سياسة

جبهة النصرة والوضع في ادلب -مقالات مختارة-

بنادق الهيئة تفرض «الإنقاذ» المفخخ على إدلب/ عروة خليفة

لم يكن غياب توقيع فيلق الشام عن الاتفاق الذي جرى بين الجبهة الوطنية للتحرير وهيئة تحرير الشام مستغرباً، إذ لم تكن مشاركة الفيلق في المعارك التي خاضتها فصائل في «الجبهة الوطنية» ضد الهيئة (النصرة سابقاً) تتوافق مع قدراته القتالية الفعلية، وهو الفصيل الأكبر بين فصائل الجبهة، والذي اقتصرت مشاركته على بعض الكتائب الصغيرة، فيما كانت الهيئة تبتلع «حلفاءه» الآخرين وتُخضعهم.

والاتفاق المذكور هو اتفاق بين الجبهة والهيئة، مثّلَ الجبهة فيه قيادة فصيلي أحرار الشام وصقور الشام، ويقضي بوقف إطلاق النار وتسليم إدارة «المنطقة» لـ «حكومة الإنقاذ».

الاتفاق بين الجبهة الوطنية للتحرير وهيئة تحرير الشام

وبهذا الاتفاق، تكون معظم الفصائل في إدلب وريفها وريف حلب الغربي، أو ما بقي منها بالأحرى، قد اعترفت أخيراً بإدارة حكومة الإنقاذ، التي كانت قد تشكلت أواخر العام 2017 بعد مؤتمر أدارت ترتيباته ومخرجاته هيئة تحرير الشام، وبذلك تكون الهيئة قد امتلكت رسمياً ورقة إدلب من الداخل بشكل شبه تام، بشراكة الصمت الذي مارسه الفيلق -المدعوم تركياً- خلال الأسابيع الماضية، والتي أتاحت لقوات الهيئة إنهاء فصيل الزنكي في ريف حلب الغربي والسيطرة على معاقله، ومن ثم التوجه لإنهاء فصيليّ أحرار الشام وصقور الشام، اللذين تجنبّا الاستئصال الكامل بتوقيع اتفاق «استسلام» فجر اليوم العاشر من كانون الثاني 2019. إلا أن هذا لن يعني بالضرورة تراجع الهيئة تماماً عن استهداف قياديتيهما، أو تخلّيها فعلاً عن الدخول العسكري المباشر إلى البلدات التي يتواجد فيها هذان الفصيلان.

بالمقابل، يبدو واضحاً إصرار الهيئة على تحصيل اعتراف الفصائل بحكومة الإنقاذ في كل الاتفاقات الموقعة، كما في هذا الاتفاق، وقبله في اتفاق آخر كانت قد وقعته الهيئة مع حركة أحرار الشام في قطاع سهل الغاب وجبل شحشبو، الذي يضم عملياً القوة العسكرية الأهم للأحرار.

كان الاعتراف بحكومة الإنقاذ شرطاً رئيسياً في تلك الاتفاقات، ويقدّم هذا مؤشراً رئيسياً على توجهات الهيئة المقبلة، إذ يبدو أنها تريد في المقام الأول إثبات قدرتها على التحكم بمفاصل الحياة في مجمل المنطقة، التي أصبحت منذ اتفاق سوتشي الأخير بين أنقرة وموسكو منطقة للمساومات بين الطرفين. وبالنتيجة، تريد الهيئة أن تكون طرفاً ضامناً ومنفذاً على الأرض لهذه الاتفاقات.

ويبدو أن القضاء على الزنكي، ومن ثم إنهاء أحرار الشام عملياً من خلال تفكيك جناحها العسكري الأقوى في سهل الغاب، وحصار صقور الشام في بضع قرى بجبل الزاوية، مع اعتراف الجميع بحكومة الإنقاذ التي تهيمن عليها الهيئة، هي الأوضاع التي ستعطي الهيئة التفوق اللازم لتكون الطرف المهيمن والمنفّذ للاتفاقات الدولية على الأرض في إدلب ومحيطها.

من جهتها، بدت أنقرة كما لو أنها غير معنية بالحدث طيلة الأيام والأسابيع الماضية، إذ لم يتحرك فيلق الشام وهو الفصيل الأكبر في الجبهة الوطنية للتحرير كما يجب، ولم يزجّ بقواته فعلياً في المعركة، عدا عدة كتائب وألوية، قال مصدر مقرب من الجبهة الوطنية للتحرير إنها تحركت بشكل منفرد دون قرار من قيادة الفيلق، وإن هذا قد يعرضها للمحاسبة.

كذلك لم يتحرك «الجيش الوطني» المرعي من أنقرة بشكل مباشر، والمكوَّن من فصائل أساسية في عمليات درع الفرات وغصن الزيتون، إلا في المناطق التي تُعدُّ حيوية بالنسبة له على مداخل منطقة عفرين، حيث يمنحه الاحتفاظ بالسيطرة على مناطق في شمال غربي إدلب قدرة على التحكم بحركة القوات من وإلى المنطقة، وهو ما لا يمكن تسليمه بشكل كامل لهيئة تحرير الشام، التي سعت بوضوح للسيطرة على كامل الشريط المحاذي لعفرين، كي تضبط الحركة بين المنطقتين بالكامل.

عدا تلك التحركات المحدودة للغاية، كانت ردة فعل القوات المدعومة من تركيا في المعارك الأخيرة أقرب للصفر، أما على صعيد التصريحات السياسية، فلم تخرج تركيا عن صمتها سوى بعد توقيع الاتفاق الأخير بساعات قليلة، عندما قال وزير خارجيتها شاويش أوغلو إن تركيا اتخذت ما يلزم من خطوات لوقف هجمات «الجماعات الراديكالية على المعارضة» في إدلب، وهو ما يعني تغاضي أنقرة عن العمليات التي قامت بها الهيئة، وموافقتها على خضوع المنطقة إدارياً لحكومة الإنقاذ، وذلك بالتزامن مع صمت تام من قبل موسكو، الأمر الذي يعني بدوره أن هذه التحولات تجري بتغاضٍ تام من رعاة سوتشي، إلى حين.

يمكن أن تكون التغيرات التي جرت على الأرض في إدلب وريف حلب الغربي مقدمة لاتفاقات وتفاهمات جديدة، ستضم بالإضافة إلى مصير إدلب، تقاسمَ تركة واشنطن في شرق الفرات في حال تنفيذ الأخيرة انسحابها فعلاً. وستكون سيطرة الهيئة حجة مقنعة لتسليم مصير المنطقة إلى موسكو مستقبلاً، أو أنها ستكون فرصة لتوحيد المنطقة تحت سيطرة تركية تامة، تصلح هيئة تحرير الشام وحكومة إنقاذها أداة لتنفيذها، كما تصلح ذريعة لتنفيذها بيد فصائل «الجيش الوطني» الخاضع لتركيا أيضاً.

يبقى المصير القادم من بين هذه المصائر الثلاثة رهناً بالتفاهمات الجديدة التي ستحدث، لكن المؤكد أن سيطرة هيئة تحرير الشام الشاملة على إدلب ومحيطها، تفتح الباب أمام ترك تلك المنطقة ميداناً للمساومات، مع بقاء احتمال أن تصير الهيئة وكيلاً مقبولاً في إدارتها، وهو ما تطمح إليه قيادة الهيئة وتعمل من أجله بكل ما أوتيت من قوة.

موقع الجمهورية

لغز جبهة النصرة/ ميشيل كيلو

صارت جبهة النصرة لغزا محيرا، بالطريقة التي انتزعت بواسطتها ما يسمّى “المحرّر” من الأراضي في سورية، من دون قتال غالبا، أو على وجه التقريب، بموقف القوى الدولية والإقليمية والمحلية من شنها معارك أدت إلى تبديل توزيع القوى في المناطق، من دون أن يحرّك أحد ساكنا، أو يتخذ أي إجراء لمنع تمدّدها الخطير بجميع المعايير، تطبيقا لقرار دولي اتخذته في قمة سوتشي روسيا وإيران وتركيا، ووافقت عليه الولايات المتحدة التي تجاهلت بدورها نيفا وعشرين ألف مقاتل، ينسبون أنفسهم من دون مواربة إلى تنظيم القاعدة الذي ذهب جيش واشنطن لمقاتلته في أفغانستان البعيدة، بينما ينشر قواته في منطقةٍ مجاورةٍ لشرق الفرات، حيث لها قوة جوية وبرية تستطيع، في أقل تقدير، شن غارات جوية وتوجيه ضربات أرضية إليه، لكنها لا تفعل، بل تتعايش معه بسلام.

يحير لغز جبهة النصرة السوريين الذين يطرحون أسئلة تبقى من دون أجوبة، تدور جميعها حول علاقة مفترضة لتركيا بها، يفسّرون بها تمدّد “النصرة” إلى مناطق تحتلها فصائل محسوبة على أنقرة، من دون أن يتوقفوا عند حقيقة أن جيشها موجودٌ في مناطق القتال، لكنه لم يفعل شيئا لحماية فصائل صديقة لأنقرة التي ضنت عليها ببيان يدين العدوان عليها! ويبقى السؤال: لماذا أمرت تركيا جبهة النصرة بالتخلص من فصائل موالية لها، هي بحاجة إليها ضد قوات سورية الديمقراطية (قسد) وبشار الأسد؟ هناك تفسير آخر ينسب تغول “النصرة” إلى قرار دولي أعدته تركيا، كلفت بتنفيذه كتنظيم إرهابي يرفضه العالم، لكنه يُستفاد من خدماته.

إذا كانت تركيا تحمي جبهة النصرة، لتستخدمها لاحقا ضد “قسد” في معركةٍ آتية ضدها، فما الذي يمنع واشنطن من استهدافها، ما دامت ستقاتل قريبا حلفاء لها، أعلنت بلغةٍ فظّة أنها لن تسمح لتركيا بمهاجمتهم، وربطت انسحابها من شرق الفرات بحمايتهم، وبالقضاء النهائي على تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)؟ وإذا كانت أنقرة وراء امتناع روسيا عن ضرب تنظيمٍ تعتبره قرارات سوتشي وأستانة التي تقف روسيا وراءها إرهابيا، يجب القضاء عليه، فما الذي منع إيران والنظام من مقاتلته، مثلما فعلا ضد الجيش الحر في سوق وادي بردى، حيث أعلنت روسيا أن فصائله ليست إرهابية، وطالبت رسميا بوقف الهجمات عليها، من دون أن يتوقف الهجوم الإيراني الأسدي عليها؟

هل تلزم تركيا إيران والأسد بالامتناع عن مهاجمة تنظيمٍ تابع لها أو يعمل في خدمتها؟ وإذا كانت روسيا ستطيع أنقرة في ما يتصل بـ “القاعدة”، فلماذا اتخذت قرار القضاء عليه؟ ولماذا وافقت تركيا على جداوله التنفيذية، وجددت موسكو التزامها به بلسان الرئيس بوتين؟ ولماذا هاجم الطيران الروسي جبهة النصرة قرب حلب، ووقف مكتوف الأيدي طوال أشهر حيال سيطرتها على عشرة آلاف كيلومتر مربع من “المحرّر”، ومثله فعل طيران أميركا؟ ماذا وراء هذا الموقف الدولي الذي لا يُعقل أن تكون تركيا هي التي فرضته على عالمٍ تسوغ دولتاه الكبيرتان احتلالهما الأرض السورية بالحرب على الإرهاب، وتحاربان “داعش” بهذا القدر أو ذاك، لكنهما تتعايشان بسلام مع تنظيمٍ أشد خطورةً، وأكثر تنظيما وقدراتٍ منها، ينتشر في مناطق معروفة، ويعلن تصميمه على مقاتلتهما، وتحرير عفرين من تركيا، وسورية منهما؟

لا ينتمي الموقف من جبهة النصرة إلى عالم الحرب، إنه جزء من تهيئة الأجواء للحل الدولي، ولذلك قبلت أطرافه إزالة الفصائل التي فقدت قيمتها لدى داعميها الذين فقدوا دورهم. لم تتحرّك تركيا، لأن خيارها الجيش الوطني الذي أسسته، ولا تريد أن يبقى في الساحة تنظيم غيره. لذلك لن تحسم “انتصارات” جبهة النصرة مصيرها، المرتبط من الآن فصاعدا بتقدم مساعي الحل الدولي، بدءا بترتيب علاقات تركيا بكرد شرق الفرات، وتشعباتها المعقدة.

العربي الجديد

أين تركيا من «غزوة» النصرة ؟/ خورشيد دلي
الإقتتال بين الفصائل المسلحة في الشمال السوري ليس بجديد، ولكن الجديد هذه المرة، هو اكتساح هيئة تحرير الشام ( النصرة سابقا ) لمناطق واسعة في أرياف محافظات حلب وأدلب وحماة، والقضاء على فصيل الزنكي خلال أيام قليلة وحل حركة احرار الشام نفسها، إلى درجة ان مناطق سيطرة النصرة باتت ترسم خريطة جديدة في الشمال السوري.
ثمة أسئلة كثيرة، تطرح عن تحرك النصرة في هذا التوقيت، وعن سرعة سيطرتها على قرى ومناطق من دون مقاومة تذكر، وعن مواقف الدول المعنية بالأزمة السورية وتحديدا تركيا من توسع النصرة بهذا الشكل الدراماتيكي، والأهم، ما هي السيناريوهات المنتظرة من وراء كل ذلك ؟ يرى كثيرون أن النصرة وجدت في إنتقال آلاف من عناصر الفصائل المسلحة من محافظة أدلب إلى المناطق الموازية لشرق الفرات ومنبج، في إطار العملية العسكرية التي تعدها تركيا هناك، فرصة ذهبية للتحرك على الأرض، لكن يبقى الأهم لها، هو كيفية التعامل مع استحقاق الاتفاق الروسي – التركي بشأن أدلب، حيث تدرك جيدا، انها المستهدف الأول من هذا الاتفاق، وعليه ثمة من يرى أن تحرك النصرة جاء استباقا لهذا الاستحقاق، وبغية فرض نفسها كأمر واقع.
أبعد من تحرك النصرة، ثمة أسئلة عن عدم تحرك تركيا لمساعدة الفصائل الدائرة في فلكها، بل ولماذا لم تتحرك فصائل ( درع الفرات ) و (غصن الزيتون ) ضدها لمؤازاة الزنكي؟
مع غياب إجابة واقعية وحقيقية عن هذا السؤال، ثمة من يرى أن أولوية تركيا في هذه المرحلة، ليست محاربة النصرة، بل الكرد وتحديدا وحدات حماية الشعب الكردية في شرقي الفرات، وعليه لم تتحرك تركيا أو الفصائل التابعة لها ضد النصرة، دون أن يعني ما سبق ان احتمال المواجهة غير واردة إذا ما تقدمت النصرة أكثر فأكثر.
لكن ما سبق، لا يلغي أهمية تلك التحليلات، التي تقول إن ما يجري مدروس، وفي إطار جهود إقليمية، تقودها كل من موسكو وأنقرة، لكيفية ترتيب المشهد في الشمال السوري، إذ ان قضية التخلص من النصرة، ليست سهلة كما يتوقع البعض في ظل إمتلاكها لأسلحة هائلة، وأعداد كبيرة من المقاتلين، تقدر بنحو ستة عشر آلف مسلح.
في الواقع، في الحديث عن ( غزوة ) النصرة المسكوت عنها إقليميا، ثمة من يضع الأمور في إطار سيناريوين. الأول: إن تركيا التي تجد صعوبة بالغة في تنفيذ اتفاق سوتشي بشأن أدلب ومحاربة النصرة المصنفة في قائمة الإرهاب، قد ترى في سيطرة الأخيرة على منطقة جغرافية محددة، أفضل طريقة للتخلص منها لاحقا، من خلال عملية عسكرية مشتركة تقودها روسيا بمشاركة الجيش السوري وحليفيه «حزب الله» وإيران، وهو ما يعني ان الطائرت الحربية الروسية هي التي ستحسم هذه المعركة من الجو، قبل أي تقدم على الأرض.
السيناريو الثاني، يقوم على ان تركيا لا تقدم أي شيء بالمجان في الشمال السوري، وان السيناريو الأول لا بد ان يتضمن الثاني، وهو السماح لروسيا والنظام وايران بضرب النصرة واستعادة المناطق التي تسيطر عليها، مقابل موافقة روسية على عملية تركية في منبج ومناطق حدودية محددة في شرق الفرات بعد ان تأجلت هذه العملية، انطلاقا من الحسابات الإقليمية والمواقف الدولية. ولعل ما يرجح مثل هذا السيناريو، هو ان تركيا ومنذ معركة حلب كانت أكثر اللاعبين في جعل مبدأ الصفقات السمة المميزة للأزمة السورية، من معركة غوطة دمشق مرورا بدرعا، وصولا إلى ما يجري اليوم في الشمال السوري.
* كاتب سوري.
الحياة

حكومة الإنقاذ: الوجه الناعم لـ«تحرير الشام» يتمدد/ مصطفى أبو شمس
كان بيان الاستقالة الذي أصدره المجلس المحلي للأتارب بريف حلب الغربي مساء الاثنين الماضي، ليشكل سابقة استثنائية في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، لولا أنه جاء مرتبطاً بتحولات جذرية سياسية وعسكرية ناتجة عن سيطرة هيئة تحرير الشام على كامل محافظة إدلب وريف حلب الغربي، ليغدو البيان الذي بدأ بعبارة «انطلاقاً من المصلحة العامة» تعبيراً عن الاحتجاج على السلطة الجديدة، وعلى إخضاع المنطقة للإدارات المدنية المنبثقة عن حكومة الإنقاذ، التي هي «الوجه المدني» لهيئة تحرير الشام.
جاءت هذه الاستقالة بعد مشاورات رافقت زيارة وفد من حكومة الإنقاذ وهيئة تحرير الشام إلى المجلس المحلي في الأتارب، يبدو أنها لم تثمر عن اتفاق بتبعية المجلس للحكومة، وهو الخيار الذي كان واحداً من خيارين لا ثالث لهما، طرحتهما الوفود التي زارت معظم المجالس المحلية ومجلسي محافظة ومدينة حلب، فإما القبول بالشروط المفروضة والتبعية المطلقة لحكومة الإنقاذ ومن خلفها هيئة تحرير الشام، أو الاستقالة والتخلي عن هذه الإدارات لصالح أخرى توافقية سيتم تشكيلها من أبناء المناطق المناصرين للهيئة.
وكان فواز هلال، رئيس النسخة الثانية لحكومة الإنقاذ المصغرة (9 وزارات)، والتي تم تشكيلها نهاية العام الماضي من مقربين من هيئة تحرير الشام، قد أجرى سلسلة زيارات وحاول تقديم تطمينات للمجالس والهيئات المدنية المحلية، لكن يبدو أن هذه الزيارات كلها لن تفلح في الوصول إلى اتفاق يجنب تلك المجالس الخضوع أو الاستقالة. وفي هذا السياق، يبدو كلام أبي محمد الجولاني الأخير، حول أهمية التزام الفصائل بمهمتها العسكرية فقط، وابتعادها عن الإدارات المدنية وتسليمها لكفاءات من أبناء المناطق، مجرد كلام إعلامي لكسب الحاضنة الشعبية، في الوقت الذي بدأت فيه الإدارات الأمنية التابعة للهيئة بتشكيل الجسم الجديد التابع لها في المؤسسات المدنية، خلافاً لتطمينات هلال وكلام الجولاني.
ويرى ناشطون من أبناء المنطقة أن العمل يجري على شقين، أولهما تقوم به حكومة الإنقاذ بهدف إظهار الوجه المدني والتشاركي مع مؤسسات المنطقة، ليبقى القرار الفصل عند الشق الثاني، الذي تمتلك زمامه إدارات أمنية في الهيئة، تفرض شروطها على المجالس المنتخبة والهيئات الإدارية، متجاوزة كل ما كان قد اتُفق عليه مع حكومة الإنقاذ وممثليها. إذ لم يمضِ يوم واحد على زيارة رئيس حكومة الإنقاذ إلى مجلس محافظة حلب الحرة، ومناقشة الأمور المتعلقة بعمله وإصدار عدد من التطمينات حولها، حتى زار مسؤول المجالس في الإدارة العامة للخدمات التابعة لحكومة لإنقاذ، والمدعو «أبو عبدو طبيّة» مقر المحافظة، وقام بجرد محتوياته وتسلّم أوراق ومفاتيح الآليات الثقيلة التي كانت في عهدته (التراكس والشاحنات والميكروباصات وصهريج الماء والقلابات)! كما تم جرد محتويات مجلس المدينة أيضاً من قبل الشخص ذاته، وكذلك معمل الأعلاف الذي يتبع للمحافظة بهدف نقل ملكيته إلى إدارة الخدمات العامة في حكومة الإنقاذ، بحسب أحد أعضاء مجلس المحافظة.
السلوك ذاته تمّ اتبّاعه مع المجالس المحلية في جميع المناطق، كالأتارب وعينجارة والجينة وغيرها بريف حلب الغربي، والمجالس المحلية بريف إدلب الجنوبي وحماة، والتي تم تخييرها جميعاً بين التبعية الكاملة أو الاستقالة، بحسب جميع من تحدثت معهم الجمهورية من أعضاء هذه المجالس.
كذلك علّقت الشرطة الحرة في الأتارب عملها يوم الإثنين الماضي، وذلك بعد أن قام مندوبون من هيئة تحرير الشام بزيارة المخافر وجرد محتوياتها، ومنع عناصرها من ممارسة عملهم دون الرجوع إلى حكومة الإنقاذ. وجرت مفاوضات حول إتباع شرطة الأتارب الحرة إلى وزارة الداخلية في حكومة الإنقاذ، وتخفيض عدد عناصرها من 100 إلى 30 شرطياً من أبناء مدينة الأتارب حصرياً، يخدمون كامل المنطقة وريفها بعد مسابقة يخضعون لها، ودون توضيح آلية عملهم أو الرواتب التي سيتقاضونها. كما اشتُرِطَ عليهم تحمّل النفقات والديون السابقة على الشرطة الحرة، من مصاريف محروقات وتصليح سيارات، الأمر الذي دفعهم إلى الاستقالة الجماعية.
أيضاً تم تعليق العمل في إدارة السجل المدني في ريف حلب الغربي بشكل جزئي، وستشهد الأيام القادمة توقفاً كاملاً لعمله بناء على طلب من حكومة الإنقاذ بحسب أحد العاملين فيه، الذي قال إن هناك عدد من الشعب قد توقفت عن العمل، بينما تعمل شعب أخرى لفترة يعتقد أنها ستكون «مؤقتة».
وفي ريف إدلب، قام عناصر من هيئة تحرير الشام قبل أيام بمصادرة معدات المستوصف الطبي في جرجناز، واقتحام المجلس المحلي ومركز الشرطة في قرية الغدفة، والاتفاق على تشكيل مجلس محلي جديد فيها خلال أيام بالتعاون مع وزارة الإدارة المحلية في حكومة الإنقاذ، وإعادة العمل بمركز الشرطة شريطة التبعية لوزارة الداخلية فيها.
وكانت حكومة الإنقاذ قد أصدرت عدداً من القرارات الجديدة خلال الأيام الماضية، قضى أحدها بتعليق العمل في الجامعات ريثما يتم استكمال أوراق ترخيصها لدى مجلس التعليم العالي التابع لحكومة الإنقاذ. فيما شملت قرارات مشابهة الأفران والمطاعم والمحال التجارية تحت طائلة المسؤولية والغرامة، وقضت بإغلاق المحال التجارية خلال أوقات صلاة الجمعة تحت طائلة الإغلاق لثلاثة أيام، ومنع الخطب والدروس الدينية في المساجد دون الحصول على موافقة خطية من وزارة الأوقاف في حكومة الإنقاذ، بالتزامن مع زيارات إلى محاكم المنطقة من قبل مسؤولي المحاكم في الهيئة، بهدف فرض هيكلية جديدة عليها، مع اشتراط تطبيق القوانين التي تقرها وزارة العدل في حكومة الإنقاذ كشرط للبقاء.
وقال ناشطون وأعضاء في الهيئة العامة لمجلس محافظة حلب للجمهورية، إن «العمل يجري على سلخ ريف حلب الغربي عن بقية مناطق حلب، وإخضاعه لحكومة الإنقاذ، إذ ليس بالإمكان أن تتبع المناطق الخارجة عن سيطرة الهيئة (عفرين وريفي حلب الشمالي والشرقي) للإنقاذ»، مؤكدين أن كل ما يصدر عن حكومة الإنقاذ من قرارات وبيانات وإجراءات يوحي بذلك، وهو ما «سيؤدي في النهاية إلى سلسلة من الاستقالات، بدأت في الأتارب وستشمل جميع المناطق المناطق الأخرى في ريف حلب الغربي» وفقاً لهؤلاء الناشطين.
ويبدو واضحاً أن محاولات الاتفاق مع مجلسي محافظة ومدينة حلب بهدف إخضاعهما لحكومة الإنقاذ، ما هي إلا شكل جديد من أشكال فرض السيطرة الشاملة، خاصة أن المجالس المحلية في القرى والبلدات تتبع لمجلس المحافظة من الناحية الإدارية، وبالتالي ستكون تابعة تلقائياً لحكومة الإنقاذ في حال تم الاتفاق. وبحسب أعضاء في الهيئة العامة لمحافظة حلب، فإن هناك اجتماعاً لأعضاء مجلس المحافظة والهيئة العامة سيجري خلال أيام، بهدف «الوصول إلى قرار بشأن المتغيرات الطارئة في المنطقة، وإعلان استقلاليتها عن حكومتي الإنقاذ والمؤقتة»، بينما توقّع آخرون أن «مجلس المحافظة سينقل نشاطه بالكامل إلى ريف حلب الشمالي».
وقد أسفرت هذه القرارات والتغييرات عن حالة ضياع تام تعيشها المؤسسات المدنية في سائر المناطق التي سيطرت عليها هيئة تحرير الشام مؤخراً، وهو ما أدى إلى إيقاف وتعليق عمل كثير من المنظمات الإنسانية والمشاريع الخدمية. ويقول أحد المسؤولين في واحدة من المنظمات العاملة في المنطقة، إن «المنظمات أخبرت مكاتبها بإيقاف جميع المشاريع وكافة أشكال الدعم مؤقتاً ريثما تتضح الرؤية، في الوقت الذي خلص قسم كبير من الموظفين إلى قرار بترك المنطقة والتوجه إلى فروع المنظمات الأخرى في عفرين أو ريف حلب الشمالي».
مع استمرار هذه الإجراءات بالوتيرة نفسها، يبدو أن سيطرة حكومة الإنقاذ الكاملة على المنطقة ستأخذ شكلها النهائي خلال أيام، وإذا كان المشروع المعلن الذي تبرر به حكومة الإنقاذ ومن خلفها الهيئة هذه السياسات، هو «توحيد جميع المؤسسات المدنية تحت إشراف حكومة تشمل جميع المناطق»، فإن ما يبدو واضحاً هو أنه لا سبيل إلى تنفيذ ذلك إلّا بتغيير جذري في بنية وهيكلية هذه المؤسسات، واستبدال القائمين عليها بآخرين مقربين من هيئة تحرير الشام.
موقع الجمهورية

تركيا في إدلب: لعبة الخصم والحَكَم/ صبحي حديدي

ثمة استيهامات عديدة تكتنف حضور “هيئة تحرير الشام”، “هتش” في السطور التالية، على امتداد الشمال الغربي من سوريا، وفي محافظة إدلب وريف حلب الغربي تحديداً؛ في عدادها، أو على رأسها ربما، ما يتردد من أنها اللاعب العسكري الأوّل على الأرض. ذلك صحيح، في كثير أو قليل، ولكنه ليس البتة منفصلاً عن الحقيقة الأكبر على الأرض أيضاً، بل هو مشروط بها وخاضع لها: أنّ تركيا، متمثلة في جيشها النظامي أساساً، ثمّ الفصائل المنضوية تحت سلطة الآمر التركي ثانياً، هي اللاعب الأعلى: عسكرياً وسياسياً واقتصادياً، محلياً وإقليمياً ودولياً.

بهذا المعنى، وطبقاً للحقائق الميدانية الصلبة التي تكشفت خلال عمليات “هتش” العسكرية الأخيرة، يتضح زيف ما قيل عن تعهد أنقرة، ضمن سلسلة تفاهمات سوشي وإستانة مع روسيا وإيران (وبلسان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان شخصياً، كما جزم بعض النطاسيين!) بتحجيم “هتش” عسكرياً في الشمال الغربي، حتى لو اقتضى الأمر توجيه ضربات عسكرية لها، مصغّرة أو وسطى ولكن منهجية ومتلاحقة. فالمنطق يقول إنّ بقاء كتائب الجولاني، في هيئة كابوس فعلي هنا أو متخيَّل هناك، مصلحةٌ تركية مفتوحة لأنها ببساطة مترابطة مع أغراض أنقرة الجيو ــ سياسية والعسكرية الأهمّ في الشمال السوري، أي تصفية نفوذ الـPKK هناك، وإقامة ما يشبه المنطقة العازلة شرق الفرات، وربما على امتداد الحدود السورية ــ التركية، والبقاء مثل حجر ثقيل يتوسط طاولة تقاسمات النفوذ في سوريا.

ويتناسى الكثيرون، والبعض يتغافل عن الأمر عامداً أغلب الظنّ، أنّ تركيا تدير 12 مركز مراقبة (أي: إشراف وتحكّم وسيطرة)، تمتدّ من أطراف حلب وحتى تخوم محافظة اللاذقية، مارّة بشمال محافظة حماة؛ وأنّ هذه تجاوزت، منذ برهة تأسيسها في الواقع، صيغة “النقاط” التي تمّ التفاهم عليها ضمن ترتيبات “مناطق خفض التصعيد”، فباتت أقرب إلى ثكنات ارتكاز وتحصين وانقضاض في آن. ومن الطريف، رغم قتامة دلالاته العسكرية والسياسية ــ أو حتى “العقائدية” لدى فصائل الجهاديين خاصة ــ أنّ عمليات “هتش” الأخيرة التي استهدفت “الزنكي” أو “أحرار الشام”، لم تتقاطع مرّة واحدة مع دروب أيّ من تلك الثكنات التركية، وإلا لانتهى التقاطع إلى صدام وقتال وعواقب…

وليس دون مفارقة صارخة أنّ “الجيش الوطني”، الذي أنشأته تركيا وينتشر في شمال حلب، اكتفى بالجعجعة اللفظية ضدّ “هتش”، والوعد بتشكيل “غرفة عمليات عسكرية” لمواجهة جحافل الجولاني الزاحفة؛ لكنه، في مثال حصار بلدة الأتارب قبيل اجتياحها، لم يحرّك ساكناً سوى ألسنة الناطقين باسمه، مكرراً معزوفة “رفع الجاهزية العسكرية”، ولكن في جبل الزاوية ومعرة النعمان وأريحا! هذه، بدورها، بصمة تركية لا تخفى، وهي تعيد التأكيد على أنّ اللاعب الأعلى هو الجيش التركي، وأنه يدير رقعة شطرنج مركبة يمكن أن تحتدم بين اللاعبين على الطرفين، ولكن بتوجيه من دماغ واحد وحيد.

ولم يكن ينقص هذا المشهد إلا شهادة إثبات، وتثبيت، جاءت من جون بولتون مستشار الأمن القومي الأمريكي، خلال زيارته الأخيرة إلى أنقرة؛ صحبة الجنرال جوزيف دنبر رئيس هيئة الأركان المشتركة، الذي يحدث أيضاً أنه أقرب جنرالات البنتاغون إلى مزاج الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. وإذْ تشدّق بولتون بحرص أمريكا على أولئك الذين قاتلوا “داعش” تحت لوائها، وأنّ واشنطن تتفهم مخاوف تركيا الأمنية جراء وجود كرد الـPKK شرق الفرات؛ فإنه، في المقابل، كان صريحاً واضحاً حول انسحاب أمريكي وشيك، مبرمج على مدى زمني لا يتجاوز 120 يوماً.

بذلك، وكما في مناسبات سابقة ذات صلة بالتوسع التركي في عمق الأراضي السورية، لا يصحّ تنزيه اللاعب التركي عن أداء واحد من تلك الأدوار الكلاسيكية المناطة بكلّ احتلال عرفه التاريخ: المناورة عن طريق خصم محلي، فعلي أو افتراضي، “هتش” هنا؛ هو في واقع الأمر أداة مؤقتة، ضمن منظومة أدوات متكاملة الوظائف.

القدس العربي

ماذا يريد الجولاني في إدلب؟/ عبد الرحمن الحاج

تسير الأمور في إدلب فيما يبدو على نحو ما توقعناه في المقال السابق، لا الأتراك بصدد البدء بأي هجوم، فالموضوع مؤجل لأن الأولوية لشرق الفرات، ولا الروس أو الإيرانيون وما تبقى من النظام قادرون على شن هجوم بدون اتفاق مع تركيا التي هم بأمس الحاجة لتعاونها شمال وشرق سوريا ولا يمكنهم إغضابها في هذا الوقت الحرج.  لقد اختار الجولاني توقيتاً صحيحاً لهجومه وإنهاء فصيل الزنكي والمدافعين عنه، وما تبقى من الفصائل بدأت تلتحق تباعاً بفيلق الشام الذي كان تم تحييده تركياً للحفاظ على قدراته وعدم الدخول بمواجهة تركية مبكرة مع الهيئة.

لكن الجولاني يدرك أن مسألة المواجهة مع القوات التركية واستحقاقات الأستانة مسألة وقت، وعليه فهو يريد استغلال الوقت لتغيير الوضع في إدلب، وخلق مناخ جديد شرحه بشكل مختصر في مقابلة خاصة معه نشرته مؤسسة أمجاد للإنتاج المرئي التابعة للنصرة يظهر فيها الجولاني محاولاً الرد على من يقول إن استيلاء النصرة على مزيد من المناطق في إدلب وتوسيع رقعة سيطرتها في إدلب سيمنح الروس الذريعة اللازمة للانقضاض على إدلب.

وبغض النظر عن إجابة الجولاني المكررة، والتي تساندها بالفعل مجريات الأحداث في الغوطة ودرعا، فإن ما يريده الجولاني في هذه الإجابة القول إنه لا داعي للقلق بشأن إدلب، إذا كان سيهجم الروس فإنه بسبب آخر غيرنا ولا يحتاجون لوجودنا ليكون ذريعة، وإنه وقت ملائم بعد الإطاحة بأمير الحرب قائد حركة الزنكي وحركته فقد أصبح بالإمكان توطيد قدم الهيئة وترسيخ وجودها اجتماعياً وتحويلها إلى القوة التي لا يمكن تجاوزها بحكم الواقع.

لتحقيق ذلك يتغير أولاً المعجم الذي يستخدمه الجولاني، لم تعد سوريا “ساحة الجهاد الشامي” الذي تمارس فيه النصرة جهادها وحسب، بل أصبحت النصرة (هيئة تحرير الشام) “جزءا من هذه الثورة، وأحد مكوناتها”، في سلسلة من إعادة التعريف التي يجريها الجولاني على النصرة وموقعها في الصراع في سوريا، بموازة هذا التعريف يجري تحولاً آخر، إنه ترحيب بتركيا “الدولة العلمانية” بدخول الأراضي السورية لإنهاء YPG / PYD /PKK فهولاء صاروا منذ الآن “أعداء الثورة” وهذا سبب كاف لتأييد أي هجوم تركي للتخلص منهم. ومن الواضح أن هذا يناقض تصريحات شرعي النصرة الدموي “أبو اليقظان” المصري، الذي يعبر فعلياً عن التفكير القاعدي الذي يمثله المقاتلون الأجانب.

يبرز كرش القائد العسكري للنصرة مترهلاً وهو يقول: “لا نريد أن نتسلط على الناس” ما يهمنا “هو المسار الصحيح؛ أن نعمل تحت شريعة الله عز وجل، وأن نبني هذا المحرر بناء صحيحاً يستطيع من خلاله أن يعيش الناس في ظروف معيشية لائقة بهم، وأن تتوج هذه الثورة بثمار ناضجة تصل في نهاية المطاف إلى إسقاط هذا النظام المجرم” .

ولكن كيف؟ يجيب الجولاني إنه “يجب أن تتضافر هذه الجهود” المبعثرة في الشمال، و”أهم خطوة وأول ما يجب أن يُبتدأ به هو أن تكون الفصائل العسكرية مهمتها عسكرية فقط، ليس لها مهمة في إدارة المناطق المحررة وهذه الفصائل عندما تجتمع يجب أن تجتمع تحت كيان واحد مسمى المجلس العسكري أو غرفة عمليات متقدمة متطورة، أو هيئة عسكرية” أي كيان يمكن أن تتضافر من خلاله جهودهم في الدفاع عن “المحرر” أو في “الاستمرار في الجهاد حتى إسقاط النظام”، يتابع:

“نحن حريصون على التشارك مع الجميع، لا نريد التفرد بأداء مهامنا في الساحة، فنحن بحاجة إلى أي جندي”، على ألا يكون هنالك أجندات خارجية تضر “بالثورة السورية والساحة الشامية”.

ثمة بون شاسع ولا شك بين “الثورة السورية” و”الساحة الشامية”، هو بحجم التناقض بين دولة وطنية وأيديولوجيا عابرة للأوطان. لكن الجولاني يستخدم هذه المصطلحات المتناقضة لأن في كل مصطلح جهة يخاطبها، المصطلحات الجهادية هي للجهاديين والمقاتلين الأجانب، والمصطلحات الثورية هي للسوريين والمقاتلين المحليين، ويحتمل أنه بهذا يحاول أن يوازن بين الضغوط الدولية والمحلية واستدامة استثماره للعلاقة مع القاعدة والشبكة الجهادية العالمية. وما يكشفه هذا التناقض الذي يركب عليه مشروع الشمال هو الآتي: توحيد الجهات المدنية كافة تحت حكومة الإنقاذ التابعة للجولاني، والتي يتحكم فيها أمنيوه وشرعيوه (معظمهم أجانب)، وتوحيد الفصائل تحت مظلة عسكرية تهيمن عليها النصرة أيضاً، باختصار تعميم هيمنة الجولاني على إدلب بالكامل تحت تهديد القوة، شيء يشبه تماماً آلية عملة النظام في فرض الاستسلام وما يعرف باتفاقات “المصالحات”، فالجميع يدرك أن لا أحد قادر الآن على مواجهة الجولاني بدون تدخل تركي.

“إذا كان كل فصيل يريد أن يقتطع جزءاً من المحرر فهذا سيكون فيه فساد المنطقة” يقول الجولاني، وهذا يجعل المشروع الذي يقترحه مبرراً، توحد للفصائل يمسك بالملف العسكري والأمني والسياسي، بموازاة توسيع رقعة المشاركة في الحياة المدنية وتحسين أحوال السكان. وبهذا يعتقد الجولاني أن وضعاً كهذا عدا عن أنه يسمح له بالهيمنة على إدلب فإنه يتيح له أن يكون شريكاً في إدلب للصفقات الإقليمية والدولية.

هل يعتقد فعلا أن هذا ممكن؟ الجولاني يبدو تقليدياً جدا في فهم السياسة، إذ يعتقد أن الصراع في سوريا تحكمه “معادلة الحرب” أي القوة، وأن الأقوى سيفرض نفسه، لكن ما الذي يجعل الدول تقبل بميليشيا مصنفة إرهابية؟ يحتمل أن الجولاني يبني على نموذج حزب الله في لبنان، لقد تم التعاطي معه في النهاية كقوة أمر واقع، رغم أنها منظمة إرهابية وفق التصنيف الأمريكي، وقتلت من الأمريكيين والإسرائيليين ما لم تفعله النصرة. كلتا المنظمتين تحملان أيديولوجيا عابرة للحدود، ولكنهما تعملان في إطار الحدود الوطنية، هذا بالفعل يجعلهما متشابهتين إلى حد كبير.  لماذا نذهب بعيداً، التنظيم القومي الكردي العابر للحدود (PYD) والمصنف إرهابياً تم التعاطي معه بشكل إيجابي وإن كانت نهاية الأمر غير مرضية له.

ولكن ماذا يفعل بالمقاتلين الأجانب؟ كيف سيتخلص منهم؟ ومتى؟ فهم يشكلون عصب التنظيم، وهو بحاجة ماسة لهم ريثما يستطيع تحقيق ما يريده على الأقل. سيكون هذا بالطبع واحد من أصعب الأسئلة التي تواجه التنظيم في مراحل لاحقة.

وإذ يدرك الجولاني أنه ليس جزءاً من أية مفاوضات سياسية فإنه يطمح لأن يكون قوة إعاقة يجب التفاهم معها في أية تسوية، لكن ما يقلق الجولاني هو أن تقوم تركيا بمساندة قوات من الجيش الحر للإطاحة بها، فهذا التهديد وارد، وهو ما يجعل الجولاني منذ الآن حريصا على استرضاء تركيا وعدم إغضابها، وما قاله بشأن دعم الهجوم التركي المحتمل على شرق الفرات يصب في هذا الاتجاه.

وبمجرد وجود مثل هذا الاحتمال والإمكانية فإن طموح الجولاني ليس بأن يكون مثل حزب الله محتكراً تمثيل طائفة فهذا غير ممكن في سوريا، ولا هو قادر على الاستمرار بدعم دولة خارجية، على العكس هو مهدد من الجميع، هذا ما يجعل طموح الجولاني فعلياً هو إمارة حرب، وسلوك أمراء الحرب معروف، يقوم على مبدأ المنفعة الذاتية والاستقلال والتلاعب على جميع التناقضات من أجل البقاء، وتصبح القضية الرئيسية في آخر قائمة الاهتمامات مع بقائه لفظية على رأس المعجم.  يشبه هذا كثيراً مصير “جيش مقاومة الرب” المسيحي الأوغندي.

تلفزيون سوريا

متى نصدّق الجولاني؟/ إياد الجعفري

لا نعرف إن كانت مقولة “أن تأتي متأخراً خير من ألا تأتي أبداً”، مناسبة لتوصيف ما قاله “الجولاني”، زعيم “هيئة تحرير الشام”، في إطلالته الإعلامية الأخيرة. إذ يبدو أن الوصول متأخراً، سمة تطبع النقلات السياسية الكبرى لهذا الفصيل.

فكما جاءت خطوة الانفكاك الرسمي عن تنظيم “القاعدة”، متأخرة أكثر من سنتين، بعد الكثير من المحاولات الإقليمية لإقناع “النصرة” بأولوية هذه الخطوة ومدى إلحاحها، كذلك تظهر الكثير من المواقف التي أعلنها الجولاني، في حديثه الأخير، متأخرة، وحذرة أيضاً، بصورة تثير التشكيك في مدى صدقيتها.

أما السمة الثانية، التي تطبع سياسات هذا الفصيل، وتجعلها أكثر تعقيداً، هي محاولة إمساك العصا من المنتصف. وتعود هاتان السمتان، “الوصول متأخراً”، و”إمساك العصا من المنتصف” إلى سبب موضوعي، يتعلق بتركيبة “تحرير الشام”، التي تضم قيادات وعناصر موالية بشدة لنهج “القاعدة”، في الوقت الذي تضم فيه قيادات وعناصر ميالة لثقافة وضرورات البيئة المحلية السورية، والتي تُوصف عادةً بـ “المعتدلة”. هذه التركيبة، وحرص قيادة الهيئة على عدم انهيارها، تدفع هذا الفصيل إلى التأخر في اتخاذ قرارات ضرورية وملحة. وحينما يتخذها، يعتمد فيها استراتيجية “إمساك العصا من المنتصف”، فتأتي بأثر ضعيف، ومثيرة لشكوك الأطراف المعنية بها.

وللأمانة، أعتقد أن “الجولاني” كقائد لهيئة “تحرير الشام”، في وضع لا يُحسد عليه. فهو يحاول زحزحة الهيئة نحو “الاعتدال” لتصبح أقرب إلى مظلة “الثورة السورية”، وفي الوقت نفسه، يريد ألا يخسر البعد التعبوي الكبير الذي تمثله رموز مقربة من منظومة “الجهاد العالمي” ضمن الهيئة، والتي تقاوم هذا الانحياز نحو مظلة “الثورة”، نظراً لقناعاتها العقائدية التي تتناقض في كثير من الأحيان، مع ضرورات السياسة. فتأتي نقلات الجولاني في معظم الأحيان، متأخرة، وغير مقنعة.

في حديثه الأخير، حاول “الجولاني” الاقتراب خطوة أخرى نحو مظلة “الثورة السورية”. وبدا حريصاً على الحاضنة الشعبية في المناطق المحررة، التي أدرك منذ المظاهرات التي اندلعت قبل أشهر، ورفعت أعلام ورموز الثورة السورية، أنها ليست مستعدة للقبول بخيار إسلامي متشدد، يودي بها إلى مهالك الاستهداف العسكري والنزوح، في الوقت نفسه الذي ترفض فيه العودة إلى “حضن النظام” السوري في إطار مصالحات تبدت سوءاتها في درعا والغوطة الشرقية، بعد أسابيع فقط، من إتمامها.

لكن، في الوقت نفسه،لم يقطع “الجولاني”، مع ثقافة “الجهاد” بإستخدامه لتعبير من قبيل “الساحة الشامية”. فهو في نهاية المطاف، يقود فصيلاً يعتمد استبسال مقاتليه على البعد العقائدي، القائم على طاعة شرعيي الهيئة.

وهكذا يحاول “الجولاني” أن يُمسك العصا من المنتصف، ويرمي الكرة في ملعب تركيا والقوى الخارجية الأخرى، مراهناً على أن تحافظ “فزاعة” تهجير ملايين السوريين في معركة كبرى في إدلب، على تأثيرها المثبط لأي رغبة باقتلاع الهيئة التي تحولت إلى الفصيل المسيطر دون منازع، تقريباً، في معظم المناطق المحررة.

لكن هذا الرهان يحمل مخاطر كبرى، ويتوقف على ما يدور وراء الكواليس من صفقات واتفاقات بين اللاعبين الإقليميين والدوليين في سوريا. وإن كانت “هيئة تحرير الشام” قد نجحت في فرض نفسها كأمر واقع في المناطق المحررة، فإن لديها تحدّيٍاً جسيماً، يتمثل في تجنيب المنطقة سيناريو نزع الغطاء التركي والأوروبي – الأمريكي عنها، والذي وقاها حتى الآن، رغبة إيرانية – أسدية جليّة، للسيطرة عليها، وشكّل عامل ضغط على الروس، دفعهم للقبول بتأجيل ملفها، إلى حين.

ماذا يمكن للجولاني أن يفعل لتجنيب المنطقة هذا السيناريو؟ ببساطة، أن يتوقف عن إمساك العصا من المنتصف، وعلى الهيئة التي يقودها أن تذهب في تنفيذ وعودها، إلى أقصاها. سواء على صعيد الفصل بين الفصائل المسلحة، وبين الإدارة المدنية للمنطقة، أو على صعيد العمل على تمثيل جميع القوى التي تتمتع بحاضنة شعبية في المنطقة، في إداراتها المحلية، بعيداً عن المحاصصات الفصائلية، بالاعتماد على الوزن الشعبي عبر عمليات انتخابية. ناهيك عن ضرورة تعزيز التقارب مع تركيا، وتنسيق المواقف معها.

وبالإشارة إلى الفعل الانتخابي، فهو قد حصل في إدلب، خلال السنة الفائتة، على الصعيد المحلي، وتقبلته الهيئة. وهي مرونة جيدة. لكن هذه المرة، يجب الذهاب بهذه الانتخابات لتكون ذات فعالية أكبر، شاملة لكافة المناطق المحررة، ومضبوطة وفق منظومة انتخابية تتيح حصول تنافس مقبول بين المرشحين، بعيداً عن السطوة المسلحة للهيئة. ويمكن للأخيرة أن تمثل نفسها عبر تكتل سياسي، يمثّل مشروعها. كما يجب أن تتيح الهيئة لمنافسين لها، أن يتمثلوا في تكتلات سياسية تقدم مشاريع منافسة.

ببساطة، يجب أن تكون إدارة إدلب والأرياف المجاورة لها، نتاج إرادة شعبية تمثل سكان المنطقة، وليس بالتغلب. على أن يتفرغ مقاتلو الهيئة والفصائل الأخرى، للجبهات، ويُترك الصراع السياسي لشخصيات متخصصة بهذا الأمر.

إذا تحقق ما سبق، حينها فقط، يمكن أن نقول أن الجولاني صدق في نواياه، التي أفصح عنها، بتقديم بديلٍ في إدلب، أفضل من النظام، يسمح للمعارضة أن تقول للعالم أن تلك البقعة لا تُحكم من متشددين، بل من قوى مستعدة للاحتكام لقواعد لعبة سياسية تتمتع بمعايير مقبولة من الشفافية، ويجعل من كلفة شن حرب كبرى على تلك المنطقة، أعلى على الروس، وعلى الحليفين الإيراني والأسدي.

المدن

لماذا انتصرت “تحرير الشام”؟/ إياد الجعفري

بدت أقلام الكثيرين من النشطاء المعارضين، منفصلة عن الواقع، في انحيازها ضد “هيئة تحرير الشام” في معركتها الأخيرة التي صفّت خلالها فصيلاً جديداً، مُحتسباً على الحراك الثوري المسلح. وإذا كانت خلفيات هذا الانحياز مفهومة، إلا أن نتائجه قد تجعل جانباً كبيراً من النخبة السورية المعارضة، عاجزاً عن التأثير ومنفصلاً عن الرأي العام الشعبي، في آخر معاقل الحواضن الثائرة، في إدلب والأرياف المتاخمة لها.

يمكن عبر الحديث إلى نشطاء يعيشون في مناطق سيطرة “تحرير الشام” أن نفهم جوانب لا يتم التطرق لها في كتابات النخب المعارضة المناوئة لـ “تحرير الشام”. فتلك النخب ترى في الهيئة وجهاً آخر لاستبداد يمقتونه في نظام الأسد، وهو السبب الرئيس في ثورتهم عليه. لكن، على أرض الواقع، لا يرى الجمهور الذي يعيش تحت سيطرة “تحرير الشام” الأمر، من هذه الزاوية. وإذا حاولنا التقصي عن رأي الجمهور في تلك المناطق، نكتشف أنه أكثر واقعية، وموضوعية أيضاً، من النخب التي يكتب الكثير منها من منافٍ بعيدة عن الحدود السورية.

كي نفهم كيف ينظر هذا الجمهور لـ “تحرير الشام”، علينا أن نبحث عن إجابة للسؤال التالي: لماذا تخرج هيئة “تحرير الشام”، (باختلاف مسمياتها السابقة)، منتصرة في كل مرة تعمل فيها على تصفية فصيل من فصائل الحراك الثوري المسلح؟

بدءاً من حركة “حزم” و”جبهة ثوار سوريا”، ومروراً بـ “أحرار الشام” التي فقدت الكثير من نفوذها، وليس انتهاءً بـ “الزنكي” وشقيقاته، لم تخرج “تحرير الشام” خاسرة في أي معركة فصائلية، ربما باستثناء خساراتها أمام تنظيم “الدولة الإسلامية – داعش” في شرق الفرات، قبل أربع سنوات، وانحسارها أمام “جيش الإسلام” في غوطة دمشق قبل ثلاث سنوات.

وكانت منطقة شمال غرب سوريا، تحديداً، المساحة الديمغرافية الأنسب لتوسع مستمر لهذا الفصيل، الذي لم يوقفه شيء، إلى أن تحوّل إلى أمرٍ واقعٍ يبدو أن اقتلاعه يتطلب تدخلاً خارجياً، سيترافق من دون شك، مع خسائر بشرية كبيرة، وسيتسبب بحركة نزوح هائلة. وهو أمر تقبلته، حتى الآن، معظم الأطراف الخارجية الفاعلة بسوريا. وتمثل في اتفاق “سوتشي”.

فما هو سبب صمود وتوسع هذا الفصيل، مقابل انحسار واختفاء فصائل ثورية عديدة، ربما نسينا بعض أسمائها، لكثرتها، ومحدودية تأثيرها في المشهد السوري، طوال السنوات الماضية؟ تكثر الإجابات، فيحدثك بعضهم عن التماسك التنظيمي الذي يميز “تحرير الشام”. فهي في نهاية المطاف، تحوير تنظيمي طفيف عن “جبهة النصرة”، مع اختلاف التسميات التي حملتها. ولم تشهد تغيرات نوعية في تركيبتها، خلال السنوات السبع الماضية، ربما باستثناء التخلص من رموز التشدد الميالين لتنظيم “الدولة” فيها. وذلك بخلاف فصائل أخرى، كانت عبارة عن ائتلاف لفيالق أو فصائل صغيرة، لم تكن تحظى بالتماسك التنظيمي الكافي.

ويحدثك آخرون، ممن احتكوا بمقاتلي “تحرير الشام” عن الالتزام العقائدي الملحوظ لدى شبابها، والتزامهم الصارم بأوامر القيادات. وهنا يتضح دور البعد العقائدي، في تعبئة مقاتلين مستعدين للاستبسال في ساحات القتال، والموت ذوداً عما يعتبرونه إعلاءً لراية الشريعة الإسلامية. وذلك بخلاف مقاتلي الكثير من الفصائل الأخرى، الذين عُرفوا بتسيّبٍ قيمي وتنظيمي، وتورطٍ متكرر في حالات فساد، جعلت الحاضنة الشعبية في إدلب، تنفر من الكثير من الفصائل التي احتُسبت على الثورة، وتفضل عليها تنظيمات جهادية على غرار “تحرير الشام”.

وبخلاف “داعش”، لم تمارس “تحرير الشام” استبداداً قيمياً على المجتمع، ربما باستثناء حالات فردية، سرعان ما تم تطويقها. إذ يمكن أن يحدثك أحد سكان إدلب عن ندرة وجود مقاتلي الهيئة داخل المدينة. وعدم وجود أي قيود على اللباس، ما دام لا يخالف العُرف السائد أصلاً في مجتمعات تلك المنطقة. وإذا كنت ستسمع أي شكوى من أداء المؤسسات المحسوبة على هيئة “تحرير الشام”، فستكون شكوى خدمية أو اقتصادية، لا أكثر.

وكذلك بخلاف فصائل أخرى تنشط في شمال غرب سوريا، تتمتع الحواجز الأمنية لـ هيئة “تحرير الشام”، بسمعة جيدة، مقارنة بنظرائها. فعلى حواجز فصائل تُعتبر “ثورية”، يمكن أن يتعرض العابرون لحالات ابتزاز بغية الحصول على رشوة، أو لشكل من أشكال التحقيق الأمني الذي يمارس فيه عنصر في الحاجز، ربما لم يبلغ العشرين من عمره، فوقية تُذكّر العابرين بعناصر الأمن التابعين لنظام الأسد. وهذا لا يحدث، في غالب الأحيان، على الحواجز التي تتبع للهيئة.

يضاف إلى ما سبق، فإن البراغماتية العالية التي تتعامل “تحرير الشام” بموجبها، مع الأطراف الإقليمية والدولية المؤثرة في الساحة السورية، تشكل مصدر ارتياحٍ لسكان المنطقة، الذين يعتقد الكثيرون منهم، أن “تحرير الشام” ستكون الحصان الرابح في تنفيذ البند الخاص بتأمين الطرق الدولية، في اتفاق سوتشي.

وباختصار، فإن “تحرير الشام” تصبح يوماً تلو الآخر، مقبولة أكثر، في الشارع السوري شمال غرب البلاد. وربما في طريقها لأن تصبح كذلك، في أجندات القوى الخارجية المعنية بالمشهد السوري. وهو أمر لا تعكسه أقلام النخب المعارضة، التي ترى في الهيئة تغريداً خارج سرب الثورة التي  كانوا يرونها في مخيلتهم.

المدن

ماذا بعد السيطرة على إدلب؟/ عبد الرحمن الحاج

اعتدت أن أكتب تحت عنوان “ماذا بعد كذا” كلما لاح أن انعطافة كبيرة في مسار الأحداث تلوح في الأفق بعد تغييرات ميدانية على الأرض وتبدل خارطة السيطرة، فالاستشراف أمر مغرٍ في ظل واقع سيَّال يكاد ينسف معظم التكهنات في كل حدث، ما يجري في إدلب وتوسع سيطرة النصرة (تحت مظلة هيئة تحرير الشام) يشكل إغراء جديداً في الاستشراف والتحليل، إذ يعتقد كثيرون أنه سيشكل انعطافة كبيرة في مسار الأحداث في الشمال.

أولاً لابد من القول إن هزيمة الفصائل العسكرية وبشكل خاص حركة نور الدين الزنكي التي تحولت إلى إمارة حرب تعكس مدى الهشاشة التي أصابت الفصائل مع عجزها عن توحدها والخروج من أنانيتها ومنافعها الخاصة إلى حيز المصالح الوطنية العامة، لكن من الطبيعي أن يحدث هذا بعد نحو ثمان سنوات عبث خلالها بالفصائل مختلف “الأصدقاء”، الذين عززوا التفتت العسكري بتعزيز المنافع الخاصة للحركات والتنظيمات المسلحة وقياداتها ليسهل السيطرة عليها وتطويعها لإرادتهم ومصالحهم. ما من تفسير لعجز معظم الفصائل عن التوحد سوى تحول قياداتها إلى أمراء حرب قادونا إلى خسارة تلو الأخرى، تماماً مثلما تحول جيش النظام إلى ميليشيا، وتحول رأسه إلى أمير حرب أيضاً.

ثانياً قد يذهب البعض إلى أن سيطرة النصرة على إدلب تعني أنها منحت الروس والإيرانيين وما تبقى من النظام كل المبررات لاقتحام إدلب وإنهاء اتفاق سوتشي، لكن هذا الاستنتاج لا يأخذ بالحسبان أن اتفاق إدلب ليس مرتبطاً بوجود تنظيمات مصنفة إرهابية في إدلب وحسب، وإنما إلى مصلحة تركية متعلقة بالأمن القومي، ومصلحة أوربية متعلقة بالخوف من مئات الألوف من اللاجئين لن يكون بمقدور تركيا وحدها استيعابهم.

يجب أن يُلاحظ هنا أن تركيا لم تتدخل وتركت فصيل الزنكي والفصائل الأخرى تلقى مصيرها، ما من شك أن بعض المنافع ستعود إلى تركيا بتفكيك تلك الفصائل التي تشكل عقبة أمام تطبيق اتفاق سوتشي، وخصوصاً الطريقان M4، وM5، ولكن من الخفة القول إن تركيا كانت وراء ما حصل في إدلب لتحقيق هذا المكسب الصغير، مقابل انهيار فصائل معظمها قريبة منها، والسماح للنصرة المصنفة تركيا أنها منظمة إرهابية بالسيطرة على إدلب. ما فعلته تركيا في الواقع بإبعاد فيلق الشام هو الحفاظ على القدرة على التأثير على مجريات الأحداث وإبقاء قدم لها في إدلب، فمن غير المحتمل أن يصمد فيلق الشام بدون تدخل تركي مباشر في مواجهة النصرة، كما أن خوض معركة الآن في ظل الانشغال والحشد في شرق الفرات – الذي يشكل أولوية لأنقرة – أمر غير منطقي عسكرياً وسياسياً في ظل الانسحاب الأمريكي والتفاوض حول الدور التركي فيه ومصير ميليشيا قسد.

كما ينبغي أن يُلاحظ أن ثمة مصلحة روسية ملحة للتنسيق مع تركيا شرق الفرات، فما تسعى إليه موسكو هو أن يرث النظام تحت نفوذها مناطق سيطرة القوات الأمريكية وحلفائها، وهو أمر لن يكون ممكنا بدون تعاون تركي الذي يبدو المرشح الوحيد لملء الفراغ إذا ما أريد للمنطقة ألا تقع تحت السيطرة الإيرانية، فلا أحد يثق بروسيا والجميع يشك في قدرتها على منع الميليشيات الإيرانية والنفوذ الإيراني من التمدد إلى المنطقة في حال آلت إلى سيطرة ما تبقى من النظام. وانطلاقا من ذلك فليس بالإمكان القيام بعمل عسكري في إدلب بدون اتفاق مع تركيا، مما يعني أن احتمال قيام عمل عسكري بشكل منفرد أمر غير وارد في المدى المنظور على خلاف توقع الكثيرين.

إذا ما الذي سيحصل؟ هل ستقايض أنقرة الروس شرق الفرات بإدلب؟ على الرغم من أن هذا ممكن نظرياً لكنه عملياً لديه عوائق عديدة: أولاً فيما يتعلق باللاجئين يجعله غير ممكن مبدئياً القبول بموجة نزوح ولجوء كبيرين لم تعد تركيا قادرة على تحملها. ثانياً منبج ليست بأهمية إدلب وعفرين، ثالثاً سيطرح خروج تركيا من إدلب مصير الشريط الشمالي والوجود التركي مبكراً قبل أي تسوية سياسية تضمن ألا تتحول الحدود إلى مصدر قلق للأمن القومي التركي، ورابعاً التنسيق في ملء الفراغ شرق الفرات الأمريكي- تركي، وانسحاب يبدو من مختلف التصريحات أنه مشروط، لا عودة النظام مقبولة من طرف الأمريكان، ولا بقاء قسد مقبول من طرف تركيا، ولذلك فإن روسيا وتركيا يلتقيان هنا للتنسيق بشأن شرق الفرات.

وفقاً لذلك من المستبعد حالياً قيام ما تبقى من النظام والميلشيات الإيرانية بعملية هجوم بري واسع النطاق بتغطية روسية، لأنه مثل هذا الهجوم بدون موافقة تركيا، وروسيا ليست في وارد إغضاب تركيا في المدى المنظور.

لكن في ظل ذلك يبقى السؤال هو كيف ستتعامل تركيا مع سيطرة هيئة تحرير الشام أو النصرة على إدلب؟ على الأغلب سيكون هنالك استبعاد لأي عمل عسكري تركي ضدها ريثما تتبلور الأمور في شرق الفرات.

تلفزيون سوريا

سوريا: مسمار جديد في نعش فصائل المعارضة/ سلام السعدي

مع بداية العام الجديد، شنت هيئة تحريرالشام، المعروفة بجبهة النصرة سابقا، هجوما عسكريا كبيرا على فصائل الجيش الحر في الشمال السوري، ونجحت في السيطرة على مناطق واسعة في ريف حلب الغربي ويشمل ذلك البلدتين الرئيستين، دارة عزة والأتارب.

وبدا الهجوم كعمل استباقي لمواجهة المخطط التركي- الروسي الخاص باستئصال وجود الحركة في مناطق شمال سوريا. فقبل أربعة أشهر، توصلت تركيا وروسيا إلى إنشاء منطقة منزوعة السلاح حول مدينة إدلب التي تسيطر عليها جبهة النصرة. وتعهدت تركيا بإنهاء وجود جميع التنظيمات الجهادية في شمال سوريا. ولكن هدف جبهة النصرة من الهجوم يتعدى مواجهة الاتفاق التركي- الروسي ويرتبط باستراتيجية قديمة تتبعها الحركة ضد المعارضة السورية لترسيخ حكمها في الشمال السوري.

قبل الهجوم الأخير بدا أن جبهة النصرة وحلفاءها قد خسروا الحرب في الشمال السوري، وأن مسألة هزيمتهم النهائية مسألة وقت. ولكن الجبهة خرجت من تحت الأنقاض، وبصورة مباغتة قامت بهجوم مكثف ومركز على الفصيل الأقوى، حركة نورالدين زنكي، لإنهاء وجوده وتغيير الحقائق على الأرض.

لقد باتت هذه استراتيجية معروفة ومتكررة تستخدمها جبهة النصرة في الحرب السورية. قبل عام نفذت النصرة عملية مشابهة إذ هاجمت حركة أحرار الشام، حليفتها السابقة التي كانت تعتبر الفصيل الأقوى في الشمال السوري. وخلال نحو أسبوعين من القتال الشرس والمركز، طردت جبهة النصرة أحرار الشام من جميع معاقلها الرئيسية وخاصة من مدينة إدلب وسيطرت عليها جميعا. وأدى ذلك إلى انتهاء مشروع أحرار الشام كجسم سياسي عسكري وتعزيز وجود جبهة النصرة. قبل ذلك أيضا، وفي الفترة الممتدة بين 2015 و2017 شنت جبهة النصرة هجمات عسكرية متقطعة ومتباعدة استهدفت في كل مرة فصيلا محددا من فصائل الجيش الحر التي تحظى بدعم خارجي وتعتبر أحد اللاعبين الرئيسيين في ذلك الوقت. وانتهى كل هجوم، من دون أي استثناء، بهيمنة جبهة النصرة.

يشير ذلك إلى استراتيجية واضحة تتبعها جبهة النصرة أدت خلال السنوات الماضية إلى تحولها إلى اللاعب الأقوى في المناطق الخارجة عن سيطرة كل من النظام السوري وقوات سوريا الديمقراطية. لماذا نجحت تلك الاستراتيجية في كل مرة، ولا تزال تحقق نجاحا، دون قدرة فصائل المعارضة السورية التي تحظى بدعم خارجي على إيقافها؟ يرتبط الجواب على هذا السؤال بالتباين على مستوى القوة والتماسك الداخلي بين جبهة النصرة من جهة، وفصائل المعارضة من جهة أخرى خصوصا بعد انهيار الزخم الوطني الذي أوجدته الثورة السورية منذ انطلاقها حتى عام 2013.

ففي حين تتمتع النصرة بقوة تنظيمية داخلية عالية وأيديولوجيا دينية وسياسية شديدة التماسك ضمن بيئة شديدة التعقيد وترسم استراتيجيتها قريبة وبعيدة المدى، تغيب تلك الاستراتيجية عن جميع فصائل المعارضة السورية دون استثناء. إذ تعمل الأخيرة كأداة للاستراتيجية التركية في المنطقة وتغيب عنها الأيديولوجيا المتماسكة التي يمكن أن تشد أعضاء التنظيم لبعضهم البعض وترسم ملامح استراتيجية سياسية عسكرية مستقلة في ظل تعدد اللاعبين المحليين والإقليميين.

أضعفت تلك الحقيقة جميع فصائل المعارضة مقابل القوة والتماسك الكبيرين اللذين تتمتع بهما التنظيمات الأيديولوجية مثل جبهة النصرة والقوات العسكرية الكردية التي تتبع أيديولوجيا قومية يسارية تستمد جذورها من التجربة الطويلة والغنية لحزب العمال الكردستاني في تركيا.

الدعم الخارجي الذي كانت تتلقاه فصائل المعارضة السورية من الدول الإقليمية، ومن الولايات المتحدة حتى عام 2017، كان يحجب الضعف الهيكلي الذي يعصف بها. على المستوى الإعلامي جرى دوما تسليط الضوء على أهمية الدعم الخارجي في تحديد عوامل قوة الفصائل العسكرية، فيتم تصوير التنظيمات التي تحظى بدعم أكبر على أنها الأقوى والأكثر تماسكا. حصل ذلك بما يخص الفصائل التي تدعمها تركيا خلال العامين الماضيين وخصوصا بعد إنشاء الجيش الوطني السوري، فيما بدا أنه خطوة كبيرة نحو تنظيم عسكري مركزي مدعوم من دولة إقليمية رئيسية، ما يعني تحوله إلى الطرف الأقوى ضمن لاعبين محليين.

هكذا وجدت تلك الفصائل نفسها من دون أيديولوجيا ودون بعد وطني كان ضروريا لبناء تنظيم قوي قادر على تحمل هجمات متتالية من أطراف عديدة تمتلك مشاريع وطنية بل وإقليمية أيضا، كالنظام السوري والتنظيمات الجهادية والقوات الكردية. وتبقى الحقيقة التي يجب مواجهتها هي أن هذا الضعف بنيوي ولا يمكن التعافي منه مع استمرار وجود ذات الفصائل الحالية.

كاتب فلسطيني سوري

العرب

في مستقبل “الاتحاد الديمقراطي” وجبهة النصرة/عمار ديوب

هناك قرارات دولية من مجلس الأمن، واتفاقات إقليمية بين تركيا وروسيا، لتصفية تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) وجبهة النصرة وحلفائهما الجهاديين. لم تتغير هذه المواقف، على الرغم من محاولات “النصرة” تفاديها؛ فتارةً تغيّر اسمها، وتارة تسمح للقوات التركية بإنشاء نقاط مراقبة في مناطق سيطرتها، وثالثة، تنشِئُ تشكيلات “مؤتمر سوري عام، وحكومة إنقاذ، وجيش الفتح، وإدارة مدنية لمدينة إدلب من فصائل عدّة”، ورابعة تُخلي مناطق واسعة أمام تقدم قوات النظام، وخامسة تلتزم بالتوافقات التركية الروسية وفق تفاهمات واتفاقات أستانة أو سوتشي؛ أقول إن ذلك كله لم يُحوِّلها إلى طرفٍ مقبول لدى الدول المتدخلة في سورية (لم يُشرعنها).

مشكلة جبهة النصرة أنّها لم تهتم بالشأن السوري بالمعنى الوطني ومنذ تشكلها، فلم تنضوِ في فصائل الجيش الحر، وقامت بتصفية عشراتٍ من تلك الفصائل، وفرضت سلطتها على كل المناطق التي سيطرت عليها، ورفضت أيّة محاكم، على الرغم من أنّها محاكم شرعية وليست مدنية، لحل المشكلات مع بقية الفصائل، وكذلك أقامت معتقلاتٍ وسجونا تابعة لها، وفي كل منطقة احتلتها، ولا تتوفر أية محاكمات عادلة للمعتقلين. والأسوأ أن أغلبية الذين اعتقلتهم ناشطون مدنيون أو أفراد من فصائل الجيش الحر، وكانوا من أوائل الثوار ضد النظام، ومنهم وثاب عزو والمحامي ياسر السليم. لم تشكل جبهة النصرة جمهورها السوري الواسع، وأغلبية المنضوين لديها أُجبروا على ذلك، لأسبابٍ تتعلق بالحماية من آخرين، أو بسبب رواتب شهريةٍ منتظمةٍ ودقيقة. أما حلفاؤها الحقيقيون فهم من المهاجرين (الحزب الإسلامي التركستاني مثلاً). أما أغلبية الفصائل التي تحالفت معها، فقد فكّت تلك التحالفات.

جبهة النصرة هذه، ولأنها جهادية وأصولية، وتتوهم أن رؤيتها هي الصواب المطلق، فهي ترفض كل توافقٍ سياسيٍّ جديّ مع الآخرين، وترفض حلَّ نفسها، ولا يعنيها أيَّ حلٍّ سياسي، ما لم تكن هي قائدة له. هي نموذج مخفف من “داعش”. لم تستفِد أبداً من محاولات المعارضة السورية دفعها لتكون فصيلاً وطنياً، فقد أشاد بها كل من جورج صبرا، وميشيل كيلو، ومعاذ الخطيب، وعشرات القادة السياسيين، ولاقت هوىً لدى بعض السوريين حينما كانوا يتعرّضون لمختلف أشكال الحصار والدمار والقتل.

ستنفّذ القرارات الدولية لا محالة، وكما شملت الاتفاقات التخلص من الفصائل في أغلبية المدن السورية، سيتم التخلص من جبهة النصرة وحزب الاتحاد الديمقراطي (الكردي) ولو بعد حين؛ فقد وصل الوضع السوري إلى مرحلة النهايات، وهناك مشاورات سياسية دقيقة لدراسة الخطوة الأميركية، الانسحاب من شرق سورية، وكيف ستُنفذ، بين كل من تركيا والولايات المتحدة من ناحية وتركيا وروسيا من ناحية أخرى. على كل حال، قرار تصفية كل من جبهة النصرة و”البايادي” (حزب الاتحاد الديمقراطي) يبدو أنّه ما زال موضوعاً للتشاور الإقليمي، أي سيستفيد هذان من حاجة هذه الدول لهما في هذه المرحلة!. وقد أوقفت تركيا عمليتها العسكرية بسبب هذه المحادثات، لكنها وجهت بعض الفصائل التي تعمل تحت إمرتها إلى ريف حلب وإدلب ريف حماه، في خطوةٍ تحذيرية لجبهة النصرة (هيئة تحرير الشام)، وضرورة أن تنصاع بشكل كاملٍ للتنسيق الروسي التركي، ويبدو أن هناك تنسيقاً بين تركيا وروسيا وجبهة النصرة على ذلك، وهو ما لم ينشر علنا. سمحت تركيا لجبهة النصرة بتصفية حركة نور الدين الزنكي التي انسحبت بقواتها وعتادها وبشكل غير مبررٍ، وربما تخفي هذه الخطوة هذه توافقاً معيناً مع الحركة نفسها! وهذا لصالح تركيا، حيث هناك قرارات “روسية تركية” بتصفية كل الفصائل التي كانت مدعومة من أميركا أو غير موثوقٍ بها، ولهذا تركت جبهة النصرة تفتك به.

إقليمياً، هناك إعادة علاقات النظام بالنظام الإقليمي، وضرورة فتح كل الطرق بين المدن السورية والمحيط الإقليمي؛ الفصائل المنضوية تحت سيطرة تركيا تتحرّك وفقاً للتوافقات التركية الروسية، وأيضاً قوات “البايادي” تتحرك وفقاً لمشيئة الأميركان بشكل أساسي، وتحاول الاتفاق مع النظام وإيران، لإيجاد اتفاقٍ يشرعنها، ولكن خطوة “البايادي” ما زالت مفتوحة على الاحتمالات كافة؛ فالتصريحات الأميركية والأوروبية المتضاربة تقول إن قوات “البايادي” و”قوات سورية الديموقراطية” ما زالت ضمن الحماية الدولية، ولكن أيضاً هناك إمكانية لتصفيتها، وهذا يتعلق بإنهاء الوضع السوري برمته، وكذلك هي شروط تركيا وروسيا في الوقت نفسه.

الآن، ومع قرار الانسحاب الأميركي، ولا يغير من ذلك المشاورات بصدد ما بعده، وسيطرة الحلف الروسي، والذي يضم تركيا وإيران، على الوضع السوري بشكل كامل، لم يعد ممكناً الاستمرار في الصراعات الإقليمية. وبالتالي، فقدت الأدوات المحلية والمُستقدمة من الخارج مُبرّر وجودها (البايادي وجبهة النصرة، بل والفصائل التي تعمل تحت إمرة الأتراك، وأغلب الظن أن جيش النظام سيُعاد تشكيله) في مرحلةٍ لاحقة. أي أن انتصار جبهة النصرة على حركة الزنكي وبقاء “البايادي” لمرحلة مقبلة لن يغير من حقيقة تصفيتهما لاحقاً؛ فلروسيا وتركيا وأميركا مصالح في سورية وفيما بينها، وتتحقق على جثث السوريين وكل الفصائل المسلحة، والخارجة عن جيش النظام.

أفشلت روسيا وتركيا معركة الجبهة الوطنية للتحرير والجيش الوطني ضد هيئة تحرير الشام، وتتجه الأوضاع إلى حسم المعارك لمصلحة السيطرة التركية الروسية على مناطق إدلب وريف حلب الغربي، وفتح الطرق الدولية بين مدن الشمال السوري والعاصمة والدول المحيطة في سورية. تجميد جبهة منبج وشرق الفرات، ولمصلحة التوافقات الدولية، سيُفضي إلى حلٍّ ما، يُنهي بالضرورة كلَّ تهديدٍ للحدود التركية. وبالتالي، هناك تحجيم، إن لم نقل تصفية، لقوات سورية الديموقراطية وقوات حزب الاتحاد الديمقراطي (البايادي)، وهذا سيكون بيد الأتراك أو النظام السوري؛ فالأخير لن يقبل بوجود “استقلال” للحسكة أو القامشلي. “البايادي” و”قوات سورية الديموقراطية” لن يستفيدا كثيراً من المشاورات الدولية بخصوص مستقبلهما، ولن يستفيدا من تجربتهما الخاطئة في التحالف مع النظام، وضد فصائل الثورة، ومع أميركا وضد روسيا وتركيا، وكل محاولاتهما السياسية للمحافظة على قواتهما ستبوء بالفشل، وكل أشكال الوهم عن الفيدرالية، وقواتهما المدعومة أميركياً ستنتهي بشكل كامل. وطبعاً لا مجال لفرضية التوافق مع تركيا، ولا مع فصائل الثورة أو قوى المعارضة. ولهذا كما أخطأت “النصرة” في رفضها الانضواء في المجال الوطني الثوري، وحاربته، وصفّت حركة نور الدين الزنكي أخيرا، كذلك أخطأ “البايادي” في سياساته وتحالفاته.

كل القوى السورية، وبدءاً بالنظام، أخطأت في حساباتها السياسية. ولهذا فنهاية جبهة النصرة، المنتصرة على ريف حلب الغربي ومناطق في إدلب، أصبحت مسألة وقت، وأيضاً “البايادي”، وستكون المعركة المقبلة ضد الفصائل المنضوية تحت الجناح التركي، وحتى النظام سيُعاد تشكيل جيشه وأجهزته الأمنية. وبذلك تفرض الاحتلالات سيطرتها الكاملة على سورية؛ روسيا أولاً، تركيا ثانياً، وثالثاً إيران وإن بشكل أكثر هامشية. وبالتالي: هل بدأت مؤشرات الحل السياسي تقترب أخيراً؟ نأمل ذلك.

العربي الجديد

«تحرير الشام» تتقدم برعاية تفاهمات دولية/ عبد الله محمد

أعلنت «هيئة تحرير الشام» أمس الأحد انتهاء عملياتها في ريف حلب الغربي، بعد دخول مقاتليها إلى مدينة الأتارب الاستراتيجية، وانسحاب المئات من أبناء المدينة المنضوين في صفوف فصائل «الجيش الحر» إلى منطقة عفرين، التي كان قد سبقهم إليها مقاتلو حركة نور الدين زنكي.

وكان مقاتلو الزنكي قد خاضوا مواجهات مع هيئة تحرير الشام في مدن وبلدات ريف حلب غربي، استمرت أربعة أيام، وأسفرت في النهاية عن انسحابهم من قرية قبتان الجبل (المعقل الرئيسي للزنكي) إلى عفرين، وذلك عبر طريق جبلي ضيّق، وهو ما حال دون تمكنّهم من اصطحاب أسلحتهم الثقيلة والمتوسطة، التي استولى عليها عناصر «تحرير الشام».

وقد أسفرت مجمل العمليات التي استمرت خمسة أيام عن مقتل ستة وإصابة نحو عشرين مدنياً في ريف حلب، بالإضافة إلى مقتل سبعة عشر من مقاتلي عدة فصائل معارضة مناوئة لهيئة تحرير الشام، توزعوا بين ريف حلب الغربي وريف إدلب الجنوبي، الذي شهد أيضاً اشتباكات متقطعة بين فصائل منضوية في الجبهة الوطنية للتحرير وهيئة تحرير الشام.

يقول الناشط السياسي المحلي أحمد رسلان إن «عملية هيئة تحرير الشام الأخيرة، التي أسفرت عن إنهاء ثلاثة فصائل معارضة، لم يكن الهدف منها الإقصاء بحد ذاته كما جرت العادة في اعتداءاتها السابقة على الفصائل، بل كان الهدف الرئيسي منها في هذه المرة السيطرة على مدينة دارة عزة الاستراتيجية، المشرفة على معابر وطرق تجارية في المنطقة، والمحاذية لمنطقتي عفرين وريف حلب الشمالي اللتين تسيطر عليهما فصائل معارضة على عداء مع الهيئة. وبعد استكمال الأخيرة سيطرتها على دارة عزة والقرى والبلدات المحيطة بها، بذريعة القبض على مطلوبين من حركة الزنكي متورطين بقتل عناصر لها، ونتيجة لعدم وضوح موقف الجبهة الوطنية للتحرير، التي يُفترض أن حركة الزنكي فصيلٌ منضوٍ فيها، تشجّعت الهيئة واتجهت إلى مدينة الأتارب أيضاً بغية السيطرة عليها».

وكانت هيئة تحرير الشام قد توجهت إلى الأتارب وحاصرتها مساء أول من أمس السبت، واستهدفتها بالرشاشات الثقيلة لعدة ساعات، وهو ما دعا وجهاء المدينة لفتح قناة تواصل مع الهيئة، لتجري بعد ذلك مفاوضات قضت بدخول المدينة سلمياً، وفتح طريق للراغبين بالخروج منها إلى منطقة عفرين.

صبيحة الأحد، بدأت أرتال مسلحي الهيئة بدخول الأتارب بالتزامن مع مغادرة مئات من عناصر فصائل الجيش الحر فيها وعائلاتهم، إضافة إلى ناشطين إعلاميين وسياسيين وعاملين في الشأن الإنساني، لتستوقف الهيئة عدة أرتال من الخارجين نحو عفرين بحجة وجود مطلوبين فيها، وهو ما وصفه ناشطون بأنه غدرٌ وخروجٌ على الاتفاق، الأمر الذي دعا بعضهم للاختباء خوفاً من الوقوع في يد عناصر الهيئة. وقد خضعت الأرتال للتفتيش والإيقاف عدة ساعات، قبل أن تسمح لها الهيئة بمتابعة طريقها نحو عفرين.

وينص الاتفاق الذي توصل إليه الطرفان على حلّ فصيلَيّ ثوار الشام وبيارق الإسلام العاملين في الأتارب وتسليم سلاحهما، مع بقاء السلاح فقط في يد المقاتلين الموجودين على خطوط التماس مع قوات النظام السوري. وتعهدت «تحرير الشام» بحسب الاتفاق بعدم ملاحقة أي مقاتل من الفصيلين، وتحويل القضايا الشخصية والجنائية إلى القضاء. كما قضى الاتفاق بأن تتبع الأتارب أمنياً وعسكرياً لـ «تحرير الشام»، بينما ستكون «حكومة الإنقاذ» العاملة في مناطق سيطرة الأخيرة مسؤولة عن الأمور الخدمية والاقتصادية والقضائية.

بعد سيطرتها على مدينة الأتارب، أغلقت «تحرير الشام» معبري الغزاوية والمنصورة الواصلين بين ريف حلب الغربي ومناطق شمال وشمال غرب حلب، الخاضعة لسيطرة الفصائل المنضوية في عمليتي درع الفرات وغصن الزيتون، فيما دارت اشتباكات محدودة بين مقاتليها ومقاتلي فصائل الجبهة الوطنية للتحرير في محيط قرية دير بلوط جنوب بلدة جنديرس، في أقصى ريف حلب الشمالي الغربي.

وتُعَدُّ الأتارب من أبرز المدن التي شاركت في الحراك الثوري ضد النظام السوري غرب حلب، وكذلك ضد هيئة تحرير الشام التي حاولت اقتحام المدينة سابقاً عدة مرات، إلا أن الأهالي كانوا يخرجون في تظاهرات ضدها ما كان يدفعها إلى الانسحاب. كما أن المدينة تعرضت خلال سنوات الثورة لعدد كبير من غارات طائرات النظام وروسيا، التي خلّفت عشرات الشهداء والجرحى.

يقول الناشط السياسي المحلي عبد الرحيم عثمان إن «ما جرى لم يكن في الواقع إلا مرحلة من مراحل تطبيق مخرجات مسار أستانة واتفاق سوتشي، التي تنصّ على فتح المعابر والطرق الدولية، إذ يبدو أن تركيا لم ترَ في أي فصيل القدرة على فتح وتأمين طريقي حماة -حلب، وحلب -اللاذقية، فأولت المهمة في النهاية لتحرير الشام»، مستدّلاً على ذلك بعدم انخراط فصائل الجبهة الوطنية للتحرير في المعارك، التي يلقى بعضها دعماً تركياً واسعاً.

كما يشير عثمان إلى أن «فصائل درع الفرات وغصن الزيتون الموجودة في منطقتي عفرين وريف حلب الشمالي، كانت تنوي القدوم لإسناد مقاتلي الزنكي، وتجمّعَ مقاتلوها فعلاً في جبل سمعان قرب ريف حلب الغربي حيث كانت تدور فصول المعركة، إلا أنهم لم يتلقوا إشارة من تركيا على ما يبدو، ففضلوا عدم الدخول حتى لا يتحملوا تبعات التصرف المخالف لإرادة الداعم».

ويتفق الناشط أحمد رسلان مع الاستنتاج الذي يذهب إليه عثمان، مضيفاً أن «التزام قوات النظام باتفاق سوتشي، وتراجع وتيرة القصف والعمليات تجاه المناطق الخارجة عن سيطرتها منذ توقيعه، هي أمورٌ تدلّ على أن هناك موافقةً على إفساح المجال لهيئة تحرير الشام كي تكون طرفاً في تنفيذ المخطط الذي توصّلت إليه كل من روسيا وتركيا وإيران. وهو ما يؤكده أيضاً عدم تدخل نقاط المراقبة التركية، التي لا يبعد بعضها أكثر من مئات الأمتار عن مناطق المواجهات».

ويرى رسلان أن الهيئة «استغلّت إتاحة الفرصة لها من قبل اللاعبين الدوليين والإقليميين، من أجل إغلاق الطرقات في وجه أي مقاتل ينوي العودة من عفرين وريف حلب الشمالي حيث السيطرة التركية المباشرة، إلى غرب حلب وإدلب. إذ باتت تتحكم بالمنطقة الفاصلة بين عفرين وإدلب كلّها، بِدءاً من قلعة سمعان وصولاً إلى بلدة أطمه الحدودية، كما أنها استحوذت على مصدر دخل جديد، وهو طريق النفط ومشتقاته، القادم من ريف حلب نحو مناطق سيطرتها».

بعد القضاء على «الزنكي» وخروجها من معادلة الشمال السوري، تتوجّه أنظار «تحرير الشام» إلى ريف إدلب، وخاصة أريحا ومعرة النعمان الواقعتين على طريقي حلب-اللاذقية وحلب-حماة، للقضاء على حركتي صقور الشام وأحرار الشام المنضويتين في الجبهة الوطنية للتحرير، إذا أنها ستستفيد على الأرجح من الضوء الأخضر الذي تشعر أنها حصلت عليه، للقضاء على كل من يزاحمها السيطرة على الطرقات الدولية. وفي حال سارت الأمور في ريف إدلب على النحو الذي سارت فيه في ريف حلب الغربي، فإن هذين الفصيلين لن يكون أمامهما سوى تسليم أريحا ومعرة النعمان، أو مواجهة مصير حركة نور الدين الزنكي نفسه.

تتجه هيئة تحرير الشام لتكون اللاعب الأبرز وربما الوحيد في إدلب وريف حلب الغربي، وفي الوقت الذي تحاول فيه القضاء على جميع خصومها المحليين تباعاً، فإنها تثبت صدق نواياها في الحفاظ على التفاهمات والمصالح الدولية، عبر الالتزام الفعلي بمخرجات اتفاق سوتشي، الذي كانت قد رفضته في خطابها المعلن.

وإذا كانت هيئة تحرير الشام قد أعلنت رفضها لاتفاق سوتشي ومخرجاته، إرضاءً لتيار الصقور الذي يتزعمه أبو اليقظان المصري في صفوفها، فإن المفارقة أن هذا التيار كان على رأس الهجوم الذي أفضى إلى السيطرة على ريف حلب الغربي، والذي لا يعدو كونه خطوة على طريق تنفيذ التفاهمات الدولية والإقليمية الخاصة بمستقبل الشمال السوري.

موقع الجمهورية

تنسيق روسي- تركي لإنهاء ملف هيئة تحرير الشام/ رانيا مصطفى

قرار الانسحاب الأميركي حرّك الوضع السوري

حان الوقت للتخلّص من هيئة تحرير الشام؛ هذا ما نتج عن زيارة الوفد التركي المكوّن من وزير الدفاع خلوصي أكار، ووزير الخارجية مولود جاويش أوغلو، ورئيس هيئة الاستخبارات الوطنية هاكان فيدان، إلى موسكو، نهاية العام الماضي.

تتولى تركيا تقديم الدّعم، والإشراف على الفصائل التابعة لها، في الجبهة الوطنية للتحرير وفي درع الفرات أيضا، للقيام بمهمة إنهاء تواجد هيئة تحرير الشام في إدلب وريفها وريفي حماه الشمالي وحلب الغربي، فيما يتولّى الروس منع النظام السوري من الهجوم على شرق الفرات، أو إدلب ومحيطها، أو على منبج، حيث يحشد في ريفها، في قرية جب مخزوم والتايهة (16 كم جنوبا)، وفي بلدة العريمة على طريق الباب؛ وحيث أوقفت تركيا عملياتها ضدّ وحدات الحماية الكردية في منبج وشرق الفرات، ووجّهت فصائلها باتجاه الخلاص من هيئة تحرير الشام.

استبَقت هيئة تحرير الشام القرار التركي بتصفيتها، بالهجوم على حركة نورالدين زنكي في ريف حلب الغربي، بذريعة عدم تسليم الزنكي لمتورطين في قتل أربعة عناصر من هيئة تحرير الشام.

حركة الزنكي، التي تحظى بدعم أميركي، طلبت دعم فصائل الجيش الحرّ، فأتاها دعم خجول من فيلق الشام، ما مكّن هيئة تحرير الشام من السيطرة على بلدة دارة عزة الاستراتيجية وجبل بركات (ارتفاع 1000 متر)، المطلّ على عفرين وكامل الحدود مع تركيا، وعلى حلب الغربية في المنصورة وخان العسل. ودارة عزة تعتبر معبرا بين عفرين وفصائل درع الفرات، وسيطرة الهيئة عليها تعني الفصل التام بين الفصائل التابعة لتركيا، ما يضطر أنقرة للقبول بالتنسيق مع هيئة تحرير الشام لتأمين العبور إلى نقاط المراقبة التابعة لها.

بإيعاز تركي، بدأت معركة شاملة ضدّ هيئة تحرير الشام؛ الجبهة الوطنية للتحرير سيطرت على مدينة سراقب، وعلى ريف معرة النعمان بالكامل، حيث كانت للهيئة قوة كبيرة في تلمنس، وهناك معارك ضدّها في ريف حماه الشمالي وسهل الغاب، ومعارك قوية في جبل الزاوية، في حاس وكفرنبل، بقيادة أحرار الشام التابع للجبهة الوطنية للتحرير، فيمَا يبقى لهيئة تحرير الشام تواجد في جبل حارم وجسر الشغور.

فصائل درع الفرات تحرّكت أيضا بحشد ضخم، لقتال هيئة تحرير الشام في الشمال، وتشن هجوما عليها من طرف دارة عزة الشمالي، لاسترجاعها، بعد انهيار فصائل نورالدين زنكي، بتواطؤ روسي تركي، لإضعاف الكتائب المدعومة أميركيا.

يدعم القرار التركي بيانا أصدره المجلس الإسلامي السوري، الذي تأسّس في إسطنبول في 2014، برئاسة أسامة الرفاعي، حيث يدعو فصائل الجيش الحر إلى التوحّد لمواجهة ما سمّوه “بغي” هيئة تحرير الشام. وبالمثل أصدر مجلس شورى أهل العلم في الشام، والذي تدعمه تركيا أيضا، ويضم دعاة ومشايخ عرب، أصدر بيانا للوقوف ضدّ “بغي” وعدوان هيئة تحرير الشام.

هيئة تحرير الشام مرفوضة محليا وإقليميا ومن فصائل الجيش الحر؛ فرغم أن غالبية عناصرها من السوريين، وقسم كبير من قادتها أيضا، لكنّها مارست التضييق على المدنيين في مناطق سيطرتها، وأقامت المحاكم الشرعية، واعتقلت ناشطين مدنيين ومقاتلين في الجيش الحر، كانوا في قيادات الثورة الأولى. انضم إليها عدد كبير من المقاتلين السوريين، لأسباب غير أيديولوجية، تتعلق بالحصول على الحماية والرواتب، وبسبب قدرتها على السيطرة على مدن ومقرات ومناطق واسعة.

تزعّمت جبهة النصرة جيش الفتح لتحرير إدلب، ثم اختلفت مع حركة أحرار الشام، وانتهى الأمر باقتسام مناطق النفوذ بعد اقتتال دام. ورغم دعوات الفصائل، وحثّ المعارضة السياسية لها مرارا على سلوك الخطّ الوطني العام، إلا أن هيئة تحرير الشام رفضت المشاركة تحت لواء الجيش الحرّ، وآثرت إقامة حكمها الخاص، ولم ينفعْها ما قامت به من ترويج لنفسها، كإعلان انفصالها عن تنظيم القاعدة وتغيير اسمها، وإنشاء حكومة إنقاذ، والسيطرة على المجالس المحلية، ما جعلها تصطدم مع الحكومة المؤقتة التابعة للائتلاف السوري المعارض؛ ولم يقف في حلفها إلا المهاجرون غير السوريين، كالحزب الإسلامي التركستاني وغيره. وقبل أيام أصدر القيادي في هيئة تحرير الشام أبواليقظان المصري فتوى بتحريم مشاركة فصائل الجيش الحر في عمليات شرق الفرات برعاية تركيّة.

تعاملت كل من أنقرة وموسكو مع هيئة تحرير الشام كأمر واقع، وقامتا بالتنسيق معها مرارا، فتركيا أنشأت نقاط المراقبة في مناطق سيطرتها، فيما سلّمت هيئة تحرير الشام مناطق شرق سكة القطار إلى روسيا؛ لكنّ اتفاق المنطقة العازلة في سوتشي كان رسالة واضحة للهيئة بأنّ نهايتها اقتربت، ما جعلها تعمل على فرض نفسها كأمر واقع، لإجبار روسيا وتركيا على التفاوض معها، وتحسين شروطها.

قرار انسحاب ترامب من سوريا، رغم إبطائه بعد عشرة أيام، حرّك الوضع السوري، حيث تسارع الحراك الدبلوماسي من كل الأطراف الفاعلة لترتيب الوضع شرقي الفرات ومنبج في حال تم الانسحاب.

وتتلاقى المصالح التركية والروسية في ملفات عديدة حول سوريا، ما جعل الطرفان يتخذان القرار بتسوية وضع إدلب، عبر إنهاء هيئة تحرير الشام، والفصائل الجهادية التي على يمينها، وإنهاء الحالة الفصائلية، بجعلها تابعة كلياً لتركيا، وبالتالي فتح الطريقين الرئيسيين أم4 وأم5، في خطوة باتت ضرورية بالنسبة للدول الإقليمية التي قررت إعادة العلاقات مع النظام السوري.

بكل الأحول، ما يجري في إدلب وريفها خطوة لا بدّ منها، في طريق التسوية السورية، وله دلالة كبيرة على حجم التوافق التركي الروسي بعيد المدى في سوريا، خاصة أنه لا يشمل إيران.

ومع تخلي واشنطن عن مطلب تغيير النظام، ومع نجاح المساعي الروسية لإعادة قبول النظام ضمن المحيط العربي والإقليمي، لا يبقَى أمام أنقرة سوى القبول بالحل الروسي، بإبقاء النظام؛ فهل سيحقق هذا الحل الاستقرار في سوريا؟ اعتقد.. لا.

كاتبة سورية

العرب

بين “خلافة” الرقة و”إمارة” إدلب سياسات أمريكية متخبطة/ إبراهيم درويش

شهد ريف إدلب الغربي تطورات مهمة في الأيام الأخيرة بسيطرة هيئة “تحرير الشام” أو جبهة النصرة سابقا على مفاصل مهمة في سهل الغاب وجبل شحشبو وبلدة جدرايا ومناطق تطل على أوتوستراد حلب. وتضع التطورات هذه الراعية التركية لمنطقة خفض التوتر الرابعة وهي محافظة إدلب في موضع حرج خاصة بالنسبة لعلاقتها مع روسيا التي وافقت العام الماضي على منحها فرصة لنزع فتيل التوتر عن إدلب والتعامل مع الوضع بشكل لا يفتح مجالا أمام معركة جديدة مدمرة كما حدث في مناطق سوريا الأخرى.

والحقيقة أن معركة إدلب الأخيرة لم تندلع في العام الماضي لأسباب عدة منها حالة الإجهاد التي أصابت الجيش التابع للنظام وقلة جنوده وتردد حلفائه الإيرانيين وحزب الله من وضع الأعداد الكافية لخوض معركة مكلفة. فقد جعل النظام وخلال السنوات الماضية محافظة إدلب بمثابة المنفى لمقاتلي المناطق المحاصرة سواء في حمص أو الغوطة الشرقية أو الجنوب. وأدت ما أطلق عليها النظام عمليات “مصالحة” إلى رحيل عشرات الآلاف من المقاتلين وعائلاتهم إلى إدلب التي يعيش فيها اليوم حوالي ثلاثة ملايين نسمة. وتسيطر عليها مجموعات من جماعات المعارضة إلا أن هيئة “تحرير الشام” تعد الأقوى والاكثر جاهزية من غيرها.

ولعل وجود هذه الجماعة والمقاتلين الذين ينتمون إلى جنسيات مختلفة كان عاملا من العوامل التي أدت للحذر في التعامل مع ملف إدلب التي تعتبر المعقل الأخير للمعارضة لنظام بشار الأسد.

انسحاب

ففي ظل الحديث عن الانسحاب الأمريكي من سوريا والتصريحات المتخبطة من إدارة دونالد ترامب التي تتراوح بين بقاء أو خروج، تبدو معادلة إدلب مهمة في هذا السياق خاصة أن الإدارة تدخلت في مرحلة ما لمنع هجوم كان محتوما على المحافظة. فنحن أمام سلسلة من المواقف الأمريكية والتي برزت من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وقراره في 19 كانون الأول (ديسمبر) 2018 سحب الفي جندي أمريكي تقريبا من شمال شرق سوريا وما تبع ذلك من تفسيرات مستشار الأمن القومي جون بولتون في أثناء زيارته لإسرائيل عن ربط الخروج بهزيمة تنظيم “الدولة” وحماية الأكراد السوريين الذين تدعمهم أمريكا وهو خلافا لما قاله سيده ترامب حيث أكد أن تنظيم “الدولة” قد هزم. ثم جاء مايك بومبيو في خطاب الجامعة الأمريكية في القاهرة ليؤكد على أن الانسحاب جار. وقال، خلافا لبولتون، إن أمريكا ستعمل على إخراج آخر جندي إيراني من سوريا. ووسط الغضب داخل الكونغرس على قرار ترامب وما اعتبره النواب خيانة للأكراد وتصعيدا من الصقور داخل الإدارة الذين يرون أن انسحابا من سوريا يعني التخلي عنها لروسيا وإيران فقد كان مصير مناطق الأكراد مركز خلاف القوى المتنافسة على سوريا دونما التفات لما يجري في إدلب. ورغم اتفاق كثيرين مع القرار باعتباره متساوقا مع رؤية ترامب التي طرحها في حملته الانتخابية إلا أن بعضهم اختلف مع الرئيس في طريقة التنفيذ، وهو ما كان محل تحليل كتبه روبرت مالي، المسؤول السابق في إدارة باراك أوباما وروبرت فاينز الزميل في مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي في صحيفة “نيويورك تايمز” (8/1/2019) اللذان قالا فيه إن المشكلة ليست في القرار ولكن طريقة التطبيق حيث يتخلى الرئيس عن كل ما لديه من أوراق نفوذ ويترك الساحة بدون ترتيبات، فقد قال الأسبوع الماضي إن إيران تستطيع أن تفعل ما تريد في سوريا. وسواء كان هذا الكلام تقريرا لواقع أم ضوء أخضر فإنه ترك التفاصيل للعاملين تحته مثل بومبيو وبولتون اللذين حضرا للمنطقة للقيام بعملية تقليل أضرار. ولم يكن بولتون موفقا عندما طالب بضمانات تركية بعدم ضرب الأكراد، فرفض الرئيس التركي رجب اردوغان مقابلته. ومع نهاية يوم الجمعة ذكرت محطة “سي أن أن” أن الولايات المتحدة بدأت بنقل المعدات الثقيلة خارج سوريا. وهناك قدر كبير من النقاش الأمريكي حول إيجابيات وسلبيات قرار ترامب ففي مقال كتبه فيليب غوردون، المسؤول السابق في إدارة باراك أوباما والزميل في معهد العلاقات الخارجية الأمريكي في موقع “ذا هيل” (11/1/2019) أكد فيه أن الجدل حول سحب القوات مشروع لكنه يرى أن الوجود في سوريا وإن لم يكن مكلفا ويخدم أجندة محاربة تنظيم “الدولة” ومنع تركيا من مهاجمة الأكراد إلا أن المخاطر عالية ويظل من الناحية القانونية مثارا للجدل، لأن الكونغرس مثلا لم يمنح الرئيس صلاحية نشر القوات على أرض أجنبية. ومثل غيره يرى غوردون أن المسألة تتمحور في النهاية حول التطبيق والتخطيط للقرار قبل اتخاذه. فالإحراج الذي تعرض له بولتون في تركيا كان يمكن تجنبه لو قام بزيارة قبل اتخاذ ترامب قراره المفاجئ.

التحول السادس

ولم يكن بمقدور لا بولتون أو بومبيو تقديم تطمينات أو الحديث عن “بداية جديدة” وأن أمريكا “قوة للخير في الشرق الاوسط” كما قال بومبيو في خطابه لأن الجميع في المنطقة بات يعرف أن مبعوثي الرئيس لا يمثلون إلا أنفسهم ولهذا سرت حالة من الارتياح بين روسيا وإيران وتركيا فيما تسابقت الدول الحليفة لأمريكا إلى دمشق في محاولة منها لإعادة تأهيل نظام بقتل نصف مليون من شعبه وإعادته إلى الجامعة العربية. وبدأت المسبحة تكر بوصول الرئيس السوداني عمر البشير الشهر الماضي ثم افتتاح الإمارات سفارتها المغلقة منذ سبعة أعوام في دمشق فيما بدأ الأكراد في شمال – شرق سوريا محادثات مبدئية مع النظام لتسليمه المناطق مقابل حكم ذاتي. وعلى العموم فالقرار الامريكي للانسحاب لا يعد التحول الأول في السياسة الخارجية بل الخامس أو السادس حسبما قالت مجلة “إيكونوميست” (7/1/2019) ولأن ترامب يريد فعل عكس ما فعله سلفه باراك أوباما حيث مزق الاتفاقية النووية مع إيران وتبنى السعوديين واعترف بالقدس كعاصمة لإسرائيل ووجه ضربتين للنظام السوري في وقت تردد فيه أوباما بتطبيق خطه الأحمر. ولكنه، أي ترامب، يتصرف مثل أوباما عندما يتعلق الأمر بتخفيف تورط أمريكا في نزاعات الشرق الأوسط. وفي المسألة السورية يقول ترامب ما قاله أوباما وإن بطريقة مختلفة: لا مصالح حيوية لأمريكا في سوريا. ونقلت المجلة عن فيليب غوردون قوله: “هناك استمرارية بين ترامب وأوباما، فالولايات المتحدة ليست لديها أجوبة للمشاكل المعقدة في الشرق الأوسط وليست مستعدة للدخول في حروب واسعة أو حلها”. وفي ظل النقاش الذي يحاول رسم خريطة الرابح والخاسر في سوريا، يقول البعض إن ترامب يتخلى عن أوراقه وهي سيطرة حلفائه على 95% من مصادر النفط السورية والمياه في وادي الفرات ويعرض بالضرورة حلفاءه للخطر، خاصة أن تركيا منعت العام الماضي توسعهم غربي الفرات واحتلت بلدة عفرين. وهي التي انسحبت إليها جماعات المقاتلين الذين تدعمهم تركيا من ألوية عماد الدين زنكي والجبهة الوطنية التي تعد أكبر قوة عسكرية حليفة لأنقرة.

خوف من اللاجئين

ومن هنا فالتطور الأخير يثير النقاش من جديد حول هيئة “تحرير الشام” التي باتت تسيطر على كل مفاصل الشمال السوري. فالنظام السوري وروسيا والولايات المتحدة وتركيا تعتبرها تنظيما إرهابيا. إلا أن أنقرة التي طلبت العام الماضي شهرا لمعالجة الملف ومنع هجوم للنظام وروسيا تخشى من عواقب أي هجوم عسكري شامل لأنه سيكون كارثيا وسيؤدي إلى موجة لجوء تخشى منها تركيا والدول الأوروبية. ورغم ما تحظى به تركيا من ثناء لاستقبالها 3.6 مليون لاجئ سوري إلا أن المشاعر الشعبية التركية تغيرت تجاه السوريين مما يضع ضغوطا على المؤسسة التركية الحاكمة كما بدا في تقرير لموقع “المونتيور” (11/1/2019) والذي ناقش حالة التذمر الشعبي من وجود ضخم للسوريين في تركيا. ومن هنا فانفجار الوضع في إدلب سيزيد من مشاكل أنقرة التي تركز منذ سنوات على ملف الأكراد ومنعهم من بناء كيان ثابت لهم على الحدود الجنوبية لتركيا. وقام الجيش التركي بتعزيزات في المنطقة وكرر أردوغان مطالبه بسحب كل الأسلحة التي قدمتها أمريكا للأكراد، وهو مطلب غير عملي حتى لو كان ممكنا. وعلى العموم تواجه تركيا خطوطا حمرا في محاولاتها لبناء تأثير ضد الأكراد أو توسيع مناطق الجماعات السورية المعارضة للنظام. فمن ناحية الأكراد لن تتسامح أمريكا المنسحبة مع أي عملية عسكرية ضدهم. وهي وإن خرجت من سوريا، مع أنها لم تخرج بعد فهي موجودة في العراق ولديها قواعد عسكرية وطيران وأكثر من 5.000 جندي يمكن استخدامهم للدفاع عن حلفائها. وينسحب الأمر على المعارضة السورية حيث ستجد تركيا نفسها أمام معارضة روسية – إيرانية في أي محاولة لدعم تقدمهم، وعليه فأنقرة تعمل الآن بين خطوط حمر تفرضها أمريكا وروسيا.

ليست أولوية

وفشل تركيا في فعل هذا قد يدفع إلى هجوم على إدلب بشكل يكمل حلقة سيطرة النظام على المناطق التي خرجت عن سيطرته. فظهور “إمارة” تحت سيطرة هيئة “تحرير الشام” التي تدير أكثر من 25.000 مقاتل بعد فشل المقاتلين التابعين لأنقرة وقف التوسع المستمر لهذا التنظيم سيضع ضغوطا جديدة على تركيا التي يبدو أنها لم تكن في موقع لمنع التوسع رغم وجودها العسكري في المنطقة حسب سام هيللر من مجموعة الأزمات الدولية الذي تحدث لوكالة أنباء “أسوسيتدبرس” (11/1/2019). وبالتأكيد فالتطورات الأخيرة تعتبر “هزيمة لحلفاء تركيا” حسب فابريس بالانش. وفي الوقت الذي انسحب فيه المقاتلون التابعون للجبهة الوطنية إلى مناطق السيطرة التركية في عفرين في محاولة لإعادة تجميع الصفوف إلا إن تحرك هيئة “تحرير الشام” دليل على أنها لا تريد حل نفسها أو التخلي عن سلاحها كما أملت تركيا من قبل وبل مواصلة لعب الورقة العسكرية. وستضطر تركيا التي تتعرض لتشكيكات بقدرتها على الحد من الجماعات الجهادية للتعامل معها بطريقة او بأخرى. وهناك حديث عن عملية تركية – روسية مشتركة تنتظر لقاء الرئيسين فلاديمير بوتين واردوغان المقبل. ويرى بالانش أن هجوما للنظام على إدلب والذي جمد في ايلول (سبتمبر) 2018 ليس محتملا، ذلك أن المنطقة ليست أولوية للنظام مشيرا إلى أن “الروس جاهزون للهجوم في أي وقت ولكنهم لن يفعلوا” “فهم يستخدمون اردوغان للضغط على الأمريكيين للخروج من شمال – شرق سوريا”. وعلى العموم فقد خلط ترامب أوراق اللعبة ولو استطاعت روسيا – نيابة عن النظام التوصل لاتفاق مع أمريكا نيابة عن الأكراد، حسبما ناقش إيلان غولدنيرغ ونيكولاس هيراس في مجلة “فورين أفيرز” (9/1/2019) فسيخفف هذا من الأضرار التي خلقها ترامب بقراره حيث تقوم موسكو بمتابعة تنظيم “الدولة” واحتواء إيران. ولو تم هذا فعلا وهو غير محتمل، فستجد تركيا نفسها في عزلة وتحت مظلة التأثير الروسي التي لن تسمح لها أو للمقاتلين التوسع أبعد مما توسعت. أما إدلب فستنتظر كما انتظرت الرقة عندما سيطر عليها تنظيم “الدولة” عام 2013 ولكنها ستبقى ملفا متفجرا إن لم يكن متقيحا.

القدس العربي

تحرير الشام” تحتكر قرار الحرب والسلم والإدارة المدنية فهل سنراها في مؤسسات المعارضة السياسية؟/ منهل باريش

سيطرت هيئة “تحرير الشام” على كامل منطقة خفض التصعيد الرابعة في إدلب حسب مسار إستانة والتي اتفقت روسيا وتركيا على حل عقدتها في سوتشي في 17 أيلول/سبتمبر 2018.

وجاءت السيطرة بعد هزيمة فصائل حربا كما حصل مع حركة نور الدين الزنكي في ريف حلب الغربي، أو نصف حرب كما حصل مع حركة ” أحرار الشام” الإسلامية بعد نصف يوم من المعارك في سهل الغاب وجبل شحشبو المعقل التاريخي لحركة “أحرار الشام” ومسقط رأس قادها السابق غسان عبود (اغتيل مع قادة أحرار الشام في تفجير غامض في رام حمدان شمال إدلب في 8/9/2014).

فيما فضلت “صقور الشام” و”أحرار الشام” في أريحا ومعرة النعمان وريفهما تجنب خسارة محتملة، ووافقا على ما يمكن وصفه بنصف استسلام حافظا خلاله على سلاحهما.

وانتقلت هيئة “تحرير الشام” يوم الجمعة إلى الفرض على “جيش الأحرار” بتسليم مقراته ومواقعه العسكرية وحواجزه في ما يعرف بقطاع الحدود شمال غربي إدلب والذي يتبع ما تبقى منه إلى محافظتي إدلب واللاذقية. وامتثل جيش الأحرار إلى شروط الاتفاق الذي فرضته قيادة “تحرير الشام”. سلم خلالها قطاع الساحل في “جيش الأحرار” ثلاثة حواجز هي المنطرة، هيَا، والزرن. وتعهد بعدم الاقتراب من المقرات العسكرية في المنطقة بشكل كامل.

وكانت “تحرير الشام” قد أجبرت مقاتلي “الزنكي” على الخروج من معاقلهم في ريف حلب الغربي إلى عفرين بعد ثلاثة أيام من القتال العنيف. وتوجه “جيش النخبة” الذراع الضارب لتحرير الشام، يسانده جيش “عثمان بن عفان” بعدها مباشرة لحصار مدينة الأتارب وبدأت بالمفاوضات معها لجنة تفاوض من الأعيان والفعاليات العسكرية على وقع قصف البلدة بالرشاشات الثقيلة. وانتهى الاجتماع بتسليم المدينة بشكل كامل وخروج لوائي “بيارق الإسلام” و “ثوار الشام” والمقدر عددهم بقرابة 400 مقاتل إلى عفرين أيضا ليصبح ريف حلب الغربي تحت سيطرة عسكرية وأمنية كاملة لجبهة “تحرير الشام”.

من جهتها رفضت الفاعليات الثورية في مدينة معرة النعمان يوم الخميس دخول هيئة تحرير الشام إلى المدينة بعد الاتفاق بين “الجبهة الوطنية للتحرير” و”تحرير الشام” على وقف الاقتتال وتسليم المدينة لـ “حكومة الإنقاذ”.

وذكر البيان أن الفاعليات الثورية في معرة النعمان اجتمعت مع مجلس الشورى المدينة إثر التطورات الأخيرة وتضييق الخناق على معرة النعمان وأريحا، وموافقة الأطراف العسكرية على وقف إطلاق النار والتوقيع على بيان صلح بينها. وأكدت الفعاليات عدم قبولها “إحداث أي مقر لهيئة تحرير الشام داخل مدينة معرة النعمان”، وذلك تجنبا لوقوع “اضطرابات أو صدامات دموية داخل المدينة ودرءً لاستهدافها من العدو الروسي الإيراني الأسدي”.

ورحبت الفاعليات الثورية بكل مشروع وطني جامع من شأنه النهوض بالمجتمع”، مشيرة إلى أن حكومة الإنقاذ بوضعها الحالي لا تتوفر فيها الصفة الجامعة بسبب “تبعيتها العسكرية لهيئة تحرير الشام المستهدفة من معظم القوى الدولية ومحدودية مشروعها الذي لا يشمل كل المناطق المحررة”.

وفي سياق متصل أعلنت قيادة الشرطة الحرة بإدلب تعليق عملها في جميع مراكزها وتسليم كامل مقراتها ومراكزها ومعداتها للمجالس المحلية في كل قرية أو بلدة يتواجد فيها.

ويأتي البيان كردة فعل على اقتحام “تحرير الشام” بلدة الغدفة بريف معرة النعمان الشرقي والسيطرة على مخفر الشرطة الحرة فيها، وذلك بعد ساعات قليلة من التوصل إلى صلح بين “الوطنية” و”تحرير الشام”.

وتقدر أعداد “الشرطة الحرة” بنحو 300 ضابط وعنصر منشقين عن النظام ومتطوعين خلال ذروة عملها قبل الخسائر في ريف حلب الجنوبي واللاذقية وبعض بلدات ريف حلب الشمالي.

وأشار مصدر في “الشرطة الحرة” لـ “القدس العربي” إلى أن عناصر ملثمة عرفوا أنفسهم على أنهم يتبعون “تحرير الشام” اقتحموا مخفر “الغدفة” وصادرت كل ما فيه من “معدات تابعة للمركز إضافة إلى سيارة الخدمة فيه”.

الالتحاق بحكومة الإنقاذ

ويعتبر بند تبعية الإدارة المدنية إلى حكومة الإنقاذ هو القاسم المشترك بين كل الاتفاقيات الموقعة بين “تحرير الشام” وباقي الأطراف والتي بدأتها في مدينة الأتارب في ريف حلب الغربي حيث نص الاتفاق على أن تكون الإدارة فيها مسؤولية حكومة الإنقاذ وهو ما وافق عليه وجهاء الأتارب والمفاوضين العسكريين. إضافة إلى بند تهجير من يرفض تسليم سلاحه إلى عفرين.

ووزع رئيس “حكومة الإنقاذ” تسجيلا صوتيا عبر تطبيق “واتس اب” يحث فيه عناصر “تحرير الشام” المهاجمين لمناطق الزنكي حفظ المؤسسات والدوائر من العبث أو النهب، وحذر من الاقتراب منها.

واشترطت “تحرير الشام” على “أحرار الشام” حل نفسها وأن “تتبع المنطقة إلى حكومة الإنقاذ إداريا وخدميا” في منطقة سهل الغاب، وأيضا اشترطت ذلك على “الجبهة الوطنية للتحرير” في معرة النعمان وأريحا.

وخاضت “تحرير الشام” جولة مشاورا ت حول “حكومة الإنقاذ” وتأسيس إدارة مدنية جديدة، ورفض “فيلق الشام” و”صقور الشام” و”أحرار الشام” إبقاء “حكومة الإنقاذ” بشكلها الحالي. لكن قيادة “تحرير الشام” اختارت الإبقاء على الإنقاذ وتسمية رئيس حكومة جديدة في 10/12/2012 هو فواز هلال عضو مجلس محافظة حلب السابق.

وخاضت “الإنقاذ” حربا ضد “الحكومة المؤقتة” وطردتها من كامل مناطق سيطرة “تحرير الشام” خصوصا في مدينة إدلب، والتجأت ” المؤقتة ” إلى مناطق الزنكي واتخذت من دارة عزة مقرا لعدد من الوزارات والهيئات.

وصادرت مقرات وزاراتها بواسطة الذراع العسكري المتمثل بـ “تحرير الشام”، وتسبب بوقف الدعم الدولي عن إدلب القادم من الولايات المتحدة الأمريكية ودول الاتحاد الأوروبي لينقطع الدعم عن المجالس المحلية والمنظمات الدولية العاملة في سوريا والتضييق على المنظمات الإنسانية العاملة في إدلب أيضا.

سياسيا تتفرد اليوم قيادة “تحرير الشام” وعلى رأسها أبي محمد الجولاني على إدلب بشكل كامل بعد جولة الاقتتال الأخيرة التي انتهت في ثمانية أيام فقط، واخضعت الجميع إلى سلطتها بالقوة.

وبعد طرد الزنكي الذي مثل شوكة دائمة في حلق “تحرير الشام” أصبحت “تحرير الشام” هي صاحب قرار الحرب والسلم في شمال غرب سوريا ولن يستطيع أحد من فصائل المعارضة المعتدلة ردعها عن أي قرار تتخذه.

ومع السيطرة الإدارية الكاملة في شمال غربي سوريا ستتجه “تحرير الشام” إلى محاولة إنعاش “حكومة الإنقاذ” ومؤسساتها لكن فشلها هو نتيجة محتومة بسبب غياب الدعم الدولي الرافض للتعامل مع الأخيرة بصفتها ذراع “النصرة ” المصنفة إرهابية على اللوائح الدولية جميعها بما فيها تركيا.

ويحاول الجولاني فرض أمر واقع جديد في إدلب استباقا لتطبيق اتفاق سوتشي وخصوصا فتح الطرق الدولية، فبعد هزيمة المنافسين سيترك تطبيق الاتفاق إلى وزارة الداخلية في الإنقاذ ويعهد عناصرها بحماية طرق الترانزيت.

ويشكل الموقف الروسي العقبة الحقيقية في تطبيق الاتفاق، فرغم الاستراتيجية الروسية المتمثلة بالتهدئة الآنية في إدلب وترك انقرة تقوم بحل المسألة هناك إلا موسكو لا تحبذ التعامل بحال من الأحوال مع الفصائل المعارضة وبالأخص الجهادية منها. لكن تبقى قضية إدلب الشائكة في عهدة الأتراك وقدرتهم على فرض واقع جديد يطمئن روسيا إلى حد كبير، خصوصا فيما يتعلق بتفكيك “تحرير الشام” ودفعها إلى تقديم المزيد من التنازلات.

وتبقى لأنقرة سياستها الخاصة في الضغط والتعاطي مع “تحرير الشام” وإجبارها على تقديم المزيد من التنازلات. وتدرك الأخيرة رغم عنادها أن حدود مناورتها ضيق فيما لو قررت تركيا شيئا. لذلك لن تسعى إلى إغضابها فيما يتعلق بتنفيذ اتفاق سوتشي. وخصوصا الجزء المتعلق بالالتزام بفتح طرق الترانزيت وما يترتب عليه من تفاصيل كثيرة ومعقدة خصوصا مع وجود تنظيمات قاعدية كحراس الدين. وهو الفصيل الذي شكل غرفة عمليات عسكرية (وحرض المؤمنين) على استمرار القتال مع النظام مع جبهة “أنصار الدين” و”أنصار الإسلام”. وقامت بثلاث هجمات مركزة أسفرت عن مقتل 23 جنديا من قوات النظام في منطقة سهل الغاب وحدها.

في المقابل فإنه من غير المستبعد قيام روسيا وحلفائها بعملية عسكرية محدودة تسيطر خلالها على مناطق شرق طريق حلب – دمشق وصولا إلى الطريق تتمكن من خلاله من إعادة فتح الطريق بالقوة وبدون ترك نتائج كارثية تهدد الأمن القومي لتركيا أولا. وتشكل أزمة لجوء جديدة لا تحبذها تركيا وتزعزع العلاقة التي تسير بخطى ثابتة بين الجانبين منذ الدخول بمسار إستانة. وربما تكون عملية عسكرية محدودة أكثر ما تفضله موسكو إذا ما خيرت بينها وبين وفتح الطرق الدولية وبقاء أحد أذرع تنظيم “تحرير الشام” عليها. على العكس فإن معركة محدودة ستكسر شوكة “تحرير الشام” وقوتها الضاربة، وتستهلك شيئا كثيرا من إمكانياتها العسكرية واللوجستية، وتخفف من أعداد الاف المقاتلين فيها وخصوصا من المقاتلين الأجانب.

ومع سيطرة “تحرير الشام” على إدلب، وتعزيز سيطرتها إداريا وعسكريا وتحكمها بالقرار كاملا فيما تبقى من الأراضي “المحررة” فإن السؤال الأهم الآن: ماذا تبقى للمعارضة السياسية من دور وتمثيل؟ أم انه ستتجه إلى شراكة سياسية مع “تحرير الشام” في حال بدلت ثيابها وحلقت لحاها خصوصا وأن قيادة “تحرير الشام” تدرك أن عليها لاجتياز المرحلة المقبلة القريبة لا حل أمامها إلى تقديم الكثير من التنازلات وخصوصا فيما يتعلق باتفاق سوتشي

القدس العربي

خيارات هيئة “تحرير الشام” بين الاستنزاف طويل الأمد والمواجهة الدولية وفرض سياسة الأمر الواقع/ حسام محمد

في الوقت الذي كان فيه كل التركيز منصب حول الشرق السوري من قبل الأطراف الدولية أقدمت هيئة “تحرير الشام” على بسط نفوذها على مواقع استراتيجية وسط وشمال سوريا انتزعتها من المعارضة السورية عبر الخيارين العسكري والتفاوضي.

التوسع الأخير لـ “تحرير الشام” قابلة انحسار جغرافي لتشكيلات الجيش السوري الحر في المنطقة منزوعة السلاح المتفق عليها بين تركيا وروسيا، وأظهرت التطورات الأخيرة رغبة الهيئة برفع أسهم حكومة “الإنقاذ” المقربة منها في الشمال السوري، فيما تبين أن المعارضة السورية هزيلة تعاني من ضعف إداري وعسكري مما جعلها لقمة سائغة للطرف المضاد الذي استغل الرغبة التركية الروسية في الحفاظ على مخرجات اتفاق سوتشي للحصول على أوراق مساومة جديدة تساعده في البقاء في المرحلة المقبلة.

التمدد الأخير ودوافعه

لا تعتبر استراتيجية “التمدد” على حساب قوى المعارضة استراتيجية جديدة على هيئة تحرير الشام فلطالما لجأت إليها لتحسين تموضعها العسكري عبر الاستيلاء على أسلحة نوعية، أو لتحسين التموضع الاقتصادي والإداري عبر السعي الحثيث للسيطرة على أهم القطاعات الخدمية أو التجارية كالمعابر (سواء الدولي منها أو المحلي) ومحطات التوليد الكهربائي وغيرها.

تلجأ الهيئة، وفق الباحث في عمران للدراسات “معن طلاع” إلى تعزيز مواقعها، مضافاً إليها تحسين الشروط السياسية، إذ تعتقد الهيئة أن تحكم سيطرتها الوحيدة على إدلب وما حولها منهية صيغ توزيع السلطة في تلك المنطقة سواء بالحرب أو بالترحيل، سيجعلها في دائرة “أقوى” في مواجهة ما يخطط حيالها دولياً ومحلياً، لا سيما مع وضوح خيارات الفصائل المسلحة التي لم يعد أمامها (وفقاً لمبررات عدة لعل أكثرها إلحاحاً تفاهمات الإستانة) سوى خيار الترتيب لمواجهة عسكرية ضد هيئة تحرير الشام وهو ما عملت على استباقته بعملية عسكرية تمكنها من قضم الفصائل تباعاً قبل توصلهم لصيغ وترتيبات مشتركة.

في كل الأحوال تطمح الهيئة من وراء تلك الاستراتيجية إلى تعزيز شروطها في أي مفاوضات محتملة في حال لجوء الفواعل الدولية والمحلية إلى خيار المفاوضات والتباحث عن صيغ ما دون عسكرية، ومن جهة ثانية سيجعلها صاحبة القرار الأوحد في الجانب التخطيطي والتكتيكي في حال اللجوء إلى خيارات عسكرية.

ماذا بعد التمدد؟

لمناقشة ماذا بعد التمدد فإننا هنا أمام مستويين من التحليل والاستشراف، الأول: مستوى مرتبط بالهيئة ذاتها، ومستوى مرتبط بالسيناريوهات العامة المتوقعة ولا سيما في شقه المتعلق بموقف الفواعل الدولية والإقليمية المحتملة.

ويقول “طلاع” لـ “القدس العربي”: من حيث المستوى المرتبط بخيارات الهيئة فإنها وفقاً “لبراغماتيتها الشديدة” فإنه يتوقع أن تطمح الهيئة لتحويل سيطرتها العسكرية إلى سيطرة مدنية وسياسية عبر مرحلتين مرحلة انتقالية تديرها، وتهيئ لها حكومة الإنقاذ متبنية برامج عدة منها ما يتعلق بإعادة التشكيل السياسي والعسكري والمدني وفق صيغ تبدو شكلاً أكثر تشاركية وهي ضمناً أكثر شمولية وتسلطا.

ومرحلة نهائية يختفي فيها اسم هيئة تحرير الشام لصالح اسم جديد وفاعلية جديدة، وطبعاً يعترض هذا السيناريو المحتمل عوارض عدة منها ما يتعلق بالرفض المجتمعي لمشروع الهيئة أيا كان مسماها خاصة في ظل توقع مآلات المنطقة بعد سيطرتها عليها وما تستتبعه من كوارث محتملة لا سيما على الصعيد الإنساني.

والعارض الثاني مرتبط بسيناريو الاستنزاف الذي سيفرض نفسه في حال تم التوافق الكامل ما بين الفصائل في كل المناطق المحررة على مواجهة الهيئة، ناهيك عن العارض الأساس والمرتبط بالمستوى الثاني، وما ستفرضه السيناريوهات العامة التي تدلل على أن اتجاهها العام هو عسكري بحت ينحصر في أمرين:

المواجهة الدولية لهذا التمدد وقد يكون عبر مظلة اتفاق أمريكي تركي للقضاء على الهيئة وهذا يستلزم اتفاقاً سياسياً حول “إدلب ما بعد الهيئة” وهو ما لم تتوفر شروطه بعد، أو عبر مظلة إستانة التي يتوقع أن تكون أكثر فاعلية في حال كان الانسحاب الأمريكي سياسيا وعسكريا.

وستكون بدايةً على شكل مواجهة جزئية تستهدف السيطرة على الطرق الرئيسية  M4 وm5 أو عملية شاملة تستوجب مدداً زمنية طويلة واستراتيجيات عدة، ناهيكم عن سيناريو المواجهة مع الروسي وحلفائه المحليين.

السيناريوهات المحتملة

تبرز معطيات عدة أبرزها الضعف البنيوي والعقائدي الذي يعتري الفصائل المسلحة، في حين أن الاستعصاءات التي يتم وضعها من قبلهم أمام مشاريع إعادة التكوين والبناء العسكري قد كلفتهم خسارات استراتيجية قد تصعب من عودتهم لمسرح الفاعلية، والمعطى الأهم يتمثل في الارتكاسات المتوقعة على المستوى الإنساني في كل الاحتمالات أعلاه، والحديث هنا للباحث “معن طلاع”.

متلازمة الإرهاب

وفي هذا الصدد صنف الباحث في مركز جسور للدراسات “عبد الوهاب عاصي”، خيارات هيئة “تحرير الشام” بعد سيطرتها على كامل مفاصل الشمال السوري عسكرياً وأمنياً وإدارياً وخدمياً تنحصر ضمن ثلاث خانات:

أولاً: إعادة إنتاج نفسها لنزع صفة الإرهاب عنها، ومحاولة كسب مشروعية لبقائها وسيطرتها، ويقتضي ذلك إعلان حل نفسها ضمن وزارة الدفاع في حكومة الإنقاذ سواء جرى الأمر بمبادرة مباشرة منها أو بشكل غير مباشر عبر مبادرة من إحدى الجهات التي تربطها معها علاقة متوازنة على الأرض، على أن يشارك في حقيبة وزارة الدفاع ما بقي من فصائل الجبهة الوطنية للتحرير. وهنا سوف يكون من الصعب اتخاذ موقف إزاء التشكيل العسكري الجديد نظراً لاختلاط عناصر المعارضة المعتدلة مع عناصر الهيئة، كما أن هذا الخيار ربما يدفع لرفض بعض القطاعات أو التيارات داخل الهيئة لتطبيقه، وبالتالي إما اندماجهم مع تحالف أنصار الإسلام أي العودة إلى تنظيم “القاعدة” أو بقائهم كقوة منفردة في الساحة.

ثانياً: الحفاظ على نفسها ومحاولة فرض نفسها كسلطة أمر واقع على الأطراف الدولية وأنها قادرة على الاستجابة لمتطلبات العملية السياسية، وأن تحاول اتخاذ إجراءات من شأنها أن تعكس عدم وجود تهديد منها للسلم والأمن الدوليين، أي إعادة تعريف نفسها كتنظيم جهادي سلفي محلي لا يرتبط بالتنظيمات المعولمة، بل قادر على ضبطها وحتى محاربتها إن اقتضى الأمر مثلما فعلت الهيئة مع تنظيم “الدولة” وجند الأقصى.

ثالثاً: مواجهة الرفض الدولي المحتمل لها، بمعنى أن الهيئة مضطرة للتعامل مع احتمال عدم استجابة الأطراف الدولية لجميع الخطوات التي اتخذتها الهيئة من أجل إعادة تعريف نفسها كتنظيم سلفي جهادي محلي، وبالتالي سوف تتخذ مزيداً من الخطوات التي تسمح لها بالبقاء من خلال تعزيز اتصالها مع الحوامل المجتمعية التي تتعاون معها، والإبقاء على خط اتصال مع التنظيمات الجهادية الأخرى العاملة في مناطق سيطرتها. ومن شأن هذه الخطوات تعقيد آليات التعامل الدولية المفترضة تجاهها.

مواجهة عسكرية

يعتبر خيار مواجهة هيئة “تحرير الشام” عسكرياً أمراً غير مستبعد خاصة بعد تلميح رسمي تركي في هذا الصدد، والحديث عن رفض وجود مثل هذه التنظيمات في الشمال السوري. وقال “عاصي” لـ “القدس العربي”: هناك احتمالان لوجود عمل عسكري ضد الهيئة:

1) يحاكي رفض جميع الأطراف الدولية التعامل مع الهيئة كسلطة أمر واقع، وبالتالي عدم الاستجابة لخطواتها في إعادة تعريف نفسها كتنظيم لا يشكل خطراً على السلم والأمن الدوليين، وهذا يعني شن عملية عسكرية ضدها، إما بالتنسيق فيما بين أطراف إستانه أي تركيا وروسيا وإيران، لكن هذا التنسيق لا يعني شن عمل عسكري مشترك بقدر ما يعني حصول تفاهم سياسي حول حدود وانتشار قوات كل منها.

2) يحاكي استجابة الأطراف الدولية لخطوة الهيئة المحتملة بإعادة إنتاج نفسها داخل حقيبة وزارة الدفاع في حكومة الإنقاذ إلى جانب فصائل أخرى لا تعترض عليها الهيئة، وأن العمل العسكري سوف يكون على التيارات أو قطاعات الهيئة الرافضة لمثل هذه الخطوة، وما قد يترتب على ذلك من تغيير على الساحة من الناحية الأمنية والعسكرية. وهنا قد تشارك الهيئة باسمها الجديد ومن المحتمل أن يكون ذلك بدعم إقليمي ضد هذه الأطراف. لكن هذا الاحتمال لا يحمل وجود عمل عسكري مشترك بين روسيا وتركيا وإيران.

من جانبه رأى المحلل السياسي “خليل مقداد” أن حركة “نور الدين الزنكي” كانت بمثابة طعم لجس نبض هيئة “تحرير الشام”، ومحاولة لاستدراجها خلال محاولات سابقة، كان آخرها قضية العناصر، وأن الهيئة كانت على علم بهذا التحرش من قبل المعارضة، فبادرتهم بالهجوم، والمفاجئة تكمن في الانهيار السريع للفصائل. ورغم أن التمدد الأخير للهيئة الذي يعطيها هامشا في التحرك شمال البلاد، لكنه في الوقت ذاته يحملّها عبئاً كبيراً كونها ستكون مجبرة على إدارة المناطق التي انتزعتها من المعارضة، وهذه المواقع تعتبر حواضن شعبية لمناوئيها، وبالتالي هذا سيصعّب من مهمة إدارتها.

مرحلة كسر عظام

وهو يرى حصول الهيئة على أوراق قوة جديدة في الصراع يجعلها رقماً صعباً في المعادلة، وستكون هي الجهة للراغبين في قتال النظام السوري في المستقبل، وحتى لرافضي التسويات، مما قد يعطيها زخماً سياسياً وعسكرياً، خاصة في المجال السياسي، إذ أن هدف مناطق خفض التصعيد يكمن في تسليمها في نهاية المطاف للنظام السوري، ولكن الآن تغيرت المعادلة، وخاصة في إدلب، التي لم يبق فيها سوى هيئة تحرير الشام وفيلق الشام، وهما طرفان متكاملان عسكرياً وسياسياً وحتى مالياً، فالهيئة تؤمن الغطاء والفيلق لا يتدخل في الحروب الموجهة ضد تحرير الشام، رغم توقيعه على كل البيانات الموجهة ضدها.

وقال إن من غير المستبعد ان تتماهى هيئة “تحرير الشام” مع المزاج الدولي، ولكن هذا لن يدوم طويلاً، كون هدف القوى الكبرى يتمحور بإعادة سيطرة النظام السوري على كل الجغرافيا السورية، ومحاربة أي تنظيم يحمل أفكاراً إسلامية. وتوقع الباحث أن عنوان المرحلة المقبلة هي مرحلة كسر عظام، ومتحدثاً عن اجتياح مناطق سيطرة الهيئة أو غيره من السيناريوهات.

حكومة الإنقاذ

التمدد الأخير لهيئة “تحرير الشام”، يعزز، حسب المقداد، دور حكومة “الإنقاذ” وستكون هي الجهة المؤهلة لإدارة المرحلة في الشمال السوري، وأن تركيا يهمها أن يكون هناك طرف قوي في الميدان يمكن الاستناد عليه، وخيار كالهيئة يعطيها مجالاً في المناورة في الملفات العالقة. وتبقى المرحلة المقبلة غامضة ويمكن أن نتوقع ما ستؤول إليه الأمور من خلال التصريحات التركية وتحركها في هذا المجال، إذ أن موقفها هو من سيوضح مستقبل المنطقة.

هذه المرحلة، ستكون حاسمة خاصة أن روسيا بدأت تصعد من حدة لهجتها، وتطالب تركيا بالتدخل وتصنيف إدلب كبؤرة إرهابية، وهذا سيضغط على الهيئة أكثر، ولكن سيعطيها وفق – المصدر ذاته – مجالا أكبر في المفاوضات، التي قد ينتج عنها التغاضي عن إدلب مقابل تعهد الهيئة بعدم تنفيذ أي هجمات ضد مواقع النظام السوري، وتركيا منشغلة بشرق الفرات وأمنها القومي.

المقايضة الآتية: إدلب مقابل الشرق السوري!/ رلى موفّق

الخارطة السياسية والعسكرية في محافظة إدلب السورية بعد إحكام “هيئة تحرير الشام” سيطرتها عليها وعلى مناطق تواجد المعارضة في أطراف حلب وحماه قد رُسمت إلى حين، ما يطرح السؤال حول الآتي المنتظر؟

في قراءة التحوّلات على الأرض فإن المتابعين على ضفتيّ المؤيدين والمعارضين لتركيا، يرون أنها المستفيد الأول. ما حصل يُعزّز موقع أنقرة على الطاولة، فهي مدخل الحل والربط فيما يتعلق بالشمال السوري، لكن مآل الميدان يُحدّد مدى الحاجة إليها والأثمان المترتبة على ذلك.

لم تُشكِّل “هيئة تحرير الشام”- وهي “جبهة النصرة” سابقاً (جبهة فتح الشام) عامودها الفقري – لدى بعض المراقبين، مفاجأة لجهة قدرتها على حسم المعركة، بل لجهة سرعتها في الإجهاز على الفصائل المسلحة الرئيسية الأخرى، ولا سيما “حركة أحرار الشام” و”حركة نور الدين الزنكي”. ثمّة من يرى في النتائج الأولية، على مستوى “الثورة السورية”، ضربة قاصمة لما تبقى لها من بعد وطني ونسيج داخلي.

فـ”حركة الزنكي” خرجت من لدن أبناء الشمال السوري كفصيل محلي معتدل التوجهات نجح في خلق حيثية على الأرض، ويشكل الانقضاض عليه في عقر داره تصفية لطبيعة تكوينه. النقاش هنا لا يتعلق بحجم ارتباطه بتركيا أو تأثيرها عليه، ذلك أنها الشريان الحيوي أو جسر العبور في السياسة والجغرافيا والسلاح والمال لفصائل المعارضة هناك، ولا بد من غطائها مهما كَبُر أو صَغُر. أما “حركة أحرار الشام”، فهي تُعتبر الفصيل العسكري الأكبر العابر للساحة السورية، يُضفي تنوّع قياداتها وتوزعها المناطقي عمقاً محلياً، وهي تحمل في نهاية المطاف مشروعاً عقائدياً، يتم تصنيفه على أنه مشروع إسلامي معتدل، بالمقارنة مع تركيبة “هيئة تحرير الشام” العقائدية. وكان الاعتبار السائد لدى كثيرين، من القوى الإقليمية والدولية، بأن “أحرار الشام” تلك يمكنها أن تكون الرافعة في أي عملية عسكرية داخلية ضد “الهيئة” التي يتم التعامل معها بوصفها “جبهة النصرة” المصنّفة تنظيماً إرهابياً.

اليوم بات الرهان على وجود فصائل معتدلة في محافظة إدلب والمناطقة المجاورة ساقطاً كلياً. وأضحت “هيئة تحرير الشام” هي سيّدة الأرض هناك. فهل تريد تركيا إرسال هذه الرسالة لمن يعنيهم الأمر؟ أم أن زعيم الهيئة أبو محمد الجولاني قام بهجوم استباقي في معرض حماية خاصرته من طعنات داخلية إذا ما دقّت ساعة المواجهة؟ قد يصح الاستنتاجان معاً.

ففي مقاربة العلاقة بين تركيا و”النصرة”، ثمة مفهومان يُحيطانها: الأول ينطلق من أن العلاقة هي علاقة تبعيّة ولا فوارق في التفكير العقائدي بينهما، لا بل إن “النصرة” هي جوهر وخلاصة الفكر الإخواني. وتُعتبر، على البعد التنظيمي، تنظيماً حديدياً صلباً متماسكاً وقوياً، أغلب قياداته من الأجانب بعديد سوري، وبالتالي حين تدق الساعة، ينتقلون إلى بقعة أخرى كجهاز قيادي، ويتم تشتيت القاعدة المحلية.

أما المفهوم الثاني، فيبني نظريته على أن العلاقة هي علاقة تقاطع مصالح مشتركة، وعلاقة تنسيق وتواصل مع المحافظة على كثير من استقلاليتها، لأسباب عدّة، منها ما يعود إلى وجود فوارق في العقيدة ومنطلقاتها. ويرون أن اعتبار “الهيئة” دمية بيد تركيا فيه كثير من “التسخيف” للواقع. في رأي هؤلاء أن الجولاني أقدَمَ سابقاً على مجموعة خطوات، بالتنسيق مع تركيا، من أجل رفع الضغوط عنها وإعطائها حيزاً من المناورة. تلك الخطوات تمثلت في تصفية زعيم “النصرة” لمجموعة قيادات أجنبية من رؤوس “تنظيم القاعدة”، وغضّ النظر عن مجموعات أخرى انضوت تحت اسم تنظيمي جديد هو “حرّاس الدين” يتواجد في مناطق “الهيئة”، فيما تمثلت الخطوة الثالثة في تغيير اسم “النصرة” إلى “جبهة فتح الشام” لإخراجها من التصنيف الأمريكي لها كمنظمة إرهابية، قبل أن تُؤلف وفصائل أخرى “هيئة تحرير الشام”. كما أن “جبهة النصرة” لم تمسّ بالأمن التركي على خلاف ما فعله “تنظيم الدولة الإسلامية”. وهي تولت مواكبة وحماية قوات المراقبة التركية التي دخلت المنطقة العازلة التي نصّ عليها “اتفاق شوتسي” بين موسكو وأنقرة حول إدلب، يوم كانت روسيا والنظام السوري عازمين على القيام بعملية ضد إدلب في سبتمبر/ إيلول 2018، على الرغم من معارضتها لخيارات تركيا السياسية في “إستانة” و”سوتشي”.

الانطلاق من قاعدة “تلاقي المصالح وتقاطعها” في لحظة سياسية حرجة بالنسبة للأتراك، يمكن معها القيام بعملية استنباط واستشراف في آن. وفق بعض المتابعين، فإن تركيا، التي تضع مسألة منع قيام كيان كردي سوري في سلّم أولوياتها وتعتبره مسألة حياة أو موت بالنسبة لها، تواجه غموضاً من واشنطن حيال كيفية معالجة الوجود الكردي المسلح في شرق الفرات بعد إعلان الرئيس الأمريكي قراره بالانسحاب من سوريا، وتردداً في هذا الملف. والغرب عموماً يُقلقه ازدياد قوّة التنظيمات المتطرّفة التي تحتضن جهاديين أجانب والذين يمكنهم التسرّب إلى دولهم وتنفيذ عمليات إرهابية.

وبالتالي، فإن الرئيس التركي رجب طيب اردوغان بغضّه الطرف عن العملية العسكرية التي قامت بها “الهيئة” أصاب أكثر من عصفور بحجر واحد: هو أصبح لاعباً أقوى، وعلى العالم اليوم أن يتعامل مع حقيقة أن التنظيم الأشدّ تطرفاً والأكثر تنظيماً والإرهابي التصنيف هو صاحب الكلمة الفصل في هذه المنطقة، وأن الوصول إليه دبلوماسياً أو سياسياً أو عسكرياً، يمرّ عبر البوابة التركية. هذا من جهة، ومن جهة ثانية، فإن ملاذ الفصائل المسلحة التي خرجت من مناطق “الهيئة”، هي المناطق الواقعة تحت السيطرة التركية، والتي قادت فيها “درع الفرات” و”غصن الزيتون” عمليات عسكرية بغطاء تركي ضد الأكراد، ما يعزز تلك القوات، في حال ذهبت تركيا إلى خوض مواجهة عسكرية كما تلوّح ضد الأكراد في شرق الفرات، الذين تحميهم واشنطن وتموّلهم بالسلاح والعتاد.

حسب تقييم معارضي ومؤيدي حكم اردوغان، فإن الرجل قد ربح، حتى لو تمّ النظر إلى العملية العسكرية من زاوية أنها حرب استباقية قام بها الجولاني للقضاء على ما قد يعتبره “الخناجر المسمومة” التي يمكن أن يطعنه بها الأتراك والروس من خلال إشعال حرب داخلية. الربحية هي أن هناك ثمناً لا بد من أن تحصل عليه تركيا عند التعاطي مع الوقائع القادمة في إدلب. الحرب من الخارج لها أكلافها على الجميع. هذا يجعل ورقة المقايضة لتفادي تلك الأكلاف الكبرى ورقة قوية، والكلام هنا يتناول الروس بشكل أساسي. الروس الذين لا يقبلون أيضاً بسيطرة تركية على شرق الفرات المليئة بالثروة النفطية والمائية والغذائية. وهم حماة للأكراد أيضاً، ما يجعل دخول النظام السوري إلى تلك المنطقة “حلاً نموذجياً”. بالطبع الصورة تبدو مشوّشة وغير مكتملة ما دام القرار النهائي لترامب في شأن وجوده العسكري في سوريا ومستقبل حلفه مع الأكراد لم يتبلور بعد.

الأكيد أن مسألة شرق الفرات ليست مفتوحة على مفاجآت كبرى، لأن ما سيحصل هناك لا يمكن أن يتم من دون توافقات كبرى أمريكية – روسية، وروسية – تركية، وتركية – أمريكية، مهما حاول اللاعبون المناورة أو تحسين أوراقهم. وما هو أكيد أيضاً أن تركيا سبق أن دخلت في لعبة مقايضة مع الروس ومع إيران على المسرح السوري، وحلب كانت الأكثر وقعاً، الأمر الذي يدفع إلى الاعتقاد بأن أفق اللجوء إلى ورقة المقايضة بين إدلب والشرق السوري مفتوح. كما أن نظرية بعض المحللين بأن سيطرة “الهيئة” الكاملة على إدلب وبعض مناطق الجوار هي “عملية تسمين للأضاحي” قد تجد مكاناً لها.

على أن نظرية “تسمين الأضاحي” تُقابلها نظرية تدعو إلى عدم التقليل من شأن الجولاني وتنظيمه، وتستند إلى أن فكر الرجل العسكري يقوم على المنطق الاستباقي والتعامل مع الخطر قبل حدوثه. وهذا جرى تطبيقه سابقاً على فصائل المعارضة التي كانت محسوبة على الأمريكيين، والآن يمتد إلى الفصائل المحسوبة على الأتراك. فـ”حركة الزنكي” تحمل الرقم الحادي عشر في لائحة التصفيات و”حركة أحرار الشام” هي الثانية عشرة. أصحاب هذه النظرية يرون أن “هيئة تحرير الشام”، التي تُمسك راهناً أو على وشك الإمساك الكلي بنحو عشرة آلاف كيلو متر مربع، أي ما يقارب مساحة لبنان، أقدمت على هذه الخطوة على خلفية الخلل في موازين القوى على الأرض، بعدما استطاعت أن تقضم تدريجياً الفصائل الأخرى وتخلخل بنيانها، في خطوة هدفت من خلالها إلى حماية موقعها تحسباً لمعركة آتية لا محالة.

ولعل السؤال المفصلي الذي لا بد من طرحه على وقع تحوّلات الخريطة العسكرية والسياسية في إدلب هو: هل ما زالت الاتفاقات من “إستانة” إلى “سوتشي” قائمة أم أنه أطيح بها نهائياً ولم تعد قابلة للحياة والترميم… وأي بديل هو الآتي؟

توقعات بتوجه روسيا نحو الخيار العسكري لإخراج التشكيلات المسلحة من إدلب/ فالح الحمراني

يجمع غالبية المراقبين في موسكو على أن تركيا عجزت عن الوفاء بالتزاماتها التي نصت عليها مذكرة سوتشي في 17 سبتمبر/ أيلول الماضي بشأن التسوية السلمية للوضع في منطقة تخفيف التصعيد في إدلب. ويرون أن أنقرة لم تفلح، كما تعهدت لروسيا، بإقناع جميع التشكيلات المسلحة بالانسحاب إلى مسافة 15 كم من منطقة التماس مع القوات الحكومية، وإقامة منطقة منزوعة السلاح. ولا يستبعد المراقبون أن روسيا قد تعود إلى خيار القوة وتوفير الدعم لقوات النظام السوري لاستئناف عملية السيطرة على إدلب، التي شرعت فيها الخريف الماضي ولكنها توقفت على خلفية التهديدات الأمريكية بالقصف الكثيف لسوريا، وكذلك بطلب من الجانب التركي لحقن الدماء. ويرى بعض المراقبين أن نجاحات هيئة تحرير الشام، التي حققتها مؤخرا، قد تصب في صالح أنقرة في ظل الوضع المترتب. ونقل مراسل وكالة أنباء “سبوتنيك” عن مصادر عسكرية قولها إن قوات الجيش السوري أرسلت تعزيزات عسكرية جديدة وبشكل مفاجئ إلى ريفي حماة وإدلب مكونة من مدرعات ومدافع وحاملات جند، كما دفع بوحدات عسكرية من المنطقة الجنوبية باتجاه الشمال السوري.

وعلى خلفية التفاقم الجديد، الذي نجم عن نشر جبهة تحرير الشام سيطرتها على منطقة واسعة منطقة إدلب الكبرى، وإزاحة تشكيلات المعارضة المسلحة الأخرى عنها، ناقش وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو مع نظيره التركي خلوصي اكار الوضع في منطقة إدلب لتخفيف التصعيد كما ذكرت إدارة الإعلام في المؤسسة العسكرية الروسية. ومن المرجح أن تكون المباحثات قد تناولت أيضا سير تنفيذ المذكرة الثنائية التي أسفرت عنها محادثات الرئيسيين الروسي فلاديمير بوتين والتركي رجب طيب اردوغان، ووقعها وزيرا دفاع سوريا وتركيا في17 سبتمبر/أيلول الماضي بمنتجع سوتشي، حول التطبيع في منطقة تخفيف التصعيد في إدلب وإقامة منطقة منزوعة السلاح في المحافظة السورية.

وأكدت الناطقة الرسمية باسم الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا، خلال مؤتمرها الصحافي الأسبوعي الذي عقدته الجمعة، التزام موسكو بأحكام مذكرة سوتشي، وضرورة عدم السماح بتقويض اتفاق وقف العمليات القتالية في منطقة إدلب لخفض التصعيد، وتأمين خروج الجماعات الراديكالية والأسلحة الثقيلة من المنطقة منزوعة السلاح، وعدم تحويل إدلب إلى ملجأ لآلاف ” “الإرهابين” من “جبهة النصرة”، موضحة بأن مناطق خفض التصعيد، بما في ذلك إدلب، هي مناطق ” مؤقتة”.

ولاحظ خبراء عسكريون روس أن التطورات الأخيرة وتقدم جبهة تحرير الشام، ستُبقي مساحة أرض قليلة “للمعارضة المعتدلة”، ولا يستبعدون أيضا استيلاء جبهة تحرير الشام على منطقة معرة النعمان، آخر معاقلها الذي تمر من خلاله طرق المواصلات الرئيسية.

وبرأي بوريس روجين، خبير ومدير تحرير مركز التحليل الإعلامي ” كاساد” الذي يهتم بالشؤون العسكرية، فإن هذا الموضوع الحاد سيكون أحد المواضيع في المباحثات المرتقبة بين الرئيسين الروسي والتركي. وقال: “إن أنقرة لم تستطع تنفيذ جزء كبير من الالتزامات التي أخذتها على عاتقها في إطار اتفاق سوتشي، بما في ذلك المتعلقة بنزع سلاح المقاتلين وإنشاء منطقة منزوعة السلاح” مشيرا إلى أن من وصفهم بالإسلاميين المتشددين الذين رفضوا تنفيذ المذكرة الروسية ـ التركية يقومون بإشغال المنطقة المتفق أن تكون منزوعة السلاح. وفي الوقت نفسه فإن التشكيلات المسلحة التي تسير بركاب تركيا في هذه المنطقة تنهار تحت هجمات “الإرهابيين”. ولفت إلى أن مذكرة سوتشي لم تشمل جبهة تحرير الشام مما سيفتح الطريق لتنفيذ عملية قوات النظام السوري التي جرى التخطيط لها في العام الفائت. وأعرب عن الثقة من أن روسيا ستصر، خلال اللقاء مع الرئيس التركي، على هذا الخيار لأنه، كما يرى الخبير الروسي، “الأسلوب الوحيد للقضاء على الإرهابيين في شمال ـ غرب سوريا، ومنح سكان المنطقة فرصة للتمتع بالسلام، الذي طال انتظاره”. ولا يستبعد خبراء آخرون أن الرئيس التركي، وعلى الرغم من ممارسات جبهة تحرير الشام في إدلب، سيبقى على موقف آخر، كما كان عليه في العام الماضي، حينما اقنع اردوغان دمشق وموسكو بتأجيل العملية العسكرية. ولكن، بقناعة الخبراء، فإن الوضع الحالي يشير بوضوح إلى أنه لا يمكن الانتظار أكثر.

وهناك احتمال أن أنقرة ستصر في ظل الظروف الحالية على عدم جواز تنفيذ عملية، وتسعى إلى منحها المزيد من الوقت لحل المشكلة مع جبهة تحرير الشام. ومن المستعبد أن تأخذ موسكو بجد مثل هذه الحجج لأنها تدرك أن الإطالة اللاحقة في إدلب يمكن أن تؤدي إلى تعزيز صفوف المقاتلين، وبالتالي سيستخدمون هذه المنطقة مستقبلا كجسر لأعمال قتالية واسعة النطاق ضد القوات الروسية والسورية. وتشير المعطيات الروسية إلى أنه حدة قصف الإسلاميين لمواقع جيش النظام السوري لم تنخفض، وأن الوضع وكالسابق يتسم بالتوتر الشديد على جميع نقاط الحدود. ولن توقف اتفاقية إنشاء منطقة منزوعة السلاح ولا أي تعهدات تركية، المقاتلين ورغبتهم في مواصلة الحرب.

وأعاد مدير قسم علم السياسة والاجتماع في “الجامعة الاقتصادية الروسية” الخبير العسكري أندريه كوشكين في تعليقه على التطورات في إدلب، إلى الأذهان “أن دمشق كانت في الخريف قريبة من الشروع بعملية واسعة النطاق لتطهير إدلب وضواحيها من جميع “الإسلاميين المتشددين””، وان “الولايات المتحدة وحلفاءها عرقلوا العملية، وهددوا بقصف المناطق السورية بكثافة”. وأضاف ” لقد كان بوسع روسيا وتركيا في هذا الوضع المتوتر إيجاد الحل الذي يخفف التوتر في العالم وفي إدلب مباشرة.” وفي رأيه “إن إنشاء منطقة منزوعة السلاح كان وسيلة لتأجيل الحل، وراحت أنقرة بعد ذلك تتأخر عن تنفيذ التزاماتها وفق الجدول الزمني المتفق عليه، ومن ثم غدا مفهوما، إنها لا تستطيع الإيفاء بالتزاماتها”.

وحسب تقييم عدد من المراقبين فإنه وبدل نزع السلاح تدريجيا من التشكيلات المسلحة غير القانونية، الذي وعدت به تركيا، وتحقيق السلام عن طريق المفاوضات في هذه المنطقة من خلال زيادة عدد التشكيلات الموالية لتركيا اندلعت معارك طاحنة من أجل السلطة في إدلب حيث استأثرت هيئة تحرير الشام بمفردها بالسلطة هناك.

وقال كوشكين “لقد غدا من الواضح أن المشكلة لن تُحل بهذه الطريقة. بل على العكس إنها تفاقمت بشدة بسبب اندلاع المعارك بين التشكيلات القريبة من تركيا وتشكيلات جبهة تحرير الشام، فهم شرعوا بتقسيم مناطق النفوذ. ويبدو أن التفاقم الحالي مسألة منطقية”. ويرى أنه “في الوقت الذي يتعين تأكيد عدم أهلية تركيا بالتأثير بصورة إيجابية على الوضع في إدلب لم يبق أي خيار لبسط النظام هناك، غير إطلاق عملية مكافحة الإرهاب التي خُطط لها العام الماضي”. وأضاف: “بمقدور دمشق، وبمساعدة روسيا، تسوية الوضع هناك وتطهير هذه المحافظة من جميع الجهاديين من أجل حفظ أرواح السكان المدنيين”. ويرى الخبير: “في الحالة الراهنة كل شيء يسير نحو ذلك”. “وفي كل الأحوال فإن التفاقم الخطير الجديد، يشير إلى ضرورة بحث جديد لمشكلة إدلب وإيجاد حل أكثر فعالية للتغلب على الكارثة السائدة هناك”.

ويرى بعض المراقبين أن انتصارات جبهة تحرير الشام إلى حد ما يمكن أن تصب في صالح تركيا. ويفسرون هذا في أن جزءا من المقاتلين من التشكيلات تعرضت للهزيمة ستكون مضطرة للفرار والالتحاق بالقوات التركية المرابطة في عفرين، وهذا يعني تعزيزها في الهجوم الذي تعد له ضد الأكراد، وأن المقاتلين الذين خسروا كل ما لديهم في إدلب سيعتمدون تماما على تركيا.

الاستثمار التركي الأخير في هيئة تحرير الشام/ رانيا مصطفى

اتفق الروس والأتراك على استمرار التعاون والمحافظة على آليات التنسيق التي أقرّها الجانبان سابقا؛ هذا ما أكّده بيان وزارة الدفاع الروسية عقب اتصال هاتفي بين وزيري دفاع البلدين، بعد أيام من لقاء وزراء الخارجية والدفاع في موسكو، في الأيام الأخيرة من العام الماضي.

توصّل الروس والأتراك إلى تفاهمات بدأت تظهر ملامحها على الأرض، مع نشر قوّات من الشرطة العسكرية الروسية داخل منبج وفي محيطها، في خطوة لا يبدو أنها بعيدة عن التنسيق الأميركي الروسي غير المعلن. كما أن هناك حديثا عن موافقة الروس على أن يقيم الأتراك شريطا حدوديا بعمق ثلاثين إلى أربعين كيلومترا، داخل الأراضي السورية، إذا ما تم الانسحاب الأميركي، لتبديد هواجسهم الأمنية.

وما يزال اتفاق المنطقة منزوعة السلاح في سوتشي محترما من قبل الطرفين الروسي والتركي، رغم ما عُمّم عن تقدّم هيئة تحرير الشام، وسيطرتها على كامل مناطق المعارضة في محافظة إدلب وريف حلب واللاذقية وحماة.

وتدلّل على استمرار التزام موسكو بالاتفاق، التحركات العسكرية الأخيرة التي قامت بها في ريف حماة الشمالي، بالقرب من نقاط مراقبتها، حيث تراجعت القوات الروسية 10 كيلومترات عن مناطق سيطرة المعارضة، بعد أن أمرت النظام بسحب قوات الفرقة الرابعة، المقربة من إيران، والمتواجدة في ريف حماة الغربي والشرقي، واستبدالها بقوات من الفرقة الأولى والثامنة والحادية عشرة والتاسعة، لحماية القوات الروسية، في سعي  روسي لتخفيف تواجد القوات السورية المقرّبة من إيران، لمنع خرق اتفاق سوتشي.

ظلّت عقدة حل التنظيمات الجهادية معضلة أمام تركيا، رغم اتفاقها مع روسيا على تولي المهمّة، كخطوة تالية لاتفاق سوتشي، تدعمها موسكو. هذه المعضلة مركّبة من عدّة جوانب، أوّلها وجود تنظيمات متشددة غير سورية، كالحزب التركستاني في ريف إدلب الغربي وفي بعض مناطق سهل الغاب شمال غربي حماة، وتنظيم حراس الدين بـ2500 عنصر في ريف إدلب وريف اللاذقية في جبلي الأكراد والتركمان.

وثانيا، إجبار هيئة تحرير الشام على طرد الأجانب وحلّ نفسها والتخلي عن المنطق الجهادي، وعزل المتشدّدين، واندماج عناصرها ضمن التنظيمات المعتدلة.

وثالثا، مشكلة الحالة الفصائلية المتعددة والمتنازعة على مناطق النفوذ، والتي ترغب كل من تركيا وروسيا بإنهائها، واستبدالها بتشكيل موحد، يعمل تحت إمرة أنقرة، كما هي حالة مناطق غصن الزيتون ودرع الفرات التابعة لتركيا، وكما هي حالة مناطق المصالحة في درعا التابعة لروسيا.

كانت كتائب نورالدين الزنكي، أقوى الفصائل العاملة في ريف حلب الشرقي، الضحيّة الأولى أمام تحرير الشام، إذ اضطرت إلى حلّ نفسها في الخامس من الشهر الجاري، بعد أيام دامية من المعارك، بسبب امتناع فصائل الجيش الوطني والجبهة الوطنية للتحرير عن دعمها. يبدو أنّ هناك رغبة تركية روسية للخلاص من الزنكي، بسبب استقلاليته، ولأنه كان أحد فصائل الموم التي تتلقى دعما أميركيا. وقد تكرر الأمر في الأتارب، حيث حيّدت الهيئة فصيلي بيارق الشام وثوار الشام.

في إدلب حاولت بعض الفصائل الأكثر عداء لهيئة تحرير الشام، كأحرار الشام وصقور الشام، البالغ تعدادها قرابة 1500 عنصر لكلّ منهما، شن حرب ضدّها لطردها من كل إدلب، واعتقد الفصيلان أنّ بقية الفصائل ستدعمهما، وكذلك تركيا. حصل العكس، حيث أُجبِر الفصيلان على توقيع اتفاق حلّ نفسيهما، بعد معارك خاطفة الأربعاء الماضي في سهل الغاب بريف حماة الغربي، وفي معرة النعمان وريفها دون قتال، وسيطرت حكومة الإنقاذ أمنيا وإداريا، مع بقاء المقاتلين في مناطقهم بسلاح فردي وتسليم السلاح الثقيل.

في مدينة أريحا أصدر وجهاؤها ومجلسها المحلي بيانا يرحب بدخول الهيئة، درءا لمخاطر الاقتتال؛ فيما امتنعت غالبية الفصائل في الجبهة الوطنية للتحرير عن القتال، وأكبرها فصيل “فيلق الشام” البالغ تعداده بين 14 و16 ألف مقاتل، والمدعوم من الإخوان المسلمين، وبالتالي يدين بولائه لتركيا، بل وكان وسيطا في اتفاق الهيئة مع المشاركين من فصائل “الوطنية للتحرير”.

النتيجة سيطرة حكومة الإنقاذ على 80 بالمئة من مساحة المنطقة في الشمال، دون قتال، وبموافقة، وربما تنسيق مع تركيا، لإنهاء استقلالية بعض الفصائل، وإخضاع أخرى؛ في الوقت الذي بدأت فيه تركيا بإعادة هيكلة وتمويل الجبهة الوطنية للتحرير، حيث يبدو أنها ستعطي دورا كبيرا فيها لفيلق الشام.

ربما تخطط تركيا أيضا، لدفع تحرير الشام باتجاه القضاء على جيوب التنظيمات غير السورية، كالحزب التركستاني وحراس الدين، بتصفيتها أو طردها. إذا يبدو أن أنقرة تستثمر، بالاتفاق مع موسكو، في تنظيم هيئة تحرير الشام، بتمكينه أكثر مقابل القيام ببعض الخدمات الضرورية للمضي في إكمال الاتفاق مع الروس حول إدلب. وهي تمارس الضغوط على هيئة تحرير الشام بثقل الحشود العسكرية التركية المتزايدة يوميا على حدودها مع سوريا؛ فيما تستغل هيئة تحرير الشام هذه الفرصة لفرض نفسها وشروطها، عبر استمرار قدرتها على الحشد عبر خطابها الديني المتطرف، وعبر ما تقدّمه من رواتب وميزات لمقاتليها، وعبر محاولة الظهور بمظهرٍ مقبول إداريا، حيث تمكنت من فرض شرطها على الفصائل الأخرى بتمكين سيطرة حكومة الإنقاذ التابعة لها، فيما أجّلت شروطا أخرى، كنزع السلاح الثقيل من بعض المناطق، ودعت الجبهة الوطنية للمشاركة في حكومة الإنقاذ، وإعطائها بعض الحقائب الوزارية.

سعت هيئة تحرير الشام، منذ إعلان انشقاقها عن تنظيم القاعدة وتغيير اسمها، إلى تجاوز عقدة وضعها على قوائم الإرهاب، وتحاول تقديم نفسها كفصيل معتدل، وإن كان من حيث الشكل دون المضمون. لكن ما تقوم به غير كاف لجعلها طرفا مقبولا؛ عليها التخلص من العقلية الجهادية، وهذا يتطلب منها تصفية العناصر المتشددة، وطرد الأجانب، ما يعني أن تحلّ نفسها لصالح تشكيلات أكثر طواعية بالنسبة للأتراك والروس.

يبقى التوافق مع واشنطن أمرا أساسيا في ترتيب الوضع السوري، وهو مرهون بما سيؤول إليه القرار الأميركي المترنح بين الانسحاب من سوريا أو البقاء. وإلى حينه سيظل مستقبل إدلب غير محسوم؛ هل ستكون منطقة نفوذ تركيّة، أم سيجري تسليمها للروس والنظام، مقابل دخول أنقرة شرق الفرات؟

كاتبة سورية

العربي

لدغة إدلب/ سمير صالحة

توقيت عملية “النصرة” في إدلب لا يحتاج إلى نقاش طويل، هي عملية استغلال انشغال تركيا بملف منبج وشرق الفرات وتردد أنقرة وموسكو في تسريع العمليات العسكرية ضدها والاستفادة من الشرذمة والتناحر الأمني والسياسي والنفعي بين فصائل المعارضة السورية وربما المبالغة في الرهان على جهوزيتها القتالية في مواجهة مجموعات “هيئة تحرير الشام”.

لكن السؤال الذي لن تتراجع أنقرة عن طرحه لمدة طويلة بانتظار معرفة الإجابة عليه: هل هناك أيضا من أعطى الجولاني الأوامر للتحرك العسكري على هذا النحو لإشعال فتيل الانفجار وإلزام تركيا بالقتال على ضفتي الفرات كخيار وحيد متبقٍ أمامها؟

الإنجازات العسكرية والميدانية التي وصلت إليها مجموعات “هيئة تحرير الشام” مرتبطة مباشرة بحجم التشابك والتداخل العسكري والسياسي في إدلب وبموجات النزوح الكبيرة نحو المنطقة التي لا يريد البعض أن تتحول إلى كارثة إنسانية أكبر، وبالخيار الوحيد المتبقي بيد هذه المجموعات النصر أو الهزيمة طالما أنها محاصرة في هذه البقعة الجغرافية، وعقدة مئات المقاتلين الأجانب الذين لا يريد أحد خروجهم من المكان أو استقبالهم. لكنه من الممكن القول أيضا إن واشنطن قدمت للنصرة خدمة كبيرة في الآونة الأخيرة وهي تسهيل تحركها العسكري في إدلب بعدما ألهت تركيا بملف شرق الفرات والانسحابات العسكرية ومصير وحدات حماية الشعب ومئات الأطنان من أسلحته الأميركية. ثم هناك حقيقة أخرى تُقلق أنقرة وهي أن موسكو وطهران والنظام هم في مقدمة المستفيدين من العملية العسكرية الواسعة التي شنتها مجموعات “هيئة تحرير الشام” في منطقة إدلب.

“النصرة” قد تكون سجلت تفوقا عسكريا وتمددا جغرافيا أوسع في إدلب لكنها:

– أربكت الموقف التركي الذي تعهّد بإيجاد مخرج لهذه المجموعات دون الدخول معها في مواجهة عسكرية تدمر المنطقة وتشعل موجات لجوء ونزوح جديدة.

– منحت الروس والإيرانيين فرصة زيادة الضغوطات على أنقرة للإسراع في تنفيذ تعهدات سوتشي وإخراج هذه الوحدات المتشددة من المنطقة.

– فتحت غطاء علبة “الباندورا” لإضعاف يد أنقرة في مواجهة من يقول لم يعد هناك فائدة من المماطلة ضد هذه المجموعات المتطرفة التي تستغل الفرص والظروف وتستفيد من كونها خارج التفاهمات التركية الروسية الأخيرة في إدلب لشن هجماتها.

– أعطت النظام في سوريا “حق” التدخّل العاجل بدعم من حلفائه الإيرانيين والمحسوبين عليهم لوقف مشروع تفتيتي انفصالي آخر باسم الإمارات والأمراء لا يقل خطورة عن مشروع وحدات حماية الشعب في شمال شرق سوريا.

– قلبت المعادلات الميدانية والسياسية ولعبة التوازنات الحساسة في إدلب لصالحها هذه المرة لكنها تدرك أن الثمن الذي سيُدفع لاحقا سيكون باهظا على المدنيين والمدينة طالما أنها هي التي فرضت على الأتراك والروس والإيرانيين هذا الحل الذي كان يناقش مطولا من أجل سحب ما تملكه من أوراق قوة ونفوذ من يدها.

نقطة غامضة أخرى تحتاج إلى تحليل في كلام وزير الخارجية التركي مولود شاووش أوغلو الذي قال إن انقرة اتخذت خطوات ضرورية لوقف هجمات الجماعات الراديكالية ضد المعارضة السورية وأن النظام السوري جلب إلى إدلب منظمات إرهابية من باقي المناطق التي خضعت له خلال العام الماضي، بهدف إيجاد حجة لمهاجمة المدينة. فهل المقصود هو أن العملية كانت أكبر وأوسع من ذلك وأنها تتم بدعم ورعاية النظام في دمشق وأن أنقرة هي التي نجحت في عرقلتها؟

أنقرة هي أول من يدفع ثمن التردد والتأخر في تنفيذ الشق المتعلق بتطهير المنطقة وسحب الأسلحة من يد هذه المجموعات طالما أنها هي التي أخذت على عاتقها فعل ذلك. لهذا فالرد التركي ينبغي أن يكون سريعا وحاسما مهما كان البديل، ليس لأن حلفاءها المحليين تلقوا ضربة عسكرية موجعة وهذا سيتطلب ورشة عمل وحوار موسع آخر، بل لأنها هي التي ستكون في وضع من تأخر في اكتشاف حقيقة مشروع وحدات النصرة الذي هو منكشف أصلا عقائديا وفكريا بين النظرية والتطبيق.

أنقرة تدرك أن ما جرى سيتركها أمام الامتحان والخيار الأصعب إما التقدم والمواصلة أو التراجع والتخلي. لكن ما سيقوله ويفعله الأتراك مرتبط بسيناريو التنسيق المحتمل بين النصرة ووحدات حماية الشعب وداعش وهو المشروع الذي يريده البعض محليا وإقليميا وسيعمل على دمجه وتحريكه دون أن يكون هناك غرفة عمليات ثلاثية مشتركة طالما أننا بدأنا نسمع أصوات تقول إن العدو الحقيقي لهم في المنطقة لم يعد إيران بل هو تركيا.

فهل تغير تركيا من سياستها السورية مرة أخرى بالاقتراب أكثر فأكثر من موسكو وطهران لتحصل على ما تريده؟ مثلا المزيد من التنازلات لروسيا في محاولة لحماية المصالح التركية في سوريا حتى ولو كان الثمن التوغل أكثر فأكثر في المستنقع السوري؟

في اتجاه آخر، بيانات قوى المعارضة السورية لم تكن كثيرة وهي لم تندد مطولا بانتظار معرفة كيف ستنجلي الأمور، رغم أننا سبق وحذرنا قبل عام من عمليات لا خيار آخر لها في عقلية النصرة، المتبقي الآن هو الخيار الموجع البديل، نقاشات البدائل والخيارات السياسية والعسكرية الجديدة في صفوف المعارضة السورية. ” باندورا النصرة “من الممكن التعامل معها على أنها عمليات توسع وانتشار عسكري ميداني محدود، لكن أهم دروسها واستنتاجاتها تعني قوى المعارضة السورية الثائرة نفسها. ما هو الجديد البديل الذي ستقدمه؟

عدد المقاتلين في النصرة يتزايد بعد كل عملية عسكرية تنفذها في إدلب بدل أن يتناقص. جهود تفكيك وحدات النصرة وصلت في غالبيتها إلى طريق مسدود والهيئة تحشد لمهاجمة فصائل جديدة قريبا جدا بعد استراحة المحارب والنصرة لم تقرر بعد إعلان الحرب على النظام. ” انتصار ” الهيئة في إدلب هو ضربة موجعة للمعارضة السورية ولما تقوله وتريده أنقرة هناك وهو كذلك تحد للتفاهمات التركية الروسية فهل سيمر بهذه البساطة؟ اتخاذ القرار الصعب في علم السياسة ومفهوم العلاقات الدولية لا مفر منه أحيانا حتى لا يكون هناك إلزام بقبول وتنفيذ الخيار الأصعب منه.

تلفزيون سوريا

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق