موسيقا

“عَ الهويّة أني مش موجود”… أغاني تصنع هويّة الجولان السوري المحتلّ/ آرام أبو صالح

علا في السّنوات الأخيرة صوت الموسيقى “البديلة” العربية بشكل ملحوظ، وباتت تلقى رواجاً أكبر وأوسع لدى الشباب في العالم العربي وفي شتاتهم. الموسيقى، التي جاءت بديلةً للموسيقى التجاريّة السائدة المسمّية بـ”الماينستريم”، أصبحت اليوم منتشرة أكثر من أيّ وقت مضى في أوساط الشباب العربي.

يمكننا الخوض في نقاش حول دلالات المسمّيات، وماذا نعني عندما نقول “موسيقى بديلة” – بديلة عن ماذا؟ وما هو تعريفها بالضبط في السياق العربي؟ لكن يمكننا الانطلاق من تعريفها بالموسيقى غير التجاريّة، الهادفة، التي تتميّز باستقلاليّة فنانيها عن شركات الإنتاج الموسيقي الكبيرة. كما يمكن تمييزها بأنّها تقدّم أغنية مختلفة عن الأغنية العربيّة الكلاسيكيّة.

في السنوات الأخيرة، سطع نجم الكثير من المغنيين/ات السوريين/ات في مشهد الموسيقى البديلة السوري بخاصّة والعربي بعامّة، معظمهم باتوا يتواجدون اليوم خارج سوريا. منهم ثلاث فرق موسيقيّة من الجولان السوري المحتل، وهي: فرقة “توت أرض” وفرقة “هوا دافي” وفرقة “نص تفّاحة”.

المثير لدى الحديث عن هذه الفرق الثلاث، التي حظيت باهتمام ومشاهدات كبيرة نسبياً على المستويين العربي والسوري، أنّ جميعها فرق محليّة تأسّست في الجولان وتنشط من الأراضي المحتلّة.

وعلى الرّغم من التعداد السكّاني القليل للسوريين المتبقّيين تحت الاحتلال الإسرائيلي اليوم (25 ألفاً، مقابل نصف مليون جولاني مهجّر خارج الجولان) فقد نجح الجولان بتقديم أضافة لا بأس بها إلى مشهد الموسيقى البديلة السوري والعربي. وبمفارقة كبيرة، أصبح الهامش الذي خلقه إرباك الهويّة الجولانيّة مساحة للإبداع. هذه الهويّة، التي لم تعد بيضاء أو سوداء بالنسبة للجيل الجديد، كونه سوريّ بالأصل لكن يعيش في جغرافيا محتلّة ووسط ثقافة فلسطينيّة، أصبحت أرض خصبة للتنوّع الموسيقي واللعب مع التراث ومع المسلمات الاجتماعيّة والفكريّة والسياسيّة التي عاشها الجولان لعقود طويلة.

صوت معاصر للثورة

https://www.youtube.com/watch?v=UKkyuYQ3rx0&feature=emb_logo

استطاعت كلّ فرقة أن تشكّل أسلوبها المختلف. ففرقة “توت أرض”، مثلاً، تخلط أساليب كالبلوز والريغاي والسايك-روك والموسيقى الصحراويّة الشمال أفريقيّة، بموسيقى الديسكو والدبكة العربيّة، مضيفةً في بعض الأحيان نغمات من الموسيقى العربيّة الكلاسيكيّة. يستعمل الأخوان رامي وحسن نخلة اللهجة الجولانيّة المحليّة كتابتهم لنصوص الأغاني التي تقدّمها فرقة “توت أرض”. تجرّ اللهجة علاقة حاضرة بشكل ملحوظ مع الطبيعة، فنسمعها في الكثير من الأغاني. الأرض حاضرة في اسم الفرقة، كذلك، وهو ما يميّز الجغرافية الجولانيّة التي يبني معها الجولانيّون علاقةً يوميّة من خلال زيارة أرضها وزرعها وحصد محاصيلها من التفاح والكرز. نجد في موسيقى “توت أرض” أيضاً الكثير من الإيجابيّة، على خلاف بعض الموسيقى البديلة العربيّة، الحزينة والتي تعبّر عن الأوضاع النفسيّة والسياسيّة للشباب العربي اليوم. إلا أنّ موسيقى “توت أرض” دائماً ما تُعطي جرعة إيجابيّة جميلة؛ تعبّر فيها عن أفكار تتعلّق بهدم الحدود المتخيّلة في بلاد الشام، وتتطرّق إلى السياسة من النظرة الإنسانيّة الخالصة، بعيداً عن قيود الأيديولوجيّات.

أما فرقة “هوا دافي”، فتدمج هي أيضاً، كما الموسيقى العربيّة البديلة عامة، بين أساليب موسيقيّة عديدة كالجاز والروك والموسيقى الكلاسيكيّة والغجرية. فنجد الجيتار الإلكتروني والباص والدرامز والسكسفون إلى جانب العود. وبينما تذكّرنا “توت أرض” بموسيقى الطوارق والريغي الجامايكي، تذكّرنا “هوا دافي” ببينك فلويد (إذا كان روجر ووترس امرأة) وبالبروغريسيف روك إذا أضيف إليه بعض الجاز والعود.

تستعمل “هوا دافي” أيضاً اللهجة المحليّة الجولانيّة في معظم أغانيها، الشيء الذي يميّزها في المشهد العربيّ البديل. أما بخصوص المضمون، فألبوماتها تتكلّم بشكل مباشر عن قصّة الجولان والأراضي المحتلّة كما يراها أعضاء الفرقة (اسم الألبوم الأخير هو “قصّتنا” وعلى غلافه يظهر تصميم لفتاة تغطّي رأس على خلفيّة مشهد التهجير الجماعي من مخيّم اليرموك في سوريا). تُطرح هذه القصّة بشكل غير مباشر وغير مألوف كما في الأغاني الملتزمة التقليديّة، بل بشكل تعبيريّ جميل يتجلّى في اللحن والكلمة معاً. موسيقى “هوا دافي” تتواصل مع الجانب الحزين والهادئ فينا. فهي تحاكي الأرق والأمل اللذان يثيرهما الحب والسياسة والثورة التي نعيشها.

رصيف 22

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

− 3 = 2

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى