباركة من الشقيق الأكبر باسل. بحسب ما هو شائع أيضاً، كان لشوكت حظوة عند الوالدة أنيسة مخلوف، رغم كل ما أشيع عن اتصالاته الغربية “الفرنسية خاصة” بعد اغتيال الحريري، واعتباره مرشحاً مقبولاً كبديل عن بشار، وفي المحصلة يُفترض بمقتله أن يصب في مصلحة الأخوين بشار وماهر.

ربما كان التدخل العسكري الروسي عام 2015 ضربة كبرى لاحتمالات صعود ماهر، لكن الضربة ستكتسب قوة إضافية بعد خمسة أشهر مع وفاة الأم أنيسة مخلوف. بوفاة أنيسة انفضت الحلقة العائلية الضيقة لصنع القرار، فلم يعد هناك مَن يدعم وجود الخال محمد مخلوف فيها وصار في وسع بشار الاستغناء عنه نهائياً، وصار في وسعه تالياً تهميش ماهر أكثر من قبل. كما نعلم شهدت الفترة ذاتها الاستعجال في إبراز حافظ بشار الأسد كوريث منتظر، وبصرف النظر عن إمكانية تحقيق هذا “الحلم” فإنه موجه في المقام الأول ضد أي طموح قد يراود عمه ماهر، أي أن الرسالة عائلية وقد يتسع نطاقها إلى حلقة أنصار الأخير وربما ما تبقى من أنصار للمقصي الأول العم رفعت. يُذكر أن حافظ الأسد لم يدفع بابنه باسل إلى الواجهة إلا بعد النزاع مع رفعت، لإزالة أي التباس حول موضوع التوريث.

انقلب بشار على أخيه، بدايةً بإظهار وتبني الوحشية المنتظرة منه عندما “يشلح البيجاما”؛ لقد تفادى مبكراً الصورة التي كانت رائجة عن الأخوين حافظ ورفعت، والتي تمنح الأول السياسة والحنكة وتترك للثاني البطش والتهور، فهو “وفق ذلك المخيال” حافظ ورفعت معاً، ووفق النسخة الأحدث هو بشار وماهر معاً. إنه نصر لا يقل أهمية عن الانتصارات الأخرى التي يُحتفل بها بعد مرور خمس سنوات على التدخل الروسي، فهذا النوع من الاستحواذ على السلطة والاحتفاظ بها لا يستثني أقرب الطامحين المحتملين.

إذا أسعفت الظروف بشار الأسد بالبقاء وسرد ذكرياته لأحفاده، لن يكون منشغلاً باسترجاع “الانتصارات الروسية”، فالأهم هي “انتصاراته” الشخصية. ذلك الطبيب في مستشفى تشرين العسكري، الذي كان يقيم أياماً مفضّلاً البقاء فيه على قصر بات يتحكم به الشقيق الأكبر بمساعدة من الشقيق الأصغر، بل كان يتهرب من الحراسة المخصصة له في المستشفى، مظهراً إياه تعففاً عن السلطة أمام العموم، وهامساً لمقرّبين بأن أفرادها جواسيس عليه للأخ الأكبر. إذا أسعفه الحظ، كما حدث حتى الآن، فسيكون الباقي الوحيد من الأسرة القادر على أن يروي ما يشاء كما يشاء.

المدن

——————————————

================================

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

+ 53 = 58

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى