أبحاث

في ذكرى رحيل صادق جلال العظم، ومصطلح “العلوية السياسية” مقالات وحوارات وتحليلات

صادق جلال العظم

مفكر أكاديمي وفيلسوف سوري يعدّ من أبرز العلمانيين العرب، وأهم من نادى بالعلمانية والديمقراطية، كتاباته شغلت كثيرين، وخاض في أثرها كثيرًا من المعارك الفكرية، وبات الرجل من أبرز شخصيات ربيع دمشق.

ولد العظم في دمشق عام 1934، ينتمي إلى عائلة سياسية عريقة، والده، جلال العظم، من أكثر الشخصيات المعروفة في سورية. درس الابتدائية في دمشق، وانتقل لمتابعة دراسته الثانوية في المدرسة الإنجيلية في صيدا، ودرس الفلسفة بالجامعة الأميركية في بيروت، متخرجًا فيها بدرجة امتياز عام 1957.

وحصل على الماجستير والدكتوراه في الفلسفة المعاصرة من جامعة “ييل” في الولايات المتحدة الأميركية؛ إذ قدم أطروحة عن الفيلسوف الفرنسي هنري برغسون.

شغل العظم مناصب عديدة، أهمها رئيس قسم الدراسات الفلسفية والاجتماعية في جامعة دمشق، ورئيس تحرير مجلة الدراسات العربية في بيروت، وعمل استاذًا في جامعتي “برنستون” و”هارفارد” في الولايات المتحدة الأميركية، وكثير من الجامعات في ألمانيا واليابان وبلجيكا، وعمل باحثاً في مركز الأبحاث الفلسطيني، وعضوًا في أكاديمية العلوم والآداب الأوروبية، إضافة إلى عمله أستاذًا في الجامعة الأردنية، واشتهر بأنه من أشدّ المدافعين عن حقوق الإنسان.

عُرف العظم بكتاباته النقدية، ومن أهم ما كتب “نقد الفكر الديني” الذي أحدث ضجة كبيرة، وحُكم عليه بالسجن بعد ذلك عام 1970، بذريعة إثارة النعرات الطائفية، وتحقير الأديان، ولكنه بُرئ من هذه التهمة في العام نفسه.

كان له كثير من المؤلفات والدراسات، أشهرها “ما بعد ذهنية التحريم”، و”دراسات يسارية حول القضية الفلسطينية”.

حصل العظم على كثير من الجوائز الدولية والعالمية، منها جائزة “ليوبولد لوكاش” للتفوق العلمي في ألمانيا عام 2004، وجائزة “ايرازموس” في هولندا، وغيرهما كثير من الجوائز.

أيّد العظم الثورات العربية بمجملها، وأطلق عليها “العودة الربيعية للناس إلى السياسة”.

أيد العظم -وبقوة- الحراك الثوري عام 2011 مع بداية اندلاع الثورة السورية، رافضًا تسمية هذا الحراك بالاحتجاجات، ووصفها بثورة الشعب ضد جلاد سورية ودكتاتورها الظالم؛ إذ صرح علنًا أن هذا الصراع لا يمكن أن ينتهي إلا بسقوط “العلوية السياسية”، وأن هذه الثورة ستكون هي الممهدة للوصول إلى حياة الديمقراطية والحرية التي فقدها الشعب سنينًا طوالًا.

توفي المفكر صادق جلال العظم في مدينة برلين الألمانية بتاريخ 11 كانون الأول/ ديسمبر 2016، في إثر أزمة صحية، نعاه الاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب، في بيان كتب فيه “رحيله خسارة كبيرة، لكنه الرحيل العارض الطارئ، يقابله الحضور قويًا ناصعًا متواصلًا من خلال ما تركه في الذاكرة”.

—————————–

صادق جلال العظم..سيرة في الثورة لم تكتمل/ بشير البكر

ترك رحيل صادق جلال العظم فراغا كبيرا في المشهد السوري الجديد الlتشكل مع الثورة السورية، والتي واكبها هذا المفكر المشاغب بكل تفاصيلها منذ البدايات الأولى للحراك المدني الذي ظهر مع وراثة بشار الأسد للحكم في العام 2000. كان العظم، دائما، يدهش الذين يقابلونه بسعة متابعته للتفاصيل اليومية على كامل الجغرافيا السورية. وبقي على هذه الحال حتى وفاته، وينقل بعض الذين زاروه، وهو على فراش الموت، وتحت تأثير الأدوية في شهر كانون الأول/ديسمبر 2016، أنه حين يصحو بين نوبة دواء وأخرى، فإن أول ما يسأل عنه هو الوضع في مدينة حلب الشرقية التي تتعرض لقصف وحشي من قبل الروس والايرانيين والنظام، هؤلاء الذين كانوا يضعون اللمسات الأخيرة على مخطط تهجير أهل المدينة، وهذا ما حصل بعد رحيل العظم بأسبوع فقط.

تبدو السنوات الأخيرة في حياة العظم ما بين العام 2000، وحتى رحيله، مختلفة عن مساره، حيث تمتع بحيوية عالية بعد انقطاع طويل عن ممارسة النشاط السياسي المباشر، وترجم ذلك من خلال الانخراط في تفاصيل الثورة السورية منذ بدايتها في آذار/مارس العام 2011. وفي هذا الوقت كان العظم قد غادر دمشق إلى بيروت، وقرر أن يشارك في النشاطات التي يمكن أن تساعد المتظاهرين الذين نزلوا إلى الشوارع، وهم يهتفون للسلمية، رغم أنهم أمام نظام أعدة العدة لقمع الحراك السلمي بالسلاح. وحين التقيته في بيروت في خريف 2010 قبل بداية الثورة التونسية، دارت بيننا أحاديث، بحضور زملاء لبنانيين وسوريين، حول الموقف في سوريا، وكان تشخيصه أن الوضع بلغ درجة الانفجار، وينتظر الشرارة، وحين جاءت الشرارة كان المفكر في صف الثورة، ولم يترك مساحة إلا وأخذ نصيبه منها كي يعبر عن رأيه ويشارك في الثورة، وكانت المحطة الأولى تجربة رابطة الكتاب السوريين التي عقدنا اجتماعها التأسيسي في القاهرة  في تشرين الأول/اكتوبر العام 2012.

وكان العظم في تلك الفترة متحمسا للعمل مع الكتاب والمثقفين، وله رأي ساهم في تجميع عدد كبير من الكتاب حول الرابطة، وظل يردد “نحن في مرحلة تجميع بعضنا البعض، والتعرف على بعضنا بعد مرحلة طويلة من النظام الأمني”. واعتبر أن الرابطة أول مؤسسة حرة، تبعها تكوين رابطة الصحافيين. وظل حريصا على أن تصدر الرابطة مجلة ثقافية “أوراق”، وتمارس نشاطا ثقافيا. وترأس تحرير مجلة أوراق حتى رحيله، وكتب افتتاحية العدد الأول الذي صدر في منتصف آب/اغسطس 2013 بعنوان “خطوة نحو الحرية”، معتبراً أنّ صدور العدد الأول من المجلة هو “خطوة على طريق تخليصنا، ممّا اضطررنا الى استبــطـانــه، على مدى عقود، من قواعد وأصول للتعامل مع نظام القهر والاستبداد عبر التكتم والتقية والنفاق والتلاعب بالكلمات والتظاهر بالتصديق والقبول والاختباء وراء الرموز”، ورأى أنه “صار لكُتّاب سورية رابطة حرة طليقة تجمعهم طوعياً ومهنياً وليس قسراً أو ‏‏اضطراراً لتحقيق مصلحة ما”. وسجل رأيه بالثورة “رابطة الكُتّاب السوريين ومجلتها، كما الإنتلجنسيا السورية عموماً، مدينة ‏بهذا ‏كله إلى ثورة الشعب السوري المستمرة بتضحياتها الهائلة والتي ما كان ‏لكُتّاب ‏سورية أن يشرعوا في التخلص من هذه الإعاقات والعاهات وفي ‏استرجاع ‏حرياتهم لولاها”.

وهنا لا بد من الاشارة إلى ان العظم كان في اجتماع تأسيس رابطة الكتاب محاطا بعدد من الكتاب السوريين والعرب، منهم حسين العودات، خليل النعيمي، جورج صبرا، حسام الدين محمد، نوري الجراح، خطيب بدله، ابراهيم اليوسف، حسن نجمي، طاهر رياض، زهير ابو شايب، معن البياري، محمود الريماوي. وحضر من الكتاب المصريين احمد فؤاد نجم، زين العابدين فؤاد، سعد القرش.. وإزاء الحضور الكبير الذي فاق 200 كاتب أحس العظم بنشوة خاصة، وهو يلتقي عن قرب هذا العدد من الكتاب الذين التقوا من أجل احياء الثقافة الحرة.

ومن مزايا العظم التي تحلى بها على الدوام الاصرار على دور طليعي للمثقفين والكتاب، وعليه استرجع في مرات عديدة دورهم في ربيع دمشق العام 2001 الذي “أطلقته الانتلجنسيا السورية مجتمعة. تعرض ربيع دمشق للقمع، ولكن تبين لاحقا أن الثورة هي عبارة عن انفجار للمكبوت الذي قمع. هي نوع من العدالة التاريخية، وإذا راجعنا ما صدر عن ثورات الربيع العربي لوجدناه في نصوص ربيع دمشق، الذي كان بمثابة بروفة أولية بقيت على مستوى نظري وتم قمعها “، ويرى “لو أن النظام تجاوب مع بعض الطروحات لكان تغير المسار. و”كنت على قناعة أن ضرب ربيع دمشق لا يمكن أن يمر من دون تداعيات لاحقة. هذا المتنفس الصغير الذي جاء بعد نصف قرن من القمع، ووضعت السلطة نهاية له، كان أشبه بطنجرة ضغط تزداد حرارتها، وليست هناك صمامات أمان، وكنا نسمع أحاديث الناس الناقمة، وتتردد عبارة واحدة، الوضع يحتاج إلى شرارة “.

يعتبر العظم من أبرز رموز ربيع دمشق، وفي محاضرة له في برلين عن “الربيع العربي والإسلام السياسي”، قال أنّ الربيع في سوريا يعني، ببساطة، استرجاع الجمهورية من السلالة الحاكمة إلى الأبد، ومن مجمّعها العسكري- التجاري الاحتكاري لكلّ شيء مهم في البلد”. ويعتقد أنّ من أهم النتائج التي أفصحت عنها هذه العودة الربيعية للناس إلى السياسة: أولاً الهزيمة الكاملة والنهائية لفكرة إنشاء سلالات حاكمة في بلدان مثل مصر وليبيا والعراق واليمن عبر نقل السلطة بشكل آلي ومباشر إلى أبناء الحاكم أو إلى أخوته وأقاربه، وثانياً الانتصار، من حيث المبدأ، لقاعدة تداول السلطة ديمقراطياً وانتخابياً، وليس تداولها عائلياً وسلالياً. ومعروف أنه تمّ التعبير عن ذلك كله في الصيحة الشعبية المدويّة للربيع العربي: “لا تمديد، لا تجديد، لا توريث”.

في هذا الوقت خاض العظم في مسألة البعد الطائفي للنظام السوري، فأثار الكثير من الجدل، ورغم أن هذه المسألة تناولها كثيرون، إلا أن موقع العظم الفكري حرّك ردود فعل مختلفة، وساجل معه كثيرون، وكان للنقاش أن يمتد طويلا، لو لم يرحل العظم في لحظة مفصلية من عمر الثورة السورية تمثلت في ما بعد سقوط مدينة حلب، وما تلاها من انهيارات. وباختصار اعتبر العظم النظام السوري طائفيا، ومع ذلك فإنه، و”في عصر بيت الأسد، تم بناء جوامع أكثر من أي فترة أخرى، وكان النظام الطائفي مضطرا لاثبات تدينه الذي ارتد عليه في النهاية”. وفي عدة مداخلات استشهد بالمفكر اللبناني جلبير الأشقر الذي أصدر كتابا (الشعب يريد) برهن فيه على طائفية النظام (حافظ الأسد أعاد بناء القوى المسلحة السورية على أسس طائفية معروفة. وقولنا هذا ليس إدانة لطائفة معينة، بل فضح لطائفية النظام).

ومن هنا فإن حديث العظم عن العلوية السياسية اكتسب وجاهة كبيرة في نظره ونظر جمهور سوري واسع، ففي حين اعتبره أخرون أنه ينطلق من موقف طائفي سني. وفي رأي هؤلاء أن العظم استعار المارونية السياسية في غير مكانها للبرهنة على صدق أطروحته، وبعدها عن التوظيف الطائفي. ما قاله العظم أنه “لا يمكن للصراع أن يصل إلى خاتمته، دون سقوط العلوية السياسية تمامًا، كما أن الحرب في لبنان ما كان يمكن أن تصل إلى خاتمتها، من دون سقوط المارونية السياسة (وليس الموارنة) في لبنان”. ومن بين أفضل الذين ساجلوا مع هذه الفكرة الدكتور أحمد برقاوي، الذي رأى “من حيث المبدأ، ليس هناك وجه من وجوه التشابه، بين المارونية السياسية في لبنان، وبين بنية الجماعة الحاكمة في سورية؛ ذلك أن السلطة في لبنان بُنيت في الأصل على عملية اقتسام طائفي.. بينما قامت دكتاتورية حافظ على مبدأ الغلبة العسكرية الانقلابية، ثم البحث عن شرعنة هذه الغلبة، وبالتالي لم تجر عملية دستورية لاقتسام السلطة، عبر عقد اجتماعي طائفي بين الطوائف والأديان السورية”.

وكان على العظم أن يوضح أطروحته أكثر من مرة بالنظر إلى الردود التي كان بعضها قاسيا، وذهب نحو اتهامه بالطائفية، وضرب مثالا كمال جنبلاط “هو واحد من ‏الساسة العرب القلائل الذين انطلقوا من قاعدة طائفية، واستطاعوا أن يصبحوا ‏زعماء وطنيين وشخصيات ذات طابع دولي”، وهو الأمر الذي لا ينطبق على حافظ أسد.

وما لم يكن ينتظره أحد هو المرض الذي أصاب المفكر، ولكن العظم استقبل الزائر الثقيل على مضض ولم يستسلم له، وظل يتحرك في فضاء سوريا الجديدة.. سوريا التي حلم أن تعود حرة، وفارق الحياة في 11 كانون الأول 2016 ولم يرها، وحين أغمض جفنيه كان سؤاله الأخير عن حلب التي شكلت بداية التراجع الكبير للثورة. وكانت الخاتمة.. لا الثورة اكتملت، ولا مسيرة المفكر في الثورة ذهبت في مسارها حتى النهاية.

المدن

——————–

——————

————————-

العلوية السياسية” وصادق جلال العظم/ راتب شعبو

شاع تعبير “العلوية السياسية” في سورية، منذ حوالى سنتين، وحاز هذا التعبير على قوة انتشاره، ليس من قيمة معرفية يؤديها (فهو تعبير هزيل معرفياً كما سيحاول أن يقول هذا المقال)، بل من قيمة الأستاذ صادق جلال العظم الذي أطلقه، ومن الجاذبية الخاصة التي يتمتع بها الحديث عن الطوائف والطائفية في سورية عموماً.

لا شك أن الصراع السياسي، ولاسيما المحتدم منه كما الحال في سورية اليوم، لا يعبأ بالقيمة المعرفية للتعابير، بقدر ما يعبأ بالوظيفة الايديولوجية لها. ومن المستبعد أن يكون العظم قد أطلق هذا التعبير بدافع إيديولوجي، فهو رجل يعمل في الحقل المعرفي، وليس السياسي، غير أن هذا التعبير، مثل كل التعابير الأخرى التي تحوز على قوة انتشار، لسبب أو لآخر، يقوم بوظيفة إيديولوجية مستقلة عن غاية مطلقها، وأحياناً على العكس مما يريد.

لم يكن العظم موفقاً في نسج هذا التعبير على منوال “المارونية السياسية”، كما أظهر زياد ماجد في مقال له في صحيفة الحياة في 30 إبريل/نيسان 2014 بعنوان (عن العلوية السياسية والمارونية السياسية). ولكن، بعد الشرح الذي قدمه الأستاذ العظم لهذا التعبير، يبدو الأمر أسوأ من كونه مقارنة غير موفقة مع المارونية السياسية. وكان المرء يتوقع أن يقوم العظم بمراجعة لتعبيره هذا، بعد نقد كثير طاله، فإنه، في مقابلة مع DW، أخيراً، بمناسبة نيله ميدالية غوته، يعيد قول ما قاله بتكرار شبه حرفي، ويضيف عليه “تجربة ذهنية”، تزيد من ضحالة التعبير، وتجعله أداة إيديولوجية في يد من يراهم العظم نماذج من “العفش المتخلف” الذي كشفه الربيع العربي.

يقول العظم في مقابلته: “هل بإمكانك أن تتصور سيادة الوضع التالي في مصر: رئيس الجمهورية قبطي إلى الأبد، قائد الجيش قبطي إلى الأبد، أُمراء ضباط القوات المسلحة في غالبيتهم أقباط وإلى الأبد، رؤساء الفروع الأمنية والشرطة وقوات حفظ النظام أقباط كلهم وإلى الأبد، المناصب الحساسة والعليا وصاحبة القرار في مفاصل الدولة كلها بيد نخب من الأقلية القبطية؟ هل بإمكانك أن تتصور كذلك، احتكار هذه المناصب والوظائف كلها في تركيا مثلاً من نخب كردية أو علوية حصراً وإلى الأبد؟ هذا الوضع غير القابل للتصور في مصر وتركيا هو القائم في سورية منذ عقود طويلة. هذا هو المعنى الأول للعلوية السياسية”.

إذا كان الجهد المعرفي يسعى إلى كشف ما وراء الواقع الاجتماعي من علاقات تحكمه، وتختفي فيه، فإن العظم يسجل في قوله هذا “ظاهرية” صريحة. بحسب العظم، تصبح المشكلة في الأشخاص، وليس في العلاقات التي تتطلب وجودهم في مفاصل الدولة ونقاطها الحساسة، ويصبح الحل، تلقائياً، في استبدال الأشخاص بآخرين من منابت أخرى، هي هنا المنبت الأكثري (الإسلامي في مصر، والتركي في تركيا، والسني في سورية بطبيعة الحال).

طالما عانى الشعب المصري، وثار على النظام وطالب بإسقاطه، على الرغم من غياب “القبطية السياسية”، وعلى الرغم من انتماء رموز النظام ومفاصله الأساسية إلى الأكثرية المسلمة. صحيح أن احتكار المفاصل الأساسية في الدولة لصالح أفراد من منبت مذهبي، أو عرقي معين، مؤشر على خلل مهم في آلية إنتاج السلطة، وينطوي على تلغيم أكيد لمستقبل البلد، لكن المشكلة الفعلية ليست في منبت الأفراد، بل في وظيفتهم، ووظيفتهم هذه مشدودة بدورها إلى علاقات سياسية، تكرس سيطرة طغمة حاكمة، وتشلّ أسباب القوة لدى أصحاب المصلحة في التغيير.

إذا دفعنا التمرين الذهني للأستاذ العظم خطوة أخرى إلى الأمام، سنجد ما هي الوظيفة الأيديولوجية التي يخدمها ولصالح من. المناصب والوظائف محتكرة لأشخاص علويين في سورية منذ عقود و”إلى الأبد”، هذه هي العلوية السياسية بحسب العظم. يغيب عن هذا تحديد أي كلام عن شكل الحكم وعن تعطيل آليات انتقال موازين القوى الاجتماعية إلى السلطة السياسية، ويبدو كما لو أن ما دفع إلى الثورة في تونس ومصر وليبيا واليمن (حيث لا توجد “علوية سياسية”) يختلف عما دفع للثورة في سورية. وحين يضيف العظم إن “المطلوب هو إطاحة العلوية السياسية” يُفهم منه أن المطلوب هو استبدال أشخاص ينتمون لأقلية، بأشخاص ينتمون للأكثرية، حتى لو أدوا الوظيفة نفسها، وانخرطوا في العلاقات السياسية الإقصائية نفسها. هذا في الواقع يفرغ الثورة السورية من معناها الديموقراطي، ويفتح الباب لقبول مشاريع إسلامية، لا تريد أكثر من إسقاط ما تعتبره “نظاماً علوياً” لإقامة “نظام إسلامي”، تراه الحل. تلك هي الوظيفة الإيديولوجية لهذا التعبير، وهي وظيفة لا يمكن الشك في أن العظم، قياساً على نتاجه الفكري السابق، يريد خدمتها.

العربي الجديد

————————

صادق جلال العظم : في سوريا ثورة والحل بسقوط العلوية السياسية

قال المفكر السوري صادق جلال العظم إن ما يجري في سورية اليوم هو ليس حرباً أهلية معمّمة، مقارنة مع “الحرب الأهلية اللبنانية الجارة” و”الحرب الأهلية العراقية القريبة”، موضحاً في في حوار أجرته جريدة “المدن” أن “في سورية اليوم لا نجد طوائف معبّأة عسكرياً بعضها ضدّ بعضها الآخر أو جاهزة للولوج في صراع مسلّح في ما بينها، باستثناء العمود الفقري للسلطة والدولة وأجهزة الأمن والقمع أي الطائفة العلوية من جهة والعمود الفقري للثورة أي الأكثرية الشعبية السنّية من ناحية ثانية”.

وأوضح “العظم” أن اندلاع الثورة في سورية هو الذي استجلب الصراعات الدولية والإقليمية القائمة أصلاً إليها وما يجري في سورية اليوم هو انتفاضة بالتأكيد، أخذت تشبه في كثير من ملامحها ومسارها حروب التحرير الشعبية طويلة الأمد ضد سلطة جائرة وقاهرة ومتجبّرة لم تعد الأكثرية الشعبية في البلد تطيقها.

وأكد العظم أن ما يجري في سورية هو ثورة أيضاً، لكون الهدف هو الإطاحة بالنظام القديم المهترئ والمتداعي والذي لم يعد قابلاً للحياة. ثورات العصر الحديث كانت دوماً تهدف إلى الإطاحة بنظام قديم ما، لصالح نظام جديد يتطوّر ويتبلور من رحم الثورة نفسها ولايمكن البتّ بخصائصه بصورة مسبقة.

وعن حقيقة وجود “بعد طائفي” في سورية من جهة النظام والمعارضة، رأى “العظم” أنه “يوجد أبعاد طائفية متعدّدة لما يحصل في سورية اليوم على الرغم من المحاولات الكثيرة لإنكار ذلك.. وجميع الاجتماعات والمؤتمرات التي شاركت فيها خلال السنوات الماضية كانت تتهرّب عمداً من الاعتراف بوضوح بالأبعاد الطائفية للصراع في البلد وكأن ذكر الشيء يجلبه وعدم ذكره يبعده”، مشيراً إلى أنه “من الأفضل للثورة أن تعي نفسها جيداً بلا تورية وأن تصارح نفسها علناً .. فالثورة رفعت غطاء الطنجرة (كما نقول باللغة الدارجة) فظهرت التشقّقات المجتمعية وظهر العفن الطائفي الذي خلفه النظام بعد حكم نصف قرن”.

وأكد “العظم” أنه “لا يمكن للصراع أن يصل إلى خاتمته بدون سقوط العلوية السياسية تماماً كم أن الحرب في لبنان ما كان يمكن أن تصل إلى خاتمتها بدون سقوط المارونية السياسة (وليس الموارنة) في لبنان”.

وعن سؤاله حول رؤيته لـ “الحل” في سورية، أجاب: “الثورة بحاجة إلى مساعدة خارجية للإطاحة بالنظام. وهذا غير مستغرب لأن حركات التحرّر الوطنية الشعبية كان لها دائماً أصدقاء يساعدونها، هذه تجربة القرن العشرين. في سورية، قد يحصل وقد لا يحصل. يصعب التنبؤ. محال أن يحكم آل الأسد سورية بعد الآن. إذ لا فائدة منهم لا بالنسبة للإيرانيين ولا للروس ولا لجميع الأطراف”.

وعبّر “العظم” عن تخوّفه من تنظيم “داعش” و”يجب التخلص منها” إلا أنه اعتبرها امتداداً للنظام وسترحل مع رحيله.

————————-

صادق جلال العظم: الحل بسقوط العلوية السياسية

ديمة ونوس

ثلاث سنوات مرّت على سورية. لا تحسب بعدد الأشهر، بل بعدد الأرواح المتسرّبة من مئة ألف جسد أو أكثر. بعدد الأيام.. 1095 يوماً. ولا يزال القتل مستمرّاً.. والاعتقال والقصف، والثورة أيضاً. ما حدث ويحدث في سورية، لم يشهده التاريخ قبل الآن. لا التاريخ الرسمي المنقّح ولا ذلك المروي في كتب الأدب العالمي. وبات المحلّلون والمراقبون يتحدثون عن الحظ الأعثر للشعب السوري، بعد أن عجزت السياسة عن تحليل أسباب بقاء نظام مجرم كل هذا الوقت، واستمراره في قتل شعب”ه” أمام أنظار الجميع.

عن تلك السنوات الثلاث، وعن مستقبل الثورة السورية، كان لجريدة “المدن” هذا اللقاء مع المفكر السوري صادق جلال العظم.

– بعد ثلاث سنوات، ما هو التوصيف الأدق لما يحصل في سورية: انتفاضة، ثورة، حرب أهلية، صراع دولي – إقليمي؟

ما يجري في سورية اليوم هو بالتأكيد ليس حرباً أهلية معمّمة، خاصة عندما نقيس ما يحصل على الحرب الأهلية اللبنانية الجارة والحرب الأهلية العراقية القريبة. في لبنان، عبّأت الطوائف المكوّنة للمجتمع اللبناني نفسها ودخلت في حرب شرسة في ما بينها (خاصة الدروز والموارنة) وكانت السلطة غائبة عن ذلك كلّه والدولة على الهامش تماماً. في العراق، لم يكن هناك دولة أو سلطة بعد أن حلّهما الاحتلال الأمريكي فقام كل من المكوّن الشيعي والسنّي للشعب العراقي بدخول حرب أهلية حقيقية في ما بينهما.

في سورية اليوم، لا نجد طوائف معبّأة عسكرياً بعضها ضدّ بعضها الآخر أو جاهزة للولوج في صراع مسلّح في ما بينها، باستثناء العمود الفقري للسلطة والدولة وأجهزة الأمن والقمع أي الطائفة العلوية من جهة والعمود الفقري للثورة أي الأكثرية الشعبية السنّية من ناحية ثانية. الصراع الدولي والإقليمي موجود بلا شك، ولكن لا يجوز اختزال ما يجري في سورية به. على العكس، فإن اندلاع الثورة في سورية هو الذي استجلب الصراعات الدولية والإقليمية القائمة أصلاً إليها. وهذا شيء طبيعي لاحظنا وجوده في مناطق العالم الساخنة والمتأزّمة جميعاً.

ما يجري في سورية اليوم هو انتفاضة بالتأكيد، أخذت تشبه في كثير من ملامحها ومسارها حروب التحرير الشعبية طويلة الأمد ضد سلطة جائرة وقاهرة ومتجبّرة لم تعد الأكثرية الشعبية في البلد تطيقها.

ما يجري في سورية هو ثورة أيضاً لكون الهدف هو الإطاحة بالنظام القديم المهترئ والمتداعي والذي لم يعد قابلاً للحياة. ثورات العصر الحديث كانت دوماً تهدف إلى الإطاحة بنظام قديم ما، لصالح نظام جديد يتطوّر ويتبلور من رحم الثورة نفسها ولايمكن البتّ بخصائصه بصورة مسبقة.

– هل ترى بعداً طائفياً لما يحصل في سورية، من جهة النظام والمعارضة وفئات الشعب؟ هل ترى بعداً طائفياً في موقف مثقفين سوريين في السنوات الثلاث الماضية؟ وهل كان المثقف السوري سابقاً أم لاحقاً للسوريين – الشعب؟

لا شك بوجود أبعاد طائفية متعدّدة لما يحصل في سورية اليوم على الرغم من المحاولات الكثيرة لإنكار ذلك والتحايل عليه لأسباب شتّى. جميع الاجتماعات والمؤتمرات والمناقشات التي شاركت فيها خلال السنوات الماضية كانت تتهرّب عمداً من الاعتراف بوضوح بالأبعاد الطائفية للصراع في البلد وكأن ذكر الشيء يجلبه وعدم ذكره يبعده. أما في الجلسات الخاصة ولحظات المصارحة وحلقات المثقفين المغلقة فكان البعد الطائفي هو الذي يطغى على التحليل والنقاش والتفسير والمصطلحات.

من الأفضل للثورة أن تعي نفسها جيداً بلا تورية وأن تصارح نفسها علناً بما يقال خلف الأبواب المغلقة. فالثورة رفعت غطاء الطنجرة (كما نقول باللغة الدارجة) فظهرت التشقّقات المجتمعية وظهر العفن الطائفي الذي خلفه النظام بعد حكم نصف قرن. لا يمكن للصراع أن يصل إلى خاتمته بدون سقوط العلوية السياسية تماماً كم أن الحرب في لبنان ما كان يمكن أن تصل إلى خاتمتها بدون سقوط المارونية السياسة (وليس الموارنة) في لبنان. أعترف بأنني لم أتوقّع أن يصمد النظام كل هذا الوقت لكن خوفي في الأساس كان على الانتفاضة نفسها وعلى مقدرتها على الصمود كل هذا الوقت والاستمرار في مواجهة قمع دموي مدمّر يعرف العالم كلّه الآن مدى وحشيته وعدميته. لا أنسى في هذا المجال أن النظام العسكري الأمني كان يعتقد جازماً بأنه لا يقهر وبأنه إلى الأبد. انظري إلى ما فعلته الثورة به وبادّعاءاته على الرغم من هول التضحيات.

 – هناك من يقول إنه رغم الألم والعذابات والقتل والتهجير، ما حدث كان من “حسن حظ” السوريين، لأن الحل في سورية سيكون جذرياً ولن يكون سطحياً كما حصل في دول أخرى؟

حظ سوريا كان سيكون أفضل بما لا يقاس لو أن النظام تخلّى قليلاً عن عجرفته واستعلائه ليفتح حواراً مع ربيع دمشق بدل خنقه. لا أقبل القول بأن ما وصلت إليه سوريا هو من حظّها حتى لو تمّ تبرير ذلك بكلام عن حلّ جذري في بلدنا على عكس الحلول السطحية في البلدان الأخرى. في مثل هذه الأحوال لا معنى لمقولات الحظّ والطالع وما شابه. 

– أين المثقف من كل ذلك؟ هل يلعب دوراً في صوغ فكر موازٍ أو سبّاق أم أن المبادرة في أيدي العسكر؟

في حالات الأزمات والصراعات والثورات لماذا السؤال دوماً عن المثقف ودوره وليس عن باقي فئات المجتمع وشرائحه وأفراده… إلى آخره. المثقف كغيره من الناس، ينحاز، يتخاذل، يهادن، يخاف، يتشجّع، يندفع، يقاتل، ويتبنّى الموقف المناسب والفعل المناسب في تأييد الثورة (وقد لا يفعل) ولكنه لا يقود الثورة. كما تقول زوجتي إيمان لو حاول المثقف مثل هذه القيادة لما مشى معه أو تبعه أحد لأن الناس عندنا ليست مغرومة بالثقافة بالضرورة.

– ما هو الحل الذي تراه لسورية في السنوات: إطاره الزمني وملامحه السياسية والاجتماعية؟

الثورة بحاجة إلى مساعدة خارجية للإطاحة بالنظام. وهذا غير مستغرب لأن حركات التحرّر الوطنية الشعبية كان لها دائماً أصدقاء يساعدونها، هذه تجربة القرن العشرين. في سورية، قد يحصل وقد لا يحصل. يصعب التنبؤ. محال أن يحكم آل الأسد سورية بعد الآن. إذ لا فائدة منهم لا بالنسبة للإيرانيين ولا للروس ولا لجميع الأطراف. قد يأتي التدخّل الخارجي بعد أن تنهك البلد تماماً وتدمّر أكثر مما هي الآن، فتكون التكاليف أقل ثمناً. إسرائيل هي عقبة حقيقية في وجه التدخّل وبهذا الصدد حصلت صفقة الكيماوي وتراجع أميركا عن قرارها التدخّل في سورية.

– هل أنت قلق من “داعش”؟

متخوف من “داعش” ويجب التخلص منها. إلا أنني أعتبرها امتداداً للنظام وسترحل مع رحيله. “داعش” هي صنيعة النظام، سواء الإسلاميين الذين تم الإفراج عنهم، أو المجرمين والمرتزقة. هذا لا ينفي وجود أجانب استقطبهم “الجهاد”. إلا أنني أعتبر “داعش” العدو المفيد للنظام. استفاد منها ولم تقاتله. اكتفت حتى الآن باصطياد النشطاء والمعارضين، أي أنها حتى اليوم تقاتل أعداء النظام.

المدن

————————–

أين المشكلة في مفهوم «العلوية السياسية»؟/ ياسين الحاج صالح

يستخدم الدكتور صادق جلال العظم مفهوم «العلوية السياسية» كتشخيص لبنية النظام الأسدي أو لوجه أساسي منها، ويؤسس على المفهوم تصوراً للتغيير في سورية يتمثل في طي صفحة «العلوية السياسية» على نحو ما طويت صفحة «المارونية السياسية» في لبنان في اتفاق الطائف عام 1989. هذه المقالة مساهمة في نقد مفهوم «العلوية السياسية»، وإن كانت لا تشارك في نقد متواتر للمفهوم، موجه نحو حجب طائفية النظام أو إنكارها.

كان زياد ماجد في مقالة نشرت في «الحياة» (30 نيسان – أبريل 2014) أظهر أن قياس العلوية السياسية على المارونية السياسية مجادَل فيه على الأقل. المارونية السياسية، يقول زياد، «تأسّست خلال الانتداب الفرنسي»، و «أتاحت بروزَها تحوّلاتٌ اقتصادية واجتماعية بدأت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر مطوّرة العلاقة بين جبل لبنان وبيروت، بالترافق مع انتشار التعليم وتعاظم أثر الإرساليّات الدينية ومؤسساتها». وإن لم يكن الموارنة أكبر الجماعات الأهلية اللبنانية بين تأسيس لبنان الكبير وأواخر ستينات القرن العشرين فهم ليسوا أقلية بينها. وأضيف أن لبنان الكبير تأسس على موقع ممتاز للموارنة الذين كانوا في الأصل جماعة صاعدة هي الأكثر تماسكاً في لبنان والأكثر وعياً بتميزها (ومعهم الدروز، الأقل عدداً). كان الموارنة أكثر تشكلاً من لبنان الذي تأسس أصلاً حول مكانة خاصة للمسيحيين فيه، ومكانة قائدة للموارنة بين المسيحيين. فعدا وجود إكليروس منظم مرتبط بروما منذ قرون، ومعرفته بأوروبا والعالم الحديث معرفة مميزة عما حوله، هناك مؤسسات تعليمية دنيوية متطورة، وهناك مستوى اقتصادي وثقافي أعلى من المتوسط اللبناني. وبفعل ذلك، قد يمكن التكلم بلغة ياسين الحافظ على «قوم» ماروني، جماعة بشرية متميزة وواعية سياسياً، تتطلع إلى الاستقلال عن محيطها أو الانفصال عنه، أو قيادته على الأقل. وفي تاريخ تشكل القوم الماورني صعود اجتماعي وسكاني وتعليمي في القرن التاسع عشر، وفيه نظام القائمقاميتين الخاص بجبل لبنان، وقد عاش نحو نصف قرن.

كان بناء لبنان الكبير على يد الفرنسيين بدا لنخب القوم الماروني مكسباً توسعياً وحلاً ممكناً للمجاعة التي عانى منها جبل لبنان أثناء الحرب العالمية الأولى، لكن هذا الحل حمل في ثناياه تراجع وزن الموارنة في الكيان اللبناني بعد نصف قرن. والتشكل الأكثر تطوراً للمورانة قبل تأسيس لبنان يسوغ الكلام على مارونية سياسية. هناك ذاتية مارونية سابقة على الكيان اللبناني المعاصر، وطبعت هذا الكيان بطابعها بين نهاية الحرب العالمية الأولى وبداية الحرب اللبنانية قبل أن تتدهور في غمار هذه الأخيرة.

الأمر مختلف بخصوص سورية وموقع العلويين فيها وفي النظام السياسي. يفترض مفهوم العلوية السياسية ذاتاً علوية سابقة للسياسة، جماعة موحدة أو نزاعة نحو التوحد السياسي، النظام الأسدي هو نظامها، أو متشكل على هذا النحو بفعل هذه الذاتية السياسية. رأيي أن العكس أصح، وأن تشكل العلويين كطائفة تالٍ للسلطة وليس سابقاً عليها. قبل الحكم الأسدي كان معظم العلويين في سورية فقراء، مستواهم التعليمي غير مميز عن غيرهم، وليس لديهم جهاز ديني منظم، والتفاعلات الداخلية بين العلويين بالذات محدودة، وتفاعلاتهم بالعالم حولهم إن لم تكن أدنى من غيرهم، فهي لا تميزهم عن غيرهم.

وقبل الحكم الأسدي كان هناك كيان سوري، حياته السياسية مضطربة، ولا تكف نخبه عن تخيله جزءاً من شيء أكبر منه بقليل أو كثير. لكنه كيان قائم عمره أزيد من نصف قرن وقتذاك، وأكثر تشكلاً من أي جماعة سورية جزئية.

سوغ حافظ الأسد استيلاءه على السلطة عام 1970 بأيديولوجية قومية عربية، كانت سابقة عليه، تكثر إحالاتها إلى الاشتراكية والتقدم ومناهضة الإمبريالية. وكان لهذه الإحالات وللسجل الواقعي الذي كانت تستند إليه في ستينات القرن العشرين والسنوات الأولى من سبعيناته دور حاسم في تكون أكثرية سورية عابرة الطوائف، وحتى الإثنيات. بارتباطها مع الاشتراكية والتحرر الوطني وعدم الانحياز وما إلى ذلك. لم تكن العروبة مجرد رابط إثني أو أيديولوجية هوية كحالها اليوم، بل أيديولوجية عمل تحررية يعتنقها ويواليها حتى بعض من هم غير عرب إثنياً.

وبفعل هيمنة القومية العربية والأكثرية الاجتماعية المتكونة حولها لم يواجه حكم حافظ الأسد باعتراضات تحيل إلى منبته الأهلي. بالعكس، جرى الترحيب به كمحرر.

أخذت هذه الأكثرية تتفكك بسرعة بدءاً من النصف الثاني من السبعينات بفعل مجموعة عوامل، أبرزها توقف التحولات الاجتماعية لمصلحة فقراء المدن والأرياف، وظهور طبقة من المليونيرات الجدد في كنف الحكم الجديد منذ سنواته الأولى، وضيق النظام السياسي الذي استقر منذ 1973 على شكله الحالي: حالة استثناء ناسخة لحكم القانون، وحظيرة للأحزاب الداجنة اسمها «الجبهة الوطنية التقدمية»، وحاكمية مخابراتية يحظى مديروها بحصانة كلية، ثم التدخل السوري في لبنان ضد منظمة التحرير الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية. وترجم هذا التفكك نفسه في صراع اجتماعي وسياسي حاد تفجر على نحو عنيف في أواخر السبعينات، وهو لا يقبل التقليص إلى صراع طائفي، وإن يكن هذا وجهاً بارزاً له.

كان ظاهراً منذ وقت مبكر أن حافظ الذي استولى على السلطة بسهولة كبيرة يعرف أن الأهم من الوصول إلى السلطة هو الحفاظ عليها، وخلافاً لرفاقه في قيادة انقلاب شباط (فبراير) 1966 كان مدركا أن مواطن السلطة الفعلية هي الجيش والمخابرات (وليس حزب البعث و «الجماهير الشعبية» غير المنظمة)، وولى على أجهزة المخابرات التي توسع فيها موثوقيه من الأقارب ورعى أن تكون نسبة عالية من عناصرها من المنبت العلوي (نحو 12 في المئة من السكان)، وأسس أيضاً أو توسع في تشكيلات عسكرية ذات وظيفة أمنية مثل سرايا الدفاع والوحدات الخاصة والحرس الجمهوري، لها التكوين نفسه، وولى عليها أيضاً أهل ثقته. هذا ما سهل تماهي العلويين به وبنظامه، وطور في أوساطهم شعوراً بالتميز والذاتية. التشكل العلوي هنا مر بالسلطة العمومية والموقع الامتيازي في أجهزتها الأساسية، أجهزة القوة التي يعتمد عليها النظام في دوامه وإعادة إنتاجه.

وما أريد قوله هو أنه في البداية كانت السلطة، وما يقترن بها من سيطرة وامتيازات وأفضليات. لا يلزم أن حافظ الأسد كان طائفياً أصلاً وطوال الوقت، أو كان يضمر مشروعاً لحكم طائفي. من أجل الحفاظ على السلطة ميز الرجل لمصلحة موثوقيه الأهليين في أجهزة نظامه الارتكازية، أي مارس ممارسات طائفية، فطوّر نظاماً طائفياً. فمثلما أن من يدخن مدخن ومن يقتل قاتل، فإن الطائفي هو من يمارس ممارسات طائفية، ويميز تمييزاً طائفياً. الطائفية مسألة ممارسات وأفعال، وليست مسألة نيات وماهيات.

فهل يمكن التكلم اليوم، بعد 45 عاماً من توارث الحكم في السلالة الأسدية ومن حربين اجتماعيتين، كبيرة وأكبر، على علوية سياسية أو على قوم علوي؟ هل هناك إرادة سياسية علوية ومشروع سياسي علوي؟ هناك ولاء من أكثرية علوية كبيرة للنظام اليوم، ومنذ وقت مبكر من الثورة، وقبل الثورة طبعاً. لكن، لا يبدو لي أن هذا الولاء تعبير عن إرادة سياسية علوية جامعة، بل عن افتقار إلى هذه الإرادة المستقلة وعن ضعف التشكل العلوي. الإرادة والذاتية تمكن نسبتهما إلى أسرة وطغمة حكم و «دولة باطنة»، وليس للعلويين الذين يخشون أن يعيدهم سقوط النظام إلى الفقر وانعدام الشأن. العلويون في مأزق تاريخي، محصورين بين هذه الخشية وبين نظام أسرة وطغمة لا تحترمهم، تستخدمهم أداة حكم فحسب.

على أن نقد مفهوم العلوية السياسية يخطئ غرضه تماماً حين يستخدم للتكتم على طائفية النظام أو إسدال ستار من الصمت عليها، كما هو شائع. ينطلق النقد المسطر هنا من أن الطائفية ليست خاصية لطائفة أو جماعة أهلية أياً تكن، بل هي خاصية «نظام»، شكل بعينه من أشكال إنتاج السلطة وتوزيعها وممارستها. الكلام على نظام طائفي هو كلام على نظام، وليس على طائفة، ويكون النظام طائفياً إن كان قائماً على التمييز، أياً يكن منبت نخبة الحكم. نضع أنفسنا في موقع غير منيع من وجهة نظر السياسة العملية، وليس من وجهة نظر التحليل فقط، حين لا نستخلص من حقيقة أن الطائفية هي التمييز وفق المنابت الأهلية أن النظام الأسدي طائفي، وليس فقط حين ننطلق من مفهوم العلوية السياسة. ما نجازف به في الحالين هو أن نربط الطائفية بالجماعات الأهلية، بعضها أو كلها، وليس بالدولة والسياسة العمومية، فنخفق في تطوير سياسات عامة مضادة للتمييز الطائفي.

مفهوم العلوية السياسة يجعل النتيجة، تقدم تطييف العلويين، والجماعات الأهلية عموماً، سبب مشكلاتنا الوطنية اليوم، بينما سيكون السبب، النظام الطائفي، نتيجة. وهو ما يتوافق على المستوى السياسي العملي مع التخلص من النتيجة، الموقع الامتيازي لعلويين في السلطة الفعلية، من دون محاربة التمييز نفسه، وربما مع قيام تمييز مضاد.

* كاتب سوري

عن “الحياة”

————————

 عن “العلوية السياسية” و”المارونية السياسية”: نقاش لمقاربة صادق جلال العظم/ زياد ماجد

استخدم المفكّر السوري صادق جلال العظم في أكثر من مقالة ومقابلة له حول شؤون بلده الراهنة مصطلح «العلوية السياسية». وماثَل بين ما عدّه ظاهرة «العلوية السياسية» السورية و «المارونية السياسية» اللبنانية، معتبراً أن كلّ اتّفاق على حلّ في سورية ينبغي أن يبدأ بطيّ صفحة «العلوية السياسية» على نحو ما حصل مع نظيرتها اللبنانية بعد «اتّفاق الطائف» العام 1989 ونهاية الحرب الأهلية. وقد قابل استخدام العظم للمصطلح هذا وللمقارنة الناجمة عنه ومؤدّياتها جدلٌ حاد بين مرحّبين ومستنكرين.

على أنّ البحث في المقارنة المعقودة يُظهر أنها غير دقيقة. ذلك أن مصطلح «العلوية السياسية» في سياقه السوري لا يستقيم إن كان مُسنده الحالة اللبنانية. وحتى لو سلّمنا بجدوى استخدامه وبحثنا عن قواسم مشتركة بين «طائفيّتين سياسيّتين» في بلدين لوجدنا أن خصائصهما الأهم على مقدار عالٍ من التناقض والتنابذ.

فما اصطُلح على تسميته «مارونيةً سياسية»، للدلالة على تقليدٍ مهيمن أرسته مرجعيّات مارونية مدنيّة في الحياة السياسية في لبنان، تأسّس خلال الانتداب الفرنسي قبل أن يأخذ مداه في عقود ثلاثة تلت الاستقلال الوطني عام 1943. وأتاحت بـروزَه تحـوّلاتٌ اقتـصاديـة واجتماعية بدأت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر مطوّرة العلاقة بين جبل لبنـان وبيروت، بالترافق مع انتشار التعليم وتعاظم أثر الإرساليّات الدينية ومؤسساتها. ونجم عن الأمر أو صاحَبه نشوءُ تجربة ليبرالية لبنانية، بالمعنيين السياسي والاقتصادي، بلغت مداها بعد الاستقلال، وآزرها خطاب ثقافي قوامه الدفاع عن فكرة الكيان وتبريرها إيديولوجياً. ونمت في كنف تلك الحقبة أيضاً أحزابٌ وتيارات سياسية يمينية زاحمت (وأحياناً اعتمدت على) زعامات «تقليدية» مارونية لعبت على مدى جـيلَيـن أو أكثـر أدواراً سياسيـة قيـادية في مناطق نفوذها في الجبل والشمال.

ويمكن القول إن لبنان لم يعرف خلال حقبة تسيّد المارونية السياسية أجهزةً أمنية أو استخبارية شديدة البأس والسلطة قبل منتصف الستينات من القرن الماضي (بفعل تضخّم جهاز «المكتب الثاني» في الحقبة الشهابية التالية لأحداث 1958 ومضاعفاتها)، حين ظهرت تدريجاً ممارسات تضييق على اللاجئين الفلسطينيين ومخيّماتهم، سرعان ما تخطّتها التطوّرات بعد 1969 و «اتفاق القاهرة» ثم دخول لبنان في حربه الأهلية. فالهيمنة المارونية على مؤسّسات الدولة كانت عبر صلاحيّات رئيس الجمهورية وعبر وظائف ومواقع مدنيّة، أجّج رفض المسّ بها مع الوقت والبحث في تعديل قسمتها الاعتراضات الداخلية (السنّية بخاصة) والتوتّرات السياسية – الطائفية.

الأهمّ ربما، أن النظام اللبناني الذي احتضن تجربة «المارونية السياسية»، أي النظام التوافقي، قام على أساس نزعتين: الأولى تسوويّة، هدفها إحقاق توازنات داخلية بين جماعات يملك ممثّلوها سلطة ترابية وزعامة عائلية – طائفية بمستطاعها بناء تحالفات تتخطّى قواعد كلّ منها على حدة. والثانية انكفائية، هدفها فكّ ارتباط لبنان بمحيطه الجيو – سياسي عبر جعل التوافقية مشروطةً بالحياد تجاه الخارج أو بنفي الالتحاق بسورية والعالم العربي مقابل نـــفي التعلّق بالغـرب (فرنسا تحديداً).

وإن أضفنا الى كلّ ذلك أن الموارنة في لبنان لم يكونوا حتى أواخر الستينات «أقلّية»، بالمعنى الديموغرافي للكلمة، وأنّ تاريخهم الحديث لا يُنشئ لديهم مظلوميّة اجتماعيه سياسية، وأن أصولهم غير المدينية لم تعنِ أن انتقال قسم كبير منهم الى المدن أو الى مراكز السلطة فيها رافقه انتقام أو ثأر منها، أمكننا القول إن لا قواسم مشتركة أو خصائص يمكن أن تجمع تجربتي الحكم في لبنان (بين الاستقلال والحرب الأهلية) وسورية (منذ انقلاب البعث العام 1963 ثم وصول آل الأسد الى السلطة العام 1970).

ففي مقابل «مارونية سياسية» لبنانية مدنيّة متعدّدة الزعامات قامت بنية حكم عسكري مخابراتي سوري استندت الى ضبّاط جلّهم من الطائفة العلوية. وفي مقابل هامش حرّيات وتعدّد سياسي ومراكز قوى مختلفة في لبنان قامت منظومة استبداد في سورية لا مجال فيها للسياسة ولا لمراكز القوى خارج الأجهزة الأمنية. وفي مقابل الانتقال الى المدينة نتيجة التحوّلات الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية، جرى قهر لمدن أو احتلال لها بواسطة قمع وعنف وسيطرة على قطاع عام متضخّم. وفي مقابل مشروعية شعبية نسبية تُتيحها انتخابات دورية (لا تخلو من شوائب) بُنيت «مشروعية» على أسس قانون طوارئ و «قيادة دولة ومجتمع» وحلّ أحزاب وتظلّل بقضايا وصراعات خارجية. وفي مقابل توق انكفائي ماروني الى داخل الحدود نشأت اندفاعة أسدية سورية لتخطّي الحدود الوطنية واعتبار القومية مبرّراً توسّعياً يرى الكيانات العربية «أقطاراً» يسعى الى التحكّم بما تيسّر منها.

وإن استكملنا النقاش، يبدو لنا أن «العصبية» الطائفية التي ساهمت في تعاضد أكثرية علوية مع حكم الأسد في سورية، استندت في شكل خاص الى الاستقطاب في الجيش والى النشاطات الدينية التعبوية والسرديات التاريخية العاطِفَة اضطهاداً دينياً على اضطهاد اجتماعي… في حين أن «العصبية» إياها لم تكن حاضرة في الحالة المارونية اللبنانية طيلة السنوات التي سبقت الحرب الأهلية. وهي إذ أصبحت «ضرورةً» لتأمين التفاف حربي خلف قيادة سياسية – عسكرية موحّدة (منذ طرح بشير الجميّل شعار توحيد البندقية)، أدّت الى انكفاء تدريجي للقيادة المارونية للبنان، وحوّلتها الى إقطاعية سياسية – ميليشيوية تنافس إقطاعيات أخرى وتُعاديها، ممّا ألزمها وفق فلسفة النظام التوافقي بتسويات ومقايضات كان «اتفاق الطائف» تعبيراً عنها. فجاء بمعنى من معانيه ترجمةً لخسارة مارونية أنتجتها جملة تبدّلات داخلية وسياسية إقليمية ودولية (ثم عمّقتها الهيمنة الاستخبارية السورية مستفيدةً من صراعات دموية بين الزعامات المارونية نفسها).

لمجمل ما ذكرنا، ولأسباب أُخرى خاصة أيضاً ببنية النظام الأسدي وبخطابه المدّعي علمنة واشتراكية (مقابل قرار ماروني ولبناني ابتغى منذ دستور 1926 الانتظام الطائفي السافر قاعدةً لعلاقات «وطنية» وشرّعه)، تبدو كل المقاربة أو المقارنة بين الحالتين غير موفّقة. ولا جدوى أو مؤدّيات لها إن لم يكن المقصود البحث في شكل النظام السياسي المطلوب لإدارة مرحلة انتقالية في سورية بعد سقوط الاستبداد ومؤسّساته. وهذا يفترض ربّما مقداراً من الفلسفة التوافقية تنبذ المكابرة التي لا ترى للطائفية أثراً، وتنبذ أيضاً المقاربة المضادة التي لا ترى إلا في الطوائف كيانات مكتملة أو منطلقات اصطفاف سياسي حصرية. وهو ما يتطلّب الأخذ بما لم يعتبر منه اللبنانيون لجهة مرونة النظام وقدرته على التكيّف الدوري مع المتغيّرات وفتح المجالات للديناميات السياسية العابرة للطوائف للتمثّل في المؤسسات. ولعلّ الصيغ اللامركزية إدارياً واقتصادياً، كما النظم الانتخابية القائمة على التمثيل النسبي أو على تركيب التمثيل يمكنها لعب الأدوار الأكثر أهمّية في هذا السياق.

يبقى أن مجانبة الصواب في مقاربة صادق جلال العظم لموضوع «العلوية والمارونية السياسيّتين» لا تغيّر في شيء صحّة تقديره لأولوية طيّ صفحة البربرية الطاغية في سورية منذ أكثر من أربعة عقود، ولا تؤثّر في صدقية انحيازه الشجاع كمثقّفٍ الى الحرية والثورة التي أشاح مثّقفون كثر من أترابه أنظارهم عنها.

زياد ماجد

—————————————

صادق جلال العظم: الربيع العربي كشف عن هويات وعصبيات تحت وطنية

المفكر السوري صادق جلال العظم لا يكف عن طرح أسئلة وإثارة مواقف إشكالية في عالم الفكر والسياسة. حواره الأخير مع DW عربية أثار سجالا كبيرا، ولمزيد من الفائدة وبمناسبة تسلمه الجمعة 28 أغسطس ميدالية غوته نعيد نشر الحوار.

كيساري، كيف ترى حال اليسار العربي اليوم؟ وأين انتهى المطاف بهذا اليسار أمام صعود الإسلام السياسي؟

يمكن أن نصنف اليسار العربي اليوم إلى ثلاث مجموعات، أولا: البقية الباقية من الأحزاب الشيوعية العربية بعد انتهاء الحرب الباردة وزوال الاتحاد السوفياتي وبعد تحول الصين إلى دولة رأسمالية صاعدة. ليس لأي من هذه البقايا المشتتة والمنقسمة على نفسها أية برامج جدية معروفة اليوم أو مواقف متماسكة من التحولات العنيفة التي تمر بها المنطقة العربية. انطباعي هو أن الميل الغالب عند هذه المجموعات هو الشك والربية والتحفظ إزاء الربيع العربي في أفضل الأحوال والعداء في أسوئها. البقايا المتناثرة من الحزبين الشيوعيين السوري واللبناني هي خير مثال هنا.

ثانيا: الكتلة الأصغر من اليسار العربي حافظت على ولائها لطروحات الحرب الباردة واعتمدتها برنامجاً صالحا للمرحلة الحالية. نزعت هذه الفئة باتجاه الالتحاق بقوى الجهاد الإسلامي العالمي والمحلي مثل القاعدة وحزب الله والطالبان ومؤخرا داعش.

ثالثاً: الكتلة الأكبر من اليسار العربي تراجعت عن الطروحات المميزة لمرحلة الحرب الباردة وأحزابها وانسحبت إلى خط الدفاع الثاني في مواجهة الظلامية الدينية القروسطية الزاحفة، وذلك عبر تبني برنامج يستند إلى فاعلية المجتمع المدني وقيمه، وفي طليعتها قيمة المواطنة والدفاع عن شرعة حقوق الإنسان وحقوق المواطن والمواطنة والدفاع عن علمانية الدولة وعن الحريات العامة والشخصية وما شابه.

تنظيرك لـ”العلوية السياسية” وضرورة إنهائها، فتح الباب على مصراعيه لجدل واسع وصاخب. ألا يقود هذا الحديث إلى مزيد من الكراهية الطائفية في سوريا وتأجيج نارها؟

أرحب بالنقاش الواسع والجدال الصاخب اللذين نتجا عن مقولة “العلوية السياسية”. إن فتح باب النقاش والسجال حول هذه المسائل على مصراعيه ضروري ومفيد للثورة السورية ولسوريا عموماً. فالغرض من طرحها هو التقاط جانب هام وحاسم من الواقع السوري الراهن على مستوى التجريد الذهني. هذا مطلوب لأني لاحظت أن المناقشات العلنية للثورة السورية تتأبى التطرق إلى مشكلات الطائفية والمذهبية والإثنية والأكثرية والأقلية، خوفاً من صب الزيت على النار. في حين أن أحاديث الجلسات الخاصة والمناقشات المغلقة لا تدور إلا حول هذه المواضيع.

أما الواقع المطلوب التقاطه فيمكن تحديده عبر التجربة الذهنية التالية: هل بإمكانك أن تتصور سيادة الوضع التالي في مصر: رئيس الجمهورية قبطي إلى الأبد، قائد الجيش قبطي إلى الأبد، أُمراء ضباط القوات المسلحة في غالبيتهم أقباط وإلى الأبد، رؤوساء الفروع الأمنية والشرطة وقوات حفظ النظام أقباط كلهم وإلى الأبد، المناصب الحساسة والعليا وصاحبة القرار في مفاصل الدولة كلها بيد نخب من الأقلية القبطية؟ هل بإمكانك أن تتصور كذلك، احتكار هذه المناصب والوظائف كلها في تركيا مثلاً من جانب نخب كردية أو علوية حصراً وإلى الأبد؟ هذا الوضع غير القابل للتصور في مصر وتركيا هو القائم في سوريا منذ عقود طويلة. هذا هو المعنى الأول للعلوية السياسية، وهذا هو السبب في استحالة استمرارها مهما كرر رموزها عبارة “إلى الأبد” وحاولوا تكريس طقوسها.

ذهب البعض إلى أنه ومنذ قدوم الأسد الابن إلى الحكم أصبحت هناك “علوية اقتصادية” تضاف إلى السياسية، والبعض ذهب بعيداً إلى حد الحديث عن محاولات جرت لـ”علونة المجتمع” هل أخرجت العفريت من قمقمه؟

لا محتوى جديد في هذه المقولات، بل تأتي من باب الإشارة إلى مفاعيل العلوية السياسية منظوراً إليها من زوايا اجتماعية أو اقتصادية أو أمنية. تبقى كلها مشتقة من المقولة الأساس: “العلوية السياسية”. لهذا السبب شبهت العلوية السياسية بالاستثناء العجيب الأخر وهو “المارونية السياسية” في لبنان، والتي سقطت بفعل الحرب الأهلية هناك وتم تكريس سقوطها في إتفاق الطائف.

لا أعتقد أن الحديث عن العلوية السياسية وما تفرع عنها من “علويات” تقود بالضرورة إلى المزيد من تأجيج نار الكراهية الطائفية في سوريا. فالتعبئة الطائفية والمذهبية والإثنية في سوريا اليوم وصلت إلى أعلى درجاتها، وما من حديث حول العلوية السياسية أو غيرها يمكن أن يزيد أو ينقص من مستوى هذه التعبئة وهذا الشحن. في الثورة السورية جناح ثأري يريد الانتقام من الطائفة العلوية ذاتها، وليس من العلوية السياسية ومؤسساتها المعروفة فقط. ومن أجل سوريا المستقبل، يجب التأكيد دوماً أن المطلوب هو الإطاحة بالعلوية السياسية وليس بالطائفة العلوية، تماما كما حدث في لبنان. حيث تمت الإطاحة بالمارونية السياسية وبقيت الطائفة المارونية سالمة سليمة تقوم بدورها الطبيعي في حياة المجتمع اللبناني، علماً أن “المارونية السياسية” عاشت وهماً شبيهاً بوهم “سوريا الأسد” إلى الأبد، أي: المارونية السياسية هي لبنان إلى الأبد، ولبنان هو المارونية السياسية إلى الأبد.

كيف يمكن أن يكون “الحل العادل” للأزمة السورية؟ هلا وضعت “خارطة طريق” لإنقاذ سوريا أو ما تبقى منها؟

لا أعتقد أن أحداً اليوم يدعي العلم بذلك. علّمتني تعرجات صيرورة الثورة وتحولاتها ومفاجاءاتها ولحظات صعودها وهبوطها الابتعاد عن رسم خرائط طريق إلى “الحل العادل” أو “غير العادل”، أو حتى التقدم بتصورات مسبقة عن الحل. سيبرز الحل تلقائياً من سياقات الثورة وبعد الإطاحة بالعلوية السياسية، وبرموزها البشرية والمؤسساتية، تماما كما جاء الحل في لبنان نتيجة طبيعية لصيرورة الحرب المديدة والشرسة هناك. سيحدث ما يشبه هذا في سوريا بغض النظر عن مستوى عدالة الحل الآتي ومداه.

على صعيد المثاليات يتطلب “الحل العادل” أن تظهر شخصية قيادية تاريخية بقامة نيلسون مانديلا لترسي حلاً عملياً بمستوى معقول من العدل والإنصاف، أو أن تتصرف الأكثرية في سوريا تصرف “أم الصبي” الحقيقية في قصة الملك سليمان، فتقدم التضحية اللازمة لحماية ابنها من الانشطار إلى شطرين أو أكثر. تكمن المشكلة أن القامات التاريخية الشبيهة بمانديلا، لا تظهر إلا مرة واحدة كل مئة سنة، وأن تصرف سليمان وأم الصبي الحقيقية يتطلب مستوى رفيعاً جداً من الحكمة غير متوافر لنا في الوقت الحاضر. مع ذلك فإن المفيد في المثاليات هو أن البشر يحاولون تقليدها أو التشبه بها أو الاقتراب منها إلى هذا الحد أو ذاك. ولا أعرف ما إذا كان أي من ذلك سيؤثر على طبيعة الحل الآتي في سوريا وعدالته.

هل أتى الربيع العربي بالهويات ما تحت وطنية من طائفية ومذهبية وإثنية ومناطقية؟

في المرحلة الأولى من الربيع العربي، أي مرحلة “ميدان االتحرير” في عواصم مثل القاهره وتونس وصنعاء وبنغازي، بدا للوهلة الأولى وكأن هويات وطنية مدنية وشبه مدنية جامعة قد تبلورت بما فيه الكفاية لتدخل مجال الفعل التاريخي في تشكيل مستقبل أفضل للبلدان العربية المعنية. إلا أن تطور الأحداث أخضع هذه الظاهرة الجديدة والواعدة إلى امتحان صعب بيّن مدى هشاشة الظاهرة ومدى تدني درجة قصورها وعدم نضجها حتى اللحظة، في الحياة العربية المعاصرة. بعبارة أخرى لم يولّد الربيع العربي أية هويات أو عصبيات تحت وطنية وتحت مدنية، بل كشف الغطاء- من حيث لا يريد- ليس عن وجودها فقط، بل عن فاعليتها المستمرة فينا كعرب أحياء اليوم. نقول باللغة الدارجة أن الربيع العربي رفع “غطاء الطنجرة” فجأة، ففاضت بهذا العفش المتخلف كله والمكبوت تاريخيا لا أكثر على ما يبدو. وعلينا أن نتأمل في ذواتنا الفردية والجماعية المسألة التالية: في اللحظة التي يذهب فيها الديكتاتور من أمثال معمر القذافي وصدام حسين وعلى عبدالله صالح …..الخ لا نجد في عمق حياة مجتمعاتنا إلا ما نراه يحدث اليوم من عنف واقتتال ودمار وخراب في العراق واليمن وليبيا وسوريا، ولا تخرج ظواهر حضارية من أحشاء هذه المجتمعات وقاعها أفضل من داعش وحالش والزرقاوي والبغدادي، أو ظواهر أفضل من خطابات النصرة والجولاني، أو أفضل من ميليشيات الحشود والأحزاب الإلهية الطائفية الصافية.

فور الإعلان عن منحك الميدالية، انتشرت اتهامات لك بـ”عدم الأصالة” وبأنك تنتج “مفرقعات كلامية”.. وبأنك ماركسي سطحي، وغيرها من الاتهامات القاسية. كيف ترد عليها؟

لا أعرف تماماً كيف أرد عليها. أتساءل على الطريقة الشامية: هل هي “غيرة أم حسد أم ضيقة عين؟”. على كل حال، جاء هذا النوع من التجريح وللمرة الأولى بعد إدخالي مقولة “العلوية السياسية” في صلب مناقشات الثورة السورية وسجالاتها. ولابد أن تكون المقولة قد مست عصباً حساساً عند الجميع حتى أثارت هذا المقدار من الضجة والصخب. وكما نقول باللغة العامية: “يلي تحت باطو مسلة، بتنخزو”. لذا أترك الشتامين لنخزات مسلاتهم.

جاء في حيثيات منح الميدالية بأنك تساهم في “حرية التعبير وسيادة القانون والديمقراطية وتعزيز التفاهم بين العالمين العربي والإسلامي وأوروبا الغربية”. كيف ترى مساهمتك في هذا المجال؟

شرف كبير لي، وفخر أكبر أن تكرمني الجمهورية الاتحادية الألمانية بهذا الوسام، وأن تقترب خاتمة فاعليتي في الحياة الثقافية العربية على وقع الاحتفال بتقليدي ميدالية غوتة.

أبدأ كلامي بالتذكير بكتاب المفكر السورى الراحل بوعلى ياسين حول “الثالوث المحرم” في ثقافتنا العربية السائدة أي: الدين والسياسة والجنس. يتركز إسهامي هنا في أني كسرت الثالوث المحرم هذا وخرقته على الأصعدة الفكرية والنقدية والاجتماعية والسجالية وبصورة مباشرة لا مراوغة فيها أو لف ودوران حول الموضوع هرباً من مسه مباشرة. يعتبر هذا بحد ذاته تكريساً عملياً وبالممارسة لحرية الفكر والتعبير ولديمقراطية النقاش والسجال في المجتمع.

من ناحية أخرى ساعد نشاطي الكتابي باللغتين العربية والإنجليزية (بالإضافة إلى الترجمات إلى لغات أخرى) في توريط أوروبا في القضايا الفكرية والثقافية المطروحة اليوم على بساط البحث والنقاش عربياً وإسلامياً: الأصالة والمعاصرة، التراث والتجديد، النقل والعقل، العلم والدين، الجهاد والإرهاب، الاستشراق والاستغراب، الغزو الثقافي والتحديث وغيرها. كما ساعد في توريط الفكر العربي وبعض الإسلامي عموماً في قضايا معاصرة حيوية وضاغطة: المجتمع المدني، العلمانية، الإصلاح الديني، النص والتأويل، حقوق الإنسان والمواطن، الديمقراطية، الحريات العامة، حرية الفكر والضمير والتعبير وما إليه. ربما كان إسهامي الأفضل في المساعدة على تعزيز قيمة حرية التعبير عموماً، هو دفاعي العملي والصريح عن سلمان رشدي وروايته “الآيات الشيطانية” وتفنيدي فتوى الخميني بقتله.

هل تعرضت للشاعر غوتة في دراساتك وحياتك الأكاديمية؟ وكيف ترى دوره في الوصل بين الشرق والغرب، وخصوصا ديوانه “الديوان الشرقي الغربي”؟

يرجع اهتمامي الفكري والأدبي والأكاديمي بغوتة إلى تخصصي بتاريخ الفلسفة الأوربية الحديثة وتدريسه خاصة في بيروت ودمشق. وجدت بالخبرة العملية أن أفضل مدخل لمعنى الحداثة الأوربية وروحها وتطبيقاتها على المستويات كافة هي ملحمة غوتة الهائلة “فاوست”، وبخاصة القسم الأول والأشهر منها.

كان من الطبيعي أن ألتفت إلى ديوان غوتة شرق-غرب، حيث وجدت نفسي أمام عبقرية شعرية أوربية حاضرة تخاطب وتناجي وتتفاعل وتتماهى مع عبقرية حافظ الشعرية الفارسية الشرقية الماضية. من الانطباعات السلبية، التي حملتها، بقاء الاهتمام العربي بالديوان حبيس المباهاة والتشاوف والتفاخر بفضل عبقرية الشرق السابقة المتمثلة هنا بحافظ وعظمة إبداعه على عبقرية الغرب اللاحقة المتمثلة بغوتة وأدبه الكبير.

لا بد أن أشير هنا أيضاً إلى ظاهرة غريبة أخرى تتمثل في أن النقاش العالمي الصاخب الذى فجره ادوارد سعيد في كتابه “الاستشراق” عن علاقات الشرق بالغرب وعلاقات الغرب بالشرق لم ترد فيه أية معالجات جدية لديوان غوته على الرغم من أن عنوانه يحمل منذ البداية ثنائية شرق-غرب الموضوع الأساس والأشهر في سجالات مسألة الاستشراق خلال الربع الأخير من القرب الماضي.

“الشرق شرق، والغرب غرب، ولن يلتقي التوأمان”، كيف ترى ما ذهب إليه روديارد كبلنغ في ضوء حالة الاستقطاب الراهنة بين الشرق والغرب؟

أعتقد أن عصرنا الحالي تجاوز مسألة شرق-غرب ومشكلاتها وتناقضاتها. في حياتنا الراهنة حضارة واحدة عملياً بصفاتها وخصائصها وتطلعاتها الكلية في كل مكان تقريبا. وتندرج تحتها وضمنها تشكيلة هائلة من الثقافات واللغات والتراثات والمجتمعات بخصوصياتها المميزة والمتمايزة وأمزجتها الفردية وحميمياتها المغروسة. التقط غوته إرهاصات هذه الواقعة المتطورة بطرحه للمرة الأولى فكرة Weltliteratur، أي نشوء أدب عالمي وربما عولمي ينضاف إلى آداب الثقافات المتنوعة ويتجاوزها.

بدأت دربك وأدونيس في نفس المرحلة التاريخية ومن نفس المنطلقات تقريباً، إلا أنكما افترقتما، وها أنت تحوز نفس الميدالية التي حازها أدونيس عام 2001. كيف تقيم مساهمات أدونيس؟

بلا أدنى شك فإن أدونيس أهل لميدالية غوتة كشاعر كبير وطاقة هائلة ليس في الثقافة العربية المعاصرة وحدها، بل في جميع مجالات التفاعل الثقافي والأدبي والفكري دولياً وعالمياً.

متى افترقتما؟ ولماذا؟

دخلت مع أدونيس وضده في سجالات نقدية بداية من مطلع ثمانيانت القرن الماضي حتى اليوم. جاءت تلك السجالات نتيجة للخيبة التي أصابتني وللخذلان الذي أرّقني حين بدأ أدونيس بالتنظير للخمينية القروسطية ولعقيدة ولاية الفقيه، بعد سنوات مديدة من نضال مشترك من أجل تثبيت قيم الحرية والإبداع والتغيير والمساواة والعلمانية والموضوعية والعقلانية في حياة الاجتماع العربي وثقافته. طبعاً لم أسكت على هذا الهجران الأدونيسي المفاجئ للقيم المذكورة لصالح خطاب تلفيقي أدونيسي طارئ، يعتذر لظلامية طائفية شمولية لا ترى إلا نفسها في هذا العالم، ولقروسطية دينية استبدادية زاحفة. وتعمقت خيبتي وازداد ألمي وقلقي حين لاذ أدونيس بصمت مدوٍ على امتداد عقد كامل استغرقته الفضيحة الأدبية العالمية التي فجرتها رواية “الآيات الشيطانية”، بخاصة بعد إصدار الخميني الفتوى التلفزيونية الشهيرة بقتل سلمان رشدي على الفور. لم يسمع أحد في خضم هذه المعمعة الثقافية-الأدبية-السياسية الكبرى بدفاع لأدونيس عن حرية الضمير والتعبير، أو عن حق الكاتب في الحياة، أو عن كرامة الأدب وحرمة الثقافة أو عن عدالة الدعوة إلى القتل الفوري عبر التلفزيون لإنسان وروائي، بلا أي قانون أو تهمة أو محاكمة أو دفاع.

هل افترقتما بعد الثورة السورية فراقاً لا لقاء بعده؟

أثار موقف أدونيس السلبي جداً من ثورة الشعب السوري على الاستبداد الأسدي والطغيان العسكري- الأمني لغطاً هائلاً ضده ونقمة عارمة عليه. وليس في هذا كله أي جديد، لأن أدونيس اليوم ليس إلا امتداداً لانقلابه الطائفي على ماضيه الحداثوي-التنويري لصالح ولاية الفقيه ومماشاة حكم آيات الله الديني القروسطي في إيران باستبداده الفاقع. يرواغ أدونيس كثيراً، لأنه يؤكد بالنسبة لسوريا الثورة تحديداً وللربيع العربي عموماً، “أن الديمقراطية لا تتحقق ما دام الدين هو مرجع القيم”، ولكنه يصمت كلياً في الوقت نفسه، عندما يتعلق الأمر ذاته بإيران الإسلامية وآيات الله ومرجعية قيم دولتهم وحكمهم.

بدلاً من تبادل الاتهامات بالطائفية والسجال على صفحات الجرائد وعلى شاشات التلفزة، هل أنت مستعد لمناظرة علنية وجهاً لوجه مع أدونيس؟

كنت على استعداد لذلك، لكن بعد أن قرأت المقابلة البائسة التي نشرتها صحيفة “السفير” مع أدونيس مؤخراً قررت العكس. كيف أناقش جدياً وجهاً لوجه شاعراً كبيراً يصف بشار الأسد بـ”الرئيس المنتخب”، ثم يتهم الشعب السوري بأنه “هاجر” طوعاً عن أرضه ووطنه دون أن يرف له جفن؟!

—————————-

صادق جلال العظم : نجاح «جنيف 2» مرهون بإنهاء العلوية السياسية على غرار الطائف اللبناني

| بيروت – من ريتا فرج |

المفكر السوري اليساري يؤكد أن الثورة في بلده ليست كبش فداء لأحد

لا يبدو المفكر السوري اليساري صادق جلال العظم متفائلاً بحدوث تسوية سياسية قريبة تخرج الثورة من أزمتها. وهو يرى ان «سورية الثورة» تحتاج الى كل انواع الدعم رافضاً مقولة انها أصبحت «كبش فداء» للصراع الاقليمي والدولي في سورية وعليها.

يقدّم العظم في حواراته مصطلحات جديدة في مقاربته لثورة بلاده. ها هو يتحدث اليوم عن «العلوية السياسية» مقارناً اياها بـ «المارونية السياسية» في لبنان على اعتبار ان مؤتمر جنيف 2 اذا أراد ان ينجح لابد له من انهاء هذا النموذج «التسلطي الاستبدادي» كما انهى اتفاق الطائف سيطرة القوى السياسية المارونية كما يقول.

حدد العظم جملة الأسباب التي تدفع بـ «اللاوعي السياسي الغربي» الى عدم حسم الأزمة السورية، مشيراً الى ان هذا الغرب «ما زال في العمق على موقفه المتفرج» وما يحدث «استنزاف كامل ومستمر للقوى المعادية بشراسة» له.

واذ يعتبر العظم في حوار مع «الراي» ان سورية في الغرب الرسمي والشعبي «غير محبوبة على الاطلاق، بل هي مكروهة ومنبوذة» يؤكد ان «أفق الثورة مفتوح وغير مسدود» والمجتمع الدولي مضطر هو أيضاً «الى ضبط حركاته وسكاناته على ايقاعها الذاتي وصيرورتها المستقلة».

يرفض العظم وضع عنف الثورة في موازاة عنف النظام «المساواة الشكلية بين العنفين تعني انكار حق الشعب السوري وغير السوري في الثورة على القهر والاستبداد التي تحملها طويلاً». ويلاحظ بحذر ان الشرخ الراهن بين مكوِّنات الشعب السوري «طفا على السطح من قبيل عودة المكبوت تاريخياً»، مشدداً على ان «التمايزات العادية والفوارق الطبيعية» في سورية «عوملت بالانكار وعولجت بالكبت والتسييس الخبيث على مدى سنوات طويلة».

ويقارب العظم الحدث المصري من زاوية أخرى معتبراً ان قيام المصريين بثورة مليونية ضد الاسلام السياسي «رغم التدين الشديد والمشهود» يشكل في ذاته «تطوراً نوعياً غير مسبوق».

وفي ما يلي نص الحوار:

• بداية كيف تفسرون هذه المماطلة الدولية ازاء الملف السوري رغم الحجم الكبير للمجازر والتي كان آخرها مجزرة الكيماوي؟

– هناك الأسباب الظاهرة والمعروفة مثل تحالفات سورية التقليدية مع الاتحاد السوفياتي، وعمليات التطبيل والتزمير بالاشتراكية واستمرار الحكم العسكري الاستبدادي لفترات طويلة. هناك أيضاً المصالح والتحالفات والحسابات التي تجريها الدول الغربية والتي نادراً ما تكون مع سورية أو لمصلحتها. بالاضافة الى عمق العداء السوري المستحكم لاسرائيل وما تمثله.

هذا كله معروف وأصبح من البدهيات. لذا أريد الاشارة الى سبب آخر لا يظهر بسهولة. ففي اللاوعي السياسي الغربي، رسمياً وشعبياً، سورية غير محبوبة على الاطلاق، بل هي مكروهة ومنبوذة ولا توجد أيّ لهفة عليها. نعرف من تجاربنا الشخصية ان المشاعر الأعمق للسوريين كانت دائماً ضد الغرب وتكرهه بقوة، ويصح هذا على الاتجاهات السياسية القومية واليسارية والاسلامية التي كان المجتمع السوري يعج بها. يضاف الى ذلك نبرة العجرفة الفارغة والادعاء المضحك والتكبر والاستعلاء الأجوفين والجعجعة النضالية بلا فعل والتي طبعت كلها تعامل سورية وتَكلّمها مع الآخرين. أذكر على سبيل المثال انه بعد هزيمة 5 يونيو 1967 كانت سورية أكثر دول العالم انكاراً لحقيقة ما حدث وتبجحاً بمكابرة عدم سقوط الانظمة التقدمية. سمعت متابعين أوروبيين وأميركيين يقولون ان السوريين يشتموننا اذا تدخلنا ويشتموننا اذا لم نتدخل فما الذي يريدونه؟ وفي هذا شماتة واضحة بسورية.

أعتقد ان الغرب ما زال في العمق على موقفه المتفرج، أي ما يجري في سورية هو في نظرهم استنزاف كامل ومستمر للقوى المعادية بشراسة للغرب عموماً ولاسرائيل تحديداً. يعني استنزاف سورية نفسها واستنزاف ايران واستنزاف الاسلام الجهادي الشيعي الممثل بـ«حزب الله» واستنزاف للاسلام السني الجهادي، واحراج كبير لروسيا على أقلّ تقدير، فما الداعي للتحرك والتدخل اذاً.

وفي لاوعي الغرب السياسي، العتب مرفوع لانه اذا كانت دولة عربية مثل العراق ذاق شعبها طعم الكيماوي وتعرض لمعاناة كبيرة بسبب المجازر والمقابر الجماعية، وما كان لحكامها الحاليين المعارضين السابقين ان يكونوا في مناصبهم لولا الغزو الأميركي للعراق واحتلاله، فلماذا العتب اذا كانت هذه الدولة تتعمد التصرف بحياد مفتعل وموضوعية كاذبة وحسابات باردة مع ثورة الشعب السوري ومع مآسيها. كذلك أقول لماذا العتب على الغرب اذا كانت حركة التحرر الوطني الفلسطيني وجبهات تحرير فلسطين الثورية تتقصد التعامل مع ثورة الشعب السوري بكلبية وانتهازية وسلبية لا تختلف عن اللامبالاة الباردة ذاتها التي يبديها الغرب والتي رصدناها لدى الحكومة العراقية الحالية. أرجو الا يذهب قادة الفصائل الفلسطينية الثورية الى عناق بشار الأسد كما عانق ياسر عرفات صدام حسين في لحظة اجرامه قبل الأخيرة.

أخيراً في الوعي الغربي أيضاً درس مقتل السفير الأميركي ومساعديه في ليبيا بعد المساعدة العسكرية الغربية في الاطاحة بالقذافي وانقاذ بنغازي من كتائبه المسعورة. في سورية الجميع ضد الغرب ومصالحه بما فيها المعارضة، هكذا يقولون.

• وقعت «الثورة السورية» رهينة الصراع الاقليمي والدولي وستبقى «كبش فداء» الى ان تنضج التسوية السياسية. ما الذي يعجل الخروج بالتسوية ان حدثت فعلاً في الوقت القريب؟ وهل ترون ان المرحلة الراهنة ضبابية نتيجة انسداد الأفق؟

– لا، أبداً الثورة السورية ليست كبش فداء لأحد. خرج الشعب السوري بثورة مفتوح العينين وبوعي حاد وارادة حرة، وهو يضحي يومياً للخلاص من الحكم الاستبدادي الذي طال أكثر مما يجب. كبش الفداء مغلوب على أمره ويساق من الآخرين الى المحرقة أو الذبح. الشعب السوري ذات فاعلة تاريخياً اليوم، وليس مجرد موضوع هامد مستكين.

الصراع الاقليمي والدولي موجود باستمرار ولكنه ليس هو المسؤول عن اندلاع الثورة أو حراكها أو صيرورتها. لا شك ان الصراع الاقليمي والدولي يعمل على استغلال الثورة وتوظيفها واستعمالها واهمالها، ولكنه مضطر أيضاً الى ضبط حركاته وسكناته على ايقاع الثورة الذاتي وصيرورتها المستقلة.

الأفق المسدود هو أفق نظام الاستبداد والعنف وليس أفق الثورة، وهناك اجماع على ان لا مكان لهذا النظام في سورية بعد اليوم مهما حدث ومهما كانت النتائج. حتى أصدقاء النظام أصبحوا يعرفون ذلك. لا أرى تسوية مقبلة في ظل الشروط الراهنة في المستقبل المنظور. فالابراهيمي خارج السمع وخارج النظر عملياً لمدة طويلة وكثيراً ما يُقارن مشروع «جنيف 2» باتفاق الطائف الذي انهى الحرب الأهلية في لبنان على أساس لا غالب ولا مغلوب. في الواقع، نجح اتفاق الطائف لانه انهى المارونية السياسية في لبنان وانهى سيطرتها على مفاصل الدولة ومرافق المجتمع كله. وحتى ينجح «جنيف 2» فلابد من ان ينهي هو أيضاً العلوية السياسية في سورية وينهي سيطرتها على الدولة وعلى أوجه حياة المجتمع السوري كلها، كما انهى مؤتمر دايتون السيطرة الصربية السياسية على حياة اسلام البلقان.

• ثمة وجهة نظر تقول ان المجتمع السوري اختفى لصالح العسكرة. لماذا تغاضت بعض قوى الثورة عن مخاطر العسكرة؟ أليس من الأجدى لها ان تقوم بجردة حساب علماً ان الوقت قد فات؟

– على العكس تماماً. أثبت المجتمع السوري نفسه في ثورة على العسكرة والحكم العسكري. لم يكن المجتمع السوري حاضراً وقوياً وفاعلاً منذ نصف قرن كما هو الآن في لحظة الثورة. كما ان عسكرة الثورة لا تُقارن أبداً بالعسكرة التي حاول النظام الأسدي فرضها على المجتمع بكامله منذ البداية. لا تنسى كذلك انه ما من ثورة مسلحة الا ولها جانبها العسكري والأمثلة كثيرة. وربما أكثرها قرباً وشبهاً ثورة الحركة الساندينية في نيكارغوا التي أطاحت بالديكتاتور المرذول اناستاسيو سوموزا بشقيها المدني والعسكري. ولا بأس من التذكير هنا بالثورة المسلحة للشعب المجري على الحكم الستاليني في البلاد العام 1956 والتي قمعتها الدبابات الروسية تماماً كما يحدث اليوم في سورية.

المخاطر قائمة بلا شك وجردة الحساب مطلوبة دائماً لكن الوقت لم يفت لان الثورة مستمرة حتى الاطاحة بهذا النظام بصورة أو بأخرى. ليس دائماً يستطيع الشعب الاطاحة بالطاغية الذي يقول للشعب «إما أن أحكمك أو أقتلك». لم يتمكن الشعب العراقي من اسقاط ديكتاتورية صدام حسين الدموية بقواه الذاتية على الرغم من المحاولات الكثيرة للثورة على الطغيان. وأخفق الشعب الكمبودي في التخلص من قاتل ومجرم مثل بول بوت الى ان تدخل الجيش الفيتنامي المنتصر وأزاحه. شيء مماثل حدث لديكتاتور آخر هو الجنرال عيدي أمين حاكم أوغندا حيث تدخل الجيش التنزاني بأمر من جوليوس نيريري أحد أبرز قادة التحرر الوطني في افريقيا. سمعت زملاء ألمان يقولون في هذا السياق ان الشعب الألماني لم يتمكن من الاطاحة بهتلر الى ان جاء الجيش الأحمر وانهاه. الشعب السوري أيضاً يحتاج الى انواع كثيرة من المعونات والتدخلات الخارجية للمساعدة على الخلاص من بشار الكيماوي ونظامه.

• رغم ان صوت العنف والموت يعلو على أي صوت آخر في سورية لكن هذا لا يمنع من طرح المسألة الآتية: هناك شرخ وطني بين مكوّنات الشعب السوري بسبب اشتداد العنف المذهبي وعنف النظام والمعارضة. ما الذي يعيد للمجتمع السوري الثقة بنفسه؟ وهل المصالحة تشكل أولوية الأولويات في المرحلة الانتقالية؟

– وضعك عنف المعارضة وعنف النظام في خانة واحدة، خطأ كبير. عنف النظام تدميري أعمى وطال سورية كلها تقريباً وأصاب معظم شعبها. وعنف الثورة موجّه الى استنزاف النظام والرد على بطشه لاضعافه حتى لحظة تلاشيه وسقوطه. هذه المساواة الشكلية بين العنفين تعني انكار حق الشعب السوري وغير السوري في الثورة على القهر والاستبداد الذي تحمّله طويلاً. كان يفترض ان كتابات فرانز فانون في هذا الموضوع قد حسمت مسألة الفارق الكمي والنوعي بين هذين النوعين من العنف.

أما بالنسبة للشرخ الحاد بين مكونات الشعب السوري الذي تتحدثين عنه، فهو طفا على السطح من قبيل «عودة المكبوت تاريخياً». فالتمايزات العادية والفوارق الطبيعية بين المكونات السورية عوملت بالانكار وعولجت بالكبت والتسييس الخبيث على مدى سنوات طويلة. وها هو المكبوت يعود للظهور وبقوة بعدما نجحت الثورة في تحييد عملية الكبت التاريخية واضعاف آلياتها.

أما اشتداد العنف المذهبي الذي لا ريب فيه، فعلينا ان نلاحظ انه ليس عنفاً معمماً يطل المذاهب كلها في سورية، اذ ليس صحيحاً ان كل المذاهب منخرطة في الثورة، كما انه ليس صحيحاً ان كل المذاهب عبأت نفسها للقتال الى جانب النظام و الدفاع عنه. لنلاحظ أيضاً ان الغالبية العظمى من المهجرين واللاجئين والهائمين على وجوهم من السوريين هم من مذهب معين، وجدوا مساعدة لدى أبناء المذاهب الأخرى وفي مناطقهم وأحيائهم وقراهم ومدنهم. كما ان المدن والقرى والحقول والمزارع التي ضربها جيش بشار الأسد يعود جميعها الى المذهب ذاته، في حين ان أراضي ومناطق ومدن وقرى المذاهب الأخرى بقيت هادئة نسبياً. والسبب في ذلك يعود الى ان العمود الفقري للثورة هو سنّة سورية في حين ان العمود الفقري للنظام وقواته الضاربة هم علويو سورية. اشتداد العنف المذهبي الذي تشيرين اليه محدد ومحدود وطرفاه معروفان جيداً. لم يعد بالامكان أو من المفيد التستر على هذا الواقع أو اخفاؤه. ليس صحيحاً ان المذاهب تقتتل بشكل عام ومعمم في سورية الثورة. وللأسف فان العنف المذهبي تصاعد ليس في سورية وحدها، فانظري الى العراق ومصر ولبنان واليمن حيث تُهد الجوامع والكنائس على رؤوس المصلين فيها، ويُفجر الانسان وفقاً للدين أو المذهب. هذا حاصل في بقاع أخرى كثيرة في العالم الاسلامي أيضاً. أعترف بان هذا المشهد المفجع أوصلني الى استنتاج ان ادوارد سعيد «غلطان» أن والمستشرقين معهم حق.

لن يكون يسيراً اجراء مصالحة وطنية فورية، ولن تكون سهلة استعادة المجتمع السوري للحمته والثقة بنفسه بسرعة بعد كل الذي جرى. أعتقد ان الشرط الضروري ولكن غير الكافي للبدء باستعادة الثقة واجراء المصالحة هو تحوّل الدولة وقوانينها وأجهزتها الى دولة محايدة ازاء مكونات الشعب السوري الدينية والمذهبية والاثنية، بحيث لا تطغى أيٌ منها على مؤسسة الدولة وأجهزتها وقوانينها، أي ان تكون دولة لكل مواطنيها. هذا هو معنى الدولة المدنية والعلمانية. اذا تحقق 50 الى 60 في المئة من هذا الشرط في سورية التي ستولد بعد عذاب هذا المخاض الدموي العسير والمؤلم يكون المجتمع السوري قد خَطَا خطوة مهمة على طريق النجاة بنفسه.

• تحدثتَ في مقابلة سابقة مع «الراي» عن «اسلام التوتر العالي» (الجهادي) فما الذي يضمن مستقبلاً ألا يسيطر هذا النمط على سورية؟

 لا أريد ان يُفهم من كلامي عن اسلام التوتر العالي بانه يمكن اختزاله الى الاسلام الجهادي وحده. اسلام التوتر العالي هو في الأساس مناخ عام مأزوم، يجعل من السهل جداً توجه شرائح اجتماعية الى الاسلام الجهادي – التكفيري والعنف الأعمي والتطرف العبثي والسلوك الشمشوني الانتحاري.

لم يكن اسلام التوتر العالي حاضراً كمناخ عام في سورية سابقاً ولكنه نما وتوسع بالتدريج كرد فعل دفاعي على العنف الأعمى لنظام أقلوي طائفي مسلح تسليحاً عالياً جداً. كما ان النظام لم يبخل عبر مناوراته في تعزيز الاتجاهات التكفيرية والتلاعب بها من أجل النيل من الثورة.

أما بالنسبة للضمانات التي تكلمتِ عنها، لا توجد ضمانات مسبقة صارمة بالنسبة لمصير هذا النوع من الاسلام في المستقبل لا في سورية ولا غيرها. كل ما يمكن قوله الآن هو ان حال التوتر العالي في أي مجتمع تبقى عابرة، ولا يمكن ان تدوم. وهذا ينسحب على اسلام التوتر العالي الذي تعيشه سورية في الوقت الحاضر. بعد ذلك أعتقد ان التدين الشعبي التلقائي والعفوي سيعود ويسود سورية، ان كان ذلك في الريف أو المدن أو لدى الطبقات الوسطى والتجارية أو لدى الطبقة العاملة ما ينحو عموماً نحو تحييد النَزعات التسلطية للاسلام السياسي ويحاصره.

• كيف تقرأون ما حدث ويحدث في مصر بعد 30 يونيو في ضوء «الأزمة السورية»؟ وهل عودة الجيش الى الحكم في مصر أعطى جرعة دعم للنظام السوري أم ماذا؟

– لا آتي بجديد اذا قلتُ ان المغزى الأكبر لما حدث في مصر أخيرا هو سقوط الاسلام السياسي في امتحان الحكم وادارة الدولة وتسيير الاقتصاد، أي الاسلام السياسي كما هو ممثل بالاخوان المسلمين، أهم تنظيماته وأقدمها. الأهم من ذلك كله في نظري هو ان ملايين ملايين الشعب المصري خرجت ضد حكم الاسلام السياسي على الرغم من التدين الشديد والمشهود لتلك الملايين ورغم الاحتماء وراء خطابات «الاسلام هو الحل» وتطبيق الشريعة واقامة الدولة الاسلامية وادخال سجادة الصلاة الى القصر الجمهوري، ومواعظ محمد مرسي المشهدية في الجوامع، ورفع الأذان في البرلمان الى آخر ذلك من حركات كان يفترض ان تسلب لبّ تلك الملايين المتدينة، ولكنها في الواقع لم تؤثر فيها على الاطلاق. هذا تطور نوعي غير مسبوق.

استيعاب هذا التطور الخارق أهمّ بكثير لمستقبل مصر من الجدل الدائر عمّا اذا كان ما حدث هناك هو انقلاب عسكري كامل أم نصف انقلاب أو شبه انقلاب. صحيح ان الجيش عاد الى الحكم عبر الاطاحة الشعبية – العسكرية بحكم الاسلام السياسي، ولكنني أعتقد ان الديكتاتورية العسكرية التقليدية كما عرفناها لم تعد ممكنة في مصر بعد اليوم، على الرغم من المصاعب والمشاكل التي نشاهدها حالياً في البلد، خصوصاً ان «القلوب مليانة» من زمان والرغبة جامحة لتصفية حسابات قديمة بين الجيش والاخوان. ولا أكتمك انه في اللحظة التي اصطدم فيها محمد مرسي بالكنيسة والأزهر في الوقت ذاته شعرت بان بداية النهاية قد حلت.

السيناريو الأرجح والأكثر واقعية لمصر هو شيء ما على نسق الوضع التركي السابق على حكومة اردوغان وحكمه، أي عودة الجيش الى ثكناته وترك واجهة المسرح السياسي للمجتمع المدني والأحزاب والدستور وصناديق الاقتراع من دون أي تدخل فج في الحياة السياسية المدنية أو اقتحام خشن لها. وفي نظري تحتاج مصر ربما الى ربع قرن من التطور والتقدم قبل ان تتمكن من اخضاع القطاع العسكري حقاً للحكم المدني الديموقراطي كما حدث في تركيا.

أما علاقة ذلك كله بسورية، فلا شك في ان نظام بشار الكيماوي يبحث عن عزاء ما في عودة العسكر الى الحكم. لكن في الواقع ان ملايين الملايين التي أطاحت بحكم مرسي والاخوان، خرجت ضد عودة الاستبداد بشكله الديني الطائفي. والثورة الشعبية في سورية هي أيضاً جهد هائل وتضحيات كبيرة ضد الاستبداد بشكله العسكري الطائفي العاري والفج. كما ان سقوط الاسلام السياسي المصري سيقلص الى ابعد حد احتمالات سيطرة أي نوع من انواع الاسلام السياسي على الحكم والدولة في سورية الجديدة التي تولد من رحم الثورة وبمخاض عسير ومؤلم جداً.

صفحات سورية

———————-

العلويون في مهب السلطة السياسية/ راتب شعبو

يعرض علينا التاريخ في سورية واقعاً نادراً يساهم في تقديم إجابة على السؤال: ما هي التغيرات التي يمكن أن تحدث على مذهب ديني باطني (المذهب العلوي هنا) حين تتيح شروط معينة لنخبة من هذه الجماعة المذهبية أن تسيطر على سلطة الدولة في مجتمع غالبيته الغالبة من مذهب آخر غير باطني (المذهب السني). كيف تؤثر السياسة على الدين الباطني أو فيه، وكيف تتفاعل السلطات السياسية مع الدينية، وفي أي اتجاه، وكيف تتحرك السلطات وتنزاح، وأين تتركز وما هي جهة استقرارها في سياق هذه السيطرة؟

المذهب الباطني

لا تعني باطنية المذهب الديني، مثل العلويين أو الدروز، أنه يستبطن النص القرآني، أي يرى أن للنص ظاهراً وباطناً، وأن الباطن هو الروح فيما الظاهر هو الجسد. هذا المعنى لا يحدد المذهب الباطني إلا جزئياً. ذلك أن افتراض أن للنصوص القرآنية معان مجازية ودلالات مستترة تتجاوز المعاني القاموسية للمفردات، أمر شائع حتى في التفاسير “الرسمية” للنصوص القرآنية. التحديد الأهم للمذهب الباطني هو “السرية”، أي اعتبار تفسيره الباطني للنص سراً يخصه ولا ينبغي البوح به إلا لأبناء المذهب نفسه ووفق قواعد يجب مراعاتها بغرض صيانة السر.

على هذا، تعرض الجماعات المذهبية الباطنية مفارقة شديدة التوتر بين الرضى المذهبي، أي القناعة التامة بصحة “السر” الذي لديها، والاطمئنان إليه، وبين الانغلاق والقبول بوضعية المغلوب إزاء الدين السائد. هذه المفارقة لا تعكس ضعفاً دينياً أو مذهبياً، كما قد يتبادر إلى الذهن، بل تعكس بالأحرى ثباتاً نهائياً في القناعة المذهبية لا يخشى معه على الجماعة من الانجذاب أو الضياع والانحلال في محيط الدين الرسمي الواسع. أهل المذهب الباطني لا يدخلون في نقاش ديني مع المذاهب الأخرى لكي لا يكشفوا سرهم، هذه الجماعات ليست تبشيرية ولا تطمح إلى التوسع والانتشار، ولكنها، مع ذلك، جماعات أكثر ثباتاً على دينها، ولها قدرة مدهشة على عبور العصور والمحن.

الأهم من ذلك أن هذه الجماعات الباطنية لا تعرّف نفسها، وعليه تصبح معرفتها محكومة لروايات وملاحظات الغير، (نحن المعرفون بطريقة “هؤلاء هم” العلويون، وليس بطريقة “هذا نحن”)[1]. الأمر الذي يزيد في كثافة غموض هذه الجماعات وامتلاء تعريفها بالتخيلات والغرائب، ما يزيد في عزلها وانعزالها.

مفارقة الجماعة الباطنية

الاضطهاد الذي تعرض له العلويون، من ضمن حالة الاضطهاد العام التي لحقت بكل محكومي السلطات التي تعاقبت على سورية، يحمل طابعاً دينياً، إضافة إلى الطابع الطبقي (ريف ومدينة). في كتاب “آثار الحقب في لاذقية العرب” نقرأ أن مسلمي مقاطعة صهيون، على خلاف مسلمي بقية المقاطعات في لواء اللاذقية الذين كانوا “منقادين للحكومة ولا يميلون للتشويش ولا للسرقة وقطع الطرق”، كانوا “مماثلين للنصيرية في معيشتهم وتعدياتهم وحبهم للفتن وميلهم للسلب وقطع الطرق وسفك الدماء .. ومع أن لهم ما للنصيرية من الجرائم والذنوب، لم تشهر عليهم الحكومة قط عصا التأديب، التي طالما اشهرتها على النصيرية، ما ذلك إلا لتحزب مسلمي اللاذقية لهم ومحاماتهم عنهم، المحاماة التي تبعثهم عليها العصبية والغيرة المذهبية”[2].

السؤال الآن: إذا كان المذهب الباطني قد نشأ في بيئة دينية وسياسية معادية، واكتسب خصائصه من ظروف نشأته، ما الذي يحل على أهل هذا المذهب حين ينتفي القسر السياسي، أو حين تغيب البيئة السياسية المعادية؟ هل يميل أهل المذهب إلى تخفيف قيود السرية عن مذهبهم؟ وإذا ما قادت الظروف السياسية إلى تقدم بعض أبناء المذهب الباطني وتبوئهم مناصب مقررة في الدولة، كما حصل مع العلويين في سورية، هل يمكن لأهل المذهب أن يجدوا في هذا فرصة لنشر مذهبهم، أي للتحول إلى مذهب تبشيري بغرض تعزيزز السياسي بالديني؟

ليس عادياً أن تجد جماعة دينية تؤمن إيماناً قطعياً، كغيرها من الجماعات، بصواب نظرتها الدينية وصواب موقفها من نظرة الجماعات الأخرى، دون أن يكون لديها الاستعداد لإعلان الصواب الذي لديها ونشره والدفاع عنه. ليس لدينا من تفسير لهذه الظاهرة سوى أن يكون ثمة خطر “سياسي”[3] على الجماعة من كشف “عقيدتها”، بوصفها أقلية دينية في محيط ديني مغاير. وهذا التفسير يفترض أن في نشر هذه العقيدة الباطنية ما يسيئ للعقيدة السائدة إلى حد يمكن أن يدفع أتباع هذه الأخيرة، أو أصحاب السلطة فيها، إلى أن يثوروا فيشكلون خطراً على أتباع العقيدة الباطنة المعنية. إذا صح هذا التفسير فإن النتيجة التالية تقول إن زوال خوف أصحاب العقيدة الباطنية من انتقام أتباع العقيدة السائدة (كأن تتوفر دولة ديموقراطية علمانية تحمي حرية الاعتقاد)، يفتح الباب أمام تحول العقيدة الباطنية إلى عقيدة ظاهرة. غير أن الواقع لا يناصر هذا الاستنتاج. المذهب الباطني يحافظ على باطنيته كما لو أنها جزء جوهري من تعريفه.

لماذا يحرص أهل المذهب الباطني على السر؟ هل هو الخوف من بطش الدين السائد، أم الحفاظ على السر من الشيوع ما يفقده سحره وجاذبيته بوصفه سراً، فضلاً عن ابتذاله بوقوعه في دائرة النقد والسجال؟

لا يبدو أن العقيدة الباطنة، حالما تتكون وتتكامل بوصفها كذلك، قابلة للتحول إلى عقيدة ظاهرة. من المفيد هنا أن نميز بين العقيدة السرية أو الباطنية وبين الدعوة السرية، هذه الأخيرة تطمح إلى الظهور حالما يتاح لها الظرف، مثل حال الدعوة المحمدية في مرحلتها السرية، أما السرية في العقيدة فهي من صلب تكوينها الذي لا شك ساهمت ظروف سياسية محددة في تبلوره. بكلام آخر، الدعوة السرية هي مسار يسعى، مع الزمن وتبدل شروط القوة، إلى الظهور والغلبة، أما العقيدة السرية فهي تكوين منجز تشكل السرية محدداً أساسياً في هويته.

لنا أن نتصور أن سرية العقيدة أو باطنيتها، ونمط تلقينها واكتساب معرفتها، هي مكان مناسب لازدهار صنوف الاستخفاف بالعقائد الأخرى، ولاسيما منها العقيدة المسيطرة، الأمر الذي يزيد في سماكة جدار انعزالها وميلها إلى الانغلاق الذاتي.

الجماعة الباطنية والسيطرة

لكن هل يعني انغلاق الجماعات الباطنية على ذاتها، أن هذه الجماعات المذهبية لا تحمل ميلاً إلى السيطرة؟ وما هو سبيلها إلى السيطرة إذا وجد لديها هذا الميل، وهو موجود بالتأكيد بوصفه طموحاً طبيعياً أو غريزياً لدى الجماعات؟ جوابنا الأولي، الذي سوف ندقق به لاحقاً، هو أن السبيل الوحيد لغلبة هذه الجماعات، بما هي جماعات دينية، هو السبيل السياسي القسري، طالما أنها لا تقبل في تكوينها نفسه استيعاب أتباع جدد كي تتحول إلى دين غالب بالتعداد. لكن السؤال التالي هو كيف يمكن، في العصر الحديث، أن تسيطر جماعة بوصفها جماعة دينية باطنية لا تقبل أتباعاً جدد ولا تفصح عن “سرها”؟ الجواب الأولي أيضاً هو السيطرة المموهة، اي سيطرة بغطاء سياسي عبر إيديولوجيا غير دينية، ايديولوجيا قومية مثلاً.

الوجود المحدد لهذا المنطق في سورية يقول إن العلويين (بهذه العمومية) خططوا وسعوا إلى السلطة من خلال الجيش، عبر الانقلابات، ثم حافظوا عليها تحت ستار سياسي قومي باسم حزب البعث. يفشل هذا القول في الرد على السؤال: ما الذي يجعل العلويين كتلة سياسية واحدة في حين أن مذهبهم أفقي غير هرمي في تكوينه ولا توجد سلطة أو مرجعية دينية عليا له (لا هيكلياً ولا معنوياً) يمكنها أن توحد إرادة أبناء المذهب؟ واقع الحال أن المنطق السياسي يغلب المنطق الطائفي، لأن المصلحة تغلب العاطفة والميول العصبوية. العلويون، كغيرهم من أبناء المذاهب الأخرى، هم موضوع للسياسة أكثر مما هم ذات لها. دون أن يستبعد هذا قدرة السياسة في شروط محددة على تجيير عاطفة الجماعة العامة لخدمة مصالح سلطة محددة.

على هذا يبدو لنا أن سيطرة أقلية مذهبية غير توسعية، بوصفها جماعة دينية، ضرب من الخيال والتوهم لأنها تفتقد إلى التماسك السياسي (حتى لو افترضنا خيالاً أن جماعة مذهبية انتظمت وأصبحت حزباً موحداً، فمن المشكوك فيه قدرتها على السيطرة كجماعة مذهبية إلا على طريقة سيطرة اليهود في فلسطين، وهذا غير متاح في الحالة السورية لا مادياً ولا سياسياً)، ولأنها إذا ما وصلت نخبة منها إلى السلطة، كما حدث في مثال العلويين السوريين، فإن سعيها للحفاظ على السلطة سوف يميل بها إلى التقارب أكثر فأكثر مع الأغلبية المذهبية، طالما بقي ثمة قناة مشؤومة تصل بين الديني والسياسي وتنفخ الروح الطائفية في المجتمع.

الطابع غير التبشيري للمذاهب الباطنية ينطوي على تخل تام عن المنافسة الدينية كوسيلة للسيطرة، والقبول النهائي بالوضعية “الانكفائية” حتى لو توفرت للمذهب الباطني، على سبيل الافتراض، الغلبة العددية. لنتخيل، افتراضاً، أن للعلويين أغلبية عددية في سورية، فلن يقود هذا إلى خروج المذهب عن سريته بحيث تكون تعاليم المذهب العلوي هي التعاليم الدينية المسيطرة أو المفروضة على المجتمع. على هذا، فإن قبول العلويين بأن يتلقى أبناؤهم النسخة السنية من الإسلام في المدارس، لا ينبع من كون المسلمين السنة هم الأكثر عددياً في سورية، بل من كون المذهب الباطني لا يصلح، بطبيعته، لأن يكون مذهبا للتعليم المدرسي. ويمكن المضي أكثر من ذلك على هذا الخط، بافتراض وجود دولة كل رعايها من العلويين، عندها أيضاً لن نجد “أسرار” المذهب العلوي معروضة في الكتب المدرسية للتلاميذ، كما هو حال المذهبين الظاهريين التوسعيين السني أو الشيعي.

لا التفوق العددي ولا الغلبة السياسية لأبناء الدين الباطني، يمكن أن يقود إلى تفوق أو غلبة دينية للمذهب على المذاهب الأخرى. من الناحية الدينية يبقى الدين الباطني في جميع الحالات على حاله، أي يبقى ديناً “أقلوياً” في طبيعته، فلا تخرج “حقيقته” إلى العلن ولا يظهر باطنه. الدين الباطني يحمل “سريته” كوشم أبدي.

تحرر محتجز للعلويين بعد 1970

التحرر من الخوف، بعد وصول نخبة من الضباط العلويين إلى أعلى المراكز القيادية في سورية، حرر العلويين بالتدريج[4] من عقدة الدونية “الاجتماعية” الناجمة عن الاختلاف عن المذهب السائد من جهة، وعن ترافق هذا الاختلاف مع تدن باد في الوضع الاقتصادي والثقافي. وقد عزز هذه العقدة، بطبيعة الحال، استحالة الدخول في محاججة دينية مع المذهب السائد، وبالتالي استحالة استعراض القوة المذهبية الدينية التي يعتقدها العلويون في مذهبهم. واللافت أن عقدة الدونية هذه لم تظهر فقط بوصفها عقدة اجتماعية بل وبوصفها عقدة “دينية” أيضاً. المفارقة اللافتة هنا، أن العلويين، رغم اعتدادهم الداخلي بصوابية مذهبهم، ورغم مقاومتهم الدائمة لكل المحاولات التبشيرية[5] سواء منها المسيحية القديمة أو الشيعية الحديثة، كانوا يبدون دائماً، ربما بتأثير تاريخ طويل من الخوف والحيطة، ما يشبه “الخجل” من إظهار ما يشي بمعتقداتهم العامة أمام المسلمين السنة، وكثيراً ما يحاولون طمس الخلافات المذهبية معهم منغلبين دائماً للمذهب السائد. الكلام هنا يدور عن عموم العلويين وليس عن “علمائهم”.

في وثيقة “الابتدار العلوي” التي سبق ذكرها، يقدم اصحاب الوثيقة المجهولون الذين يصفون أنفسهم بأنهم “مفوَّضون”، مفهوماً للدين يتجاوز فكرة “الفرقة الناجية” ويقبل بالتعددية الدينية بمعنى تعددية النظر الديني، “ليس من العلوية في حقبتها الجديدة[6] أن يؤمن أبناؤها بأنهم وحدهم من قد يظفر بالنجاة في امتحان المآل إلى الله .. يقطع العلويون بأنهم عافون عن فكرة الطوائف الناجية والشعوب المختارة ومؤمنون بفكرة وجود الأخيار والفضلاء في كل الملل والنحل”. بصرف النظر عن هوية كاتبي الوثيقة وموقعهم وتمثيلهم، يمكن ملاحظة أن محاولة تجاوز الانعزال تنحو بالمذهب الباطني إلى نوع من “الديموقراطية” الدينية التي لا تطمح لأكثر من تحقيق المقبولية في الوجود، على مبدأ الإسلام الوليد في المرحلة المكية من الدعوة: “لكم دينكم ولي ديني”[7]. المذهب الباطني في تكوينه العميق ليس هيمنياً، أو لا ينزع إلى الهيمنة، وأقصى ما يبتغيه من الناحية المذهبية أن يُقبل وجوده وسط بقية الأديان والمذاهب، فهو لا يطمح إلى كسب أتباع جدد، كما أنه لا يبدي خشية من انقلاب أتباعه. من هذه الزاوية فإن التجربة السورية بعد 1970، تعرض خطاً متميزاً يكمن في إشكالية العلاقة بين السياسة التي هي نزوع دائم للهيمنة، تولاها عسكريون من بيئة علوية، وبين مذهب باطني غير هيمني في تكوينه الأصلي. في هذه العلاقة عملت السياسة على تحريض الجانب العصبي في المذهب ليشكل رباطاً متيناً مسانداً للسلطة، بغلاف سياسي (فالمذهب العلوي لا يوفر غطاء دينياً للهيمنة). وفي الوقت نفسه سعت السلطة إلى تبديد المرجعية الدينية لرجال الدين العلويين المستقلين بوجه خاص، وإلحاق المشايخ برجال السلطة السياسة. النتيجة كانت تعزيز العصبية العلوية وإضعاف المذهبية الدينية العلوية، أو بلغة أخرى، تعزيز الطائفية العلوية وإضعاف الدين العلوي. البضاعة المطلوبة للسلطة هي علويون طائفيون في نظرتهم وليس أشخاص ذوو معرفة دينية. تلك هي النتيجة التي يمكن رصدها بعد 1970. وقد تكون هذه النتيجة، فضلاً عما تكشف من عدائية السلطة تجاه المجتمع بعد 2011، هي، في تصورنا، الدافع وراء إصدار وثيقة الابتدار العلوي المذكورة أعلاه، والتي تعلن التنصل من نظام الأسد مع نفي صريح للانتماء إلى المذهب الشيعي.

تمارس سلطة الأسد سلوكاً مزدوجاً في المجتمع السوري، فهي تظهر تقرباً ومراعاة شديدة للمذهب السني الأكثري[8]، وتبث، في الوقت نفسه، روح طائفية في الوسط العلوي بسبل مباشرة، عبر لغة طائفية صريحة في الأوساط الضيقة، فعلى سبيل المثال، يكثر رجال السلطة ترادا القول: متى كان يمكن للعلوي أن يرفع رأسه قبل اليوم؟ وسبل غير مباشرة عبر استناد النواة الصلبة للسلطة على مجموعة من الضباط العلويين الذين توحدهم عصبية جمعت بين العصبية الطائفية وعصبية المصلحة. تطلبت هذه الازداوجية السلطوية تواطؤاً علوياً لا يرى في “الظاهر السني” الصريح للسلطة سوى ظاهر تمويهي، ويرضى أو يقتنع أن “باطن” هذه السلطة أي حقيقتها هو أنها “سلطة علوية”. تبطّن هذا التواطؤ العلوي مع السلطة، عصبية طائفية، وتسوغه خشية لم تكف السلطة عن بثها في الوسط العلوي مستفيدة من بروز تيارات سياسية إسلامية توحد بين السلطة والعلويين. الصيغة التي أرادت سلطة الأسد إيصالها للعلويين تقول: نحن نرضي المجتمع السني بهذه القشور لكي نضع “اللب” أي السلطة في يد العلويين. بالمقابل، اشترك معارضو الأسد الإسلاميون مع العلويين في إعدام قيمة “الظاهر السني” للسلطة، واعتبارها بالواقع “سلطة علوية”. التواطؤ العلوي المغشوش بوهم السلطة يضمر نظرة طائفية، فيما الرفض الإسلامي “للسلطة العلوية” يعلن طائفيته، على هاتين الركيزتين الطائفيتين (المضمرة والظاهرة) استقرت سلطة الأسد لعقود. هكذا أسست السلطة ذات الغلاف البعثي وذات اللغة القومية والتقدمية، لخط صراع طائفي لم يكف عن امتصاص كل طاقة تغيير سياسي في المجتمع السوري وصولاً إلى التدمير الشامل الذي صار إليه.

خلال عقود سيطرة نظام الأسد، تحول الشعور السوري العام تجاه العلويين من النبذ إلى المهابة. صار العلوي أكثر جرأة على التحدث باللهجة التي أخذها من بيئته دون أن يتكلف تصنع لهجة مدنية، كما في السابق، في مسعى منه إلى إخفاء هويته المذهبية والاجتماعية. لا شك أن في ذلك شعور مهم بالتحرر يسمح بالتصالح مع الذات. غير أن خروج العلويين من دائرة التهميش أو النبذ، أو هذا التحرر العلوي، لم يأت في سياق تحرر المجتمع السوري، بل جاء في سياق تكريس سلطة مستبدة تستثمر في إيهام العلويين بأنهم أصحاب سلطة، فوجدوا أنفسهم يخرجون من التهميش إلى سيطرة متخيلة، ولكن ليس إلى مساواة تؤسس لصعيد وطني مشترك يهمش الانقسامات المذهبية والطائفية.

باتت اللهجة العلوية مصدر سلطة (وإن كانت موهومة إلى حد كبير) حتى بات غير العلوي يقلدها بغرض الإيحاء بأنه ذو صلة بالسلطة الأمنية التي تثير الرعب في المجتمع. وبات يمكن للعلوي أن يتجرأ على التدليل على هويته المذهبية من خلال رموز معينة، مثل وضع شريطة خضراء في المعصم، أو وشم سيف ذو الفقار. غير أن كل هذا “التحرر” الظاهر لم يغير كثيراً في ضعف الموقف الديني للعلويين إزاء الدين المسيطر. الامتلاء بالقوة الأمنية لدى العلويين، لم يترافق ولم يقد إلى امتلاء بالثقة المذهبية إزاء المذهب السني. بعد كل شيء، بقي في الذهن العلوي أن السنة هم متن المجتمع السوري وأن هذه الحقيقة لا يمكن تجاوزها. لذلك كلما اقترب العلوي من فكرة السيطرة العلوية على السلطة أكثر، كلما أوجعه وأقلقه الشعور بحقيقة السيطرة السنية على المجتمع. لأن هذه المقاربة الطائفية تضع العلوي المشبع بها أمام سؤال عويص: إذا كان أهل السنة يكرهوننا، وهم متن المجتمع السوري، فما العمل؟ من نافل القول أن المقاربة الطائفية التي تنسف الصعيد المشترك بين السوريين عبر إحالتهم إلى هويات دينية ومذهبية متواجهة، لا تفتح الباب إلا أمام علاقات سيطرة مذهبية (صريحة أو مستورة)، وفي كل الحالات، يتبين في آخر النهار، أن الخاسر الأكبر في هذه الحال هي الأقليات الدينية[9].

حين أفرجت جبهة النصرة (فرع القاعدة في سورية) في صيف 2018، عن النساء العلويات اللواتي كان التنظيم قد اختطفهن من قرية اشتبرق (معظم أهاليها علويون)، استقبل الأهالي المخطوفات بزيهن “الإسلامي” الجديد، فقد كن يرتدين الحجاب المفروض عليهن من الخاطفين الإسلاميين المتشددين، وبعد تحررهن من سلطة الخاطفين ووصولهن إلى أهاليهن وبيئتهن الاجتماعية، لم تتجرأ أي منهن على نزع الحجاب المفروض والذي يشكل أحد أهم رموز الخاطفين، كما لم يقدم أي من الأهالي على فعل ذلك. رغم قسوة اللحظة واحتدام الصراع (وربما بسببهما)، ورغم رفضهم السياسي الشديد للجهة الخاطفة، لم يتجرأ أحد من العلويين على إزاحة رمز الخاطفين “السنة” عن رؤوس المخطوفات. ما كان الأمر سيكون على هذا الشكل لو كان الخاطفون من مذهب آخر غير المذهب السني، وقد فرضوا زيهم المذهبي على النسوة المخطوفات. حينها كان من الراجح أن يتسابق العلويون على انتزاع الرمز المذهبي المفروض على نسائهن المحررات. غير أن الأهالي، في الحالة المثال الذي نتناوله، تحسبوا من أن يبدو رمي الحجاب تحدياً معلناً (أمام الكاميرات) للمذهب السني، فاضطروا إلى احترام التغيير الشكلي الرمزي الذي فرضه الخاطفون على نسائهم والذي لا يلزمهم به فقههم المذهبي. هكذا استقبل الابن أمه المحررة وهي على هيئة لم يعتد أن يراها فيها، هيئة تشكل في الواقع اعتداء على صورتها المألوفة في نظره، غير أنه قبلها مكرهاً، أمام الكاميرات على الأقل، نتيجة استبطان انغلاب ديني أو دونية دينية تجاه المذهب السائد.

هنا نقترب أكثر من تحديد هذه المفارقة بين الرضى الديني التام ضمن الدائرة الداخلية، وإعلان الانغلاب الدائم أمام المذهب السائد، رغم عقود مما يعتبر في الوعي العام، سيطرة علوية على الدولة السورية. هذه المفارقة العجيبة التي تجعلنا نشهد كيف أن جماعة دينية لا تخشى على مذهبها من أن يدرس أبناؤها المذهب السائد في المدارس، ولا تهتم لكون الدولة تتبنى المذهب السائد من حيث الطقوس والأعياد دون أن تكترث بمذهبها وطقوسها، مفارقة أن ينسحب العلويون تلقائياً أمام طقوس ولغة المذهب السائد وكأنهم يخجلون من مذهبهم رغم تمسكهم الشديد به ورضاهم التام عن “سره”. صحيح أن كل المذاهب على رضا تام بذاتها، غير أن المذاهب التبشيرية لا تقبل أن تنسحب أمام المذاهب الأخرى ولا أن يدرس أبناؤها في المدارس تعاليم مذهب آخر سوى مذهبهم. المفارقات السابقة تقول إن هذه الجماعة لا يخالطها أدنى قلق على تماسكها المذهبي مهما حصل. هكذا تعرض علينا الجماعة المذهبية العلوية (كنموذج عن المذاهب الباطنية) حالة يبدو فيها الضعف دلالة قوة، ويبدو مظهر الانغلاب دلالة ثقة بالثبات، ويبدو الاحترام الظاهر للمذهب السائد شكل من الاستهانة بقدرته على تفكيك اللحمة المذهبية للجماعة الباطنية.

بحث العلويين القلق عن شكل خارجي لمذهبهم

العقود العديدة من سيطرة نخبة عسكرية علوية على الدولة السورية، قادت، على عكس المتوقع، إلى اقتراب التدين العلوي من التدين الظاهري السائد، أكان سنياً أو شيعياً. ففي حين بالغت النخبة العلوية المسيطرة في استرضاء رجال الدين السنة وأتباعهم، تحت ضغط حاجة الرئيس “أول رئيس غير سني للدولة السورية” للقبول من جانب النخبة الدينية للمذهب السائد، مال رجال الدين العلويون أيضاً للتشبه أكثر بالمذهب المسيطر، في سعيهم للرد على مشكلة طرحها وصول نخبة علوية للسيطرة على الدولة السورية ودوام هذه السيطرة، وهي تقديم شكل ظاهري للمذهب العلوي الذي بات، بسبب وصول ضباط علويين إلى راس السلطة في سورية، محط أنظار لم تكن تعبأ به. كما لو أن الموضوع الذي طرح نفسه على رجال الدين العلويين هو تقديم تغييرات في الدين، من حيث الشكل والطقوس، ليكون مرئياً لعيون الآخرين، أو على الأقل ليكون له شكل وصورة يبدو عليهما، بعد أن باتت معرفة هذا المذهب مطلوبة وبات يثير الفضول ويكثر الطلب على معرفته. كما يسعى أهل البيت إلى ترتيب بيتهم وتزيينه بأشياء مجلوبة لاستقبال ضيوف.

من المعروف أن المذهب العلوي هو مذهب باطني ليس فقط في كونه مذهباً سرياً في تعاليمه ورؤيته، بل وأيضاً في طقوسه وشكله الخارجي. لا يوجد في المجتمع العلوي معالم دينية يستدل من خلالها على مذهب الجماعة، كما يمكن الاستدلال مثلاً على إسلامية الجماعة السنية من المساجد وعلى مسيحيتها من الكنائس. لا توجد بيوت أو أماكن محددة للعبادة، ولن تجد الرجل العلوي وهو يتعبد ربه في صلاة طقوسية ظاهرة، فالعلوي يصلي في قلبه أينما كان، ويمكنه إنجاز صلاته بينما هو يقوم بعمله في الأرض مثلاً. كما يعتبر العلوي المؤمن أن الطهارة في القلب كافية للبدء بالصلاة دون الحاجة إلى طهارة مستمدة من الاغتسال (الوضوء). كما لا يفرض المذهب على العلوي فريضة الحج أو الصيام. هناك من يقوم بهذه الطقوس ولكنهم قلة وغالباً من كبار السن[10].

حين سعى العلويون إلى إعطاء مذهبهم شكلاً ما، لم يجدوا سوى الشكل الإسلامي السائد، لذلك انتشرت في القرى العلوية ظاهرة بناء المساجد. وقد بقيت هذه المساجد، في الواقع، شكلاً بلا وظيفة على اعتبار أن المؤمن العلوي لا يحتاج إلى مسجد للصلاة. على هذا تحول المسجد إلى مكان لإقامة العزاءات بالأحرى. وفي كثير من القرى العلوية تحولوا بالفعل عن بناء المساجد إلى بناء مكان يناسب وظيفته الحصرية هي إقامة العزاءات لأهل القرية، وأسموه “مبرًّة”. كما ازداد بشكل ملحوظ عدد الملتزمين بصيام رمضان، وبدأنا نشهد ميلاً، وإن يكن ضعيفاً، لدى شابات علويات لارتداء الحجاب. لا نغفل أن وراء هذه الظاهرة أسباب سياسية، يمكن صوغها بوجود نزعة شعبية عميقة للتصالح مع الأكثرية السنية ولاسيما عقب مجزرة حماة، ويمكن فهمها على أنها رسالة تبرؤ شعبية من مسؤولية أحداث البطش الرهيبة التي أوقعها النظام بالمتمردين السنة في ذلك الزمن، مع شيوع تصور يضع العلويون والسلطة “العلوية” في سلة واحدة. إلى هذا، نعتقد أن العلوي يحمل، في معرض الحديث عن الأديان، قلقاً يلخصه السؤال: ما هذا الدين الذي لا شكل له ولا يفصح عن باطنه؟ ما هؤلاء المؤمنون الذين لا يصومون ولا يحجون ولا يصلون صلاة الإسلام ولا يحرمون الخمر ..الخ؟

دخل مبشرو المذهب الشيعي على الخط في هذه اللحظة، لحظة شعور العلويين بضعف ملامح دينهم، وتصدي رجال الدين العلويين لمهمة تقديم شكل ظاهري لمذهبهم إلى العالم، بعد أن كان مذهباً مغفلاً وبعيداً عن الأعين ومكتفياً بالظل وربما سعيداً به. استفاد المبشرون الشيعة ذوو الدعم الإيراني من السلطة التي أتيحت لهم جراء العلاقة المتينة التي جمعت السلطة السورية الأسدية مع السلطة الدينية الإيرانية، واستفادوا من حاجة المذهب العلوي للظهور في حين أنه تقريباً بلا شكل خارجي، الشيء الذي صوره المبشرون الشيعة على أنه ضعف مذهبي وبشّروا بأن القوة تكمن في التشيع.

بين الانضباط والتراتبية الشيعية ومهارة الكلام والمحاججة لدى الدعاة الشيعة والشكل المتبلور للمذهب الشيعي، وبين بساطة الواجبات الدينية وانعدام الثقل الديني في الحياة اليومية للعلويين وبساطة رجال دينهم وشبه انعدام الشكل الظاهري الطقوسي لمذهبهم، انقلب عدد من العلويين إلى المذهب الشيعي بوصفه مذهب جاذب في دقة تنظيمه وفي علو كعب مبشريه بالمحاججات الدينية والاطلاع التاريخي ..الخ، والأهم ربما هو شعور العلوي المنقلب أو المتشيع أنه بات على مذهب يمكنه من محاججة ومواجهة المذهب السني الذي طالما انكسر أمامه في مرحلته العلوية[11]. غير أن هذا المسار تعرقل بتأثير عاملين، شعبي وسلطوي. الأول هو مقاومة التغيير المذهبي التي أبداها العلويون طوال تاريخهم، بما في ذلك مقاومة التشيع رغم الاغراءات المادية في وضع اقتصادي صعب. والثاني هو عدم رغبة السلطة الأسدية في انتشار التشيع بين العلويين أولاً لأن هذا يخرجهم من دائرة نفوذ السلطة ويضعهم في الدائرة الإيرانية، وثانياً لأن التشيع يخلق تنظيم ديني له أرباب ينافسون أرباب السياسة، وهو ما لا يريده أهل السلطة الأسدية. معروفة في الساحل السوري قصة تصفية الدكتور المهلب حسن في 1984، بسبب صلاته مع إيران ودعوته العلويين للتشيع، ومعروف أيضاً حل جمعية الإمام المرتضى في العام نفسه لأنها شكلت مدخلاً للتشيع.

ما يسترعي الانتباه، أن سورية لم تشهد، بعد المرحلة العثمانية مسعى إسلامي سني لكسب العلويين كما فعل الشيعة، رغم أن تاريخ سورية في الفترة العثمانية، حافل بمساع لدفع العلويين إلى اعتناق المذهب السني[12]. هل يكمن السبب في الانشغال بالهم الوطني بعد الدخول الفرنسي إلى سورية، ثم سيطرة الايديولوجيات الكبرى بعد الاستقلال كالقومية والاشتراكية؟ يمكننا بعد 1970 رد الأمر إلى بروز حساسية مستورة حالت دون قيام أي مسعى سني بهذا الاتجاه. وقد يكون في النتائج الهزيلة أو الفاشلة التي منيت بها المساعي العثمانية رغم ثقل القوة العثمانية، ما أقعد الدعاة السنة في سورية عن السعي لتحويل العلويين.

السلطة و”ديموقراطية” المشيخة العلوية

من التغيرات المهمة التي طرأت على الممارسة الدينية العلوية بتأثير استمرار سيطرة نظام الأسد، هي كسر الحاجز التقليدي بين فئتي المشايخ والعامة. بات من الممكن لمن يشاء أن يصبح شيخاً وأن يقوم بوظيفة الشيخ المعروفة في الوفيات والزواجات والأعياد. يتندر العلويون بالقول إن “خريجي” السلطة، ولاسيما منهم مساعدو الجيش أو الأمن المتقاعدون، يواصلون سلطتهم بأن صبحوا إما مشايخ أو أصحاب مكاتب عقارية. هذا الابتذل في موقع الشيخ العلوي، رافقه بروز ظاهرة المشايخ العلويين الأكاديميين الذين يتخرج غالبهم من معاهد تعليم شيعية دون أن يعني هذا تشيعهم، مثلما أن تخرج بعضهم من كلية الشريعة في دمشق لا يعني تحولهم إلى المذهب السني.

إذا كان الشيخ (المساعد السابق أو ابن السلطة) كهل يتمتع بسعة خبرته السلطوية وعلاقاته، فإن الشيخ الأكاديمي شاب يتمتع بمعرفة دينية أعمق، غير أن كلاهما جاء على حساب خطوط المشيخة العائلية التقليدية، الأمر الذي أفضى إلى تفتيت وإضعاف السلطة المعنوية لرجل الدين العلوي. شيوع المشيخة حقق لسلطة الأسد إضعاف سلطة المشيخة التقليدية وضرب استقلاليتها النسبية، كما حققت السلطة عبر “ديموقراطية” المشيخة اختراق العلويين ليس فقط من الناحية الأمنية بل ومن الناحية الدينية أيضاً، من خلال تمشيخ فئة من الناس هي امتداد السلطة وابنتها من حيث الولاء والعقلية. النتيجة أن حضور رجل الدين العلوي يتراجع في المجتمع ويزداد ضعفاً أمام حضور رجل السلطة. ففي الضمير العميق لقسم كبير من العلويين أن “تحرر” العلويين لا يعود الفضل فيه إلى رجال الدين بل إلى رجال السلطة. وعلى هذا، تقبل العلويون التحول الذي افتتحته السلطة والذي ينتقل من خلاله رجل سلطة سابق إلى رجل دين، وكأن في ذلك عرفان يقدمه المجتمع العلوي لأهل السلطة “المحررين” بكسر الراء. هكذا تسربت السلطة السياسية إلى المذهب العلوي عبر نافذة العرفان أو الفرض، ولم يكن بمقدور المشايخ التقليديين مواجهة هذا التحول. في المحصلة تطور لدى رجال الدين العلويين (وبشكل خاص منهم أبناء السلطة المذكورين) تقدير لرجال السلطة فتح الطريق أمام إسباغ قيمة دينية، وليس فقط سياسية، على الكبار منهم، كما هو الحال مع حافظ الأسد.

خلاصة

تفيد الملاحظة المباشرة للحالة السورية، بوصفها نموذجاً لدراسة تأثير السلطة السياسية المستبدة على تركيبة وصورة المذهب الباطني، حين يتولى هذه السلطة عسكريون من المذهب نفسه ويجعلون من جماعتهم المذهبية سنداً لديمومة السلطة، أن المذهب الباطني لا يتخلى عن “سريته” مع تبدل الظروف السياسية. وأن هذا المذهب لا يميل، بأي حال، إلى الاصطدام “الديني” مع المذهب الرسمي. على العكس من ذلك، فقد دفع تسليط الأضواء على الطائفة العلوية بعد 1970، بصورة خاصة، إلى توليد نزوع شكلاني لدى العلويين يهدف إلى إضافة عناصر شكلية من الدين الظاهري (الشيعي أو السني) إلى حياتهم الدينية، كما لو أن العلويين يأخذون على أنفسهم بساطة دينهم.

لا يمتلك المذهب العلوي نزعة توسعية أو تسلطية، ولذلك فإن سلطة الأسد التي جمعت الاستبداد إلى العصبية الطائفية، ولدت علاقة داخل الجماعة العلوية بين رجال السلطة ورجال الدين يكون للأخيرين فيها موقع التابع، حتى لو تمت مراعاة الاعتبارات الشكلية في هذه العلاقة. وحين يتمشيخ رجل السلطة السابق فإنه يستمد من سلطته قيمة مضافة إلى وظيفته الدينية المستجدة.

لا بد أن العلويين يدركون في العمق، شأنهم في ذلك شأن أي جماعة مذهبية باطنية كان يمكن أن تكون في موقعهم، أن العصبية الطائفية لا يمكن أن تشكل أساساً يركن إليه لأمن الجماعة ومستقبلها، وأن بناء مشترك وطني هو مصلحة لهم قبل غيرهم. غير أن مقتضيات سلطة سياسية الأسد التي توهموا أنها حررتهم، أحيت فيهم العصبية الطائفية على حساب الوطنية، وأحيت بذلك النزوع الطائفي غير الوطني في مجمل المجتمع السوري، كل ذلك دون أن تظهر في اللغة الظاهرة للنظام أي كلمة طائفية.

بتنا اليوم أمام حالة يحتاج فيها تحرير المذهب العلوي مع غيره من المذاهب، التحرر من سلطة الأسد وأشباهها، لكي يعود المذهب إلى مجاله الديني، وتكف السلطة السياسية عن خلق العصبيات الطائفية والاستثمار فيها كما كان الحال في سورية منذ نصف قرن على الأقل.

هوامش:

[1]  كما تقول وثيقة ظهرت على الإعلام في 2016، باسم وثيقة الابتدار العلوي، مجهولة المصدر، وتحمل عنوان (العلوي في المجتمع، إعلان وثيقة إصلاح هوياتي).

[2]  الياس صالح اللاذقي، آثار الحقب في لاذقية العرب، تحقيق الياس جريج، دار الفارابي، ط1، 2013. ص27.

[3]  “إن ظهور العلويين كان تغايراً عن أصل الانتظام السياسي والاجتماعي السائد حينه. لقد كان استمرارهم وحفظهم كمجموع، خوضاً في سياق لا بديل فيه عن البقاء أو الفناء. الانعزال والانغلاق صارا – لذلك – ملجأ بل ومنهجاً لحفظ الذات . . فنحن المعتبرون من جيل إلى جيل، على أساس “السرانية” المرتبطة باعتقادنا الديني والمفهومة من بعض منا ومن بعض سوانا، على أنها موجبة لاتقاءنا غيرنا ثم لكفه عنا”. وثيقة الابتدار العلوي سابقة الذكر.

[4]  نقول بالتدريج لأن ما تراكم في الوعي لقرون من الزمن لا يمكن أن يزول بسنوات قليلة. بعد أكثر من عقدين على وصول حافظ الأسد إلى المركز الأول للسلطة في سورية، وما أعطى العلويين قدراً من الشعور بالأمان تجاه المذهب السني بالتحديد، لأنهم باتوا أهل سلطة، ظل العلويون يمتنعون عن الكثير من مظاهر مذهبهم اللفظية أو السلوكية في حضرة ابناء المذهب السني، حتى حين يكون هؤلاء بضيافتهم. يحرص العلويون مثلاً على إخفاء حقيقة قبولهم شرب الخمر في أعيادهم الدينية إذا تواجد مسلمون سنة، كما يحرص العلويون على عدم القسم “بالإمام علي” في حضرة المسلمين السنة، ويشهد الكاتب على حادثة طريفة قام فيها الأب بجمع أبنائه الصغار وتنبيههم بحفظ ألسنتهم عن القسم الدارج (والإمام علي) حالما يصل صديقه المسلم السني وعائلته الذين سيحلون ضيوفاً عندهم في القرية.

[5]  يمكن مراجعة كتاب “قطار العلويين السريع” لحسان القالش. المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 2017.

[6]  تنكر الوثيقة أن تكون “ابتدار إصلاح ديني سواء في معتقدات أو في طرائق”، مع ذلك تقول إنها “ترسم للعالم دستور هويتنا الجديدة” وتتكلم عن “العلوية في حقبتها الجديدة”.

[7]  كانت الدعوة الإسلامية في المرحلة المكية لا تريد سوى السلامة فيما هي تتطلع إلى سيطرة مستقبلية، وحين حازت على القوة عملت على نسف المبدأ نفسه الذي استندت إليه في مرحلة الضعف. في هذا الجانب لا يوجد تشابه بين الحالتين (المذهب الباطني والدعوة المحمدية في مرحلتها المكية)، ذلك أن المذهب الباطني لا ينطوي، في صلب تكوينه، على أي ميل للسيطرة المذهبية.

[8]  إرضاء رجال الدين السنة كان هاجساً مستمراً لسلطة الأسد الأب كما تشهد سنوات حكمه المديد، ومن المفهوم في السياق نفسه زواج أبنائه تالياً من عائلات سنية جرياً على سياسة تسعى إلى كسب عنب الشام بالسياسة الظاهرة وبلح اليمن بالسياسة المستورة. من اللافت أن لعبة الظاهر والباطن مارسها النظام على طول الخط، هناك دائماً مواقف معلنة وتفسيرات مستورة، الغرض هو كسب جمهور على الطرفين، من لم ترقه المواقف الظاهرة يمكن كسبه عبر الدعاية المخفية. هكذا مثلاً شارك الأسد في عاصفة الصحراء مع الأميريكيين لإخراج صدام حسين من الكويت، لكي لا يتمادى التحالف الدولي حينها في ضرب الجيش العراقي.

[9]  من المفيد، في هذا الجانب، العودة إلى كتاب تورشتين  شيوتز وورن، “العلويون، الخوف والمقاومة”، ترجمة ماهر جنيدي. مركز حرمون للدراسات المعاصرة، ط1، 2018، ولاسيما الفصلين الخامس والسادس. “يصف العلويون سورية المعاصرة، بأن الاستقرار الذي يختبره العلويون الآن هو محض مدة راحة من (النظام الطبيعي) حين يكونون الطرف الذي يتلقى سوء المعاملة والظلم .. بعض العلويين يقولون إنهم يتمنون لو كانوا غير علويين”. ص133-134.

[10]  ينظر المذهب العلوي إلى الطقوس على أنها أدوية لمرض، وأن الجسم السليم لا يحتاج إلى أدوية. ويفهم العلوي الحج على أنه رحلة العقل إلى القلب وليس انتقال فيزيائي إلى مكة، وأن بيت الله هو قلب المؤمن وليس مبنى حجرياً أينما كان.

[11]  يبدو لنا أن كل كسب شيعي في سورية يذهب إلى رصيد تخريب المجتمع السوري، ذلك أن المذهب الشيعي هو مذهب مواجهة مع المذهب السني على عكس الحال بالنسبة للمذاهب الباطنية المتواجدة في سورية والتي تقر للمذهب السني بالسيادة ما يحول دون صراعات طائفية رهيبة كالتي شهدها العراق بعد الاحتلال الأميريكي.

[12]  يمكن العودة إلى الفصل الخامس (إصلاح امبراطوري واستعمار داخلي) من ستيفان وينتر، تاريخ العلويين من حلب القرون الوسطى إلى الجمهورية التركية. ترجمة: أحمد نظير أتاسي، باسل وطفة. مركز حرمون للدراسات المعاصرة ودار ميسلون للطباعة والنشر والتوزيع. ط1. 2018.

———————————-

راجع ما نشرته “صفحات سورية” عن هذا الموضوغ في 2015

مفهوم “العلوية السياسية” مجموعة مقالات

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

47 − 37 =

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى