أبحاث

مأزق المعارضة السورية ، الأسباب والنتائج، ما العمل -مقالات مختارة-

هل هناك إمكان لعقد لقاء سوري ناجح؟/ حازم نهار

منذ انطلاق الثورة السورية في آذار/ مارس 2011، برزت مشكلة التمثيل السياسي؛ تمثيل الثورة أو الشعب أو الدولة السورية، وأحيانًا جرى تحوير الأمر، للأسف، ليصبح عند بعضهم تمثيل العرب والكرد والتركمان والسرين وغيرهم، أو تمثيل الطوائف، السنة والعلويين والمسيحيين والدروز وغيرهم. وحصلت تجارب عديدة في هذا الحيز، وما زالت هناك تجارب جديدة تظهر كل مدة، لكن التجارب هذه لم تثمر فعلًا طوال العقد الفائت. ولا شك في أن لهذا الفشل المزمن أسباب محدَّدة، يمكن أن تسمح مقاربتها جديًا بإنتاج تجارب أخرى جديدة أقرب إلى النجاح، على الرغم من معرفتنا بالتراث الاستبدادي الطويل الذي له اليد الطولى في هذا الفشل.

عند كل حدث أو أزمة جديدة، تتكاثر الدعوات إلى “مؤتمر وطني” أو تشكيل مجلس أو هيئة تمثيلية، على الرغم من أن المعارضة أصبحت، منذ زمن ليس بالقليل، معارضات، والثورة ثورات، و”الشعب السوري” شعوبًا عند بعضهم. حصل ذلك مؤخرًا بعد إطلالات رامي مخلوف التي عوَّل عليها كثيرون، وبعد بدء عقوبات “قيصر” الأميركية، وبعد المقالات التي انتقدت “النظام السوري” في الصحافة الروسية، تلك التي رأى فيها كثير من “خبرائنا” و”محلِّلينا” بدء نهاية النظام. وأخيرًا، حصلت دعوات جديدة بعد قرار “الائتلاف الوطني” بإنشاء ما أطلق عليه “المفوضية العليا للانتخابات”.

ما سرّ أو أسرار ارتباكنا، خلال السنوات الماضية، في إنتاج هذا الجسم السياسي أو التمثيلي الذي نتحدث عنه دائمًا؟ في اعتقادي، إذا وضعنا جانبًا الأسباب الموضوعية التاريخية المتمثلة بالاستبداد المزمن، يمكن القول إن الخلل يكمن في مستويات عديدة؛ المفاهيم والتحليل والأهداف والآليات والشخصيات. هذا يعني أنه إذا كانت مشكلتنا بهذا العمق والاتساع، كما أرى، فإنه ينبغي لنا التخلص نهائيًا من فكرة “اللمّة” التي يجري في ضوئها إنتاج “المؤتمرات” و”المجالس” و”الهيئات”؛ أي دعوة وجمع أفراد وقوى هلامية وفوضوية، سياسية وعسكرية وثورية وجهادية ومدنية وإغاثية وفنية، وممثلي قوميات وطوائف وحارات وفصائل، على أساس التوافق على شعار إسقاط النظام.

1. المفاهيم

هناك مؤتمر وطني سوري واحد اسمه “المؤتمر الوطني السوري”، وهذا لما يحن وقته بعد، وقد يأتي أو لا يأتي. من المهم أن نتواضع بخصوص التسميات، خصوصًا بوجود عدة جهات تدعو كل منها إلى عقد “مؤتمر وطني سوري” على مقاسها، ووفق رؤيتها، ما ينفي عن “مؤتمرها” سلفًا صفة “الوطني”. ومن المهم أيضًا الانتباه إلى أن المؤتمر الوطني يُعقد في إحدى ثلاث حالات؛ الأولى: عندما يعترف النظام الحاكم في أي دولة بأزمة البلاد وانسداد الآفاق، ومن ثمّ بأهمية مشاركة أبناء البلد وممثلي قواها المختلفة في الخروج من الأزمة، وهذا غير وارد في الحالة السورية أو فات أوانه منذ زمن بعيد. الثانية: عندما يصل النظام الحاكم إلى درجة عالية من العزلة الداخلية، وتتقلص مساحة مؤيديه أو مواليه بصورة شديدة، وهي الحالة التي لم تحصل بعد، على الرغم من أزمة “النظام السوري” الكبيرة. الثالثة: عندما يصبح النظام الحاكم على شفير الهاوية أو السقوط، بحكم أزمته الداخلية أو بسبب التدخل الخارجي، وهذا أيضًا غير متحقِّق في الحالة السورية. لكن في الأحوال كلها، تنبغي مشاركة جميع فئات وقطاعات الشعب السوري، فلا مؤتمر وطني من دون البعثيين مثلًا، شريطة ألا يكونوا، هم أو غيرهم، في المعارضة أو الموالاة، من المندرجين في ممارسة القتل والفساد.

كذلك، تفشل أي ثورة عندما يتعارض خطابها مع الوطنية؛ ينبغي للثورة أن تكون في خدمة الوطنية السورية، لكننا شهدنا خلال العقد الفائت كثيرًا من الخطابات واللقاءات المدمِّرة للوطنية السورية: خطاب الكراهية القومية، الخطاب الطائفي، الخطاب الذي يضع سورية والسوريين في محاور إقليمية أو محاور دينية، اللقاءات والاجتماعات على أساس طائفي أو عشائري، وغيرها. تحوّلت كلمة “الثورة” عند بعضنا إلى أقنوم مقدس تجري باسمها موبقات كثيرة، وأحيانًا فهمنا الخاطئ لها يضعها في تضادٍ مع الوطنية السورية التي تعلو ولا يُعلى عليها شيء.

هناك مفاهيم عديدة أخرى ينبغي رميها وراء ظهرنا، تشكل خطرًا علينا، أو تشكل تدميرًا مسبقًا لأي لقاء سوري؛ الخطاب السلاحوي أو “الحربجي”، الخطاب الديني أو الطائفي، الخطاب المبتذل تجاه الدول الإقليمية الذي يستند إلى مبدأ الشحادة، مصطلح “المناطق المحررة” المضلِّل والذي تنبني على أساسه ممارسات خاطئة، ادعاء التمثيل الحصري للشعب السوري” أو “الثورة السورية” في غياب الانتخابات العامة، وغيرها من المفاهيم الخاطئة التي تتجسَّد بوضوح في “الائتلاف الوطني السوري”، على الرغم من أنها موجودة أيضًا باتساع خارجه، في صفوف من يريدون تغييره.

2. الرؤية والتحليل

إن أي لقاء سياسي ينبغي له أن ينطلق من قراءة سياسية للواقع أولًا، أي من تحليل سياسي لمسار العلاقات الدولية والإقليمية، ولموازين القوى، ليس من أجل التأقلم مع السائد، بل لتحديد حجم الدور المطلوب منا، والوسائل التي ينبغي توفيرها، والأهداف التي يجب وضعها، والمراحل والخطوات التي ينبغي اتباعها. هذا النقاش السياسي ضروري أيضًا للإجابة عن أسئلة رئيسة تشغل بالنا اليوم؛ ما الوسائل والآليات التي يمكننا توفيرها لتخليص سورية من الاحتلالات الخمس: الروسي والإيراني والتركي والأميركي والإسرائيلي؟ وغيرها من الأسئلة العديدة المرتبطة بهذا السؤال.

سؤال آخر؛ هل يمكن حقًا اليوم إسقاط “النظام السوري” دفعة واحدة؟ وهل إسقاطه ممكن من دون قرار أميركي؟ وهل يمكن بناء نظام جديد كليًا أم أن النظام المتوقع سيكون مختلطًا بين القديم والجديد بنسب مختلفة بحسب موازين القوى؟ وما طبيعة ودور النظام الناتج في الإقليم، وما قدراته المتوقعة وعلاقاته بالاحتلال الإسرائيلي والإيراني وغيرهما؟ فمن دون رؤية سياسية لا يمكن بناء لقاء أو تشكيل سياسي سوري ناجح، لأن الرؤية السياسية تُحدِّد طبيعة ودور وأهداف وآليات عمل اللقاء أو التشكيل المأمول.

3. الأهداف والمهمات

ما طبيعة المهمات التي ستُعطى للتشكيل السياسي الجديد، هل هي مهمات سياسية أم عسكرية، أم هي خليط من السياسة والحرب والإغاثة والعمل النقابي والنداء القومي والدعوة الدينية وتنظيم الحج والدفاع عن الإسلام في القارات الخمس؟ واحدة من الأخطاء الكبرى للتشكيلات الأساسية (المجلس الوطني، الائتلاف الوطني… إلخ) أنها اشتغلت في كل شيء إلا السياسة.

مهمات التشكيل السياسي الجديد الذي تحاول جهات كثيرة العمل على تخليقه ينبغي أن تكون سياسية، لا إغاثية ولا دينية، ولا عسكرية، ولهذه المهمات شخصياتها الملائمة التي يُفترض عدم التهاون أو المجاملة بخصوص مؤهلاتها. أيضًا، هي مهمات سوريّة، لا علاقة لها بناغورنو كاراباخ ولا بليبيا ولا بالخلاف أو الانقسام الخليجي، ولا بوضع الإسلام والمسلمين في فرنسا. لدينا مشكلات تكفي العالم كله، وليس من مصلحتنا التدخل أو الاندراج في مشكلات الآخرين.

وفي سياق تحديد الأهداف، لا بدَّ من تثبيت الهدف الرئيس بوضوح وإخلاص؛ بناء الدولة الوطنية الديمقراطية الحديثة، وإقرار مبدأ المواطنة المتساوية حقًا، بصرف النظر عن العقيدة أو الأيديولوجية أو القومية أو الطبقة أو الجنس، بما يعني التخلِّي عن أي أوهام، علنية أو خفية، تتعلق ببناء دويلات إسلامية أو كردية أو عربية أو علوية أو درزية، وغيرها.

4. الآليات

كانت الآلية الرئيسة الغائبة هي الاعتماد على السوريين، وتنظيم قواهم ونشاطهم، في الداخل والخارج، واعتماد خطط عمل واقعية، متنوعة، صغيرة وكبيرة، آنية ومتدرجة، لحساب اللهاث وراء الدول ووعودها. عندما يحضر السوريون، تدريجيًا، في المعادلة السياسية، يبدأ تأثير الدول بالتناقص، أو يمكن أن يتعدَّل جزئيًا لمصلحة سورية والسوريين، أو ربما تأتي أحوال جديدة يستفيد السوريون فيها من تناقضات المصالح الإقليمية والدولية، لكن هذا غير وارد من دون أن يكون لديهم جاهزية ما تتعدى الانتظار والاستجداء والشحادة.

5. الشخصيات والقوى

هنا تبرز لدينا مشكلات عديدة، غالبًا ما يجري حلها بطريقة التغطية لتنفجر لاحقًا في وجهنا:

القوى السياسية؛ المشكلة الرئيسة أنه لا توجد لدينا قوى سياسية بالمعنى الحقيقي للكلمة، وهناك احتقار ضمني شائع للحزبية والتحزب، ربما نتيجة التجربة البائسة للبعث وما تركته في الأنفس والعقول. في الدعوات معظمها لا توجد معايير قابلة للقياس بخصوص الشخصيات والقوى المدعوة أو المشاركة؛ هل هناك وجود حقيقي لهذه القوة أو تلك؟ ما عدد أعضائها؟ برنامجها السياسي؟ نظامها الداخلي؟ … إلخ. هناك أسماء كبيرة متداولة لقوى غير موجودة أو صغيرة، وكلها تطالب بممثلين أو مندوبين لها!

التحالفات الهشة والهلامية؛ هناك أسماء عديدة لتحالفات وائتلافات واتحادات وتجمعات هشة أو هلامية، تقدِّم نفسها بطريقة غير متواضعة، من دون القدرة على التثبت من صحة وجودها أو عدد القوى والأفراد المنضوين فيها.

القوى المختلطة؛ هناك قوى غير محدَّدة المعالم، يختلط فيها السياسي بالعسكري بالمدني بالإغاثي، فضلًا عن القبلي والطائفي والقومي، وهي قوى فوضوية مربكة في أي عمل سياسي.

الشخصية الوطنية؛ درج هذا المصطلح في أوساط المعارضة والثورة، ولم تُوضع له أي معايير، إلى درجة أصبح مصطلحًا مضلِّلًا، ويتخلَّله كثيرٌ من الادعاء والوهم؛ إذ يكاد يكون المعيار الرئيس هو الظهور الإعلامي للشخصية، وهذه ليست دلالة على أي قدرة أو كفاءة، وربما تكون دلالة على الخفّة وحبّ الظهور أو عدم التمنع عن الاندراج في محاور إقليمية أو غيرها. في اعتقادي، لعلَّ المعنى الرئيس للشخصية الوطنية يتجسَّد في كونها قادرة على الدفاع حقًا عن سورية كلها، وفي انتمائها إلى سورية كلها، وفي عدم اندراجها في أي اصطفاف قومي أو قبلي أو طائفي أو إقليمي أو دولي، ويتوافر لديها شيء من التاريخ النضالي أو السياسي أو الثقافي أو الاقتصادي أو غيره، فضلًا عن توافر قدرات معقولة في الحقل السياسي أو غيره.

الشخصيات المستقلة والقوى؛ هذه واحدة من المشكلات أو النزاعات التي تتكرر في لقاءات المعارضة، وتتجلى في عدم منطقية تمثيل القوى السياسية في مقابل الأفراد المستقلين أو “الشخصيات الوطنية”، إذ يكون للفرد المستقل مثلًا صوت يعادل صوت مندوب أي قوة سياسية، وهي إشكالية تحتاج إلى التفكير في حلٍّ تنظيمي عادل ومقنع.

الاستقلالية؛ تنوس أغلبية التشكيلات والشخصيات المعارضة والثورية بين استقلالية موهومة من جهة، والذوبان في سياسات إقليمية من جهة أخرى. وليس أدلّ على ذلك من المنصات المعارضة التي تعمل استنادًا إلى مبدأ الأواني المستطرقة، إذ يأخذ المعارضون السوريون شكل الإناء/ الدولة الذي/التي يُوضعون فيه/ا.

فوضى إعلامية؛ يمكننا اكتشاف الأضرار التي لحقت بالثورة وصورتها من جراء التصريحات واللقاءات الإعلامية غير المدروسة، والمتناقضة، تلك التي قدمت صورة ساذجة عن معرفتنا بالنظام السوري والسوريين وتاريخ سورية وقوانين التحولات المجتمعية ومراحل الثورات والعلاقات الإقليمية والدولية ودور سورية في الإقليم، فضلًا عن خلط الحابل بالنابل من حيث فهمنا للأديان والثقافات والقوميات والطوائف ونظم الإدارة وبناء الدول.

هلامية تنظيمية؛ شًكِّلت مؤسسات وتشكيلات ومنصات سياسية عديدة، وبُنيت بطريقة اعتباطية وهلامية، ومن دون اعتماد نظم داخلية، أو اعتمدت من دون تطبيق. هذه المؤسسات لم تستطع ضبط أو محاسبة أفرادها على تصريحاتهم الإعلامية غير المسؤولة أو على ذهابهم في طرق سياسية، فوق الطاولة أو تحتها، تتناقض مع أهداف ومبرِّرات تشكيل مؤسساتهم الأصلية، كما فعل كثير من أعضاء “الائتلاف الوطني”.

تقاليد سياسية غائبة؛ يتصل بالهلامية التنظيمية غياب التقاليد السياسية، فليس من النادر أن نجد سوريًا موجودًا في عدة تجمعات أو حركات سياسية، ولا من النادر أن يغادر الفرد مكانه من دون إخبار أو رسالة اعتذار، وربما يصرُّ على الخروج بطريقة فضائحية أو فجة لا تبقي ولا تذر، ولا من النادر أيضًا أن يغيب طويلًا ثم يعود وكأن شيئًا لم يكن.

الاصطفافات المناقضة للوطنية؛ هناك شخصيات عديدة دخلت إلى التشكيلات السياسية الأساسية، خلال العقد الفائت، من بوابة القبيلة أو الطائفة، كأن يكون ممثلًا لقبيلة أو “اتحاد قبائل” أو لطائفة ما، وهي صيغ لا تتوافق مع الأهداف الوطنية المعلنة للتشكيل السياسي.

الشيوخ والشباب؛ منذ بداية الثورة، برزت مشكلة الكبار والشباب، شباب ينظرون إلى أنفسهم بوصفهم عماد الثورة وصانعيها، وكبار يرون أنهم أصحاب تاريخ نضالي والأكثر معرفة وخبرة، وهذا خلق شيئًا من التوتر والتنافس السلبي.

الرجل والمرأة؛ يجري عادة تناول مسألة تمثيل الذكور والإناث في أي هيئة، بصورة غير عقلانية، تستند إلى التمثيل المتساوي أو عدمه، وليس إلى الكفاءات السياسية المتوافرة، بصرف النظر عن الجنس.

التنافسات والعيوب الفردية؛ كانت العيوب الفردية من العوامل المعيقة والمفجِّرة لأي لقاء أو تجمع أو عمل جماعي، وهي كثيرة وتبرز إلى السطح وتكون مؤثرة بحكم هشاشة المؤسسات الموجودة وأنظمتها. كان التنافس على الزعامة أو القيادة أحد تلك العيوب، وهو الذي أدى في الحصيلة إلى تهشيم الجميع؛ إذا ما رأينا عملًا أو فردًا ناجحًا نتبارى في إفشاله، متناسين أن إفشاله سيعني أن أحدًا لن ينجح.

ومنها أيضًا اندراج كثير من الأفراد في خدمة سياسات إقليمية ودولية، وهناك مثلًا من حاول الركوب على حصان “الإخوان المسلمين” فامتطوه، وهناك أيضًا من حاول استثمار حصان “القوى الكردية المسلحة” فاستثمروه، فضلًا عن أحصنة “النصرة” و”داعش” التي هرست الجميع، وغيرها. وهناك أيضًا، على ما يبدو، “رجال” لكل اللحظات؛ للثورة والسياسة والحرب والتفاوض، وغيرها.

وهناك أفراد غير أكفاء في العمل السياسي، دخلوا هذا الباب بطرق عديدة لا علاقة لها بالوعي أو الرؤية أو القدرات، وتقلَّدوا مواقع متقدمة خلال السنوات الماضية، وغيروا أماكنهم وتشكيلاتهم عشرات المرات، وبعضهم يحاول اليوم “تبرئة الذات” من كل ركام الفشل المحيط بنا، ويقدِّم النصائح والقراءات السياسية المغايرة؛ في الحقيقة، تصبح النصائح ثقيلة جدًا عندما تأتي من أولئك الذين كانوا في صدارة المشهد. تكفي متابعة مقالات وتصريحات ومقابلات وتحليلات وأداء الجميع في محطات مختلفة، لنكتشف حجم الخطل السياسي أو الخفة أو الشعبوية أو الضلال أو الانتهازية أو السذاجة… إلخ.

أخيرًا؛

لا يهدف هذا التذكير بمشكلاتنا إلى إبراز الأخطاء، ومن ثمّ التسبّب بنشر الإحباط، بل يهدف، أولًا وقبل كل شيء، إلى التحذير من تكرارها في سياق المحاولات الجديدة الصادقة التي بدأت تبرز إلى العلن، وتعبر عن نفسها، وعن سعيها لبناء ما هو مختلف، بحسب ما تعلن، بالاستفادة من التجربة السابقة.

لكنني أعتقد، في ظل هذا التراكم الكبير للمشكلات والفشل، أن المسار الأجدى، وفي ضوء الوضع الراهن والقدرات المتوافرة، يتمثل ببناء هيئة مصغرة، مؤقتة، موثوقة، من شخصيات سياسية سورية، عارفة وخبيرة، بعيدًا عن الشخصيات التي شاركت في الهيئات والمجالس المختلفة خلال العقد الفائت، وبعيدًا عن الشخصيات التي تقيم في دول الخليج وتركيا ومصر ولبنان والأردن خصوصًا، ومن واجبنا، نحن الباقين، دعم هذه الهيئة المصغرة بالسبل كلها، في ضوء الاستفادة من أمراضنا السابقة.

في اعتقادي، تحتاج هذه الهيئة المصغرة إلى وثيقة سياسية محدَّدة وواضحة، توزيع أدوار وفقًا للمعرفة والإتقان، التزام خطاب سياسي إعلامي وطني وحديث يتناول التفاصيل، وبتوجه إلى السوريين كلهم لا إلى فئة أو فئة معينة فحسب، بنية تنظيمية مرنة ونواظم قانونية صارمة، التزام ميثاق يحدِّد السلوك السياسي والتقاليد السياسية، بناء قنوات اتصال عقلانية وعلنية مع السوريين أولًا، ومع الإعلام والدول، نشرة إعلامية دورية تضع السوريين في صورة ما يجري بوضوح… إلخ.

ومع ذلك، وفي حال أُنجز ذلك كله، ينبغي لنا ألا نتوقع كثيرًا، وفي الأفق المنظور. في الحقيقة، لست متيقنًا من نجاح هذا المسعى، فقد بات حالنا مثل المريض الذي جاء إلى طبيبه مصابًا بزكام، فوصف له الطبيب العلاج الملائم، لكنه لم يتبع النصيحة، ليعود إليه وقد تطور الزكام إلى التهاب حاد في قصباته، وليعاند مرة أخرى رافضًا العلاج، وهكذا، إلى أن عاد إليه مصابًا بقصور رئوي يضعه على حافة الموت.

سينتقد بعضنا هذه المقالة، وهذا طبيعي، ومرحبٌ به، لكن بعض الانتقادات ستنطلق من اعتبارها مقالة نظرية تطرح خططًا نظرية؛ ربما لأن هذا “البعض” اعتاد الهروب من الاستحقاقات الحقيقية، أو ربما لنفي المشاركة الذاتية في واقع الفشل. مع ذلك، أقول: نعم، قد تكون نظرية، لكنها مستوحاة من واقع الفشل المتراكم الذي يلفنا جميعًا ولا يمكننا التغطية عليه. على أي حال، ليست مقالة نظرية آتية من بلاد الواق واق.

المدن

—————————

أكراد سوريا..والقرار المصيري/ العقيد عبد الجبار العكيدي

خلال مدة متقاربة، كرر قادة في سلطة الأمر الواقع شمال شرقي سوريا دعوات الحوار مع الخصوم، تركيا والائتلاف السوري المُعارض، آخرها لفتاً للانتباه صدرت عن قائد قسد مظلوم عبدي، والرئيسة المشتركة للهيئة التنفيذية لمسد إلهام أحمد، وهما مظهراً لا جوهراً، يمثلان أعلى سلطتين، عسكرية وسياسية، في المناطق التي تحكمها ما يُعرف بالإدارة الذاتية، فما هي دلالات هذه الدعوات؟ ومن أي زاوية يمكن النظر إليها في سياق المتغيرات الحاصلة؟ وأي رسائل يُراد منها وإلى من؟

لا بد من نقطة انطلاق مركزية، للإحاطة بالأسئلة السابقة، وهذه النقطة هي “شكلية” المسميات والأطر العسكرية والسياسية شمال شرقي سوريا، بمعنى أن لا قائد قوات قسد يمثل أعلى سلطة عسكرية، ولا الرئاسة المشتركة لمسد تمثل أعلى سلطة سياسية.

من يحكم شمال شرقي سوريا؟

شمال شرق سورية سياسياً وخدمياً وعسكرياً وأمنياً، يحكمًه أربع أشخاص من أكراد سوريا، هم مجرد واجهة لأربعة من خلفهم، هم أعضاء في اللجنة التنفيذية في منظومة المجتمع الكردستاني، والتي يقودها عمليا جمال باييك، وريث عبدالله أوجلان، أو بشكل أدق المنافس الذي يلبس ثوب الوريث والتابع. هذه المنظومة تقود أربعة أحزاب كردية، وهي العمال الكردستاني في تركيا، والحياة الحرة في إيران، والحل الديمقراطي في العراق، والاتحاد الديمقراطي في سوريا.

ما تجدرالاشارة إليه أن هذه المنظومة كان يجدر بها أن تعتمد في إدارة سوريا على ذراعها السوري حزب الاتحاد الديمقراطي المولود عام 2003 لهذا الغرض، لكن تحييده وإدارة شمال شرقي سوريا مباشرة من جانب أعضاء المكتب التنفيذي لمنظومة المجتمع الديمقراطي، وقادة الصف الأول في جبال قنديل، يعكس أهمية سوريا بالنسبة لها، وهي أهمية تفوق تركيا والعراق وإيران. تخوض تلك المنظومة في سوريا معركة وجود.

وهنا نشير إلى قيادة فعلية للمنظومة وليس مجرد دور توجيهي أو استشاري. القيادات الأربعة موجودون على الدوام في سوريا، كصلة وصل بين القيادة في جبال قنديل، وبقية الواجهات السياسية والعسكرية والخدمية والأمنية شمال شرقي سوريا، والتدخل يكون في أبسط القرارات، حتى أن تلك المنظومة انتدبت قياديا مهمته فًقط التدقيق في الحسابات والأموال، وفي هذه الجزئية دلالة بالغة الأهمية.

الرسالة الأولى

الاستطراد والتفنيد السابق يفيد بداية في طرح السؤال التالي: هل دعوة مظلوم عبدي، وإلهام أحمد، تركيا والائتلاف السوري إلى الحوار، هو موقف أصيل منهما؟ وهل أطلقا هذه الدعوات بمعرفة ورضى بل وتوجيه المرجعية السياسية والعسكرية المُنتدبة من جبال قنديل؟

قبل الإجابة عن هذا السؤال، لا بد من التنويه إلى أن كلاً من مظلوم عبدي وإلهام أحمد لهما مكانتهما في الأوساط الكردية، لكنهما في حسابات منظومة المجتمع الديمقراطي هم مجرد قادة في الصف الثالث، وككل الأحزاب أو المنظومات الشمولية، هذه التراتبية وأساسها سنوات الخدمة ومكانها وليست المكانة أو الإنجازات أو المصلحة.

الإضاءة السابقة مبررها يأتي في سياق ما تردد في الآونة الأخيرة بشأن إزاحة واستبدال مظلوم عبدي من قيادة قوات سورية الديمقراطية، بالقيادي محمود برخودان، المعروف ميدانيا ب”الرش”.

هذا الاسم هو ما جعلني أتوقف عند تصريحات مظلوم عبدي، لأنني أعرف “الرش” شخصياً حين دخلت مع رجالي إلى عين العرب (كوباني) لمساندة أخوتنا الأكراد في صد هجوم داعش خريف 2014.

عرفت الرجل عن قرب، وأعترف أنه قائد عسكري جيد، لكنه شديد الولاء لجميل باييك، ولاء مطلق جعله إلى حد بعيد رجل راديكالي، ولم أجد له عذراً لموقفه المتطرف من العرب إلا حين لمست منه ذات التطرف اتجاه الكرد القادمين من العراق من قوات البشمركة للمؤازرة. أدركت حينها أن ولاء الرجل لمنظومة المجتمع الكردستاني تكاد تصل إلى درجة القداسة.

يمكن القول والحال هذه أن التغيير المشار إليه أعلاه إذا ما حصل فهو يدخل في إطار استبدال من صار ولاؤه مشكوكاً فيه برجل ولاؤه نقياً للمنظومة القابعة في جبال قنديل، وهذا مدخل أول للقول إن دعوة مظلوم عبدي وإلهام احمد للحوار، هي رسالة إلى الداخل الكردي وتحديداً إلى جمال باييك، في جبال قنديل.

بعبارة أدق، ربما يمكن القول إن معركة خفية تجري في كواليس القيادة الكردية في شمال شرقي سوريا، يقودها من جهة مظلوم عبدي، ومعه قادة من الكرد السوريين الأوجلانيين الوازنين، وفي الطرف الآخر جمال باييك وأزلامه في سوريا وتركيا.

مردّ ذلك أمران، الأول، الأفق المسدود الذي قادت منظمة المجتمع الديمقراطي أكراد سوريا إليه، فعلى الرغم من الدعم الأميركي والأوروبي الكبير، وامتلاك خزان سوريا المائي والنفطي والغذائي، إلا أن تلك السياسات حجمّت وأبعدت أكراد سوريا عن ملعب التسوية السياسية، بل وضعتهم في مهب الرياح بعد اعتماد سياسات من التذاكي عفا عنها الزمن مثل التحالف مع الجميع، وهي سياسة أدت الى خسارة الجميع، وترك أكراد سوريا لاحقاً لقمة سائغة لانتقام نظام الأسد.

الأمر الثاني، تحريض أميركي مباشر وغير مباشر في إبعاد منظومة المجتمع الديمقراطي، وهيمنة أوجلان بصوره وإفرازاته عن المشهد، بما يضمن إعادة التعاون التركي الأميركي إلى سكته، وهو المتوقع مع الإدارة الأميركية الجديدة.

الرسالة الثانية

محاولة انتزاع أكراد سوريا قرارهم من جبال قنديل وقادته الذين حولوا سوريا إلى ساحة لتصفية الحسابات مع تركيا، وردّ الجميل إلى نظام الأسد، تهدف إلى إنقاذ ما يمكن إنقاذه من المكتسبات، وحماية ما يجب حمايته. ذلك لأن خسارة عفرين ولاحقا المناطق الممتدة بين رأس العين وتل أبيض، واستحالة عودتهما إلا في إطار تسويات إقليمية ودولية، أضعف موقف القيادة الكردية أمام حاضنتها، وجعلها هي لا القادة الفعليين في مرمى سهام الاتهامات الشعبية الكردية.

وعليه، فإن التقارب مع أنقرة لعله إما يقرّب أكراد سوريا من تسوية تعيدهم إلى إدارة المناطق التي خسروها أو تجنبهم على الأقل خسارة جديدة وخصوصاً في ظل الحديث المتزايد عن عملية عسكرية تركية جديدة تنطلق من الدرباسية.

صراع مظلوم عبدي الداخلي، إن صح التعبير، رهن بالموقف الأميركي، إن تخلت عنه واشنطن عاد كل شيء إلى نقطة الصفر، وجعلت أكراد سوريا خارج ملعب التسوية السياسية حتى على مستوى مقعد في اللجنة الدستورية، وجعلت التفاهم الأميركي-التركي شبه مستحيل، وسهّلت لاحقاً على نظام الأسد عودته الى هناك بالقوة، أو استعادته على الأقل رئة يحتاجها في ظل العقوبات المفروضة بفعل قانون قيصر، من خلال نفط وماء ومحطات وقمح وقطن شمال شرقي سوريا.

لكن إن صدقت واشنطن وعدها، فإن المهمة التالية بعد دعم موقف مظلوم عبدي وما يمثله يكون بإقناع أنقرة بتسوية تُبعد فيها خصمها العتيق عن حدودها الجنوبية وتعيده مرة أخرى إلى جبال قنديل، إضافة إلى إعطائها الضوء الأخضر للائتلاف السوري  للجلوس إلى طاولة المفاوضات، هذا أيضاً سيدفع المجلس الوطني الكردي إلى دفع عجلة قيام مصالحة أو اتفاق كردي-كردي، ليكونا كياناً كردياً واحداً  في إطار التسوية السورية الشاملة، وهذه المرحلة إن بدأت ستفرض تنازلات كبرى من جميع الأطراف، وعلى الصعيد الكردي، سبكون قطع العلاقات مع جبال قنديل، وإخراج المقاتلين الأجانب في مقدمة التنازلات المطلوبة.

الرسالة الثالثة

إن المتتبع عن كثب لسلوك القيادة الكردية، منذ عام 2012، لا يجد عناءً في إثبات العلاقة بين قادة “وحدات حماية الشعب” وبين دمشق. ولم يعد سراً وجود مكتب تمثيل في دمشق لهم، وآخر افتُتح قبل أعوام في حميميم في اللاذقية.

لكن هذه العلاقة ليس يسيراً تفسيرها، وخصوصاً من خلال منطق العمالة الدارج، إذ أن التعاون الكامل بينهما لم يخلو من بؤر التنافس، أو الصدام المؤجل، فكلاهما أي نظام الإدارة الذاتية ونظام الأسد استفادا من بعضهما من أجل تركيز المواجهة بالكامل ضد المعارضة المسلحة، وحواضن الثورة في عموم سوريا، لكن ماذا لو فرغ النظام من احتواء الثورة والمعارضة؟

تعددت في الآونة الأخيرة توجيه نظام الأسد تهديدات مبطنة الى القيادات الكردية، وهذه عقيدة نظام الأسد، هو لا يفهم منطق الحلفاء أو منطق تقاسم النفوذ، بمعنى أن وجهة قوات النظام في وقت قريب ستكون إلى القامشلي لرد الاعتبار أولاً، وثانياً لاستعادة مناطق تضم جلً ثروات سوريا، وهذا ما يعرفه قادة أكراد سوريا.

ومن هنا فإن إعلان الاستعداد للجلوس إلى طاولة مفاوضات مباشرة مع تركيا، تُسقط من يد موسكو إحدى أهم أوراقها التي جعلت آلياتها تسير في مناطق لم تكن لتحلم فيها، من المالكية إلى عين العرب، وهي رسالة تعيد خلط أوراق القوة والتوازنات، في إطار الانضمام إلى تسوية شاملة إن وجدت دعما دولياً، يعرف مظلوم عبدي وسواه، أن الخاسر الأكبر فيها سيكون بشار الأسد، ومن ورائه روسيا.

فهل يفعلها مظلوم عبدي وأمثاله من أكراد سوريا، أم أنه ينتحر على مذبح خدعة كبرى، تجعل أكراد سوريا أسرى نظام استبداد سيتجاوزه الزمن، يمتد من دمشق إلى جبال قنديل؟

المدن

————————–

دعوة إلى السلم المدني/ ميشيل كيلو

لم تطرح العقول السياسية السائدة في الساحة السورية مسألة السلم الأهلي في برامجها وخططها، لاعتقادها أن المجتمع السوري “صبّة” واحدة، متآلفة وموحدة، ولو طرحته في زمن ما قبل الثورة، وأرسته على أسسٍ جامعةٍ تنظم حياة السوريين المشتركة، وعلاقات المساواة والعدالة بينهم، لما دامت مأساتهم نيفا ونصف قرن، ولما نجحت الأسدية في تحويل ما بينهم من فروق إلى تناقضاتٍ استغلتها أجهزتها ضدهم، ولربما كان العالم سيقتنع بدعم حريتهم، بما يراه من توافقٍ بينهم، يطبع سياساتهم ومواقفهم بطابع عقلاني مؤهل لكبح الإرهاب والاستبداد. ولو طرحته في زمن ما بعد الثورة، لكان التوافق حوله كفيلا بزعزعة الأسدية، بما كان سيواجهها من وحدة وطنية عصية على الاختراق سياسيا وعسكريا، ولما ضنّ العالم على السوريين بنظام بديل. ولكن شيئا من هذا لم يحدث، قبل الثورة وبعدها، والسبب: ضمور الوعي بأهمية السلم المدني لدى أطياف العمل المعارض، واتصاف علاقاتها بقدر خطير من التوجّس والعداء، وبناها بالفئوية والعصبوية من جهة، وتعرّضها، من جهة أخرى، لقمع دائم، وتصفياتٍ منهجية، واختراقات أفقية وعمودية، شحنتها بالتوتر وانعدام التضامن الذي حوّلها إلى تنظيماتٍ متناثرةٍ وعاجزةٍ عن إنجاز أفعال مؤثرة تتخطّى بواسطتها ضعفها الذي أسهم في دورانها ضمن دوائر أسدية مغلقة، استهدفت فصلها عن الشعب، وتهميشها سياسيا ومجتمعيا، وقصر وجودها وأنشطتها على العدد القليل من منتسبيها، السرّيين الذين واجهوا السلطة ودولتها العميقة المنظّمة التي شكلت مجتمعا قائما بذاته، ناخ بكامل ثقله وعنفه على مجتمع عمل بدأبٍ على كتم أنفاسه وتشتيته، فلا عجب أن بدت ثورته كشهقة حياة أطلقها تمرّد استشهادي مفعم بالإصرار على الحرية، على الرغم من جرائم الأسدية التي أوصلته إلى حافّة الهلاك.

لا عجب أن انتشرت، في هذا الوضع، أفكار نخبوية نفت وجود مجتمع سوري، وساقت دليلا على زعمها، هو افتقار فترة ما بعد الثورة إلى سلم مدني وأهلي، وصمت قطاعاتهم الواسعة على تقويض ثورة الحرية لصالح ثورة مضادّة لها، تخلقت مذهبيا وإرهابيا بجهود عملاء للأسدية ولدول أجنبية، غزوا سورية بحجة “تطبيق شرع الله”، إلا أنهم احتلوا المناطق التي حرّرها الجيش السوري الحر، واستهدفوا هذا الجيش بالقتل والتفكيك، فلم تخدم أفعالهم أحدا غير أجهزة الأسد، والعاملين لإنقاذها.

لو كان في سورية مجتمع موحد، يواصل النقاد النخبويون كلامهم، لما قبل أن يمثله من تجاهلوا الارتداد عن ثورة الحرية، بل وارتدّ معظمهم عنها، ولما وقف هؤلاء مكتوفي اليدين حيال استهداف ما كان من لحمةٍ بين الجماعات الوطنية السورية، لطالما عبّرت عنها، من خلال حراكها المدني والسلمي، ولما استمرّ موقفها، أخيرا، بعد أن أقام الإرهابيون نظاما مكملا للنظام الأسدي في “المناطق التي “حرّروها” من الثورة وشعبها.

ما مضى مضى. دعونا نبادر، منذ اليوم، إلى لم شمل شعبنا السوري على أسس مدنية تشاركية، تكبح ما يفرّقه من تناقضاتٍ وتبايناتٍ أجّجها ويؤجّجها ويراهن عليها أعداؤه وغزاته المحليون والغرباء، ولا بد أن نقاومها، ونعين أهلنا على بناء مجال عام موحد، ينتمي إلى ما يسمونه السلم المدني، كمجسد لوحدة شعبنا ولما يعزّزها من أسس ومبادئ ومصالح وسياسات نترجمها إلى مواقف وخيارات عملية هي ما نسميها الثورة: سبيلنا إلى توحيد صفوفنا واستئناف ما كنا نعيشه من اندماج وطني وإنساني، قبل نكبتنا بالعسكر وطائفيتهم، علنا ننجح في إفشال خطط أعدائنا الذين يراهنون على تفاقم تمزق (وانهيار) مجتمعنا، المهدّد بالقول والفعل في وجوده، لأن في هلاكه نجاة أعدائه، وبقاء السوريين غارقين في بؤسهم، ومستبعدين من المشاركة في تقرير مصيرهم، ونيل ما ضحّى الملايين من بناتهم وأبنائهم لبلوغه، وأكّدوا باصرارهم عليه أنه أغلى ما يطلبونه: حريتهم.

دلالات

العربي الجديد

——————————-

الشعب السوري فقد الحرية في سبيل حريته/ سوسن جميل حسن

مع ازدياد انغلاق الأفق في وجه السوريين، وتحوّل حياتهم إلى كل أشكال استحالة العيش إلّا في الحد الأدنى من سد الرمق، تزداد ضرورة طرح الأسئلة، قد لا توصل الأسئلة إلى نتيجةٍ أو حلّ شافٍ، لكن تراكم الأسئلة ربما يوقد شعلةً صغيرةً تتقد في هذا النفق المظلم.

يحقّ السؤال اليوم عن كيف يصنع الفارق، ومن يستطيع وضع أول مدماك في بناء هذا الفارق؟ بعد عامين من الحراك السوري، وكانت المعارك تجري بشراسة غير مسبوقة، وتتجه الانتفاضة نحو الاحتضار، لتحل محلّها صراعات إقليمية ودولية مدعومة بتجييش عقائدي ومذهبي، فعلت فعلها في تضليل وعي الناس، وحرفِهم عن طموحاتهم وأحلامهم بوطنٍ بديلٍ تتحقق فيه العدالة الاجتماعية، وتستعاد الحقوق المنتهكة وتصان الكرامة، لتغرق البلاد في مستنقع الدماء وترفرف فوق أراضيها المنكوبة رايات الجحيم، في ذلك الوقت كانت الليرة بدأت بالانزلاق نحو الهاوية، وبدأت حياة الناس الباقين داخل البلاد تعاني من عضّة الفقر والجوع، وكان أحد الهواجس التي هجس بها بعض النخب السورية، ومن بينهم كاتبة هذه السطور، أن تكون هناك “ثورة جياع” باتت تلوح في الأفق.

عندما يتقلص فضاء الثورة وتختصر مطالبها في تأمين الطعام ودرء الجوع فقط، فإن هذا يرهن المستقبل إلى بطون خاوية، وليس إلى ضمائر منتهكة وعقول تبحث عن بدائل تليق بذواتها المكتشفة، وما تعاني من انتهاك لإنسانيتها.

قبل الحراك، أو الانتفاضة التي اندلعت في مارس/ آذار 2011، لم يكن الفقر في سورية بأنياب تعضّ، صحيح أن شرائح واسعة من الشعب كانت محرومةً من كثير مما تتطلبه حياة البشر في هذا العصر، عصر الدول الحديثة والحكومات القائمة على تأمين شعوبها بحياةٍ لائقة، لكن الفقر لم يكن قد وصل بالناس إلى عضّة الجوع، وكان أكثر ما يلحّ على السوري إمساكه بقراره ورفع الظلم والتجبر والقمع وكم الأفواه ومصادرة الرأي، واستعادة الشعب حقه في صنع حياته ومستقبله ومصيره، كان الشعب يعاني من القوالب الجبارة التي حشرته في فضاءٍ ضيقٍ وكمّت أفواهه، وجعلت مجرّد التفكير خارج النسق المفروض من الأعلى تقابله المقامرة بحياته. وكان متوقعاً، أو مأمولاً من انتفاضة الشعب أن تتكامل وتنضج ليحقّ لها أن تكون ثورةً بكل معنى الكلمة، ثورة على الواقع كله، وإحداث انقلاب جذري، والمضي في بناء مشروع الدولة المشتهاة، الدولة التي يحقّ لكل فرد فيها أن يشعر بأنها دولته، وبأن الوطن وطنه، لكن أن تتحوّل إلى ثورة جياع، فهذا وحده كان جديراً بأن يُقلق المتابعين والحالمين.

بعد عشر سنوات، صارت الصورة مخيفة حدّ الذعر، إنها لم تعد ثورة جياع، بل صار المنتظر من هذه الظروف الحياتية الغاشمة التي تلفّ حبائلها على أعناق الشعب، أن تكون ثورة عبيد. نعم، ثورة عبيد في القرن الواحد والعشرين، ولا يضيم أي حرّ في هذا البلد المنكوب أن يوصف بالعبد، فلا طائل من مناورة الواقع، بكل أدلته ومؤشّراته الفجة القاسية على أن الشعب السوري مستعبدٌ حدّ الرمق. ولا أعني هنا العبودية كبنيان أخلاقي وقيمي ومفاهيمي، بل كواقع مفروض بحكم القوة، الحرب ومصادرة كل الخيارات، إلّا ما تقدمه من أشكال الحياة، مع عدم تغافل حقيقة أن الأخلاق تنشأ كمنظومة معرفية وسلوكية لجوهر الوجود الإنساني، وتؤثّر بها وبصياغتها البيئة الفاعلة في الحياة، دينية كانت أو أيديولوجية أو فلسفية أو معرفية، وهذا حديثٌ آخر عن السلوكيات والمفاهيم بعد سنواتٍ عشر من الجحيم، والتي هي في الواقع حصيلة قرون توّجتها العقود الأخيرة من تكريس التاريخ التسلطي بكل ما يحمل من قدرات الاستعباد الذاتي والاستلاب الوجودي لقيمة الإنسان. صارت الأخلاق والقيم من الماضي، وصار الشباب في سورية يلهثون وراء فرصة التحاق بفصائل تقاتل في معارك بعيدة لصالح دول أخرى، زجّتهم فيها الدول المسيطرة على الميدان في سورية، وهذا شكلٌ موجعٌ من أشكال العبودية.

عبودية الشعب السوري تمارس جبروتها على أرواح السوريين في الخارج والداخل. للخارج مجالاته التي تتباين بين بلد لجوء وآخر، حيث تختلف درجة العبودية لحياة مشروطة بحكم ظروف قاهرة لا إنسانية، خصوصاً في دول الجوار، بين تركيا ولبنان والأردن، وأولئك العالقين في اليونان. ربما حظ السوريين الذين نفدوا من الموت في طريق هجرتهم القاتل، ووصلوا إلى الدول الأوروبية، أوفر من هؤلاء، لما تقدّمه الدول الأوروبية من مساعداتٍ وضماناتٍ حياتية، وفرص تأهيل من أجل دخول سوق العمل، لكن الأمر لا يخلو من ظروفٍ قاهرة لعدد منهم يجعلهم واقعين في ما يشبه العبودية، الإذعان لشروط عمل من دون أن يمتلكوا الحق القانوني في الدفاع عن حقوقهم.

أما في الداخل، يزداد الوضع ارتهاناً للعبودية مع كل صبحٍ جديد في تقويم السوريين، وفي احتساب أعمارهم المقطوعة عن الزمن. السوري عبد اللحظة الفارقة التي تبقيه في حيز الحياة، وهو على شفير الموت في كل لحظة، اللحظة التي يلزمها فقط رغيف الخبز لتمنحه الحياة عتبتها ليس أكثر، يبقى واقفاً عليها في طابور انتظار الرغيف التالي ليوم آخر. حياة بلا غد ولا طموح ولا أمل ولا أمان ولا خيال، حياة مراوغة تمنح الشعور بهزيمة الموت والانتصار في معارك وهمية ضده. السوري عبد مزاج الحرب ومخلفاتها، محسوبٌ على خانة المواطنة، من أجل أن يؤدّي استحقاق الحرب التي لم يؤخذ رأيه فيها، مطلوبٌ منه تقديم حياته تلبية لنداء الواجب، والوقوف في وجه المؤامرة الكونية على بلاده، والتي أصبحت حقيقةً لا مجال للشك فيها، لم تبق قوة في الجوار أو في العالم إلّا ووضعت سلاحها في الحرب على سورية، وأدارت معاركها البعيدة والقريبة على أرضها وبأرواح شعبها. مطلوبٌ من السوري أن يدفع الفواتير كلها، حتى مِن دخلِه الذي لا يكفيه لسد رمقه ورمق أطفاله، ليرفد الخزينة حتى تستمر الحرب، يكاد وضعُه يسقط تحت الشرط الأساسي لأن يكون الإنسان عبداً، أن ينفق عليه رب العمل ثمن أكله ليس أكثر، بينما السوري لا تمنحه الدولة أكثر من ثمن رغيفه، بينما يقوم بالعمل المفروض عليه، ولو كان دفع حياته في حرب لا يريدها.

في سورية الرجل مستعبد، المرأة مستعبدة، الطفل مستعبد، كل بأدوات تخصّه فرضتها الحرب وانهيار الحياة، وصار الشعب موزعاً بين شريحتين، شريحة الأثرياء التي لا تتجاوز العشرة بالمائة، بيدها المقادير كلها، والقرارات كلها، وشريحة الباقين على سد الرمق في طابور الذل والعار والموت، يقاربون التسعين في المائة، تكاد ظروفهم الغاشمة تشبّههم بعبيد روما، فقد كانوا يتصارعون مع بعضهم بعضاً، ولا ينتهي النزال إلا إذا قتل أحدهما الآخر، وهذا لم يعد مظهراً غريباً عن واقع حياة السوريين، فكيف لهؤلاء المرتهنة حياتهم لهذه العبودية الماكرة أن يصنعوا الفارق، أن يقلبوا الطاولة ويقلبوا كل شيء؟ ما الذي ينقصهم في ظل تجاهل العالم مجتمعاً لبؤسهم وموتهم وعبوديتهم؟ هل ينقصُهم القائد الملهم الذي ينبثق من بينهم ومن عمق مأساتهم؟ قائد يشبه سبارتاكوس لكن بمشروع يوصل إلى نهاية مختلفة؟ وهل سيتفق العالم على قمع ثورته، بعد أن كان على مدى عشر سنوات يجلس متفرّجاً على حلبة الصراع يقتل السوريون بعضهم بعضاً فيها؟ أم إن السوريين في واقعهم الحالي تصحّ بهم تجربة الضفدع الذي تأقلم مع دفء الماء، حتى وصل إلى الغليان، فلم يستطع القفز والنجاة بعدها؟ واقع سوريالي أليم موجع، إنها العبودية المقنّعة بأعتى أشكالها أمام عيون المجتمع الدولي الذي احتفل في الثاني من شهر ديسمبر/ كانون الأول الحالي بالقضاء على العبودية والرق.

العربي الجديد

———————–

الغائب المطلوب سورياً/ عبد الباسط سيدا

القاسم المشترك بين الأنظمة الجمهورية التي ظهرت على الساحة العربية منذ أوائل خمسينيات القرن الماضي تحت شعارات قومية اشتراكية مناهضة للاستعمار والامبريالية والصهيوينة، هو أنها اعتمدت على سطوة الجيش والأجهزة المخابراتية في الإمساك بالدولة والمجتمع؛ وذلك بعد أن خلخلت بنية المجتمع الأهلي، ولم تساهم – بل منعت- تشكّل مجتمع مدني فاعل، كان من شأنه الإسهام في عملية الدمقرطة التي ربما لو حدثت، لحالت دون انزياح المجتمعات التي تحكمت فيها الأنظمة المعنية نحو حالة الحطام التي نعيشها راهناً.

فهذه الأنظمة قطعت الطريق على التطورات المجتمعية في مرحلة ما بعد الاستعمار؛ وهي تطورات كانت تعكس عملياً واقع تبلور وتنامي الشرائح المجتمعية الطموحة التي تمركزت بصورة أساسية في المدن. وكان هناك نوعاً من التفاعل بين تلك الشرائح والريف عبر صيغ متنوعة من التكامل الاقتصادي؛ ومن خلال التواصل مع المؤسسات العلمية والثقافية الوليدة فيها، خاصة الجامعات، والصحف والمجلات، والمراكز الثقافية، وحتى الجمعيات الدينية التنويرية القريبة من مجتمع تجار المدن.

فالأنظمة المعنية هنا تدخلت بصورة مباشرة في العملية الاقتصادية، وأعاقتها، باتخاذها قرارات التأميم العشوائية والإصلاح الزراعي غير المدروس، وترويجها لشعارات عامة تضليلية مثل اشتراكية الدولة، والطريق اللارأسمالي، وثورة العمال والفلاحين؛ مما أدى إلى هيمنة الجيش تحت عباءة التنظيم “القومي الثوري”، الذي بات بفرمانات عسكرية قائداً للدولة والمجتمع على إثر الانقلابات العسكرية التي يدور حولها الكثير من الجدل، وذلك من جهة القوى التي كانت تقف وراءها، والوظائف التي انيطت بها.

أما النتيجة التي ترتبت على هذه الوضعية بعد عقود من القمع والتسلط، فقد تمثلت في جملة من المظاهر السلبية التي قد تفسر واقع انسداد الآفاق التي تعيشها حالياً هذه المجتمعات.

وفي مقدمة تلك المظاهر تراجع دور المؤسسات التعليمية والجهود البحثية، بل وتحولها إلى أدوات لتكريس إيديولوجية الحزب التي كانت في واقع الحال تعمل على تثبيت سلطة الزعيم الدكتاتور، المتحكّم بكل المفاصل عن طريق الأجهزة المخابراتية الاخطبوطية. وهذا ما وضع حداً للمناقشات والحوارات الفكرية، والجهود البحثية، والتفكير الحر بصورة عامة. وأدى إلى إغلاق الباب أمام حرية التعبير، وأسهم في ضمور الملكة النقدية. ومن ملامح هذه الوضعية هيمنة الصحافة الرسمية واختفاء الصحافة الحرة؛ وتحوّل الأحزاب المعارضة إلى مجرد جوقة تزينية، مهمتها اعطاء انطباع زائف بوجود نشاط سياسي خارج دائرة المسموح به من قبل النظام.

من جهة أخرى، أدى التركيز على الجيش، وزيادة عدد المتطوعين فيه فضلاً إلى ظاهرة ترييف المدن إذا صح التعبير، لأن هؤلاء بحكم عملهم انتقلوا للسكن في العاصمة بصورة أساسية والمدن الكبرى الأخرى، ولم يقتصر هذا الأمر عليهم وحدهم، بل شمل أسرهم وأقربائهم أيضاً الذين استفادوا من التسهيلات والامتيازات الممنوحة للعسكريين وأقربائهم. هذا في حين أن المطلوب كان تمدين الريف، وتحديثه. وقد كانت هناك بوادر واعدة في هذا المجال بعد مرحلة الاستقلال مباشرة، ولكنها سرعان ما اجهضت. وما نجم عن ذلك، خاصة في مناخات هيمنة الإيديولوجية القوموية الشعاراتية التي التزمتها الأنظمة الحاكمة في الجمهوريات العربية هو تراجع الفكر الحداثوي/ النقدي بمختلف تياراته، وسيطرة التوجهات القوموية الفاشية المنحى، إلى جانب نزعات يسارية دكتاتورية غالباً ما كانت تستلهم النموذج الستاليني ليكون مثالها المفضل.

إلى جانب ما تقدم، استحوذ الجيش على الجزء الأكبر من الميزانية، ممّا بدّد امكانية تحقيق تنمية متوازنة لمختلف القطاعات الاقتصادية، فتراجعت الزراعة والصناعة، وأصبحت التجارة مرتعاً لرجال أعمال السلطة وشركائهم. بل تغلغل الجيش ضمن مختلف القطاعات، وبدأ يمارس نشاطات لا تخص مهامه الوطنية المعلنة. وكل ذلك كان يتم تسويغه بذريعة حماية القطاع العام والتوجهات الاشتراكية، هذا في حين أنه في واقع الحال كان يقوّي سلطة الزمرة المهيمنة على الجيش والدولة، وهي الزمرة المتفاهمة، بل المتشاركة، مع “الزعيم الملهم المعجزة، القائد الأبدي”.

هذه الحالة، التي سادت مختلف الأنظمة الجمهورية العسكرية العربية، عشناها في سوريا بأكثر مظاهرها فجاجة وقسوة وفسادا. فقد كانت لدينا مؤسسة الإسكان العسكري، والإنشاءات العسكرية، ومعامل الدفاع، والمراكز العسكرية التي تبيع المواد التموينة والسلع المنزلية للمستهلكين؛ هذا إلى جانب المداجن والمزارع الخاصة بالضباط، ومختلف المزايا التي كانت تُمنح لرجال المخابرات والعسكريين والحزبيين المشاركين في الدورات العسكرية. ومن تلك المزايا الدرجات الإضافية التي كانت تؤهل صاحب الامتياز  للدخول إلى الكليات التي يريدها في الجامعة.

وحينما نتحدث عن دور الجيش، لا نتحدث عن مؤسسة وطنية تخص جميع السوريين، كما كان يحلو للإعلام الرسمي تصويره والدعاية له؛ أو كما كان ينطلي على البسطاء من السوريين؛ أو كما كان يتردد على ألسنة بعض المثقفين والمعارضين من باب المزاودة والتقية والمراهنة على امكانية تغيير الواقع وفق الأمنيات والعبارات المجاملاتية.

فالجيش، خاصة في مرحلة سيطرة حافظ الأسد على مقاليد الأمور في خريف عام 1970 أصبح أداة بيد زمرة السلطة التي استخدمت النزعات الطائفية والقومية والاشتراكية، وسوقت الشعارات المضللة لفرض سلطتها، ويُشار في هذا السياق بصورة خاصة إلى التغني بخرافة التوازن الاستراتيجي، والإشادة بالاستقرار السياسي الذي كان في واقع الحال يجسد سيطرة الأجهزة المخابراتية على الدولة والمجتمع ومصائر الأفراد.

فالأحزاب قد دُجنت. والقوى الأهلية قد فُتت وأُفسدت. والاقتصاد بقطاعاته: العام والمشترك والخاص قد بات مجرد امتداد عضوي للنظام الفاسد. والفلاحون قد تحولوا إلى مجرد جسم عديم الروح تتحكم فيه الجمعيات الفلاحية التابع بصورة مباشرة للحزب المسيطر عليه أمنياً.

أما الكّتاب والمثقفون والأكاديميون فلم يبق أمامهم سوى الاندماج مع أجهزة السلطة أو الصمت أو الرحيل.

واستمر الوضع هكذا على مدى عقود؛ بل تراكمت السلبيات، وتفاقمت المضاعفات في عهد وريث الجمهورية، بشار الأسد الذي لم يتمتع بحنكة والده، ولم يتمكن من الحفاظ على التوازن بين المعالادت الإقليمية؛ بل فتح البلاد أمام التغلغل الإيراني؛ وأفسد العلاقة مع العمق العربي. ولم يكن صادقاً في وعود الإصلاح التي أغدق بها على السوريين لخداعهم، ويتمكن من تثبيت نفسه.

ونتيجة انسداد الآفاق من جميع النواحي، لم يكن أمام الشعب السوري بكل مكوناته، خاصة الشباب، سوى رفع الصوت عالياً، والمطالبة بالإصلاح أولاً؛ ومن ثم بإسقاط النظام، وذلك بعد التيقن من استحالة الإصلاح. ولعل ما يفسر جانباً من جوانب الصعوبات التي واجهتها الثورة السورية، يتشخص في معرفة النظام المسبقة، بناء على خبرته السلطوية، بعدم وجود تيار وطني مدني منظم، قادر على قيادة الثورة، وتوجيهها. لذلك ركّز على استراتيجية دفع الثورة نحو العسكرة؛ لمعرفته بأنها ستصبح إسلاموية الطابع. الأمر الذي سيبعد عنها غالبية السوريين، وسيمكنه من وضع العالم أمام بديلين سيئين فاسدين هما: إما الاستبداد وإما الإرهاب. هذا إذا أخذنا جدلاً بوجود حسن النية لدى المجتمع الدولي.

والأمر اللافت هنا هو تمكّن النظام من تدجين الإسلام المديني، إذا جاز لنا استخدام هذا التعبير، مما أدى إلى إطلاق العنان للتوجهات الإسلاموية الريفية العنيفة، التي تكاملت بهذه الصيغة أو تلك مع الاستراتيجية التي اعتمدها النظام. فبرز التطرف والتكفير والإرهاب، وكانت المبالغة في فرض التشدد على الناس. هذا إلى جانب مظاهر الفساد بسائر أشكالها. وكل ذلك أسهم في إبعاد الشباب السوري من مختلف المكونات السورية الذين أشعلوا الثورة أصلاّ، وعولوا على قدرتها في إحداث تحولات نوعية تضمن لهم ولشعبهم المستقبل الحر الكريم.

الأصعب بالنسبة إلى الوضع السوري الراهن، لا يتمثل في السلطة البائسة المستبدة الفاسدة التي لا يمكنها الاحتفاط بحكم البلد لساعات، وليس لأشهر، من دون القوات الروسية والإيرانية، والميليشيات التابعة لها، كما لا يتمثل الأصعب في الفصائل المسلحة السورية المحسوبة على المعارضة، وهي التي تحولت في معظمها إلى أدوات في مشاريع الآخرين الإقليمية التي لا تعتبر المصالح السورية من أولوياتها، وإنما يتثمل في عدم وجود تيار وطني عام يستطيع أن يجمع بين السوريين، ويطمئنهم جميعاً، ويمكّنهم من تركيز طاقاتهم في سبيل ضمان مستقبل أفضل لهم ولأجيالهم المقبلة.

أما الدعوات التي نراها في المشهد، وهي تطالب مرة بالعلمانية، وأخرى بالديمقراطية والليبرالية، أو الإسلاموية، أو القومية بأسمائها المختلفة، فإنها تؤدي إلى المزيد من التشتت والتفتت، وتبديد الطاقات. وكل ذلك لن يستفيد منه سوى النظام الذي هو في واقع الأمر بمثابة حكومة تصريف أعمال في دولة فاشلة، تتحكم فيها القوى الإقليمية والدولية التي وزعت البلاد في ما بينها. هذه القوى التي هي الآن بصدد تشكيل وإعادة هيكلة الأجهزة الأمنية والتشكيلات العسكرية بما يناسبها من حسابات ومقاييس؛ لتكون في المستقبل استمرارية للوضعية التي ثار عليها السوريون.

*كاتب وأكاديمي سوري

القدس العربي

——————————-

الهوية الوطنية الجامعة.. هو ما يحتاج إليه السوريون/ أسامة آغي

تدور عملية تفاوض في جنيف بين وفود اللجنة الدستورية الثلاثة المكونة لهذه اللجنة (وفد المعارضة ووفد المجتمع المدني ووفد النظام) حول الهوية الوطنية والانتماء الوطني. ولكن يبدو أن النظام الذي ذهب مجبرًا إلى جنيف لحضور الجولة الرابعة الحالية، وقبلها الجولة الثالثة، لم يستطع الإفلات من الضغط الدولي بضرورة تتالي الجولتين، الرابعة التي تعتبر تتمة للثالثة، والخامسة التي ستناقش المبادئ الدستورية.

إن الاهتمام بوضع مفهوم ومحددات للهوية الوطنية هو ضرورة، فلا وجود لقوم أو شعب بلا جامع وطني يفتخرون به، ويحسون بالانتماء إليه، فهذا الانتماء هو قاسم مشترك بينهم، ينبغي أن ينطلق من محددات تقاطعات ضرورية بين جميع المكونات السورية، وهذه المحددات هي ما يساعد على ردم حقيقي للهوّة المولدة للتنازع الإثني أو الديني أو الطائفي.

إن سوريا ذات بعد عربي إسلامي على المستوى الثقافي، وهذا البعد يحمله أغلبية السوريين من مسلمين وغير مسلمين، ومن عرب وهم الأكثرية الساحقة، وبقية المكونات الإثنية الأخرى في البلاد، وهذا يتطلب إظهار هذا البعد ثقافيًا وليس طائفيًا أو دينيًا محضًا.

لهذا، لا يمكن لهوية وطنية سورية حقيقية أن تُغفل البعد الثقافي العربي الإسلامي في تكوين الشعب السوري، كذلك، لا يمكن لهوية وطنية سورية أن تغمض عينيها عن الحقوق الثقافية للمكونات الإثنية السورية الأخرى، (مثل المكون الكردي والتركماني والآثوري والأرمني…)، أي أن حضور كل هذه المكونات، من كبيرها إلى صغيرها وطنيًا، يتم عبر إتاحة الدستور له، للتعبير عن الحاجات الثقافية لإثنيته.

إذًا، الانتماء في هذه الحالة هو انتماء للوطن سوريا، سوريا الواحدة، ذات النظام المدني الديمقراطي التعددي، نظام يأخذ بأسلوب حكم غير مركزي صارم، أي بأسلوب حكم لا مركزي إداري، يخدم كل المناطق على قدم المساواة دون احتمال لتقسيم، أو انفصال، تبيّته جهات متدخلة بالصراع، تريد أن تزرع قنبلة موقوتة، بطرح الفيدرالية التي ستكون مقدمة للانفصال.

إن مربع الوطنية السورية هو مربع جامع شامل، بينما طغيان أو هيمنة مربع إثني أو ديني أو طائفي، هو مربع نابذ للوطنية، ومفرّق لوحدة المكونات، هذا الأمر يتطلب رؤية مختلفة، تخصّ كل المكونات، هذه الرؤية تتعلق بعلاقة الفرد (بغض النظر عن انتمائه الإثني والديني والطائفي) بالدولة التي يعيش في كنفها، أي بمعنى آخر، يجب أن يجد كل فرد سوري، أنه ينتمي إلى هذه الدولة بجغرافيتها المحددة، وتاريخها المشترك، وتراثها، الذي صنعته كل المكونات دون تمييز.

إن وجود البعد العربي الإسلامي هو ضرورة، وهذا لا يعني إشاعة فكر قومي، أو ديني، بل التأكيد على الانتماء الثقافي لهذا البعد الطبيعي لسوريا، ولن يتطور أي جانب إثني ثقافي أو سياسي أو اجتماعي في حالة ابتعاده عن مربع الوطنية، لأن هذا الابتعاد يُضعف الأواصر بين المكونات.

الانتماء الوطني لسوريا، بمكوناتها المختلفة، يستلزم أن تقود الدولة الجديدة، عبر دستورها الجديد، أمر توفير اليقين بالانتماء الوطني لدى كل المكونات السورية، ولدى كل الأفراد السوريين، وهذا يتطلب توفير قواعد دستورية حقيقية، تحترمها السلطة التي ستقود الدولة، أيًا كانت هذه السلطة القادمة بالانتخابات، ومن أي تيار سياسي كانت.

الدولة معنية بتوفير أسس المساواة بالحقوق والواجبات الوطنية بين الجميع، دون تمييز بأي حق أو واجب أو تكافؤ للفرص في شتى الأمور، وهذا يزيل الغبن والتجاهل والإقصاء، ولهذا، فمبادئ دستورية كهذه يجب أن تكون مبادئ فوق دستورية، أي، لا تستطيع أي سلطة اللعب بالدستور، أو التغافل عنه، لأسباب إثنية، أو دينية، أو طائفية، بغير توافق وطني شامل على تعديل أو تغيير مبدأ من هذه المبادئ، أو تعديل وتغيير كل المبادئ الخاصة بحقوق فوق دستورية.

الانتماء الوطني صار واضحًا، إنه علاقة ذات اتجاهين، الاتجاه الأول هو علاقة من الفرد إلى الدولة، وعلاقة من الدولة إلى الفرد، هاتان العلاقتان يجب أن تتكاملا وليس أن تتبع إحداهما الأخرى بارتهان لسبب ما.

أما الهوية الوطنية السورية، فهي ليست كما يريد أن يفرضها نظام الأسد، الذي قال فيها إنها اسم الدولة وعلمها، متناسيًا هذا النظام، أن سوريا هي مكونات تاريخية بينها وحدة، ومن جهة أخرى، حين استقلت سوريا عن الانتداب الفرنسي، تمّ التوافق آنذاك على تسميتها باسم الجمهورية السورية، وكان علمها هو علم الاستقلال، ولم يخلق مثل هذا التوافق أي مشكلة بين فئات الشعب السوري، فلماذا يصرّ النظام على رفض التسمية الوطنية الأولى، ويعتبرها هي والعلم سببًا لعرقلته التوافق حول خصوصيات الوطنية السورية، أليس هذا تهربًا من جوهر الانتماء المتمثل بوحدة وتوافق المكونات، هذا التوافق يتم بالمشتركات وليس بالمفرّقات.

إن أغلبية السوريين تتكلم اللغة العربية، ولكن هناك مكونات تتكلم اللغة الكردية والآرامية والآثورية والأرمنية والتركمانية. إذًا، من الطبيعي أن تكون اللغة العربية هي لغة البلاد الرسمية، لأن الذين ينطقون ويفكرون ويبدعون بها، هم الأغلبية العظمى من سكان سوريا، سواء كانوا مسلمين أو مسيحيين أو غير ذلك.

وإضافة إلى اللغة، هناك الرابطة الجغرافية لهذه الدولة، التي كانت من قبل جزءًا من بلاد أكبر هي بلاد الشام، وقد نشأت على هذه الجغرافيا كل تفاعلات المكونات المختلفة عبر التاريخ. الجغرافيا هذه، مرّت بتاريخ صنعته المكونات المختلفة، وبالتالي، فالتاريخ هو تاريخ الجميع، وليس تاريخًا لمكون محدد.

إن إدراك المكونات لبعد سوريا العربي الإسلامي يمنحها قوة وعظمة، فهي تنتمي في هذه الحالة إلى ثقافة وروابط فكرية، تخص الشعوب الناطقة باللغة العربية، في كل أمصار الوطن العربي.

بقي أن نقول، إن اللجنة الدستورية المنعقدة في جنيف، أمامها مسؤولية وطنية وتاريخية، هي أن تنجز مفهومًا للهوية الوطنية الجامعة وليس المفرّقة، وأن تضع مفهومًا شفافًا وصريحًا للانتماء الوطني، ليس عبر شكليات الانتماء، بل عبر عمقه الفكري والتاريخي، وهو مشترك بين كل المكونات.

إن الجنوح إلى التناقضات السياسية لن يخدم استقرار سوريا ووحدتها القادمة التي صارت ضرورة لا محيد عنها، في ظلّ هذا الانحدار الأليم الذي تعيشه كل المكونات السورية بطرق مختلفة ومتعددة، ولكنها طرق أليمة خاسرة.

عنب بلدي

——————————

عن الانتقال الديمقراطي/ ميشيل كيلو

إذا كان غياب التوافق على الديمقراطية، كبديل للأمر الأسدي القائم، معضلةً لا بدّ أن تنجح الأحزاب والتيارات في تخطيها خلال الفترة الباقية من الصراع على سورية وفيها، ولا يعرف أحدٌ بعد كم ستطول، وماذا سيتمخض عنها في عالم غيب دولي حرص أربابه على “تطميش” السوريين الغارقين في ضباب أفكارهم؛ فإن تحديد نمط النظام الذي يريدون إقامته مهمةٌ ليست مسألة كلامية أو سهلة، كما يقول اعتقاد شائع في عالم العوام السياسي، الذي يضمّ عددًا كبيرًا من “نُخبٍ” تثق ثقة مطلقة بأن الديمقراطية ستقوم بفضل تكرار اسمها في أحاديثها التي تجعل منها خيارًا لا رادَّ له، متجاهلة أن أداء “المعارضة” بعد الثورة أثبت افتقارها إلى الأهلية المطلوبة لإرساء أسسها في واقعنا، فلا عجب أن ضيّعها تحويلها إلى مسألة “حكي” مقطوع الصلة بالثورة، وبما كان يجب أن تكرّسه من حقوقٍ للشعب الذي ضحى بكل غال ونفيس طلبًا لحريته.

ينبع تعقيد الانتقال الديمقراطي في بلادنا من جملة معوقات، أولها أن الديمقراطية ليست خيارًا دوليًا، وأن قسمًا كبيرًا من حملة سلاح الثورة المضادة يرى فيها كفرًا، عليهم التخلّص منه ومن حملته استباقيًا، بينما يفتقر دعاة الديمقراطية السلميون إلى ما هو ضروري من انضباط ووعي يعززان فرص نجاحها، عبر تحييد المسلحين من أعدائها، المرتبطين استخباريًا بخطط إقليمية ودولية، والمكلّفين بإحباط أي عمل جدي يستهدفها، وتقويض أي حامل مجتمعي وازن لها، واستغلال واقعة أن دور الشعب لم يعُد موحدًا، وإن نسبيًا، في المطالبة بها، بعد ما تعرض له من عنف وتكبده من خسائر، وعاناه من تفتيت تمزيقي أفقده الوسائل الكفيلة بجعله طرفًا يقرر مصيره بنفسه، وزاد الطينَ بلة أن نخبه الديمقراطية منخرطة في عالم كلامولوجي، تُفاقِم تهافته تناقضاتها وخلافاتها حول مسائل تجاهر باتفاقها عليها بالمفرّق، ولا تقلع عن “التناتف” المتبادل حولها بالجُملة. وأخيرًا، لأن ما بعد الأسدية سيطرح على السوريين تحديات لا خبرة لهم في التصدي لها، ولم يسبق أن واجهوا ما يماثلها، تتصل بإعادة بناء دولة ومجتمع دمّرهما جيش الأسدية عن سابق عمد وتصميم، لأن دمارهما هو ثمن بقائها في السلطة، فإذا أضفنا إلى ذلك أن إعادة البناء ستتم من نقطة الصفر، وستضع السوريين أمام مصاعب يستدعي تخطّي ما يُشبهها وقتًا طويلًا وجهدًا دوليًا مكثفًا ومتكاملًا في البلدان التي دمّرتها الحرب العالمية الثانية؛ أدركنا أن لنضال السوريين من أجل الديمقراطية فرادةً تتسم بمصاعب يزيدُ من تفاقمها رفضُها دوليًا، ورفض معظم راعيي فوضى السلاح لها كخيار وطني، وإصرار قطاع واسع من “أنصارها” على دعمها بكلماتٍ لا أبعاد عملية لها، بينما تراجعت مطالبة ملايين البسطاء بها، بسبب ما آلت أحوالهم إليه من بؤس إنساني واستنزاف أودى بطاقاتهم، بعد عقد كامل من حرب همجية استهدفتهم، لكنهم أعجزوا الأسدية الدولية والإقليمية والمحلية خلالها عن إحراز انتصار لا شبهة فيه عليهم.

ما الذي يمكن فعله، في هذه الظروف، لإنقاذ الخيار الديمقراطي؟ أعتقد أنه لا بد من أمور:

أولًا: تسوية تاريخية تكون الديمقراطية رهانَ الأطراف السياسية المنخرطة فيها، باعتبارها خيارها وخيار وطنها الإنقاذي، ولأن أي خيار آخر سيكون استبداديًا ومرشحًا لاستعادة نسخة معدلة من الأسدية، ومدعاة لانقسام يدمّر ما سيبقى بعد الحلّ من سورية الوطن، التي ستكون بحاجة إلى قدر أعظمي من الوحدة الشعبية والمجتمعية.

ثانيًا: برنامج ينبثق عن الأسس التي ستقوم التسوية عليها، ويدور معظمها حول خيار ديمقراطي مفتوح يسمح لها بالوصول إلى توافقات طويلة الأمد بين أطرافها، التي يستحيل تحقيقها بجهود أي طرف بمفرده منها، أو خارج إطار الديمقراطية الجامع: الذي يعدّ التوافق عليه مكسبًا لجميع أطرافه، في ظل علاقات وتوازنات القوى الراهنة التي يستحيل تجاوز ارتداداتها السياسية الخطيرة عليها وعلى الثورة، دون بلوغ توافق يوحدها ويدمجها في فضاء سياسي تواصلي ومتكامل، كطرف يواجه الأسدية، بما تمتلكه من قدرات ذاتية ومستعارة على التشويش والتعطيل.

ثالثًا: حتمية تشكيل هيئة مشتركة تستبق أعمالها المرحلة التي ستفصل الحل السياسي عن النظام الديمقراطي، وقد تكون مديدة أكثر مما يعتقد معظمنا، ومن غير المستبعد أن تأخذ سورية إلى استبداد جديد، إذا لم يتم في أقرب وقت توحيد الطيف المطالب ببديل للأسد، بدءًا بتوحيد أطراف البديل الحر والعلماني التي ستتولى من جانبها مواجهة الفترة الانتقالية التالية للحل، وستكون محل صراع شديد بين خيارات متناقضة، لن يكون خيار الحرية والديمقراطية محسومًا فيها، إلا بقدر ما يكون هناك توافق عليه منذ اليوم، قبل الانتقال من الحرب إلى الحلّ، ويرجح أن يواجه بقوى معادية لا يستهان بها، تدعمها أطراف معادية للثورة، أسدية وفصائلية، واسعة ومنظمة وعنيفة، سيكون من المحال مواجهتها بالفوضى والارتجال السائدين اليوم في صفوف المعارضين، المحكومين بخلافات وتباينات قديمة وجديدة، لم يعرفوا كيف يتغلبون عليها في الأعوام الماضية، وستتحول إلى كوارث تحلّ بهم جميعهم، إذا لم يواجهوها استباقيًا منذ اليوم، على الصعيدين البرنامجي/ الخططي، والعلائقي/ التنظيمي، العملي والميداني.

أخيرًا، أقول بصراحة: لن تنجو سورية، مجتمعًا ودولة، ولن ينجو السوريون، أفرادًا وجماعات، من الهزيمة، إذا ما استمرت أوضاع التبعثر والتناحر الحالية بين تمثيلاتهم السياسية والاجتماعية. ومهما بدت الدعوة إلى التسوية التاريخية التي أقترحها عصيةً على التحقيق، فلا مفرّ من الحوار حولها، والعمل لها من قبل جميع تيارات الساحة السياسية السورية منذ الاستقلال حتى اليوم، التي سيتخطاها الواقع، ولن تنجو من الهزيمة، إذا ما فشلت في إدراك أهمية التسوية واللحظة، وفي صياغة جوامع لا خلاف عليها، تصلح لبلورة برامج تغطي مجمل الشؤون الوطنية، ولإقامة هيئة إدارية أو قيادية مشتركة، هدفها الوحيد إزاحة الكابوس الأسدي، وما استدعاه من محتلّين روس وإيرانيين لوطننا، ووضع أحجار أساس مشتركة لنظام بديل هو مصلحة للجميع.

جرّبنا تغيير أوضاعنا طوال قرابة قرن، وفشلنا متفرقِين. دعونا نجرب لأعوام قليلة العملَ متوافقين متحدين، فإن نجحنا نجونا، وإن فشلنا لا نبرح مألوفنا، ونعود إلى ما ألفناه من عيش تحت أقدام طغاتنا، ونظمهم!

مركز حرمون

—————————-

هل السلطة السياسية أولوية؟/ راتب شعبو

بيّنت الثورات العربية التي وسمت العشرية الثانية من هذا القرن أن القوّة التي تستطيع القوى الديمقراطية حشدها، لتحقيق مطالبها، هزيلةٌ قياسًا على القوة المواجهة التي في حوزة الأنظمة القمعية. وبيّنت أن تماسك القوى المطالبة بالديمقراطية أضعفُ من تماسك الطغمة الحاكمة والقوى المحافظة. وأن المسافة واسعةٌ بين قدرة الأنظمة السياسية القمعية على الدفاع عن نفسها، وقدرة المطلب الديمقراطي على تحدي هذه الأنظمة وتغييرها.

لا يضمر المجتمع اليوم آليات تدفع به نحو نشوء نظام حكم ديمقراطي، ذلك أنّ المطلب الديمقراطي اليوم ليس مطلبًا لطبقة اجتماعية تنمو وتتزايد أهميتها في عملية الإنتاج، وصادف أن أنتج التاريخ في أوروبا مثل هذه الطبقة، مع ما يعرف باسم “الثورة الصناعية”.

صحيح أن الأنظمة القمعية تولّد كل أسباب الثورة في المجتمع، ويمكن أن تندلع الثورة من شرارة صغيرة، ويمكن أن تمتلئ الشوارع بآلاف المتظاهرين المحتجين، وأن تمتلئ الساحات بآلاف المعتصمين، ولكن هذا لم يهدد تماسك الطغمة التي تستعمر الدولة، وتستخدم كل أجهزتها في وجه المنتفضين. مثلًا، كيف يمكن لاعتصام، مهما بلغ حجمه، أن يفرض تغييرًا على نظام سياسي يسيطر على أجهزة القوة في الدولة، وهو مستعدّ لإبادة المعتصمين، كما شهدنا في مصر (اعتصام ميداني رابعة العدوية والنهضة) وسورية (اعتصام ساحة الساعة في حمص) والسودان (اعتصام القيادة العامة)؟ وكذلك الحال في ما يخص التظاهرات والإضرابات وإغلاق الأسواق.

تحت ضغط هذا الفارق الكبير في القوة؛ يجد الحراك الديمقراطي نفسه أمام أحد مصيرين: إما القبول بالهزيمة وما يستتبعها من حملة تطهير وحشية تقودها أجهزة الدولة، بعد أن برز أعداء النظام على السطح بفعل الحراك؛ وإما تصعيد المواجهة باتجاه عسكري، وهو ما انتهى أيضًا إلى هزيمة المطلب الديمقراطي.

لا يكمن خطر الاتجاه العسكري في الخسائر البشرية والمادية وفي عواقبه على المجتمع، إذ يمكن اعتبار الخسائر ضريبة لا بدّ منها للتغيير المنشود. خطر الاتجاه العسكري هو أنه يتحقق على حساب المطلب الديمقراطي نفسه، ليس فقط لأن متطلبات المواجهة العسكرية تهمّش البعد الديمقراطي أو تخنقه، وفق المبدأ الدكتاتوري الشهير: “لا صوت يعلو فوق صوت المعركة” الذي يجعل القادة العسكريين “للثورة” أمراء غير منازعين، لهم سجون ومخبرون وفرق موت، بل لأن المواجهة العسكرية تستدعي عصبية أو تماسكًا عصبويًا لا يوفره المطلب الديمقراطي، بل توفره العصبيات المكرّسة، سواء أكانت قومية أم دينية أم طائفية. هذا فضلًا عن المتطلبات اللوجستية للخيار العسكري، وهو ما يجعل هذا الخيارَ نافذةً مفتوحة للتأثيرات الخارجية غير الديمقراطية، ليس فقط لأن التدخل الخارجي يتحرك وفق مصلحة خارجية ويربط الصراع الداخلي بعجلة صراعات أوسع لا علاقة لها بمبدأ الصراع الداخلي، بل أيضًا لأن التدخل الخارجي يبعد الناس عن الفاعلية المباشرة في الصراع، ويحصر الفاعلية في يد نخبة محلية تشكل مفصلًا لمصالح الخارج. المحصلة التي ينتهي إليها الخيار العسكري إذن هي تقويض أسس المطلب الديمقراطي، سواء حافظ العسكريون على لغة ديمقراطية أم لا.

يبدو لنا أن القوة القادرة على تهديد تماسك النظام القمعي المتأصل في المجتمع هي قوة مشابهة للنظام في آليات عمله، من حيث المركزية الشديدة والاستناد إلى عصبيات عضوية غير سياسية، والاستناد إلى خارج يمدّها بالدعم، مقابل أن تكون محلًا لتلبية مصالحه. هذا النمط من القوى شهدناه في سورية واليمن وليبيا، وهي في مجملها قوى معادية للديمقراطية ضمنًا أو صراحة.

على هذا؛ يبدو أن سبيل المطلب الديمقراطي مغلق، وإن كان هذا المطلب هو المحرك العميق للحراكات الثورية في هذه البلدان. ولهذا الاستنتاج المحبط انعكاسٌ ملموسٌ على واقع الحركة الديمقراطية في سورية، على سبيل المثال. معضلة المطلب الديمقراطي ليست غائبة عن وعي الديمقراطيين السوريين، نقصد الفئة من السوريين الذين لا يتماهون مع أي من أطراف الصراع العسكري، الذي اكتملت دائرة عناصره منذ ما يقارب سبع سنوات في سورية. يدخل هذا الإدراك المحبِط في تفسير ضعف حال الديمقراطيين السوريين في الواقع السياسي السوري، الضعف الذي يتجلى في تشتتهم إلى عشرات وربما مئات التشكيلات السياسية ذات الفاعلية المعدومة تقريبًا، وعجزهم عن تجميع أنفسهم في قوة مرئية وفاعلة. يذهب هذا القول إلى التفسير أكثر مما يذهب إلى لوم هؤلاء الديمقراطيين الذين تملأ اللاجدوى ساحة إدراكهم: السبيل السياسي مغلق بحاجز عسكري متوحش، والسبيل العسكري يمرّ على جثة المطلب الديمقراطي.

المعنى الوحيد الذي يجده هؤلاء الديمقراطيون، في إبقاء جذوة نضالهم متقدة، هو أن يكونوا جزءًا من حلٍّ يدركون سلفًا أنه لن يكون من صنعهم. أن يكونوا موجودين حين يبحث عنهم أصحاب الكلمة ومهندسو الحل الممكن. ويدرك الديمقراطيون السوريون، للمزيد من البؤس، أن لن يكون لهم، كتيار وكخيار سياسي وليس كأفراد، وزنٌ مهمٌ في أي حلّ قادم. الأفراد الذين سيكون لهم وزنٌ في الحل المقبل هم الأفراد الأكثر استعدادًا للتخلي عن التيار الديمقراطي، لصالح تكريس استبداد جديد ينطوي على توزيع معدل للسلطات.

ما سبق يدفعنا إلى القول إن الإفراط في التركيز على السلطة السياسية، كمقدمة للتغيير الديمقراطي، قاد ويقود إلى عزل الناس عن قضاياهم المباشرة، دون تحقيق أي تقدم ديمقراطي على مدى عقود مديدة. معضلة كسر احتكار السلطة وتحرير الدولة من قبضة الطغمات الحاكمة تدفع إلى التفكير مجددًا في سبيل بناء الديمقراطية من القاعدة، دون الاكتفاء بالنضال السياسي. يكون البناء من القاعدة عبر تجزيء النضال الديمقراطي وربطه بالحاجات المباشرة للناس، والعمل معهم في جمعيات مدنية تعنى كل منها بجانب محدد من المطالب الحياتية الملموسة، تبدأ من مشكلة أسعار المواد الأساسية، إلى مواجهة مظاهر الفساد، إلى كل أوجه التعدي على المواطن.

وسائل التواصل الحديثة تتيح المجال لمثل هذا النشاط، سواء من حيث كشف الحالات التي يجب العمل عليها، أو من حيث إيصال الصوت. هذا العمل القاعدي أكثر ملموسية وجدوى، فضلًا عن أنه يحرر الناس من وهم القيادات التي يمكن أن تخلصها من بؤسها، ما إنْ تستلم السلطة السياسية. وهو وهم تامّ، وفق معايير التجارب الواقعية أو وفق معايير المنطق العقلي.

مركز حرمون

——————————-

أين هي الهوية الوطنية السورية؟/ سوسن جميل حسن

يحيل مفهوم الهوية الوطنية إلى فكرة الوطن والوطنية، وهذه مفردات كثيرًا ما تردّدت، وتُردّد اليوم بوتيرة أكبر وحميّة أشد، على مختلف الألسنة السورية، ولا تسلم من أن تكون وسيلة أو مطيّة لركوب موجة الانتماء الحقيقي والأحقية بالوطن، ونزع الشرعية عن الآخر الذي ليس من هويتي أو جماعتي، ونكران الوطن والوطنية عليه، بل نعته بالخائن والعميل. وفي الواقع، لو طرحنا “سؤال عالماشي”، كما كان قبل سنوات طويلة في برنامج الإعلامي السوري، مهران يوسف، على عيّنات عشوائية من الشارع السوري، لهالنا حجم الجهل بالمعنى الحقيقي لهذه المفردات ومعانيها ودلالاتها، على الرغم من الحرص الشديد على التفاخر بها وتكرارها حدّ الابتذال.

ما هي الهوية؟ سؤال يبدو بسيطًا، لكنه أكثر تعقيدًا من حصره في جملة واحدة، بما يحمله من بعد فلسفي ومدلول لغوي ومفهوم اجتماعي وثقافي، إلى ما هنالك من فضاءاتٍ يمكن لهذا المفهوم أن يفتح عليها، لكن الهوية تتطلب عناصر يجب أن تتوفر من أجل أن يفصح مفهومها عن ذاته، فهي خصوصية الذات والوعي بها، وما تمتلك من ميزاتٍ فردية، أو لمجموعة بشرية، تجعلها مختلفةً عن الغير، كما للغير تلك الميزات التي تخصه. وإذا كان الوطن، في تعريفٍ بسيط، هو التاريخ والجغرافيا، لأن جغرافيا بلا تاريخ لا تشكل وطنًا، بمعنى أنه الأحداث التي تتراكم مع الزمن، تخص مجموعة بشرية تعيش على بقعة جغرافية محدّدة، فإن هذه المجموعة تحمل هوية وطنية تخصّها وتتمايز بها عن غيرها، تترجم انتماء أفرادها إلى الوطن، فهي تعبر عن كيانٍ تشكله عناصر تنصهر في هذه البوتقة الكبيرة، ويتولّد عنها روح الانتماء إلى الوطن الذي يتجلى بأعتى درجاته بالشعور الوطني أو الوطنية، تلك الرافعة التي تحوّلت إلى سلاحٍ يرفعه السوريون بعضهم في وجه بعض… ما الذي أوصل السوريين إلى هذا الدرك من “انعدام الوطنية” المتنامي، عكسًا من تطاول أمد الحرب وانهيار حياتهم إلى درجة الفقر والجوع والتشرّد واللجوء وانعدام المشاريع الفردية والعامة؟

للهوية عناصر عديدة، منها المادي ومنها الثقافي والنفسي والاجتماعي والديني والتاريخي، تتواشج بعضها مع بعض لتشكل الهوية، لكن الهوية تحتاج أيضًا إلى عوامل تحافظ عليها وتبنيها، كالمجتمع والانتماء إلى المكان، والتاريخ والبقعة الجغرافية والنشاط الاقتصادي والحياة العامة والدستور الذي يحكم الكيان، وبموجبه تسن القوانين، ويصون الحقوق ويحدّد الواجبات، وينظم العلاقة بين الفرد والمجتمع، وبينه وبين الدولة والثقافة التي تعتبر المعبّر الأساسي عن الخصوصية التاريخية لمجموعة بشرية، وهي تتميز بصفة التراكمية، يتدخل في صياغتها عبر الزمن الدين والعادات ومنظومة القيم والموروث الشعبي وغيره.

لماذا الهوية السورية، كما تفصح عن نفسها اليوم، متشظية عصابية مضطربة تتقلص باستمرار، لتضيق أكثر كلما تقدم الوقت في الحرب السورية، والأزمة الوجودية التي باتت تهدد الغالبية الساحقة من الشعب بين الداخل بكل مناطقه وبلدان اللجوء، خصوصا في الجوار، حيث يشكلون الكتلة الكبرى من اللاجئين؟ هذه الهوية المضطربة الهشة المتهافتة على عتبات الانتماءات الضيقة، والتي أضاعت طريقها إلى ذاتها، هي نتيجة تراكم انتهاك الكرامة والوعي عقودا، ما نجم عنه فجوة معرفية وروحية، كانت تزداد هوّتها باستمرار، فالهوية على علاقةٍ حيويةٍ ومتينةٍ بالديمقراطية وفكرة العدالة واحترام الفردية والحقوق بكل أشكالها، وهذا ما لم ينعم به الفرد السوري بالشكل المقبول، حتى في المدة القصيرة التي اتسمت ببداية حياة ديمقراطية في منتصف القرن الماضي، انتهت بقيام الوحدة مع مصر. أما ما بعدها فلا يخفى على متابع أو مراقب يريد أن يفهم ويبحث عما خلف الظواهر والسياسة العلنية أو المعلنة، بعيدًا عن الشعارات الرنانة التي تجهر بها الأنظمة. من الطبيعي أن أي جماعةٍ تعيش حالة من التهتك الاجتماعي والانهيار الاقتصادي والاستقطاب السياسي العنيف، فإن هويتها الثقافية تتداعى، فكيف إذا كانت عقودا تعاني من القسر ضمن قالب وحيد، ومن قهر هويات ثقافية لبعض مكونات الشعب؟ لأن الديمقراطية كانت غائبةً بالمطلق عن المجتمع السوري، وعن الممارسة السياسية. وعاش الشعب بمكوناته المختلفة تحت سطوة القمع ومصادرة الحريات، وأهمها حرية الرأي والتعبير، وانتهاك الحقوق، فإن الهويات الضيقة المشحونة بالتنافر بعضها مع بعض، تنتعش اليوم وتطفو على الوجه، مثلما لو أنها الضمان الوحيد لوجودها مدجّجة بأسلحةٍ ترفعها بعضها بوجه بعض، بعصبية قاتلة لكل خطوةٍ تدفع الشعوب في اتجاهٍ صحيحٍ يوصلها إلى ركب الحضارة الإنسانية.

الديمقراطية هي الضامن الأكبر للهوية الوطنية، فمعها يتحقق مبدأ العدالة والمساواة وانعدام التمييز وتكافؤ الفرص وصون الحقوق وسيادة القانون والتداول بالشأن العام حقا للجميع، وتشكيل الأحزاب، بما يسمح به الدستور، وينشَط المجتمع المدني، وتزدهر الثقافات المحلية، وتُصان الحريات، ومنها حرية المعتقد والعبادة والرأي والتعبير، وتحترم الفردية وتصان الحرية الشخصية، وتأخذ مؤسسات الدولة أبعادها، وتمارس واجباتها، ويساهم الجميع في عملية البناء، ويستفيد الجميع من عائدات الدخل، وغيرها من مجالات الحياة العامة والخاصة. انعدام الديمقراطية، وتحكم الطغيان السياسي والاجتماعي والديني في حياة الناس وسلوكهم، واستشراء الفساد والمحسوبيات، وفسح المجال العام لرجال الدين والطوائف وزعماء العشائر، ذلك كله أدّى إلى تراجع الوعي بالهوية الوطنية. وسمّم انتهاك المواطنة الشعور بالوطنية وغيّبه، ثم قضت الحرب على البقية الباقية من هذا الإحساس بالانتماء، وحلّت محلها هوياتٌ ضيقةٌ احتلت مساحة الوعي والضمير، وصارت بديلاً عن الهوية الوطنية، وصار الوطن كطفل دائرة الطباشير القوقازية. ولكن من دون رحمة، تجعل المتشادّين يرأفون به ويخافون من تمزّقه، وهو يتمزّق ويئن أمام أعينهم، ويصير ساحة نزاع واحتلالات ونفوذ، والشعب يقاتل بعضه بعضا، ويحاول كل فريق نزع الشرعية عن الآخر شريكه في الوطن، واتهامه بالخيانة، وبدلاً من تطوّر الهوية كحالة طبيعية لمقدرتها الحياتية، صارت تذوي وتتراجع وتبدو كطفل يشيخ، عاجزة عن أن تكون منتميةً إلى الحضارة الإنسانية وعن الدفع باتجاه المستقبل.

توّج وباء كوفيد 19 محنة السوريين، متحالفًا مع تردّي أوضاعهم المعيشية إلى الحضيض، فكرّس الشقاق في ما بينهم، حتى صار يتعمّق بين السوريين في الداخل والسوريين في الخارج، ويتبادلون الاتهامات الجارحة في ما بينهم، وهم في الحقيقة جميعًا يعانون من اضطراب الهوية، فهناك أجيالٌ من السوريين ولدت وتكبر في الخارج، أي أن ركنًا أساسيًا من تشكل هويتها سيعتمد على النوستالجيا والمرويات الشفهية التي يقدّمها الأهل، أو المرجعيات الأخرى التي تتدخل في صياغة وعي جمعي، وهي مرجعياتٌ دينية بالدرجة الأولى، وهم لن يستطيعوا أن يشكّلوا هوية خاصة بهم، إذا لم يندمجوا بالمجتمعات المضيفة، ولن تكون هويتهم السورية سوية أو سليمة، طالما تفتقد إلى التراكم التاريخي فوق الجغرافيا السورية. كذلك صارت معاناة سوريي الداخل قيدًا يلجم عقولهم وأرواحهم في غياب مقومات الحد الدنى للعيش الذي يبقي على الحياة فقط من دون أي اعتبارٍ للكرامة، ولديهم، زيادة على ذلك، جائحة كورونا التي تحصد أرواحهم برخص، كما كان الموت يحصد أرواحهم برخص أيضًا.

يحيلنا المفهوم الفلسفي للهوية إلى اليوم العالمي للفلسفة الذي احتفلت به الأمم المتحدة به في التاسع عشر من شهر نوفمبر/ تشرين الثاني الحالي، وأريد من الاحتفالية هذا العام دعوة العالم إلى التأمل في معنى جائحة كوفيد 19، وتوكيد الحاجة، أكثر من أي وقت مضى، إلى “التأمل الفلسفي” لمواجهة الأزمات المتعدّدة التي نمر بها. وتحت عنوان “لماذا يوم للفلسفة”؟ يقول منشور الأمم المتحدة: تنبع الفلسفة من الميل البشري الطبيعي إلى أن يكون البشر مندهشين بأنفسهم وبالعالم من حولهم. لكن الواقع يبرهن أن السوريين تجاوزوا الدهشة إلى الذهول، وصاروا ذاهلين عن واقعهم وهويتهم الوطنية، حتى أنهم استهلكوا قولا ردّدوه بمرارة بأن الوطن للأقوياء والأغنياء والوطنية للفقير، ومذهولين من عالمٍ يصرّ على أن هناك ما يهدّد حياة البشرية اسمه فيروس كورونا، وهو يحصد الأرواح أمام عيونهم، بينما صارت معركتهم المصيرية العظيمة مع رغيف الخبز، والعالم لم يندهش بمحرقتهم وقتلهم وتهجيرهم.

يقول اليوم العالمي للفلسفة إنها توفر الأسس المفاهيمية للمبادئ والقيم التي يقوم عليها سلام العالم: الديمقراطية وحقوق الإنسان والعدالة والمساواة، لا تشكل أهمية بالنسبة إليهم، وليسوا مشغولين بمفهوم الهوية الوطنية، لكنهم جاهزون أمام أي حدث للتراشق بالخيانة وانعدام الحس الوطني، حتى في تداول خبر وفاة الوزير وليد المعلم، اختلفوا في جواز الرحمة عليه أم عدمه، وجعلوه معيارًا للوطنية.

العربي الجديد

————————————-

هذيان المذعور/ حازم نهار

نحن نواجه العالم ونخاطبه ككائنات مذعورة، أدواتنا هي الصراخ والنواح وادعاء المظلومية. كلما ازداد اهتراؤنا في الحاضر زادت رؤيتنا إلى ماضينا قدسية، ومن ثم يرتفع معدل الهيجان ودرجة الحساسية. هذا العالم يسبب لنا الذعر اليوم، نغطي ذعرنا أو نداريه بالصراخ، تمامًا مثل ذلك المرء الذي يسير ليلًا محدثًا نفسه للتغطية على خوفه من عواء الكلب.

نحن نعشق النواح، وتطربنا المظلومية، ونسعد بالنظر إلى أنفسنا ضحايا تآمر وخديعة واستغلال الآخر؛ ففشلنا يكمن في لا أخلاقياتهم وقيمهم الفاسدة، لا في تفكيرنا. نقنع أنفسنا بأن العالم يتربص بعقائدنا وأخلاقنا، ويخاف منها، مع أنها في الحقيقة لا تعنيه، فهذا يُشعرنا بالاطمئنان تجاه ما نحمل في رؤوسنا، وليس له من تفسير سوى أهمية قناعاتنا وعقائدنا وأنماط حياتنا. نحن بخير، نعم نحن بخير، الإسلام والمسلمون والعرب والكرد والأتراك والإيرانيون، وغيرهم، كلهم بخير، ولا مشكلات لدينا، كل المشكلة أننا ضحية هذا العالم “المنحط”!

يتصالح المذعور، في المآل، مع قيمته البخسة في الحاضر، لكنه لا يتقبل النيل أبدًا من ماضيه أو الحطّ من قدر “أجداده” في الماضي، فهذا يستفزه كونه الاعتبار الوحيد المتبقي. لنسأل العكس؛ لو انتفى ذعر المذعور في الحاضر، ولو توصل إلى شيء من الاعتبار في الحاضر، هل ستستمر نظرته إلى ماضيه تكتسي طابعًا قدسيًا يجعله ينفجر أو ينتحر أو يهذي عندما يتعرض له أحد بالنقد أو السخرية؟!

ما الذي يُذعرنا؟ إنه خواء الذات والعجز الفاضح والأفق المسدود؛ ليس سهلًا أن نعيش بلا قيمة واعتبار، وليس ممكنًا الاستمرار ونحن نحمل العجز وقلة الحيلة على أكتافنا، وليس أمرًا قابلًا للاحتمال العيش من دون مستقبل. هنا ربما تصبح خياراتنا محدودة؛ إما الانتحار أو الانفجار أو الهذيان. نحن اليوم، نسير في الطرق هذه كلها.

خياراتنا السياسية الانتحارية كثيرة جدًا؛ منها أننا ما زلنا نطبل ونزمر لفصائل وجماعات عدمية قادرة على صناعة الموت، ولا تقوى على البناء ولا تهتم بصناعة الحياة، ومنها أننا ما زلنا نتوسم الحلول في جيب الآخر وسفاراته وأجهزته، ومنها أيضًا استمرار قناعاتنا بإمكانية بناء إمارات طائفية أو مذهبية أو إثنية على جثة سورية. كلها خيارات يائسة ولا تصنع حياة، إنها خيارات انتحارية.

خياراتنا الانفجارية هي الأخرى كثيرة جدًا؛ نمسك بتلابيب قصة صغيرة ونفجرها بوجه أصحابها، ولا يهنأ لنا بال إلا بقتل أصحابها أو التمتع بآلامهم، نفرح بالحرائق التي تصيب زرعنا وغرسنا، ننفجر في وجوه بعضنا بعضًا عند أول خلاف في الرأي، نضيف إلى أزمتنا الرئيسة مع نظام الاستبداد أزمات وانفجارات جديدة تأخذ طابع التشظي والتذرر اجتماعيًا وسياسيًا، وهكذا.

أما الهذيان فقد أصبح سمة وعينا الجمعي، ومسار عمل يومي؛ في الهذيان نبحث عن حلول وهمية أو تعويضية لأزمتنا وآلامنا المبرحة وهزائمنا وخوائنا في الواقع. نخترع معارك وهمية نشعر فيها أننا جزء من جماعة ما، جماعة دينية أو طائفية أو إثنية أو أيديولوجية، لنحقق أمرين؛ ندفع عن أنفسنا الذعر من الواقع بارتباطنا بالجماعة، ونركِّب ميدان المعركة وأطرافها بطريقة تضمن لنا “الانتصار” وفق مقاساتنا. سننتصر في معركتنا مع “ماكرون” و”أذنابه”، لكن لن يعلم هذا الـ “ماكرون”، ولا سواه في العالم، أننا انتصرنا. نحن المذعورين وحدنا من سيعرف أننا انتصرنا. سنشتمه وسنسخر منه، وسنحرق علمه “المقدس”. هذا “الانتصار” سيجعلنا نحتمل هزيمتنا في الواقع مدة من الزمن، بانتظار معركة وهمية أخرى.

بالنسبة إليَّ، ليس الآخر ونياته ومصالحه هي المعيار في هذه النقطة بالذات، فقد يكون “منحطًا”، أو ربما يريدني أن أُستجرّ إلى ساحته، أو يريدني أن أثبت له رؤيته تجاهي، وربما يريد من تحركاتي المتوقعة بالنسبة إليه أن يثبت وجهة نظره ضد خصومه السياسيين، طمعًا في مكاسب انتخابية أو اقتصادية أو ربما دعمًا لقرارات ينوي اتخاذها.

“انتصرنا” في الماضي برفقة “النظام السوري” في 4 شباط/ فبراير 2006 الذي كان يوم “غضب لله والرسول”، عندما أحرقنا مبنى السفارة الدانماركية في دمشق ردًا على الرسوم الكاريكاتورية التي نشرتها صحيفة “غيلاندز بوستن” الدانماركية. وقد سهلت الحكومة السورية وقتها ذلك “الانتصار”، فقد أوعز رئيس الوزراء العطري، بحسب “ويكيليكس”، قبل أيام من أعمال العنف، إلى مفتي سورية أن يطلب من الأئمة استخدام “عبارات قاسية” في خطبة الجمعة “من دون تحديد سقف للكلام المستخدم”، وأفسحت الحكومة السورية المجال لاستمرار أعمال الشغب مدة طويلة، وعندما رأت أن “الرسالة وصلت، تحركت لوقفهم مهدِّدة باستخدام العنف”. وكانت رسالة “النظام” إلى الغرب “هذا ما ستنالونه إن أجزنا لديموقراطية حقيقية وتركنا الإسلاميين يقرِّرون”، وفي الوقت نفسه، أراد أن يُظهر لـ “الشارع الإسلامي” أنه يحمي “كرامة الاسلام”. الكل يلعبون بنا، ويسخرون منا، فيما نحن مستمرون في الهذيان واللهاث وراء معاركنا الوهمية. جدير بالذكر أن جريدة لوموند اليومية الفرنسية أعادت وقتها نشر الرسوم اقتداء ببعض الصحف الأوروبية.

هذه المعارك الوهمية و”الانتصارات الإلهية” تعادل في طبيعتها جرعة الكحول أو المخدرات عند المدمنين؛ مع الجرعة يبتعد المرء عن خوائه وعجزه في الحياة الواقعية، ويقترب شيئًا فشيئًا من الامتلاء والشعور بالاعتبار الذاتي. في لحظات يصبح المدمن “أبو زيد الهلالي”، لكن في بقية الزمن يعاني القلق ونقص القيمة وعجز الحال. كلها محاولات مؤقتة لردم هوة الخواء الوجودي والعجز عن الفعل.

تُبهرنا الرؤى التبسيطية والمسطّحة؛ ما دام الآخر يهاجمنا فنحن على صواب، وما علينا سوى صرف الوقت والجهد، واستنزاف طاقاتنا النفسية في الردّ عليه، أما سؤال الواقع الهزيل وسؤال المستقبل المسدود فلا قيمة لهما في حساباتنا. يشغلنا الدفاع عن معتقداتنا أكثر مما تشغلنا أسئلة الحاضر والآتي، أكثر مما يشغلنا الاستبداد والاقتصاد والحقوق، ونهتم كثيرًا برؤية الآخر إلينا، ونتمنى أن ينظر إلينا باحترام، تعويضًا عن مهانتنا المزمنة في الواقع. في الحصيلة، نحن نبحث عن مسكنات لآلامنا في الحاضر ليس أكثر، تنفع في إعانتنا على التأقلم مع واقع الهزيمة والعجر ونقص الاعتبار.

أمام الفشل المزمن الذي راكمناه، وساهم الآخرون، وهم كثر، بالضرورة، في جزء منه، نحن في حاجة إلى إنجاز، إلى انتصار ما. تنفع هذه المعارك الوهمية، و”انتصارنا” المحسوم فيها، في تخفيف قلقنا وتوترنا، لكنها لا تحل أيًا من مشكلاتنا السياسية أو الاقتصادية، ولا أزمة الثقافة والعقائد والأديان والطوائف والعشائر التي غرقنا فيها. إنها تحافظ على هشاشتنا وتعيد إنتاجها باستمرار. نستنزف طاقاتنا في إجراءات الوقاية من الآخر، بدلًا من تعزيز قدرات الذات، في الثرثرة والكلام بدلًا من البناء والإنجاز الفعلي.

بعد صمت المعارك الوهمية، والهذيان الجمعي المرافق لها، نعود إلى الانكفاء على الذات، بين الحيطان الأربعة، لنجد أن أيًا من مشكلاتنا الفعلية لم يُحل، فنغرق في الاكتئاب، ويعود القلق العصابي ليغزو أرواحنا، بانتظار معركة وهمية جديدة. لكن، على الرغم من قلقنا وذعرنا، يقبع في وعينا الجمعي شيء من الاطمئنان أقرب ما يكون إلى “العدالة الإلهية”، و”الحق الذي سينتصر في نهاية المطاف”، و”الخلاص بقدرة قادر” أو “بسحر ساحر”، مع أن التاريخ متخم بجماعات بشرية، دينية وقومية، اندثرت ولم يبقَ لها أثر.

رؤيتنا إلى تاريخنا سحرية؛ أذكر أستاذي المعارض في المدرسة كيف كان يتحدث بفخر واعتزاز عن الحجاج بن يوسف الثقفي، قاطع الرؤوس. لا يقبل أستاذي، ولا أكثريتنا بالطبع، أن يتناول الآخر “أبطالنا” بسوء. المسلسل التركي الجميل حقًا، قيامة أرطغرل، يحفل بنظرتنا السحرية إلى الماضي، لكنه يُسعدنا لأنه يخلصنا من كياننا الخاوي في الحاضر؛ نحمِّل أرطغرل كل نواقصنا، البطولة والأخلاق والكرامة والمكر والبناء، لنجلس بعدها مرتاحي الضمير قانعين بحاضرنا ومستغرقين في الماضي، مع أن الأمنية أن تلعب مثل هذه الأعمال الفنية دورًا في تحريضنا على رفض أنفسنا في الحاضر، واستعادة اعتبارنا وفق منطق الحاضر لا الماضي.

لغة الآخر وخطابه مختلفان كليًا عن لغتنا وخطابنا، لا نحن نفهمه، ولا هو يفهمنا، لكن المشكلة أن لغته وخطابه كونيان، وهما منطق التاريخ والواقع، فيما لغتنا وخطابنا يشتقان شرعيتهما من الماضي فحسب. معظم الحوارات بين الشرق والغرب لم تنتج اتفاقًا، اللهم إلا بعض النتائج التي تفوح منها رائحة التواطؤ ثنائي الجانب، ومحاولات الاندماج والإدماج في معظمها، خلال السنوات الخمسين الماضية، انتهت بالفشل. نحن كائنان مختلفان، نحن كائن محلي مشدود إلى الماضي بقوة، فيما هو كائن كوني، عالمي، ومسيطر، في السياسة والثقافة والعلم والإنتاج.

عندما تختنق “الصوبيا” نضربها لتعاود الاشتعال، وكثيرًا ما نفعل الأمر نفسه مع التقنيات الحديثة. أخذنا التقنيات عن الآخر الذي نكرهه ويتسبب في إيلامنا بتفوقه في كل لحظة، لكننا لم نقترب من العقل الذي أنجزها، من قوانين الرياضيات والفيزياء التي تحكمها، ومن الفلسفة الكامنة في ثناياها وأرواحها. لو تنطق هذه التقنيات لقالت لنا إنها مشبعة بروح ديكارت وسبينوزا وابن رشد والخوارزمي وروسو وماركس ودافنشي وابن الهيثم وغيرهم.

وعليه، فليس غريبًا أن تستفحل حالة الهذيان الجمعي كلما استفحلت حالة القهر والعجز والخواء، وليس غريبًا أن تنتعش الأصوليات والدكتاتوريات. لكن يقينًا ليس أهل الشرق هم الوحيدون الذين عاشوا تجربة الهذيان الجمعي؛ فألمانيا المهزومة في الحرب العالمية الأولى، والفقيرة والمحاصرة والمأزومة بعدها، فتحت أبوابها لحالة من الهيستيريا الجماعية التي أنتجت النازية في المآل. لكن ألمانيا نفسها، المهزومة في الحرب العالمية الثانية، والمحطمة والمجزّأة بعدها، استفادت من تاريخها، ومن تجربة الهذيان التي عاشتها، وتجاوزتها، وسارت في طريق مغاير، طريق المراجعة النقدية والثقة بقدرة الذات على صناعة مستقبل آخر.

المدن

——————————-

حكايات عن الصِّفر/ حازم نهار

بعد هزيمة حزيران/ يونيو 1967، أُصيب الأديب نجيب محفوظ، مثل مثقفين آخرين، وكثير من العرب، بصدمة شديدة، سببها عدم التصديق أو الاستيعاب، ما خلَّف في نفسه حزنًا واكتئابًا عميقين، إلى درجة أن قلمه لم يطاوعه على كتابة ما يعتمل في روحه من حُطام، ولم يستطع أن ينقل ألمه وصراخه كتابةً. هربت منه الكلمات والتعابير، وعجز عن صناعة لوحة أدبية كما اعتاد، وهو الذي بنى صرحه الأدبي على قاعدة الكتابة المستمرة والمنظمة واليومية، بإصرار عجيب، على تسخير حياته للأدب. قال لمحاوره ذات مرة: “أتعرف عناد الثيران؟ … إنه خيرُ وصفٍ للحالة التي كنت أعمل بتأثيرها”.

كانت حالته، في عقب الهزيمة، أقرب ما تكون إلى الشلل النفسي الذي يمنع العقل والروح من التفكير والكتابة. وصفَ حالته في وقتٍ لاحقٍ بقوله “صدمة عنيفة، عدم تصديق، عدم معقولية، ذهول، مرارة، سخط على كل شيء”. ويتابع: “كان يحدث لدي حالة من (هياج) للكتابة، وأشعر برغبة شديدة في ممارسة الإبداع، لكني لا أجد أي موضوع”.

ولكي يتغلَّب محفوظ على يأسه وعجزه، اخترع طريقة “الكتابة من الصفر”. في هذه الحالة لا توجد في رأسه أي فكرة، ولا أي حدث أو عنوان أو شخصية. هناك رغبة في الكتابة فحسب. يبدأ بالكتابة، يكتب الكلمة أو الجملة الأولى، لتظهر الثانية، ولتجرّ الكلمات والجمل بعضها بعضًا. يبدأ بجملته الأولى، ولا يعرف إلى أين ستأخذه.

في عام 1994 اعتدى شاب على نجيب محفوظ بطعنه في رقبته، ما سبب له عجزًا في يده منعه من القدرة على استخدام القلم، ومنعته الإصابة من التواصل مع العالم الخارجي، ليغدو بلا مادة يستفيد منها في كتابته. كيف يتغلب على حالته الجديدة، وكيف سيستجيب لعشقه للكتابة هذه المرة؟ استطاع محفوظ، بفضل ثيران رأسه، أن يقاوم العجز والغياب، فجعل مادته هي أحلامه، ولجأ إلى الإملاء؛ يكتب شخص آخر له ما يريد، وكانت هذه تجربة جديدة وغريبة عنه، لطالما استغرب قدرة طه حسين عليها، فاستخدام القلم بالنسبة إليه جزءٌ من عملية الكتابة ذاتها، لكنه تحدى نفسه وكتب أحلامًا عديدة، جمعها ونشرها في كتاب.

عذرًا من نجيب محفوظ، فلا أحد يبدأ من الصفر. فللكاتب، والسياسي أيضًا، مخزونه الخاص الذي تراكم عبر الزمن، والذي يكون حاضرًا دائمًا في كل لحظة يخطُّ فيها حرفًا، وإذا ما أصابه العجز في لحظة ما، لا يعني أنه يصبح مساويًا لوافد جديد إلى عالم الكتابة أو السياسة؛ فنقطة الصفر عند محفوظ ليست معادلة لنقطة الصفر عند غيره. تمامًا مثل التاجر الخبير الذي يتعرض للإفلاس لسبب ما، ويصل إلى نقطة الصفر المالي؛ فهو ليس مثل الوافد الجديد إلى عالم التجارة. الأول يستطيع أن ينهض سريعًا باستثمار اسمه وتاريخه في السوق، فيما الثاني قد يحتاج إلى دهر، مع أن كليهما في نقطة الصفر ماليًا.

يعني ذلك أن البدء من الصفر تجربة خاصة بالوافدين الجدد إلى حقلٍ ما، لكن لا أحد يبدأ من الصفر من الموجودين أصلًا في الميدان، لا في الكتابة، ولا في السياسة. وهنا يأتي دور التاريخ والتجربة اللذين ينبغي لنا الاستفادة منهما، شريطة إخضاعهما للتفكير النقدي. يقول محمود درويش “نحن لا نستطيع الكتابة من الصفر؛ يعجبني تعريف إليوت للنضج الأدبي بأنه إحساس الشاعر بأسلافه، وإحساسه بوجود من سبقوه خلف هذا الإنتاج. الإبداع ليس قطيعة تامة مع ما سبق. إنه استمرارية لما هو حيّ في التراث وقطيعة مع ما لم يعد قابلًا للتعبير عن حساسية زماننا”.

للصفر حكايات كثيرة في الوضع السوري، والعربي عمومًا. نحن مولعون بالصفر؛ فالصفر أحد حدّي معادلة قيمية تحكم تفكيرنا: لنا الصدر دون العالمين أو القبر، فنحن إما أن نكون في القمة أو في درجة الصفر. وكثيرًا ما بدأنا، أو توهمنا البدء، من لحظة الصفر، وكثيرًا أيضًا ما رمينا تاريخنا وتجاربنا وراء ظهرنا نتيجة رغبتنا الشديدة في البدء من الصفر. كيف نفسِّر العودة إلى نقطة الصفر كلما تغير المسؤول مثلًا؟

نحن قبل الإسلام لا شيء؛ هكذا أراد لنا كثيرون أن نقتنع، ولا تكاد كتل بشرية كبيرة منا تعرف شيئًا عن تاريخنا السابق للإسلام. الإسلام هو لحظة الصفر، نقطة الانطلاق وبدء الخليقة. ومن هذه النقطة بدأ تاريخنا الهجري. ولذلك رمينا خلف ظهرنا تاريخنا وثقافاتنا الأخرى، حتى أننا أطلقنا على كل ما قبل لحظة الصفر اسم “الجاهلية”، وكأننا نتبرأ منه أو نعبِّر عن شعورنا بالذنب تجاهه. مع أن الإسلام في مرحلة قوة أهله كان في تفاعل خلّاق مع الحضارات كلها؛ اليونانية والفارسية والرومانية وغيرها. يقولون: في الحج، يعود المرء إلى نقطة الصفر، يعود كمن ولدته أمه توًّا. قد يكون الصفر في تفكيرنا رمزًا للنقاء، ولذلك هناك رغبة شديدة في استحضاره، في الانطلاق منه أو العودة إليه.

لنتخيل امرأة خَبِرت تجربة الحب، تتعرف إلى “مراهق” لما ينبت برعم الحب بعد في قلبه وعقله. سيكون الحبيب أهوجًا، وسيحاول امتلاكها، ومصادرة تاريخها، وإهالة التراب على ماضيها، طامحًا إلى البدء معها من الصفر، ليشعر بالنشوة، وبأنه لا رجلَ قبله، ولا بعده. في رواية عالم بلا خرائط، خاطبت المرأة القوية، نجوى العامري، حبيبها الروائي، علاء الدين نجيب، قائلة: كلما تعرفت إلى رجلٍ، أكتشف أنه يريد أن يبدأ معي من الصفر. ستهرب هذه المرأة من غزل “المراهق” هذا، وستشعر أن روحها تأبى إلا أن تغرِّد بعيدًا منه.

كيف نتغلب على عجزنا في السياسة؟ هل نبدأ السياسة من الصفر؟ في السياسة، كما في التاريخ والحب، هناك أيضًا من يرغب دائمًا في البدء من الصفر، والأمثلة هنا أكثر من أن تُحصى؛ كثيرًا ما يلجأ السياسي إلى جعل لحظة دخوله إلى معترك السياسة لحظة الصفر أو نقطة البدء، فمعه سيكون للسياسة طعم آخر مختلف عما قبله، لذا يتعامل مع البلد وكأنها ستولد بين يديه من جديد، ويكره أن يفكر في أنها موجودة قبله. حكاية البلد تبدأ من لحظة اعتلائه عرش السلطة أو المعارضة. يسمّون هذه الطريقة في السياسة “الإحلال”؛ أن تبني نظامًا نقيضًا للنظام القائم في كل شيء، وهذه محض خرافة سياسية، ونتيجتها هي كثرة الهدم السياسي ونقص البناء السياسي في تاريخنا. الطريقة السياسية العقلانية تقوم على البناء؛ قراءة تجارب التاريخ وتقييمها في ضوء حاجات العصر الراهن والأهداف. هذا ما أطلق عليه ياسين الحافظ الوعي المطابق/ المقارب للواقع.

هذه الرغبة في البدء من الصفر تتجلى بشيوع سياسات غير عقلانية، على شاكلة “اجتثاث البعث” في العراق، وعلى شاكلة “إسقاط النظام السوري بأركانه ورؤوسه ورموزه وسياساته كافة” كما عبّر كثيرون، ليأتي الواقع بعقلانيته الصارخة، ويضربنا على رؤوسنا؛ فسياسة “اجتثاث البعث” حولت قسمًا غير قليل من البعث العراقي إلى “داعش”، والسياسة الخرافية للكثيرين في “المعارضة السورية” جرتهم شيئًا فشيئًا إلى قبول الدخول في مستويات متدنية من التفاوض مع “النظام السوري”، من دون أي وخزة ضمير أو شعور بالتناقض وسوء العقل والتدبير. شعار “إسقاط النظام” شعار شعبي، صادق وصحيح، يحتاج من النخب السياسية الثقافية إلى تجسيده سياسيًا؛ إعادة إنتاجه بصيغة السياسة ترتبط بموازين القوى واللحظة السياسية من جهة، وبالتمييز بين السلطة والحكومة والنظام والدولة من جهة ثانية.

مع الثورة السورية، دخل كثير من السوريين معترك الحقل السياسي، وهذا جيد طبعًا. بعضنا تنطع إلى المستويات القيادية من دون سابق اطلاع أو خبرة، وأصبح سياسيًا أو ناطقًا رسميًا أو مفاوضًا أو محاورًا لدول الإقليم والعالم، على الرغم من أنه لم يقرأ صفحة واحدة في حياته. كانت لحظة الثورة بالنسبة إليه هي لحظة اكتشاف موهبته السياسية، ليبدأ ممارسة السياسة من الصفر، أو في الأحرى هنا من الفراغ، ومن الطبيعي أن يضيع ويُضيِّعنا. سار في طريق التجريب فحسب، وفي كل مرة يبدأ من الصفر، لا يُراكم ولا يتعلم. الطبيب الذي يتعامل مع المريض من دون خبرة أو معرفة قد يقتل شخصًا واحدًا، فيما السياسي عديم المعرفة والخبرة قد يقتل شعبًا أو يمزِّق قضيته.

هناك في سورية تيارات سياسية، بصرف النظر عن أيديولوجياتها، مغرمة بنقطة الصفر. أراد التيار الإسلامي مثلًا ربط الثورة السورية عنوة بحوادث نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات. والغريب، وللأسف، أنها كانت رغبة “النظام السوري” نفسه، مع أن الثورة قامت على أكتاف من وُلدوا بعد أن انتهت. نقطة الصفر بالنسبة إلى التيار الإسلامي هي حوادث الثمانينيات، وما تلاها مشطوب من تاريخ سورية، والثورة السورية ليست إلا استكمالًا لتمردهم آنذاك، وردًا على مظلوميتهم. كانت هذه في العمق النقطة المحرِّكة للإسلاميين معظمهم، وكانت في الوقت نفسه اختزالًا فاضحًا للثورة، وواحدة من نقاط قتلها. 

 تيارات أخرى ركبها هوس “العودة إلى نقطة الصفر الاستعماري”، وكأن تاريخَ سورية خلال 1946-2011 شيءٌ لا قيمة له أو يُفترض التبرؤ منه. هذا خطاب لا يروق لقسم كبير من السوريين، فضلًا عن لا واقعيته ولا عقلانيته، إذ لا يمكن أصلًا القفز فوق هذا التاريخ كلاميًا. واستحضر قسمٌ من الكرد السوريين تجربة إقليم كردستان العراق، فيما استحضر قسم آخر تجربة كرد تركيا. عمليًا، أرادوا الانطلاق من “صفر” غيرهم، بدلًا من اختراع “صفرهم” الخاص إن جاز التعبير. الصفر المستورد أكثر إغراء على ما يبدو.

للصفر حضورٌ طاغٍ في الوضع السوري؛ لم يتعامل “النظام السوري” مع السوريين، في يوم من الأيام، إلا بوصفهم أصفارًا، وعمل دائمًا على أن تكون “معارضتهم” و”نخبهم” أصفارًا هي الأخرى، وهكذا كنا فعلًا بأيديه وأيدينا. كيف نتجاوز قيمتنا الصفرية؟ بالتأكيد لن يكون ذلك بالعودة إلى نقطة الصفر، وتكرار التجارب الصفرية التي طحنتنا خلال السنوات العشر الماضية. ما زالت، في اعتقادي، وصفة ثالوث الفكر والسياسة والتنظيم هي الأجدى، على الرغم من أنها تحتاج إلى كثيرٍ من الوقت والجهد والصبر.

المدن

—————–

السوريون ودوّامة البحث عن المخرج/ عبد الباسط سيدا

تضم الأحزاب السياسية عادة مجموعة من الأشخاص توافقوا على التوجهات الهادفة إلى إنجاز تغيير سياسي، يقترب، وفق منظورهم، نحو الأفضل بالنسبة إلى مجتمعهم. والحزب لا يكون فاعلاً من دون وجود نواةٍ صلبة، تكرّس وقتها وجهدها لبلورة سياسة الحزب، ووضع خططه، والعمل على تنفيذها.

ولا يمكن لأي حزبٍ أن يفلح في بلوغ ما يعمل من أجله، من دون تأييد شعبي مقبول، يتجلّى في الأنظمة الديمقراطية من خلال نتائج الانتخابات. أما في الأنظمة الديكتاتورية فهو غالباً ما يتشخّص في الإضرابات والاعتصامات والمظاهرات. وحين تنسدّ الآفاق، ويتم التيقن من استحالة الإصلاح، وتتفاقم المشكلات، تأخذ الاحتجاجات طابع الانتفاضة، وحتى الثورة. وفي هذه الحالة، تبدأ الأحزاب التي عملت باستمرار على إخراج الطاقات الكامنة لدى وسطها الشعبي إلى حيز الوجود بالفعل؛ وتعمل على توجيه الانتفاضة أو الثورة نحو أهدافها الحقيقية، وتحرص باستمرار على منع استغلالها من قوى خارجيةٍ لها أجنداتٌ إقليمية أو دولية، وأخرى داخلية، قد تكون على علاقةٍ مع النظام نفسه الذي ثار عليه الشعب.

ولكن في حالة ثورات الربيع العربي كانت هناك وضعية استثنائية، تمثّلت في ثوراتٍ عارمةٍ جسّدت غضب مختلف الشرائح والقوى المجتمعية من جهة، وغياب الأحزاب والقوى السياسية القادرة على التوجيه والتنظيم، والاستمرار حتى بلوغ الأهداف من جهة ثانية. ورغبة في التحديد والاختصار، سيتم هنا التركيز على الحالة السورية، باعتبارها مستمرة ومفتوحة على كل الاحتمالات.

كانت الأوضاع في سورية متأزمةً على جميع الأصعدة قبل عملية التوريث عام 2000؛ لكن حافظ الأسد كان قد تمكّن من تدجين القوى السياسية المعارضة ضمن إطار ما سمّاها “الجبهة الوطنية التقدمية”. أما القوى الأساسية التي تمرّدت على عملية التدجين، فقد كان نصيبها القمع المتوحش والشيطنة والتصفية. هذا في حين أن الأحزاب الكردية كانت، منذ البداية، أحزاباً مطلبية، لا تشكل خطراً على النظام.

وفي العام الأول من حكم بشار الأسد الذي كان بعد العملية القيصرية التي أجريت لدستور والده، أعطيت وعود كثيرة بالإصلاح، تعاملت معها النخب السورية وكأنها وعود صادقة. وشهدت سورية، في تلك المرحلة، حركة دؤوبة من دعاة الإصلاح، تمثلت، أولا، في بيان الـ 99، ومن ثم في بيان الألف، ومنتديات إحياء المجتمع المدني. ولكن سرعان ما تدخلت السلطة مجدّداً، وأوقفت الحراك السلمي المدني الذي كان يغلب عليه الطابع الليبرالي العلماني، وذلك بعد أن وجدت فيه خطراً جدّياً يهدّد استبدادها وفسادها. وتراكمت السلبيات، وتفاقمت الأزمة، وانسدّت الآفاق أمام الشباب السوري المتميّز بقدراته، والحريص على مواكبة العصر، وهذا ما نشهده واقعاً ملموساً في مختلف المهاجر التي انتقل إليها السوريون قسراً. ولم تكن الأحزاب السياسية المعارضة مؤهلةً لتوجيه النقمة الشعبية وعقلنتها، فهي كانت بصورة عامة ضعيفة، من جهة التنظيم والشعبية، وهرمة من جهة القيادة؛ وكانت قد استسلمت، في واقع الحال، لإرادة الأجهزة الأمنية، حينما ارتضت بحصر عملها ضمن الهامش المباح.

ومع انفجار الثورة السورية الشاملة، عبر المظاهرات السلمية في معظم المناطق السورية، وهي المظاهرات التي تميزت بطابعها الشبابي والوطني بصورة عامة، وضمّت الطلبة والمثقفين والفنانين والأكاديميين والشغيلة وأصحاب المهن والمحلات التجارية والمزارعين من مختلف المكونات المجتمعية السورية، كانت الأهداف الأساسية تتمثل في المطالبة بالإصلاح، وإلغاء المادة الثامنة من الدستور، إلى جانب رفع حالة الطوارئ.

وكانت هناك حاجة حقيقية لقيادة سياسية تتمكّن من تجسيد أهداف الثورة، والدفاع عنها، والعمل على كسب التأييد لها. هذا إلى جانب تنظيم الجهود، وتأمين المستلزمات المطلوبة لاستمرارية الثورة، والحرص على عدم انحرافها عن خطها الوطني الإصلاحي. ولم تكن هذه المهمة سهلة قطعاً. وقد تنبهنا، منذ البداية، إلى الصعوبات الكبيرة التي ستواجهنا في هذا المجال، لأن الأحزاب الموجودة لم تكن في وارد القيام بهذه المهام، كما أن الأفراد المعارضين كانوا مبعثرين مشتتين في المكان والعلاقات والتوجهات.

وبعد سلسلة مؤتمرات عشوائية أخفقت في إنجاز المطلوب، أخذت مجموعة محدودة العدد على عاتقها موضوع السعي من أجل تشكيل منظمة أو مؤسّسة سياسية، تكون العنوان السياسي للثورة. وقد بذلت جهود كبيرة لإنجاز ذلك، وجرت مناقشاتٌ مسؤولة، تناولت الوضع السوري من مختلف جوانبه، وتم التواصل مع القوى السياسية المختلفة لدعوتها إلى الإنضمام إلى المشروع المرتقب؛ وظهر المجلس الوطني السوري، كما نعلم جميعاً، الذي كان بصورة أساسية حصيلة حوارات ومناقشات سورية – سورية؛ وتمكّن، خلال فترة وجيزة، من الحصول على الاعتراف الأهم والأعز من الشعب السوري الذي خرج في مظاهراتٍ عارمة، ترفع شعار “المجلس الوطني السوري يمثلني”، وكان الانفتاح الدولي الواسع على المجلس.

وعلى الرغم من ضغط الظروف، وقلة الخبرة، والإمكانات المحدودة، والحواجز النفسية التي كانت بين القوى السياسية، والشخصيات التي تشكل منها المجالس، استطاع هذا الأخير أن يثبت مقدرة السوريين على العمل المشترك، وحاز احترام الدول. وأذكر في هذا المجال قولاً لمسؤول عربي بعد تشكيل الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، وفي أثناء مناقشة الصعوبات التي كانت تواجهنا حينئذ: “لقد كنتم تعملون في المجلس على أفضل وجه، ولكننا لم نساعدكم”. ومثل هذا الكلام سمعناه من مسؤولين آخرين دوليين وعرب.

ولكن ما حصل أن القوى الدولية المؤثرة لم تكن موافقةً على توجهات المجلس، المستلهمة بصورة أساسية من أهداف ثورة السوريين. كما أن سوريين كثيرين من المعارضين الذين ظلوا خارج المجلس، لأسباب عدة، كانوا في عجلةٍ من أمرهم، ولم يستوعبوا الظروف والإمكانات، بل عملوا بكل الوسائل على الإساءة إلى المجلس، ما داموا ليسوا داخله. حصل ذلك مع أنه كان هناك سعي جاد للتواصل مع جميع القوى السياسية والفعاليات المجتمعية والشخصيات الوطنية السورية، بغية ضمها إلى المجلس، أو التنسيق وتبادل المهام معها، ليكون الأخير الإطار الوطني الشامل الذي يجمع بين كل الوطنيين السوريين الساعين من أجل الأفضل لشعبهم ووطنهم.

وقد استغلت القوى الدولية، المعنية بسورية وجغرافيتها وأهميتها المفتاحية في المنطقة، نرجسية بعض السوريين، واستعجال بعضهم الآخر، كما استغلت الخصومات والمنافسات الشخصية لدى طائفةٍ ثالثة، فتحرّكت لسحب الشرعية من المجلس الوطني، بعد أن تيقنت من استحالة إقناعه أو التأثير عليه بخصوص التخلي عن أهداف الثورة السورية، ومطالب الشعب السوري المتمثلة في الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية. وتم تشكيل “الائتلاف” بضغط دولي من مختلف الأنحاء، وكان من الواضح أنه جسمٌ مأزوم منذ البداية. شكّلته الدول لا السوريون، واختارت أعضاءه وقياداته الدول، وليس بناء على توافقات السوريين؛ الأمر الذي كان يوحي، منذ ذلك الحين، بأن المبادرة قد خرجت من أيدي السوريين؛ وهذا ما تأكد لاحقاً عبر مشروع توسعة “الائتلاف” الشهير عام 2013، ومن خلال مؤتمر الرياض1 عام 2015، ومن ثم تشكيل هيئة التفاوض لقوى الثورة والمعارضة السورية، ومؤتمر الرياض 2 عام 2017، وتشكيل اللجنة الدستورية عام 2019؛ إذ تمكنت الدول من تحديد أسماء المدعوين للمشاركة، وأسماء من سيكونون في اللجنة الدستورية.

لقد فوّت السوريون المناهضون لحكم بشار، المستبد الفاسد المفسد، على أنفسهم فرصة نادرة، حين ورّطوا أنفسهم بمشروع “الائتلاف”، وأفسحوا المجال أمام القوى الدولية للتدخل في أدق تفاصيل خصوصياتهم المجتمعية. وما نشهده راهناً من تجمعات ودعوات إلى عقد مؤتمر وطني سوري لا يخرج، في معظمه، عن هذا الإطار بكل أسف، على الرغم من وجود نياتٍ صادقة لدى كثيرين، فمعظم هذه الاجتماعات الشللية، والمشاريع الحزبية التي نسمع بها، أو نقرأ عنها، بصورة شبه يومية من هنا وهنا، مستعجلة، لا تستند إلى دراسة معمقة لطبيعة الوضع السوري، وماهية الاحتياجات. وهي غالباً مشاريع تحرّكها دوافع فردية أو شللية، تنطلق من عقليةٍ سحريةٍ تنشد الحلول السريعة غير الواقعية. لا تأخذ بالاعتبار ماهية الصعوبات، وتهمل تحديد الأسباب الحقيقية، ولا تقيم التوازن بين الإمكانات والحاجات والظروف.

هذا في حين أن اجتماعات أخرى افتراضية وواقعية نظمت، وتنظم، هنا وهناك، كانت بغرض التعمية والتضليل، وإعطاء انطباعٍ زائفٍ بأن الجهة المنظمة حريصةٌ على معرفة آراء الناس، وتقيم وزناً لرغباتهم وقراراتهم. والقاسم المشترك بين هذه الاجتماعات أن الجهات التي تقف وراءها غالباً ما تكون غير سورية؛ لكنها تستخدم السوريين ليكونوا مجرّد واجهة لمشاريعها التي لا تتقاطع مع مصلحة السوريين وبلدهم، بل تقيم الحواجز بينهم، وتجعل من بلدهم مجرّد مناطق نفوذ، قد تتحوّل مستقبلاً إلى مناطق وجود دائم لتلك الجهات الأجنبية، أو قد تصبح مجرد أوراق ضغط في لعبة المساومات الدولية.

الكل اليوم في انتظار الاستراتيجية الأميركية الجديدة في عهد الرئيس المقبل جو بايدن، ولكن الأهم سورياً أن يعيد السوريون ترتيب أوراقهم وأفكارهم وأولوياتهم، ويستعدّوا للإبحار في هذا الجو العاصف. فمن يدري؟ ربما تصبح الرياح أكثر انسجاماً مع أشرعتهم، على حد تعبير أحد الأصدقاء، هذا إذا ما أحسنوا تجهيزها وتثبيتها، وتمسّكوا بأولوياتهم الوطنية السورية قبل أي شيء آخر.

العربي الجديد

———————————-

في الحرب التأويلية مع النظام/ هشام حميدان

لأنّ ما يحدث، يحدث في النفس أيضاً، قُتل شطرٌ من أنفسنا العميقة في سوريا منذ استولى حزب البعث على السلطة. والحال أنّ القتل ما زال مستمراً، لكنه على مرّ العقود أخذ يطوّر من أساليبه ويزداد بطشاً. إنّه جزءٌ أساسي من آلية الحكم البعثي، يعزّز العجز والقهر، ويترك الناس لليأس ورثاء النفس.

يأس كبير يخيّم على حياة السوريين، بعد التدخل/ الاحتلال الروسي عام 2015، وإنقاذ النظام ومساعدته على حسم المعركة العسكرية. صار العيش في سوريا معجوناً بالقهر والعجز، أكثر من أي وقتٍ مضى ربما. إنه امتحانٌ وامتهانٌ للكرامة الإنسانية، الدولة الأسدية تحدد للناس حتى كيفية رثائهم لأنفسهم، فهي لا تقبل إلا برثاءٍ أداتيّ مسيّس، لا غرابة إذن من يأس السوريين في «الداخل» ولا غرابة من يأسهم في «الخارج» أيضاً. حلم الحرية والمواطنة تَأجَّلَ إلى موعدٍ مجهول، والقتلة الذين حكموا سوريا لعقودٍ ما زالوا يمارسون أفعالهم نفسها دون رادع.

لكن الصراع مع النظام بطبيعة الحال لا يتوقف على الجانب العسكري فقط. إحدى المعارك القائمة هي معركةٌ لغوية بامتياز، فنحن نخوض منذ انطلاق الثورة صراعاً لغوياً مع النظام، يمكننا أن نعتبر كل استسهال به تعميقاً لانتصار النظام العسكري أكثر فأكثر. ليست الكلمات، أو المفاهيم، أو المصطلحات مشكلاً هامشياً إلا عند أصحاب العقول الكسولة ربّما. قد تكون اللغة هي المشكل والحلّ، إنها في اعتبار الفيلسوف مارتن هايدغر بيت أو مسكن الوجود أو الكينونة. نحن كائناتٌ لغوية دائماً وأبداً، لذلك علينا أن ندقّق أقوالنا ونراجع خطاباتنا باستمرار. علينا أن نفكّر في المفاعيل اللغوية، ونَحذَرَ من الاستسهال فيها. نحن باختصار في حربٍ تأويلية طويلة مع النظام. حرب لها جوانب عديدة، لكن للجانب التأريخي منها خطورة وأهمية بالغة. فالنظام يحاول القبض على سياسة الذاكرة لدينا، لذلك نحن مطالبون بتفكيك معجم النظام السياسي إذا أردنا أن نؤرخ لأنفسنا ولثورتنا بشكل حر.

ثمة تأريخ لا يعدو أن يكون سوى محاولة لتغييب إرادة الحقيقة، وتزييف التاريخ. تأريخ سلطوي تربّى عليه كل من درس في مدارس البعث. لكن لزمن الثورة على وجه التخصيص مفرداته، لذلك اخترنا من معجم النظام السياسي مفهومين أساسيين من زمن الثورة للكلام عنهما، يلعبان دوراً كبيراً في الفهم الذي يسعى النظام لترسيخه، هما: الحرب والفتنة.

الحرب: هي نزاع أو صراع بين جهتين على أقل تقدير، وكل حرب هي «حرب على وضد وبين ومع وفي ولأجل… إلخ»، لكن النظام يسعى لترسيخ استخدامٍ مخصوص لكلمة حرب، فهو أول من استخدم هذه الكلمة في خطابه السياسي لتوصيف ما يجري في سوريا منذ العام 2011. منذ بداية الثورة وهو يشدد على أن ما يجري ليس ثورة بل هو «حرب على سوريا»، كي يُجيّشَ الناس ويبرّر استخدامه للعنف، وهذا يساهم في تفسير ظهور اللجان الشعبية المسلحة والقوات الرديفة للنظام. فـ«الحرب على سوريا» تحتاج من أبناء سوريا التسلّح ومساعدة الجيش والأمن في ضرب «المندسين/ الإرهابيين» حسب تعبير النظام.

بعد هذه «الحرب على سوريا»، وخصوصاً بعد تفشي السرطان الداعشي، ظهرت عند طيفٍ واسع من السوريين صيغةٌ جديدة هي «الحرب في سوريا»، لكننا نراها بشكلٍ خاص عند الفنانين الذين يريدون أن يكونوا أصدقاءَ للجميع، والذين يظنون أنّ بإمكانهم أن يكونوا بمنأىً عن السياسة. المشكل الكبير أنّ هذه الصيغة تبدو غير مسيّسة أو لا يمكن تسييسها في نظر البعض. والحال أنها صيغة مخاتلة، تعفي المتكلم من التوصيف التاريخي الدقيق. تعفيه من اتّخاذ موقف سياسي واضح من النظام (أي من المسؤول الأول والأخير عن كل القتل والدمار). استخدام هذه الصيغة يبين عن نظرةٍ لا تاريخية للأمور، وهو في أحسن الأحوال تأريخٌ سيء، وفي أسوأ الأحوال قد يكون تواطؤاً مع النظام وتدعيماً لرؤيته.

النظام يستخدم هذه الصيغ أثناء محاولته لإلغاء الفوارق بين النظام والدولة والوطن. كل صراع مع النظام من منظوره هو صراع ضد سوريا. فالنظام يرى أنه سوريا، وكل من يقاومه «غير وطني». هو يستخدم كلمة حرب ليبرئ نفسه من القتل والدمار، ما يحدث بالنسبة له «حرب كونية» فُرِضَت عليه فرضاً، فبشار الأسد أعلن منذ خطابه الأول بعد انطلاق الثورة أنه «إذا فُرضت علينا المعركة اليوم فأهلاً وسهلاً بها»، أي أنه يعلن حرباً لكنه في الوقت نفسه يحمّل مسؤوليتها للآخرين.

لا يعرف النظام غير لغة العنف، لذلك استخدم الرصاص في وجه الجموع الحرة المتكثّرة. فهو في حرب مستمرة على الشعب منذ استيلاء حافظ الأسد على السلطة. إذا قبلنا توصيف ما بدأ في عام 2011 بالحرب، فهي حربٌ شنّها الشعب السوري ضد النظام الطائفي، لا تحمل أي «نزعة هوويّة» جاهزة. حربٌ ضد الأحكام المسبقة والرؤية الشمولية، ضد قانون الطوارئ، ضد «الحاكم الهوويّ». حرب بين الدولة الأمنية والشعب، لكننا نعلم أنّ مَن رفع شعار «الأسد أو نحرق البلد» شنّ حرباً على الشعب، وقام حقيقةً بإحراق البلد.

علينا إذن أن نحدّد بدقّة عن أي حربٍ نتكلم، وأن نحترس من صيغ «الحرب» وأن ندقق في استخداماتها، وأن نحترس خصوصاً من تغييب كلمة «ثورة» وإحلال كلمة «حرب» مكانها أثناء تأريخنا لما بدأ في عام 2011. إذا كان المقصود بـ«الحرب في سوريا» هو الحرب ضد النظام الشمولي الطائفي التي شنّها الشعب، فنعمَ الحرب هي. وإذا كان القصد أنّ ما جرى تتساوى فيه جميع الأطراف، وأنّ ما بدأ في عام 2011 ليس ثورةً بل مجرد حربٍ لا طائل من ورائها، فبئس القصد هذا.

الفتنة: هي كلمة راسخة في المعجم السياسي لفقهاء الملّة، تعني الامتحان أو المحنة أو الابتلاء أو الخلاف. درج استخدامها عبر التاريخ في الثقافة العربية الإسلامية لتوصيف الثورات والانشقاقات الدينية والسياسية، ولتوصيف الصراعات على السلطة بشكل عام. التاريخ الإسلامي تاريخ فتن. والفتنة تحمل معاني معيارية سلبية. التمرد أو الثورة كانت تُقرأ بوصفها خروجاً على الحاكم أو النظام، والخروج كان فتنة.

مفهوم الثورة لم يكن موجوداً، فقد تمت استعارته أو ترجمته في القرن العشرين من الخطاب السياسي الفرنسي على وجه التحديد، وهو مفهوم نشأ في البلدان المقاومة لكل أشكال الاستعمار الأجنبي، وكان للثورة البلشفية أيضاً تأثير كبير ساهم بانتشار هذا المفهوم، وأصبحنا نقرأ حديثاً عن الثورة العربية والسورية والجزائرية… وإلخ.

في حالتنا السورية، حافظ النظام على كلمة «فتنة» كي يفسّر ما يجري بوصفه سلباً وشقاقاً وخروجاً ومحنة وابتلاء، فمنذ خطابه الأول بعد انطلاق الثورة، استخدم بشار الأسد كلمة «فتنة» لتوصيف ما بدأ في درعا، بل شدَّدَ عليها أكثر من مرة. لكن الخطورة ليست في مجرد محافظته على هذا الاستخدام، بل في استشهاده بالآية القرآنية التي تقول «الفتنة أشد من القتل» في الخطاب نفسه. لذلك علينا أن نسأل هنا: ألا يستنبط بشار الأسد من هذه الآية تبريراً أو تسويغاً أو حكماً بالقتل الذي ينتهجه نظامه؟ ألا يشترك هو وداعش في استخدام القرآن لغايات سياسية؟ ألسنا بحاجة حتى لتحرير القرآن من استخدام النظام له بالقدر الذي نحتاج إلى تحريره من الاستخدام الداعشي؟ الحال أن النظام وداعش أبعد ما يكونان عن التفكر في القيم الوجدانية القرآنية (من قبيل الرحمة والعفو والمغفرة… إلخ) وأقرب ما يكونان إلى التفسير الضيّق الأداتي للقرآن، الذي عوضاً عن التفكر في قيَمه، يستنبط الأحكام منه كي يعزز أو يمدّ سلطته على الناس.

إذا كان ثمة فتنة في سوريا فهي ابتلاء السوريين بالدولة الأمنية. ولعل في استخدام النظام لمفهوم الفتنة بحد ذاته خلق للفتنة. الثورة لم تفشل وبسبب فشلها تدمرت المدن السورية، بل الثورة هُزمت عسكرياً، وهذا فرق دقيق وجوهري. لقد اجتمع الحرس الثوري الإيراني وحزب الله والجيش الروسي وكل أطراف النظام، استغلّوا الصمت الدولي فوصلوا في العنف إلى حدوده القصوى. استفادوا من ظهور داعش وأخواتها أيضاً كي يقولوا إن هذه هي الحرية التي خرج «المندسون» لأجلها (علماً أن النظام هو شرط إمكانية داعش)، بينما الثورة في حقيقة الأمر بريئةٌ من داعش. بل إن الأخيرة جزءٌ من المشكل الذي قامت الثورة للتخلص منه في البدء.

قد يصيب هذا الكلام البعض بالملل، لكننا بحاجةٍ ربما للتذكير بأنّ ثورات الربيع العربي، في أوضح معانيها وأبسطها، هي تمردٌ وحربٌ على النظام من خارج النظام. هي في لغة الفيلسوف فتحي المسكيني: «تغيير في أفق أنفسنا، وَقَعَ لأن الشعب قد نجح في فك الارتباط الهووي مع جهاز الحكم»، هي «استرجاع واسع النطاق لحق الأهلية التاريخية للفعل الكبير، وللتشريع الروحي للأجيال دون وصاية أمنية على شعورهم بالحرية»، هي «تغيير مفتوح لنموذج حياةٍ لم يعد يُحتمل السكوت عنه»، هي «نهاية حادة لفترة انتظارٍ طويلة»، هي «استعادة حادة وكثيفة لحقوق الإنسان الكونية وليس الهوويّة»، هي «رفضٌ للدولة الأمنية»، وهي أخيراً وليس آخراً «ثورة كرامة ذات منطق حيوي».

لأنّ ما حدث في الثورة، حدث في النفس أيضاً، خُلقنا ومتنا من الداخل آلاف المرات. لكن ذاكرتنا لا تموت، ما فعله وحش الدولة/ الأمة الذي نصّب نفسه سيداً على أنفسنا المعاصرة بعد الاستقلال، غير قابل للنسيان. الحرب على هذا الوحش مفخرةٌ ونبلٌ علينا أن نكون جديرين بهما. والثورة رغم هزيمتها العسكرية فتحت أبواب الحرية ووضعتنا وجهاً لوجه أمام هذا الوحش دون رجعة، بل إنها أعلنت نهايته. في العصور القديمة، كان الملوك يستمدون سلطتهم من الآلهة، كلُّ شيءٍ كان يجري بمشيئةٍ منهم، لكن أليست الدولة/ الأمة عندنا هي السيد، وهي شرط إمكان الحروب؟

موقع الجمهورية

———————————-

التغيير والفوضى وتقلبات السياسة في سورية/ لؤي صافي

واجهت الثورة السورية صعوباتٍ عديدة خلال السنوات الماضية، تعود في معظمها إلى ثقافة سياسية متوارثة منذ استقلال البلاد عن المستعمر الفرنسي على أقل تقدير. لن أدخل، في هذه العجالة، في كل المشكلات والتحدّيات التي تواجه سورية، وتواجه قوى الثورة والمعارضة، ولكن أكتفي بنقاط أساسية ثلاث، يقتضي أخذها بعين الاعتبار، ليس من أجل تقديم حلول جذرية للمشكلات، لأن حلها يحتاج إلى زمن وتجربة عملية، بل لتطوير خطوات واضحة ومباشرة للتخفيف من أثرها السلبي على عمل قوى الثورة والمعارضة… لا بأس من التنويه، في البداية، إلى أن معظم أخطاء الثورة ناجمة عن الفوضى التي تحيط بكل الثورات، وعن تعقيدات المشهد الناجم عن إصرار النظام على استخدام العنف المفرط لمنع التغيير، أو التفاعل مع مطالب الثوار، والمصالح الجيوسياسية المتعدّدة في المشرق. الثورة حدث عفوي تتحرّك من خلاله الشعوب لمواجهة أنظمةٍ تمتلك أجهزة أمنية واستخبارية متطورة. وعلى الرغم من صعوبة المشهد الحالي، والتحدّيات العديدة التي ما زالت تحيق بسورية وشعبها الأبي المعطاء، يجب القول إن الثورة السورية حققت إنجازاً تجاوز كل التوقعات، إذ استطاعت قهر دولةٍ أمنيةٍ من الواضح أنها أعدّت جيشاً لا لمصارعة أعداء الوطن، بل للتحكّم في الأغلبية السورية وإخضاعها لنظام طائفي مستبد وفاسد. ويعود بقاء النظام اليوم إلى التدخل الإيراني، ثم الروسي المباشر، وفق تفاهمات دولية تشمل دولا عربية وأخرى غربية، وهو أمر ما كان لأحد منا أن يتوقع حصوله في القرن الحادي والعشرين، وهو لذلك واقعٌ لم تأخذه الثورة بعين الاعتبار.

النظر إلى التحدّي القائم والخطوات المستقبلية للتعامل معه بعد تجربة عقدٍ ليس كما قبله. ثمّة حاجة إلى بناء الخطوات المقبلة وفق تعقيدات المشهد الحالي، وهذا يحتاج إلى جهد نظري وعملي كبير، يتجاوز ما يمكن تضمينه في مقالة الرأي هذه، لعل السوريين الأحرار يحملون هذه المهمة في الأيام والأشهر والسنوات المقبلة. سأقتصر لذلك، في هذه العجالة، على تحديد أخطاء استراتيجية ثلاثة وقعت فيها الثورة، وخصوصا جناحها السياسي. لأني أميز بين مسارين متوازيين ضمن الثورة، العسكري والسياسي. تولّد المسار العسكري من جهود الشباب السوري غير المسيس الذي تحرّك للدفاع عن الشرف والكرامة، بعدما هاجمت مليشيات الأسد القرى والمدن السورية بمساعدة المليشيات الطائفية التي جنّدتها إيران لدعم النظام، ومارست أبشع أنواع القتل والتنكيل والاغتصاب. أما الجناح السياسي فمثلته قوى المعارضة، وناشطون سياسيون وحقوقيون كثيرون. ويمكن تمييز أخطاء استراتيجية أدّت بمجموعها إلى ما نحن فيه اليوم.

أولاً: اختراق القوى الدولية والإقليمية الجناح العسكري منذ الأشهر الأولى، فقد خضعت الكتائب المقاتلة إلى خطةٍ كانت تهدف، منذ البداية، إلى امتصاص الزخم العسكري للثورة. خضعت الكتائب المقاتلة لغرفتي الموك والموم التي قامت بتوجيه الكتائب، وربط تحرّكاتها بتوجيهات عسكرية من قيادة الغرفتين. ومع ذلك، تمكنت الكتائب من قلب المعادلة العسكرية، ما دعا القوى الدولية إلى التدخل المباشر لمنع سقوط النظام. العمل العسكري أمر معقد، خصوصا في سياق الصراع الجيوسياسي الذي يحيق بسورية، والرهان العسكري في هذه اللحظة يجب ألا يكون الرهان الأول. القوى المعارضة لنظام الاستبداد في سورية لم تختر الصراع العسكري برضاها، بل فُرض عليها من خلال استراتيجية العسكرة التي اعتمدها النظام بتحويل الجيش السوري إلى قتال أبناء الوطن، ما أدّى إلى انقسام الجيش، وحمل عديد من مقاتليه السلاح ضد قيادته التي ارتكبت جرائم إنسانية، باستخدام السلاح الوطني ضد المواطنين. لم يكتف نظام الأسد بذلك، ولكنه دعا المليشيات الطائفية الشيعية لدخول البلاد ومحاربة أبنائه، وسهّل جهود المليشيات السنية الطائفية في دخول المناطق المحرّرة من شمالي العراق. وانتهت الثورة السلمية إلى ثورة مسلحة، لينجح النظام بتحويل الصراع من أجل الحرية إلى حربٍ طائفية أولا، ثم إلى ساحة صراع بين قوى إقليمية ودولية، أخفت بدخانها حقيقة الإرادة السورية الحرية في بناء دولة القانون والحرية والمساءلة والتداول السلمي للسلطة. وبدلا من إضعاف الثورة، أدّى خلط الأوراق السياسية والقومية والطائفية إلى إضعاف النظام الذي انهار عسكريا لحظة التدخل الروسي الذي باركته دول عربية وإقليمية، بل سعت إلى تحقيقه، ولعبت فيه كل من إسرائيل والإمارات وسيطا بين القيادتين، الروسية والأميركية.

ثانياً: الانقسامات الفئوية داخل المعارضة السياسية نتيجة عدم قدرتها على تشكيل تيار وطني متماسك، يحمل رؤى وأهدافا متقاربة، بل بروز عدد كبير من الكتل والمجموعات السياسية صغيرة الحجم كبيرة الادّعاء. تمحورت الانقسامات حول مصالح سياسية قريبة، وتحالفات مع قوى إقليمية، ما ولّد داخل المؤسسات، وخصوصا الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، استقطاباتٍ صبت في مصالح الصراعات الإقليمية، لا المصلحة الوطنية. وتولد الاستقطاب الأكبر عن تنازع بين أصحاب المال السياسي التابعين لقوى إقليمية متصارعة للتحكّم في المشهد السوري داخل أروقة المعارضة. وكانت لهذه الخلافات نتائج عميقة على مسار الثورة، فالخلاف الذي جرى داخل “الائتلاف” بشأن اختيار رئيس وزراء الحكومة المؤقتة، على سبيل المثال، حال دون تشكيل الحكومة المؤقتة لتنظيم شـؤون المناطق المحرّرة في بداية عام 2013، وأدّى إلى تأخير التصويت حتى النصف الأخير من ذاك العام، بعد أن تمكن تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) بتشجيع من نظام الأسد لدخول الشمال السوري والتحكّم فيه، ما جعل دخول الحكومة المؤقتة غير ممكن.

ثالثاً: ضعف التنظيم والتخطيط، والذي تجلى برفض تطوير خطة استراتيجية للتعامل مع الأزمة السورية، والتعويل الكامل على التحرّكات والقرارات الدولية. وفي غياب الجهود الحقيقية للعمل التنظيمي والإداري، والتواصل مع القوى الشعبية في الداخل السوري، اقتصرت جهود المعارضة السورية على التواصل الإعلامي والدبلوماسي. أضف إلى ذلك عدم تقيد مكاتب مؤسسات المعارضة بقواعد النظام الداخلي ولوائح تنظيم العمل المؤسّسي، وبالتالي العمل على تجاوزها أو ليّها، لتحقيق خيارات القوى المتحكّمة بمراكز القرار داخل المعارضة. وهكذا وقعت المعارضة السورية فيما وقع فيه النظام من إدخال عناصر مؤيدة ضمن “الائتلاف”، لم يكن لها دور سوى ترجيح كفّة طرف ضد طرف آخر. تجلّى الضعف التنظيمي أيضا في جهل قيادات عديدة في المعارضة أن جوهر العمل السياسي هو خدمة المجتمع وبناء المؤسسات الخدمية لصيانة المجتمع في المناطق المحرّرة، وتقوية العلاقة بين القيادة السياسية والمجتمع، وليس الاعتقاد أن السياسة تقتصر على الاهتمام بمسائل السلطة بدلا من قضايا المجتمع. يمكن إيضاح ذلك بحوار جرى بين أحد قادة إحدى مؤسسات المعارضة ومسؤول في دولةٍ كانت داعمة في البدايات للثورة. عندما عرض المسؤول على القيادة تقديم دعم للخدمات الاجتماعية في المناطق المحرّرة، قاطعه المعارض الصنديد قائلا: إننا نريد أن نتحدث في المسائل السياسية. فأجابه ألا ترى أن توفير هذا الدعم للمناطق المحرّرة مسألة سياسية. فأجابه المعارض بعفوية بدت أقرب إلى الوقاحة: لا نريد الحديث في مسائل دعم المشاريع العامة، ولكن في قضايا السياسة.

الأخطاء الثلاثة المذكورة كبيرة وقاتلة في صراع معقّد، وهي تعود، بطبيعة الحال، إلى أسباب ثقافية وبنيوية، تحتاج إلى وقت وجهد كبيرين لتجاوزها، لكن هذا لا يعني أننا غير قادرين اليوم على التخفيف من حدّتها، وتجاوز بعض آثارها السلبية. وثمة خطوات ضرورية ثلاث يمكن اتخاذها اليوم لتحسين العمل السياسي لمواجهة الحالة السورية.

الأولى: تطوير استراتيجية تعيد الصراع في سورية إلى صراع بين السوريين الأحرار الداعين إلى تغيير ديمقراطي من جهة والنظام الاستبدادي الطائفي القابع على صدور السوريين من جهة أخرى، فمع توسعة المشاركين في مؤسسات المعارضة، بحيث دخل فيها عدد كبير ممن هم أقرب، في تفكيرهم السياسي الوصولي، إلى ممثلي النظام، ضاعت الأولويات، وأصبح الهم اقتسام ما يمكن اقتسامه من مناصب سياسية بوجود النظام. وهذا خطأ جسيم، سيكرّس حالة الاستبداد والفساد، ويضرب بعرض الحائط تضحيات السوريين. والسوريون بحاجة اليوم إلى جبهة أو تنظيم يحمل هموم الثورة ومطالبها، ويتميز في خطابه ومطالبه عن المؤسسات المحسوبة على الثورة والقوى المطالبة بالتغيير بعد خروج مؤسسيها ورموز المعارضة السورية.

الثانية: رفع زخم التعاون والتواصل بين الناشطين السياسيين وقادة منظمات المجتمع المدني السوري في داخل البلاد وخارجها، والتركيز على التواصل مع المنظمات الحقوقية الدولية ومنظمات المجتمع المدني في الدول الديمقراطية، لفضح التواطؤ الدولي مع النظام، وإحراج القيادات التي توهم شعوبها بأنها تعمل على وقف مستوى الإجرام في سورية، في حين أنها تعمل مع قادة الثورات المضادّة في العالم العربي لخنق مطالب الشعوب في حياة حرة كريمة ضمن دولة القانون والمشاركة السياسية.

الثالثة: تشكيل جبهة وطنية تمثل قوى التغيير الديمقراطي في سورية من قيادات المعارضة التي لم تمارس المقاولة السياسية، وبقيت صادقةً في التزامها بقيم الحرية والمشاركة السياسية والعملية الانتقالية العادلة، ورفض نظام الاستبداد والإصرار على استبداله. يمكن لجبهة وطنية صغيرة أن تختزل العدد الكبير من المنصّات السياسية التي يمثل كل منها عددا قليلا من الناشطين، وتسعى إلى تمثيل المطالب الرئيسية لقوى التغيير الديمقراطي في سورية، وتحافظ على التماسك الداخلي بين المعارضين السوريين من خلال نظام للتواصل واتخاذ القرار، وتبقى في تواصلٍ مستمرٍّ مع الحراك المدني وقادة الرأي والمجتمع السوري. لا شك في أن الظرف السياسي الحالي غير مناسب لتحركات سياسية واسعة، فالرياح السياسية تسير اليوم عكس حركة التحرّر السوري من الاستبداد. لكننا نعلم جميعا أن الرياح السياسية غير ثابتة، بل متغيرة باستمرار، وعلى السوريين الأحرار أن يكونوا مستعدّين ومتماسكين، عندما تتحوّل رياح السياسة باتجاههم. ويمكنهم خلال الفترة الوسيطة بناء شبكات علاقات مع القوى التي تتحرّك فعلا لدعم الشعب السوري والقضية السورية، واكتساب دعم المنظمات الحقوقية والمدنية العالمية، لتصبح قوة ذات حضور وطني ودولي، وذات جاهزية لتكوين بديل مقنع عن النظام لحظة انهيار دعائمه الخارجية.

العربي الجديد

————————————–

سيناريوهات الحلّ السياسي في سورية

ترجمة علي كمخ

في الوقت الذي يسير فيه العنف في سورية بمسار متقلّب، صعودًا وهبوطًا، يبدو أن فرص الحلول العسكرية للأزمة المستمرة قد تلاشت، وبدأت تدور النقاشات حول سيناريوهات الحلّ السياسي أكثر فأكثر. وبدأت أطراف الأزمة جميعها تعيد النظر في مواقفها مجددًا، من أجل الدخول بشكل أقوى في المفاوضات التي ستنطلق من جديد، وخاصة مع نتائج الانتخابات الأميركية.

غير أن المشكلات القائمة حاليًا، وفي مقدمتها مشكلة اللاجئين والتغير الديموغرافي والفقر والوجود العسكري الأجنبي في سورية، وتصفية الجماعات المسلحة، كانت من العوامل التي جعلت الحل السياسي صعبًا على المستوى المحلي. أما على الصعيد العالمي؛ فإن قضية “أمن إسرائيل”، والتوسّع الروسي، وأطماع إيران الطائفية غير المرضية، وكذلك أطماع الولايات المتحدة الأميركية وبعض الدول الأوروبية وأهدافها الأيديولوجية في السيطرة على موارد الطاقة، هي من الأسباب الرئيسية لفشل العملية السياسية. وعلى الرغم من جمود الاشتباكات في سورية في هذه المرحلة التي تشهد تحوّلات جذرية في العلاقات الدولية، تظهر بعض انعكاسات الأجواء المتوترة القائمة من وقت لآخر. فعلى سبيل المثال، أدى القصف الذي نفذه سلاح الجو الروسي على معسكر تدريب لـ “فيلق الشام” التابع للجيش السوري الحر في تشرين الأول/ أكتوبر، إلى مقتل ما لا يقل عن 80 مقاتلًا من عناصر الجماعة، وجرح أكثر من 90 شخصًا. ومن الواضح أن قوات روسيا والنظام أرادت أن تختبر عزم تركيا وقوتها بهذا الهجوم. من جانب آخر، أخليت بعض نقاط المراقبة التي أقامتها القوات المسلحة التركية في إدلب، إضافة إلى استيلاء النظام وروسيا (وقد أخلّا بالتزامات اتفاقات سوتشي وأستانا) على مناطق شمال شرقي إدلب وحماة، بعد الاشتباكات الأخيرة في إدلب. من المفهوم أن قرار إخلاء نقاط المراقبة التي أنشئت في مورك وحطاط وشير مغار الواقعة داخل الأراضي التي يسيطر عليها النظام، قد اتُّخذ بسبب فقدانها لوظائفها والأخطار التي نشأت حديثًا. وفي غضون ذلك، تدور صراعات في جنوب سورية بين مقاتلين مدعومين من روسيا، والميليشيات المدعومة من إيران. وقد تسببت العمليات الأمنية التي نفذتها الميليشيات الإيرانية ومقاتلو الفرقة الرابعة التابعة للنظام في درعا، في اندلاع اشتباكات بين المقاتلين المدعومين من روسيا وبين هذه الميليشيات.

أما اليوم، فيرزح ما يقرب من 60% من سكان سورية تحت وطأة اللجوء، ولا يزال الناس يعانون مآسي التشرد والحرمان بسبب الجمود السياسي. إضافة إلى أن 35% من أراضي البلاد واقعة تحت سيطرة حزب الاتحاد الديمقراطي/ وحدات حماية الشعب، الذراع السوري لتنظيم حزب العمال الكردستاني الإرهابي الانفصالي. إضافة إلى أن موارد البلاد المائية والزراعية وبخاصة النفطية هي إلى حد بعيد خارج سيطرة السوريين. وتثير مساعي حزب الاتحاد الديمقراطي/ وحدات حماية الشعب، المعروف لدى الرأي العام الدولي باسم “قوات سوريا الديمقراطية”/ (قسد) لتغيير ديموغرافيا المنطقة، ردة فعل السكان المحليين العرب. وأخيرًا، تسبب إطلاق ميليشيا التنظيم النارَ على المحتجين الذين خرجوا تنديدًا بالرسوم المسيئة للرسول محمد (ص) التي نشرت في فرنسا، في مقتل عدد من الأشخاص.

من ناحية أخرى، أدخلت عقوبات قانون قيصر، والعقوبات التي فرضتها وزارة الخزانة الأميركية، في 9 تشرين الثاني/ نوفمبر، على 11 مؤسسة تعمل بشكل رئيسي في قطاع النفط، النظامَ السوري في مأزق اقتصادي كبير. ومن الضروري في هذا السياق التأكيد أن العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة ضد النظام قد ولّدت نتائج لمصلحة حزب الاتحاد الديمقراطي/ وحدات حماية الشعب، الموجود في الشمال السوري. ولعبت دورًا كبيرًا في اكتساب حزب الاتحاد الديمقراطي/ وحدات حماية الشعب قوةً اقتصادية وسياسية في قطاعي الزراعة والطاقة داخل سورية، ويمكننا أن نورد مثالًا في غاية الأهمية بشأن ذلك؛ فالنظام الذي عجز عن تأمين احتياجات الشعب من مادة “القمح”، وهو العنصر الغذائي الأكثر إستراتيجية في البلاد، اضطر إلى شراء القمح من حزب الاتحاد الديمقراطي/ وحدات حماية الشعب، بالعملة الأجنبية. وأوجد هذا الوضع خللًا اقتصاديًا كبيرًا بين المنطقتين، لدرجة أن المرتبات والأجور في مناطق سيطرة الاتحاد الديمقراطي/ وحدات حماية الشعب، تجاوزت مرتبات موظفي النظام نفسه. فحزب الاتحاد الديمقراطي/ وحدات حماية الشعب الذي حظي بتأييد الرأي العام الدولي، بقيادة الولايات المتحدة الأميركية، يجري تدريبات عسكرية مع التحالف الدولي لحماية حقل “العمر” النفطي بريف دير الزور. ويجري العمل على تحويل هذه التدريبات التي تتواصل تحت غطاء القتال ضد تنظيم (داعش) الإرهابي، إلى فرصة لترسيخ هيمنة حزب الاتحاد الديمقراطي/ وحدات حماية الشعب في المنطقة. فهذه التطورات كلّها تُظهر أن الأزمة في سورية لا تزال معلقة، وأنها تنطوي على احتمال نشوب صراع خطير.

من الصراعات العسكرية إلى الحل السياسي

كيف سيتبلور الحل السياسي في الأزمة السورية العالقة، وسط تطورات الداخل السوري والتحولات في السياسة العالمية؟ عند تناول القضية من وجهة نظر واقعية؛ ما الذي سيضمن وحدة التراب السوري، وما هي الوسائل الممكنة لوضع حد للانقسام الفعلي، وكيف ستتحقق عملية الانتقال السياسي التي تكون المعارضة جزءًا منها، وهل ستتمكن سورية من الحفاظ على وحدتها الوطنية وسلامة أراضيها؟ وهل ستُدار البلاد عبر فدرالية، أم عبر منطقتين مستقلتين يتم إنشاؤهما في إدلب وفي شمال سورية، أم ستظهر لوحة سياسية تكون القوة والسلطة فيها للإدارات المحلية؟

في الوقت الذي تلعب فيه مساومات القوى العالمية دورًا رئيسيًا في صياغة مستقبل سورية، تتسارع النقاشات والطروحات بين القوى التي تتهافت خلف مصالحها هنا بشأن الحلّ الأفضل: أهو فصلُ البلاد إلى سورية غربية-شرقية، أم إنشاء هيكل سياسي فدرالي؟ تمامًا كما حدث في الماضي في نماذج ألمانيا الشرقية والغربية، واليمن الشمالي والجنوبي، وكوريا الشمالية والجنوبية.

وُضعت في الآونة الأخيرة العديد من التوقعات والمخططات، بشأن المستقبل السياسي والقانوني لسورية ما بعد الحرب، سواء في المحافل الدولية أو في الساحة السورية، وأعدت السيناريوهات التي ستحدد مصير البلاد. فبينما يجري تركيب هذه السيناريوهات ومزجها على الأغلب في العواصم الغربية، نجد أن الرؤية الواقعية لمراكز الفكر والمحللين والمثقفين السوريين (الذين لا يزالون يحملون أفكارًا رومانسية) حول هذه القضية، لم تتضح بعد. وقد فُهم من خلال اللقاءات التي أجريت مع معارضين سياسيين ومتنورين مختلفين، عدم استعداد هذه الشريحة بعدُ للإجابة على سؤال: كيف ترون مستقبل سورية؟ وافتقارهم إلى مقترحات حل القضية محليًا. وتبين أن آراء المتنورين والمثقفين السوريين في الشتات حول بلدهم لم تتبلور بشكل موضوعي، وأن توقعاتهم المستقبلية اللازمة بشأن إنهاء العنف والحرب في البلاد ما زال يكتنفها الغموض.

ومن المعروف أن بشار الأسد الذي يحكم سورية، وكأن الدولة بما فيها ملكٌ شخصي له ولثلّة من حاشيته الذين حوله، يعتزم- بدعم إيراني- الاستيلاء على إدلب ومحيطها، وهي آخر المعاقل الباقية بيد المعارضة، ويرغب في السيطرة على المنطقة هنا وحكمها، من خلال منح حزب الاتحاد الديمقراطي/ وحدات حماية الشعب استقلالًا جزئيًا؛ فالسياسات الطائفية والتمييزية التي ينتهجها نظام الأسد، ضد الشعب السوري، ألحقت ضررًا كبيرًا بوحدة أراضي سورية، ونزعت الهوية السكانية [إفراغ البلد من سكانه] عن أراضي الدولة التي يُحاول اكتسابَ الشرعية فيها بقوة السلاح. وعلى الرغم من كل الجهود المبذولة، ميدانيًا ودبلوماسيًا، فإن الصورة التي تشكّلت تشير إلى أن هذا النظامَ، الذي لا يؤمن لا بالحريات ولا بالحلول الديمقراطية، لا ينوي التخلّي بسهولة عن العقلية الاستبدادية التي يحملها.

وبسبب عدم امتلاك السوريين القدرة على حل قضاياهم السياسية بأنفسهم، أفسح المجال لبروز سيناريوهات ومخططات القوى العالمية في البلاد إلى المقدمة. فإلى جانب الجارة تركيا، ثمة العديد من الجهات الفاعلة، كإيران وروسيا والولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية ومصر والإمارات العربية المتحدة، المرشحة بقوة للعب دور مؤثر في صياغة ورسم مستقبل سورية. وينبغي في هذا السياق عدم إغفال موقف إسرائيل التي تجنّبت طوال فترة الأزمة أن تكون طرفًا مباشرًا في المسألة السورية، سواء في الميدان أو في السياق الدبلوماسي. على الرغم من أنها كانت فاعلة في سير أحداث وتطورات الأزمة السورية، وراغبة في سورية غير مستقرة.. تصارع مشكلاتها.

إن القوى الفاعلة على الأرض في سورية هي في موقع محدد من مسارات الحلّ السياسي، كـ جنيف وأستانا أيضًا. وإن أعمال اللجنة الدستورية المتواصلة في جنيف سائرة نحو الفشل، بسبب المواقف المتشددة لموسكو ونظام الأسد. ففي الوقت الذي تسعى فيه روسيا والنظام لإفساد المفاوضات الدستورية، بقصد الحفاظ على الوضع السياسي الراهن، تبدي بعض الدول الأوروبية مواقف لضمان تحقيق حلم حزب الاتحاد الديمقراطي/ وحدات حماية الشعب، في إنشاء “الإدارة الذاتية المستقلة”، وليس سرًا أن أنقرة غير متفائلة بهذه المباحثات.

أيّ نوع من سورية!

1 – سيناريو سورية مقسّمة إلى مناطق حكم ذاتي: تُعدّ سورية اليوم مقسّمة فعليًا إلى كيانات ثلاثة؛ فإلى جانب النظام الذي يسيطر على العاصمة دمشق والمدن الرئيسية في البلاد، هناك المناطق الواقعة تحت سيطرة حزب الاتحاد الديمقراطي/ وحدات حماية الشعب في الشمال، إضافة إلى منطقة إدلب المحاذية للحدود التركية، وتسيطر عليها قوات المعارضة. وهذا النموذج هو أكثر النماذج التي يرغب فيها الاتحاد الديمقراطي/ وحدات حماية الشعب، المهيمن على شرق الفرات؛ ذلك بأن التنظيم الذي لا يجد أي صعوبة في التمويل وتجنيد المقاتلين وجلب السلاح والتدريب العسكري، عبر الدعم الذي يتلقاه من روسيا والغرب، يحاول من خلال التأييد السياسي الذي يحظى به لدى الرأي العام الدولي، كسب الشرعية كأحد الفاعلين الرئيسيين على الأرض؛ ويُعدّ التنظيم الذي يمتلك نحو 100.000 مقاتل أكبر تهديد لوحدة الأراضي السورية بعد النظام.

ولدول عربية وازنة، كـ السعودية والإمارات العربية المتحدة ومصر، سيناريوهاتها الخاصة في ما يتعلق بمستقبل سورية أيضًا؛ فهي تسير في خط النظام من حيث عدم ممانعتها لوجود قوي لحزب الاتحاد الديمقراطي/ وحدات حماية الشعب في شمال سورية. وإن هدف تلك الدول العربية، من دعم وجود حزب الاتحاد الديمقراطي/ وحدات حماية الشعب وإنشاء كيان منفصل في الشمال السوري، هو قطع ارتباط إيران البري بين طهران-بيروت، وموازنة إيران في سورية، والحيلولة دون اكتساب تركيا لمزيد من الأراضي في الجنوب، ومنعها من الاقتراب من الحدود السعودية.

السيناريو الأول تؤيده الولايات المتحدة الأميركية وبعض الدول الأوروبية أيضًا؛ حيث تكمن حسابات الطاقة وأسباب أيديولوجية في أساس دعمهم لهذا السيناريو. وقد أكد الرأي العام الأوروبي باستمرار دعمه الإدارة الذاتية في شرق الفرات، في أثناء مفاوضات جنيف. وينظر الأوروبيون إلى نموذج حزب العمال الكردستاني/ حزب الاتحاد الديمقراطي الذي يصفونه بـ “الحكم الذاتي”، على أنه نموذج ناجح وقابل للتطبيق في كل مناطق سورية. وبالنظر إلى الديناميات الحالية، يبدو أن عملية تقسيم سورية إلى ثلاث دول منفصلة أمرٌ غير وارد، ولكن من المحتمل جدًا أن يجري تقسيمها إلى مناطق إدارات ذاتية فعلية، على غرار ما حدث في شمال العراق.

2 – سيناريو سورية فدرالية: النقاش الثاني حول المستقبل السياسي لسورية يدور حول فكرة بناء سورية فدرالية. وبحسب هذا السيناريو، يُقوّم الوضع على تشكيل كيان سياسي مشترك يتألف من ثلاث إدارات محلية مختلفة، في منطقة إدلب، ومنطقة شرق الفرات، ومناطق النظام في دمشق، بالشكل الذي تحتفظ كل منها بصلاحيات واسعة في شؤونها الداخلية. وأكثر من أيّد فكرة هذا السيناريو هو روسيا. وبموجب هذا السيناريو الذي استند أيضًا إلى التجربة السياسية الداخلية لروسيا، سيتم دمج عناصر حزب الاتحاد الديمقراطي/ وحدات حماية الشعب، بجيش النظام، ليؤمن النظام السيطرة على جميع الأراضي السورية مجددًا. وكانت وحدات حماية الشعب الإرهابية التي أوردت في محادثات جرت عام 2017 بينها وبين النظام، مطالبات بـ “منطقة فدرالية بموجب ضمانات دستورية”، قد طالبت أيضًا بإدارة ذاتية، مقابل انسحابها من المناطق ذات الأغلبية العربية في شمال البلاد. ومن المعلوم أن كلًا من روسيا والنظام وصفا هذه المحادثات بالإيجابية في ذلك الحين.

فروسيا التي تؤيد النظام تأييدًا مطلقًا، وتهدف إلى توطيد سلطته، تسعى للوصول إلى حل سياسي يضمن بقاء الأسد، من خلال إضعاف معارضيه، وترغب في أن يكون لها كلمة في مستقبل البلاد، في مرحلة ما بعد الحرب، لكي تحظى بحصة الأسد من الامتيازات الاقتصادية في سورية. ولذلك فهي لن تبدي امتعاضًا من وجود حزب العمال الكردستاني/ وحدات حماية الشعب في المنطقة، بل إنها قد تتبنى هذا الوضع، مقابل الحصول على حصتها من النظام في مجالات الطاقة والزراعة والمياه. وبذلك تكون روسيا قد حازت (وفق هذا السيناريو) علاوة على كل المكتسبات التي حققتها، ورقةً قويةً ضد تركيا خصمها التاريخي في المنطقة. فأهمّ أهداف موسكو تتجسد في تقريب النظام من حزب الاتحاد الديمقراطي/ وحدات حماية الشعب، لكسر النفوذ الأميركي في المنطقة، ولتكون صاحبة الكلمة العليا في مسألة حقول نفط شرق الفرات. ولهذا السبب هي تسعى لإنشاء قواعد روسية جديدة في منطقة شرق الفرات.

غير أن روسيا ونظام الأسد اللذين رحّبا بمطلب حزب الاتحاد الديمقراطي/ وحدات حماية الشعب بالحكم الذاتي، يعاملان الإدارة المدنية في إدلب، معاملة الإرهابيين. فقد قامت روسيا بمصالحة بعض الفصائل التي قاتلت سابقًا في صفوف الجيش السوري الحرّ في الجنوب مع النظام، لكن النفوذ السياسي والعسكري لهذه الفصائل تآكل تمامًا بمرور الوقت. تدرك روسيا تمامًا أن المعارضة لن تخضع للأسد، وأنها سترفض قبول أي تشكيل سياسي مشترك مع النظام، ولذلك فإن غاية روسيا الرئيسية في إدلب هي ضمان أمن المناطق القريبة من منشآتها العسكرية الإستراتيجية. ومهما حاولت روسيا أن تظهر بمظهر الوسيط بين النظام وبين بعض جماعات المعارضة، فلا يخفى أنها أسهمت كثيرًا في تسهيل عمل النظام، عبر الضربات الجوية التي نفذتها ضد المعارضين. وأخيرًا، من المفيد القول هنا إن إيران قد تنظر بإيجابية إلى هذا السيناريو، شريطة ألا يتعارض ذلك مع مصالحها الإقليمية.

3 – سيناريو سورية متحدة مع ضمان وحدة أراضيها: هذا السيناريو هو أقرب إلى توجهات الجيش السوري الحر، والمعارضين والمتنورين المعتدلين. وقد أطلقت تركيا عمليات عسكرية عدة، ضد (داعش) وضد حزب الاتحاد الديمقراطي/ وحدات حماية الشعب، في سبيل إحياء/ إبقاء هذا السيناريو. وليس من المبالغة أن نقول: إن عملية استعادة وحدة أراضي سورية واسترجاع وحدتها الوطنية، باتت أقرب إلى المستحيل. ذلك بأن الوجود العسكري الأجنبي في البلاد من جهة، ومخططات القوى العالمية لرسم خريطة المنطقة من جهة ثانية، يجعلان المستقبلَ السوري ضبابيًا وغيرَ واضح المعالم. وعلاوة على ذلك، إن فوز المرشح الديمقراطي جو بايدن في الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة، سيكون له عميق الأثر على السيناريوهات الأميركية الخاصة بسورية. غير أن سياسات بايدن، الذي شغل منصب نائب الرئيس في عهد باراك أوباما، وكان جزءًا من الفوضى السياسية والعسكرية التي خلّفها أوباما في سورية، ومن سياسة الولايات المتحدة الخارجية ونهجها تجاه سورية لأربع سنوات تالية، هي بمنزلة لغز كبير في الوقت الحالي.

لا شك في أن هناك نقاشات وسيناريوهات أخرى تدور في محافل ومنصّات مختلفة، غير تلك التي عرضناها هنا. لكن الملف السوري سيكتسب -بالتأكيد- زخمًا جديدًا، في هذه المرحلة التي يُعاد فيها تشكيل التوازنات العالمية والإقليمية مجددًا. ومن المحتمل أن تتكاثف المؤتمرات والاجتماعات الدولية التي ستعمل على إنهاء الأزمة السورية في الفترات المقبلة. ولهذا؛ فإن من المهمّ أن تضع جماعات المعارضة، وبخاصة الممثلين السياسيين والمثقفين السوريين، إطار عمل من أجل تناول خيارات الحلّ السياسي لمستقبل سورية بطريقة واقعية وموضوعية؛ حيث إنّ الوضع الراهن يوحي بأنّ الحل السوري ليس في متناول السوريين، وأن المفاوضات التي ستُنجز في العواصم الأجنبية ستكون أكثر حسمًا وتأثيرًا في الساحة السورية.

اسم المادة الأصلي          SURİYE’DE SİYASİ ÇÖZÜM SENARYOLARI

الكاتب   رياد دومازتي – Riad Domazeti

المصدر وتاريخ النشر         مركز البحوث الإنسانية والاجتماعية (insamer) 20.11.2020

المترجم قسم الترجمة- علي كمخ

مركز حرمون

——————

=========================

تحديث 09 كانون الأول 2020

———————————

القضية السورية وتحطيم المثال الديمقراطي/ ماهر مسعود

بعيدًا عن الكلام المعسول الذي يجب علينا رفضه، لا يبدو الحل الديمقراطي لأزمة الوطنية السورية، إلا كوعدٍ للمغدورين بجنّة غير موجودة، كي يرضوا بجهنم التي يعيشون فيها فوق كل بقعة أرض، وعلى كل ذرة تراب، في سورية.

لكن قبل الحديث عن الحال السورية والحل الديمقراطي، لا بد من توضيح مسائل متعلقة بالديمقراطية يفترض أنها أولية، إن لم تكن بديهية:

أولًا، ليست الديمقراطية هي حكم الشعب لنفسه بنفسه، كما جرت عادة تغليفها بتعريفها، فالشعب لا يحكم. إنما يختار حكّامه من النخبة التي ستحكمه في أحسن الأحوال، وحتى عندما يختار حكّامه، فإن نصف الشعب على الأقلّ سيبقى محكومًا، بأجندة النخبة التي اختارها النصف الآخر. لكن النظام الديمقراطي الذي هو حكم العديد (وليس الأكثرية بالمعنى السائد) يبقى يتميز، بالقياس إلى الحكم الموناركي (حكم الواحد) والأوليغاركي (حكم القلّة)، بأنه يسمح بمسألتين: تحديد الفترة الزمنية للحكم، وتوزيع السلطة على العديد من مراكز القوى، واستقلالها عن بعضها وعن يد الواحد أو القلّة.

ثانيًا، كل كلام عن تحقيق الديمقراطية في زمن الحرب هو كلام فارغ من المعنى، فالديمقراطية تحتاج إلى سلام واستقرار وسيادة، وأي خلل بتلك الشروط يقوّض الديمقراطية، مع أن تلك الشروط ذاتها لا تنتج ديمقراطية بالضرورة، فقد يكون السلام سلامَ العبيد، والاستقرار استقرارَ الدكتاتور في الحكم، والسيادة سيادةَ السلطة المطلقة على الشعب.

ثالثًا، الديمقراطية -جوهريًا- هي حالة صراع دائم بين الأفراد والجماعات والأحزاب والحركات، ضمن الكيان المسمّى دولة، وليس إلغاء الصراع سوى دكتاتورية عفنة، سواء كان الساعي لإلغاء الصراع ذا لحية ماركسية أو لحية جهادية أم علمانيًّا أجرد. ولكن فضيلة الصراع الديمقراطي تكمن في أنه صراع يقوم أولًا على الاعتراف بالمُنافس وبالمنافسة ذاتها، وثانيًا أنه صراع سلمي غير مسلح، وأي خلل بتلك اللعبة يحوّلها إلى لعبة دموية.

الآن نعود للحديث عن الحال السورية.

إن الغائب الأبرز سياسيًا في سورية هو الاعتراف، ليس الاعتراف بالتنافس والصراع والتعدد والاختلاف فحسب، بل الاعتراف أولًا بتحطّم الكيان السوري الجامع، وتخلّع الهيكل المسمى دولة، إن كان بالاحتلالات من الخارج أو بالانقسامات من الداخل. والاعتراف ثانيًا بأن صراعنا ذاته بات صراع المهزومين، والقوة الوحيدة التي يمتلكها مهزوم هي قوة الاعتراف بالهزيمة، فمشروع النظام الأبدي هُزم، والثورة الديمقراطية هُزمت، ومشروع الحكم الإسلامي، ثم الخلافة الإسلامية، الانفصال الكردي، تحالف الأقليات، الدولة العلوية، المشروع الشيعي.. كلّها هُزمت، أو هي في طريقها إلى الهزيمة، وإصرار أي من أصحاب تلك المشاريع على مشروعه، بدعم القوى الحامية، ليس سوى إيغال في الهزيمة، له وللآخرين وللشعب وللكيان السوري المطلوب بناؤه من جديد.

ثالثًا، الاعتراف بأن ما يجمع الشعب السوري، تحت سقف كيان اسمه سورية، ليس الأخوّة ولا المحبة ولا التعاضد والبنيان المرصوص ولا الأصل والعمق التاريخي والأصالة، ولا أي من تلك الفضائل الأخلاقية التي لم تنجب سوى القتل والشيطنة والتسلّط. بل إن ما يجمع السوريين هو المصلحة، مصلحتنا بالعيش المشترك والاعتراف المتبادل وتقاسم السلطة والثروة والنفوذ، وذلك حفاظًا على دمائنا ومستقبل أطفالنا، فليس للعلوي مثل حظ السُّنييّن، ولا للسنّيّ مثل حظ الكرديَّين ولا لغيرهم.. هذا من جهة، ومن جهة ثانية مصلحة النظام الدولي الذي لا غنى لنا عنه، والذي رسم حدودنا مع سايكس بيكو قبل مئة عام، فتلك الحدود باتت حدود كياننا السياسي الذي ليس لنا سوى البناء عليه والعيش تحت سقفه، فلا يمكن توسيعه، كما رغب الحالمون بالقومية والإسلامية والماركسية، ولا تضييقه كما يرغب الحالمون بالتقسيم أو الانفصال اليوم، فالشعب الذي دفع ثمن الأحلام القومية الأكبر من الكيان السوري سابقًا، ليس عليه أن يدفع ثمن الأحلام الطائفية والقومية الأصغر من ذلك الكيان اليوم، لنلتزم بحدودنا السياسية إذًا، ونصنع حياة مشتركة داخلها بناءً على الفائدة والمصلحة معًا، وإن كان الكلام السابق يخصّ الجميع، طبعًا، فإنه يخص الائتلاف التابع لتركيا من جهة، والقيادات الكردية الحالمة بقومية كردية عابرة للدول من جهة أخرى، تلك الثنائية التي لن تنجب سوى “غزة” في سورية، من جهة الائتلاف، ودكتاتورية قومية من جهة الأكراد، هي أشبه بنظيرتها القومية العربية، أو دولة علمانية عنصرية في أحسن الأحوال، مثل “إسرائيل”.

رابعًا، الاعتراف بأن المظلوميات هي العنصر الأساس لبناء الدكتاتوريات ورعاية المذابح، والتوافق على منع تحويل الظلم إلى مظلومية، وهذه مسألة في غاية الحساسية والدقة، فالأكراد ظُلموا كثيرًا قبل الثورة، والسنّة ظلموا كثيرًا بعد الثورة، وللعلويين قصصهم مع الظلم، ولكل طائفة وإثنية وفئة تاريخُها وقصّتها حول الظلم الذي تعرضت له، لكن الاعتراف بالظلم لا يجدر به التحول إلى مظلومية، فالمظلومية هي تسييس الظلم لتحصيل الامتيازات، تحويل الظلم إلى سياسة المظلومين وابتزاز الآخرين بها (إسرائيل هي المثال الأسطع في العالم المعاصر على استغلال الظلم الذي تعرض له اليهود وانتهى بالهولوكوست، لتحويله إلى سياسة دولة عنصرية، مقدسة، ضد الفلسطينيين)، وبينما يفتح الاعتراف بالظلم بابًا متواضعًا أمام العدالة، فإن المظلومية تعتاش على انعدام العدالة، تأجيلها إلى الأبد، جلد الآخرين بغيابها، استخدام ظلم الماضي لتبجيل الذات وبناء تسلطها على الآخرين في الحاضر والمستقبل، أسطرة التضحيات، ليس من أجل الضحايا، بل لبناء أوضاع امتيازية باسمهم وتحويل المضطَهدين القدامى إلى مُضطهِدين جدد. هذا انتقام لا يحول ولا يزول، وليس عدالة.

إن المثال الديمقراطي القائم على مجتمع مدني قوي ومتماسك ومفارق للعصبيات، وانتخابات فردية خالصة من الجماعات الأولية، وتوفير الاستقرار والسلام والأمن والسيادة، واستقلال المؤسسات والسلطات السيادية والسياسية.. ليس ممكنًا في الحال السورية بأي حال، ولذلك علينا صياغة نموذج ديمقراطي “على قدّنا”، يقوم على الاعتراف والتوازن، الاعتراف بالواقع كأرض للانطلاق لا محطة للوصول. الاعتراف بالطوائف والاثنيات والقبائل والجماعات والمناطق والجهات والإدارات، والتوقف عن أَمَثَلَة الوطنية السورية، بجعلها مثل امتحان “التوفل” للجامعات الغربية، لا ينجح فيه إلا كلّ طويل عمر. وصناعة وطنية سورية من أرضية المركب الاجتماعي والسياسي السوري، دون صياغة نظام سياسي طائفي يقوم على التمييز في المواطنة العامة والحقوق الفردية. ولأن تلك النقطة من أكثر النقاط حساسية وخلافية في السياسة السورية، سأشرح المقصود منها:

لا توجد قوة دولية صغيرة أو كبيرة، صديقة أو عدوة، إلا وهي تتعامل معنا، كطوائف وقبائل واثنيات وخلافه، ولا توجد قوة سياسية أو عسكرية فاعلة في الداخل، من النظام إلى الائتلاف إلى (قسد) والفصائل والميليشيات والزعماء والقادة والأمراء والمشايخ والأئمة.. إلى كلّ ما يُسمى قوى الأمر الواقع والمؤثرين بالواقع، إلا وهي ترى بالعين ذاتها التلاقي مع القوى الدولية، ثم تأتي “المعارضة الوطنية الديمقراطية”، لتكون كل شيء باستثناء جميع من سبق ذكرهم، فتكون بالمحصّلة “لا شيء”، ولذلك فإن الاعتراف المتوازن يقطع الطريق على كلا الحديّن المتطرفين (حد القوى الدولية والميليشيات المحلية، وحد التصوّر المثالي للديمقراطية الذي تطرحه النخبة العاجيّة)، لأنه يعترف بالواقع الطائفي المناطقي الاثني والقبائلي السوري، دون أن يحوله إلى تحاصص طائفي سياسي على المستوى الدستوري، وبالنتيجة لا مخرج من الطائفية إلا من قلب الطوائف، ولا من القبلية إلا من قلب القبائل.. ولكن للخروج من التمثيل الإجباري لبشار والجولاني ومشايخ العقل وPYD ونصر الحريري وغيرهم، لا بد من فسح المجال للمجتمع الأهلي والمدني، ليفرز ممثليه اختياريًا ويطوّر تمثيلاته وطنيًا، ولا بدّ من التوقف عن التعالي الزائف الموروث عن سياسة “الأب القائد”، في رفض الطائفية والمناطقية والاثنية في العلن، وتنفيذها كاملة تحت الطاولة، والتوقف عن إعطاء علامات الوطنية من نخبة لم تمارس السياسة يومًا إلا كثقافة.. ثقافة وأخلاق “الما يجب” بدلًا من سياسة “الما يكون”.

ليس تحطيمُ المثال الديمقراطي فتحًا لباب الشعبوية، على أي حال، فما يُنتج الشعبوية ليس تمثيل الناس بل تجاهلهم ثم “الطبطبة” على أوجاعهم، ولا تكريسًا للدكتاتورية بأي شكل؛ فالبديل الديمقراطي يُصنع صناعة ولا ينزل “بكيسه” جاهزًا من السماء، بل هو تحرير للخجولين بذواتهم، والخائفين من آبائهم خوفًا يمنعهم من العمل، تحريرهم من عقدة المتعالي وفكرة المثالي والـ perfectionism التي تحكم سلوكهم السياسي، وتطوّر نفورهم المتبادل من بعضهم الذي يغذّي استحالة العمل المشترك، ونفور المجتمع الدولي منهم الذي يغذّي استحالة بناء البديل السياسي، وهو ما يقودنا في المحصلة، ويعود بنا إلى تلك الدائرة الجهنمية التي تبدأ بغياب الحلّ الديمقراطي والبديل السياسي، وتنتهي ببقاء الدكتاتور.

مركز حرمون

———————————–

هل من بديل للائتلاف السوري المعارض؟/ عمر كوش

أثار قرار الائتلاف السوري المعارض تشكيل “مفوضية وطنية للانتخابات” موجة غضب واسعة لدى قطاعات واسعة من الناشطين والمعارضين السوريين، نددت بالقرار وبالائتلاف ونهجه وبكل ما قام به منذ تشكيله في نهاية عام 2012. وبالرغم من تراجع الائتلاف عن القرار فإن الموجة الغاضبة والمنددة لم تتوقف، بل ترافقت مع دعوات إلى حله وإيجاد بديل عنه. إضافة إلى تنظيم مظاهرات ووقفات احتجاجية في بعض مناطق شمالي سوريا، تنادي بسحب شرعية تمثيل الائتلاف لقوى الثورة.

وعُقدت لقاءات عن بعد بين سياسيين وناشطين وممثلين عن كيانات سياسية ومدنية من أجل التنديد بما قام به الائتلاف والبحث عن ممكنات تشكيل بديل عنه، وصدرت بيانات غاضبة ومنددة، وتطالب بالتحضير لمؤتمر وطني عام من أجل إسقاط الائتلاف بشكل كامل وإنتاج جسم سياسي جديد، وبسحب ما كان يدّعيه من تمثيل للشعب السوري، بعدما فرّطت سياساته ومواقفه بما كان يحظى به من اعتراف دولي، وذلك بسبب عجزه عن تمثيل الثورة على المستوى الدولي، وعجزه عن إنتاج عمل ثوري على المستوى الوطني، فضلاً عن أن جلّ اهتمامه كان منصباً على منع تشكيل أي بديل سياسي عنه.

غير أن أسئلة كثيرة تطرح في هذا السياق، تطاول ممكنات عقد مؤتمر وطني، وكيفيات وسبل تشكيل جسم سياسي جديد، يفترق عن الائتلاف من حيث التمثيل والمسار والقرار المستقل، ويمكنه أن يشكل مظلة سياسية للسوريين، والإسهام في خلاصهم من استبداد نظام الأسد، ومن الوضع الكارثي الذي أصاب سوريا وغالبية السوريين، والتشظي الذي اعترى الهوية السورية، والانقسامات التي ضربت المجتمع السوري خلال السنوات الماضية، وأفضت إلى تشكل كيانات سياسية على أسس قومية ومناطقية ودينية ومذهبية.

ولعل المفارق في الأمر هو أن دولاً عربية، ممثلة بالسعودية والإمارات ومصر، بدأت تسعى أيضاً إلى تشكيل جسم سياسي جديد للمعارضة السورية يقطع مع الائتلاف وتوجهاته، وذلك في إطار سعيها إلى إعادة هيكلة تشكيلات المعارضة السورية بما يتوافق مع مصالحها وتوجهاتها، ومن أجل توظيفها في صراعها الإقليمي مع تركيا وقطر، أي أنها تريد نقل تبعية ورعاية المعارضة السورية، من خلال الجسم السياسي الجديد، إليها وبعيداً عن التأثير التركي. إضافة إلى أنها تريد ضمان دخول المعارضة السورية في تسوية تعيد تأهيل نظام الأسد تحت يافطة “وحدة سوريا وسلامة أراضيها”، و”صون عروبة سوريا ومقدرات الشعب السوري الشقيق”، وإعادته إلى الحضن العربي.

غير أن مسعى بعض الدول العربية يفترق تماماً عن مسعى سوريين من أجل تشكيل جسم سياسي جديد، يكون صاحب قراره الوطني المستقل قبل كل شيء، وليس تابعاً لأي دولة عربية أو أجنبية، ولا يوظف في اصطفافات وصراعات وأجندات الآخرين. ولا شك في أن كلاً من الرياض وأبو ظبي والقاهرة تعوّل على شخصيات منصتي موسكو والقاهرة مستعدة للانخراط في توجهاتها وأجنداتها، لكن أي جسم سياسي ينبثق برعايتها لن يلقى أي دعم من المعارضين السوريين ومن الحاضنة الاجتماعية للثورة السورية، وقد سبق لها أن تدخلت في تشكيل الائتلاف السوري المعارض وفي تشكيل الهيئة العليا للتفاوض وسواهما، ولم ينتج عن ذلك سوى مزيد من تدهور القضية السورية وتشظّيها.

وأظهرت تجارب كيانات المعارضة السورية، أن المشكلة الأساس هي في التعويل على  قوى الخارج، وليس على الداخل، لأن ذلك استتبع ارتهانات وتدخلات في شؤون كياناتها السياسية والعسكرية، وفرض إملاءات على مواقفها وتوجهاتها، مما أفقدها قرارها السوري المستقل، وبالتالي، فإنه إذا كان للقوى الخارجية المتدخلة في الشأن السوري دور في إطالة أمد القضية السورية وتفاقم الكارثة التي ألمّت بهم بسبب حرب النظام الأسدي، فإن المسؤولية الأكبر تقع على قيادات المعارضة السورية، التي لم تستثمر الفرص التي أتيحت أمامها للعمل على تحقيق مطامح السوريين، ولم تعمل على تجيير علاقاتها الإقليمية والدولية لصالح القضية السورية، وليس لصالح استثماراتها الشخصية والحزبية، لذلك لم تتمكن من بناء مؤسسة قوية تشكل مظلة للسوريين الطامحين إلى الحرية والخلاص من نظام الاستبداد الأسدي.

ومن الطبيعي أن يطرح سوريون كثر، في أيامنا هذه، سؤالاً طرحه آخرون كثر من قبلهم، حين تلمّ بهم كارثة وطنية كبرى، ويتجسد في سؤال: ما العمل؟ ومن أجل البحث عن إجابة له راحوا يعقدون جلسات ونقاشات للبحث في كيفية تشكيل بنية سياسية مؤسسية، جديدة وقوية، تضع رؤية مشتركة، من أجل اتخاذ موقف راسخ ووازن في معادلة الصراع على سوريا وفيها، وعلى مسارات التفاوض بشأن مستقبلها، وتعمل على توحيد جهود السوريين في الداخل وفي بلدان الشتات، بغية تحقيق أهداف وطموحات الثورة السورية عبر إقامة دولة ديمقراطية، متعددة القوميات والأعراق والأديان والمذاهب، تنهض على مبادئ المواطنة والتعددية والعدالة.

واللافت هو أن بين من انضم إلى الموجة الغاضبة ضد الائتلاف، وحاول تصدرها، هم شخصيات كانت في الائتلاف سابقاً، وأمضت سنوات عديدة فيه دون أن تفعل شيئاً مغايراً لخط الائتلاف ونهجه، وبالتالي هل هي قادرة، بالفعل، على الإسهام في تشكيل جسم سياسي جديد ذي بنية مؤسسية جديدة وفاعلة، ويمتلك رؤية استراتيجية مشتركة لجميع القوى الطامحة للتغيير في سوريا، ويمكنه ترتيب العلاقات مع القوى العربية والدولية من دون الخضوع للإملاءات الإقليمية والدولية؟

وتقتضي ضرورة التأسيس اتخاذ منهج عقلاني لها، بما يعني توفر فرص النجاح وفق الشروط الذاتية والموضوعية للواقع السوري، التي تفترض الابتعاد عن الكيانات السياسية الواهية والشخصيات المتقادمة التي تحاول تبرئة الذات وإلقاء اللوم على الآخرين، وترفض الإقرار بتقادم وعجز بنيتها الفكرية والسياسية والتنظيمية، فضلاً عن ممارستها العملية المعيقة للعمل المؤسساتي، لذلك فإن البحث عن مخرج سوري هو برسم قوى السوريين الحيّة، وخاصة الشباب السوري، الذي ثار على أعتى نظام ديكتاتوري في الشرق الأوسط في العصر الحديث، والتعويل عليه في إيجاد البديل المناسب لفعله السياسي، بوصفه السبيل الأنجع لوقف التدهور والانكسارات، ولخلاص السوريين من محنتهم الكارثية، وخلق توافقات وطنية حول القضايا الأساسية المطروحة عليهم راهناً ومستقبلاً، التي تمس وطننا السوري وناسه، والعمل على تشكيل رأي عام حولها، بما يُمكّن من التأثير في الأحداث التي تعصف بسوريا والقضية السورية.

تلفزيون سوريا

——————————-

المعارضات السورية .. من أجل كسر الجمود وتجسير الهوّة/ علي العبدالله

شهدت ساحات المعارضات السورية، الفكرية والسياسية، كثافة في طرح الأفكار والتصورات والدعوات إلى التحرّك لإقامة أجسام سياسية تعيد لثورة الحرية والكرامة فعلها وألقها، والعمل على تحقيق أهدافها النبيلة: إخراج سورية من نظام الاستبداد والفساد إلى نظام الديمقراطية والعدالة الاجتماعية. غير أن معظم هذه الأفكار والتصورات قد خلت من آلية عمل مرشدة، تمنح جمهور الثورة علاماتٍ على بداية الطريق؛ تضيء له النفق المظلم الذي دُفعت إليه الثورة المجيدة، فمعظم ما قيل مكرّر ونمطي، أساسه ثنائية التشهير والندب، التشهير بالنظام وحلفائه والندب على ما آلت إليه الثورة المغدورة التي ضيّعها النظام الدولي والمعارضة الرسمية، وينتهي بدعواتٍ ونصائح عامة، لا تسمن ولا تغني من جوع، كما يقول المثل الشعبي، ما يجعلها وصفةً لمزيد من اليأس والقنوط.

لا يشكل الاكتفاء بالتشهير والندب والدعوة العامة خياراً منطقياً وعملياً، وهو، الخيار المنطقي والعملي، ما تحتاج الثورة إليه لاستعادة توازنها ودورها، بل هو تعبير عن حالة عجزٍ ترتبت على أنماط تفكير نمطية وخلفيات عقائدية جامدة وممارسات بدلالة توجيهات وحسابات راعٍ عربي أو إقليمي أو دولي مع افتقار للحساسية السياسية والحركية، تحت تأثير الرتابة والركود والمراوحة في المكان.

يلمس المراقب والمتابع لأوضاع هذه القوى السياسية والشخصيات الوطنية بين سطور الأفكار والتصورات المطروحة أنماط تفكير وخلفيات سياسية محكومة إما بمنطق عقائدي يرى صاحبه في منطلقاته العقائدية الحقيقة الوحيدة ودفّة الخلاص، مع أنها، في الغالب، لم تدخل تجارب واختبارات عملية تؤكد صحتها وصلاحيتها لمعالجة المشكلات التي واجهت الشعب السوري خلال العقود الماضية؛ من القمع إلى الفساد ونهب المال العام والفقر والجوع والتشرّد إلى المحسوبية والتمييز والتزلف والانتهازية؛ حيث بقيت أفكاراً نظرية ترتكز إلى حجج عقلية تنتظر النزول إلى أرض الواقع، لمعرفة جدواها ومردوديتها العملية، أو بمنطق حزبي يرى صاحبه حزبه وقيادته المنقذ والمخلّص مع الركون إلى التبرير والتلفيق والتعسف، دفاعاً عن قرارات ومواقف حزبية غير مفهومة أو غير مقنعة أو خاطئة، أو بمنطق ذاتي، شخصي، يرى صاحبه ذاته المفكر الوحيد والسياسي اللامع وصاحب التقديرات الدقيقة والصائبة، نرجسية فاقعة تجعله يرى نفسه مركز الكون، وما يطرحه البلسم الشافي وما سواه ترّهات وأضغاث أحلام. أنماط تفكير وخلفيات سياسية تتوجها ممارسات ومواقف أساسها “أنا” أو “الطوفان”.

انعكست هذه الأنماط الفكرية والخلفيات السياسية سلباً على مستوى العلاقات السياسية، وعلى القدرة على العمل الجماعي المنظم، وعلى واقع مؤسسات المعارضة، ليس في بناها فقط، بل وفي واقعها العملي وفعلها اليومي. وهذا، مع ما يضيفه الارتباط والتبعية لدولة عربية أو إقليمية أو دولية على مواقف القوى السياسية والشخصيات الوطنية اليومية والمباشرة من تأثيرات، وما يرتبه من تبعات على المشهد السياسي: صراع حادّ على قاعدة صفرية، نمط العمل السياسي المعارض وقوالبه، وجعله جسداً بلا روح، وعملاً بلا فعالية أو حصاداً حقيقياً، فالمواقف مسبقة، وردود الأفعال جاهزة، والتفاعل منعدم وخارج التداول.

عام 2007، كنا في مكتب الأمانة العامة لإعلان دمشق للتغيير الوطني الديمقراطي. كنت ممثلاً للجان إحياء المجتمع المدني فيه، نعد لعقد المجلس الوطني للإعلان؛ وكان لي شرف كتابة ورقة سياسية؛ ولما أنجزتها وزّعت نسخاً منها على بقية أعضاء مكتب الأمانة لقراءتها، استعداداً لمناقشتها في الاجتماع التالي؛ وقد حرصت على معرفة آراء الأعضاء بما كتبت قبل الاجتماع، فمرّرت على بعضهم قبل الاجتماع العتيد؛ وكانت دهشتي عندما سمعت تعليق ممثل حزب الاتحاد الاشتراكي العربي الديمقراطي، حسن عبد العظيم، عليها. لم يعلق على محتواها، وما فيها من تقديرات واستنتاجات وأين أصابت وأين أخطأت، وأين تحتاج إلى تعديل أو إضافة وتطوير، كان تعليقه الوحيد: هل تعاونت أنت وحزب الشعب الديمقراطي، حزب غريمه رياض الترك، في كتابتها. كانت المعركة حاميةً بين الحزبين وقيادتهما على من يُمسك بناصية “إعلان دمشق”، وهو تحت التأسيس والترسيخ، ويوجهه سياسياً وميدانياً نحو أفكاره وبرامجه السياسية والتنظيمية، وكان كل طرفٍ منهما ينظر إلى ما يتم بدلالة هذه المعركة ونتائجها المنتظرة أكثر من النظر إلى جدواه وانعكاسه على نضال المعارضة، وقدرته على تشكيل فارق يجذب قوى المجتمع السوري، ويدفعها إلى الانخراط في المواجهة مع نظام الاستبداد والفساد، تحقيقاً لهدف الإعلان: التغيير الديمقراطي.

هذا المثال حالة معبرة عما يتم الآن في وسط المعارضات السورية والشخصيات الوطنية، ولكن مع فارق فرضته التطورات والظروف، حيث تحوّل الصراع إلى صراع صريح ومعلن ومكشوف وأكثر حدّة ومرارة، فقد أتاح التطور التقني في مجالات النشر والتوزيع عبر الشبكة العنكبوتية، والظهور على شاشات الفضائيات، خصوصاً وأن فضائيات كثيرة تعمل على صبّ الزيت على نار الخلافات والسجالات، وتوظفها لخدمة مواقف دولها في صراعاتها البينية، أتاح فرص الترويج لكل الراغبين، ولكل فكرة مهما كانت طبيعتها ومستواها أو هدفها ووسائلها، فقد منحهم التطور التقني فرص الطرح والدعاية والرد والدفاع من دون حدود، وتتبع سقطات بعضهم بعضاً، وتصيد عثرات وهفوات بعضهم بعضاً وتضخيمها. وفي الوقت نفسه، سلبهم فرص التخفي والتستر والإنكار، حيث وضعهم تحت المجهر، وبات كل ما يفعلونه ويقولونه مرئياً ومسموعاً، يمكن جمعه واستعادته بكبسة زر؛ وجعل نقاط ضعفهم وتقلّب مواقفهم وفجورهم في معاركهم الإعلامية تحت أنظار الرأي العام السوري، المعارض بشكل خاص، حتى بات من الصعوبة بمكان بالنسبة لكثيرين من المعارضين وحواضن الثورة تخيل وجود جدوى أو فائدة ترتجى من قوى سياسية وشخصيات وطنية كثيرة، وأن يروا في متابعة مواقفها وتصوراتها مضيعة للجهد وهدراً للوقت.

ترتبت على المشهد السابق وتركيبة قواه السياسية وممارساته الفعلية تداعيات خطيرة، لعل أولها سيادة حالة انعدام ثقة عميق بين القوى السياسية والشخصيات الوطنية بعضها بعضاً، وبين القوى السياسية والشخصيات الوطنية والناشطين وحواضن الثورة، ما وضع كل الأفكار والتصورات والتقديرات في سلة واحدة، وأضاع فرص الاستفادة منها أو من بعضها، وهي حالةٌ كارثيةٌ بالغة السوء.

فكرة مقترحة

هنا فكرة لكسر الحلقة المفرغة، وتجسير الهوة على أمل كسر الجمود المخيّم بفتح كوّة في الانسداد الراهن من خلال محاولة الاستفادة من الأفكار والتصورات والتقديرات الصائبة من المطروح والذي سيطرح لاحقاً والتقدم خطوات على طريق الخروج من عنق الزجاجة.

للفكرة ثلاثة مستويات: مستوى أول قائم على تشكيل لجنة عمل مصغرة لتنظيم وإدارة حوار فكري وسياسي غير مباشر عبر تأسيس موقع إلكتروني أو صفحة خاصة على “فيسبوك”، ودعوة مثقفي المعارضة وسياسييها للكتابة حول عناوين محدّدة ترتبط بتحديد مفاهيم سياسية حول البرنامج السياسي والاجتماعي للمعارضة وحول سورية المستقبل، كما يراها أبناؤها، وسبل تحقيق أهداف ثورة الحرية والكرامة، وتوزيع عنوان إلكتروني على القوى السياسية والكتاب والمثقفين ترسل إليه المقالات والتعقيبات، وتحديد معايير للنشر، مثل الجدّية والاتزان والمسؤولية الأخلاقية والوطنية، ونشر المادة المقبولة من دون اسم كاتبها، كي تُستبعد الحمولات الشخصية والخلافات المسبقة عن جو النقاش. المستوى الثاني، تطلب اللجنة من القوى السياسية والمثقفين والناشطين التعقيب عليها، أيضاً وفق معايير الجدّية والاتزان والمسؤولية الأخلاقية والوطنية، ونشر التعقيبات المقبولة من دون أسماء كذلك، لتجنّب ردود وسجالات حزبية وشخصية عقيمة، مع تحديد فترة قبول التعقيبات. المستوى الثالث، تحيل اللجنة النص والتعقيبات على شخصيات مختارة من السياسيين والمثقفين لتحريرها ونشرها، بعد إضافة أسماء الكاتب والمعقبين والمحرّرين، كوثيقة من وثائق المعارضة على الموقع للاطلاع على الصيغة النهائية.

ومع الوقت تكون لدينا نصوص تغطي أغلب المفاهيم السياسية والاجتماعية، مع تقديرات وتصورات لخطط عمل، يمكن جمعها وطبعها مادة فكرية وسياسية تثقيفية تعبر عن مواقف فكرية وسياسية للمعارضة من قضايا بلدها، ونشرها لكي تكون وسيلةً لتعّرف الشعب السوري على المعارضة وأفكارها وبرامجها السياسية وحلولها العملية، وقاعدة للحكم على مواقفها وممارساتها اللاحقة والمحاسبة عليها في ضوئها ووسيلة لتشكيل رأي عام حول أهداف الثورة المجيدة، ولاستقطاب تأييد شعبي والتزام جماهيري بهذه الأفكار والبرامج والخطط، ولكي تكون أرضيةً لعمل سياسي ونضالي مشترك لقوى المعارضة.

يمكن للقوى السياسية والشخصيات الوطنية القيام بجهدٍ موازٍ لعمل لجنة العمل الفكري، أساسه تشكيل لجان خاصة داخل القوى السياسية، وتجمعات صغيرة من الشخصيات الوطنية لدراسة المواضيع المطروحة وإخضاعها لعملية عصف فكري جماعي، وصياغة محصلة النقاشات الداخلية في ورقة، أو في رد على ورقة ما يسمح بتحريك الأوساط الراكدة وتنشيط العقول الساكنة، ورفع المعنويات الهابطة، ونشر الأمل بين حواضن الثورة ومناصريها.

بطبيعة الحال، يمكن لهذه الجهود المنظمة والمشتركة توليد تقاطعاتٍ وتطابقاتٍ فكرية وسياسية، تقود إلى فعاليات عامة موازية، وإقامة تشكيلات تنظيمية وحلقات فكرية تنشّط المعارضة ككل، والقوى السياسية والشخصيات الوطنية كل على حدة، فالانخراط في نقاش فكري عام يستدعي بالضرورة الدراسة؛ والدراسة تستدعي البحث والقراءة؛ والقراءة تستدعي التنظيم والتخطيط؛ والتنظيم والتخطيط يستدعي من القوى السياسية إشراك الكوادر في نشاطاتٍ عامة وخاصة من القراءة والدراسة والبحث، وحضور محاضرات تثقيفية للوصول إلى سويةٍ مقبولةٍ من الخبرات والقدرات، تسمح بالمشاركة في النقاشات الدائرة أو التي ستدور بدفع من لجنة العمل الفكري وموقعها الإلكتروني الاختباري.

في حديث محجوب عمر (رؤوف عبد الملك نظمي) عن تنمية قدرات كوادر الأحزاب والقوى السياسية، حدثني عن تجربتهم في الحزب الشيوعي المصري في خمسينيات القرن الماضي، حيث خضعت قيادة الحزب لدورة تثقيفية شاملة مكونة من محاضرات في السياسة والاقتصاد والإعلام، وعن المجتمع المصري، بنيته الاجتماعية والثقافية والطبقية وقضاياه العامة ومشكلاته الحادّة والضاغطة؛ ركز على عشر محاضرات لفؤاد مرسي في الاقتصاد، قال إنها منحت المشاركين قدرةً على فهم آليات عمل الدورة الاقتصادية، وأثرها على السياسة والمجتمع، خرجت قيادة الحزب من الدورة بنشوة فكرية وروح معنوية عالية واندفاع شديد للعمل. وهذا تم تطبيقه مع المستويات الأدنى فالأدنى، فأحدث نقلة فكرية وسياسية ونضالية.

ليس صعباً على قوى المجتمع السوري بقواه الحية التي أطلقت ثورة الحرية والكرامة تحفيز القوى السياسية والشخصيات الوطنية، بالتشجيع والمشاركة الفعالة بالتعقيبات، على اجتراح حلولٍ لحالة الجمود الراهنة، وملء الفراغ بعمل فكري تأسيسي، لا يصوغ أوراقاً سياسية فقط، بل ويطلق طاقات إبداعية تمهد لعمل سياسي وتنظيمي أكثر انسجاماً ورسوخاً ومردودية، فالتطلع نحو مستقبل أفضل يعني “الانتقال من التأمل إلى العمل”، والعمل بدلالة الإنجاز مصهر لفرز الغثّ من السمين من ما طرح وسيطرح ووضع المعايير والمحدّدات الفكرية والسياسية لانطلاقةٍ جديدةٍ تسمح بوضع القدم على طريق الألف ميل.

أدرك أن الخطة شاقة وطويلة، وظرف السوريين ومعاناتهم مع القتل والتدمير والتعفيش والنزوح واللجوء لا يسمح كثيراً بترف الانتظار، ولكن الحكمة الشعبية تقول “للضرورة أحكام”، فوضع المعارضات يستدعي طريقاً كهذا، وهذا مع تطلعنا أن تكون للفكرة نتائج إيجابية على صعيد التأسيس لانطلاقة سياسية ناضجة، وتخريج كوادر وكفاءاتٍ ستلعب دوراً مؤثراً في سورية الجديدة.

العربي الجديد

————————-

المعارضة السورية في طور الهبوط/ راتب شعبو

من الصعب أن تجد اليوم بين السوريين من يثق بمؤسسات المعارضة التي تكاثرت واستقلت بعضها عن بعض، وباتت هياكل فارغة إلا من سند دولٍ تسندها، ولم يعد أمامها سوى التنازل وراء التنازل. ليس هذا وليد سنواتٍ من فساد مسؤولي هذه المؤسسات واستزلامهم واستئثارهم وتأدلجهم، بل أيضاً وليد شروط خارجة عن إرادتهم. ومشاريع المؤسسات البديلة التي يكثر الكلام عنها اليوم لن تكون أفضل. الفرق أن هذه، إذا تشكلت، ستنشأ على قبول ما يصعب على القديمة قبوله بسبب السقف العالي الذي سبق أن كسبت شعبيةً به، استجابة لنزوع “المزايدة” إرضاء الجمهور. المشهد اليوم هو سباق في التنازل. مشاريع مؤسّسات جديدة ستقوم على أرضٍ منخفضة، ومؤسسات قديمة تسعى إلى الهبوط إلى هذه الأرض المنخفضة. لوضع هذه الحال في شروط أشمل، لا بد من العودة إلى سياق الثورة السورية نفسه.

في غياب مرجعيةٍ تحظى بقدر كافٍ من الإجماع الثوري، ظهر داخل جسد الثورة السورية، منذ وقت مبكر، صراعٌ على حيازتها أو أبوّتها. ومعروفٌ أن هذا النوع من الصراع، أو التنافس الداخلي، يُعلي من منسوب التطرّف والمزايدة في الثورة، بوصفه سبيلاً إلى وضع اليد عليها، بالآلية نفسها التي يستخدمها المتطرّف الإسلامي، وينجح في إظهار أنه أكثر إسلامية من سواه، وفي وضع يده على الإسلام.

أول من “امتلك” الثورة، في الواقع، امتلاكاً معنوياً، الشباب الذين كانوا شعلة الثورة ومحرّكها الأهم، وقد صبغوها، في فترتها الأولى، بألوان أحلامهم كما بألوان دمائهم. حظي الشباب، لمجرّد كونهم كذلك، وحتى لو لم يكونوا من الفاعلين في الثورة، بسلطةٍ في موضوع خطير، كموضوع الثورة والتغيير السياسي في بلدٍ بتعقيد سورية وتراكب مستوياتها. وقد شهدنا نشوء تنظيماتٍ عديدةٍ تحمل اسم الشباب، بغرض الاستثمار في هذا الرأسمال المعنوي، أو نزوعاً إلى الاستغناء عن الكهول (الشباب والكهول بعمومية)، الذين اقتصر دورهم، في الغالب، على الدهشة والمراقبة السعيدة مع بعض القلق من مظاهر خروج الثورة عن “الرسمة” الذهنية لها.

ساهمت نشوة الشباب و”سلطتهم” المعنوية الطارئة، إضافة إلى انبهار الكهول وانكماشهم النفسي أمام إقدام الشباب وبسالتهم، في ترك الثورة تتجه إلى مسار تلقائي، تبيّن لاحقاً إنه مسار منحدر يراكم عناصر تحطّمه. كانت الأطر التنظيمية المنهكة للمعارضة التقليدية أضعف (تقنياً وفكرياً) من أن تحتوي طاقة الثورة التي باتت كجيش عملاق بلا جنرالات ولا هيئة أركان، فقد فاضت في الشوارع والأحياء والقرى، وتعدّدت بؤرها ولم تجد من “يقونن” هذه الطاقة إلى قوة سياسية.

كان الفعل الثوري للشباب يتركّز على “إنتاج” الثورة، أي تنظيم المظاهرات وأشكال الاحتجاج الممكنة، و”توزيعها”، أي إيصال الصوت إلى الخارج عبر وسائل الإعلام والإنترنت، ويتضمن ذلك أيضاً كشف جرائم النظام بحق المحتجين وأوساطهم الاجتماعية. وإذا كان ما ينتجه الشباب السوريون قد وجد “المستهلك” الإعلامي، فإن هذا الإنتاج الثوري افتقد تماماً “المستهلك” السياسي، أي تحويل الطاقة الثورية إلى قوة سياسية تجابه قوة النظام وتخترق تماسكه. غني عن القول إن الجهة التي يمكنها أن تحوّل الطاقة الثورية إلى قوة سياسية يجب أن تحوز درجة معقولة من السيطرة على هذه الطاقة، وهو الأمر الذي غاب بشكل شبه تام عن الثورة السورية طوال تاريخها. لم تستطع هيئة التنسيق الوطني (يونيو/ حزيران 2011)، ولا المجلس الوطني (أكتوبر/ تشرين الأول 2011)، ولا الائتلاف الوطني من بعده (أكتوبر 2012)، أن تكون “مستهلكاً” سياسياً للثورة، ذلك أنها جميعاً لم تكن لها سيطرة على “إنتاج” الثورة.

نرى حدّة هذه المشكلة أكثر، إذا وضعنا في البال الطابع القصووي لمطالب الثورة، أي إسقاط النظام. ومن ذلك أن جمعة “لا للحوار” كانت في 8 يوليو/ تموز 2011، أي قبل نشوء تكوين سياسي يدّعي تمثيل الثورة، ويمكنه الحوار أصلاً. يعكس هذا طفولة سياسية “شبابية” جاراها “الكهول” ولم يستفد منها سوى النظام الذي كان، في حقيقة الأمر وفي عمق المصلحة، الطرف الأكثر رفضاً للحوار، كما تبين لاحقاً. النظام الصلب لا يمتلك القدرة على تقديم تنازل ممكن في الحوار، خشية الانهيار.

على هذه الحال، رأينا أن بين الفعل الثوري على الأرض والهدف الذي يبغيه، كانت توجد توسّطات عدة، لا ينتمي أي منها إلى الثورة. يمكن رسم دائرة الفعل الثوري المفترضة في سورية على الشكل التالي: نشاط ثوري، توزيع إعلامي (الإعلام خارجي وخاضع لاعتبارات غير سورية وغير ثورية)، ضغط دولي (خاضع لحسابات الدول واعتباراتها السياسية غير الثورية)، يفضي إلى سقوط النظام. العنصر السوري الوحيد في هذا المخطط هو “إنتاج” الثورة. هذا قريبٌ من النموذج الذي تحقق في مصر، وأكّدته مذكرات الرئيس الأميركي السابق، أوباما، التي صدرت أخيرا وبينت أن حسني مبارك استقال تحت ضغط أميركي. وكان للسيناريو المصري حضور في ذهن الثائرين السوريين، قبل أن يحل مكانه بالتدريج السيناريو الليبي الذي قاد إلى زيادة الشرخ بين القوى العسكرية على الأرض (باتت الفاعل الأول في التغيير)، والمؤسسة السياسية التي تنطحت للتعبير عن الثورة.

أفضى تفكّك سلسلة الثورة السورية، أو عدم تكاملها، إلى هدر طاقتها، وإلى تسرّب هذه الطاقة إلى طواحين قوى غير سورية. مع الوقت، وضعف المردود السياسي، تحوّل شباب الثورة إلى لاجئين أو عسكريين يخدمون سلطاتٍ لا علاقة لها بالثورة. أي توقف “إنتاج” الثورة، وسيطر الكهول على مؤسسات المعارضة التي تبنّت خطاباً عالياً تحت تأثير الشباب، وباتت سياساتهم اليوم تقوم على معالجة الهوة الفاصلة بين أرض كلامهم وأرض واقعهم، في حركةٍ معاكسةٍ لتصعيد المطالب الشبابية في مطلع الثورة. وقد واجهت مؤسسات المعارضة القديمة غالباً صعوبة في النزول من على غصنها العالي، لأن قيمتها، حين كان لها شيء من القيمة، جاءت أصلاً بسبب هذا العلو. الواقع الذي يعطي اليوم فرصةً لبروز مؤسّسات معارضة جديدة تستمد قيمتها هذه المرّة من “انخفاض” غصنها.

العربي الجديد

——————————

في هجاء المواطنة/ ميشيل كيلو

قُيّض لي، في الأسابيع الأخيرة، أن أحاور مواطنين كردًا، حول نمط الدولة الذي يجب أن يتوافق السوريون عليه، من خلال بيئة تواصلية بينهم تلتزم بتقسيم عمل تكاملي، تضبطه أسس مشتركة يطبّقها كلّ طرف من أطراف العمل الوطني بالقدرات والموارد المتاحة له، على الصعيد الذاتي، وعلى صعيد القطاعات المجتمعية والشعبية الموالية له، وصولًا إلى بلوغ هدف جامع هو نيل الحرية وبناء دولة ديمقراطية، عبر قطع صلاتها مفردة ومجتمعة مع الأسدية، نظامًا ونهجًا، والالتزام بثورة الحرية وإنهاء النظام الإرهابي الممسك بدمشق، وإلا فشلنا، بغير هذه الآلية، في استعادة وطننا كحاضنة لجميع بناتها وأبنائها السوريات والسوريين، ولن نتحرر من دون توحيد أنشطتنا، وتعاوننا على الالتزام ببديل الأمر القائم الحالي، وبالأسس المشتركة والتقديرات المتقاربة أو الموحدة التي سنتوافق عليها، ومن الوطنية أن تكون مفتوحة على آراء جميع المواطنين وما يقدّمونه من اقتراحات، حتى اقتراح الأخذ بنظام فدرالي، ما داموا يرتضون أن يكون اقتراحهم موضوعَ حوار وطني شامل، يشارك فيه الشعب ويحظى بموافقته، وما دامت الفدرالية ليست شأنًا ينفرد بتقريره أحد أطراف العمل الوطني، ويتعلق بمنطقة واحدة من وطننا.

عندما تتحاور جهات المعارضة، فإنها تفعل ذلك في أجواء من التوجّس والشكوك المعنّدة التي لطالما رعاها ونماها تقليدٌ هيمن على حياتها السياسية، وتجسّد في رفض التواصل المنظم والعقلاني بينها، وميل كل طرف منها إلى التمسك بوجهات نظره، باعتبارها كافية وافية، ولا بدّ من أن يلتزم الآخرون بها، دون أي حوار بطبيعة الحال! ولعلنا ما زلنا نتذكر تلك المجموعات الشبابية، التي وضعت “برنامجًا”، وأعلنت أنها لن تحاور من لا يعلن قبوله بصورة مسبقة، ونتذكر في الوقت نفسه ما أثاره إعلانها من استغراب، وأحدثه من أجواء حفلت باتهام من كان يمكن أن يحاورهم من رفاق الطريق المفترضين، بأنواع شتى من الأباطيل التي أخرجتهم إما من عالم السياسة وإما من عالم الثورة، وزجّت بهم في عالم الخيانة، الذي شرعنت به رفض الاستماع إليهم، والانتقال من الحوار الغائب إلى شنّ حروبٍ بلغت أشخاصهم بدرجة أريدَ لها أن تكون مهينة إلى أبعد الحدود، وأن تصبح مادةً يتسّلى بها جمهورٌ أسهمت مخيلته في قسط وافر من الأضاليل التي تكرر ما يشبهها بعد الثورة، وأسهم في تحويل قضايا الشأن العام إلى حقل تخوين تلاشى فيه القليل جدًا الذي بقي منها في “المناطق المحررة” التي يخضع معظمها لجيش الأسد الإلكتروني من جهة، ولأتباعه المنتشرين بكثافة في “جبهة النصرة” وغيرها من “الفصائل المعادية للحرية ووحدة الشعب”، من جهة أخرى.

في أثناء الحوار، ردًا على القول بضرورة أن ينهض النظام البديل على المواطنةِ، كحق للأفراد، وعلى الحقوق الخاصة بالجماعات الوطنية ذات الخصوصية اللغوية والثقافية؛ انتفض أحد المحاورين وكأن عقربًا لدغه، وقال: “تعِدون الآن بالمواطنة، لكنكم ستبادرون إلى إلغائها غدًا بأغلبيتكم العربية في البرلمان.. خيطوا بغير هذه المِسلّة، واعلموا أننا لن ننخدع بوعود خلّبية، بعد أن أقمنا (إدارة ذاتية) ديمقراطية”. تساءل أحد المحاورين عندئذ: “إذا كنا نرفض المواطنة، كحامل هو شرط لازم للديمقراطية، فعلى أي حامل أقمتم الإدارة، وكيف جعلتموها ديمقراطية؟ نوّرنا ولك الأجر والثواب”! وبعد أسبوعين، كتب قائد في المجلس الوطني الكردي، وعضو في الائتلاف، مقالة اعتبرت المواطنة وهمًا، وأشار من طرْفٍ خفي إلى أن الأغبياء وحدَهم ينخدعون به.

عبّر طرح الزميلين عن عمق الهوّة التي تفصل بين من يجب أن يكونوا حلفاء وجسدًا سياسيًا موحدًا في مواجهة الاستبداد، كما عبّر عن تناقض فهمهما لما لا يجوز أن يكون هناك خلافٌ عليه، كارتباط الديمقراطية بالمواطنة، أي بمساواة الذوات الاجتماعية أمام القانون، لتحمل بذرة العدالة والحرية في ذاتها، وينهض عليها مبدأ السيادة الشعبية، وما ينبثق عنه من تمثيل وشرعية تجسمان الإرادة العامة لأفراد/ مواطنين أحرار، تتكون منهم الجماعات السياسية والمدنية المختلفة.

هذا الهجاء للمواطنة كمبدأ، من بعد نصف قرن ونيف من تحويل السوريين جميعهم إلى رعايا بلا حقوق، وبلا وجود عام، هو شهادة تنتقص كثيرًا من أهليتنا، كجهاتٍ تدّعي الانتماء إلى الديمقراطية وفي الوقت نفسه ترفض المواطنة كمبدأ، وإذا التقت عليه الأطراف، أزالت جزءًا مهمًا من خلافاتها حول راهننا القائم وبديله، ونأت عن خيارات تمسّ بوحدة الدولة والمجتمع، كإطار لا غنى عنه لقيام ديمقراطية راسخة الأركان، في المدى المنظور، وما تكفله من مساواة بين السوريين، ومن حقوق خاصة بالجماعات الوطنية.

هناك استعصاءات مأزقية، لا سبيل إلى تجاوزها من دون حوار مفتوح على مواقف أطرافه الحقيقية، ليعرف السوريون ما ينتظرهم، وما يحمله كلُّ طرف من أفكار وخطط (كثيرٌ منها مضمر)، وماذا عليهم فعله للخروج من راهنهم بأعلى قدر من دولتهم ومجتمعهم، بعد أن عانوا طوال الأعوام العشرة الماضية أعظم قدر من القطيعة، وأقلّ قدر من التوافق والوحدة، وتعرضوا، لهذين السببين، لما لا يحقّ لأحد منهم أن يُفاجَأ به من بهادل وخسارات، بعد أن نجح كثيرون منهم في إيهام أنفسهم بأن الحرية بدعةٌ، يُراد بها الالتفاف على الديمقراطية التي ليست من جانبها غير لعبة تستخدم طُعم المواطنة لتصادر بواسطتها حقوق من يرون أنفسهم حالات خاصة، لا تجوز معالجتها في إطار مشتركات لا تتفق مع ما في واقعها من تباينٍ في الهوية والأهداف!

 مركز حرمون

——————————-

هل فعلاً لم يكن السوريون أحراراً؟/ إيلي عبدو

السوريون كانوا أحراراً، ضمن حرية داخلية تتيحها الجماعات بعيداً من الفردية ويكرسها النظام بعيداً من السياسة، ما يفسر جزئياً، فشل الثورة التي زادت اغتراب السياسة عن الحرية.

عبارة “كنا عايشين” التي يستخدمها الموالون عادة، للتدليل على ما حصل عقب الثورة في سوريا من حرب أهلية وتهجير وانهيار اقتصادي، تحيل، إلى فهم خاص للحرية، مفصول عن السياسة ويتعلق بتكوينات المجتمع وهوامش حركته في ظل تفاهمات مع النظام. فالعيش من دون سياسة، لا يعني بالضرورة انتفاء الحرية، بل هو إعادة إنتاج للأخيرة، عبر تجريدها من أي ممارسة تتعلق بالانتخاب والصحافة والنقاش العام، أي كل ما يتعلق ببناء الفرد وتطوير علاقته مع محيطه، تفاعلاً ومشاركة، وربط المفهوم بكل ما هو سابق للحداثة السياسية، بحيث ينتج نقيضه.

عزل الفرد ومحو أي فرصة لانخراطه في نقابة أو حزب أو منظمات مجتمع مدني، حصرا الحرية في تكوينات تقليدية (مثل العشيرة والطائفة والعائلة والدين) امتلكت سلطة معنوية، ورأسمالاً رمزياً، بحيث كانت تتحكم بمصائر الأفراد أو تؤثر فيها، انطلاقاً من تأمينها الحماية لهم. ابن التكوينات هذه كان يشعر بنفسه حراً داخلها، يتعامل بقوانينها ويخضع لشروطها، ولا يجرؤ على الانفصال عنها كي لا يصبح وحيداً في مواجهة النظام. وما ساعد، على تكريس مفهوم داخلي للحرية، ومفصول عن السياسة والفضاء العام، هو تمثيل المفهوم في تفكير عدد كبير من السوريين. فهو مرتبط بوعي أيديولوجي قومي ويساري، ولأن هذا الوعي، لم يمس طبيعة المجتمع إلا في ما ندر، فقد تم استقباله عبر حوامل أهلية وطائفية وعشائرية، لنصبح حيال مزيج يضم أسوأ ما في الأيدولوجيا وأسوأ ما في التكوينات المجتمعية، لبناء تقاطع يفهم الحرية، بمعزل عن شرطها السياسي. اليساري حر قياساً بتمسكه بأفكاره ومحاربته للإمبريالية، والقومي حر قياساً بإيمانه بقوة الأمة المتوهمة ومواجهة الاستعمار. وعليه فإن أحد مداخل السوري، للحرية كانت الإيديولوجية أي المطلق والخلاص، ما جعل المفهوم خارج السياسة وتسبب بربطه بما يتجاوز سوريا. والأرجح أن استعصاء نقل المفهوم من المخيال الأيديولوجي إلى الواقع، لدى الحزبيين، دفعهم إلى ممارسته في مجالاتهم المجتمعية من طوائف وعشائر وأديان. والسياق السوري هذا، متصل أيضاً، بوعي إسلامي يوزع تصوره للحرية، بين ربط البشر بمشيئة إلهية وبين إقناعهم بالتجرد من الماديات وبناء فهم للحرية ينحو إلى ما هو غيبي.

عبارة “كنا عايشين” التي يستخدمها الموالون عادة تحيل إلى فهم خاص للحرية،

مفصول عن السياسة ويتعلق بتكوينات المجتمع وهوامش حركته في ظل تفاهمات مع النظام.

بين نازع عابر للفرد يتمثل بمواجهة الاستعمار ويدافع عن الأمة وحقوقها ويسعى إلى الخلاص الديني، ونازع ما قبل الفرد، يتمثل بالاحتماء بالطائفة والعشيرة والعصبية العائلية، تأرجح فهم الحرية لدى معظم السوريين. أما الفرد السياسي بوصفه رأياً وتصويتاً ومشاركة وتدخلاً، فكان معدوماً تماماً. صحيح أن النظام مسؤول عن تكريس علاقة غير منتجة للسوريين بالحرية، عبر تعطيل السياسة، ورسم تفاهمات مع التكوينات المجتمعية، تضمن حرية داخلية لها مقابل الولاء، لكن الصحيح أيضاً أن ثمة قابلية سورية لتلك العلاقة المتعثرة، يمكن رصدها عبر تتبع الحريات المعزولة التي تمارس داخل القوى الفاعلة في المجتمع، وهي حريات ممتنعة عن السياسة تتمثل بسلطة الطائفة والعشيرة والدين، وتُموضع الفرد بقيمة مرتهنة بحمايته، بحيث تغدو الحماية من تغول النظام، وتأمين حيز عصبي، تمثيلاً للحرية، وإعادة إنتاج لها.

بهذا المعنى، السوريون كانوا أحراراً، ضمن حرية داخلية تتيحها الجماعات بعيداً من الفردية ويكرسها النظام بعيداً من السياسة، ما يفسر جزئياً، فشل الثورة التي زادت اغتراب السياسة عن الحرية، عبر حصر الأخيرة بإسقاط النظام، من دون تقديم مضامين عملية، ما منح شرعية للمؤمنين بمقولة “كنا عايشين”، إذ إن الفشل في إنتاج حيز مشترك أو بناء تصور عن كيف “يمكن أن نعيش”، سيصلب مقولة “كنا عايشين” أكثر، مهما أنتجت من سوء ورداءة، لا سيما أن هذه المقولة تنطوي على مفهوم عصبي – داخلي للحرية، التي تصبح المطالبة بها بوصفها بناء للفرد وديموقراطيةً وحريةَ رأي ومشاركة سياسية، خارج جدول الأولويات. 

درج

———————————–

المجتمع المدني الغائب/ حازم نهار

شُكِّلت مئات، وربما آلاف، المنظمات والجمعيات، بصورة خاصة خارج سورية، خلال العقد الفائت، وكلها تُعلن انتماءها إلى “المجتمع المدني السوري”، لكن هذا الأخير ما زال غائبًا فعليًا عن المشهد، على الرغم من فتح بعض القنوات أو المسارب له من قبل الهيئات والمنظمات الدولية والأممية، بقصد إظهاره أو اللعب باسمه أو تحت لافتته، إن كان من الدول أو المنظمات الأممية أو من بعض السوريين أنفسهم.

إذا أردنا تحديد بعض السمات الجوهرية لمنظمات المجتمع المدني، بصورة عامة، يمكن القول إن سمة المشاركة الاختيارية الحرة هي السمة المركزية؛ فهي تميزها عن التكوينات والروابط الاجتماعية المفروضة أو المتوارثة في المجتمع التقليدي، مثل العشيرة والطائفة، وعن تلك المبنية على التراتبية والطاعة والانضباط الصارم في المجتمع العسكري، لذلك تكون العلاقات في المجتمع المدني أفقية، وليست رأسية أو عمودية مثل العلاقة بين شيخ العشيرة وأتباعه، أو بين الأجير والمؤجر، أو بين الضابط والعسكري، أو بين رجل الدين ومريديه، أو بين رئيس الحرفة والصانع. أما السمة الثانية فهي الاستقلالية النسبية عن الحكومة/الحكومات، بما يسمح بتكون رأي أو نشاط، خاص أو عام، لا يخضعان لسلطتها، بل تصبح الحكومة نفسها تحت رقابة المنظمات هذه. السمة الثالثة هي وجود حيز ما ضمن المنظمة للعمل التطوعي أو وجود قاعدة واسعة من المستفيدين تتخطى العاملين في المنظمة.

هذه السمات تكاد تكون غائبة عن كثيرٍ من المنظمات السورية التي ظهرت بدءًا من 2011، على الرغم من أن البدايات كانت تدعو حقًا إلى التفاؤل، خصوصًا مع تشكيل لجان التنسيق المحلية وبعض المنظمات الحقوقية التي جرى تفعيلها مع انطلاق الثورة، لكن الحال لم يكن كذلك فيما بعد على الرغم من الكم الكبير من الجمعيات والمنظمات. يمكن الحديث كثيرًا عن صفات المنظمات والجمعيات التي شكلها السوريون طوال السنوات العشر الماضية، وأعتقد أن كثيرًا منها لا يصلح لأن يُدرج في نطاق منظمات المجتمع المدني أصلًا. وفي بعض الأحيان، استثمرت لافتة “المجتمع المدني” لإعادة إنتاج التقليد والانتماءات ما قبل الوطنية (مثل اتحادات العشائر، المنظمات التعليمية الدينية/الطائفية… إلخ).

تفتقد أغلبية المنظمات السورية الحالية إلى صفتي الكفاحية والتطوعية مثلًا؛ فكثير منها أقرب إلى بنية وأداء الشركات، خصوصًا أن أعضاءها جميعهم موظفون، وأن رؤساءها هم فحسب الذين يحضرون في المشهد العام، ويكاد يقتصر المستفيدون من المنظمة على الموظفين أو العاملين فيها، ولا تتجاوز عضويتها عضوية الموظفين العاملين فيها، ونتائج عملها تذهب غالبًا إلى الداعمين، ولا تؤثر أو تتفاعل مع المجتمع أو المجتمعات السورية التي تعمل فيها، ربما باستثناء المنظمات الخيرية أو التي تعمل في مجال الإغاثة، لكن هذه الأخيرة أقرب عمومًا إلى منظمات المجتمع الأهلي المعروفة في تاريخنا، لا المدني.

بالطبع، لا تتقدم وتعمل أي منظمة مجتمع مدني من دون التوظيف والمال، لكن عندما تقتصر عضويتها على الموظفين، وعندما تكون نتائج أعمالها محصورة بهم أو بالداعمين، فإنها تتحول تدريجيًا إلى شركة أو قطاع خاص، على الرغم من معرفتنا بوجود نماذج عديدة في العالم من منظمات المجتمع المدني، بعضها مغلق على عدد محدود من الأعضاء، وبعضها مفتوح. على العموم، لا تغيب سمة التوظيف عن منظمات المجتمع المدني، لكن اقتصار أي منظمة على الموظفين فيها يعني وقوعها تحت خطر تحولها من فاعل مدني حر إلى موظف تابع للجهة الممولة، ليصبح أعضاء المنظمة جميعهم أصحاب مصالح خاصة. كذلك، عندما لا تستطيع المنظمة رفد نشاطها بأعمال تطوعية وبأعضاء متطوعين، وعندما لا تتلقى أي مال من جهات وطنية أو محلية، فإنها تفقد وظيفتها المدنية.

هذا الكلام ليس إدانة، بالطبع، للمنظمات وموظفيها؛ فأحوال السوريين كانت، خلال العقد المنصرم، وما تزال، سيئة جدًا، وليس هناك ملامة على أحد في العمل مقابل الحصول على أجر مادي. لكن، في المقابل، لا ينبغي لنا “التكبير” من حجم العمل المبذول في الجمعيات والمنظمات الحالية، والنظر إليه بوصفه يصب حقًا في خانة بناء “المجتمع المدني السوري”. لكن في حال التوظيف، ينبغي الالتفات، على أقل تقدير، إلى طبيعة الأهداف والمهمات الملقاة على عاتق أي منظمة، من حيث كونها تصبّ فعلًا في الصالح العام، أو على أقل تقدير، لا تضرّ به.

شُكِّلت منظمات سورية كثيرة بمبادرات من دول أو منظمات دولية، وحتى عند تشكيلها بمبادرة من مواطنين سوريين فإنهم يشكلونها، بحكم ضغوط الواقع، وعينهم على “التمويل”، أي تُبنى المنظمة أساسًا بالانطلاق من سؤال “كيف نحصل على التمويل؟”، وليس انطلاقًا من الحاجة الفعلية للبلد وأهلها أو انسجامًا مع تطلعات الموظفين أصلًا. ولذلك سنجد أن أولويات الجهات الممولة غالبًا ما تطغى على أولويات السوريين، وأن هذه الجهات تطرح علينا، في كثير من الأحيان، مشكلات ليست مشكلاتنا، أو تدفعنا إلى الاهتمام بقضايا هامشية بعيدًا عن مشكلاتنا الكبرى، ومن ثم يصبح هاجسنا إقناع “الممول” والحصول على إعجابه، أكثر كثيرًا من الخضوع لأولوياتنا وهواجسنا ومصالحنا وحاجاتنا الفعلية. مصالح الداعم متدرِّجة، من حدود دنيا مقبولة وتمثل تقاطعات مشتركة بيننا وبينه، إلى حدود قصوى غير مقبولة. أحيانًا تكون حاجة الداعم مقتصرة على الرغبة في السمعة الإيجابية بأنه يناصر الديمقراطية والعدالة وحقوق الإنسان، وهذه لا تشكِّل مشكلة لنا، وأحيانًا ربما يدفعنا الداعم إلى مناصرة أجندة سياسية محدَّدة أو محور إقليمي أو سياسة ما، وهذه فيها كل المشكلة.

هذا يعني أنه، على الرغم من وجود الكثير من المنظمات والجمعيات، فإننا نفتقر إلى هذه اللحظة إلى منظمات مدنية حقيقية لها القدرة على الفاعلية والاستمرار؛ فأكثرية المنظمات ستتبخر بانقطاع التمويل أو عند العودة إلى سورية، حيث الحياة الحقيقية، ولأننا سنكون هناك أمام معادلات واصطفافات جديدة بالضرورة، ستفرض نفسها على تفكيرنا وأولوياتنا.

في تجارب المنطقة العربية معظمها، يجري تمويل منظمات المجتمع المدني بأموال المساعدات الغربية، وهذا ليس مدعاة للشجب أو الاستنكار في حدّ ذاته، خاصة عندما يكون واضحًا، ووفق اعتبارات مدروسة. لكن يُفضَّل، بالطبع، اللجوء إلى مصادر التمويل الوطنية/ المحلية، مثل رجال الأعمال، فهذا أحد المؤشرات للدلالة على قدرة منظمات المجتمع المدني على النفاذ إلى البنية الاقتصادية والاجتماعية، وعلى وجود تفاعل وتشبيك حقيقيين معها، وعلى قدرتها أيضًا على بناء وإنتاج نفسها ماديًا. لذلك، تصبح من مهمات المنظمات هذه دعوة القطاع الخاص إلى تحمل مسؤولياته تجاه المجتمع، والمشاركة في تأمين الدعم المالي. وهنا، للأسف، لا بدّ من الإشارة إلى أن هذه الثقافة ما زالت غائبة عن القطاع الخاص، ربما باستثناء الإسهام في دعم الجمعيات الخيرية ومنظمات الإغاثة، ونادرًا ما يسهم في دعم منظمات الرأي وحقوق الإنسان والهيئات الثقافية والتعليمية والنقابية، وغيرها.

على العموم، إن القضية الأهم من التمويل هي دور ووظيفة منظمات المجتمع المدني، خصوصًا مع الاختزال السائد لمفهوم المجتمع المدني بالمنظمات والجمعيات غير الحكومية؛ فالتحديدات المتداولة في الوعي العام للمجتمع المدني هي تحديدات إجرائية، تتناول مظاهر وتجليات وتعبيرات المجتمع المدني، إذ يجري التركيز على تشكيل منظمات تعمل في ميادين متنوعة لتحقيق أهداف متعددة، مثل الجمعيات الحقوقية، النقابات، الاتحادات المهنية، الهيئات الثقافية، الحركات الاجتماعية، الجمعيات التعليمية والصحية والبيئية… إلخ، من دون إيلاء الدور السياسي الوطني العام للمجتمع المدني الأهمية التي يستحق.

هذه التعاريف الإجرائية للمجتمع المدني لا تستنفد معاني ومدلولات وتعيينات المجتمع المدني؛ فعلى الرغم من أهمية المنظمات غير الحكومية هذه، وكونها تعبيرًا عن فاعلية المجتمع المدني، لكن من المهم الانتباه إلى أن المجتمع المدني، في دلالاته التاريخية والسياسية وارتباطه بمفهوم الدولة الوطنية، أوسع من أن يختزل بها، لأن عملية بناء مجتمع مدني سوري وعملية بناء الدولة الوطنية الديمقراطية الحديثة هما عمليتان تسيران معًا أو تضمران معًا، أو في الأحرى، هما عملية واحدة بوجهين؛ تحقيق الانتقال الديمقراطي.

من المهم الاستمرار في تشكيل منظمات وجمعيات مدنية، ودعم وتقوية ما هو موجود منها، مع الانتباه إلى عوامل الخطورة آنفة الذكر. والأهم، في اعتقادي، الانتباه إلى أهمية صرف كثير من الجهد في بناء قوى سياسية جديدة؛ بعضهم يضعها في خانة منظمات المجتمع المدني، وبعضهم يضعها في خانة المجتمع السياسي، لكن في الحالين إذا كان هدفنا الرئيس تحقيق التغيير الديمقراطي، فلا بدّ من وجود قوى سياسية حقيقية تأخذ مشروعيتها من الوطنية السورية، فالديمقراطية لا تعيش في الفراغ، وتحتاج إلى قوى فعلية تمارسها وتلعب لعبتها.

المدن

——————————–

سوريا: آخر 2020/ فايز سارة

تبدو صورة سوريا اليوم في حالة لم تكن عليها في يوم سابق من تاريخها، وصورة اليوم ليست نتيجة لمجريات وتطورات ما حدث في نحو عشر سنوات مضت فقط، بل أيضاً بسبب استمرار السياسات التي أدت إلى ثورة السوريين على نظام الأسد حينذاك.

وهذا على الأقل ما تؤكده الأزمة الاقتصادية التي انفجرت نتيجة سياسات النهب والفساد والرشوات الكامنة في طبيعة النظام الحاكم، وقد تسببت في انهيار قيمة الليرة السورية، وعجزها عن تلبية طلبات الحد الأدنى من احتياجات السوريين اليومية، فصار الفقر والجوع أبرز مظاهر الحياة اليومية في مناطق سيطرة النظام، التي لم يعد من الممكن معها استمرار إنكار واقع انتشار فيروس «كورونا» فيها بصورة وبائية، وسط معلومات تتسرب من مصياف وسلمية ودمشق واللاذقية والسويداء، وتقول إن الإصابات اليومية بالمئات يقابلها النظام بدفن رأسه بالتراب مثل نعامة تُنكر واقع الحال، مجسداً فيها فكرة عدم قدرته على مواجهة جائحات الفقر والجوع والمرض، التي تهدد سكان مناطق سيطرته بمن فيهم أنصار النظام ومحبوه.

والمشهد السياسي لا يقل تردياً عمّا هو حاضر في مجريات الحياة اليومية، حيث نظام الأسد تتقاذفه رياح اختلافات حلفائه الإيرانيين والروس، وقد بات كل منهما راغباً في الحصول على عائدات استثماراته، التي لا تعطلها استمرارية الصراع من دون نهاية تظهر في آخر النفق فقط، بل يعطلها اختلاف استراتيجية الطرفين من جهة، وتنافسهما على القليل من جهة أخرى خصوصاً في ضوء فشل دعوات إعادة إعمار سوريا، والفشل الذريع الذي أصاب مؤتمر عودة اللاجئين السوريين بدمشق مؤخراً.

وحيث إنه لا أفُق سياسياً أمام حلف النظام والروس والإيرانيين، فإن وضعهم يتفاقم، لأنه ليس أمامهم أي إمكانية لإحداث تغييرات ميدانية سواء في منطقة شرق الفرات المحكومة بقوة تحالف أكراد «PYD» وحلفائهم في مجلس سوريا الديمقراطية مع الأميركيين من جهة، أو في منطقة إدلب ومحيطها الخاضعة كلياً للسيطرة التركية بالرضا الأميركي المعلن وبالموافقة الروسية المضمرة. وعليه فليس أمام الأسد وحلفائه إلا الاستمرار في سياسات معادة ومستهلكة تستنزف طاقاتهم المحدودة، ومنها صراع الأسد مع ابن خاله رامي مخلوف، خصوصاً بعد إعلان الأخير برنامجاً يضعه في نطاق «معارضة» بشار، والصراع معه على زعامة الطائفة والحكم، ومنها فشل صيغة التسويات الروسية في الجنوب السوري، واستمرار إيران في تلقي الضربات الإسرائيلية دون أي ردة فعل تُذكر.

ولا يقتصر انغلاق الأفق السياسي في الواقع السوري على النظام وحلفائه، بل يشمل الأطراف الأخرى. وحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي «PYD» الذي يقود مجلس سوريا الديمقراطية، يعاني من رداءة وتردي الموقف الأميركي وانتظاريته وصولاً إلى موعد انتقال السلطة في البيت الأبيض من الرئيس ترمب إلى خليفته بايدن، ويخوض الحزب بصعوبة مفاوضات الوصول إلى اتفاق مع المجلس الوطني الكردي، الطرف الآخر في خريطة كرد سوريا، من أجل صياغة موقف كردي واحد كما تسعى واشنطن، وفوق ما سبق كله، فإن خلافات تعصف بحزب الاتحاد بين كتلتي العسكر والساسة، أو بلغة أوضح بين الجنرال عبدي القائد العسكري وقادة الحزب في قنديل الذين لطالما تحكموا دون منافس بسياسات الحزب.

ويكتمل مأزق كرد سوريا في واقع حيرة المجلس الوطني الكردي الذي تتصف سياسته بـ«الوسطية» لقربه من البارزاني، زعيم إقليم كردستان العراق، إذ إنه موزّع التوجهات بين الاتفاق مع حزب الاتحاد الديمقراطي «PYD» الذي تعاديه تركيا، وتصفه بـ«جماعة إرهابية»، وخياره الأصعب في ترتيب أموره مع الائتلاف الوطني السوري، حليف تركيا الرئيس في المعارضة السورية.

وبطبيعة الحال، فإنَّ ما هو قائم في شرق الفرات من ترديات، حاضر في غربه عبر مناطق تحيط بمدينة إدلب وتلامس مناطق تتبع محافظات الجوار، وكلها موصوفة بأنها منطقة سيطرة تركية، رغم الحضور العلني لجماعات التطرف المسلحة من هيئة تحرير الشام (النُّصرة) وأنصار «داعش» مثل جماعة «أنصار الدين»، وقد منعت السيطرة التركية، ولا تزال، النظام من استعادة سيطرته على المنطقة، فتكشف في وقت واحد عجز النظام عن إخراج الأتراك منها، وتؤكد حضورهم في أي حل يتعلق بالقضية السورية، ولأن الوضع في إدلب على هذا القدر من الأهمية للأتراك، فإنهم يبذلون جهوداً استثنائية، تشمل قوى دولية وإقليمية وصولاً إلى قوى وأطراف محلية، مستخدمين السياسة والقوة والضغوط وعمليات الابتزاز والسكوت، وكلها تمارَس مع الجميع بشكل أو بآخر.

الجزء الأخير من صورة سوريا آخر 2020 يتصل بالمعارضة، والأمر في هذا يبدأ بالهيئة العليا للمفاوضات، التي تجمع جماعات رئيسية، حيث تضم الائتلاف الوطني وهيئة التنسيق، إلى جانب منصتي القاهرة وموسكو، إضافة إلى ممثلي المستقلين. والهيئة كما تبدو ضعيفة ومضعفة. ضعيفة، لأنها مكونة من جماعات ضعيفة القسم الرئيسي منها مرتبطٌ بطرفين بينهما تحالف آستانة المتخصص في القضية السورية، ويجمع تركيا وروسيا وإيران، وفي الوقت الذي تمثل منصة موسكو الموقف الروسي، فإن الائتلاف الوطني الذي يرأس الهيئة ويدير نشاطاتها، هو أكثر تنظيمات المعارضة السورية في التعبير عن الموقف التركي. والهيئة مضعفة، لأنها مأخوذة إلى غير مهمتها في التفاوض الذي يُفترض خوضه على أساس بيان جنيف 2012، مستنداً إلى القرار الدولي 2254، وكلاهما يجعل من الانتقال السياسي وتشكيل هيئة حكم انتقالي هدفاً لمفاوضات الهيئة مع نظام الأسد، وهو هدف تم التخلي عنه لجولات مفاوضات فاشلة ولا معنى لها في إطار ما تسمى «اللجنة الدستورية» التي لن تصل إلى نتيجة لو استمرت المفاوضات فيها عشر سنوات، والتي يدير وفد المعارضة فيها المفاوضات بوصفها عملية تقنية وغاية في حد ذاتها لا وسيلة نحو حل سوري.

خلاصة القول، في الوضع السوري مع نهاية عام 2020، أنه في أسوأ حالة مر بها، والحالة في ذلك تنطبق على أوضاع السوريين في كل الأراضي السورية، وأكثرها تدهوراً حالة السوريين في مناطق سيطرة النظام وحلفائه بفعل استمرار سياسات القمع والإرهاب بالتزامن مع سياسات النهب والفساد والرشى، وهو ما يترافق مع إغلاق سياسي وميداني عام، تبدو القوى المحلية عاجزة عن تحقيق خرق أو انفراج فيه، بل إن القوى لإقليمية والدولية الحاضرة بقوة في القضية السورية، وأعني بها تركيا وإيران وروسيا والولايات المتحدة، تُبدي حذراً شديداً في الإعلان عن خطوات قوية وفاعلة، يمكن أن تحدد مسارات جديدة تخرج بالموضوع من انغلاقاته، وتفتح الأبواب نحو المضيّ إلى حسمٍ ما في القضية السورية.

الشرق الأوسط

——————————–

=========================