سياسة

خمسون “الحركة التصحيحية” -مقالات مختارة تناولت الحدث-

خمسون «الحركة التصحيحية»: زروع الماضي وخرائب الحاضر/ صبحي حديدي

مسمّى «الحركة التصحيحية» الذي أطلقه الفريق حافظ الأسد (1930- 2000) على انقلابه العسكري ضدّ رفاقه في حزب البعث، يوم 16 تشرين الثاني (نوفمبر) 1970، تقصّد جرّ اليقين الشعبي العامّ في سوريا آنذاك نحو استيهام حدوث التغيير على مستويات شتى، ذات طابع «انفتاحي»؛ يوحي بمناقضة طابع «الانغلاق» الذي قيل إنه سمة سياسات ما سُمّي بـ«الجناح اليساري» في قيادة انقلاب 23 شباط (فبراير) 1966، أي أمثال صلاح جديد ويوسف زعين ونور الدين الأتاسي وإبراهيم ماخوس. وبقدر ما كان توجّه الأسد زائفاً من حيث مبادلة الانغلاق بالانفتاح، إذْ كان النهج الفعلي دكتاتورياً وشمولياً وطائفياً يبني على عدد من الركائز القائمة لتوّها؛ بقدر ما كانت «يسارية» المنقلّب عليهم ليست أقلّ زيفاً من حيث معمار السلطة (ذاتها التي سمحت للأسد بالصعود والتمكّن) والبرامج الاجتماعية (التي سهّلت مرور انقلاب 16 تشرين الثاني من دون مقاومة تُذكر) والعقائدية التي تخصّ الحزب (المأساة هنا اختلطت بالمهزلة في السرعة القياسية التي تبدى عليها استعداد الرفاق لقلب المعاطف).

وقد يكون أكثر جدوى، منهجياً، تقسيم تلك «التصحيحيات» إلى طرازّين، لا يتعارض أحدهما مع الآخر من حيث الجوهر وإنْ كانت الوظيفة تختلف، على نحو حاسم أحياناً: طراز معلّن، سياسي واقتصادي وحزبي وبيروقراطي ومؤسساتي، تقصد الأسد كشف ميادينه لأغراض استيهام التغيير إياه في فضاء الاستقبال الجماهيري العريض؛ وطراز غير معلّن، أمني وعسكري وطائفي، مخفيّ لأنّ ديناميات اشتغاله تتطلب عدم ظهوره في الخطاب الرسمي أو حتى في مستوى المعلومات العامة. وكانت مقاربة الأسد لدور حزب البعث في بنيان السلطة أولى «التصحيحات» ضمن الطراز الأوّل، إذْ وجّه بضرورة تسهيل الانتساب إلى الحزب عن طريق طيّ نهج سابق اشترط توفّر «المنبت الطبقي» وتفضيل الفئات «الكادحة» واستبعاد أبناء الأغنياء من الإقطاعيين والبرجوازيين. والأسد فتح باب الحزب على مصراعيه أمام الجميع، بقصد تمييع التركيب الطبقي، بل جعل الانتساب اليه شرطاً ضمنياً لا غنى عنه من أجل ضمان دخول المعاهد والجامعات، والحصول على الوظيفة. النتيجة التالية، التي سعى إليها الأسد، هي تحويل فروع الحزب إلى مؤسسات انتهازية خاضعة لسلطة الأجهزة الاستخباراتية، بحيث باتت كتابة التقارير الأمنية واجباً تنظيمياً أمام أعضاء الحزب، فدانوا بالطاعة لرئيس فرع المخابرات في المقام الأوّل.

تصحيح ثانٍ، لعله الأكثر دهاء وخبثاً، كان الاقتداء بنموذج كيم إيل سونغ في كوريا الشمالية، واستحداث منظمة «طلائع البعث» التي تتولى الإشراف على التربية السياسية للأطفال بين سنّ 6 إلى 11 سنة؛ حيث يكون الانتساب إجبارياً، ولا ينفصل عن مناهج التعليم في المرحلة الابتدائية. وهكذا شبّت أجيال، طيلة 50 سنة الآن، على عبارة «بالروح! بالدم! نفديك يا حافظ!» وكان مبدأ عبادة الفرد يُزرع قسراً في نفوس الأطفال كمبدأ وطني وتربوي طبيعي، فيستقرّ الأسد في صورة «الأب القائد» والوحيد القادر على حكم الأهل والمجتمع والوطن. ولأن 49% من سكان سوريا كانوا فتياناً أقل من 15 سنة، فإنّ منظمة «طلائع البعث» لعبت دوراً تخريبياً قاتلاً في تنشئة الأجيال الجديدة على قائد واحد وسياسة واحدة؛ كما زرعت في نفوس الصغار حسّ الطاعة العسكرية والولاء الأعمى للقائد، وجهدت السلطة أن تكون هذه «التربية» بمثابة لقاح مبكر يحول بين الناشئة وبين السياسة حين ينتقلون من مرحلة الى أخرى في الدراسة والعمر والوعي

ضمن الطراز الثاني، وعلى مستوى الجيش، عمد الأسد إلى إعادة ترتيب الفرق الـ13 التي كان الجيش السوري يتألف منها، فوزّع تسعاً منها على ثلاثة فيالق تتبع لرئاسة الأركان، وأبقى أربعة منها خارج هذا الترتيب، فتشكلت بذلك: 1) سرايا الدفاع بقيادة رفعت الأسد، وتألفت من ثمانية ألوية مشاة ومظليين، وأسلحة ثقيلة تشمل الدبابات والحوامات والمدفعية الثقيلة، وامتيازات خاصة في الراتب والسكن والترفيع، ولعبت دوراً بارزاً في الدفاع عن النظام أثناء سنوات الصراع مع الإخوان المسلمين، 1979 ـ 1983، كما اشتُهرت بارتكاب العديد من الفظائع وبينها مجزرة سجن تدمر الصحراوي في حزيران (يونيو) 1980؛ 2) الوحدات الخاصة: وكانت إحدى أبرز التشكيلات العسكرية المكلفة بالدفاع عن أمن النظام، خاصة خلال حصار مدينة حماة واقتحامها وتدميرها سنة 1982. ولقد حرص قائدها، اللواء علي حيدر، على أن تكون أغلبية عناصرها من أبناء الطائفة العلوية، مطعمة ببعض الأقليات البدوية من ريف محافظة دير الزور (أو الـ«شوايا» في التعبير الشائع)؛ 3) الحرس الجمهوري: وكان الهدف من تأسيسه هو حماية المقرات والمواكب الرئاسية، وأُسندت قيادته إلى عدنان مخلوف، ابن عمّ زوجة الأسد، ولا تنتمي الغالبية الساحقة من عناصره إلى الطائفة العلوية فقط، بل يتم انتقاؤهم أساساً من داخل أفخاذ عشائرية محددة، شديدة الولاء للبيت الأسدي وليس للنظام وحده.

على مستوى الأجهزة الأمنية، وضمن الطراز الأوّل دائماً، أدخل الأسد الأب تعديلاً حاسماً على منظومة المخابرات السورية، عن طريق تطوير جهازَين من قلب المؤسسة العسكرية، هما «شعبة المخابرات العسكرية» و«إدارة مخابرات القوى الجوية»؛ وتمكينهما، من حيث الصلاحيات، بما جعل منهما قطبين موازين لـ»إدارة المخابرات العامة» و«إدارة الأمن السياسي». كذلك وجّه قادة الأجهزة، في المخابرات العسكرية والجوية على نحو خاص، إلى تعديل التركيب العشائري (وليس الطائفي فقط!) للضباط والعناصر في فروع الجهاز؛ بما يجعل كلّ جهاز أكثر تمثيلاً لعشيرة محددة، خاصة النميلاتية والخياطية والحدادية، وذلك لإبقاء نسق مختلط من التوازن والتنافس معاً.

تعديل آخر، لجهة الترتيب الهرمي وتوزيع الصلاحيات داخل الجهاز ذاته، تمثّل في «تفكيك» الجهاز الواحد إلى فروع اختصاصية، بحيث يتقاسم رؤساء هذه الفروع ما يتيحه لهم الفرع من نفوذ أولاً؛ ثم يتنافسون فيما بينهم، حتى إذا اقتضى الأمر تجاوز الرئيس المباشر في الجهاز الأمّ تالياً. وهكذا، في شعبة المخابرات العسكرية على مستوى مدينة دمشق مثلاً، تتوفر فروع المنطقة، الجبهة، التحقيق العسكري، سرية المداهمة والاقتحام، شؤون الضباط، الحاسب الآلي، الفرع الخارجي، أمن القوات، فرع فلسطين، الدوريات، اللاسلكي… فإذا كان رئيس الفرع مقرباً من السلطة أكثر من سواه (كما حين كان آصف شوكت، صهر النظام، هو رئيس فرع المداهمة) فإنّ صلاحياته وعلاقته بالقصر الرئاسي لا يمكن أن تُقارَن بأيّ من زملائه في الفروع الأخرى.

ولقد سهر الأسد على إقامة ميزان محسوب بين العناصر التي تُنهض الطرازين معاً، كأنْ يكون عضو القيادة القطرية للحزب، أو هذا الوزير السيادي أو ذاك العادي، أو المدير العام لمؤسسة التبغ والتنباك تارة والمدير العام للمصرف العقاري تارة أخرى (نموذج محمد مخلوف)؛ على صلة وثيقة، تكاملية أو اتباعية، مع رئيس هذا الجهاز الأمني أو ذاك، في مستوى الإدارة المركزية كما في الفروع استطراداً (نموذج علي دوبا في المخابرات العسكرية، ومحمد الخولي في مخابرات القوى الجوية، وقادة الفرق والأفواج والتشكيلات الخاصة ضمن معادلات المحاصصة). وهذا مشهد يتضافر مع تعديلات الأسد في تنشئة شبكات الولاء والفساد والنهب، وتحويل السياسة الخارجية إلى مصدر ابتزاز…

تلك كانت زروع الأسد الأب، خلال السنوات الأولى من تدشين «الحركة التصحيحة ـ 1»؛ هذه التي استنبتت الخرائب سنة بعد أخرى، وعقداً بعد آخر، وصولاً إلى سنة 2000 حين جرى توريث بشار الأسد، ليطلق خرائب «الحركة التصحيحة ـ 2». ولم تكن مفارقة أنّ البذور الأسدية كانت فاسدة وخبيثة أصلاً، فخلّفت حزباً شائهاً وجيشاً أقرب إلى ميليشيا طائفية وعشائرية، وسلطة تابعة مرتهنة، وبلداً تحتله خمسة جيوش أجنبية.

كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

القدس العربي

————————–

50 عاماً من الحركة التصحيحية!/ أكرم البني

«لو كان حافظ الأسد حياً لما حصل ما حصل»… عبارة اعتاد أن يطلقها بعض المخضرمين من أنصار النظام تحسراً على ما آلت إليه أوضاعهم وما حل بوطنهم، جهاراً، للتمييز بين أحوال سوريا في العقود الثلاثة التي قاد خلالها حافظ الأسد السلطة وبين العقدين الأخيرين لبشار الأسد، وضمناً للإشادة بالمرحلة الأولى وتبرئة صاحبها مما وصلنا إليه، لكن لا يحتاج المرء إلى كثير من التدقيق حتى يستنتج أن ليس ثمة فوارق نوعية بين المرحلتين، وأن الحاضر هو استمرار للماضي ولجوهر ما سُمي الحركة التصحيحية، والقصد أن ما جرى ويجري اليوم ليس سوى استمرار حثيث لما أرساه حافظ الأسد، بنية ونهجاً وممارسة، بعد استئثاره بالسلطة في السادس عشر من نوفمبر (تشرين الثاني) عام 1970، من دون أن يغير موته هذه الحقيقة حتى بات البعض يتندر بأن شبحه لا يزال حاضراً، وأنه ربما يدير البلاد من مدفنه.

هي الحركة التصحيحية التي سوغت لنفسها الوصاية على الناس والوطن، وكان نهجها لدوام السيطرة ليس التعاطي مع مطالب المجتمع وحقوقه وطموحاته، بل الاستمرار في إرهابه وإخضاعه، فدأبت على الاستهتار بالبشر وحيواتهم ودورهم في الحياة العامة وإخضاع مكانتهم في المجتمع لمعايير الولاء الطائفي أو السياسي، متوسلة لتطويعهم سيطرة اقتصادية شبه شاملة، وتحكماً في أشغالهم ووارداتهم ومستلزمات عيشهم، وأيضاً مؤسسات استمدت نماذجها من تجربة كوريا الشمالية، وتطال مختلف الفئات، بمن فيهم الأطفال والفتيان، كطلائع البعث وشبيبة الثورة، ومتوسلة، وهو الأهم، أجهزة أمنية، ديدنها الاعتقال والتعذيب والإذلال والسجن المديد، تتغلغل في مختلف تفاصيل الحياة لزرع الرعب والخوف في نفوس الناس وشل إراداتهم؛ ما أعدم الهوامش البسيطة لأي نشاط سياسي أو حتى مدني أو ثقافي مستقل، وكانت الفاتحة بزج رفاق الدرب صلاح جديد ونور الدين الأتاسي ويوسف زعين وغيرهم في سجون أبدية، حيث لم يطلق سراحهم إلا موتى أو مرضى على حافة الموت، وهو المصير، مع اختلاف الدرجات، الذي لاقاه الآلاف من منتقدي نظام حافظ الأسد ومعارضيه، وهو النهج الذي استمر مطلع الألفية بزج أبرز قادة ربيع دمشق في السجون، ثم محاصرة واعتقال الناشطين والمثقفين المعارضين، ممن بادروا لإصدار إعلان دمشق للتغيير الديمقراطي (2005)، أو وقّعوا على إعلان بيروت – دمشق (2006)، من دون أن ننسى تكرار الرد السلطوي العنيف وبأشنع الوسائل على كل عمل معارض لامس ما يرسم من خطوط حمراء، بدءاً بإعدامات المنظمة الشيوعية العربية (1975)، مروراً بأحداث حماة الدموية (1982)، والتي بدت أشبه ببروفة أو لعبة أطفال، مقارنة بما أقدم عليه النظام طيلة السنوات العشر الأخيرة، لمواجهة ثورة السوريين.

وأيضاً هي الحركة التصحيحية التي خلقت منظومة متماسكة من الفاسدين الذين ينهبون، تحت الرعاية الأمنية والسياسية، ثروات الوطن ويتحكمون في مقدراته، حتى غدا الفساد، مع الزمن، حالة سياسية واجتماعية مستشرية، وجزءاً عضوياً من تركيبة الدولة ومقومات بنائها، موفراً تربة خصبة لنمو الروح الانتهازية وتسلل شخصيات فاسدة وذليلة إلى المناصب السياسية والإدارية خالقة من حولها عالماً ذليلاً وفاسداً على صورتها ومثالها.

وما زاد من قوة الفساد احتكار أقرباء رأس النظام، كآل الآسد ومخلوف وشاليش، أهم الأنشطة الاقتصادية، وإطلاق يدهم لنهب الكثير من المؤسسات العامة، واستمر الأمر مطلع الألفية بسيطرة أبناء هؤلاء الأقارب على الكثير من الشركات التجارية والإنشائية والخدمية وأبرزهم رامي مخلوف، والأنكى أنه وفي ظل الحركة التصحيحية، تتقصد أجهزة السلطة تحضير ملفات فساد لمعظم الوزراء والقضاة والمديرين العامين والكوادر النقابية، تستخدمها، تهديداً وابتزازاً، حين اللزوم، كي يبقوا طيعين بيديها وينفذوا ما تمليه عليهم من دون تردد.

وهي الحركة التصحيحية التي لجأت إلى الروابط المتخلفة، بعكس ادعاءاتها الوطنية والقومية، وأهمها الرابطة الطائفية لبناء لحمة سلطوية متراصة يصعب اختراقها، مستمدة من تجربة كوريا الشمالية أيضاً، نموذج توريث الحكم، وأهمية تعويم رأس النظام على أنه القائد الخالد، ثم المفدى، كذا، ربطاً بالحرص على عدم وصول، سوى الموثوقين من أبناء الطائفة، إلى المواقع العسكرية والأمنية الحساسة، أما المناصب الأكثر حساسية فهي من حصة روابط الدم، ولا ضير بعدها من تقديم بعض الفتات لمن يدور في فلكها مما سُمي حلف الأقليات والموالين من المسلمين السنة، ولعل أحد أسباب نجاح رأس النظام في الإمساك بالطائفة العلوية واحتكار دورها هو إفشال الرهان على وجود بديل له من داخلها؛ ما جعل سجن صلاح الجديد (1970) واغتيال محمد عمران (1972)، ثم إبعاد رفعت الأسد (1984) عبرة لكل من يعتبر من الطامحين لمنافسته طائفياً، ولا يجانب الصواب من يضع تفجير يوليو (تموز) (2012)، الذي ذهبت ضحيته خلية الأزمة وعلى رأسها آصف شوكت في هذا السياق، وأيضاً التغييب المستمر منذ سبتمبر (أيلول) (2012) للقيادي في هيئة التنسيق المعارضة، عبد العزيز الخير، بعد عودته مع رفاقه من زيارة سياسية للصين وإيران!

وأخيراً، هي الحركة التصحيحية التي يعترف لها بنجاحها في إخراج البلاد من لعبة «الصراع على سوريا» وصنع نفوذ ودور في المشرق العربي، والتي، على النقيض اليوم، حولت البلاد إلى ساحة صراع تتنازعها خمس قوى أجنبية محتلة.

وإذا كان رفع الغطاء العالمي عن دور النظام ونفوذه الإقليميين، بعد سقوط الاتحاد السوفياتي والاحتلال الأميركي للعراق وانكفاء الورقة الفلسطينية نحو الداخل جراء اتفاقات أوسلو، قد لعب دوراً في خسارة النظام لأهم أوراقه الإقليمية، وتتوجت بإجباره على إخراج قواته من لبنان، لكن، ثمّة فارقاً كبيراً بين فرض نفوذ إقليمي مؤقت بالقوة العسكرية والأمنية، وهو ما دأبت على ممارسته سلطة الحركة التصحيحية، قمعاً وتهديداً وإرهاباً واغتيالاً، وبين ديمومة تحصيل نفوذ إقليمي بقوة مجتمع حي يمتلك اقتصاداً متيناً تنافسياً، وكفاءات علمية ومهنية، ويتفاخر أبناؤه بصفتهم مواطنين أحراراً ومتساوين أمام دولة العدل والقانون.

هذا المطر من ذاك الغيم… ومع حفظ الفوارق في الكاريزما والكفاءات الشخصية بين قيادة المرحلتين، فثمة خمسون عاماً سوداء مرت على السوريين عنوانها واحد، هو ربط بقاء سوريا، وطناً وبشراً وعمراناً، ببقاء السلطة وامتيازاتها وفسادها، وإلا فلتحرق البلد!

الشرق الأوسط

————————–

رحلة اللاعودة السورية/ خيرالله خيرالله

إنها ليست قصة نصف قرن من عمر سوريا، بمقدار ما هي قصّة التدمير الممنهج لبلد كان مفترضاً أن يكون بين الأكثر حيوية في المنطقة بفضل ما يمتلكه من ثروات، في مقدّمها ثروة الإنسان. إنّها قصة فقدان الأمل باستعادة سوريا، التي استقلّت في العام 1946، في يوم من الايّام.

 قبل خمسين عاماً، في السادس عشر من تشرين الثاني (نوفمبر) 1970 تحديداً، بدأت رحلة اللاعودة في سوريا. رحلة لا عودة سوريا الى بلد طبيعي. في ذلك اليوم، بات مصير سوريا مرتبطاً بمصير عائلة لا يهمّها ما يحل بالبلد بمقدار ما تهمّها ديمومة نظام غير قابل للحياة. 

 ما حاول حافظ الأسد اخفاءه طويلاً، تكشّف بعد موت محمد مخلوف قبل أشهر قليلة. تبيّن أن محمّد مخلوف، والد رامي مخلوف، ليس سوى ابن خالة حافظ الأسد وأنّ كلّ ما قيل عن الظروف التي أحاطت بزواج الأخير من انيسة مخلوف لم يكن صحيحاً. لم يكن صحيحاً أنّ آل مخلوف متفوقون اجتماعياً على آل الأسد وأن محمد مخلوف لعب دوراً في تمكين حافظ الأسد من الزواج من امرأة من آل مخلوف. كلّ ما في الأمر أن حافظ الأسد تزوّج من ابنة خالته وأن شقيق زوجته، وهو ابن خالته، لعب الدور الأساسي في جمع ثروة هائلة كانت تستخدم، في جزء منها، في استيعاب أبناء الطائفة العلوية، خصوصاً كبار الضباط في الجيش والأمن…

 قبل نصف قرن، استولى حافظ الأسد، الضابط العلوي البعثي، الذي شغل موقع وزير الدفاع وقبل ذلك قائد سلاح الجو، على السلطة. لم يجعل من نفسه رئيساً للجمهورية على الفور. كان يعرف مدى حساسية الشعب السوري، بأكثريته السنّية، من تولي علوي موقع رئيس الدولة. أمضى الشهور الأولى من عهده الطويل، الذي استمرّ ثلاثين عاماً في جولات في المناطق السورية المختلفة وفي الصلاة في المساجد السنّية. عيّن رئيساً موقتاً هو أحمد الخطيب (أستاذ مدرسة سنّي من درعا) وأزاحه في شباط (فبراير) 1971 بعدما تأكد من أن سوريا صارت مهيّأة لتولي علوي موقع رئيس الجمهورية.

 لا يمكن تجاهل دهاء حافظ الأسد الذي لم تكن تهمّه سوى السلطة والبقاء في السلطة الى الأبد. لعلّ أهمّ ورقة لعبها هي ورقة الجولان الذي سقط في يد إسرائيل عندما كان وزيراً للدفاع في العام 1967. لا يزال الجولان الى اليوم ضمانة بقاء النظام السوري في دمشق. الأهمّ من ذلك كلّه، أنّ الأسد الأب عرف كيف يتاجر بالجولان في كلّ وقت، بدل العمل من أجل استعادته. ركّز عملياً على كيف يحولّه ورقة في مصلحته، خصوصاً بعد حرب العام 1973 التي خسرتها سوريا، لكنّها أضفت شرعية عربيّة ودولية على النظام الذي لم يستطع، في المقابل، في أيّ وقت اقناع السوريين، بأكثريتهم الساحقة بهذه الشرعية.

 بين 1970 و 2020، مرّت سوريا بظروف مختلفة وصولاً الى ما وصلت اليه، أي الى بلد يرفض النظام فيه الاعتراف بأنّه انتهى وأنّ سوريا تفتّتت وصارت تحت خمسة احتلالات: الاحتلال الإيراني، الإسرائيلي، التركي، الروسي، الأميركي. المهمّ بالنسبة الى النظام أنّ بشّار الأسد ما زال في دمشق ويبدو مستعدّاً للبقاء فيها الى آخر سوري في سوريا والى آخر حجر قائم في أيّ مدينة سورية. 

 عاش النظام السوري في كلّ وقت على الابتزاز. ابتز العرب في كلّ وقت. ابتزّ الأوروبيين والأميركيين بين حين وآخر. كانت لعبته في لبنان مكشوفة منذ اللحظة الأولى. استثمر في حرب بين المقاتلين الفلسطينيين الذين كان يسلّحهم والميليشيات المسيحية في لبنان التي لم يكن بعيداً من دعمها في العام 1975 وفي السنوات اللاحقة. حصل نتيجة هذا الاستثمار على ضوء اخضر إسرائيلي – أميركي سمح له بوضع اليد على لبنان تحت لافتة “قوات الردع العربيّة” في البداية.

 تمثّل الإنجاز الأهمّ لحافظ الأسد، قبل توريث نجله بشّار في العام 2000، في تطويع السوريين وتحويلهم شعباً بائساً من دون كرامة بفضل الأجهزة الأمنية التي أنشأها وصارت الآمر الناهي في بلد لا قضاء مستقلّاً فيه. امتلكت هذه الأجهزة صلاحية إدخال أيّ شخص الى السجن وإخفائه. وهذا انسحب على اللبنانيين في لبنان أيضاً. لكنّ الأهمّ من ذلك كلّه كان القضاء على المدينة السورية بتركيبتها التقليدية وتنوّعها وجعلها أسيرة الضباط أو رجال الأعمال العلويين الآتين من الريف الذين ارتبطوا بطريقة أو بأخرى بالعائلة.

 غيّر النظام طبيعة المدن السورية. كان لدى حافظ الأسد حقدٌ ليس بعده حقد على البورجوازية السورية التي صنعت الاقتصاد السوري. استكمل الكارثة التي بدأت في عهد الوحدة المصرية – السورية بين 1958 و 1961. صنع اقتصاداً جديداً في أساسه العائلة (عائلته) وفي محيطه طبقة الأغنياء الجدد من العلويين الذين قادوا حلف الأقلّيات. لم يعن ذلك استبعاداً للسنّة. على العكس من ذلك، كان مرحّباً بهم كشركاء ثانويين للعلوي في أيّ مشروع تجاري أو صناعي أو زراعي…

 كان انفجار الوضع السوري طبيعياً في العام 2011، خصوصاً بعد إقدام بشّار الأسد على خياره الإيراني. كان والده يلعب إيران ضدّ العرب… والعرب ضدّ ايران. استفاد الأسد الأب الى أبعد حدود من لعبته المفضلّة التي ما لبثت أن ارتدّت على سوريا. هذا ما بدا جليّاً من خلال انحياز سوريا الى إيران خلال الحرب العراقية – الإيرانية بين 1980 و 1988. ذهب بشّار الأسد لاحقاً الى الخيار الإيراني، الذي أسّس له عملياً والده الذي اعتقد أنّ في استطاعته استخدامه بدوره لمصلحة النظام. انتهى الأمر بتحوّل سوريا جرماً يدور في الفلك الإيراني. وضعت إيران نفسها في موقع القائد لحلف الأقلّيات، خصوصاً بعدما ورثت الوصاية السورية على لبنان.

 بعد نصف قرن على قيام النظام السوري، ليس ما انهار سوريا وحدها. ما انهار عملياً هو حلف الأقلّيات، على الطريقة السورية، الذي اعتقد بشّار الأسد، بعد والده، أنّ في استطاعته أن يكون على رأسه مع بعض الزخرفات السنّية التي أتت بها زوجته أسماء (سنّية من حمص).

 سيبقى النظام في دمشق ما دامت سوريا لم تتفتت كلّياً. يكمن النجاح الوحيد لحافظ الأسد ولخليفته في القدرة العجيبة على جعل مصير سوريا رهين مصير العائلة… وشعار “الأسد أو نحرق البلد”. كان العنوان خياراً موفقاً لكتاب الأميركي اللبناني الأصل سام داغر، وهو أفضل كتاب عن سوريا في السنوات العشر الأخيرة! 

النهار العربي

————————–

احتفال على الأطلال.. خمسون عاما من حكم آل الأسد لسوريا

تاريخ طويل من التناقضات والحروب والمآسي في ظل سطوة أسرة كرّست مسيرتها لنفسها.

حملت خمسة عقود منذ تولي أسرة آل الأسد الحكم في سوريا الكثير من التناقضات السياسية والدبلوماسية والمآسي والصدامات تخللتها حروب مع إسرائيل وتدخل في شؤون لبنان وتودّد إلى الولايات المتحدة وعقد تحالفات مع حلفاء جدد متى ما اقتضت المصلحة ذلك، فضلا عن الإمساك بالسلطة بقبضة من حديد من خلال قمع المعارضين ووأد كل المحاولات الشعبية لإصلاح الأوضاع وإعادتها إلى السكة الصحيحة حتى باتت البلاد أمام حتمية انهيار اقتصادي في ظل حرب أهلية مستمرة منذ عشر سنوات دمّرت كل شيء تقريبا.

بيروت – يستحضر الكثيرون في مثل هذا التاريخ قبل خمسين عاما كيف أصبحت سوريا تحكمها عائلة واحدة، وهي آل الأسد، وباتت منذ ذلك الحين مكبّلة ولم يستطع أحد أن يتولى السلطة حتى بعد عشر سنوات من الثورة.

فقد قام حافظ الأسد، الضابط الشاب في القوات الجوية، والذي أتى من المرتفعات الساحلية للبلاد في الثالث عشر من نوفمبر عام 1970 بانقلاب عسكري، وكانت آخر عملية ضمن سلسلة من الانقلابات التي شهدتها سوريا منذ استقلالها عن فرنسا في العام 1946.

ومع ذلك لم يكن هناك أي سبب يجعله الأخير من نوعه، فبعد مرور خمسين عاما على ذلك الانقلاب، لا تزال عائلة حافظ الأسد تحكم سوريا حتى اليوم ولم يتمكن أحد من إسقاطها.

وتحولت البلاد إلى أثر بعد عين عقب حرب قتل فيها نصف مليون شخص، وهجر نصف السكان ودُمّر الاقتصاد، وخرجت مناطق كاملة عن سيطرة النظام، إلا أن ابن حافظ، بشار الأسد، لا يزال متمسكا بما تبقى من البلاد دون أن ينازعه أحد على ذلك.

وتقول زينة كرم، وهي صحافية في وكالة أسوشيتد برس، إن حكم بشار، الذي أمضى نصفه في الحرب يختلف عن حكم أبيه في عدة نواح، حيث اعتمد على الحلفاء مثل إيران وروسيا بدلا من أن يعبر عن انتمائه لفكرة القومية العربية، كما أظهر اعتماده الشديد على المحسوبية التي نهبت ثروات الدولة بدلا من انتهاجه نهجا اشتراكيا يخدم الشعب.

ولكن ورغم ذلك، فإن أدوات الأسد الابن لم تختلف عن أدوات أبيه حيث كان على رأسها القمع ورفض الصلح وإراقة الدماء حتى أن البعض شبّه حكم آل الأسد تماما كما فعلت أسرة كاسترو في كوبا وسلالة كيم في كوريا الشمالية، حيث ارتبط اسم عائلة الأسد بالبلاد كما فعل بعض الحكام من غير الملوك في بلدانهم.

احتفال على الأطلال

لا شيء يدعو إلى التأكيد أو حتى التخمين بأن بشار الأسد سيحتفل هذا العام بمرور خمسة عقود على تولي أبيه السلطة، فالظروف ليست مواتية بالمرة، وحتى وإن فعل ذلك فسيكون احتفاء باهتا لا ينسجم مع الأزمة التي يمر بها بلده على نحو غير مسبوق.

ويفسر نيل كويليام، وهو عضو في برنامج دار تشيذم حول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ذلك قائلا “لا شك أن سنوات حكم عائلة الأسد الخمسين كانت قاسية ومتوحشة وانهزامية، فقد حولت البلد إلى بلد مُحطم وفاشل ومنسي إلى حد كبير”.

وبعد استيلاء حافظ الأسد على السلطة في عام 1970، عمد إلى دعم سلطته وتمتينها، فأتى بشخصيات من طائفته العلوية في سوريا لتحتل مناصب رفيعة في الدولة ثم أسس “دولة بوليسية” تعتمد على الحزب الواحد تبعا للطراز السوفييتي، وهكذا باتت سلطته مطلقة، ونشر عناصر مخابراته في كل مكان ليعزز من أركان حكمه.

حكم آل الأسد

    1967 إسرائيل تحتل مرتفعات الجولان

    1970 حافظ الأسد ينجح في تولي السلطة بعد انقلاب عسكري

    1973 سوريا تدخل مع مصر في حرب مع إسرائيل

    1980 حافظ الأسد ينحاز إلى إيران في حربه ضد العراق

    1982 القوات السورية تجهض تحركا لجماعة الإخوان المسلمين في حماة

    2003 بشار الأسد يعارض الاحتلال الأميركي للعراق

    2005 انسحاب القوات السورية من لبنان بعد اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري

    2011 اندلاع الانتفاضة السورية ولم يسقط بشار الأسد منذ ذلك الحين

وبفضل تلك القيود الصارمة، حوّل سوريا إلى مركز قوة في منطقة الشرق الأوسط، فحظي باحترام البلدان العربية من جراء موقفه الثابت بالنسبة إلى مرتفعات الجولان تلك المنطقة الاستراتيجية التي ضمتها إسرائيل في حرب 1967.

ولم يستسلم حافظ الأسد، بل شنّ بلده في السادس من أكتوبر 1973، هجوما مفاجئا على إسرائيل على مرتفعات الجولان شرقا، بالتزامن مع هجوم مصري من جهة قناة السويس، في محاولة لاستعادة ما خسره العرب من أراض خلال نكسة يونيو 1967.

وبعد ذلك دخل في محادثات سلام مع إسرائيل بوساطة أميركية حينما زار وزيرة الخارجية الأميركي الأسبق هنري كسنجر دمشق في عام 1973 فأبدى شيئا من اللين في بعض الأحيان فقط ليصيب الأميركيين بالإحباط وخيبة الأمل من جراء تراجعه والمطالبة بالمزيد من الأراضي لتنتهي الحرب رسميا بتوقيع اتفاقية فض الاشتباك في مرتفعات الجولان.

وخلال الحرب العراقية – الإيرانية، انحاز حافظ الأسد إلى جانب إيران ضد العالم العربي بكامله الذي كان يدعم صدام حسين، فأسس تحالفا أنقذ ابنه في ما بعد. كما دعم التحالف الذي قادته الولايات المتحدة لتحرير الكويت بعد غزو صدام لها في عام 1990، فحصد بذلك ثقة الأميركيين.

وقد وصف الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون، الذي التقى حافظ الأسد مرات عدة في مذكراته التي تحمل عنوان “حياتي” قائلا “كان رجلا قاسيا لكنه متميز فقد مسح مدينة كاملة عن الوجود ليلقن معارضيه درسا”، في إشارة إلى مجزرة حماة التي وقعت في عام 1982، حيث قتلت قوات الأمن الآلاف لسحق انتفاضة الإخوان المسلمين.

وقد خلّفت تلك المجزرة، التي تعتبر في نظر بعض المؤرخين السياسيين الأسوأ في التاريخ المعاصر للشرق الأوسط ضغينة، وحقدا أذكى نار انتفاضة أخرى قامت ضد ابنه في ما بعد.

وتعليقا على ذلك، يقول سام داغر مؤلف كتاب “الأسد أو نحرق البلد: كيف دمرت شهوة السلطة لدى عائلة واحدة سوريا” إن العنصر الأساسي الذي اعتمد عليه نظام الأسد لبقائه هو عدم القبول بتسوية على الصعيد الداخلي كما قام باستغلال التقلبات الجيوسياسية على المستوى الإقليمي والعالمي، وانتظار الأعداء حتى يخرجوا من اللعبة.

عقود من التقلبات

ترى زينة كرم أن بشار الأسد اقتبس الشيء الكثير من شخصية والده في إدارة دواليب الحكم بعد وفاته في عام 2000، لكنه بخلاف حافظ الأسد أضاع الكثير من الفرص وشذ عن الطريق برأي منتقديه.

ومنذ بداية حكمه حظي بشار بترحيب كبير لكونه أعلن عن التزامه بمسار الإصلاح والتحديث، بما أنه طبيب عيون تدرّب في بريطانيا، حيث ادعى السير على درب الانفتاح عندما سمح بقيام مناظرات سياسية لكنه سرعان ما ضيّق الخناق على شعبه، بعدما واجه تحديات بسبب المتغيرات الجيواستراتيجية التي شهدها العالم، مع هجمات 11 سبتمبر على الولايات المتحدة.

وبما أنه عارض الغزو الأميركي للعراق في العام 2003، حيث كان القلق يساوره من أن يكون هو التالي للإطاحة به من الحكم، ولهذا سمح للمقاتلين الأجانب بدخول العراق من أراضيه، ما غذّى حالة التمرد ضد الاحتلال الأميركي، فأثار بالتالي حنق الأميركيين وغيظهم.

حكم بشار، الذي أمضى نصفه في الحرب، يختلف عن حكم أبيه، فقد اعتمد على إيران وروسيا بدلا من أن يعبر عن انتمائه لفكرة القومية العربية

وقد أجبر بشار الأسد على إنهاء هيمنة سوريا التي طالت على لبنان في 2005 بعدما اتُهمت دمشق باغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري، غير أنه احتفظ بعلاقات متينة مع حزب الله اللبناني. وتماما كما فعل والده، عمد إلى ترقية أفراد من عائلته ليغلف بذلك سلطته، فنشأ جيل جديد شاب أكثر حداثة، لكنه كان أكثر جشعا وطمعا في جمع الثروة بنظر الكثير من السوريين.

وحينما جاءت ثورة ما يسمى بـ”الربيع العربي” كان الكثيرون يظنون أن بشار سيسقط من الحكم بعدما وصلت إلى بلاده في مارس 2011 كون تلك الانتفاضة تعتبر التحدي الأكبر لأسرة آل الأسد.

وكان رد فعل بشار تجاه المظاهرات التي كانت سلمية في البداية بإطلاق يد قوات الأمن لتقوم بقمع المتظاهرين، مما أدى إلى توسّع المظاهرات وازديادها بدلا من إخمادها، ثم تحولها في ما بعد إلى ثورة مسلحة وقفت كل من تركيا والولايات المتحدة ودول الخليج بجانبها.

وهكذا تشتت جيشه، ومع اقترابه من الانهيار، فتح بشار الأسد بلاده أمام الجيشين الروسي والإيراني ووكلائهما الطريق لدخول البلاد فدمروا المدن والمحافظات كما تم اتهامه باستخدام الأسلحة الكيميائية ضد شعبه وقتل الآلاف من المعارضين وسجنهم، مما أدى إلى هرب الملايين منهم إلى أوروبا.

ورغم أن بشار تحول إلى شخصية “منبوذة”، لكنه عمد ببراعة إلى تصوير الحرب على أنها خيار بين بقاء حكمه وبين تسلم المتطرفين الإسلاميين مقاليد السلطة، وعلى رأسهم تنظيم داعش، وبذلك أقنع شريحة واسعة من السوريين والدول الأوروبية بأنه “أهون الشرّين”.

وبفضل تحالفاته مع روسيا وإيران، تمكن من القضاء على الخطر العسكري الذي يهدده وأصبح على يقين أكثر من أي وقت مضى بأنه سيفوز في الانتخابات الرئاسية التي ستجرى في العام المقبل في شبه دولة ممزقة اسمها سوريا.

ويرى داغر أن الحرب غيرت السوريين دونما رجعة، لكن الانهيار الاقتصادي وتزايد المصاعب قد يغيران كل تلك الحسابات، إذ يقول “لقد استفاق جيل كامل من أبناء الشعب ولا بد أن يجد طريقه في نهاية المطاف وأن يستعيد البلاد ويرسم مستقبلها”.

ومع ظهور نتائج الانتخابات الأميركية التي فاز بها الديمقراطي جو بايدن، علق الكثير من المعارضين السوريين على ذلك ساخرين وقالوا “بقي حكم الأسد ورحل تسعة رؤساء أميركيين منذ أيام ريتشارد نيكسون”.

ويقول زاهر سحلول، وهو طبيب أميركي من أصول سورية يعيش في شيكاغو منذ أن غادر سوريا عام 1989، “طيلة حياتي هناك، كان على أبناء جلدتي من السوريين أن يصوتوا أربع مرات في الانتخابات لصالح رئيس واحد، ألا وهو حافظ الأسد الذي لا يزال ابنه رئيسا للبلاد. ولكن بعدما هاجرت إلى الولايات المتحدة قمت بالتصويت لستة رؤساء مختلفين، لذلك أتمنى أن تشهد بلادي انتخابات حرة يوما ما”.

وربما إرث حافظ الأسد كان سيبدو مختلفا تماما لو لم يخلف بشار، بحسب كويليام الذي قال “لم يكن الأمر مواتيا، لكن إرث بشار سوف يلقي بظلاله على إرث الأسد ويجعله مرادفا للقسوة، والتدمير المتعمد لدولة عظيمة، وشعب جميل”.

العرب

———————————–

الحركة التصحيحية… لافتات وذكريات تخنق الأنفاس/ علي سفر

لم تُنفذ صديقتي الصحافية الشابة وعدها بإعارتي دفتراً مدرسياً حصلت عليه أو ربما على صورة مستنسخة لصفحاته من ورشة الخطاطين لبابيدي ورياض، الكائنة في عين الكرش على الضفة الغربية لشارع الثورة وسط دمشق!

كانت تعمل آنذاك على تحقيق صحافي عن خطاطي المدينة أبناء السوق، عندما شاهدت لدى هذين الخطاطين سجلهما العجيب للافتات القماشية التي تحتوي الشعارات القومية والوطنية التي كانا يغرقان بها شوارع العاصمة! فطلبتْ استعارته منهما، واعتبرتْ أنها قد حصلت على السجل العلني للشعارات الأسدية طيلة ثلاثة عقود!

وبينما كنت أنا أسعى للعمل على تحليل سيمولوجي لهذه الشعارات، كانت هي تسعى ربما لبناء مشهدية فيلمية، لتاريخ “اللوغو” السياسي السوري!

وها نحن معاً وبعد مرور عقدين على نهاية حقبة الأسد الأب، تشتتنا، وبات كل واحد منا في منفى مختلف، لم ينجز أي منا مشروعه، وافترستنا مشاريع أخرى ارتبطت بالحقبة الدموية للأسد الابن، ولكنها لم تنسنا المسامير النفسية التي بقيت عالقة في ذواتنا من عهد الحركة التصحيحية التي أُطلق عليها صفة “المجيدة”!

 يتذكر السوريون الذين اعتادوا أن تضطرب مدنهم، في الأسبوع الثاني من شهر تشرين الثاني منذ عام 1970 كيف أن الشعارات كانت تغطي كل شيء في الشوارع، من الجدران وواجهات المحلات إلى المسافات بين الأرصفة، فتمتد لتختفي السماء وراءها.

كان التركيب المشهدي للافتة يقوم على كتابة الشعارات بخط الرقعة بسماكة عريضة، تُقص فراغات دائرية تحتها في منتصفها وعلى جوانبها كي لا تسقطها الريح، فتقع العبارات المهيبة على الأرض!

وعلى الزاوية اليمنى كان يُكتب إسم المؤسسة التي تتكفل بدفع تكاليفها، وفي الجهة المقابلة نجد اسم الخطاطين لبابيدي ورياض اللذين صمماه كلوغو، وكانت تتكرر أسماء آخرين غيرهما، عزت، فارس، أسما وجمال، محمد علي. إلخ.

احتفالات الحركة التصحيحية، كانت أهم مناسبة لترزق فناني الخط. صحيح أن سوريا كانت بلداً تزدحم أيامه بأعياد كثيرة، كعيد ثورة الثامن من آذار، وعيد تأسيس الحزب، وعيد الجلاء، وعيد العمال، وعيد الشهداء، وغيرها، إلا أن ذكرى التصحيح كانت هي الاحتفال الأثير لدى “جماهير الشعب العظيم” كما كان يسميهم إعلام النظام. وفي هذه المناسبة يُبذل الغالي والرخيص لإرضاء القائد الذي صنع المعجزة التي أعادت النضال البعثي من سيطرة أولئك الطفوليين اليساريين (جماعة 23 شباط)، إلى مساره الصحيح، ليكون في خدمة الشعب والثورة. ومن أجل هذين الأخيرين، ستصرفُ كل مؤسسة آلاف الليرات في الخيام التي كانت تنصب أمامها، لتستقبل المهنئين والمحتفلين، بينما يُشعل موظفوها الأرض بالدبكات و”النخ”! وأيضاً ستدفع مبالغ غير قليلة على لوحات الترويج التي ستنشرها في كل مكان.

القطع القماشية المستطيلة

وبالنسبة لي، لن أصاب بالدهشة عندما سأزور أحد أصدقائي من الفنانين الشباب في دمّر البلد، لأجده قد وزع عشرات القطع القماشية المستطيلة البيضاء على أرض الدار العربية التي يسكنها، ليقوم بتخطيط الشعارات عليها، وهو لن يحتاج أن يوضح لي ما الذي يقوم به، فهذه اللافتات كانت رزقاً موسمياً محرزاً! والمناسبة هي مورد رزق لكثيرين ممن يعملون في مهن أخرى، كان في مقدمتها الإعلام!

عدد غير قليل من الصحافيين والكتاب أنفسهم سيتورطون في الاحتفالية السوداء. فحين يختفي الأفق وراء صورة الديكتاتور، ويصبح الكلام كله همساً، رغم الصوت العالي للأغنيات ذات الكلمات الرديئة والألحان البليدة التي تمجد حافظاً، يمكن للمرء أن يرى نفسه وسط هذا كله، والجميع يراقب الجميع، ويحصي عليه أفعاله، وهكذا ستصبح المشاركة مطلوبة طالما أنها تقي المرء شر المخابرات، والتقارير الأمنية، وكتم الأنفاس هنا وهناك!

وهكذا سأجد نفسي، منذ منتصف تسعينات القرن الماضي، عندما بدأت عملي في التلفزيون السوري، في لجة المناسبات المتعددة، والتي كان مديرو ومعدو ومخرجو الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون يكرسون لها جزءاً كبيراً من وقتهم، ومن موارد المؤسسة!

فقبيل موعدها بفترة يجتمع المدراء في “المبنى” ليتوزعوا المهام، وتقسيم أوقات البث بين الحفلات المركزية في المحافظات، وبين برامج المنظمات الشعبية، وبين النقل المباشر للمسيرات الشعبية التي كانت تمتد لساعات طويلة، تتكفل عربات النقل الخارجي ببثها على شاشة القناة الأولى/ البرنامج العام، فيصدر الأمر الإداري لتنفيذ ما تم إقراره!

براغي

ولكن سيحتمل الأمر البحث عن أفكار جديدة، حيث راهن بعض أصحاب القرارات على مجموعتنا القادمة من عالم المسرح والصحافة المكتوبة، فطلبوا أن نقدم لكرنفالهم أفكاراً إبداعية جديدة للاحتفال! سيصاب أغلبنا بالخرس، ولكننا سنرضخ لاحقاً، وسنندمج بين عزقات وبراغي ومسننات الماكينة الصاخبة، وحين تم حشرنا في “خانة اليك” سنمضي بالمزاودة على أولئك الذين وضعونا في رأسهم، أي الموظفين الأقدم منا، الذين كانوا يجولون في أروقة وغرف التلفزيون ومكاتب المديرين معرضين بنا، ويتنمرون علينا بسبب الشعر الطويل وحملنا لحقائب المثقفين، فيهمسون بأننا “شاذين” و”شيوعيين”!

وهكذا سأكتب من أجل إيجاد فرصة عمل، ودفاعاً عن النفس في مواجهة التقارير الأمنية فكرة فانتازية تقوم على ذهاب الكاميرا لزيارة كل الأمكنة والمنشآت والمؤسسات التي حملت اسم “الأسد” و”تشرين” و”آذار”! لكن المدير الذي وصلته الفكرة سيبتسم بلؤم، وسيرميها في سلة المهملات! وسأغبط ما قام به حين أتذكره، لقد نجوت من أن يظهر اسمي على مادة برامجية تمجد الديكتاتور الأب. لم أسأل عن سبب رفض الفكرة، وقد اعتبرت أنها لم تعجب ذلك المدير، إذ ما الفائدة من أرشفة الأمكنة المسماة على اسم الاب وابنه القتيل، والحزب ومناسباته، أمام مواد برامجية كانت تُبنى على النبر العالي في مديح حافظ الأسد وإنجازاته!

ايقاع قصر المهاجرين

التقيت ذلك المدير قبل عامين في إسطنبول، حيث غادر سوريا بعد استدعاء أمني سببه الشك في ولائه للنظام في بداية الثورة، ونسيت سؤاله عن الأمر، بعد أن جرفتنا الأحاديث عن سوريا المحطمة والمختنقة بعيداً عن ذلك الوقت الآثم!

فعلياً، ومن دون اختلاق مبررات، كانت ذكرى الحركة التصحيحية عنواناً كبيراً للمعنى السوري العام طيلة ثلاثة عقود حكم فيها الأب، وكانت بذاتها لافتة معدنية رصاصية قاتمة لاقتصاد كامل، سوق حقيقية، يستفيد منه كثيرون، طالما أن البلاد كلها صارت تمشي على إيقاع الرجل القابع في قصر المهاجرين، وتأتمر بتوجيهات وتعليمات رجاله الذين أقطعهم إياها دون حسيب أو رقيب، هؤلاء الذين سيلهثون كل عام ليكونوا حاضرين في الصحف والمجلات وعلى شاشة التلفزيون، يحتفلون بذكرى التصحيح، وفي كل ظنهم أن الرئيس بذاته يشاهدهم، ويسجل الغائبين منهم في السجل الأسود لغير المرضي عنهم!

لم تختلف سوريا كثيراً بين مرحلتي الأب وابنه، صحيح أن الشعارات القماشية لم تعد متوفرة بذات الكثافة، وأن كساد عمل الخطاطين بات أمراً واقعاً بعد تحول المؤسسات إلى اللوحات المكتوبة عبر برامج التصميم الحاسوبية، تماشياً مع فكرة بشار الأسد ذاته عن التطوير والتحديث وضرورة إدخال المعلوماتية في كل شيء، إلا أن جوهر الأمر لم يختلف: كان مفتاح تدبير الحال، وضمان البقاء، هو كسب الرضا، وطالما أن سلم الرضا ذاته ليس عالياً كما يُعتقد، ستجد تجارة النفاق والتطبيل والتزمير أدواتها، وسيصبح من السهل الحصول على المكاسب المعنوية للطامحين بتسلق السلم والمراتب السلطوية، وأيضاً نهش الجُعالات المادية لغير المهتمين بالمناصب والشاشات والدبكات! 

المدن

—————————–

سياسة آل الأسد الخارجية بين صورتين: “خلي الشوارب على جنب”!/ رامي الأمين

اعتمدت “سوريا الأسد” لخارجيتها وزراء من دون شوارب، في حرص واضح ليكونوا في تماسهم مع الغرب متخففين من رمز ذكوري سلطوي معتمد في صورة الرجل الحاكم في الديكتاتوريات البعثية.

لطوني حنا، الفنان اللبناني المعروف بشاربيه المميّزين، أغنية تقول “لا تحلفيني بالشنب”، لأهمية الشنب في الحلفان(القسَم)، بما يمثله في “الثقافة” الشعبية العربية من رمز للرجولة والفحولة، وتنتهي الأغنية إلى تسوية مع المرأة: “خلّي الشوارب على جنب”. وتكاد تكون هذه العبارة الأخيرة اقرب شعار يمكن اسناده إلى السياسة الخارجية لآل الأسد، منذ إمساك حافظ الأسد بالسلطة في العام 1970 وحتى يومنا هذا، مع وفاة وزير الخارجية السوري وليد المعلّم. فقد اعتمدت “سوريا الأسد” لخارجيتها وزراء من دون شوارب، في حرص واضح ليكونوا في تماسهم مع الغرب متخففين من رمز ذكوري سلطوي معتمد في صورة الرجل الحاكم في الديكتاتوريات البعثية، من صدام حسين في العراق إلى حافظ الأسد في سوريا وصولاً إلى بشار.

والمفارقة هذه تطال ثلاثة وزراء تعاقبوا على حقيبة “الخارجية” منذ استلام آل الأسد الحكم في سوريا، وثلاثتهم، عبد الحليم خدام، فاروق الشرع ووليد المعلم، كانوا من دون شوارب. لقد تركوا (خلّوا) الشوارب (على جنب) للداخل السوري، للقبضة الأمنية، وللضباط وطبعاً للحاكم الديكتاتور في تعاملهم جميعاً مع الشعب السوري، فيما تُحلق الشوارب للتعامل مع الخارج.

في صورة “رسمية” لعائلة حافظ الأسد مؤرخة قبل العام 1994، يبدو فيها حافظ جالساً إلى جانب زوجته انيسة، وخلفهما يقف كل من ماهر وبشار وباسل وماجد وبشرى الأسد. الذكور كلهم في الصورة يحتفظون بشواربهم، بما في ذلك حافظ وقد بدا شارباه خفيفين بسبب الشيب الذي غزاهما. وجميع من في الصورة يبدون متجهّمين ما عدا انفراجة في وجه ماجد وابتسامة واضحة على وجه بشرى. وكلاهما، ماجد وبشرى لم يعملا بشكل مباشر في السياسة، ولم تكن لهما أدوار أمنية أو عسكرية معروفة في العائلة الأسدية. فيما بقية الأخوة الذكور، من باسل الذي كان يفترض ان يرث حافظ وتوفي بحادث سير بعد التقاط الصورة على الغالب بفترة قصيرة، إلى ماهر الذي لعب ويلعب دوراً كبيراً في قيادة القوات المسلحة السورية وهو المسؤول عن الحرس الجمهوري وقائد الفرقة الرابعة المدرعة، إلى بشار الذي ورث والده بعد وفاته في العام 2000، كلهم متجهّمو الوجوه ينظرون إلى الكاميرا نظرة متعالية، كما لو كان الشعب كله مسجوناً في عدستها.

الاخوة الثلاثة، باسل، ماهر وبشار، في هذه الصورة، مع شواربهم، وتجهّمهم، يعكسون المنطق البطريركي الذكوري في حكم سوريا وشعبها، في وقت تعكس صور وزراء الخارجية الثلاثة، خدام والشرع والمعلّم، المنطق التفاوضي التنازلي للنظام السوري في علاقاته الخارجية في سبيل الحفاظ على رأسه. حتى الممثل الدائم لسوريا في الأمم المتحدة بشار الجعفري يعتمد “لوك معاصر” أقرب إلى الغرب معتمداً “السكسوكة” دوناً عن الشاربين، ولا تخترق هذه “القاعدة” سوى اسثتناءات بسيطة من هنا وهناك، فغازي كنعان الأمني الذي حكم لبنان عبر ترؤسه شعبة الاستخبارات العسكرية في لبنان، ثم عاد وعُين وزيراً للداخلية في عهد بشار الأسد، كان من دون شوارب، ربما لقربه من خدّام، وهذا القرب هو الذي تسبب، على الغالب، بـ”انتحاره”.

الصورة “الرسمية” التي أثارت الجدل

ومع الصورة “الرسمية” هذه لآل الأسد مجموعين، تبدو المقارنة مغرية مع صورة أخرى لبشار الأسد وزوجته أسماء مع طفليهما، تصدّرت غلاف مجلة “لها” اللندنية التابعة لصحيفة “الحياة” في ديسمبر 2002، خلال زيارة الأسد وزوجته إلى العاصمة البريطانية ولقائهما بالملكة ايليزابيث ورئيس الوزراء البريطاني توني بلير. والصورة حملت شحنة كبيرة من الفرح والتلقائية والبساطة، وبدا فيها الأسد كأنه يقدم مع عائلته صورة “غربية” تحاول كسر الصورة النمطية والتقليدية عن ديكتاتورية آل الأسد. بدا الأسد في الصورة أباً وزوجاً وحبيباً وشاباً مفعماً بالحب والبهجة، وبدا شارباه متخففان من الصرامة التي يبدوان عليها في صورته خلف ابيه وامه في صورة العائلة الأسدية. الصورة التقطها المصور السوري عمار عبد ربه الذي كان من القلة التي سُمح لها بتصوير الرئيس وعائلته، وتفاجأ عمار بعد نشر الصورة على غلاف المجلة، أنها مُنعت من التوزيع في سوريا. قرر النظام السوري أن الصورة هذه ليست للداخل، بل حصرية للخارج.

كان الأسد في هذه الصورة، يغنّي للغرب مع طوني حنا: “لا تحلفوني بالشنب… وخلو الشوارب عجنب”. لكنه في الآن عينه، كان يقول للداخل بلهجة صارمة ديكتاتورية تشبه لغة أبيه وتشبه نظرته في الصورة الأسدية خلف أبيه: “ايدي عشواربي… إلى الأبد”!

درج

————————

حافظ الأسد ونحن/ عمر قدور

يُحكى أن حافظ الأسد عندما قام بانقلابه، ودخل مكتب الرئيس نور الدين الأتاسي ورأى مكتبته، استدعى مدير مكتب الأخير وسأله: هل قرأ “معلمك” كل هذه الكتب؟ أجاب الموظف بأنه كان يرى رئيسه يقرأ في كثير من الأحيان. ليقول حافظ: وما رأيك في أنني لم أقرأ ولا كتاباً منها ومع ذلك غلبت رئيسك؟ ثم انفجر ضاحكاً ضحكة المنتصر. يروي مصطفى طلاس أن حافظ الأسد كان الأول على الكلية الحربية، عندما كان طالباً فيها، في مباريات النطح. يبدو أن تلك المسابقات تجري بتبادل النطح بين متنافسَين، والفائز هو من يطيح الآخر، وأغلب الظن أن طلاس كان يروي تلك “المأثرة” عن رئيسه بنوع من المديح، أو ليدل على أن هناك ما يُثنى عليه في ذلك الرأس “الذي لم يكن يكترث بالقراءة”.

صاحب رواية بطل النطح “مصطفى طلاس” هو أول من اقترح لقباً لحافظ الأسد، في المؤتمر العام الأول لحزب البعث بعد “الحركة التصحيحية”، اللقب بقي شائعاً لسنوات ودخل في بعض الأغاني التي تمتدح الأسد، خاصة بعد حرب تشرين 1973. اللقب هو “قائد المسيرة”، ذلك على سبيل الاختصار والاستعجال أما اللقب كاملاً الذي أقره مؤتمر الحزب باقتراح من طلاس فهو “قائد مسيرة الأمة العربية نحو الوحدة والحرية والاشتراكية”. سيتواصل تأليف تلك الأغاني التي تمتدح السلطان، ويتواتر فيها استخدام اللقب الذي اختاره صاحبه لنفسه “أبي سليمان”، حتى يعتقد سوريون كثر أن هذا هو اسم أبيه، في حين أن اسم أبيه هو علي، واسم ابنه البكر باسل وكان قد تجاوز الثامنة من عمره وقت انقلاب أبيه لكنه لم يتكنى به إلا مع إشهار مشروع التوريث الذي اقتضى الانتقال من “أبي سليمان” إلى “أبي باسل”.

بين أبي سليمان وأبي باسل، كانت الألقاب تتوالى في الإعلام المحلي وكأننا إزاء مزاد عام تُكتشف فيه مواهب القائد الفذّ، أو تُخترع له مواهب وشيم وخصال برهانها وإثباتها الأقوى قدرته على الإمساك بالسلطة. كما هو معلوم، لا ثقة للسوريين بإعلام السلطة، رغم تأثيره الناعم واللامرئي حتى على البعض ممن كانوا يعلنون عدم ثقتهم به. في مسيرة ذلك الإعلام لصناعة صورة “القائد التاريخي” تلقى جرعتي دعم كان لهما مفعول شديد ومديد، أولهما من كريم بقرادوني في كتابه “السلام المفقود-عهد الرئيس إلياس سركيس 1976-1982″، الكتاب كان ممنوعاً من التداول في سوريا بموجب تعليمات شكلية للرقابة، ومن المحتمل أن المنع ساهم في ترويج الكتاب، ولم يكن حائلاً دون إقامة ندوات مخصصة عن شخصية حافظ الأسد الفذة كما تظهر في كتاب بقرادوني.

جرعة الدعم الأقوى ستأتي من باتريك سيل بكتابه “الأسد: الصراع على الشرق الأوسط”، الكتاب الذي تضمن رواية حافظ الأسد عن تاريخه الشخصي وتاريخ عائلته، وعن دوره السياسي منذ كان طالباً، أي الصورة التي يريد الترويج لها. أيضاً لم يكن تداول الكتاب مسموحاً به بموجب الرقابة، وهذا لم يكن حائلاً دون انتشاره الواسع، ولا دون إقامة ندوات عامة عنه أو الاحتفاء الواضح بمؤلفه. من كتاب باتريك سيل سيعرف السوريون مثلاً السبب المزعوم لتكني حافظ بجده سليمان، الذي بحسب روايته كان بطلاً في المصارعة، ولعل فخره بجده “القوي بدنياً” يعزز رواية طلاس عن بطولة النطح، وأيضاً تلك الحكاية عن احتقاره عادة القراءة لدى سلفه الأتاسي. إذا كان من فضل لأشخاص في صناعة صورة حافظ الأسد فالفضل يعود بالتأكيد إلى بقرادوني وسيل اللذين أتيا “نظرياً” من موقع الحياد، وأسبغا عليه صفات من الذكاء والشطارة والحذاقة تعزز سردية الإعلام الأسدي عن القائد الاستثناء.

ثمة أفضال أخرى ضئيلة لمسؤولين أجانب، للأمريكيين منهم وقع خاص، قام الإعلام باجتزاء كلام لهم عن حافظ الأسد ليحتمل المديح فحسب. الحصيلة أن بعض ما هو خارج عن اللباقة السياسية والدبلوماسية سيصبح موهبة فذة، كالكلام عن “دبلوماسية امتلاء المثانة” عطفاً على إسهاب حافظ الأسد في الكلام وإطالة وقت اللقاء لتمتلئ مثانة ضيفه فلا يقوى على التحمل. أو طريقة تعامله مع القيادات اللبنانية، حيث كان يمر الواحد منهم أولاً بمكتب عبدالحليم خدام، فيتعاطى معه بقسوة أو تهديد كجلاد في فرع مخابرات قبل إدخاله للقاء حافظ الذي سيبدو رؤوفاً أحياناً بالقياس إلى الوعيد المرسل عبر خدام، بينما يكون الضيف خائفاً وجاهزاً لتنفيذ ما يريده الأسد، يا للبراعة الاستثنائية حقاً!

يتداول السوريون عبارة منسوبة إلى الرئيس شكري القوتلي بعد توقيعه اتفاقية الوحدة مع عبدالناصر، إذ قال له: أنت لا تعرف ماذا أخذت يا سيادة الرئيس. أنت أخذت شعباً يعتقد كل واحد فيه أنه سياسي، ويعتقد نصف ناسه أنهم زعماء، ويعتقد ربعهم أنهم أنبياء بينما يعتقد 10% منهم أنهم آلهة. هذه العبارة المنتشرة يُفترض أنها سبقت انقلاب حافظ الأسد بدزينة من السنوات فقط، وسبقت انقلاب البعث بخمس سنوات فقط. نحن أمام مفارقة جارحة جداً؛ شعب بتلك المواصفات، شعب ينبغي أن يكون عصياً على الترويض، ستأتي مجموعة انقلابية لتطرده خارج حلبة السياسة، وليقتصر الصراع على المجموعة البعثية الحاكمة خلال سبع سنوات. ثم لاحقاً سيبرز من بين تلك المجموعة الأكثر تواضعاً بمواصفاته، إن على صعيد الثقافة أو على صعيد الالتزام الحزبي أو على أي صعيد يمنح صاحبه خصوصية عالية، لينقلب ذلك المغمور قليل المواهب على رفاقه المتفوقين عليه نظرياً، وليحكم شعباً كان إلى عهد قريب يعتقد كل واحد من بين اثنين أنه الأجدر بالزعامة، إذا استثنينا الأنبياء والآلهة!

ما الذي حدث لذلك الشعب خلال مدة زمنية قصيرة جداً؟ كيف أصبح بأكمله خارج السياسة؟ وكيف تخلى نصفه عن طموحاته في الزعامة؟ ولماذا نسبة قليلة جداً من هذا الشعب بالكاد تعرف أسماء رؤساء سوريين باستثناء شكري القوتلي إلى حد ما، لتتكرس صورة حافظ الأسد كأنه الرئيس الوحيد، لا إلى الأبد كما تقول دعايته وإنما منذ الأزل أيضاً؟ وكيف تمكن حافظ الأسد من الانقلاب على رفاقه الأعلى منه بالعديد من المقاييس؟ وباستثناء الذين زجّ بهم في السجن حتى الموت، لماذا لم نحظَ برواية الناجين منهم عن تلك المرحلة من أجل فهم أوسع لها؟ يُروى أيضاً أن شكري القوتلي استطرد مخاطباً عبدالناصر: أخذت أناساً فيهم من يعبد الله، وفيهم من يعبد النار، وفيهم من يعبد الشيطان، وفيهم من يعبد الفرج. فلماذا راجت العبارة الأولى المنصرفة كلياً إلى السياسة، بخلاف الاستطراد الذي يشير إلى الفوارق الدينية والمذهبية؟

نحن الآن مع نهاية نصف قرن من انقلاب حافظ الأسد، الانقلاب الذي نفذته مجموعة صغيرة جداً، قوامها الأساسي من الشرطة العسكرية التي اعتقلت القيادة السابقة، من دون وجود قطعات عسكرية تقاوم الانقلاب الذي يقوده وزير الدفاع المُقال من قبل رفاقه هو ورئيس أركانه مصطفى طلاس. كان حكم البعث قد شهد انقلاباً قبل أربع سنوات سُمّي حركة 23 شباط، وفي أيلول من العام نفسه شهد محاولة انقلاب قادها سليم حاطوم، وكاد الأخير على الأقل يوقع بصلاح جديد وآخرين بإمكانيات بسيطة، لكن صلاح جديد وحلفاءه لم يتعلموا الدرس البسيط الذي وضع الثقل في الجيش لا في أي مكان آخر، وهذا ما كان يجب أن يستوعبه الجميع منذ انقلاب الشيشكلي إذا لم نقل منذ انقلاب حسني الزعيم. هذا ما يدحض ذلك المخيال عن شعب نصفه من الزعماء، ما دام الصراع كان محصوراً قبل الوحدة وانقلاب البعث بين نخبة سياسية بدأت تجربتها الليبرالية الواعدة أيام الانتداب الفرنسي وقادةِ جيش أو ضباط كانوا طامحين على الدوام إلى وراثة ذلك الانتداب، إنما على شاكلة الاحتلال الفظ.

لم يلقَ انقلاب حافظ الأسد مقاومة شعبية ولو بحدود رمزية، باستثناء جدل سرعان ما طوي حول إسلامه لكونه علوياً. منذ اللحظة الأولى للانقلاب تصرف باستهانة بالغة، فأتى بشخص مغمور “هو نقيب المعلمين أحمد الخطيب” ليعينه رئيساً مؤقتاً، وأتى برئيس اتحاد الطلبة متعب شنان “الذي لم يؤدّ الخدمة العسكرية بعد” ليعينه وزيراً للدفاع، وهما مثالان على الاستهانة بمنطق الدولة التي أمسك بها من منصبه المؤقت كرئيس للوزراء.

في جولته على مدن سورية لحشد التأييد بعد الانقلاب، استقبل حافظ الأسد المباركين له، وربما بعض الشركاء الجدد وبعض الناصحين. في حلب مثلاً، سيكون هناك من ينصحه بأخذ صورة بالزي المدني، صورة أكثر ملاءمة لرئيس المستقبل من صوره المنتشرة في الإعلام بالزي العسكري، وهكذا سيلتقط له مصور حلبي شهير الصورة التي سيتكرر ظهورها في وسائل الإعلام في الفترة الأولى من عهده. ذلك الناصح سيكون عضواً في لجنة تعديل الدستور التي أتاحت لبشار وراثة أبيه، يا للمصادفة! تعاملُ السوريين مع الانقلاب الجديد يذكّرنا بما يُروى عن مظاهرة شهدتها دمشق يوم الانقلاب على الوحدة، وفحوى الرواية أن المظاهرة خرجت تأييداً للانفصال، وكان من خط سيرها الشارعُ الذي تقع فيه مدرسة الرياضة العسكرية آنذاك؛ في ذهابها كان المتظاهرون يهتفون تأييداً للانفصال وهجوماً على عبدالناصر، لكن “القيادة الثورية للقوات المسلحة” أصدرت في تلك الأثناء البيان رقم 9 الذي تعلن فيه الحفاظ على الوحدة، فعادت المظاهرة نفسها والمتظاهرون يهتفون تأييداً للوحدة وعبدالناصر.

السوريون ليسوا شعباً من المنافقين على غرار تلك المظاهرة، وليسوا شعباً من السياسيين والزعماء والأنبياء والآلهة بحسب الكلام المنسوب إلى الرئيس القوتلي. فرضية النفاق المعمم استُخدمت دائماً ذريعة لتبرير استحقاقهم الاستبداد، فوق ما فيها من تنميط. والفرضية الثانية ثبت خطؤها ككل تعميم، لكن مع ثبوت مضارها، فشعب من هذا الصنف لا بد أن يكون مروّضه فيه الكثير من الخصال الاستثنائية، وخطورة العبارة هذه في أنها ترضي معارضين ومؤيدين، كل منهم لأسبابه.

نصف قرن على انقلاب حافظ الأسد، على وجود الأسدية وانتفاء سوريا والسوريين؛ هي مدة تستحق التأمل والفهم. لدينا الآن تجربة بالدم الطازج، فمهارات الوريث الشخصية لا تقارن بكفاءات سورية، بما فيها كفاءات في صفوف المعارضة، لكنه تمكن من البقاء، والأخطر من بقائه ذلك الفشل المدوي للمعارضة. لا يهم أن يكون بشار المعادل الأسدي لشخص مثل أبي عمشة في مقلب ما تبقى من فصائل محسوبة على المعارضة، لأن الانحدار المعمم وصفة أمثل لبقاء الأسدية. السؤال هو: لماذا فشلت المعارضة في أن تخسر بشرف؟ أم أن كلامنا عن كفاءاتٍ معارضة هو استئناف لذاك الوهم عن شعب نصفه من السياسيين؟

المدن

—————————–

على هامش الحركة التصحيحية/ بشير البكر

مات وزير الخارجية السوري، وليد المعلم، في 16 نوفمبر/ تشرين الثاني الحالي، اليوم الذي صادف الذكرى الخمسين للحركة التصحيحية التي قام بها الرئيس السوري السابق، حافظ الأسد، ضد رفاقه في الدولة وحزب البعث، حيث اعتقل رئيس الجمهورية نور الدين الأتاسي، ورئيس الحكومة يوسف زعين، والأمين العام لحزب البعث صلاح جديد، بالإضافة إلى قيادات وازنة في الجيش والحزب لم تؤيد الانقلاب. وتستحق فترة المعلم في الخارجية وقفة تأمل خاصة، كونه الوزير الوحيد، خلال حكم الرئيس بشار الأسد، الذي لم يتحرّك من مكانه منذ وصوله إلى المنصب في فبراير/ شباط 2006. ولا يحتكر المعلم وحده هذه الخاصية، بل يتشارك فيها مع من سبقه إلى وزارة الخارجية، في فترة الأب، الوزيرين عبد الحليم خدّام وفاروق الشرع. وكلاهما مكث في المنصب فترة طويلة، في حين تغيرت حكومات كثيرة. ويكمن سر البقاء في المنصب، على الرغم من التعديلات الوزارية، لدى الأسدين، الأب والابن، في إتقان وزراء الخارجية الدور على نحو جيد، مثل الضباط المسؤولين عن الأجهزة الأمنية، علي دوبا، محمد ناصيف، وعلي مملوك، الذين يفهمون بالإشارة على حد قول المثل الشعبي. ومن يخرج عن الخط ويشتغل لحسابه الخاص يلق مصير غازي كنعان، الضابط المدلل في فترة الأب، رئيس الاستخبارات السورية في لبنان، والذي تولى في عهد الابن وزارة الداخلية، ولكنه مال صوب رئيس وزراء لبنان حينذاك، رفيق الحريري، فلقي مصيرا أسود.

منذ خمسين عاما، أصبحت الحركة التصحيحية بمثابة العيد الوطني الذي يتم الاحتفال به رسميا وشعبيا، ولا تعلو عليه مناسبة وطنية أخرى، وبسبب تمجيد “القائد حافظ الأسد للأبد”، سقطت أعياد أخرى، رغم أهميتها في التقويم السوري، مثل عيد الجلاء في 17 إبريل/ نيسان، وعيد انقلاب البعث في 8 مارس/ آذار، وعيد تأسيس البعث في 7 إبريل. ولا يعرف السوريون في الخمسين عاما التي مضت سوى عائلة الأسد التي حكمت البلد فعليا في 16 نوفمبر، ومن لم تسنح له فرصة السفر للعمل أو الهجرة إلى خارج سورية، فإنه يكون قد عاش حياته في هذا السجن الكبير الذي فصّله الأسد الأب ليكون على مقاس شعبٍ بأكمله من الطفل وحتى العجوز. وبنى الأسد نظاما يحفظ الحكم في ذريته إلى قرن على الأقل. وقد استعار نموذجه من كوريا الشمالية التي كان يحكمها كيم إيل سونغ، واستمر النظام بعده في نجله وحفيده الحاكم الفعلي حاليا كيم يونغ. والقاعدة الأساسية التي يقوم عليها النظام هي أجهزة الأمن.

عمر الدولة السورية 100 عام. تأسست عام 1920 حين تم وضعها تحت الانتداب الفرنسي بعد نهاية الحرب العالمية الأولى. منها 50 عاما حكم آل الأسد، وقرابة ربع قرن تحت انتداب فرنسا، والربع الآخر مضى بين الانقلابات العسكرية والوحدة مع مصر و”البعث”. قرن كامل ضاع من عمر هذا البلد الذي يحتل موقعا استراتيجيا هاما، أوقعه في مرمى الأطماع والنزاعات الدولية. وبعد 50 عاما مرت في ظل الحركة التصحيحية لم يفقد السوريون الأمل بالخلاص، وبقي هذا البلد يحظى بمكانةٍ ثقافيةٍ واجتماعيةٍ فريدة، بفضل أهله الذين يمتازون بأنهم من الشعوب الحية المحبة للعمل والبناء. ولذلك لم يمنعهم وجود نظام حكم عائلي أمني استبدادي خمسين عاما من بناء البلد، بما تيسّر من موارد، والحفاظ على طاقة التجدّد التي ساعدتهم طيلة العقد الأخير على مواجهة توحش آل الأسد الذين استخدموا كل أسلحة القتل والدمار للبقاء في الحكم. وقدّم السوريون تضحيات، خلال عشرة أعوام من الثورة، كي يطووا صفحة آل الأسد، ويطردوا هذا الكابوس الطويل من حياتهم.

العربي الجديد

——————————–

خمسون عاماً نزداد خراباً ” البيعة” و “الحداثة ” يداً بيد!/ جمال سعيد

منذ نصف قرن ، استطاع حافظ الأسد، وزير الدفاع في سورية أن يقود انقلاباً، وأطلق عليه اسم “الحركة التصحيحية المباركة” وأحياناً “المجيدة”.  تحول الوزير المذكور بموجب الانقلاب إلى رئيس للجمهورية، وأقام تقليداً ينتخبه فيه الشعب كل سبع سنوات بصفته المرشح الوحيد لرئاسة الجمهورية. عشية انقلابه وزعت آلاف الصور التي تطلق عليه لقب:” ابن الشعب”، وتكرر في إذاعة دمشق بث أغنية للمطرب مصطفى نصري، تصفه باللقب إياه. ثم أطلق عليه   “لقب قائد المسيرة” بناء على مقررات المؤتمر القطري الخامس العادي لحزب البعث الذي انعقد من 8-14 أيار مايو 1971. أشارت تلك المقررات إلى أن:”التاريخ بدون شك ليس تاريخ أفراد وإنما تاريخ شعوب” وسوغت إرساء أسس التهليل للأسد وعبادته بالإصرار على أن (شعبنا) نتيجة الظروف التي رافقت تطوره الخاص يؤكد على ضرورة وجود قائد، ويرى في الرفيق حافظ الأسد تجسيداً لهذا القائد. في الدستور المؤقت،  الذي تم وضعه بعد الانقلاب بأشهر، يتكرس حزب البعث بصفته قائداً للدولة والمجتمع. قدمت وثائق المؤتمر الخامس العادي تبريراً لحلول قائد المسيرة الفرد محل  حزب البعث مفاده أن “التفاف الجماهير حول قائدها لا ينقص القيادة دورها، فالرفيق حافظ الأسد حزبي ملتزم بقرارات القيادة العليا متفاعل معها”.

عبرت مؤتمرات البعث عن حالة من الارتياح الشعبي “للقيادة التاريخية الاستثنائية”، ففي عام 1984 مرض حافظ الأسد وحاول أخوه رفعت،  قائد سرايا الدفاع،  الاستيلاء على الحكم مستغلاً فرصة المرض هذه. وبسسب فشل انقلابه أضحى “قائد الفرسان”- وهو لقب رفعت – خارج البلاد. وفي عام 1985 انعقد المؤتمر القطري الثامن وبذل المؤتمرون جهوداً تعبيرية وصوتية كبيرة، اتفقوا من خلالها على أن “الولاء لحافظ الأسد هو ولاء للحزب والشعب وقضيته، وأن الإخلال بالولاء تحت أي صورة كانت يشكل انحرافاً خطيراً يرفضه الحزب وترفضه الجماهير”. (يمكن لمن يظن أني أبالغ أو أسخر ، مراجعة  التقرير السياسي الصادر عن المؤتمر القطري الثامن عام 1985- الصفحة 7 ). واخترعت آلة الألقاب في الحزب شعار:” قائدنا إلى الأبد .. الأمين حافظ الأسد” ، وأقر المؤتمر القطري الثامن الشعار المذكور لمواجهة رفعت، وكل من تسول له نفسه القيام بانقلاب. كتب ذلك الشعار بأنواع متعددة من الخطوط العربية، على العديد من الأسوار والجدران، واستمر ترديد ذلك الشعار في المدارس والثكنات حتى بعد موت حافظ الأسد. ولاحقه بعثُه بالألقاب إلى قبره، حيث أطلق عليه لقب “القائد الخالد” الذي يتكرر حالياً في الصحف السورية ومواضيع الانشاء واللقاءات مع القبيسيات وحيثما يستدعي الأمر خطاباً رسمياً.

في عام 1991 كنت أتجول في شوارع دمشق، كان حضور صور حافظ الأسد في شوارع الشام كثيفاً. صورة هائلة تغطي شبابيك مبنى المحافظة، صورة أخرى بزي قاض وقد كتب تحتها القاضي الأول، وأخرى بزي محام مع دعوة لانتخاب المحامي الأول، وقرأت أيضاً ألقاباً أخرى مثل: الطالب الأول والفلاح الأول والعامل الأول وغيرها من ألقاب تصلح للسخرية من بهلول أو من دكتاتور .

قرب فندق الشام -بناية الكويتي سابقاً- اقتحم الشارع فجأة مجموعة من العسكريين ببدلات مموهة ، كانت أزرار الستر مفتوحة وكان العسكريون يركضون وقد غرسو على نحو واضح في في لحم صدورهم دبابيس تنتهي بدوائر معدنية عليها صورة لحافظ الأسد. كانوا يصرخون بإيقاع يتماشى مع ركضهم رملاً :”حافظ.. أسد .. رمز الثورة العربية”. أما السيارات والمارة فكانوا يفسحون الطريق للجنود الذين يستسيغون لقب :”وحوش الحرس الجمهوري”. نقلت بصري بين الجنود واللافتات، وتذكرت باقي أدوات “استقرار” المجتمع إلى حد اليباس.  وخطر لي أن الألقاب التي تطلقها “لافتات المنظمات الشعبية” وباعة الجملة والمفرق على حافظ الأسد في أسواق دمشق تزيد ربما على 99 لقباً.

أمام مكتبة ميسلون ( كفت عن أن تكون مكتبة  لاحقاً  مثل  مكتبات عريقة أخرى) التقيت إبراهيم ، أحد زملاء الدراسة القدامى. هنأني بالخروج من السجن، وقال لي أنه كان بالإمكان تجنب التضحية المجانية. قال لي: “البلاد كما ترى!” ثم رسم بيده دائرة حولنا  مشيراً إلى الصور والأغاني التي تحيط بنا، وتحول هواء المدينة إلى مستعمرة للضجيج. محلات كثيرة كانت تضخم الأغاني التي تمتدح ” قائد الأمة ورمز عزتها”، وتذيع مقتطفات من خطبه، عبر مكبرات صوت موصولة بأجهزة تسجيل  . على سور نادي الضباط علقت ملصقات عليها مقتطفات من أقوال حافظ الأسد،  منها:”لا حياة في هذا القطر إلا للتقدم والاشتراكية ” وعند مدخل شارع الحمراء نبهني ابراهيم إلى صورة لحافظ الأسد بثياب الإحرام في الحج. وقد كتب تحتها “الرئيس المؤمن”.

 في لافتة مواجهة لي ولإبراهيم قرأت بصوت واضح “غرفة تجارة دمشق تعاهد باني سورية الحديثة على تجديد البيعة .. وبخط أصغر كتب: “تقدمة محلات …” سألت زميل الدراسة:

– إبراهيم، كيف يمكن أن تجتمع “الحداثة” مع “البيعة” ؟

– كما يجتمع المشايخ ورئيس اتحاد الكتاب وقادة احزاب الجبهة من شيوعيين وناصريين وغيرهم من الموالين في دبكة واحدة ، وكما يجتمع الأخوان المسلمون والشيوعيون والناصريون وغيرهم من المعارضين في سجن واحد.

———————————

عشية الذكرى الـ50 لـ«الحركة التصحيحيّة»: البحث عن أحمد الحسن الخطيب/ حازم صاغية

ليس واضحاً كيف سيُحتفل بعد أسبوعين بالذكرى الخمسين لقيام «الحركة التصحيحيّة المجيدة» في سوريا. شيء واحد مؤكّد: إنّ اسم السيّد أحمد الحسن الخطيب لن يؤتى على ذكره.

تجاهل الرجل، ولو أنّه ليس جديداً، ينبغي أن يثير بعض الاستغراب: فمن يظنّ أنّ وزير الدفاع حافظ الأسد هو الذي تولّى منصب رئاسة الجمهوريّة في أواخر نوفمبر (تشرين الثاني) 1970 مخطئ. من تولاّها هو… أحمد الحسن الخطيب. هذا ليس مزاحاً. راجعوا الأرشيف.

لكنْ من هو أحمد الحسن الخطيب؟ هل يُعقَل أنّ من تسلّم رئاسة جمهوريّة كان سكّانها يعدّون في 1970 أكثر من ستّة ملايين شخص، مجهول بالكامل؟

البحث عن الرئيس المذكور عمليّة مُرهقة، خصوصاً حين لا يقود إلى العثور عليه. إنّه أشبه بالبحث عن الذهب في الغرب الأميركي. لقد عدت إلى كتاب الصحافيّ البريطانيّ باتريك سيل عن حافظ الأسد «الأسد: الصراع على الشرق الأوسط»، الذي يراه البعض مرجعاً مميّزاً، بينما يشكّك فيه بعض أكبر. لم أجد في الكتاب سوى عبارة يتيمة عن الخطيب، ثلاثة أرباعها عن حافظ الأسد. تقول العبارة حرفيّاً: «لدى إطاحة (صلاح) جديد، بدا الأسد، بدوره، متردّداً في تجاوز العتبة إلى المنصب الأعلى، مقنعاً نفسه في البداية بالاكتفاء بلقب رئيس الحكومة، ودافعاً بأحمد الخطيب إلى الأمام كرئيس للدولة، وهو أستاذ مدرسة سنّيّ، غير معروف إلا قليلاً، وفي التاسعة والثلاثين من عمره» (ص. 172-3). هنا ينتهي الحديث عن الخطيب الذي يختفي تماماً على مدى 552 صفحة، ليعود باتريك سيل إلى حافظ الأسد ويتابع مسيرته.

راجعتُ أكثر من عشرة مواقع إلكترونيّة سوريّة فلم تتجمّع بين يدي، عن سيادة الرئيس الأسبق، سوى المعلومات الفقيرة التالية:

أحمد الحسن الخطيب سنّيّ من قرية نمر، قرب جاسم، في محافظة درعا الجنوبيّة. انتسب إلى حزب البعث العربيّ الاشتراكيّ، وحصل على إجازة في الأدب العربيّ من جامعة دمشق، ثمّ درّس هذه المادّة لعدّة سنوات. بعد انقلاب 23 فبراير (شباط) 1966، وهو انقلاب «يسار» البعث على «يمينه»، انتُخب نقيباً للمعلّمين السوريّين. تولّى رئاسة الجمهوريّة في 18 نوفمبر (تشرين الثاني) 1970، أي بعد يومين على قيام «الحركة التصحيحيّة». لم يُعرف عن رئاسة الخطيب سوى انشغاله باستقبال المهنّئين الكثيرين، وخلافاً للمعتاد، لم تظهر أيّ صورة له إبّان ذاك العهد الرئاسيّ القصير. المطابع كانت مشغولة بتوزيع صور لشخص آخر هو حافظ الأسد.

في 22 فبراير (شباط) 1971، استقال الخطيب إثر استفتاء شعبيّ منح الأسد نسبة تأييد قاربت المائة بالمائة ليكون هو رئيس الجمهوريّة. في اليوم نفسه سُمّي الرجل المستقيل رئيساً لـ«مجلس الشعب»، أي البرلمان، في سوريا. كذلك أُعلن عن إنشاء «مجلس تأسيسيّ» عُيّن رئيساً له، حيث بقي حتّى سبتمبر (أيلول) 1971. مع الاتّفاق على إقامة «اتّحاد ثلاثيّ» مع مصر وليبيا في 1971، عُيّن هو نفسه رئيساً لحكومة «اتّحاد الجمهوريّات العربيّة». وبين 1970 و1975 كان الخطيب عضواً في القيادة القطريّة لحزب البعث. الرجل توفّي عام 1982.

بالمقارنة، لعب عبد الحليم خدّام أيضاً دور الرئيس المؤقّت بين 10 يونيو (حزيران) و17 يوليو (تمّوز) 2000، أي طوال 37 يوماً. «حكمُ» خدّام كان أقصر من «حكم» الخطيب الذي دام 95 يوماً. لكنْ إذا كان القاسم المشترك بين الخطيب وخدّام بعثيّتهما وسنّيّتهما وأصولهما الريفيّة وكونهما، وهذا الأهمّ، جسري عبور إلى رئاستي الأب ثمّ الابن، فالفارق أنّ خدّام كان معروفاً جدّاً وجزءاً أساسيّاً من واجهة السلطة التي أقامها حافظ الأسد، وزيراً للخارجيّة ثمّ نائباً للرئيس. الخطيب، من جهته، تولّى رئاسة برلمان في نظام غير برلمانيّ، كما وُلّي رئاسة «مجلس تأسيسيّ» لم يؤسَّس أصلاً، وسُمّي رئيس حكومة لاتّحاد عربيّ لم يقم. رئاسات كثيرة لا تترأس شيئاً. أمّا وفاته فكانت الحدث الوحيد الذي فاق حياته تعرّضاً للإغفال. لم يعرف بها أحد. ربّما لم تحدث!

لماذا الاهتمام بأحمد الحسن الخطيب؟ لأنّه الرمز التأسيسيّ للتغليط الذي مارسته «حركة تصحيح» ثمّ قام عليه عهدا حافظ وبشّار الأسد، ولأنّه أيضاً إحدى ضحايا التغليط هذا. وهو تأسيسيٌّ ثلاث مرّات على الأقلّ: أوّلاً، لأنّ رئاسته تأتي أولى في الترتيب الزمنيّ، وثانياً، لأنّ تجربته كشفت مبكراً معنى المناصب وطبيعة المؤسّسات وحدودها في النظام الأسديّ، وثالثاً، لأنّ كذبة الخطيب أنجح الأكاذيب الكثيرة لنظام «التصحيح»، وأبلغُ علامات هذا النجاح أنّ السوريّين نسوا اسم من كان، ذات مرّة، رئيس جمهوريّتهم! العالم شاركهم هذا النسيان.

إنّ الأسطر أعلاه ليست عرضاً لفيلم سينمائيّ. إنّها محاولة وصف للواقع حين يكون أغرب من الخيال.

الشرق الأوسط

————————————-

الصمت ليس حقًا لمن لديه ما يقول/ راتب شعبو

“كلّ من له إحساس بالوطنية إمّا أنه مات أو أنه يريد الموت. أنا لم أمت.. لذلك أريد الموت”. هكذا يقول يوسف زعين، للكاتب المصري إلهامي المليجي الذي سأل زعين: “لماذا لم تنشر مذكراتك؟”، فلم يرد، وحين كرر السؤال؛ أجاب: “لستُ متحمسًا، إذا أردتَ أن تلخص شيئًا فافعل، ولكن لا تنشرها قبل وفاتي”.

يوسف زعين هو أحد أعضاء “القيادة السابقة” التي اعتقلها حافظ الأسد، في انقلابه في تشرين الثاني/ نوفمبر 1970، وأُفرج عنه في 1981 بسبب إصابته بورم في الدماغ، وسمح له بالخروج للعلاج في أوروبا. شُفي الرجل وقضى حياته هناك، حتى توفي في مطلع 2016، ولم يعد إلى سورية.

في ذاكرته، التي نقل منها المليجي، ما يضيء على كثير من تفاصيل الحياة السياسية التي عاصرها وكان في قلبها، بوصفه وزيرًا للزراعة مرتين، ورئيسًا للوزارة مرتين، وعضوًا في القيادة القطرية لحزب البعث الحاكم. والسؤال هنا: لماذا “يبخل” زعين بما لديه على أبناء بلده، ولا سيما أنه عاش المرحلة التي تأسست فيها دعامات “الحكم الأبدي”؟ ماذا حلّ بالطبيب الذي تطوع في وحدة هواري بومدين، ليعالج الجرحى في حرب التحرير الجزائرية التي اندلعت في 1954، وعاد إلى سورية ليكون وزيرًا للزراعة متحمسًا للإصلاح الزراعي عقب انقلاب آذار 1963؟ لماذا لا يجد لديه الحماس للقول؟ لماذا يريد الموت قبل أن يقول ما لديه؟ ولماذا إذا قال لا يريد نشر شهاداته قبل وفاته؟ لماذا يدفع “الإحساس بالوطنية” إلى الرغبة في الموت، كما يقول، بدلًا من الرغبة في العمل أو على الأقل في “القول”؟

يتوسع السؤال ليشمل بقية القيادة السابقة التي أحالها حافظ الأسد إلى السجن، وأحالت نفسها إلى الصمت. لا يمكن لسوريّ يريد دراسة تاريخ بلده، ولا سيّما في مرحلة الستينيات المعقدة، إلا أن يتساءل: أين مذكرات صلاح جديد أو إبراهيم ماخوس أو أحمد سويداني أو محمد رباح الطويل.. الخ. إذا افترضنا أن الرقابة في السجن حالت دون كتابة المسجونين مذكراتهم، وهذا كلامٌ غير مقنع تمامًا، فلماذا لم يكتب من لم يدخلوا السجن (ماخوس مثلًا)، ومن خرج من السجن وعاش سنوات طويلة في بلاد تتيح حرية التعبير (زعين)؟

هل هي الهزيمة والإحباط؟ لكن إذا امتنع المهزومون عن كتابة تاريخهم، فإنهم يساهمون في هزيمة قضيتهم أيضًا، مهما تكن هذه القضية، لأن التاريخ هو ما يُدوّن. هذا فضلًا عن أن في الصمت استهانة بحق أجيال قادمة في جمع معرفةٍ أغنى وأدق عن تاريخ بلدهم الذي تطوى منه صفحات، أو تبقى منه صفحات مشوشة، حين يضنّ الأشخاص الفاعلون بمحتويات ذاكرتهم وبنظرتهم للأمور وروايتها بعيون رأت وعاشت التفاصيل التي حددت مصير بلادهم. ألا تسيل الذاكرة إلا لروي الانتصارات والأمجاد؟ ولكن كان لهؤلاء انتصاراتهم وأمجادهم لماذا لم يكتبوها؟ لماذا يجد زعين مثلًا نفسه “مشتتًا”، فلا يقبل فكرة التعاون مع كاتب بمستوى جورج طرابيشي عرض عليه التعاون لكتابة مذكراته؟ إذا كانت الحال (الهزيمة) لا تنفع، فلينفع النطق، كما يقول الشاعر. ليس النطق من أجل الهجاء أو قول روايات انتقامية، بل من أجل النقد وتوفير عناصر الفهم ونقد روايات “المنتصرين”.

في مشهد الاعتقال الذي يرويه يوسف زعين للمليجي، بعد إلحاح وصبر من هذا الأخير (كما يشرح) ما يفيد أن “القيادة السابقة” لم تكن قد خسرت مرتكزات القوة العسكرية التي جمعها في يده وزير الدفاع حينها، فحسب، بل خسرت أيضًا، وهذا هو الأهم، مرتكزات القوة السياسية. لم يعد لها سيطرة على الجيش أو الأمن، ولكن لم يكن لها رؤية سياسية مفتوحة الأفق أيضًا. المشهد يقول إن حافظ الأسد جاء مساء يوم الانقلاب إلى مقرّ مخابرات القوى الجوية، حيث كانت القيادة محتجزة بوجود ناجي جميل: “كنّا منهكين، لم يعاملونا بقسوة فقد كانوا مأمورين. المهم جاء حافظ الأسد، وقال إنه يريد أن يتحدث معنا لنصل إلى صيغة محددة. كنا نعرف نواياه مسبقًا. صلاح جديد لم يقل كلمة.. غادرَنا بعدها حافظ الأسد، أما ناجي جميل فكان قريبًا أو نسيبًا (صهرًا) لمحمد الشامل، وأحضر لنا بعض الطعام، أكلنا أنا وشامل، ولم يأكل صلاح جديد رحمه الله”.

تشي زيارة الأسد تلك إلى ثقته بامتلاك ليس فقط القوة في المستوى العسكري والأمني بل في المستوى السياسي أيضًا. وهي الثقة التي تجلت في الاكتفاء بسجن القيادة السابقة، على خلاف الانقلابيين الذين يميلون غالبًا إلى التخلص من رموز القيادة السابقة، لكيلا يشكلوا مراكز استقطاب أو “أملًا” لحركات شعبية معارضة للحكم الجديد. ويشي صمت صلاح جديد حينها بأنه يدرك الإفلاس السياسي، قبل العسكري، الذي كانوا فيه، وهم يحملون عار هزيمة كبرى تركوها مرمية في الشارع، لم يتجرؤوا على أن يعترفوا بها وأن يتحملوا مسؤوليتها، لأنه لم يكن لهم الرصيد السياسي الذي كان لجمال عبد الناصر، وجعله يتجرأ على تحمل المسؤولية علنًا وعلى الاستعداد للاستقالة.

إذا كانت لحظة الاعتقال الحرجة تلك تعقد اللسان، فلا شيء يبرر الصمت التالي. يدرك السوريون اليوم، أكثر من غيرهم، قيمة الرواية الموضوعية والمسؤولة من موقع مضاد للسلطة، بعد أن شهدوا كيف تسعى روايات المتسلطين إلى التهام ثورتهم وحرقها في التاريخ، بعد أن جرى حرقها على الأرض. لا يكتفي وحوش السلطة بامتلاك الواقع، بل يسعون إلى امتلاك الرواية أيضًا، وعبر امتلاك الرواية يحاولون امتلاك الحق وحتى المشاعر، والتحوّل من وحوش إلى أبطال، فيما يتحول خصومهم، في الحركة نفسها، إلى عملاء أو إلى مُضللين وساذجين في أفضل حال.

في كل مكان، وفي بلادنا المحطمة بوجه خاص، الصمت ليس حقًا لمن يمتلك ما يقول. في كل زمان، وفي زمان حطام مسعانا بوجه خاص، التدوين الموضوعي المسؤول واجبٌ على كل من لديه ما يقول. قد يكون الصمت سبيلًا للنجاة في لحظة سياسية محددة، فمن الطبيعي أن لا يتجرأ كثير من الناس على قول الحق في وجه سلطان جائر، غير أن الصمت عن رواية تاريخ شارك فيه الشخص وعاش تضاعيفه، هو تخل عن مسؤولية واستهتار بحق أجيال.

مركز حرمون

—————————-

 استيلاء حافظ أسد على سورية وحقيقة البعث العارية/ عبد الباسط حمودة *

     من أهم إنجازات البعث ولجنته الانفصالية العسكرية العميلة هو ولوج حافظ أسد للسلطة وتحكمه وعبثه بأمجاد سورية؛ كيف ولماذا كان ذلك؟ في تشرين الأول/ أكتوبر 1973، بدأت الحرب- المسرحية- مع “إسرائيل”، التي عُرفت بحرب السادس من تشرين/أكتوبر، شارك حافظ أسد ودُمى جيشه المُهترئ في هذه الحرب إلى جانب السادات وجيش مصر، بهدف استرجاع الأرض التي اغتصبتها “إسرائيل” من العرب في حرب حزيران/يونيو 1967؛ فخلال الحرب، وفي ذات الوقت الذي عَبَرت فيه القوات المصرية قناة السويس وحطمت خط ’’بارليف‘‘ الحصين ورفعت العلم المصري في سماء سيناء، كانت قوات حافظ أسد منهزمة إلى عمق الأراضي السورية أمام القوات الإسرائيلية، وقد وصل طول خط الانسحاب إلى نحو مسافة 54 كيلومتراً، باتجاه دمشق- وقد شاهدتها بأم عيني حينها بأحد ليالي رمضان كمشارك في الجيش الشعبي، الذي أوهمونا به- لتصبح وقتها عاصمة الأمويين تحت رحمة المدفعية الإسرائيلية.

     تدخلت الولايات المتحدة الأميركية وقتها لتضغط على “إسرائيل” كي تتوقف عن القصف والتقدم – وفاءً لتعهداتٍ سابقة لها وبعلمٍ من “إسرائيل” عام 1967 بعدم دخول دمشق حتى لو كان الطريق مفتوحاً كما صرح الدكتور “سامي الجندي” سفير سورية في باريس حينذاك – لتعقد بعد حرب 1973- المزعومة – اتفاقية فك الاشتباك مع حافظ أسد، التي تضمنت فيما تضمنته من بنودٍ سرية تقضي بتعهد حافظ أسد بحماية حدود “إسرائيل” الشمالية، مع تنازله عن 34 قرية وقعت بيد “إسرائيل” خلال تلك الحرب، لتدخل مرتفعات الجولان المحتل في صمتٍ كصمت القبور، لنحو أكثر من 40 سنة، لا يعكر الأجواء فيها أزيز رصاصة واحدة كتتويجٍ لتنازله عنها في 1967وإعطاءه أوامر الانسحاب منها قبل دخول الصهاينة إليها، مما يشي بأن الاتفاقات السرية مع حافظ أسد ومحافظ القنيطرة آنذاك “عبد الحليم خدام” من جهة و”أبا إيبان” وزير خارجية الكيان الصهيوني حينها من جهة ثانية قد نُفذت بدقة، ولتأتي الحرب المسرحية الجديدة لتؤكد الوجه القبيح والعميل لحكم البعث ووريثه المُنحط في سورية: حافظ أسد .

     فما بدت عليه الأمور بعد ما حدث جراء الحرب عام 1973، أن هذه الحرب كانت مجرد مسرحية لتلميع صورة حافظ أسد وتحويله إلى بطل قومي منفوخ، مسرحيةٌ مليئة بالخداع والتدليس، سلم فيها حافظ أسد مساحات أكبر من التي خسرتها سورية في حرب يونيو/حزيران 1967.

     ومع انقضاء العام الذي شهد الحرب المزعومة مع الاحتلال الإسرائيلي وبعد توقيع اتفاقية فك الاشتباك مع الأخير، شنت الأجهزة الأمنية التابعة لقوات حافظ أسد وكلاب حراسته حملة اعتقالات واسعة في البلاد، طالت كل من كان له علاقة بالاحتجاجات التي جرت العام الذي قبله إثر مشروع الدستور، دستور التسلط الأسدي متمثلاً بالمادة الثامنة كتتويج لإلغاء الحياة السياسية في سورية نهائياً.

     إنه وعلى مدى 73 عاماً من تأسيس حزب البعث، تبدو حالة الحزب قاتمة وتزداد الصورة قتامة عندما يعكف أحدنا على دراسة صراعات الحزب الداخلية وأزماته مع القوى السياسية الأخرى، وتناقضاته القاتلة عندما أحكم قبضته على السلطة منذ عام 1963.

     لقد تأسس الحزب في السابع من نيسان/إبريل عام 1947، ولكنه اكتسب اسمه الراهن باندماج حزبي البعث العربي (ميشيل عفلق، صلاح البيطار، وزكي الأرسوزي) والعربي الاشتراكي (أكرم الحوراني) عام 1952، ولم يَدُم هذا الاندماج طويلاً، حيث عادا للانشطار، وتحول الحوراني معارضاً بعد تأييده انفصال سورية عن مصر عام 1961، وقد سُجن وأُبعد إلى أن توفي في المنفى في عمَّان عام 1996. أما مؤسسا البعث الآخران: فقد اغتيل “البيطار” على يد نظام حافظ أسد في باريس عام 1980 بعد أن أعلن اعتذاره للشعب السوري العظيم- كما وصفه- ومجاهرته بالعداء للأسد ونظامه وإصداره مجلة “الإحياء العربي” في 1978، والتي كانت تنتقد حكم حافظ أسد بقوة، فيما توفي مؤسس الحزب الأبرز ميشيل عفلق في بغداد عام 1989 بعد أن انحاز لحكم البعث في العراق؛ وتعكس أزمات الاعتقال والنفي والاغتيال وجهاً آخر من صراعات حزب البعث الداخلية، ومنها ما عُرف بالصراع بين اللجنة المدنية التي كانت تمثل الإطار التنظيمي المدني للحزب وتضم النخبة السياسية، واللجنة العسكرية التي أسسها محمد عمران وصلاح جديد وحافظ أسد إبان وجودهم في القاهرة زمن الوحدة مع مصر، ولتضم مجموعة الضباط العسكريين الأقلويين الآخرين، لتحسم الصراع لصالح حافظ أسد وصلاح جديد بانقلاب الثامن من آذار/مارس 1963، والذي تبعته سلسلة نزاعات دموية انتهت بحركة الانقلاب التاسع في تاريخ سورية في 16 تشرين ثاني/ نوفمبر 1970 بقيادة حافظ أسد، حيث اعتقل صلاح جديد ليبقى في السجن إلى حين وفاته في 19 آب/أغسطس 1993، كما أنه اعتقل كل قادة البعث الآخرين من خصومه.

     هذا السحل والإقصاء والإلغاء الذي لم يتوقف للحظة واحدة في سورية، كل ذلك قد تم برعاية أميركية مباشرة لحكم الطاغوت الأسدي وبمنهجية صهيونية لكل الخطط التي بدت وكأنها تلبية لأهداف قومية ووطنية للتحرير كتنفيذ للخطة المشتركة، وهي في الواقع لا تعدو شعارات إعلامية لذر الرماد في العيون واستدعاء روح الوضاعة الطائفية لدى من أبقاهم ذلك الفاشي والدموي الأسدي معه بالحكم والذي ما برح أن أورثه لابنه المُلتاث بنفس الرعاية الصهيونية الأميركية والتي أضيف لها رعاية روسية إيرانية مشتركة؛ وإن كل من اطلع على الوثائق الأميركية المُفرج عنها يؤكد أن الراعي الأول للجنة العسكرية الانفصالية منذ تأسست في 1959 كانت الولايات المتحدة الأميركية، هذه اللجنة التي تحولت للجنة إجرام ونهب وهدر لحقوق السوريين جميعاً دون أي وازع أو خشية من المساءلة والحساب، وأن كل الجرائم والمجازر التي تمت في سورية كانت تحت أعين وتوجيه نفس تلك الأجهزة الأميركية، وصولاً لتويج الوريث القاصر عام 2000 ورعايته والسكوت على مجازره وجرائمه الكيماوية حتى الآن.

     هكذا يمكن فهم لماذا صدحت حناجر وقلوب السوريين الثائرين في ساحات الحرية بذلك الهتاف الأثير والمثير للجدل معاً في مظاهرات 2011: “يلعن روحك يا حافظ”، تأثراً بالعودة إلى تاريخ هذا الطاغية الدموي والتذكير بما أحال إليه سورية التي حكمها بعد موجة انقلابات شارك بالتآمر بها جميعاً، قبل أن ينقلب انقلابه الأخيرة الحاسم على رفاقه الذين اختارهم من بني طائفته وكان آخرهم صاحب السلطة في سورية آنذاك صلاح جديد، الذي زج به في السجن هو ومن معه كما ذكرنا، ونفى ميشيل عفلق مؤسس الحزب الذي ينتمي له، وقاد البلاد وألحقها باسمه فباتت كما زعم “سورية الأسد”، لينفرد بسدة الحكم ويشكل بوصوله للسلطة بداية عهد فاشي قل نظيره في الإجرام والإرهاب بحق الشعب الذي يحكمه، بل وبحق الشعوب والدول المجاورة من خلال دعم الحركات الانفصالية الإرهابية في كلٍ من العراق وتركيا ولبنان، وقدم للمشروعين التوسعيين في المنطقة العربية- الصهيوني والإيراني- “خدمة العمر” التي لم يكن أيٌ منهما يحلم بتحقيقها لولا حافظ أسد!

————————————

========================

تحديث 29 تشرين الثاني 2020

—————————–

خمسون عاما من حكم الأسد/ عبدالله حسين

منذ نحو أسبوع مرت الذكرى الخمسون لاستيلاء حافظ الأسد على السلطة في سوريا. وبعبارة واحدة يمكن القول إن تدمير سوريا بدأ منذ ذلك التاريخ، فقد استُهِدفت السياسةُ والمجتمع معاً، وعلى ذلك، لم يكن أحد من السياسيين السوريين، ولا أحد من متابعي الشأن السوري يتوقع أن يدوم حكم حافظ الأسد تلك المدة، فالشعب السوري مولع بالعمل السياسي، فما السياسة في جوهرها إلا طموح الفرد والجماعة للأفضل والأجمل، وعكس حيوية الشعب، ومن هنا فإنَّ حافظ الأسد بإغلاقه منافذ السياسة وأحزابها قد أغلق مواهب الشعب السوري، وقتل إبداعه.. اللهم إلا من أتيح له الهروب فتفتحت مواهبه خارج بلاده!

ولم يكن من هدف لانقلاب الأسد على رفاقه البعثيين غير الاستئثار بالسلطة، وكانت القيادة القطرية لحزب البعث قد فصلته بإجماع للسبب نفسه، ولأخطاء كثيرة ارتكبها، ومنها رفضه إعطاء الأوامر – كان حينئذ وزيراً للدفاع – بتغطية أجواء القوات السورية التي أرسلتها القيادة أواخر شهر أيلول دعماً للفدائيين الفلسطينيين في الأردن، ناهيكم بأقاويل دارت حول إذاعته بيان احتلال القنيطرة، قبل ساعات فكان انسحاب الجيش على نحو بائس، وجاء انقلابه بعد قرار الفصل بعدة أيام، ما يعني أنه كان مرتباً أموره داخلياً وخارجياً، وسيأتي تفصيل ذلك..

يُعَدُّ انقلاب حافظ الأسد العاشر في سلسلة الانقلابات التي حدثت في سوريا منذ انقلاب حسني الزعيم الأول في 30 آذار 1949 إلى انقلاب عبد الكريم النحلاوي في 28 أيلول 1961 الذي أعلن انفصال سوريا عن مصر مروراً بانقلاب سامي الحناوي في 14 آب 1949 إلى انقلاب العقيد أديب الشيشكلي في 19 ديسمبر 1949 إلى انقلابه الثاني في 29 نوفمبر 1951، وحتى عهد الوحدة الذي أتى في 22 شباط 1958 انقلاباً أيضاً على النظام الوطني الديمقراطي.. إذ كانت مجموعة من الضباط البعثيين الذين استندوا إلى قوتهم داخل الجيش، قد ذهبوا إلى الرئيس جمال عبد الناصر يطالبونه بالوحدة، دون أخذ رأي الدولة، أي إنهم عملياً انقلبوا عليها.. ومن هنا جاء رفض عبد الناصر.. فهؤلاء لا يمثلون الدولة السورية رسمياً، وبالتالي، هم غير مخولين بتوقيع اتفاق بهذا المحتوى والحجم، إضافة إلى شروط أخرى طلبها منهم كحل الأحزاب وعدم تدخل الجيش في السياسة فوافقوا دون تردد على أمل أن يستلموا السلطة في سوريا، ما جعلهم يبرقون إلى الرئيس شكري القوتلي الذي أرسل وزير خارجيته صلاح البيطار مفوضاً بالتوقيع على ميثاق الوحدة السورية المصرية.

والبيطار شخصية دمشقية، وثاني قيادي في حزب البعث إلى جانب ميشيل عفلق! وهو نفسه الذي وقَّع، بعد ثلاث سنوات ونصف، (عمر الوحدة) على وثيقة الانفصال. وليتسلم رئاسة الوزراء بعد الانقلاب البعثي/الوحدوي في 8 آذار 1963 لكن البعثيين غدروا بزملائهم الوحدويين إذ استبعدوهم بُعيد الانقلاب، فيما غادر صلاح البيطار الحكم، والبلاد السورية كلها بعد الانقلاب البعثي اليساري في 23 شباط 1966 الذي اتهم قيادة البعث التقليدية باليمينية! (اغتالت مخابرات حافظ الأسد البيطار في فرنسا يوم 21 تموز من عام 1980).

فما الذي جعل انقلاب حافظ الأسد الوحيد يدوم طيلة تلك المدة، ولينتهي به الأمر، على يد ابنه، إلى تدمير سوريا وتهجير سكانها وتشريدهم داخلاً وخارجاً، ويقتل مقومات الوطنية فيها؟!

يمكن القول في الجواب إن ثمة أسباب عدة جعلته يستمر أهمها: أنَّ انقلابه مخطط له ومهيئة سبله على مستوى دولي وإقليمي، وأتى الأسد ليرتبه داخلياً! فعلى الصعيد الدولي كان مؤيداً من الدولتين الكبريين روسيا وأميركا على خلفية قرار مجلس الأمن رقم 242 تاريخ 22 تشرين الثاني 1967 وغايته إيقاف حرب الاستنزاف ضد إسرائيل، وإنهاء فكرة حرب التحرير الشعبية التي أطلقتها جماعة صلاح جديد اليسارية أسلوباً لاستعادة الأراضي المحتلة، وكانت الفكرة رائجة آنذاك في أنحاء الدول المستعمرة.. ولذلك رفض صلاح جديد القرار، رغم نصه، وإن بصيغة مراوغة، على انسحاب إسرائيل (من أراضٍ) احتلت خلال حرب عام 1967.. أما إقليمياً فقد أيدت المملكة العربية السعودية حافظ الأسد، ورحب به تجار دمشق، بزعم تخليصهما من بؤرة البعث “الشيوعية” كما كان يطلق على صلاح جديد ورفاقه.

وهكذا جاء حافظ الأسد، ليتعاون معه الحزب الشيوعي السوري بدفع وتأييد من الاتحاد السوفييتي، وكان الحزب يعيش أزمة داخلية أدت إلى انقسامه، بينما تصورت بعض الأحزاب الناصرية أن الأسد بديل الرئيس جمال عبد الناصر الذي كان قد غادر الدنيا في 28 أيلول 1970 أي في الذكرى التاسعة للانفصال، وبعد يوم واحد من إنجازه صلحاً بين الفلسطينيين والأردنيين.

ومن أسباب استمرار الأسد أيضاً أنه استطاع أن يبني دولته العميقة من ضباط محددين في الجيش وأجهزة أمن متعددة زرعت في مفاصل الدولة كافة. وعمل على كسب ثقتهم لا بتعيينهم فحسب، بل بإطلاق يدهم في المجالات التي تطولها مراكزهم المرهوبة. كما أنه عرف كيف يمد جسوراً مع تجار دمشق الذين رحبوا به، وقد وجد أنصاره وموالاته طريقاً للشراكة معهم! وهكذا نشأ الفساد وارتبط بمصالح هؤلاء، فكان شكلاً من أشكال الحفاظ على السلطة في الدولة العميقة وملازماً لها.

أما الأهم في هذا وذاك فهو قيام “الجبهة الوطنية التقدمية” على النحو الذي قامت عليه، أي لتكون واجهة لحكم الأسد، يتظاهر بها أمام العالم وصحافته، ووفوده، بأنَّ لديه دولة ديمقراطية..! لكنها، في واقع الحال، كانت مقيدة بميثاقها الذي نصَّ بوضوح تام على كل ما يمنع أو يساعد على نموِّها وتطورها، وعلى ما يسمح لها بدور فعال في الحياة السياسة، بل أتت لتكون غطاء ناعماً لمصادرة الحياة السياسية، والإعلامية، ولمنظمات المجتمع المدني، لتحل مكانها النقابات العمالية والمهنية التي يرتبها البعث ومخابراته من الأسفل إلى الأعلى، تحت شعار “النقابية السياسية”، ومن هنا كانت أداة في يد الأسد، ولم تكن لتفعل فعلها لا في الحياة السياسية، ولا في المجتمع الذي غدا أشبه بمستنقع مغلق عن أية مياه جديدة تبعث فيه الحيوية والنشاط.. وإذا كان نصيب بعض أحزاب المعارضة الملاحقة والسجون والقتل، فإن أحزاب الجبهة تركت لتتنفس هواء فاسداً في مجتمع مسدود النوافذ والأبواب، ولتغرق في قضاياها الذاتية الصغيرة التي قادتها في النهاية إلى متوالية من الانقسامات، وهكذا باركت التوريث، ولم تحرك ساكناً حين هبَّ الشعب السوري رافعاً شعار الحرية والكرامة الإنسانية، محتجاً على ما آلت إليه الدولة من سجن كبير، وفساد شامل غير مسبوق، وتطاول على القوانين لنهب الدولة والشعب معاً.. وتخلف عام يجعل ترتيب سوريا الأخير على جدول تقارير التنمية العالمية.. ونظام مستمر في تخلفه وطغيانه تحاصره جرائمه وشعب تذوق بعض الحرية، ويصرُّ على أن ينالها كاملة..!

جسر

———————–

ماذا تبقى لدى “الأسد” ليقدمه لـ “إسرائيل” كي يبقى رئيساً؟/ بسام يوسف

بغض النظر عن مدى دقة الأخبار المسربة على لسان رئيس المخابرات الإسرائيلية “الموساد”، حول لقاءات بين مسؤولين إسرائيليين ومسؤولين سوريين هما (حكمت الشهابي ووليد المعلم)، وبغض النظر عن الكذب الطويل والممنهج الذي يمارسه نظام الأسد منذ عقود حول هذا الأمر، فإن ما نحتاجه لنستدل به على حقيقة علاقته واجتماعاته بمسؤولين إسرائيليين لا يـحتاج لجهد كبير، ولا تحتاج لتوثيق، ولا لحل معادلات، إذ يكفي أن نقرأ نتائج خمسين عاماً من حكم عائلة الأسد على الصراع العربي الإسرائيلي لنعرف حقيقة هذه العلاقة، ولنعرف كيف تصرف، وسيتصرف نظام شمولي تحول إلى عصابة ليس حيال إسرائيل فقط، بل حيال كل القضايا الوطنية.

في تاريخ البشرية الحديث، وفي تجارب كثيرة لدول معاصرة، كان من الواضح أن الأيديولوجية هي الركيزة الأهم في ركائز الأنظمة الشمولية، ومن وحيها تتم صياغة آليات عمل هذه الأنظمة، وتُحدد ماهيتها، وتُرسم صور قادتها، ومصدر القداسة الذي يسبغ عليهم كي يصبحوا كائنات فوق بشرية، لا يمكن محاسبتها، أو انتقادها، أو المس بها.

هذه الأنظمة مهما امتد الزمن بها فإنها محكومة بالانهيار، لأن الأيديولوجية عقيمة بطبيعتها، وغير قادرة على توسيع آفاق مجتمعاتها، ولأن أي توسع تقوم به يحتاج أولاً إلى تحطيمها، وبتحطيمها سينهار كامل بنيانها، لذلك تبقى هذه الأنظمة أسيرة عجزها عن مواكبة حاجة مجتمعاتها، وتعيش عمرها داخل ترسيمة مغلقة، لا يُمكنها الخروج منها.

لكي تستمر هذه الأنظمة في الحياة فإن أمامها خيارا وحيدا، وهو قسر مجتمعاتها وإخضاعها أولاً، وإرضاء الأطراف الخارجية التي تتعارض مع الأيديولوجية التي تتبناها ثانياً أو تلك التي تتعارض مصالحها مع مصالح هذه الأنظمة، ولكي تخضع الأنظمة الشمولية مجتمعاتها لابدّ لها من نسف مفهوم الشرعية، ومن وأد الحياة السياسية، ومن إنهاء المجتمع المدني والنقابات، وكل التعبيرات التي تقوي المجتمع، ولا بد لها أيضا من إحياء العصبيات التقليدية داخل مجتمعاتها، فالعصبيات التي تنسف معنى الدولة الحديث هي مصدر قوة لهذه الأنظمة، وسور حماية إضافي يضاف إلى قوة أجهزتها الأمنية والقمعية.

في الدول العربية عموماً، وفي سوريا على نحو أكثر تحديداً، تم إغلاق مسار الديمقراطية، وتم الانتقال إلى صيغة شكلية للديمقراطية، صيغة لها هدف وحيد هو إحكام السيطرة على المجتمع، وإلحاق كل مراكز قوته بأجهزة الدولة لضبطه، وإخضاعه، ومن أجل هذا لابدّ من تغييب الفرد المستقل، أو المواطن الحر، وإنهاء الحريات العامة بكل أشكالها.

هذا ما فعله حافظ الأسد في سوريا، وما سعى إليه منذ أيامه الأولى بعد وصوله للحكم بانقلابه العسكري، إذ اشتغل بدأب وإصرار على تحطيم قوى المجتمع ومؤسساته وقواه السياسية، واستبدل منظماته المدنية ونقاباته بمنظمات ونقابات ممسوخة وتابعة، وجعل من الرأي العام مجرد ألعوبة يسيرها كيفما يشاء، فسميت الهزيمة نصراً، والخيانة شرفاً، والفساد قانوناً.

ومن أجل توريث السلطة، وبعد أن أحكم حافظ الأسد سيطرته على الدولة والمجتمع، كان عليه أن يضمن قبولاً لهذا التوريث من أطراف خارجية عدة، لا سيما أنه يعرف جيداً حقيقة الدولة المسخ التي صنعها، ومدى هشاشتها، وضعفها، ولم يكن لهذا التوريث أن يمضي بهذه السلاسة لولا أنه لقي قبولاً وموافقة من هذه الأطراف الخارجية، وتم تسويق قضية التوريث عبر بوابتين هما فرنسا التي كان يرأسها “جاك شيراك”، والذي قام بما يشبه التبني السياسي لبشار الأسد، ويقول شيراك في مذكراته إن حافظ الأسد أوكله بذلك وطلب إليه مساعدة الرئيس المقبل لسوريا، فاستقبل بشار الأسد استقبال الرؤساء قبل عام من وصوله إلى سدة الرئاسة السورية، وكان الرئيس الغربي الوحيد الذي حضر مراسم جنازة حافظ الأسد، أما البوابة الثانية فكانت مصر “حسني مبارك”، والتي كانت أول دولة يزورها بشار الأسد بعد أقل من ثلاثة أشهر على تسلمه الرسمي لرئاسة سوريا، وبالتأكيد فإن مصر وفرنسا لم تكن لتدعما توريث السلطة في دمشق، لولا مشاورات تمت مع أميركا وإسرائيل، وأطراف أخرى كالسعودية وغيرها.

يتحدث حسني مبارك في لقاء صحفي له، عن رعايته لمحادثات سرية بين سوريا وإسرائيل تمت في التسعينيات، ويتحدث الأتراك أيضاً عن رعايتهم لمفاوضات بين الطرفين، ولايزال نظام الأسد يواصل إنكاره السخيف، ويواصل رفع شعاراته بالصمود والمقاومة.

اليوم بعد كل ما ذكرناه، وبعد عشر سنوات من انفجار الثورة السورية، وبعد انهيار الدولة السورية واجتياحها من جيوش عدة، وبعد أن انكشف دور إسرائيل في منع أميركا “أوباما” من إسقاط بشار الأسد، هل يصبح الحديث عن لقاءات سرية بين مسؤولين سوريين وإسرائيليين له أي معنى؟

لم يعد حكام دمشق الآن خائفين من انفضاح أكبر كذبة عاش السوريون عليها طوال خمسين عاماً، ولم يعد إخراج قصص لقاءاتهم، وتآمرهم على شعوب المنطقة، وفي مقدمتها الشعب السوري إلى العلن لتقض مضاجعهم، فهم في عريهم الكامل، ومن يقف ضدهم من الشعب السوري في عجزه الكامل، إنها المعادلة التي نعيشها اليوم بكل وضوحها وقسوتها وصفاقتها.

لكن السؤال الأهم الذي ستجيبنا عليه الأيام القادمة هو: ماذا تبقى من سوريا كي يقدمه بشار الأسد لإسرائيل وغيرها، من أجل أن يبقى في موقع زعيم العصابة التي تختطف سوريا؟

تلفزيون سوريا

——————————

==========================

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

4 + 5 =

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى