سياسة

الحوار السني ـ العلوي السوري -مقالات مختارة-

الحوار السني ـ العلوي السوري يشكل مجلساً لتنفيذ «وثيقة العيش المشترك»/ إبراهيم حميدي

جرى بعلم دمشق ومشاركة شخصيات من الداخل والخارج… و «الشرق الأوسط» تنشر وثيقتيه

قرر المشاركون في الحوار السري بين المكونات الاجتماعية السورية، بينهم سنة وعلويون، الذي انطلق قبل أكثر من سنتين، إعلان نتائج عملهم الذي تضمن إقرار «مدونة سلوك لعيش مشترك» من 11 مبدأ، و«مأسسة» جهودهم عبر تأسيس مجلس لتنفيذ الوثيقة.

وجرت الجولة الأخيرة من الحوار في برلين الجمعة والسبت الماضيين، بمشاركة 24 شخصاً، اختيروا باعتبارهم ممثلي مكونات لهم صلة بمجتمعاتهم المحلية. وشارك في الجولة الحوارية 11 شخصاً من داخل البلاد و13 من الخارج، وكان بين «سوريّي الداخل» تسع شخصيات علوية هم نواب سابقون وأبناء شيوخ وشخصيات مؤثرة ذات علاقة بالمجتمع والدولة، إلى جانب معارضين و«ثوار» من قادة عشائر من شرق البلاد، وشخصيات كردية، ومسيحيين.

الحوار الذي جرى وراء الستارة، وتنقّل بين باريس وزيوريخ وبرلين، وأداره الدكتور ناصيف نعيم، الخبير السوري بالدستور والمقيم في ألمانيا، قرر القيمون عليه إخراجه إلى النور، وحضرت «الشرق الأوسط» اليوم الثاني من الجولة والجلسة الختامية. وسُمح بتداول كل شيء إعلامياً باستثناء الأسماء الحقيقية للمشاركين من داخل البلاد، الذين أكدوا علم السلطات السورية بمضمون الحوارات والوثائق المتفق عليها، وأجمعوا على أنهم شاركوا ويشاركون «باعتبارنا سوريين ونرفض تقديمنا باعتبارات طائفية»

بعد أكثر من سنتين من الحوار السري بين شخصيات ممثلة للمكونات السورية داخل البلاد وخارجها، خصوصاً من العلويين والسنة، قرر المتحاورون الخروج إلى العلن بـ«مدونة سلوك لعيش سوري مشترك» تكون بمثابة مبادئ فوق دستورية، وتأسيس «مجلس المدونة السورية» على أمل توفير «حاضنة اجتماعية» تشكل ضمانة للمستقبل «بعيداً عن معادلة النظام والمعارضة».

الجولة الأخيرة من الحوار جرت في برلين، الجمعة والسبت الماضيين، بمشاركة 24 شخصاً؛ جرى اختيارهم باعتبارهم ممثلي مكونات، ولهم صلة بالبيئة الحاضنة ومجتمعاتهم المحلية. شارك في الجولة الحوارية 11 من داخل البلاد و13 من الخارج، وكان بين «سوريي الداخل» 9 شخصيات علوية هم نواب سابقون وأبناء شيوخ وشخصيات مؤثرة ذات علاقة بالمجتمع والدولة، على طاولة مستديرة، إلى جانب معارضين و«ثوار» من قادة عشائر من شرق البلاد وشمالها وجنوبها ووسطها ودمشق، وشخصيات كردية، ومسيحيين.

واذ قلل دبلوماسيون من اهمية الحوار نظرا بسبب غياب افق حل سياسي عاجل وعدم فعالية المشاركين، اشار اخرون الى اهميته الرمزية وبعده الاجتماعي.

الحوار الذي صار له يجري وراء الستارة، وتنقل بين باريس وزيوريخ وبرلين، وشاركت فيها شخصيات عدة، وأداره الدكتور ناصيف نعيم، الخبير السوري بالدستور والمقيم في ألمانيا، قرر القيمون عليه إخراجه إلى النور، حيث حضرت «الشرق الأوسط» اليوم الثاني من الجولة يوم السبت والجلسة الختامية «في مكان ما» في العاصمة الألمانية، حيث عمد المشرفون إلى مصادرة الهواتف الجوالة وأي جهاز إلكتروني. وتمت دعوة خبراء في الإرهاب والعملية السياسية لإيجاز المشاركين لرفد خلاصات الحوار في المسار السياسي وما بعده.

وسُمح بتداول كل شيء إعلامياً باستثناء الأسماء الحقيقية للمشاركين من داخل البلاد، الذين أكدوا علم السلطات السورية بمضمون الحوارات والوثائق المتفق عليها، وأجمعوا على أنهم شاركوا ويشاركون «باعتبارنا سوريين، ونرفض تقديمنا باعتبارات طائفية، وألا نكون حرفنا المشروع عن هدفه».

وفي الجلسة الأخيرة، اشتعل النقاش بين أبناء الداخل والخارج حول وجود القوات الأجنبية في سوريا. الفكرة كانت الوصول إلى موقف مشترك يطالب بانسحاب القوات الأجنبية تطور إلى بحث موضوع «داعش» ووجود «حزب الله» في سوريا، إلى أن جرى التفاهم على صوغ مسودة بيان تطالب بـ«انسحاب جميع القوات الأجنبية من سوريا»، من دون ذكر لأي دولة أو ميلشيات، قبل فتح الباب أمام النقاش الإعلامي في أسباب اتخاذهم القرار بالعلنية، وعدم رغبة «أبناء الداخل» ذكر أسمائهم الصريحة طالما أن دمشق على علم بالحوارات.

الحوار

تعود فكرة الحوار إلى 2016، حيث جرت لقاءات في فرنسا وسويسرا بين شخصيات علوية وسنية بتردد أوروبي وقتذاك، من منطلق بحث «وثيقة الإصلاح العلوي». نهاية ذاك العام، حصل اجتماع عاصف عندما وُضع على الطاولة اقتراح الموافقة على «مرحلة انتقالية» وتشكيل «مجلس رئاسي» في سوريا. وجرت بعض التغيرات في الهيكلية والمشاركين إلى أن عقدت اجتماعات أخرى بين «فريقين: علوي وسني» في منتصف 2017، حسب إيجاز أحد المنظمين. وكان بين المشاركين، ملهم الشبلي من عشيرة الفوارة، والشيخ أمير الدندل من عشيرة العقيدات، وعوينان الجربا من عشيرة شمر، ومصطفى كيالي من أحفاد «الكتلة الوطنية» في حلب – إدلب، إضافة إلى «شخصيات علوية» من طرطوس وحمص واللاذقية.

للخروج من «المأزق»، جرى التوافق على إبعاد ثلاثة أمور من النقاش، هي: «النظام والمعارضة، الرئيس بشار الأسد، ثورة أم مؤامرة»، حسب شرح ناصيف نعيم، حيث بدأ صوغ وثيقة فوق دستورية عرفت باسم «مدونة سلوك لعيش سوري مشترك» تتضمن أموراً يتفاهم عليها السوريون، وتبلورت في نهاية 2017. وأنجزت الوثيقة في صفحتين تضمنت 11 مبدأ هي: «وحدة الأراضي السورية، المكاشفة والاعتراف، لا غالب ولا مغلوب، لا أحد بريء من الذنب، محاسبة لا ثأر، جبر الضرر، متابعة الملف الإنساني، الهوية التنوعية للمجتمع السوري، عدم تسييس الانتماء، جماعية التراث السوري، مبدأ المساواة بين السوريين وحماية حرياتهم».

وبين أكثر النقاط التي جرى انقسام حولها، البند الرابع المتعلق بالمسؤولية، و«هل نذكر النظام أم لا» إلى أن جرى التوافق على عبارة «لا أحد بريء من الذنب على أساس الاعتراف المتبادل بين أطراف الصراع أن لا أحد بريء من الارتكاب، كلٌّ حسب دوره ومستقبله». وبعد الوصول إلى الوثيقة، جرى توقيعها من قبل المشاركين أمام القضاء الألماني، مع ذكر تفاصيل الهوية والمعلومات لكل شخص، إضافة إلى أخذ صورة لكل مشارك مع الوثيقة. وقال أحد المشاركين، إنه أخذ «مدونة السلوك» إلى دمشق، وجرى تسليمها إلى مسؤولين رفيعي المستوى.

ورغم الوصول إلى «الاختراق»، استمرت الاجتماعات طيلة العام الماضي في برلين للمضي خطوة إضافية في الحوار إلى أن جرت «مأسسة العمل» عبر تشكيل «مجلس المدونة السورية»، ونصت وثيقته على أن «شخصيات سورية مهتمة بالشأن العام من اتجاهات فكرية واجتماعية متنوعة في المجتمع السوري» توصلت إلى مدونة، و«بناءً على ما تم من اجتماعات بين الشخصيات الموقعة التي اتسمت بطابع الدورية، وأخذت شكلاً مؤسساتياً بحكم الأمر الواقع، تم انضمام الكثير من الشخصيات، ووقعت عليها، معتبرة نفسها امتداداً لمبادئها وجزءاً من الجسم الحامل لهذه المدونة، وباتت الشخصيات جميعها تشارك في الاجتماعات الدورية».

وأشار الموقعون إلى أنهم اتفقوا على تأسيس «مجلس المدونة السورية جسماً حاملاً ومسؤولاً عن مدونة السلوك تجاه السوريين، أينما وجدوا، وتجاه الدول والمجتمعات الدولية كافة». كما جرى في الجلسة الأخيرة تعيين ثلاثة ناطقين باسم «المجلس»، إضافة إلى العمل على إقامة نظام داخلي وتشكيل لجان عمل من المشاركين لوضع «خريطة تنفيذية» لشرح المبادئ الـ11، وتقديمها إلى الحواضن الاجتماعية لكل منهما داخل البلاد وخارجها.

أسئلة وأجوبة

أتيحت فرصة الحوار مع جميع المشاركين على مائدة واحدة في بناء ألماني قديم ذي سقف عال ونوافذ واسعة تتوسطه لوحة مذهبة تطل على طاولة مستديرة انحشر فيها 24 شخصاً. من الداخل والخارج. رجال ونساء. شباب وكهول. بالزي التقليدي والزي العصري. بعضهم تحدث بلهجته، فيما تحدث آخرون بالإنجليزية. بعضهم خبر الغرب، فيما لا يعرف آخرون سوى قريتهم وضيعتهم.

وما إن هدأت النفوس بعد النقاش الساخن حول القوات الأجنبية، حتى طرح السؤال: «لماذا قررتم الآن الخروج إلى العلن؟». كل أجاب على طريقته، وكان المنظم هو ناصيف نعيم. أجاب الجربا أنه بعد إقرار الوثيقة لاحظ ردود فعل إيجابية وصدى طيباً في أوساط من يعرفهم و«حاضتنا الاجتماعية»، ذلك أن هدف المشاركين هو الوصول إلى «نظام سياسي اجتماعي للدولة القادمة على أساس العدالة الاجتماعية». في الصورة الأوسع، أشار، وهو القادم من شرق سوريا، إلى ضرورة وجود دور عربي في سوريا و«نناشد الدول العربية، وفي مقدمها السعودية، القيام بدور عربي لحل القضية السورية. الدول الأخرى لها مصالح، لكن الدول العربية هي أهلنا والسعودية هي الأخ الأكبر لنا».

وأشار إلى أن «الشعب السوري لا يرى حلاً عبر معادلة النظام والمعارضة، بل الحل عبر الحاضنة الاجتماعية. والمدونة هي رسالة طمأنة إلى الشعب بأن هناك أشخاصاً يعملون للناس ويشكلون ضمانة للمستقبل». وأضاف: «قبل الثورة نعرف المشاركين معنا من الداخل من حمص وطرطوس، ونعرف أنهم مؤثرون، ويعرفون أن مفتاح الحل هو الحاضنة الاجتماعية… النظام لم ولن يسمح بوجود مجتمع مدني، ويعرف دائماً أن الحل هو عند المجتمعات المحلية، ونحن نشكل ضمانة للمستقبل، والعلويون المشاركون يعرفون ذلك».

وإذ رأت سيما عبد ربه أن المدونة ضمنت «11 مبدأ تضم أفكاراً جامعة ستتبعها آليات تنفيذ»، قال أحد المشاركين من طرطوس إن المبادئ «يقول البعض عنها إنها طوباوية، نريد هذه الطوباوية والحلم، ونريد العيش بالفضيلة. والمدونة هي أيقونة المستقبل السوري بعد المقتلة السورية لكل الأطراف». وقال مشارك آخر من حمص إن المبادئ «تعبر عن نبض الشعب السوري، وهي خريطة طريق لسوريا».

من جهته، قالت إحدى الشخصيات البارزة، وهو نائب سابق وشخصية فاعلة في طرطوس، إنه يرفض مثل غيره أن يقدم من منطلق طائفي و«العلويون رفضوا عبر التاريخ الانفصال واختاروا الدولة السورية»، والخلاف الموجود حالياً «هو سياسي يحاول البعض تقديمه طائفياً». ونقل عن الشيخ صالح العلي، أحد قادة الثورة السورية ضد الانتداب الفرنسي، قوله «إن العلويين جميعاً سنة إذا تعرض سني للخطر». وذهب آخر للقول: «الخلاف ليس داخلياً، بل مؤامرة خارجية».

غض الطرف

ورأى السفير السوري السابق في لندن سامي الخيمي، أن الخطر على سوريا أن السوريين غير مجتمعين على مواجهة أطماع الخارج، مطالباً بضرورة أن يبحث السوريون عن المصالح الاقتصادية فيما بينهم، فيما أملت عبد ربه في بناء «كتلة حرجة اجتماعية سورية» تشكل رافعة للحل. ورأى إبراهيم محمد إبراهيم باشا، وهو من أكراد الحسكة: «نحن كثوار قمنا ضد النظام، وأرى أن المدونة تمثل حلم كل السوريين».

أما أحد المشاركين من الساحل والفاعلين في مساعدة النازحين، «بما في ذلك أسر المسلحين»، فقال: «جرى العمل الممنهج على تدمير الرموز السورية، ولم يبق لنا سوى فعل الممكن. والمبادئ الـ11 هي خطوة نحو المستقبل»، الأمر الذي وافق عليه إبراهيم شاهين من ألمانيا، قائلاً: «المدونة خلاصة عمل هادئ وعميق من دون ضجيج للوصول إلى المشتركات». وأضاف آخر أن «العلنية ضرورية لجمع السوريين حول هذه المبادئ التي لا خلاف حولها، وتوفير ضمانة وأمل للمستقبل».

من جهته، قال نائب سابق في حمص، معروف بصلاته وفعاليته، «الحرب السورية فريدة. بعض القوى زادت ضراوة الحرب تحت عنوان مساعدة الشعب السوري»، إذ إن السوريين لم يكونوا متعودين على القتل و«القوى الخارجية كان لها دور في سفك الدم السوري»، محذراً من «اصطياد البعض في الماء العكر، وتأسيس كانتونات شرق سوريا»، الأمر الذي وافق عليه زميله، وأضاف أن «السلطات على أعلى مستوى على علم بهذا الحوار وتسلمت نص المدونة». وحض آخر على ضرورة رفع العقوبات الغربية التي تضر بالإنسان السوري العادي.

في المقابل، قالت إحدى الشخصيات المعارضة إن «حديث النظام عن الانتصار يستفز الكثيرين، ونعرف أن هناك ردوداً وعمليات ضد قوات النظام في الجنوب السوري، لذلك فإن طرح هذه المبادئ يدفع الناس للبحث عن المشتركات»، فيما قالت مشاركة بارزة من دمشق إن مشاركة «سوريي الداخل» بالحوارات حصلت «من دون وهم: نحن نحاول أن نراوغ ضمن الهامش بحثاً عن التغيير»، مشددة على رفض فكرة «أن الداخل كتلة واحدة موحدة». وأضاف إلى ذلك شخص آخر من طرطوس: «إذا كان الشعب السوري لا يقبل بعضه بعضاً، يمكن للأمور أن تنفجر في أي لحظة. لذلك لا بد من التحرك الاجتماعي، وهذه المدونة ضرورة والإعلان ضروري».

بسام صباغ، وهو مسيحي من حلب ومقيم في الخارج، حرص على إيصال صوته، قائلاً: «الانطباع أن المسيحيين هم مع النظام، وليسوا مع المعارضة. في الواقع المعارضة تأسلمت، أو دُفعت إلى التأسلم، وبالتالي من يرتبط بالمعارضة السياسية يعتبره بعض المسيحيين خائناً لهم، لذلك فإن هذه المدونة مهمة لأنها تتحدث عن مبادئ سامية وفوق الاستقطاب بين النظام والمعارضة».

وبعد يومين من الأخذ والعطاء تحت سقف ألماني، وبقواعد حوار ألمانية، من دون هواتف جوالة، وبعزلة كاملة، عاد كل إلى مكانه الجغرافي. أبناء الداخل إلى سوريا. أبناء الخارج إلى الشتات. لكن التواصل قائم بينهم للترويج لـ«مدونة سلوك»، إضافة إلى العمل لحل إشكاليات وقضايا في مجتمعاتهم المحلية… من دون انتظار حل سياسي من فوق، وبتفاهمات خارجية، طال انتظاره، وقد يطول فرضه.

الشرق الأوسط

عن مهزلة الحوار السُني-العَلوي/ عمر قدور

قبل أسبوع نشرت صحيفة “الشرق الأوسط” ما يبدو أنه سبق صحافي في تغطية حوار سني-علوي يجري برعاية ألمانية، الزميل إبراهيم حميدي الذي دُعي لحضور الإعلان عن ذلك الحوار نقل أجواء تتراوح بين الرغبة في الكشف عنه لغايةٍ ما وبين التحفظ على بعض تفاصيله. أصحاب الحوار يطرحون سقفاً عالياً لمبادرتهم ودورهم، فهم يعتبرون أنفسهم أصحاب حيثيات تمثيلية واسعة، ويمنحون لأنفسهم الحق بطرح ما يسمّونه “مدوّنة سلوك لعيش سوري مشترك” وصولاً إلى طرحهم مبادئ فوق دستورية.

الخبر نال آنذاك بعض السخرية على وسائل التواصل الاجتماعي بخاصة من فريقين؛ يرى الأول منهما أن المسألة الطائفية مستفحلة بحيث يكون حوار برلين أقرب إلى عبث الصبيان بالمقارنة معها، بينما يرى الفريق الآخر نفسه خارج المسألة الطائفية أصلاً، ولا يريد لمستقبل سوريا أن يُبنى على تفاهمات بين عصبيات مذهبية أو قومية. الاستخفاف الذي رافق نشر الخبر لا يعكس جدية الذين رعوا الحوار لأكثر من سنتين في أوروبا، وقدّموا تسهيلات لسوريين أتوا من الداخل بعلم وموافقة سلطة الأسد؛ الأمر الذي يُستبعد حدوثه بعيداً عن مشاريع التسوية المطروحة أو مواكبتها. لقد عايشنا من قبل تكوين هيئات نُظر إليها باستخفاف عام، وما لبثت أن نالت اعتباراً لدى فريق المبعوث الدولي لسوريا تحت مسميات مثل المجتمع المدني، والعديد منها ينسب لنفسه مكانة التمثيل التصالحي بدل حالة الصراع القائمة.

واحد من الشعارات التي يطرحها أصحاب الحوار السني-العلوي في برلين في وثيقتهم هو “لا أحد بريء من الذنب”، وهذه مقدّمة غريبة جداً لتناقضها مع القاعدة القانونية التي تبرئ من لم تثبت إدانته، ليزداد وجه الغرابة مع وجود مدير للحوار خبير بالدستور! طبعاً يُفهم من تجريم الجميع مسبقاً جعلُهم على قدم المساواة مع سلطة الأسد، ولدينا فئة تزعم الوجود في موقع المعارضة ولا توفر فرصة لتجريم الجميع خدمة لمن تزعم معارضته. أيضاً تبدو هذه المقولة استئنافاً وجَمْعاً لأقوال الذين يجعلون من الجريمة شأناً جماعياً وهوياتياً، سواء من قبل الأسديين الذين وصموا عموم السنة بالإرهاب أو من قبل معارضين جرّموا عموم العلويين بناء على وحشية الأسد.

رغم وجود شعارين لاحقين، هما “محاسبة لا ثأر” و”جبر الضرر”، إلا أنهما يبقيان في فلك تمييع القضية برمّتها من خلال الإصرار على عدم استخدام كلمة العدالة. الانزياح عن مفهوم العدالة، بعد الانطلاق من تجريم الجميع، لا يمكن إلا أن يهدف إلى تمييع المسؤوليات وإهدار حقوق المتضررين. التستر وراء صعوبة تحقيق العدالة بسبب حجم المنخرطين في الانتهاكات وتعددهم لن يكون سوى ذريعة أخرى لطي صفحتها، وأغلب الظن أن لا أحد من السوريين يتوخى العدالة المطلقة، ولا أحد يتوقع أن تملأ المشانق شوارع البلاد نتيجة لذلك. لكن في المقابل، نعلم جميعاً أن الصفح بلا محاكمة الماضي ورموزه ستعيد إنتاج المجازر، طالما بقي الإفلات من العقاب متاحاً بسهولة.

ما يحدث عند التطرق إلى العدالة أن يؤخذ الكلام عادة على محمل أخلاقي وحقوقي مع إهمال جانبها السياسي، بينما هي في الواقع أحد المداخل المهمة لتأسيس حالة سياسية صحية في أي مجتمع. لا يُستثنى من ذلك أن العدالة مدخل لاختراق الطائفية، حيث يُحاسب الأفراد بحسب مسؤولياتهم فلا يُسمح لهم بالاستقواء وراء جماعة من أي نوع، مثلما لا تجرّم جماعة بناء على ارتكابات أفراد منها. في حالتنا السورية، فضلاً عن جرائم الإبادة الكبرى التي ارتكبها الأسد وشبيحته، هناك جرائم حرب مسجّلة على فصائل قاتلت الأسد، وفصائل أخرى لم تقاتله. العبور إلى المستقبل يبدأ على الأقل بمحاكمة أصحاب القرار في ارتكاب تلك الجرائم، مع لحظ التدرج في المسؤوليات إلى أسفل الهرم. العفو والتسامح الضروريان للمجتمع السوري لن يأتيا قبل تسمية الجريمة وإدانة أصحابها، ولا قيمة معنوية وأخلاقية وسياسية لأي عفو ما لم يصدر عن سلطة لها اعتبار تمثيلي وطني معترف به.

على صعيد الإطار التمثيلي للحوار نفسه، لا يُعرف على أي أساس يزعم البعض “ومنهم ثلاثة زعماء عشائريين” تمثيل السنّة، ونحن لم نخرج بعد من صراع يوضّح لنا كيف أن السنّة يتوزعون بين مشارب وانتماءات مختلفة ومتصارعة، بمعنى أنهم لا يشكّلون طائفة. الشخصيات التي تزعم تمثيل العلويين لم يُفصح عنها، لكننا أيضاً لا نعرف أي انتظام للعلويين بالمعنى الطائفي، باستثناء شركاء الأسدية أو الموالين لها باعتبارها سلطة، وبهذا المعنى يصبح بشار هو الأولى باحتكار التمثيل من أولئك الذين كانوا يحاورون في برلين، أو ينفي عنهم أية استقلالية مزعومة عنه. وإذا أخذنا هذا المعنى فسيصحّ التمثيل السني من خلال هيئات أو تنظيمات تطرح نفسها على أساس طائفي، وفي هذه الحالة يكون التفاوض بين بشار والتنظيمات الإسلامية هو المدخل المناسب والمتكافئ بين الطرفين.

بالطبع سيكون من المجازفة نفي الشروخ الطائفية في سوريا، ومن المجازفة أيضاً تحميل كل شرور الأسدية عليها، فلدينا في المنطقة أمثلة أخرى على أنظمة استبداد لا تحوز انقساماً طائفياً. ذلك يتطلب الاعتراف بالتأثير النسبي للمسألة الطائفية، ورؤية الظاهرة الطائفية نفسها في المجال السياسي لا في مجال الاختلاف المذهبي أو الديني. من ثم فإن مدخل الحل هو في تغيير بنية النظام السياسي لا في التحايل على قضية التغيير، ولا في إجراء مصالحات على طريقة “تبويس اللحى” العشائرية، ولعل من طرائف المدونة التي وضعها أصحاب الحوار السني-العلوي نصها على “عدم تسييس المجتمع السوري على أساس قومي أو ديني أو مذهبي” رغم تقديمهم أنفسهم ممثلين لحيثيات اجتماعية وفق الأسس المذكورة. وبحسب مدير الحوار فقد جرى استبعاد ثلاثة بنود من النقاش تسهيلاً له هي: “النظام والمعارضة، بشار الأسد، ثورة أم مؤامرة”!

يرغب كثر من اللاعبين الخارجيين ووكلائهم المحليين في طي صفحة الصراع في سوريا، وربما هناك حاجة لتلفيق ما تبدو أنها مصالحات مجتمعية والترويج لها جنباً إلى جنب مع مشاريع إعادة تدوير البنية الأمنية للأسدية. لكن هذا السياق الركيك، والفاجر في إنكاره الواقع، يذكّرنا بنكتة قديمة عن الرقيب العثماني الذي كان يتشدد في السماح بنشر كل ما يتعلق بالانتفاضات والاحتجاجات، وبسبب كثرة محظوراته اقتصرت تغطية إحدى الصحف التركية للثورة البلشفية على خبر صغير مفاده: في الأمس حدثت خناقة في روسيا.

المدن

الحوار السني العلوي وطبل “محمد قبنض”/ بسام يوسف

عندما تحدث عضو مجلس الشعب السوري “محمد قبنض” في جلسة من جلسات المجلس عن أهمية “الطبل والزمر” في المعركة الكبرى التي تخوضها “سوريا” ضد “المؤامرة الكونية”، لم يكن حديثه ناشزا، بل كان عزفا محترفاً على مقام المؤامرة، وتقاسيم تصدي حلف المقاومة والممانعة لها، والذي عزف عليه النظام السوري طيلة مرحلة حكم حافظ الأسد ومن بعده مرحلة حكم ابنه.

هذا المقام الذي سمعه السوريون حتى الملل لعقود طويلة، والذي كانت ركيزته الأساسية الراسخة تتلخص بإبعاد كل ما هو رئيسي، وجوهري، وضروري لتطور المجتمع، ولحل مشكلاته، من أجل إحلال ما هو هامشي، ومخادع محله. مقام “دَبَكَ” السوريون طويلا عليه في حلقات “الصمود” التي كان يخطط لها في دوائر القرار، وأرغموا على تهريج مقيت طال المجتمع كله، وكان طبل “قبنض” وزمره، قائدا هذا الصمود، ومحددا إيقاعه طوال نصف قرن.

لعلها من المفارقات الفاجعة أن يستمر خطاب مفصوم وبعيد عن الواقع، لا بل يناقضه بتعمد وبمنهجية، بالاستمرار طيلة عقود في مجتمع ما، خطاب يتعمد الابتعاد عن مستحقات ومتطلبات هذا المجتمع، ويزيح كل ما هو أساسي لصالح تكريس تعمية وتغييب المجتمع عن مشاكله.

منذ أن انفجرت الثورة السورية، والتي تصادف الذكرى الثامنة لها هذه الأيام، حافظ النظام على خطابه المتجاهل لحقيقة المشكلة السورية العميقة، وهرب من مواجهتها إلى افتعال حرب وهمية زج فيها المجتمع كله، ولم يكن هذا غريبا عنه، فهو أصلا غير قادر على مواجهة جوهر المشكلة، لكن الغريب هو انجرار من وقفوا ضد النظام، وثاروا عليه، إلى خطاب لا يختلف بنيويا عن خطاب السلطة وإن اختلفت بعض مفرداته.

منذ أيام نشر الصحفي إبراهيم حميدي مقالا في جريدة “الشرق الأوسط” أثار موجة من ردود الفعل لدى السوريين، وعنونه بعنوان مثير (الحوار السني العلوي يتمأسس ….)، وبعيدا عن أهمية وغاية هذا الاجتماع ومن حضره، ومدى تناسب إمكانياته مع عنوان صاخب كهذا فإن للأمر وجها غير معلن، وهو بالغ الأهمية يجب أن نتمعن في غاياته.

إن مجرد طرح عنوان (الحوار العلوي السني) يأخذنا بداهة إلى التفكير على أنه حوار ديني أو مذهبي، ولا يستقيم تصنيفه ضمن الحوار السياسي، إلا إذا أردنا إخضاع السياسة للدين، فلماذا إذا تم اختيار هذه التسمية له، ولماذا أغفلت تصنيفات أخرى شاركت فيه، ولماذا تجاهل تصريحات المشاركين فيه بأنهم لا يمثلون طوائف أو مذاهب أو قوميات…؟ 

يجري العمل لدى أطراف كثيرة داخلية وخارجية لدفع الصراع الدائر في سوريا إلى حقل يغاير تماما الحقل الأساسي الذي انطلقت الثورة منه، وتتولى أطراف دولية العمل في كواليس معتمة على إنجاز حل سياسي يقارب في شكله الصيغة اللبنانية، أو الصيغة العراقية، صيغة تجعل من التصنيفات الطائفية والمذهبية والقومية محددات لها حضورها في صيغة سوريا القادمة.

في هذا السياق لا بد من التساؤل حول حقيقة ما يقال عن التفاوض السري الذي يجري بين جماعة الإخوان والمسلمين والنظام برعاية إيرانية تركية، ولا بد من الانتباه جيدا للإعلان الذي أعلنه نتنياهو مرارا، والمتعلق بهوية إسرائيل واعتبارها دولة يهودية، فهل يجري دفع المنطقة لصيغ دويلات طائفية أو مذهبية أو.. أو.. بحيث تصبح الصيغة اليهودية لإسرائيل صيغة مقبولة ومنسجمة ضمن محيط تتفوق عليه بكل المعايير، ويشبهها فقط في صيغتها؟

إن التطبيل لاجتماع ألمانيا لبعض الأشخاص بشكل سري، وعدم الإعلان عن أسمائهم واتجاهاتهم السياسية، وإطلاق الصيغة الطائفية عليه، قد لا يكون خارج سياق التسويق لفكرة الصيغ الطائفية التي يحكى عنها، وصيغ المحاصصة، وهو بهذا التوصيف فإنه يساهم – متعمدا أو غير متعمد- بشكل أو بآخر، في تكريس اتجاه للحل السياسي في سوريا ليس في مصلحة الشعب السوري، ولا ينسجم أبدا مع جوهر الثورة السورية، أو على الأقل مع الروحية التي انطلقت منها.

في المعلومات التي تسربت من هذا الاجتماع وفي بعض التفاصيل القديمة، وفي وثيقته المعلنة، لن يكون لمخرجات هذا الاجتماع أي تأثير في الكواليس التي ترتب لحل الصراع في سوريا، ولن يكون لنقاطه التي يمكن تبني قسم مهم منها كمحددات لحل سوري يمكن تبنيه من قبل السوريين ويصب في مصلحتهم أي تأثير حقيقي، وسينحصر استثماره في تسويق الصيغة الطائفية، من هنا يأتي التخوف من محاولة تمرير صيغة المحاصصة الطائفية بذريعة الأمر الواقع أولا، وبذريعة أنه أفضل ما يمكن أن يصل إليه السوريون بعد ثمان سنوات من حرب تتفاقم نتائجها الكارثية كل يوم.

إن في الذهاب لصيغة حل يرتكز على محددات طائفية عواقب بالغة الخطورة، فهو عدا عن كونه يؤسس لدولة مفخخة هشة تتنازعها حروب مكوناتها، وعدا عن كونه يعيق قيام دولة المواطنة العادلة والمتساوية والقابلة للتطور، فإنه يفتح الباب واسعا أمام إفلات المجرمين من المحاسبة على جرائمهم، ويعيد تأهيلهم للعب دور جديد سيعيد بالتأكيد إنتاج مافيا جديدة، تعيد سيرة النهب الواسع لمقدرات سوريا، ويعيد سوريا إلى دوامة القمع والتخلف.

أما آن الأوان لإسكات طبول التهريج المخادعة، والإنصات لأنين سوريا العميق والفاجع؟

تلفزيون سوريا

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.