سياسة

مقالات مختارة تناولت تشكيل اللجنة الدستورية

المبادئ الحاكمة للدستور” بين المنطق والقانون/ رسلان عامر

منذ انطلاقة الربيع العربي، التي ما تزال مستمرة على الرغم من الكبوات والعثرات، صارت عبارة “المبادئ الحاكمة للدستور” أو “المبادئ فوق الدستورية” تتردد بشكل متكرر في وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، وهذا ليس غريبًا في عملية الانتقال إلى الديمقراطية التي لا تنفصل عن عملية بناء الدولة الحديثة، التي لا تتحقق إلا بوجود دستور عصري مناسب، يحدد المبادئ التي تقوم عليها هذه الدولة، وينظم ويضبط آليات عملها.

واليوم مع ما تشهده الساحة العربية من تغيرات جذرية، سلمية أو عنفية، لم يعد الحديث في الأمور الديمقراطية مجرد كلام نظري وحوارات نخبوية تجري في الدوائر والصالونات الخاصة بالنخب بعيدًا عن الواقع، فالنقاشات التي تجري اليوم في هذا الميدان باتت جزءًا حقيقيًا من هذا الواقع الذي يتغير سياسيًا واجتماعيًا، وهو جزء جوهري وجدلي في علاقته مع عملية التغيير نفسها، التي لا يمكن القيام بها بالشكل الصحيح، إن لم تكن مواكبة مع الفكر الصحيح، القائم على معطيات العقل والعلم والواقع والعصر، والمعتمد على كل ما أنجزته الإنسانية المعاصرة في ميدان بناء المجتمع والدولة الإنسانيين الحديثين.

وهكذا يصبح من الضروري جدًا مناقشة كل المسائل السياسية والاجتماعية المرتبطة بقضية بناء الدولة الحديثة، وفي هذا السياق تحتل الأمور الدستورية أحد مواقع الصدارة، لما لها من أهمية كبيرة في بناء وعمل الدولة العصرية.

هذه المسألة أصبحت ذات أهمية استثنائية في اللحظة الراهنة بالنسبة لنا كسوريين، وبالأخص مع إتمام عملية تشكيل اللجنة الدستورية، التي ستباشر عملها قريبًا لإعداد دستور جديد للبلاد، يرسم شكل وحدود الحل السياسي، بعد صراع عنيف تجاوز ثماني سنوات، ولم ينتهِ بعد.

من الواضح في هذه اللحظة، أن هذا الدستور المنتظر أصبح قاعدة الحل السياسي المفترض، لكن، عمليًا، من المبكر جدًا إبداء التفاؤل في انطلاق هذا الحل بشكل حقيقي، لكن الحكم بشكل مسبق بفشل اللجنة الدستورية، التي أصبح الحل منوطًا بها في اللحظة الراهنة، هو مبالغة في التشاؤم أيضًا، والموضوعية في المواقف تقتضي إصدار الأحكام بناء على معطيات عملية عن كيفية عمل هذه اللجنة على أرض الواقع، وهو أمر لن يطول انتظاره، وسيبدأ يتضح قريبًا.

وعلى أية حال، تبقى هذه اللجنة حلقة في مسلسل البحث عن حل، وأيًا كان دورها في هذا الحل، فهي ترتبط بمسألة أساسية، وهي مسألة الدستور السوري المطلوب لسورية المستقبل، وهي مسألة يجب أن نوليها الاهتمام الكافي ما دمنا مؤمنين بمستقبل سوري أفضل.

إن صياغة دستور جديد هي قضية ملحة لكل عملية تغيير سياسي جذري، وهذا يعطي أهمية كبرى للطريقة التي تتم بها عملية الصياغة هذه، وللأسس والمبادئ التي تعتمد عليها، كأيّة عملية إنتاج أخرى، تتحدد جودة المنتج بمدى كفاءة وسلامة عملية الإنتاج نفسها.

تتلخص الوظائف الأساسية للدستور وفقا لآراء بعض المختصين في هذا المجال، في ثلاث وظائف، وهي:

تحديد وتنظيم العلاقة بين فروع السلطة الثلاث، وبين الدولة والشعب والفرد، وبين الأكثرية والأقلية. وتسعى كل الدساتير الحديثة لتحقيق توازن كاف في هذه الميادين، بحيث تمنع تغوّل السلطة التنفيذية على السلطتين التشريعية والقضائية، وتمنع تغول الدولة على الشعب والفرد، وتغول الأكثرية على الأقلية، فتضع الدساتير القواعد الرئيسية الناظمة والضابطة لعمل السلطات الثلاث، بحيث تمارس كل سلطة وظائفها التخصصية باستقلالية ومن دون تدخل من السلطات الأخرى، ولكن بشكل يتكافأ ويتكامل فيه عمل السلطات الثلاث، وتكون فيه كل سلطة من هذه السلطات خاضعة للقوانين، وخاضعة لرقابة السلطتين الأخريين بموجب هذه القوانين، التي يجب أن تكون من حيث المبدأ مُصاغة بشكل يحقق التوازن ويضمن الكفاءة في عمل تلك السلطات، كما تضع الدساتير الضوابط لآلية عمل الدولة وعلاقتها مع المواطنين، بحيث لا تسمح بحدوث أية انتهاكات أو اعتداءات على حقوق وحريات الإنسان، كما تنظم وتضبط العلاقات بين الأكثرية والأقلية أيضًا، بشكل يحمي حقوق وحريات الإنسان، وبما يحقق مبدأ المساواة بين جميع المواطنين على أساس إنسانيتهم ومواطنيتهم.

لصياغة الدساتير بشكل ديمقراطي، يتم عادة تشكيل جمعية تأسيسية يتم انتخابها بشكل مباشر من قبل الشعب لهذه الغاية، وبالتالي تصبح هذه الجمعية مفوضة من قبل الشعب ومسؤولة أمامه في هذه المهمة الموكلة إليها، أو يتم تكليف “لجنة دستورية” لتقوم بصياغة الدستور، ثم يتم الاستفتاء على الدستور من الشعب، وفي هذه الحالة تنشأ إشكالية تتعلق بشرعية الجهة أو الجهات التي تقوم بتكليف هذه اللجنة وبكيفية اختيار أعضائها، والأسلوب الأكثر مقبولية في هذه الحالة هو قيام القوى السياسية الفاعلة على الأرض بالتشاور، إذ ليس من المقبول أن تقوم السلطة التنفيذية أو التشريعية القائمة بمهمة التكليف هذه، لأنها هي نفسها تُعدّ من منتجات الحالة الدستورية السابقة، التي أصبح من الضروري تعديلها، نتيجة عدم كفايتها، وبالتالي تصبح عملية التكليف هذه من قبل السلطات القائمة حاملة لمخاطر نقل عدم الكفاية إلى الدستور الجديد، المفروض فيه تجاوز حالة نقص الكفاية تلك، وهذه الحال تتعلق بالنظم السياسية المستقرة، أما في حال الخلاف أو النزاع، فلا تعود السلطات القائمة متمتعة بالشرعية الكافية للقيام بمثل هذا التكليف من الأساس، وبالإضافة إلى ما تقدم يمكن إجراء انتخابات تشريعية، يتم فيها انتخاب مجلس نواب جديد، ويقوم هو بدوره بتشكيل لجنة دستورية، ومن حسنات هذه الطريقة أنها تحل الخلافات التي يمكن أن تنشأ بين الأحزاب حول مشكلة مستوى التمثيل الشعبي، لكن من سيئاتها أنها تنعكس فيها سلبيات المرحلة السابقة على المرحلة الجديدة عبر عملية الانتخاب.

وكما نلاحظ، ففي كل الحالات تكون عملية صياغة الدستور ديمقراطيًا مرتبطة بإجراء ديمقراطي آخر هو “التصويت”، الذي يتم مسبقًا عند انتخاب “جمعية تأسيسية” أو بعد الصياغة عند “الاستفتاء” على الدستور المصاغ، أو عند انتخاب سلطة تشريعية جديدة، وهذا يعني أن إرادة الشعب هي التي تعطي الدستور شرعيته.

طبعًا هذا الكلام لا ينطبق دومًا على كل الحالات، ففي الأوضاع شديدة التأزم، حيث تكون الحلول الجذرية مستعصية، يُلجأ إلى تسويات تخرج عادة بأنصاف حلول، وهي في أحسن الأحوال يمكن اعتبارها مرحلة تمهيدية للحلول الحقيقية، وإذا ما أردنا التعامل بموضوعية مع الوضع السوري المستفحل، فهذا أقصى ما يمكن انتظاره -مع التفاؤل- من اللجنة الدستورية السورية.

ففي الوضع المتدهور اليوم على الساحة السورية، لا يمكن انتخاب جمعية تأسيسية بشكل حقيقي ولا التشاور بين القوى السياسية الموجودة لتشكيل لجنة دستورية، ولا التصويت على الدستور الذي تصوغه مثل هذه اللجنة، ولا إجراء انتخابات تشريعية.

لكن حتى في الحالات التي يكون كل ذلك ممكنًا، تبقى ثمة إشكالات حساسة تتعلق بعملية صياغة الدستور، وفحوى هذه الإشكالات تكمن في الشروط التي تحكم عملية الصياغة نفسها، فهل يجب أن يكون هناك مبادئ محددة مسبقا تحكم عملية الصياغة هذه، أم إن هذه العملية مفتوحة وغير مقيدة بأية مبادئ أو حدود مسبقة يجب مراعاتها أو عدم تجاوزها؟

هذه المسألة طُرحت مرارًا على الساحة العربية الراهنة، وما زالت تطرح، فقد طُرحت في مصر بعد نجاح ثورة كانون الثاني/ يناير، أثناء العمل على صياغة دستور جديد للبلاد، وهي اليوم تُطرح في السودان بعد سقوط الديكتاتورية، كما تُطرح أيضا على الساحة السورية، وهذه المبادئ أو الشروط المسبقة تسمى بـ “المبادئ فوق الدستورية” أو “المبادئ الحاكمة للدستور”!

وقد تكون الغاية منها وضع قيود على العملية الدستورية تتناسب مع إرادات أو مصالح قوى تخشى من عملية التغيير، أو الحصول على ضمانات من قبل القوى المناصرة للتغيير بأن العملية الدستورية ستمضي في اتجاه التغيير الصحيح، وأنها لن تُحرف أو تلتف على الاستحقاقات المطلوبة!

فإذا عدنا إلى التجاذبات السياسية التي كانت تجري على الساحة المصرية بعد سقوط نظام مبارك في عامي 2011 و2012، سنجد أن هذه المسألة قد أثيرت ونالت قسطًا وافرًا من الاهتمام الإعلامي، حيث طالبت القوى العلمانية والليبرالية بدعم من الجيش بوضع “مبادئ حاكمة للدستور”، الذي قامت على صياغته جمعية تأسيسية ترجح فيها كفة القوى الإسلامية، وكان سيُطرح للتصويت على شارع تغلب عليه القوى الإسلامية، ما جعل كلًا من القوى المدنية والجيش تتخوف من هيمنة الإسلاميين على الدولة، وإعطاء هذه الهيمنة شرعية دستورية عبر صياغة دستور في ظروف مواتية للإسلاميين، وقد أرادت القوى العلمانية والليبرالية من طرح هذه المبادئ وضع ضمانات تضمن عدم أسلمة الدولة، فيما أراد الجيش الحفاظ على نفوذه السلطوي التقليدي على الساحة المصرية، وكان موقف (الإخوان المسلمين) وحلفائهم من القوى الإسلامية رافضًا لهذا الطرح، وقد عدّه بعض قيادييهم “بلطجة سياسية”، وأصروا على عدم شرعية مثل هذا الطرح، مطمئنين إلى غلبتهم في الجمعية التأسيسية وعلى الشارع السياسي، بما يمكنهم من دفع مسار العملية السياسية بما يخدم توجهاتهم ومصالحهم، وقد ساعدهم في ذلك مواقف بعض الخبراء الدستوريين، الذين لم يكونوا مؤيدين سياسيًا لقوى الإسلام السياسي، ولكنهم قالوا من منطلق احترافي: إن وجود مواد فوق دستورية أو حاكمة للدستور هو أمر مخالف للعلوم الدستورية.

بطبيعة الحال لم يكن (الإخوان المسلمين) وغيرهم من قوى الإسلام السياسي، حريصين على “قانونية” العملية الدستورية، ولكنهم كانوا حريصين على استغلالها لإضفاء الشرعية على ما يمكن أن تثمره سياسيًا هيمنتهم على الجمعية التأسيسية والشارع الانتخابي، وهذا السلوك “الإسلاموي”، يمكن تكراره بشكل مشابه من قبل قوى أخرى كالديكتاتوريات الحاكمة، التي يمكنها أن تستغل هيمنتها السياسية على المجتمع لإنتاج مسرحية ديمقراطية، تعطيها غطاء شرعيًا عصريًا!

هنا قد يقول قائل في ما يتعلق بالتجربة المصرية: مهما كانت النوايا، فالطريقة المتبعة شرعية، وهي معززة بأساسين شرعيين هما: رأي الخبراء الدستوريين، والاحتكام إلى الشارع الانتخابي.

وقبل الرد على مثل هذا الطرح، لا بد من التنويه إلى أننا نستخدم هنا التجربة المصرية كمثال، لأنها قابلة للتكرار بشكل مشابه على الساحات العربية الأخرى، وليس من قبل القوى الإسلامية وحدها، إذ يمكن للديكتاتوريات الحاكمة أن تسعى للعب مثل هذه اللعبة.

عند الحديث عن أية صياغة لدستور، فيجب الوعي مسبقًا بأننا نتحدث عن عملية ديمقراطية بامتياز، فالفاعلية الدستورية لا يكون لها وجود حقيقي إلا في الأنظمة الديمقراطية، التي يكون فيها دور الدستور أساسيًا في تنظيم عملها كأنظمة، أما في ما عدا ذلك من أنظمة فالدساتير لا تكون إلا غطاء شكليًا لإضفاء الشرعية على الديكتاتوريات التقليدية أو غير التقليدية وإعطائها بعض مظاهر “الحداثة” أو مظاهر  “دولة القانون”.

بالطبع، لا يمكن تجاهل آراء المختصين الدستوريين في ما يتعلق بـ “قانونية” المبادئ الحاكمة للدستور، ولكن ما يجب عدم إغفاله هنا أن هذا التقييم القانوني يقوم من حيث المبدأ، على أساس ديمقراطي وقوانين ديمقراطية وفي تقاليد ديمقراطية، وهو يقونن عمليات دستورية تجري في منظومات ديمقراطية، ما يجعل هذه العمليات حكما محكومة بالقواعد والمعايير الديمقراطية، وبالتالي تصبح هذه القانونية مجتزأة ومفصولة عن المنظومة التي تتكامل معها عضويًا، عند نقلها إلى بيئات غير ديمقراطية، وإن كانت تحاول الدمقرطة.

وليس هناك أية عملية سياسية ديمقراطية أو غير ديمقراطية غير محكومة بمبادئ وقوانين، والقول بغياب مثل هذه الحواكم هو مثل القول بانفصال مشروع هندسي عن القوانين والمعطيات العلمية.

بالنسبة لعملية صياغة الدستور، فلكي تكون محكومة بمبادئ أو قواعد غير دستورية، لا يشترط في هذه القواعد والمبادئ أن تكون مُصاغة في وثيقة، وعلى شكل مواد تشبه المواد الدستورية، ولكنها تكون مُثبتة خارج النطاق الدستوري، على المستويات الاجتماعية والسياسية والثقافية السائدة، التي تضع بشكل غير معلن أو معلن، حواكم لأي دستور، فماذا نسمي مثلا إصرار الإسلاميين على إدراج مواد في الدستور تحدد دين رئيس الدولة، ومصدر التشريع الأساسي فيها؟ أوَ ليست هذه المواد استجابة لثوابت دينية إسلامية حاكمة من خارج الميدان الدستوري؟ نفس الكلام ينطبق على سلوك القوميين العرب، وعلى سلوك أنظمة الحكم الحزبية، لكن بالمعايير الديمقراطية الحقيقية يُعدّ إدراج أية فقرات دينية أو قومية أو حزبية أو ما شابه، سلوكًا غير شرعي، فهذه المعايير لا تقبل بنفس الوقت بوجود “مواد فوق دستورية” ولا بوجود مرجعيات غير ديمقراطية -دينية أو قومية أو حزبية أو ما شابه- للدستور.

في الديمقراطية، عند القيام بصياغة دستور جديد، لا تحتاج الهيئة المكلفة مثلًا لمادة حاكمة فوق دستورية تقول لها “يجب عدم التمييز بين الجنسين” أو “يجب المساواة بين جميع الناس بمعزل عن الجنس والدين والقوم والانتماء السياسي” أو ما شابه، فهذه الأمور هي ثوابت نهائية في المعايير الديمقراطية، وأي دستور يتضمن موادًا تخل بهذه الثوابت أو أية ثوابت ديمقراطية أخرى يكون باطلًا ولا يُعترف به، ولا يطرح على أي استفتاء، وخلاصة هذا الكلام أن الدساتير في الديمقراطية، بصفتها الوثيقة القانونية والحقوقية العليا في النظام الديمقراطي، لا يمكنها أن تتفق مع وجود أية وثيقة فوق دستورية وحاكمة للدستور، ولكن هذا لا يعني عدم وجود مبادئ حاكمة للدساتير، فهذه الدساتير محكومة بالمبادئ الديمقراطية، ولذا على كل من يتذرع بـ “القانونية” في التعامل مع المبادئ الحاكمة للدستور، أن يكون هو نفسه ملتزمًا من البداية بالمعايير الديمقراطية وألا يخالفها، ثم يحاول بعدها تغطية مخالفته بقناع ديمقراطي.

لكن ماذا عن التصويت؟ أفلا يمكن إعطاء الشرعية لقضية ما، بناء على نتائج عملية تصويتية؟ وفي حالة الدستور، أفلا يمكن اعتبار دستور يقر موادًا دينية أو قومية أو حزبية أو ذكورية مثلًا شرعيًا، إذا ما صوّت الناس لصالحه؟

ديمقراطيًا، هذه شرعية باطلة، ومثل هذه العملية في الديمقراطية لا تُعدّ ديمقراطية، ولكنها تُعد “أوخلوقراطية” (ochlocratic) أو “موبوقراطية” (mobocratic) أي “شعبوية” أو “ديماغوجية” لأنها تستغل اعتقادات وعواطف الناس، ولا تعتمد على وعيهم السياسي، فالانتخابات والاستفاءات والتصويتات والاستطلاعات وما شابه ذلك في الديمقراطية، ليست عمليات مفتوحة من دون ضوابط أو محكومة بأية أحكام، وهي مثل عملية صياغة الدستور، تخضع لمبادئ الديمقراطية، ومن أهمهما مبدأ حماية حقوق الإنسان، الذي يتضمن المساواة التامة بين الناس، ومبدأ العقلانية الذي يعني اعتبار العقل هو المرجعية العليا في التشريع.

وهكذا لا يُقبل أي تصويت على مسألة تخل بحقوق الإنسان أو بثوابت العقل مهما كانت نتائجه، وبالتالي فالتصويت مثلًا على أي دستور يتضمن فقرات دينية أو ذكورية يُعد باطلًا، لأنه بناء على باطل من الأساس، فالأمور الدينية في الفكر الديمقراطي الحديث تُعد من ناحية ذاتَ طبيعة فئوية، كونها تخص جماعة من دون سواها، ومن ناحية ثانية، ذات طبيعة غير عقلانية، كونها تتعامل مع الغيب والماوارئيات وتعتمد بشكل رئيس على الإيمان والاعتقاد، وبذلك لا تتوافق مع مبدئي المساواة بين الناس والعقلانية، أما الذكورية فهي أيضا ضد المساواة الإنسانية وهي تقاليد غير عقلانية، ما يجعلها في موقع التناقض مع العقل والضمير الإنسانيين.

هذه الأمور يجب علينا كسوريين تعميق ثقافتنا بها على نطاق واسع، فنحن، على الرغم من كل مأساوية الأوضاع التي ما زال واقعنا خاضعا لها، نمرّ بمرحلة تغيير متعدد الصعد، والثقافة الدستورية هي جزء أساسي من الثقافة الديمقراطية، التي يجب امتلاكها لتحقيق التغيير المطلوب إلى الأفضل، والمعرفة الدستورية في اللحظة الراهنة تضاف إلى أهميتها الدائمة أهمية لحظية ترتبط بوجود اللجنة الدستورية، فإن حققت هذه اللجنة شيئًا إيجابيًا، فسيكون علينا عندها التعامل مع ما حققته بالنقد البناء الهادف إلى التطوير، وإن لم تحقق، فسيبقى في هذه الحالة الاستحقاق الديمقراطي قائمًا ومقتضيًا بشكل جوهري للثقافة الديمقراطية والمعرفة الدستورية.

جيرون

لماذا يخاف النظام من اللجنة الدستورية؟/ صبحي فرنجية

يحاول النظام السوري تعطيل بدء عمل “اللجنة الدستورية” من خلال الضغط على شخصيات ضمن اللائحة الثالثة الخاصة بالمجتمع المدني والمستقلين التي شكلتها الأمم المتحدة بعد جهد جهيد. ويضغط النظام على أعضاء اللائحة الثالثة لينحازوا له، أو لينسحبوا من اللجنة، ما يضع الأمم المتحدة أمام مأزق جديد. فاللائحة الثالثة ضمن اللجنة الدستورية تمثّلُ “بيضة القبان”، التي كان يُتوقع أن تخلق توازناً بين لائحتي النظام والمعارضة، وهو ما كان يسعى له “المجتمع الدولي”.

مصادر خاصة قالت لـ”المدن” إن النظام هو من دفع كل من هادية قاوقجي، وبهجت حجار، ومنى خيت، للانسحاب من لائحة الأمم المتحدة في اللجنة الدستورية، وذلك بعد تعرضهم لضغوط من قبل أجهزة النظام إما شخصياً أو على ذويهم، فيما لا توجد معلومات حول سبب انسحاب مازن درويش من القائمة.

وتضيف مصادر “المدن” أن أجهزة النظام الأمنية تتواصل مع أعضاء اللائحة الثالثة في “اللجنة الدستورية” الموجودين في مناطق سيطرة النظام، واحداً تلو الآخر، وتهددهم بمصادرة أملاكهم، وتوجيه تُهم جاهزة لهم ولذويهم، وإلا فإن عليهم التعاون ودعم قرارات لائحة النظام أثناء عمل “اللجنة الدستورية”. حتى أن النظام طلب من ذوي أعضاء اللجنة غير المقيمين في دمشق أرقام تواصل معهم، وهو ما يُرجح انسحابات أخرى تحت وقع التهديد والوعيد.

وتشير مصادر “المدن” إلى أن النظام لا يريد أن تبدأ “الدستورية” عملها كما كان مخطط له. وفي الوقت الذي كانت موافقته على “الدستورية” نتيجة ضغط من قبل روسيا والأمم المتحدة، فإن النظام الآن يعبث بلائحة الأمم المتحدة، ومن المتوقع أيضاً أن يبدأ بالاستدارة نحو اعضاء لائحة المعارضة الموجودين في مناطق سيطرته، خاصة أنه أوقف المحامي محمد علي الصايغ، عضو لائحة المعارضة في “الدستورية” عن “هيئة التنسيق الوطنية”.

وأكدت مصادر “المدن” أن النظام في الحقيقة يتحدى بهذه التصرفات الأمم المتحدة، التي وضعت ضمن القواعد الإجرائية لعمل اللجنة سلامة وأمان أعضاء اللجنة، وذويهم وأقاربهم، كما أن النظام يخرق ضمانات قدمتها “الدول الضامنة” لمسار أستانة للأمم المتحدة، حول الموضوع ذاته. ولفتت المصادر إلى أن روسيا معنية بمعالجة هذه الخروق.

مصادر “المدن” أشارت إلى أن النظام اضطر للإفراج عن الصايغ، بعد ساعات من اعتقاله، نتيجة اتصالات أجرتها الأمم المتحدة. وعلى الرغم من ذلك، منع النظام الصايغ من المغادرة، الأربعاء، للمشاركة في اجتماعات “الهيئة العليا للتفاوض” في الرياض. ومن المتوقع أن يعيد النظام المحاولة، الخميس.

وحول طبيعة الأسئلة التي يطرحها النظام على أعضاء اللجنة في لائحة الأمم المتحدة أو ذويهم، قالت مصادر “المدن”، إن النظام يحاول معرفة تصوّر الأعضاء حول رئاسة الجمهورية، والجيش ودوره، وملفات أخرى من قبيل مدة الرئاسة وصلاحيات الرئيس. وعقّبت أن الأمم المتحدة اليوم، وفي ظل هذه الانسحابات، باتت أمام خيارين: الأول إيجاد أسماء جديدة بالسرعة الممكنة وضمان سلامتهم وسلامة البقية، أو إيجاد آلية جديدة في اختيار الشخصيات كأن تتم إعادة هيكلة اللائحة الثالثة من جديد، بحيث يكون الأعضاء وذووهم خارج البلاد، ما يضمن عدم تعرض النظام لهم.

إلى ذلك، قال مصدر بارز في المعارضة لـ”المدن”، إن المعارضة السورية حذرت الأمم المتحدة في وقت سابق من أن النظام سيلجأ إلى تهديد سلامة الأعضاء وذويهم من أجل تحقيق مكاسب في اللجنة، ونبهوا بأنه يتوجب على الأمم المتحدة يجب أن تبذل جهداً كبيراً لمنع تدخل النظام في هذه الأمور، خصوصاً أن النظام لا يريد أن يكون هناك انتقال سياسي حقيقي في البلاد.

وأضاف المصدر أن الانسحابات التي حصلت ستكون لها آثار على تفعيل دور اللجنة، إذ أن الأمم المتحدة اليوم مضطرة للبحث عن أسماء بديلة للأسماء التي انسحبت، والتي قد تنسحب في المستقبل، ما يعني العودة إلى إشكالية انتقاء الأسماء والتوافقات عليها.

ويرى المسؤول المعارض، أن هذا السلوك يؤكد بشكل حتمي أن النظام لا يريد اللجنة وهو مرتبك وخائف منها، لذلك يقوم بالضغط وعرقلة بدء عملها، لأنه يعلم أن اللجنة وفق صيغتها الحالية ورعاية الأمم المتحدة ستكون بوابة لنهايته سياسياً، ونهاية طريقة حكمه الفردي.

وأشار المسؤول إلى أن المعارضة السورية ستبقى ملتزمة باللجنة ما دامت هذه اللجنة تعمل ضمن القرار الأممي 2254 ومحدداته. وفي حال رأت المعارضة أن هذه اللجنة انحرفت عن القرار الأممي فإن المعارضة لن تكون في هذه اللجنة التي لن تخدم حينها إلا النظام السوري وداعميه. وقال إن المعارضة بانتظار خطوات إضافية من قبل الأمم المتحدة لضمان سلامة الأعضاء وذويهم، وضمان عدم حرف عمل اللجنة عن محدداتها.

وحول الاجتماعات التي عقدتها الهيئة في الأيام الماضية في الرياض، قال المسؤول إن التوافق تمّ فعلياً على هادي البحرة ليكون الرئيس المشترك للجنة، في حين أن اختيار قائمة اللجنة المصغرة، المؤلفة من 15 عضواً، ما زالت بمرحلة وضع اللمسات الأخيرة، ومن المتوقع أن يُعلن عنها في أقرب وقت.

المدن

اللجنة الدستورية السورية وتهافت السياسة الروسية/ عمار ديوب

اجتمع الرؤساء الثلاثة، الروسي بوتين والتركي أردوغان والإيراني روحاني، قبل أيام في إسطنبول، وأعلنوا، من ضمن مخرجات قمّتهم، عن تشكيل اللجنة الدستورية السورية، والتي عاد وأعلن عنها أمين عام الأمم المتحدة، وقد انتظرها السوريون نحو عامين. واللجنة هذه هي استكمال للسياسة الروسية المتهافتة، ضمن مسارات أستانة وسوتشي والمصالحات ومناطق خفض التصعيد الكاذبة؛ فوظيفة كل هذه المسارات شطب بيان جنيف1 وقرار مجلس الأمن 2254، واللذَين ينصان على تشكيل حكم انتقالي كامل الصلاحيات، من مهامه الإعلان عن تشكيل لجنة لصياغة دستور جديد للبلاد. اللجنة هذه شطبت، كما سلال دي ميستورا (المبعوث الأممي السابق) الأربع، الحكم الانتقالي والدستور والانتخابات ومكافحة الإرهاب.

علّة تأخير تشكيل اللجنة هي غياب التوافق على بعض الأسماء، وسببه الحقيقي رفض النظام لها وبغطاء روسي وإيراني، والغاية تمرير الوقت، وإنهاء المناطق الخارجة عن سيطرته، وفرض استسلام كامل على المعارضة، وهو ما حدث، مع إنهاء الغوطة ودرعا وحمص، وحصر الصراع في إدلب وشرقي الفرات. أما المعارضة فإن قبولها هذه اللجنة، ومن دون أي شروط، ومن دون أية آليات واضحة لعملها، يعني أنها وافقت على إعادة تأهيل النظام، وأن الأخير سيمحض الدستور الجديد أو المعدل، الشرعية أو يرفضه، وبذلك ينال هو الشرعية الدولية!

لم تلقَ خطوة تشكيل اللجنة أهمية كبيرة لدى السوريين بعامة، وإن خرجت مظاهرات رافضة لها، وكذلك رفضتها أغلبية المعارضة، وشكّكت في جدواها. ومصدر قوة اللجنة غياب مؤسسات للمعارضة قوية وفاعلة، وبالتالي تمثلت المعارضة في اللجنة، بضغطٍ تركي وبطموحات فردية لبعض أعضائها، بينما الموقف الصحيح للمعارضة كان رفض اللجنة أو الانسحاب منها، حيث لم نقرأ عن رؤية لها، ولا كيف ستعمل، وكيف ستقرّر مصير النظام دستورياً، وبالتالي ستعمل تحت إشراف النظام الحالي. والكلام عن رعاية الأمم المتحدة لاجتماعاتها، وأخذاً بمسبقات القرارات التي لم تنفذ “جنيف 1 و2254 وسواهما كثير” نقول إنه لا قيمة حقيقية للجنة ومخرجاتها، وهي لتمرير الوقت، ريثما تلتقي الأطراف الدولية، وتحديداً أميركا وروسيا؛ فالدولتان تسيطران على الأرض في سورية، ولا بد من تسويةٍ بينهما.

بموازاة تشكيل اللجنة، هناك تصعيد أميركي وأوروبي ضد النظام، واتهامه مجدّداً باستخدام السلاح الكيميائي ضد مدنيين، وضرورة تقديم مجرمي الحرب فيه للمحاكمة، وبالتالي وكأنّ الولايات المتحدة تردُّ على روسيا برفض مسار اللجنة، باعتبار الأخيرة هي الراعية للجنة الدستورية. إذاً لم تستفد روسيا من اللجنة كثيراً، ورفضتها أميركا وقطاعات كبرى من الشعب السوري والمعارضة كذلك، وهذا يعني أن حصر الصراع في منطقتين لا يؤدي إلى نتيجة مباشرة من أجل حل سياسي في سورية. ويمكن هنا قراءة عودة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) للظهور، ورقة جديدة لتهديد مناطق كل من روسيا وأميركا في آن، وذلك باعتبار “داعش” مخترقا من الأجهزة الاستخباراتية وتخدم أهدافها، وهذا يعني أن مساحة الخلاف بين الدولتين العظميين ما تزال كبيرة، وهي مأساة جديدة على مستقبل سورية وأهلها.

آلية التوافق على بنود الدستور إشكالية بحد ذاتها، أي يجب أن يوافق على أي بند فيه 113 عضوا أقله، حيث إن نسبة التوافق يجب أن تكون 70%، ولو أضفنا رفض النظام للجنة من أصله، فهذا يعني أنه سيُدخلها في ألف تفصيلٍ وتفصيل، ولن تُرى لها نتائج واقعية، كما فعل مع قرار مجلس الأمن 2254 أو سلال دي ميستورا وسواهما؛ ولو تفاءلنا بانعقادها، فكيف سيعثر على 113 عضوا، للموافقة على البنود المتعلقة بإلغاء صلاحيات الرئيس، أو بطبيعة نظام الحكم، وأن يصبح برلمانياً، وأن تكون الحكومة هي الأساس وليس الرئيس فيه.. هذه القضايا وغيرها تقول، بكل بساطة، لا قيمة حقيقية للجنة، وهي ورقة روسية وموجهة إلى أميركا وأوروبا.

روسيا التي تحالفت مع تركيا، وساعدتها الأخيرة في استرجاع معظم الأراضي السورية من يد المعارضة، وذلك قبالة تأييد روسيا لها في رفضها أيِّ شكلٍ من الحكم الذاتي للأكراد، أو توسيع صلاحيات إدارتهم الذاتية، وعلى الرغم من أنها تتحالف كذلك مع إيران وتنسّق مع إسرائيل، فإنها لم تستطع تمرير مسارات أستانة وسوتشي وخفض التصعيد، والآن اللجنة الدستورية، حيث يؤكد الأميركان والأوروبيون مرجعية جنيف 1 والقرار 2254؛ الكلام أعلاه، لأن إنهاء كارثية الوضع السوري لم يعد بيد السوريين، بل بيد الدول الإقليمية والدولية.

تجاهلت روسيا تفاقم الوضع السوري منذ عام 2011، حيث الثورة السورية بالنسبة لها مؤامرة أميركية وتهديد لسيادة الدولة السورية! وتصرُّ على أن الممكن هو إصلاح النظام السوري. سياساتها إزاء الوضع السوري، وكذا إشهار 12 فيتو ضد مشاريع قرارات أممية تدين النظام وتنصف الثورة نسبياً، يؤكدان أنها ضد إصلاح النظام أيضا. ولو أضيف أنها لم تعترف بأي أهدافٍ للثورة، ولا بأخطاء النظام، فإنها بذلك تعلن تمسّكها الكامل به، وعدم الموافقة على أي قرار دولي أو إقليمي يُحمّله المسؤولية الأكبر عما حدث في سورية، وبالتالي لن يكون مصير اللجنة بأكثر مما جاءت به مسارات أستانا وسوتشي وخفض التصعيد، أي محاولة تأهيل النظام مجدّداً. وتؤسس روسيا بذلك لفشل السوريين وسورية مستقبلاً، وليس، كما قيل، إنها الوحيدة التي من مصلحتها إيجاد حل للوضع السوري! حينما تَرفضُ إدانة النظام، ولا تُجبره على مسار سلال دي ميستورا ولن نتكلم عن “جنيف 1″، وحينما لا تُغلق ملف الاعتقال السياسي أو تفرض وقفاً لإطلاق النار في شمال سورية؛ هي بذلك شريك في مأساة سورية، ومقرّر تنفيذي في تدمير مستقبل هذا البلد، وليس حاضره وماضيه فقط.

تريد روسيا تأهيل النظام، ولكن ذلك لا يمكن أن يتم من دون إعادة الإعمار والتمويل الدولي والإقليمي، وهذا يدفعها إلى تشكيل اللجنة، كما ذكرت السطور السابقة، وربما دفعت النظام ذاته إلى الضغط على ناهبي الدولة وثروة السوريين أخيرا، وجمعَت منهم ملايين الدولارات، ولكن ذلك لن يساعد في تجميع أموال لإعادة الإعمار. بالكاد تكفي تلك الأموال لتسيير شؤون الدولة العامة، وإيفاء بعض الديون لروسيا المعاقَبة أوروبياً وأميركياً، هي وحليفتها إيران.

لم تنطلِ لعبة روسيا الجديدة على الأميركيين والأوروبيين، وليس من أموال أو إعادة الإعمار أو إعادة اللاجئين، والنظام السوري على حاله. إذاً لا خيار لروسيا، وقد فشلت مساراتها وستفشل اللجنة، إلّا بالعودة إلى “جنيف1” والقرار 2254، وهذا دونه ألف عقبة وعقبة. والأخطر هو غياب التوافقات الإقليمية والدولية على إيجاد تسوية للوضع السوري.

العربي الجديد

ست نقاط أساسية في فكرة الدستور السورية/ ماجد كيالي

قبل البحث في فكرة الدستور، قيمه ومعاييره ومضامينه، يفترض بنا الإجابة عن تساؤل أي نظام سياسي نريد، هل نريد نظاماً ملكيا أم جمهوريا؟ استبداديا أم ديمقراطيا؟ برلمانيا أم رئاسيا؟ فدراليا أم مركزيا؟ طائفيا أو قوميا أم دولة مواطنين؟

الآن، وعلى فرضية أن الشعب السوري، بأغلبيته على الأقل، عانى الاستبداد، والدكتاتورية، والدولة المركزية والحكم الوراثي، والانقسامات الطائفية والمذهبية، فإن الإجابة عن ذلك السؤال قد تبدو معروفة أو سهلة، على الرغم من كل الإشكالات المتضمنة فيها، ذاتيا وموضوعيا.

على ذلك فإن هذه المقالة ستركز على القضايا الأهم (من وجهة نظر الكاتب) التي يفترض أن يلاحظها الدستور السوري المفترض، أو المعنيون بصوغ دستور لسوريا، اليوم أو غدا، وهي:

أولاً، استعادة قيم النظام الجمهوري، لأن فلسفة ذلك النظام، وهو من منتجات الحداثة، على صعيد النظم السياسية، تقوم على أسس عدّة؛ أهمها: 1) إنهاء الحكم المطلق. 2) سيادة الشعب وعدّه مصدر السلطات. 3) الفصل بين السلطات الثلاث: التشريعية والقضائية والتنفيذية، واستقلال كل واحدة منها في مجالها.4) شرعنة المكانة الحقوقية والسياسية للمواطن الفرد، القائمة على مجتمع من الأفراد المواطنين والأحرار والمستقلين عن أي انتماءات جمعية أخرى، في إقليم ـ دولة يشكلون فيها الأمة.

وكان واضعو نظريات “العقد الاجتماعي”، وهم من آباء فكرة الليبرالية، من مثل لوك وروسو وكانط (القرنين السابع عشر والثامن عشر)، أسّسوا لفكرة الجمهورية في مواجهة الحكم المطلق، وعلى أساس أن السيادة في النظام الجمهوري تعود إلى الشعب الذي يؤلف الإرادة العامة، ويتألف من مجموعة أفراده، الأحرار والمتساوين، وعلى أساس حكم مدني، والفصل بين السلطات. بل إن لوك وروسو توافقا على أن شرعية أي سلطة مشروطة بالتزام الحاكم بصيانة الحقوق والحريات الفردية وإلا فللناس حق الثورة عليه. وعند روسو، أيضا، فإن الإرادة العامة للشعب هي فوق أي إرادة فردية”. أما كانط فقد ركز على مكانة الدستور المدني الذي يتأسس على ثلاثة مبادئ: “حرية أعضاء المجتمع، ومبدأ خضوعهم جميعا لقانون وحيد مشترك، ومبدأ المساواة بين الجميع، وعلى قاعدة الفصل بين السلطتين التنفيذية والتشريعية.”

إذاً، من دون استعادة النظام الجمهوري، ومن دون تكريس قيمه وأسسه السياسية والأخلاقية والقانونية، لا يمكن التأسيس لدستور جديد يكفل إعادة خلق السوريين بوصفهم شعبا، وخلق الدولة، بوصفها دولة مؤسسات وقانون، بمعنى الكلمة.

ثانيا،  زرع فكرة المواطن ومكانته، ذلك أن أي عملية انتقال سياسي في سوريا يفترض أن تتأسس على إقامة دولة مواطنين أحرار ومتساوين، بخاصة أن الإدراكات السياسية السائدة، عند النظام كما عند أغلب المعارضة، ما زالت تفتقد إلى مفهوم المواطنة، أو لتحديد المكانة الحقوقية والقانونية للمواطن في الدستور، علما أنه لا يمكن الحديث عن نظام ديمقراطي من دون ذلك، وبافتراض أن ذلك وحده هو ما يجعل من السوريين شعباً، بغضّ النظر عن انتماءاتهم الأولية والإثنية والطائفية، وما يجعلهم يدركون ذواتهم الفردية بوصفها جزءا من مجتمع، أو جزءا من شعب، مع حقوق وواجبات، ذلك أن الأقانيم الثلاثة لتمكين المواطن، هي الحرية والمساواة والاستقلالية (أي حصانة الحيز المستقل للفرد). هنا يجب التمييز بين التعريف بالفرد مواطنا، بالمعنيين السياسي والقانوني، وتعريفه منتميا إلى جماعة قبل وطنية، أي بدلالة انتمائه القبلي أو الطائفي أو الإثني، على ما هو حال لبنان تاريخيا في نظام الديمقراطية الطائفية الذي يرهن مواطنيه بطوائفهم، والعراق الذي بات على هذا النحو أيضا، والاثنان يشتغلان وفق مبدأ يسمى بـ “الديمقراطية التوافقية”، وهي ديمقراطية مزيفة، ولا تختلف كثيرا عن ديمقراطية الانتخابات، أو الاستفتاءات.

ثالثاً، بين الفدرالية والمركزية، إذ ثمة فكرة ظلّت محمّلة بالالتباسات وهي تتعلق بالحديث عن سوريا بوصفها دولة لا مركزية، أو تتعلق بشجب فكرة الفدرالية، على ما درج في خطابات المعارضة السائدة. وفي الحقيقة فلا شيء اسمه دولة لا مركزية، بل إن اللامركزية تتضمن المركزية أساساً، والقائلين فيها يوحون بالخشية على سوريا من “التقسيم”. وفي الحقيقة فإن ما يمنع التقسيم ليس نصاً معيّناً، سواء كان يتضمن اللامركزية أم المركزية، لأن ثمة دول كبرى قسّمت من دون أن تكون فدرالية، وثمة دول ذات نظام فدرالي، هي من أقوى دول العالم وأغناها وأكبرها، من دون أن تخشى من شبح التقسيم. والفكرة هنا، أولا، أن التقسيم يحصل أساساً وقبلاً في الشعب، لا في الجغرافيا. ثانيا، إن شعور فئة من شعب معين بأنها مغبونة وأنها غريبة في دولتها هو الذي يفتح على خطر التقسيم. ثالثا، إن درء التقسيم يتطلب المساواة بين المواطنين، والمساواة في توزيع الموارد، في نظام يتأسس على الحرية والمواطنة المتساوية والديمقراطية.

على ذلك فإن النظام الفدرالي ليس هو مصدر التقسيم أو الذي يفتح الأبواب على التقسيم، وإنما نظام الاستبداد، واستلاب الحقوق، مع معرفتنا أن الولايات المتحدة وألمانيا وبريطانيا والصين وروسيا ودولا كثيرة تأخذ بالنظام الفدرالي. ثم إن النظام الفدرالي هو الذي يحول دون إعادة إنتاج الاستبداد، في حين إن النظام المركزي يسهل ذلك، والنظام الفدرالي يتيح توزيعا عادلا للموارد، بعكس النظام المركزي الذي يجعل العاصمة تستأثر بالموارد. وأخيراً، لعل ما يجب التركيز عليه أن الدولة الفدرالية لا تتأسس وفقاً لمعايير إثنية أو طائفية، وإنما وفقا لمعايير جغرافية، وهذا ما يفترض الانتباه إليه، للتخفّف من الخشية من فكرة الفدرالية، ولوضع حد للمداورة عليها بفكرة اللامركزية التي لا تعني شيئا، أيضا يمكن أن يشكل هذا رداً على طروحات “الفدرالية” الإثنية التي تلوح بها بعض القوى الكردية.

رابعا، بين النظام الرئاسي والنظام البرلماني، إذ من البدهي أن إقامة نظام سياسي برلماني، هو المدخل الملائم للقطع مع النظام الرئاسي الذي قد يعيد إنتاج نظام الاستبداد، أو حكم الدكتاتور، وربما يمكن أخذ التجربة الفرنسية هنا، حيث ثمة نظام مزدوج رئاسي وبرلماني، مع توزيع الصلاحيات بين الجهتين. وأهمية ذلك الطرح أنه يساهم في إخراج الأمر من دوامة الصراع السياسي والتفاوضي على منزلة الرئيس، على نحو ما شهدنا في تجربة المفاوضات، وذلك في النص في أي دستور جديد على نظام برلماني، أو نظام مزدوج، لتجاوز هذه العقبة نهائياً.

خامساً، بصدد المسألة القومية الكردية، لا يمكن طرح أي دستور جديد في سوريا، أو خلق إجماعات وطنية سورية، من دون معالجة المسألة القومية، لا سيما للجماعة القومية الثانية في البلد، أي الكرد، والفكرة هنا أن الحديث عن حقوق المواطنة وحده لا يكفي، بمعنى أنه مع النص على حقوق المواطنة الفردية، يفترض أيضا النص على الحقوق الجمعية للكرد، بوصفهم جماعة قومية، تنتمي إلى جماعة قومية أكبر في بلاد أخرى، تماما مثلما بالنسبة إلى العرب السوريين، وذلك في اللغة والتعليم والثقافة والأعياد والرموز.

سادساً، نظام ديمقراطي، حتى الآن فإن هذا النظام الذي يتأسس على تداول السلطة، والاحتكام إلى الدستور، والفصل بين السلطات، وحل الخلافات وتعيين التوازنات السياسية بوساطة الانتخابات هو الأفضل بالنسبة إلى النظم السياسية في العالم، على الرغم من كل الثغرات فيه والمآخذ عليه، لكن ذلك النموذج هو الأفضل والأرقى لإدارة أي بلد، لكن ذلك النظام يفترض أن يكون محتكما إلى فكرتي المواطنة والحرية، إذ ديمقراطية الانتخابات والديمقراطية التوافقية ليستا من الديمقراطية في شيء، فالديمقراطية من دون ليبرالية، كما الليبرالية من دون ديمقراطية، لا تفيدان في شيء. وما يفترض إدراكه هنا أنه في الديمقراطية الليبرالية لا توجد أقليات وأكثريات طائفية أو إثنية، وإنما توجد أقليات نسبة إلى المصالح السياسية والاقتصادية، بمعنى أنه لا توجد انقسامات عمودية، وإنما انقسامات أفقية على المصالح والرؤى.

تلك هي القضايا الأكثر حساسية والأكثر أهمية التي يفترض تضمينها في الدستور السوري المقبل، بيد أن ذلك يفترض التأكيد أيضا بأن أي دستور لا يمكن أن ينجز من دون استعادة الاستقرار، والتحرر من حقبة الاستبداد، ومن دون مداخلات دولية مؤثرة وحاسمة.

برزكار برس

تشكيل اللجنة الدستورية يطلق «معركة التطبيع» مع دمشق: باريس تضع 4 شروط أوروبية لـ«شرعنة» الانتخابات السورية/ إبراهيم حميدي

طرح تشكيل اللجنة الدستورية السورية، وقواعد عملها، «معركة التطبيع» مع دمشق، و«إعادة الشرعية إلى النظام السوري»، بين استعجال موسكو «إعادة سوريا إلى العائلة العربية» من جهة، وتمسك واشنطن بـ«عزل» دمشق من جهة ثانية، في وقت تقدمت فيه باريس بوثيقة وضعت أربعة شروط لـ«إعادة الشرعية»، والاعتراف بنتائج الانتخابات، بينها «إشراف كامل» من الأمم المتحدة على الانتخابات البرلمانية العام المقبل، والرئاسية في 2021.

ومنذ اتفاق المبعوث الأممي غير بيدرسون، ووزير الخارجية السوري وليد المعلم، على قائمة الـ150 مرشحاً للجنة الدستورية، وقواعدها الإجرائية، الشهر الماضي، كان هناك حرص على كل إشارة سياسية؛ ذلك أن الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، تبنى الإعلان عن «الإنجاز السياسي»، وأن اللجنة ستعقد اجتماعها الأول في جنيف في الـ30 من الشهر الحالي، بحيث يكون عملها بناء على القرار 2254. وفي المقابل، قال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، لـ«الشرق الأوسط»، إن الاختراق جاء «بناءً على قرار مؤتمر الحوار الوطني السوري في سوتشي» بداية العام الماضي، وضمن «إنجازات» الدول الثلاث الضامنة لمسار آستانة؛ روسيا وتركيا وإيران.

– معركة دبلوماسية

لكن المعركة الدبلوماسية الأهم تدور حالياً حول «ما بعد تشكيل اللجنة»، إذ قال لافروف لـ«الشرق الأوسط» إنه يرحب بتشكيل اللجنة الدستورية، لافتاً إلى أن التقدم على المسار السياسي «سيطرح ملفاً تم طرحه منذ وقت طويل، حول ضرورة عودة سوريا إلى العائلة العربية. والكثير هنا سيتوقف على موقف السعودية، لأن صوتها مسموع في المنطقة وخارجها»، علماً بأن الرئيس فلاديمير بوتين سيزور الرياض قريباً. ومن جهته، قال المعلم، بعد لقاء عرضي مع الأمين العام للجامعة العربية أحمد أبو الغيط في نيويورك، إن على الجامعة العربية أن تعود إلى سوريا «كي تصبح عربية».

أما أبو الغيط، فقال إن الوقت لم يحن لعودة سوريا للجامعة العربية، وزاد: «ليس بعد، رغم أن دولاً عربية أعادت العلاقات، وأعادت فتح السفارات مع سوريا، فإن الإرادة الجماعية العربية لم تصل بعد إلى اللحظة التي تفيد بأنه ليست لدينا مشكلة مع الحكم في سوريا».

وأضاف: «عندما… تنطلق سوريا الجديدة، أتصور عودة سوريا إلى مقعدها في الجامعة. وسوريا الجديدة لن تكون مرتمية في أحضان إيران؛ هذا شرط عربي رئيسي».

وفي الضفة الثانية، قال المبعوث الأميركي للملف السوري السفير جيمس جيفري: «نواصل حث جامعة الدول العربية على التصدي لأي جهود ترمي لإعادة نظام الأسد إلى الجامعة قبل الوفاء بالمعايير المحددة في القرار 2254»، مضيفاً: «أي محاولة للترحيب بعضوية نظام الأسد مرة أخرى في الجامعة العربية، أو استئناف العلاقات معه، من شأنها أن تقوض جهودنا الجماعية الرامية للتحرك نحو التوصل إلى حل دائم وسلمي وسياسي للصراع الدائر في سوريا، وستستمر العزلة الدولية المفروضة على نظام الأسد حتى يكف عن شن هجماته الوحشية على السوريين الأبرياء، ويتخذ خطوات ذات مصداقية لتهدئه العنف، وتمهيد الطريق أمام التوصل إلى حل سياسي».

وكانت واشنطن قد جمدت، بداية العام الحالي، مسارين لـ«التطبيع» مع دمشق: المسار الأول الذي كان قد بدأ بإعادة تشغيل سفارات عربية في العاصمة السورية، والمسار الثاني رفع التجميد عن مقعد الحكومة السورية في الجامعة العربية الذي اتخذ في نهاية 2012.

– «عزل دمشق»

وقادت واشنطن ولندن جهوداً لتثبيت عناصر الموقف السياسي هذه عبر اجتماع في نيويورك لوزراء خارجية «المجموعة الصغيرة» التي تضم مصر وفرنسا وألمانيا والأردن والسعودية وبريطانيا وأميركا، إضافة إلى اجتماع آخر دعت إليه مسؤولة الشؤون الخارجية الأوروبية فيدريكا موغيريني وبيدرسون على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة.

وإذ رجبت الدول بـ«إعلان الأمم المتحدة أن الأطراف كافة قد وافقت على إنشاء لجنة دستورية. هذه خطوة إيجابية طال انتظارها، ولا تزال تتطلب التزاماً جاداً وتعهداً بتحقيق الوعود لتنجح»، جددت الإشارة إلى أدوات الضغط المتوفرة لديها، وبينها ضرورة توفر البيئة المحايدة للعملية السياسية، و«الإفراج الجماعي عن السجناء السياسيين، والخطوات لتهيئة بيئة آمنة محايدة من شأنها أن تمكن السوريين من إجراء انتخابات حرة نزيهة ذات مصداقية، تحت إشراف الأمم المتحدة، بشكل يتيح للنازحين واللاجئين والمهاجرين المشاركة فيها». كما تمسكت هذه الدول بإبقاء ملف المساءلة مطروحاً، وسط تأكيدها على «دعم الجهود الرامية إلى ضمان تحديد ومحاسبة جميع مرتكبي انتهاكات القانون الإنساني الدولي، والقانون الدولي لحقوق الإنسان، بمن فيهم المسؤولون عن الجرائم ضد الإنسانية».

كما أبقت واشنطن ولندن «ورقة» ملف الكيماوي، إذ أعلن وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو أن بلاده «خلصت إلى أن نظام الأسد استخدم غاز الكلور كسلاح كيمياوي في 19 مايو (أيار)، في هجوم على محافظة اللاذقية، غرب سوريا». وأيدت لندن موقف واشنطن التي فرضت عقوبات إضافية على كيانات سورية.

ولم تظهر إلى الآن تغيرات جوهرية في مواقف الدول الأوروبية وأميركا من شروط «التطبيع» مع دمشق، و«شرعنة النظام»، والمساهمة في إعمار سوريا، لكن بعض الدول الأوروبية قلقة من تفكك «الجدار الجماعي» إزاء ذلك، خصوصاً بعد إعلان هنغاريا فتح سفاراتها في العاصمة السورية. لذلك، فإن اجتماعات عدة ستعقد في بروكسل لهذا الغرض، قبل الاجتماع الأوروبي الوزاري منتصف الشهر.

– أربعة شروط

وكان لافتاً أن باريس وضعت على طاولة حلفائها ورقة حددت شروط قبول نتائج الانتخابات البرلمانية والرئاسية في سوريا، و«إلا، لن تكون شرعية»، واقترحت أربعة مبادئ للموقف الجماعي، هي:

أولاً، إرساء تدابير بناء الثقة على أرض الواقع، بهدف تهيئة الأجواء والبيئة الآمنة والمحايدة، قبل وأثناء وعقب انعقاد الانتخابات، وذلك لضمان تمتع العملية الانتخابية بالمصداقية، في ظل الشروط الأمنية الكافية، مع حماية حقوق الأطراف كافة. ويشمل ذلك وقف النار وإطلاق معتقلين.

ثانياً، ضمانات تؤكد على مشاركة ووصول النازحين واللاجئين إلى مراكز الاقتراع، فضلاً عن حملات التثقيف والتوعية الانتخابية.

ثالثاً، شروط قانونية وعملية ميسرة لإجراء الاقتراع التعددي. وفي ظل وجود 12 مليون لاجئ خارجي ونازح داخلي في سوريا، من الأهمية البالغة أن يتمكن جميع المواطنين السوريين في الشتات من التصويت، مع حيازتهم لحق الترشح أيضاً في الانتخابات المقبلة.

رابعاً، إشراف منظمة الأمم المتحدة على الانتخابات، وتوفر الحياد الصارم في العملية الانتخابية. ومنعاً لوقوع أي شكل من أشكال التلاعب، مع ضمان الإعداد الجيد للانتخابات في مرحلة ما بعد الصراع، ينبغي لإشراف الأمم المتحدة أن يكون شاملاً، يتضمن تنظيم وإجراء الانتخابات، مع الدعم الأممي للبيئة الانتخابية الآمنة، ومراقبتها بعناية فائقة.

وذكرت الوثيقة بموقف دول الاتحاد الأوروبي، وأنها على «استعداد تام للاضطلاع بدورها في إعادة إعمار سوريا، في حالة وجود عملية انتقالية سياسية شاملة حقيقية، على أساس قرار مجلس الأمن 2254».

كيف وصلنا إلى اللجنة الدستورية؟/ أحمد عيشة

يوم الإثنين 23 أيلول، أعلن أنطونيو غوتيرش، الأمين العام للأمم المتحدة، تأسيس اللجنة الدستورية، بعد عشرين شهراً من الإعلان عنها كأحد مخرجات مؤتمر سوتشي في 30 كانون الثاني 2018، الذي دعا إليه اجتماع أستانا في 8 كانون الأول 2017، وحضره ديمستورا، المبعوث الدولي الخاص لسوريا السابق، على أن تضمّ خبراء سوريين من النظام والمعارضة والمجتمع المدني، ومهمتها إعادة كتابة الدستور بما يسهم في التسوية السياسية التي ترعاها الأمم المتحدة، وفقاً لقرار مجلس الأمن الدولي 2254، لتليها انتخابات ديمقراطية.

وكان القرار 2254 الشهير، وهو مشروع قرار أميركي يعتمد على بيان جنيف للعام 2012، قد صدر بعد تصويت مجلس الأمن في كانون الأول 2015، ونصّ على بدء محادثات السلام في سوريا في كانون الثاني 2016، وعلى ضرورة إنجاح المفاوضات بين السوريين: تحت الإشراف الأممي، وأن تنتج هيئة حكم ذات مصداقية، تشمل الجميع وتكون غير طائفية، مع اعتماد مسار صياغة دستور جديد لسوريا في غضون ستة أشهر، وإجراء انتخابات في غضون 18 شهراً بإشراف أممي. 

المهم أن بيان جنيف -الأساس للقرار 2254- هو رؤية دولية وعربية (مجموعة العمل من أجل سوريا) للحلّ في سورية، من دون إشراك سوري واحد، سواء كان من طرف المعارضة أو النظام، ولم يشر البيان إلى مصير بشار الأسد، وترك الباب مفتوحاً للتفسيرات المختلفة بين الدول الكبرى، إذ أكدت موسكو أن مصير الأسد يقرره السوريون.

تتالت الاجتماعات في جنيف بدءاً من شباط 2014 حتى فشلها في شباط 2017، نتيجة لتعنت النظام في مواقفه وإصراره على وضع قضية الإرهاب، في إشارة إلى كل من يقاومه، على رأس أولويات القضايا التي نص عليها القرار الدولي أساس التفاوض، وحوّله بمساعدة ديمستورا إلى سلاله الأربعة (مكافحة الإرهاب ودستور جديد، وانتخابات وحكم غير طائفي). ناهيك عن تحول خطير في موقف ديمستورا تجاه المعارضة، وانتقاله للحديث عن معارضات (كما كان من قبله الجعفري، مندوب النظام)، في مؤشر على تحوّل الأمور إلى السيطرة الروسية.

كانت أولى علامات السطوة الروسية، الصفقة الروسية الأميركية حول السلاح الكيمياوي التي أتت في أعقاب استخدام النظام ذلك السلاح في الغوطة الشرقية في آب 2013 وقتل قرابة 1300 إنسان، وانتهت من دون أي عقاب للنظام بعد التهديدات الكثيرة، وثانيها التدخل العسكري المباشر في نهاية أيلول 2015 وما أنتجه من تغيير مدمر في التوازن العسكري لمصلحة النظام، الذي كان أبرز محطاته شق الريف الشمالي

لحلب في شباط 2016، مما مهد الطريق لسقوط شرق حلب في نهاية ذلك العام، الأمر الذي استثمرته روسيا جيداً في الدعوة لمسار تفاوضي بديل انطلق في أستانا، وكان من نتائجه مؤتمر سوتشي الشهير الذي فرض قضية اللجنة الدستورية كأولوية، تليها انتخابات ديمقراطية. وغيّب تماماً قضية هيئة الحكم الانتقالي، مما فرّغ القرار 2254 من مضمونه.

أوكلت مهمة تشكيل اللجنة إلى المبعوث الخاص لسورية، وعملياً إلى الدول الضامنة الثلاث، والتي اختُزلت إلى روسيا وتركيا، بينما أوكل إلى الأمم المتحدة اختيار ممثلي المجتمع المدني والقبائل والنساء، بعد موافقة روسيا وتركيا عليهم. استغرق الأمر من بداية الإعلان عنها حتى يوم تشكيلها 20 شهراً، وهو ما يشير إلى مدى الخلاف والتعقيد حول دورها من جهة، ومن جهة ثانية نيّة روسيا في استثمار الوقت، بحيث تجعل مسار أستانا وسوتشي بديلاً فعلياً لمسار جنيف.

بعد الإعلان عنها في 23 أيلول الماضي، توالت ردات الأفعال بين السوريين، وخاصة من الصف المعارض، لدرجة التناقض الكبير الذي يعكس فجوة هائلة في مواقف المعارضة، فمنهم من عدّها “انتصاراً للشعب السوري”، ومنهم من عدّها “خديعة كبرى للسوريين”، وخرجت مظاهرات في الداخل المحرر ترفضها، وتطالب بالعودة إلى بيان جنيف الذي دعا إلى هيئة حكم انتقالي ذات صلاحيات كاملة.

كانت معظم المواقف كسابقاتها عبارة عن ردات فعل، من دون إجراء تقييم نقدي لمسار الثورة والمعارضة الذي أوصلنا إلى صيغة اللجنة الدستورية، التي كانت تلخيصاً مكثفاً للانسحاب الأميركي أولاً من سوريا، والتخلي عن الدعوة لرحيل الأسد، ولتفويض الروس على الأقل بالحسم العسكري أو التغاضي عنه (شريطة ألا يستخدم الأسلحة الكيمياوية)، وثانياً، للصراعات العربية البينية وانعكاساتها المدمرة على الثورة السورية، والانسحاب مؤخراً من دعمها، ولجوء بعض الأطراف الخليجية إلى دعم قوات (قسد) نكاية بتركيا، والترويج لعودة النظام السوري للجامعة العربية، وأخيراً، وهو الأكثر أهمية، الصراعات بين تيارات المعارضة وتحولها إلى “معارضات” ومنصات، بدءاً من معارضة الذهاب إلى جنيف وانسحاب كتلة المجلس الوطني من الائتلاف وعودته فيما بعد، وصولاً إلى الإدخال القسري لكتلة قدري جميل المتشددة لصالح النظام الأسدي أكثر من النظام ذاته، مما جعلها كتلة متناقضة المواقف والرؤى، وجعلها عرضة لكل أنواع النقد الشعبي والرسمي.

أما على صعيد الفصائل العسكرية، التي أنهت قسماً منها هيئة تحرير الشام، فإنها لم تقم، وخاصة بعد هزيمة حلب وما شكلته من نقطة انعطاف في مسار الثورة، بمراجعة عملها، ولم تلجأ إلى عملية توحيد قائمة على المهنية والتراتبية، رغم المحاولات الخجولة

التي تجري مؤخراً، بل تابعت في نفس العقلية القائمة على مفهوم الغزوة والغنيمة، وذهبت إلى أستانا غير موحدة، مما أضعف كثيراً من موقفها أمام النظام. وكذلك، لم تتمكن القوى والشخصيات السياسية المعارضة خارج الائتلاف من تشكيل حالة أو منصة وطنية، تجسد مطالب الشارع الثوري بحيث يمكنها أن تكبح القوى المعارضة الرسمية عن تقديم مزيد من التنازلات التي تُفرض عليها من الدول الراعية، لأسباب تتعلق بمصالح أخرى بين الدولة الضامنة، وتكون على حساب قضية السوريين.

اللجنة الدستورية صيغة روسية للحل في سوريا، وسط الحالة السائلة للصراع الذي لم تكتمل لوحته بعد، وانعكاس لحالة الضعف التي تعانيها المعارضة بشقيها السياسي والعسكري، وفقدان الثقة والإجماع الوطني وحالة اليأس الذي يعيشه السوريون من جراء خذلان المجتمع الدولي. ورغم ذلك، فالنظام لا يسيطر حتى الآن سوى على 60 في المئة من سورية، ومعظم الأماكن مدمرة، ولا يمكنه إعادة إعمارها، وعلى الرغم من التفويض الأميركي بالحسم العسكري، فليس بالضرورة أن يشمل هذا التفويض الحل السياسي.

تلفزيون سوريا

الحل السوري بالتقسيط/ راتب شعبو

أظهرت الولايات المتحدة عدم اكتراث متكرّر حيال ما يجري في شمال غرب سورية، على خلاف الحال في الشمال الشرقي. هذا يرسم فارقاً مهماً بين غرب الفرات وشرقه، فيما يتعلق بآفاق الحل في سورية واحتمالاته. يتجسّد في أنه يمكن لثلاثي أستانة (إيران، تركيا، روسيا)، أن يتفاهموا على حلٍّ في غرب الفرات، وأن ينفّذوا هذا التفاهم إذا كان جدّياً، ولكن لا يمكنهم فعل الشيء نفسه شرق الفرات، بسبب الوجود والاهتمام الأميركي في المنطقة هناك. وعلى اعتبار أن أميركا لا تشارك في مسار أستانة، فإن وجودها في منطقة شرق الفرات يعني أن ثلاثي أستانة لا يستطيع أن يفتي فيما يخص تلك المنطقة التي تبقى بعيدةً عن متناوله ما بقيت أميركا فيها.

على هذا، تبدو مشكلة إدلب أسهل وأقرب إلى الحل من مشكلة شرق الفرات. يمكن لتوافق تركي روسي أن يضع العقدة الإدلبية على سكة الحل. هذا التوافق في المتناول، لأنه لم تعد لتركيا هواجس أمنية في هذه المنطقة، بعد أن نفذت تغييراً حاسماً في التركيبة السكانية في منطقة عفرين على حساب الوجود الكردي فيها. كما أن الاتفاق مع روسيا يمكن أن يجنّبها ما تتخوّف منه، نقصد موجة نزوحٍ جديدة. وليس من الصعب على تركيا فرض ما تريد على الفصائل المسيطرة في الشمال الغربي من سورية. هذا فضلاً عن أن مثل هذا التوافق يشكل بطبيعة الحال مقدّمة ضرورية لتخفيف العبء عن تركيا بعودة نسبة من اللاجئين السوريين إلى مناطقهم التي هجروها جرّاء القصف الذي تتعرّض له هذه المناطق.

الراجح، وفق هذا التصوّر، أن يكون الحل في إدلب تصالحياً أكثر منه عسكرياً، نظراً إلى الطبيعة البراغماتية للقوة “المعارضة” الأبرز هناك، جبهة النصرة، وإلى أن من شأن تفاهم روسي تركي جدّي أن لا يترك أمام الفصائل مجتمعةً سوى خيار القبول والتكيّف أو الانتحار. والتفاهم مع

روسيا هو، بطبيعة الحال، جسرٌ منحدر يوصل إلى التفاهم التالي مع نظام الأسد. غير أن هذا التصوّر لا يستبعد، مع ذلك، الحشد العسكري من النظام وحلفائه، ولا يستبعد احتمال أن ينفذ هؤلاء هجوما ناريا كثيفا للترهيب، كما لا يستبعد اندلاع صراعاتٍ داخلية بين الفصائل على محورين: قبول أو رفض التفاهم/ الحل، وسعي كل فصيل إلى توسيع مجال سيطرته لتثقيل وزن دخوله في الحل. ومن المرجّح أن يكون لجبهة النصرة دور البطولة في هذا الصراع الفصائلي المتوقع، ولا سيما أنها ادخرت عديدها وعتادها في الشهور الماضية استعداداً لليوم الذي يمكنها فيه أن تخرج من دائرة النبذ الدولي، وأن تتحوّل إلى جزء من الحل، بما ينسجم مع توافق الأطراف المقرّرة فيه.

أما شرق الفرات فيبدو غائباً عن مباحثات جماعة أستانة، وكأنه خارج سورية، وقد جاء تشكيل اللجنة الدستورية أخيرا، تأكيداً على استبعاد الحل المتعلق بهذا الجزء أو تأجيله. تشكيل لجنة الدستور بالصورة التي تم عليها يعني تراجع الجميع أمام نظام الأسد والقوى الداعمة. كما أن الإعلان الاحتفالي عن تشكيل اللجنة المذكورة من دون وجود تمثيل فيها لمجلس سورية الديموقراطي (مسد) التي تسيطر على ما يقارب ثلث مساحة سورية، وتحوز شعبية غير قليلة في وسطها، يشير إلى أن ثلاثي أستانة، والأمم المتحدة أيضاً، لا يقترحون الحل السوري الشامل، بل يسيرون على مبدأ الحل بالتقسيط.

عجز مسار أستانة، وعجزت المسارات الأخرى، كما عجزت الأمم المتحدة، عن إيجاد حل للسؤال: كيف يمكن تخليص العقدة الكردية السورية من العقدة الكردية التركية، وكيف يمكن منع هذه من فرض انعكاساتها على الموضوع السوري؟ أمام هذا العجز، كانت النتيجة إغماض العين عن هذه العقدة، وتركها لزمن قادم مجهول، لتبقى منطقة شرق الفرات شأناً أميركياً بالدرجة الأولى، تمارس فيه أميركا دور الحكم القوي والمقرّر بين جهات سياسية وعسكرية كردية ترى في تركيا العدو الأول، ودولة تركية تمارس عدوانيتها على هذه الجهات، بوصفها امتداداً لمشكلتها الداخلية مع كرد تركيا.

ولا شك أن استبعاد “مسد” عن اللجنة الدستورية يزيد من هامشيتها ومن لا جدواها. من دون أن يعني هذا أن إشراك “مسد” سوف يغير كثيراً من المعادلة، فالأمر الذي ينبغي التأكيد عليه هو أن كل المسارات والحلول المقترحة سوف تتشابه في فشلها، طالما أنها لا تتجه إلى حل، أو على الأقل البدء في حل، العقدة الأساسية المتمثلة في سد طريق المشاركة الفعلية في الحياة السياسية، وطالما استمر الإصرار على تقسيم الشعب السوري إلى وطنيين وخونة، هذا التقسيم المدمّر الذي أسس له وصانه نظام الأسد على طول الخط، من شأنه أن يستولد تقسيماً مقابلاً ومعاكساً، ما يحيل الحياة السياسية في سورية إلى حربٍ أهليةٍ مستمرةٍ ونفيٍ متبادلٍ لا نهاية له.

من الطبيعي أن يسأل المتابع عن معنى الدستور الذي يُمكن أن تنتجه اللجنة الدستورية المذكورة، ليس فقط من الناحية التي كثر الحديث عنها، والمتعلقة بأن المشكلة السورية ليست مشكلة كتابة دستور، بل مسألة تعليق الدستور، أي مشكلة وجود سلطةٍ تستعمر الدولة وتحتكرها وتصادر الحياة السياسية، وتحيل الدستور إلى حبر على ورق. مشكلتنا في القوة لا في القول. أو بطريقة أخرى، مشكلتنا هي في قول القوة لا في قوة القول. ما لم يقترن الدستور بقوة تطبيقية لن يكون له قيمة سياسية تذكر.

هناك اليوم ناحية أخرى تجرّد اللجنة الدستورية من المعنى، تتعلق بالمجال الجغرافي السياسي

الذي يعترف بالدستور. بكلام آخر، ما هي المساحة التي يكون للدستور المزمع ولاية عليها في سورية؟ المجال الجغرافي السياسي السوري موزّع بين ثلاثة محاور قوة غير سورية، هي تركيا وأميركا وروسيا مع إيران، الأمر الذي يجعل من القوى السورية مجرّد توابع لهذه المحاور غير المتوافقة. إذا كان يمكن لتركيا أن تتوافق مع روسيا حول غرب الفرات، فمن غير المرجّح توافقهما فيما يخص شرق الفرات، هذا يقول إن من شأن صراع هذه المحاور أن يشل فاعلية أي دستور سوري مهما يكن.

ينتهي ما سبق إلى نتيجة واحدة، تقول إن عناصر الحل السوري الشامل غير متوفرة، وإن ما يجري هو تقسيط للحل، وهو فوق ذلك تقسيطٌ لا يحمل نتائج مهمة، والرابح الأكبر فيه هو نظام الأسد الذي لا يهمه سوى الاستمرار في السيطرة على ما يستطيع من سورية، وتفادي المحاسبة، وهذا ما يناله فعلياً من تشكيل اللجنة الدستورية التي تُعطيه صورة المشارك في الحل من جهة، وتفتح له، من جهة ثانية، أفقاً زمنياً لا ينتهي، بحسب تصريح وزير خارجية النظام، وليد المعلم، الذي قال إنهم لا يقبلون جدولاً زمنياً للجنة الدستورية. على هذا، سوف تهنأ هذه اللجنة بجلسات، نعلم أنها تبدأ في جنيف في نهاية أكتوبر/ تشرين الأول الحالي، ولكن لا أحد يعلم متى وأين تنتهي.

العربي الجديد

اللجنة الدستورية السورية: لعبة الكبار!/ محمد قواص

لم يفهم اللبنانيون كيف انتهت حربهم الأهلية التي دامت 15 عاما بمجرد إنتاج دستور جديد. لم يخطر ببالهم طوال سنين ذلك الانفجار الدموي أن لبَّ العلّة التي أدت إلى كارثة يتعلق بتضخم صلاحية هذا المنصب وتقلصها في منصب آخر. سمعوا خلال تلك الحرب شعارات براقة تتحدث عن حماية المقاومة الفلسطينية والدفاع عن عروبة لبنان من جهة، وسمعوا عن القتال من أجل استقلال لبنان وسيادته وأحيانا فينيقيته من جهة ثانية. وحين انتهت هذه الحرب المقيتة جاءت المخارج مخالفة تماما للمدخلات.

السوريون هذه المرة يكتشفون أن العالم سيصنع لهم سلما وبلدا وازدهارا واستقرارا من خلال صناعة دستور لبلدهم. كان نظام بشار الأسد قد أخرج آخر نسخة لهذا الدستور عام 2012، ويَعِدُ تشكيل اللجنة الدستورية بالعبث بهذا الدستور بتغيره وفق ما تطمح المعارضة، وبإدخال تعديلات عليه وفق ما يتسرب بالكاد من منابر النظام. وفيما الجميع، معارضة ونظاما وأمم متحدة يبدي تفاؤلا، وكأن الفرج آت، لن يخفى على أي مراقب أن الأمر ملهاة لا يؤمن بها السوريون علاجا لمأساتهم، لكنه مع ذلك يمثل عدّة شغل جديدة مستوردة من الخارج للتعامل مع شأن لم يعد السوريون منتجين له أو صناعا لمآلاته.

والواضح أن الممثلين السوريين داخل العرض المسرحي الدراماتيكي انصاعوا لما أملاه كاتب السيناريو. روسيا ترعى أمر سوريا منذ سبتمبر 2015. تبرعت بتلك المهمة بعد أن محضها المجتمع الدولي بركته ورعايته. وروسيا هي التي تقود، دون منازع، الجبهة المدافعة عن نظام دمشق، بعد أن تولت الدوائر الإقليمية والدولية إهداء موسكو تواطؤا أعدم أي إمكانية لمقاومة داخلية نوعية تربك ورشة دولة جبارة يقودها فلاديمير بوتين.

إرادة موسكو هي التي تقف وراء النجاح في تشكيل اللجنة الدستورية. تقرر أمر هذه الآلية ضمن مسار سوتشي (الروسي) وليس ضمن مسار جنيف (الأممي). أذعنت الأمم المتحدة لكنها استطاعت، وربما اشترطت بطلب روسي، جرّ العملية باتجاه مسارها في جنيف ووفق ما يتسق مع قرار الأمم المتحدة 2254. وعلى هذا فإن البضاعة الروسية، التي سهّلت دول، مثل السعودية وتركيا ومصر والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة ودول أخرى، إنتاجها خاضعة لمزاج دولي سيفرض عليها معاييره قبل أي مصادقة على الملامح الأولى للعملية السياسية المتوخاة لإنهاء مأساة هذا البلد.

تتشكل اللجنة من 150 عضوا موزعين بالتساوي بين ثلاث جهات. 50 عضوا للمعارضة و50 عضوا للنظام و50 عضوا للمجتمع المدني. سنتان مرتا قبل أن يتم التوصل إلى صيغة ترضي جميع الأطراف. والحقيقة أن هذه الأطراف لم ترض إلا بعد أن قيل لها أن ترضى. تولّت عواصم أمر المعارضة، وتولّت موسكو أمر دمشق وطهران، وبين هذا وذاك تواطأ الجميع على استبعاد ممثلين عن “الإدارة الذاتية” الكردية. وللفطن أن يتساءل عن التعويذة السحرية التي ستخرج بدستور جديد يقبل به ثلثا هذه اللجنة على الأقل. ولنفس الفطن أن يتوقع أن من فرض تشكيل اللجنة ذات يوم سيفرض شكل الدستور على غرار ما حدث مع اللبنانيين في مدينة الطائف في السعودية عام 1989.

تكتشف روسيا أن ما حققته من نصر عسكري عاجز عن إعادة تعويم نظام بشار الأسد، وأنها إذا ما استمرت في جولاتها العسكرية الدموية، فإن ذلك لن يعيد إنتاج بلد تريد موسكو أن يكون قاعدة استراتيجية لها في المنطقة والعالم. يحتاج “انتصار” روسيا إلى اعتراف دولي لا يأتي. الدول التي يُعوَّل عليها للاستثمار الكبير من أجل إعادة الإعمار في سوريا تطالب بعملية سياسية تؤمن استقرارا لهذا البلد يَعِدُ بإعمار. لم تعد العواصم، حتى القريبة والقريبة جدا، تطالب برحيل بشار الأسد. تودّ فقط أن يتمم الروس مهمتهم بتقديم ملف كامل يقنع واشنطن، كما أوروبا واليابان وباقي دول العالم، بأن البلد المأزوم دخل حلا موضوعيا ناجعا. والحلّ لن يكون عادلا بالضرورة، طالما أن العدالة تخضع لوجهات نظر.

ليس صحيحا أن اللجنة الدستورية أعادت النقاش إلى السوريين كما قال جمال سليمان عضو هيئة التفاوض وعضو اللجنة الدستورية. وليس صحيحا أن تلك اللجنة تمثل نصرا للمعارضة كما صدر عن نصر الحريري رئيس هيئة التفاوض المعارضة. اللجنة ببساطة واجهة من واجهات الحلّ الروسي، الذي لا يمكن أن يرى النور إلا إذا بدد العالم الغربي الظلمات التي تحرم موسكو من جني الثمار. اللجنة ستكون صدى لجدل معقّد بين أصحاب المصالح الكبرى في العالم في تحري نقطة التقاطع بين الأجندات المتنافسة.

ستستضيف جنيف طويلا هذه اللجنة التي قد لا نسمع عنها الكثير. في ذلك الحدث ما لن يرتبط بمستقبل العمليات العسكرية في إدلب، أو بالجدل المتعلق بالمنطقة الآمنة شرق الفرات، أو بالسجال المتصل بالضغوط العسكرية لتقليص النفوذ الإيراني، أو بالورش المهتمة بمراقبة ممر طهران بيروت من خلال العراق. تمثل اللجنة تسليما دوليا بإسقاط بيانات جنيف والسلال الأربع التي خرج بها المبعوث الدولي السابق ستيفان دي ميستورا: هيئة حكم انتقالي، صياغة الدستور، الانتخابات العامة النزيهة، مكافحة الإرهاب.

على أن أمر اللجنة يمثل مع ذلك انتقالا من طور إلى طور داخل الصراع في سوريا. النظام يعترف بأنه لم يعد لوحده. يعترف أن هناك معارضة تشارك في صياغة مستقبل البلاد، وأن هناك مجتمعا مدنيا يمتلك أجندات قد تكون مستقلة عن المعارضة كما النظام. دمشق تعترف بأن هناك صراعا أهليا مشروعا وأن صراعها ليس فقط ضد جماعات إرهابية يجمع العالم على مقتها. موسكو تعبر عن الحاجة إلى شريك آخر غير دمشق وطهران في صناعة نظام سياسي في سوريا، فيما تركيا والسعودية ودول الجوار توفّر، حتى إشعار آخر، البيئة الحاضنة لمخرج ملائم لسوريا كما لها من أزمة هذا البلد. المعارضة من خلال تلك اللجنة تعترف بالنظام شريكا شرعيا يُمنعُ إسقاطه.

ومع ذلك لا تبدو أن الرواية الروسية للعقدة السورية ستُكتب وفق مزاج موسكو وحدها. كل الأطراف تجمع على أن الدستور ليس الحل، بل هو عنصر من عناصر الحلّ. ثم إن مشكلة سوريا ليست دستورا، بل قمعا وخوفا وأجهزة ونظام أمن لا تعالجه فذلكات قانونية يسهل قهرها. أُعلن عن تشكيل اللجنة الدستورية العزيزة على قلب روسيا، فاكتشفت واشنطن عبر سفيرتها لدى الأمم المتحدة أن على النظام السوري “الإفراج عن معتقلين يقدر عددهم بنحو 128 ألفا”.

اكتشفت واشنطن بهذه المناسبة أيضا أن النظام السوري استخدم غاز الكلور. أعلن وزير الخارجية مايك بومبيو أن الولايات المتحدة خلصت إلى أن نظام دمشق ارتكب الإثم في هجوم نفذه على إدلب، في مايو الماضي. أضاف الرجل أن “نظام الأسد مسؤول عن فظائع مروعة بعضها يصل إلى درجة جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية”.

ألحق موقف واشنطن ببيان دانت فيه سبع دول، هي أميركا وبريطانيا وفرنسا وألمانيا والمملكة العربية السعودية ومصر والأردن، استعمال السلاح الكيمياوي في سوريا، مؤكدة عدم التسامح مطلقا مع استعماله.

ذهب السناتور الجمهوري الشهير لندسي غراهام بعيدا وأوصى الرئيس الأميركي دونالد ترامب “بالنظر في ضربة حاسمة هذه المرة ضد أفعال الأسد مشابهة لما حاول ريغن فعله مع القذافي”، مشيرا إلى أنه سيقدم قرارا إلى مجلس الشيوخ يعلن فيه أن الأسد مجرم حرب، ويتوقع من خلاله بأن يحصل على دعم من كلا الحزبين الرئيسين.

العواصم الكبرى تتبادل رسائل تفهمها. وفيما ستعمل دمشق على ألا يخسر الحكم فيها شعرة من نفوذه، ينحرف النقاش نحو نقطة ارتكاز سريالية: هل نسمي سوريا “الجمهورية السورية” أم “الجمهورية العربية السورية”؟

صحافي وكاتب سياسي لبناني

العرب

اللجنة الدستورية ودوام الوجع السوري/ محمود الوهب

تباينت الآراء حول إنجاز ما سمي باللجنة الدستورية.. ففي حين رحب المجتمع الدولي، وفي مقدمته الأمم المتحدة، إلا أن السوريين لم يهتموا بأمرها، فالأمم المتحدة بالذات لم تفعل للسوريين شيئاً ذا بال على مدى تسع سنوات من القتل والدمار والتشرد سوى إرسال المندوبين واستبدالهم، إذ لم يجد معظم السوريين في اللجنة الطموح الذي ينشدونه بعد كل ما عانوه من شرور الحرب فلم يروا فيها حلولاً لمشكلاتهم الأكثر أهمية كتلك المتعلقة بالسجون والمعتقلات، ولا لمشكلات اقتلاعهم من بيوتهم ومدنهم، كذلك لم يجدوا فيها توافقاً مع قرار مجلس الأمن رقم 5422 تاريخ 18 كانون الأول 2015 القاضي بتشكيل هيئة انتقالية كاملة الصلاحيات أولاً، وبمعالجة ملف المعتقلين والمفقودين ثانياً ثم إقرار دستور جديد، وإجراء انتخابات ديمقراطية تحت إشراف دولي، ترعاه الأمم المتحدة.. أما من كان متفائلاً فقد ذهب بعيداً إذ تحدث عن اللجنة الدستورية وكأنها لمسة نبي ما إن تلامس العليل حتى يعود بكامل صحته وعافيته.. ولعلَّ هذا محتوى ما تحدث به الأمين العام للأمم المتحدة، وكذلك رئيس هيئة التفاوض السورية الدكتور نصر الحريري الذي قال إنَّ تشكيل اللجنة الدستورية هو “إنجاز حقيقي وانتصار للشعب السوري، وجزء من القرار 2254، ولا أحد يستطيع أن يُنكر ذلك”. (صحيح هو جزء من القرار، ولكن شتان أن تصدر في ظل هيئة انتقالية كاملة الصلاحيات، كما نصت أوليات القرار، وبين أن تصدر تحت إشراف النظام) فتصريحات وليد المعلم وزير خارجية النظام التي أدلى بها خلال مؤتمر صحفي، توحي بذلك إذ قال: “إن اللجنة أنجزت بفضل توجيهات الرئيس بشار الأسد، وحافظت القيادة السورية على تطلعات الشعب السوري، واحترمت هذه التطلعات”.

فهل ستكون اللجنة الدستورية بداية لإعادة تشكيل المجتمع السوري الذي فتَّتته الحرب ووزعته في أنحاء العالم؟! هل ستكون هذه اللجنة قادرة، فعلاً، على إعادة لملمته ولأم جراحه، أم إنها ستبني على أنقاضه بناء جديداً مختلفاً يعيد تأهيل النظام كما تصريح وليد المعلم؟! فأية تطلعات تلك التي يراها الأسد؟ ولأي شعب سوري؟ ألهؤلاء الذين يموتون تحت التعذيب في سجونه ومعتقلاته؟ أم لهؤلاء الذين يعيشون في المخيمات والمنافي التي ضج بهم العالم؟ أم لأولئك الذين يعانون مرارة العيش في الداخل السوري نفسه: غلاء أسعار وفقدان مواد وجوْر لصوص ومجرمين يتفاقمون مع كل صباح..!

إن أوَّل ما يلفت في الاتفاق بين طرفي الصراع في سوريا، حول اللجنة الدستورية هو تجاوز قرار الأمم المتحدة 2254 بإعادة ترتيب بنوده ما يوحي وكأن جوهر المشكلة السورية ومحتواها لا يكمن في النظام الذي باشر الحرب على الشعب، ولا في المعارضة التي أعطت النظام كل المبررات لارتكاب الجرائم والمجازر الوحشية والاستعانة بالأجنبي الذي مارس توحشاً غير مسبوق بحق سوريا وشعبها ومقدراته بل إنَّ جوهر المشكلة كامن في الشعب السوري ذاته..!

بالطبع لا يوجد سوري واحد، فيما أعتقد، يرفض عودة السوريين بعضهم إلى بعضهم، وإنهاء حالة الاحتراب ما بينهم، والخلاص كلياً من زيادة سفك الدماء، ومن الخراب والتدمير والهجرة والتهجير والسجون والمعتقلات، ومضاعفة آلام الناس، وتعميق جراحها وأحزانها، وإعادة بناء الاقتصاد الوطني الذي دمرته الحرب، ولعب فيه الفاسدون الذين أفرزهم النظام ورعاهم على مدى خمسين عاماً دوراً تخريبياً إضافياً.. فالسوري اليوم في أسوأ حال، ولعله أشبه ما يكون بالغريق الذي يتعلق بقشة، فهو لا يرفض أي حل، مهما كان شكله أو أسلوبه، ومع ذلك فثمة سؤال، أو عدة أسئلة تفرض نفسها، وأهمها: أتراها هذه اللجنة قادرة على أن ترمِّم ما قد خربَّه من تمثلهم؟! ما يعني هل تستطيع ليَّ ذراع من أشرف على تسميتها وارتضاها هيئة ترسم المسار السوري بما يخدم حاجات الشعب السوري وتطلعاته نحو دولة تقوم على أسس ديمقراطية.. دولة تخلصهم من كل من يحسب، إذا ما أصبح في موضع القرار، أن الدولة مزرعة لأمه وأبيه..

الحقيقة إن هذه اللجنة المسماة بالدستورية قد أعادتنا إلى المربع الأول وإلى بدايات الصراع، وإلى تعنت طرفيْ الصراع بمواقفهما رغم كثرة الوساطات والمبادرات والاقتراحات التي قدمت لهما.. وكلها نصَّت على إيجاد هيئة حكم انتقالية تمثل الشعب السوري، وتسعى إلى دولة مدنية ذات نظام ديمقراطي، تعددي، فمن مبادرتي جامعة الدول العربية الأولى في 10 أيلول 2011 المتضمنة خطة للانتقال إلى نظام ديمقراطي والثانية في كانون الثاني عام 2012 التي نصت على تسليم الأسد صلاحياته إلى نائبه فاروق الشرع، وقد رفض النظام الاثنتين طبعاً، ليأتي مؤتمر جنيف1 في حزيران 2012 ويصدر بياناً يقضي بتأسيس هيئة حكم انتقالية كاملة الصلاحيات التنفيذية وتعدُّ المرجع الرئيس للقضية السورية.. وفي أيلول 2013 صدر القرار 2118 عن الأمم المتحدة وعدَّ أهم مرجع للعملية السياسية استند إلى خطة كوفي أنان ثم أتى مؤتمر جنيف2 في 22 كانون الثاني 2014 الذي أفضى إلى نزع سلاح النظام الكيميائي بعد مجزرة الكيميائي في غوطة دمشق التي ارتكبها النظام. وفي العام 2015 اجتمعت سبع عشرة دولة في فيينا في أكتوبر ونوفمبر بغياب ممثلين عن المعارضة والنظام، واتفقت على السعي لوضع أطر للانتقال السياسي، وتشكيل حكومة انتقالية، وإجراء انتخابات وعقد مباحثات بين النظام والمعارضة.. وفي كانون الأول 2015 صدر عن مجلس الأمن القرار 2254 ما شكل منعطفاً جديداً، وعقدت جولة جديدة في جنيف حضرها ممثلو النظام في كانون الثاني 2016 لكنها توقفت إذ اعترضت المعارضة على مهاجمة قوات النظام لمدينة حلب، وبعدئذ دخل الطرفان في أنفاق أستانا والخداع السياسي للروس، وتفوقهم العسكري، ليحقق النظام تفوقاً عسكرياً قاد إلى هذه اللجنة..!

إن تلك الفرص التي أعطيت لحلول موضوعية تلبي حاجات الشعب السوري لم تكن مجرد زمن طويل أهدر، بل كانت مجالاً للفتك بسورية وبمقدراتها، وترحيل شعبها، وتدمير اقتصادها، وتمكين الفاسدين منه واستدعاء الأغراب للسيطرة على ثرواتها، والتحكم بقرارها السياسي.. ومما يؤسف له أن تلك الفرص قد أضاعها طرفا الصراع نظاماً ومعارضة، وإن بنسب مختلفة، إذ يتحمل النظام الوزر الأكبر.. فما أعلنه “علي حيدر” وزير ما يسمى بـ “المصالحة الوطنية” قبل أيام من انعقاد جنيف 2: “لا تتوقعوا شيئا من جنيف 2، فلن يحل جنيف 2 أو جنيف 3 أو 4 الأزمة السورية. الحل بدأ وسيستمر عبر الانتصار العسكري للدولة”. وهو ما حصل بالفعل.. إذ استدعى النظام الروسَ ليمارسوا أبشع جرائمهم بحق الشعب السوري، فقد دمروا سورية بالكامل، وضغطوا، في النهاية، قليلاً على النظام لتبييض وجههم ووجهه أمام العالم (فهم بحاجة إليه لترسيخ ما حصلوا عليه..).

قد يرى بعضهم أنَّ المعارضة لم يعد بيدها شيء، وفعلها مبرر بعذابات الشعب السوري التي لم تعد تحتمل.. قد يكون ذلك صحيحاً! لكن النظام مخنوق أيضاً، وربما أكثر! فهو مخنوق أولاً، بما ارتكبه من فظائع وجرائم، وهو مخنوق بالوضع الاقتصادي المتهالك، ومخنوق بقهر الشعب الذي أخذ أنينه الغاضب يرتفع..! وهو مخنوق بذلِّه أمام من سيَّدهم عليه..! وهو أخيراً، مخنوق بتفاقم الفساد الذي قد يدفع الشعب لفعل ما.. فلا أحد يظن بأن النظام قادر على النيل من الفاسدين، فهذا مستحيل إذ كلهم من عظم الرقبة..!

أما إذا كانت المعارضة حريصة، فعلاً، على لأم جراح الشعب السوري، ووحدة سورية، فعليها أن تمُدَّ جسوراً مع سوريي الداخل.. فهل تقدر؟ أم إنَّ الارتهان قد وضعها في طريق واحد لا غير..؟!

تلفزيون سوريا

عن المواقف من اللجنة الدستورية السورية/ حسين عبد العزيز

ما أن أعلن الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريس، انبثاق اللجنة الدستورية إلى النور، حتى اختلف السوريون المعارضون حولها اختلافا حادّا، بين مؤيد لها ومعارض شديد المعارضة. وقد يكون تباين المواقف هذا طبيعيا بسبب تعقيدات الملف السوري بمجمله، وفقدان الأمل في تحقيق الأهداف المرجوة، فضلا عن اختلاف أهداف الشخوص الفاعلة في الميدان السياسي والعسكري عن تلك غير الفاعلة. وتتطلب معاينة جوهر الاختلاف قراءة الخلفيات المؤسسة لهذه المواقف: طرف يمارس العمل السياسي في إطار الممكن والمتاح، ويخضع لأجندات إقليمية ودولية غصبا عنه، وطرف هو شخوص فردية بعيدة تماما عن اللعبة السياسية، وتصدر مواقفها من بعيد وهي متحرّرة من أي ضغوط خارجية، باستثناء ضغوط الضمير والعدالة. ولا يعني هذا دفاعا عن المؤيدين للجنة، وإنما هي محاولة لتشخيص مواضع الطرفين، كحامل أيديولوجي أو كموجه معياري في إصدار الموقف السياسي. ولذلك، كان طبيعيا جدا أن تكون المواقف من اللجنة الدستورية متباعدة، بسبب الخلفيات التي ينتمي إليها كل طرف، من دون أن يعني ذلك اتهام الطرف المؤيد بالغباء السياسي أو التلميح بعمالتهم، ومن دون أن يعني في المقابل اتهام القاعدة الشعبية والمراقبين للشأن السياسي بأنهم سذّج، وغير مدركين الحقائق الماثلة. ويصدر موقف الطرف المؤيد للجنة معطيات مهمة، يجب أخذها بالاعتبار:

أولا، صدرت اللجنة الدستورية من الأمم المتحدة وتحت إشراف المبعوث الأممي إلى سورية غير بيدرسون، مع ما يعنيه ذلك من أن مرجعية اللجنة هي مرجعية الأمم المتحدة، لا مرجعية أستانا أو سوتشي، وهذا تفصيل مهم، لأنه يقطع الطريق على الجهود الروسية الحثيثة خلال العامين الماضيين في اجتراح مسار سياسي، يكون بديلا عن مسار جنيف.

ثانيا، أن مسار العملية الدستورية سيكون بموجب القرار الدولي 2254 الذي يعتبر المرجعية القانونية ـ السياسية للحل. وصحيح أن بعض فقرات القرار قد طوى عليها الزمن، وأصبحت لا تلبي الواقع القائم، وصحيح أيضا أن البدء باللجنة الدستورية يخالف الترتيب الصريح للسلال وفق منطوق البند الرابع من القرار الدولي “.. تقيم في غضون فترة مستهدفة مدتها ستة أشهر، حكما ذا مصداقية يشمل الجميع ولا يقوم على الطائفية، وتحدد جدولا زمنيا وعملية لصياغة دستور جديد، ويعرب كذلك عن دعمه انتخابات حرّة ونزيهة تجرى، عملا بالدستور الجديد..”. ولكن الصحيح أيضا أن نتائج الدستور، أو مضمونه، ستحدد آلية العمل السياسي الانتقالي، وأهمها العملية الانتخابية التي ستكون حرة ونزيهة، وفقا للدستور الجديد بحسب البند الرابع نفسه.

وكان المبعوث الأممي السابق، دي ميستورا، قد ميز بوضوح قبل عامين بين التفاوض السياسي والترتيب الزمني على أرض الواقع، فالبدء بمناقشة سلتي الدستور والانتخابات لا يعني تجاوز الترتيب الزمني الذي حدده القرار 2254، فعلى أرض الواقع يجب أن تستهدف عملية التغيير شكل الحكم، ولكن انطلاقا من الدستور والانتخابات.

ثالثا، انبثاق اللجنة الدستورية يعني عمليا خروج هيئة ذات اعتراف قانوني، ليس من المجتمع الدول فقط، بل الأهم من النظام السوري ذاته، أي اعترافه ضمنيا بالمعارضة ندا وشريكا في إيجاد الحل.

رابعا، وهو الأهم، المعارضة السياسية غير قادرة على رفض اللجنة، لأن قرار اللجنة دولي، بالتوافق مع اللاعبين الإقليميين، وفي مقدمتهم تركيا.

وكما لم تستطع المعارضة العسكرية رفض مطالب أنقرة بالتخلي عن مدينة حلب نهاية عام 2016، لا تستطيع المعارضة السياسية إبداء الرفض، لا لتركيا ولا للولايات المتحدة ولا للجماعة الأوروبية.

وفي المقابل، للطرف المعارض للجنة الدستورية حجته السياسية والأخلاقية أيضا:

أولا، نقلت هذه اللجنة الصراع السوري ـ السوري من مستواه الحقوقي ـ الأخلاقي إلى مستواه السياسي المحض، أي أنها اختزلت هذا الصراع إلى مجرّد خلافات حول الصياغة الدستورية ليس إلا.

ثانيا، ساوت اللجنة الدستورية بين الجلاد والضحية ووضعتهما في درجة واحدة، وبالتالي شرعنت النظام السوري بطريقة أو بأخرى.

ثالثا، تشكلت من دون أن يتم توضيح هدفها الرئيس، هل هو تعديل دستور 2012 أم تشكيل دستور جديد بالكامل؟ فقد أتى حديث بيدرسون عن إعداد وصياغة إصلاح دستوري يُطرح على الاستفتاء. وتعني هذه العبارة أن للنظام والمعارضة الحرية في اقتراح ما يرونه مناسبا، سواء مراجعة دستور 2012 أو دستور 1950 أو حتى دستور جديد بالكامل. بعبارة أخرى، لقد ترك تحديد هوية الدستور شكليا للتفاوض السوري ـ السوري، وعمليا للتفاهمات الدولية.

رابعا، أي قرار يصدر عن اللجنة يتطلب إجماع 75% من الأعضاء الـ55، بمعنى ضرورة تحصيل 112 ـ 113 صوتا، وهذا يبدو مستحيلا.

خامسا، قد تتطلب العملية الدستورية سنوات، وهي على الأغلب ستحتاج وقتا طويلا، ووفقا لذلك، سينحصر الضغط الدولي، إن وجد، على اللجنة فقط، وسيُترك النظام على حاله ريثما تنتهي عملية كتابة الدستور.

لكلا الموقفين حججه الموضوعية، لكن الأهم أن هذا الخلاف في مجمله مهم جدا، لأنه أداة ضغط على السياسيين في المعارضة من أجل أخذ رأي القاعدة الشعبية المعارضة وموقفها بالاعتبار، واستغلالها إيجابيا في سلوكها ومواقفها عندما تبدأ اللجنة أعمالها فعليا. وهذه اللجنة ستشكل تحدّيا كبيرا للمعارضة، واختبارا لمدى قدرتها على ولوج مجاهل الدروب السياسية للقوى الدولية الفاعلة ومتاهاتها.

العربي الجديد

اللجنة الدستورية ما لها وما عليها/ منير شحود

حتى لا نغرق في التفاؤل أو التشاؤم، بخصوص تشكيل اللجنة الدستورية ومباشرتها لعملها قريبًا، لا بد من محاولة الحكم عليها بصورة موضوعية، إذ إن مهمة اللجنة، كما يُراد لها، هي وضع دستور لسورية المستقبل. والدستور، كما هو معروف، هو الأساس الذي تنبثق عنه القوانين وهيكلية الإدارات والعلاقة بين السلطات وإقرار الحريات العامة وغيرها.

من حيث المبدأ، الخطوة ضرورية، ومن إيجابياتها التذكير بأنْ لا مهرب من التغيير، مهما طالت الحرب وتعفن الواقع وكثرت التدخلات الخارجية، وهي محاولة لكسر الجمود السياسي أيضًا، بانتظار الحل الحقيقي المستند إلى توافقٍ دولي أوسع على حلّ ما للمسألة السورية. لن يكون هذا الحل بالطبع في مصلحة السوريين على المدى القريب، لكنه في مصلحتهم على المديَين المتوسط والبعيد، حين سيضطر المتنافسون الخارجيون إلى الإقرار بأن سورية موجودة وستستمر، وأن أهلها هم من سيديرون شؤونها في نهاية المطاف، ولو تحت الهيمنة الدولية وبشروطها إلى حين؛ لأن البديل الأخطر هو إمكانية انتقال الحرب بالوكالة إلى حروب مباشرة بين الحلفاء – الأعداء، وهذا ما لا يريده الجميع، منذ البداية.

من جهة ثانية، يتقاطع تشكيل اللجنة الدستورية مع ما صدر عن مؤتمرات جنيف الأخيرة، التي انتهت بإقرار السلال الأربع: الدستور والانتخابات والانتقال السياسي والإرهاب، وحصل الخلاف وقتها على الأولويات؛ ما بين رغبة النظام في مناقشة مشكلة الإرهاب أولًا، ورغبة المعارضة في التركيز على عملية الانتقال السياسي. وبانتظار تنشيط مسار جنيف للحل السياسي أو دمج الجهود الدولية في كلّ من جنيف وأستانا، تبقى اللجنة الدستورية مجرد خطوة للتذكير بأن ثمة حلًا سياسيًا ما زال يلوح في الأفق.

لكن اللجنة الدستورية تعاني معضلات كثيرة، تجعل احتمال نجاحها في الوصول إلى دستورٍ، يؤسس لحياة السوريين في المستقبل، أمرًا في غاية الصعوبة. أولى هذه المعضلات هي تحكّم الأطراف الخارجية في تشكيلها، وما سيتبع ذلك من التدخل في سير أعمالها ومخرجاتها، كاستمرار لحالة تقاسم النفوذ، لكن من خلال بنود الدستور المزمع وضعه هذه المرة، وبالتالي التحكم في نظام الحكم المنتظر والسياسات وطريقة الحوكمة؛ إنها وصاية دولية مجتزأة وغير شرعية، وتحتاج، من أجل شرعنتها من قبل الأمم المتحدة، إلى العودة إلى جنيف، بما يعنيه ذلك من ضرورة إشراك الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي في العملية السياسية من جديد.

وثانيتهما أن اللجنة تبدو وكأنها تخطو في الفراغ، محاولةً إنزال الحل السياسي بالباراشوت، والحرب ما زالت قائمة، وليست في سياق إجراءات عدة تتطلبها عملية الانتقال السياسي، بخاصة توفير الظروف الملائمة للتعبير السياسي والمشاركة الواسعة في الحوارات، فباستثناء وسائل الإعلام الاجتماعية، كمساحة متوفرة للتعبير الحذر والمحدود عن الرأي، ما زالت أغلبية السوريين ترزح تحت مختلف أشكال الاستبداد في معظم المناطق، إن لم يكن في جميعها.

وثالثة المعضلات هي الترهّل العددي، الأمر الذي يتطلب وقتًا طويلًا لمناقشة أي بند، وبذلك سيستمرّ عمل اللجنة سنوات، وربما هذه هي مهمتها الأساس؛ أي استهلاك الوقت حتى يحصل التوافق النهائي على طبيعة الحل، عندئذٍ، تذهب اللجنة ومخرجاتها أدراج الرياح. من الناحية العددية، كانت تكفي مجموعة الأمم المتحدة وتزيد، بشرط شمول تمثيلها، واحتوائها على ذوي الاختصاص.

وتتمثل المعضلة الرابعة في آلية اتخاذ القرار، فإذا كان إقرار أي بند يحتاج إلى أغلبية 75 بالمية من الأصوات، أي 113 صوتًا، فإن اعتراض أي مجموعة من المجموعات الثلاثة سيلغيه، وهذا ما ينطبق على مجموعة النظام على وجه الخصوص، إذ تكفي نظرة سريعة على أسماء هذه القائمة لتبيان القصد من حشرهم معًا، ليس لمؤهلاتهم في إعداد الدساتير بالطبع، إنما ليكون لهم رأي معطل. كما ينطبق ذلك على قائمة المعارضة بدرجة أقل؛ بسبب طغيان النفوذ التركي عليها، مع ذلك، فإن التنوع النسبي في هذه القائمة يجعل من الصعب أن يتخذ أعضاؤها موقفًا موحدًا.

المعضلة الخامسة هي إهدار الوقت الثمين، وإذا كان تشكيل اللجنة قد احتاج إلى سنتين، فكيف ستسير الأمور في العمل على إنجاز المهام في ضوء عدم استقلالية القرارات، واضطرار الدول الراعية إلى الاجتماع من وقتٍ إلى آخر، من أجل التوفيق والتوافق لإقرار المواد الدستورية ذات الحساسية الخاصة. وبحسبة بسيطة؛ فقد يستمر عمل اللجنة سنوات في مثل هذه الظروف، وهذا يعني أنها ميدان للتسويف والمماطلة، وأنها بعيدة كل البعد من تحمُّل المسؤولية الجسيمة التي أنيطت بها.

ما سبق يشير بوضوح إلى أن الظروف التي أحاطت بتشكيل اللجنة الدستورية وتحكّم أطراف أستانا فيها، وعدم حيازتها على توافق دولي حاسم، يجعل مهمتها صعبة الإنجاز، وتعبيرها عن مصالح السوريين منقوصًا، حتى لو أراد أعضاؤها ذلك، فهي معدّة لتقبل الإملاءات وإرضاء الدول التي شكلتها. أما الدور الذي تمارسه الأمم المتحدة، كغطاء لهذه اللجنة، فيشير إلى الحالة البائسة التي وصلت إليها هذه المنظمة الدولية، واضمحلال دورها في ظروف تضارب مصالح الدول، وبخاصة تلك التي تمتلك حق “الفيتو” في مجلس الأمن الدولي.

إن الخطأ ليس في اللجنة الدستورية بحد ذاتها، إنما في محاولة عزلها عن بقية إجراءات الانتقال السياسي، فتبدو وكأنها خطوة استباقية لقطع الطريق على جنيف، ومحاولة أخرى لتمرير الحلّ الروسي شبه المستحيل، والذي كان قد اصطدم بعقبتي إعادة الإعمار، واستطرادًا، عودة اللاجئين، من أجل أن تحقق دول تحالف أستانا أكبر قدر من المكاسب في هذه المرحلة التاريخية الحافلة بالتغيرات.

في الختام، يمكن القول إن اللجنة الدستورية، المنبثقة عن مؤتمرات أستانا وسوتشي، هي العربة الروسية – التركية – الإيرانية التي تمّ وضعها أمام سكة الحل السياسي الدولي في جنيف، هذا الحل الذي يحوز على أكبر إجماع دولي، ولا تعني مشاركة الأمم المتحدة، ممثلة بالمبعوث الأممي إلى سورية، إلا إضفاء شرعية شكلية، هي، على الأغلب، انعكاس لموافقة الولايات المتحدة بصورة ضمنية على تشكيل اللجنة، بانتظار ترتيب المواقف والمصالح في مرحلة لاحقة.

جيرون

اللجنة الدستورية والفهم الأعور للواقعية السياسية/ نادر جبلي

لم أفهم كل هذا الصخب الذي انطلق بُعيد إعلان تشكيل اللجنة الدستورية المُولَّجة بكتابة دستور جديد للبلاد، بحسب رواية المعارضة، أو تعديل الدستور القائم، بحسب رواية النظام. وكأن الحدث كان غريبًا ومفاجِئًا.

الواقع أن إعلان تشكيل اللجنة ليس إلا محطة جديدة من محطات هذا القطار المنطلق بثبات، منذ سنوات، نحو الهاوية؛ منذ أن بدأ ممثلو المعارضة السورية بتقديم التنازلات واحدًا تلو الآخر، تحت ذريعة الواقعية السياسية، التي يجري التعبير عنها بمقولات مثل: حقن الدماء، عدم ترك الساحة للآخرين، تجنُّب ما هو أسوأ، لا يوجد خيار أفضل، السياسة فنّ الممكن… حتى وصلنا إلى هذا الدرك: اللجنة الدستورية.

محطات كثيرة مرّ بها هذا القطار، مدفوعًا بضغوط حلف المنتصرين (النظام وروسيا وإيران)، وتخلِّي الآخرين، وتنازلات المعارضين. ومع كل محطة/ تنازل كانت المعارضة تفقد بعضًا من أوراقها، وبعضًا من مكانتها، وبعضًا من شرعيتها. ومع كل محطة، كانت حظوظ السوريين بالخلاص تبتعد.

ألم تكن مشاركة المعارضة المسلحة بمسار أستانا خطيئة قاتلة، كسرت ظهر المعارضة السياسية بانتزاع ورقة الفصائل المقاتلة من يدها، وأضعفت مسار جنيف التفاوضي بنقل قيادة العملية السياسية، من يد الأمم المتحدة والمجتمع الدولي إلى يد روسيا، وسمحت للنظام وحلفائه باستفراد مناطق المعارضة واحدة تلو الأخرى، والسيطرة عليها عبر اختراع مناطق خفض التصعيد وما تلاها من ضغط فـ (مصالحات) فتهجير..؟ ومقابل ماذا؟ هل تمكن أبطال أستانا، عبر 13 جولة محادثات، من إخراج معتقل واحد من سجون النظام، أو إيقاف سقوط برميل واحد على رؤوس الناس، أو ضمان أمن أو حياة شخص واحد، أو إدخال علبة حليب لطفل جائع في منطقة محاصرة؟. ثم ألم تكن جلسة واحدة أو جلستان كافيتين لاتضاح الصورة، على فرض أنها لم تكن واضحة؟ أم إنه ضغط الضامن التركي الذي لا يُرد؟ أم إنه حبّ التفرد والقيادة والظهور، مرض السوريين العام؟ أم كلاهما؟

ألم يكن القبول بإعادة تشكيل هيئة التفاوض، وإبعاد العناصر الصلبة منها، وإضافة منصتي موسكو والقاهرة وهيئة التنسيق إليها، على قدم المساواة، سقطةً كبرى، زادت الهيئة ضعفًا وتشتتًا وهشاشة، وأضعفت قدرتها على التفاهم فيما بينها، وفخختها بعناصر من صنع النظام وحلفائه؟ (أقصد منصة موسكو تحديدًا).

وماذا عن السير في لعبة دي ميستورا، لتفريغ القرارات الدولية من مضمونها بتوجيه من موسكو، بدءًا بلعبة السلال الأربع وصولًا إلى تغليب السلة الدستورية وتجاهل ما عداها؟ ألم تكن سقطة مهولة أيضًا؟

قبول المعارضة بالانخراط في العملية الدستورية حصرًا كمدخل وحيد للحل السياسي، وتجاهل كل ما يتعلق بتشكيل هيئة الحكم الانتقالي كمقدمة لتوفير مقومات الانتقال السياسي، ومنها الدستور، على ما جاء في القرار الأممي 2254، أفقد المعارضة ورقة القوة الوحيدة التي تملكها، والتي كان من المفترض أن تعضَّ عليها بالنواجذ. وقدّم لروسيا ولتحالف الأعداء فرصة ذهبية لدفن ذلك القرار الوحيد والثمين الذي يعترف للسوريين بشيء من حقوقهم التي دفعوا من أجلها كل هذه الأثمان. ورفع الحرج عن كاهل المجتمع الدولي الذي كان، قبل قبول المعارضة بالعملية الدستورية، ملزمًا، نظريًا وأدبيًا، بمتابعة تطبيق قراراته وفرض احترامها..

ما نحن فيه الآن، أي اختزال القضية/ المأساة السورية بمجرد دستور ولجنة دستورية، ما هو إلا نتيجة، تحصيل حاصل، لكل هذه المسيرة المخزية لمعارضة بائسة، لم تستطع يومًا تجاوز أمراضها، ولا خلافاتها، ولم تستطع تمييز الهدف والطريق. وسرعان ما تاهت تحت ضغط الظروف وتعقيدات الواقع، وسرعان ما ارتهنت لقوى خارجية لم تتردد في استثمارها وتوظيفها في أجنداتها الخاصة، البعيدة كل البعد من هموم السوريين ومصالحهم.

عندما سألت أحد الائتلافيين ذات يوم عن سبب قبولهم بخالد خوجا رئيسًا للائتلاف، قال: “نحن مجبرون، تركيا فرضته علينا”. قلت: وماذا لو رفضتم؟ قال: “سنُطرد من تركيا، ونصبح بلا دعم ولا مأوى”. قلتُ له أوليس ذلك أفضل لكم، وأحفظ لكرامتكم، ولاستقلالية قراركم، ولمكانتكم بين السوريين، ولقيمتكم بين الدول؟!

أعطَينا الانطباعَ منذ اللحظة الأولى أننا قابلون للضغط وجاهزون لتقديم التنازلات، حتى دون أي مقابل. ودائمًا الذريعة إياها، الواقعية السياسية..

نعم للواقعية السياسية، فتجاهلها يعني الانتحار، لكن ثمة فرق كبير يجب إدراكه بين الواقعية السياسية والتفريط والتنازل المجاني.. فعندما يصبح واضحًا للأعمى أن النظام وحلفاءه لم ولن يغيّروا شعرة من سلوكهم وبرامجهم، مهما قدمت لهم من تنازلات، فعلامَ التنازلات إذن؟

اليوم، نحن أمام مشهد حزين.. لجنة دستورية، هي كل ما تبقى من العملية السياسية، يُراد منها دفن فكرة الانتقال السياسي، الذي هو أمل السوريين الوحيد ورجاؤهم. يتحكم فيها الروسي، حليف النظام وشريكه حتى النهاية في قتل السوريين ووأد ثورتهم. يتفاوض فيها فريقان: نظام دموي يرى نفسه منتصرًا، وهو الذي لم يقدّم أي تنازل عندما كان في أسوأ لحظاته. ومعارضة ضعيفة مشتتة مخترقة مرتهنة لا تملك من أمرها شيئًا. ومجتمع دولي ناءٍ بنفسه، مُسَلِّمٌ بالقيادة الروسية للمسألة السورية ضمن تفاهمات معينة. فماذا نتوقع من مشهد كهذا؟

شخصيًا، ليس عندي أيّ وهم حول جدوى عمل اللجنة، وما يمكن أن تجود به، فهي ضمن هذه البيئة وموازين القوى المشار إليها، ليست إلا أداة لتصفية الحراك الثوري، ودفن أحلام السوريين بالتغيير، وإعادة تأهيل وشرعنة النظام، ربما مع بعض الرتوش، والعودة إلى ما قبل آذار 2011 وكأن شيئًا لم يكن..

سيُغرق النظام اللجنة بالتفاصيل والمشاكل، وما أكثرها في مسألة معقدة كالدستور، وما أسهل المهمة على خبير محنّك كالنظام! وسيدور الجميع في حلقة مفرغة لسنوات، مع الطنين والضجيج الذي يوحي للسوريين وللعالم بأن عملًا ما يحدث. إلى أن ينتهي النظام وحلفاؤه من حسم الأمور على الأرض، واستعادة السيطرة على المناطق، وإيجاد التسويات اللازمة لإعادة تأهيل النظام. وعندها سيأتي من سيدفن هذه اللجنة بكلمة واحدة.

الاختراق غير ممكن، واللعبة ممسوكة بقوة، والطنين والضجيج هو المُنتج الوحيد المطلوب من هذه اللجنة، هذا بالتحديد ما يحتاجه تحالف النظام لاستكمال مهماته الحقيقية، وهذا بالتحديد ما يحتاجه الغرب لإراحة ضميره وتبرير تخليه، وربما هذا ما تحتاجه بعض المعارضة لإثبات أنها ما زالت تتنفس… ولو كانت هناك إرادة دولية حقيقية لفعل شيء؛ لما سُمح للروس بتمرير هذا الاختراع السام المسمى باللجنة الدستورية على جثة القرارات الدولية والانتقال السياسي.

هل ثمة ما يمكن عمله الآن؟

يبدو لي أن أفضل ما يمكن لوفد المعارضة عمله الآن هو التوافق على بعض المبادئ التي لا يجوز التخلي عنها، أو عن أي جزء منها تحت أي ظرف، والتي تمثل الحد الأدنى لما يجب التمسك به، ولما يعتبر التخلي عنه تفريطًا بكل تضحيات السوريين وطموحاتهم. من هذه المبادئ، وعلى رأسها، عدم القبول بترشُّح الأسد أو أي من أركان نظامه لأي استحقاقات سياسية قادمة. (سأقترح بعض هذه المبادئ في دراسة قريبة لي عن اللجنة الدستورية)

التوافق “الصلب” على هذه المبادئ من قبل عدد كبير من أعضاء فريق المعارضة، وربما عدد من أعضاء الفريق المحايد، (فريق الأمم المتحدة)، والإعلان عنها، يؤدي، بحسب اعتقادي، غير فائدة في غير اتجاه، فهو يُطمئن السوريين أولًا إلى أن الحد الأدنى من حقوقهم وطموحهم سيكون مصانًا، وهو يمنحهم معيارًا للرقابة على أداء الفريق المعارض، وبالتالي مقدارًا من الثقة به، يتعزز ويكبر مع الأداء الملتزم. وهو يُرسل رسالة قوية، إلى الرُعاة والمجتمع الدولي، مفادُها أن ثمة سقفًا للتنازلات لن يتم تجاوزه تحت أي ضغط، وأن عليها الضغط على الطرف الآخر، إذا أرادت لهذه اللجنة الاستمرار أو الإنجاز. وهو أخيرًا يمنح الفريق المعارض مقدارًا من الوزن والقيمة هو بأمس الحاجة إليه، سواء لدى السوريين أو لدى الخصوم أو لدى المجتمع الدولي..

صحيح أن وزن المعارضة، بجناحيها السياسي والعسكري، أصبح صفرًا في معادلات القوة، إلا أن ثمة وزنًا محفوظًا لها بحكم الحاجة إلى توقيعها وموافقتها على تمرير التسويات، وهذا ما لا يمكن تجاوزه، ويجب وعيه والتعويل عليه. ويبقى رضى الناس هو الوزن الحقيقي الذي يغير المعادلات.

السوريون بين الدستورية والديمقراطية/ موفق نيربية

قام المتظاهرون في منطقة إدلب- سوريا يوم الجمعة الماضي برفع شعار «اللجنة الدستورية شرعنة للنظام، وخيانة للثورة»، تعبيراً عن الغضب العارم من إعلان الاتفاق على تشكيل تلك اللجنة بشكل رسمي من قبل الأمين العام للأمم المتحدة ومبعوثه غير بيدرسون، وعلى ما يعنيه ذلك من احتمال أن يصبّ في تيّار إعادة تأهيل النظام، وينحرف بالمسار ابتداء من دستورٍ، لا من تشكيل هيئة حكم انتقالية كان بيان جنيف 2012 قد أعطاه الأولوية على أي خطوة أخرى في العملية السياسية.

بتعبير آخر، يقول سوريون كثر إننا ثرنا من أجل الحرية والكرامة، وليس من أجل دستور لن يغيّر شيئاً، مع نظامٍ لم يعرف تطبيق الدستور في حياته الطويلة. المسألة هي الانتهاء من هذا النظام ونيل الحرية أولاً، ثم نصل إلى صناعة الدستور وتصديقه. وكان المسار العملي محرّضاً لهذه الهواجس، من خلال الطروحات الروسية التي وصلت إلى حدّ تقديم مشروع روسي للدستور. واستخدمت تلك الاستراتيجية لحرف الأنظار عن مسائل وقف إطلاق النار وتحرير المعتقلين، وحتى عن مراحل مسار جنيف، الذي يضع الجميع في غرفة واحدة بشكل مباشر.

وهنالك وجوه أخرى للموضوع، منها ما يقدمه أرشيف الأمم المتحدة من جهود حل النزاعات في أكثر من مكانٍ في العقود الثلاثة الأخيرة، إذ غالباً ما كانت تعتبر تصنيع مشروع الدستور، مكوّناً حيوياً في حلّ النزاعات والمصالحات الوطنية. ومن حصيلة تلك الخبرات أهمية الانتباه إلى المسائل الأمنية، التي يمكن أن تمنع حدوث مسار دستوري بشكل شفاف ومفتوح، وحدث ذلك في إثيوبيا وكمبوديا مثلاً (كما ورد في إحدى أوراق الأمم المتحدة عام 2003). وكذلك التنبيه من التداخل ما بين ذلك المسار ومسار التوصل إلى اتفاق سلام، كما حدث في البوسنة والهرسك أو في زيمبابوي. ينبغي أيضاً تفكيك مكونات (متفجرات) الميدان، خصوصاً تلك التي تنعكس مباشرة على الحوار الدستوري، مثل ضبط العلاقة عملياً بين جميع أصحاب المصلحة وتأمين التوافق بينهم. فقد ساعد السياق الدستوري في نيكاراغوا أواخر التسعينيات مثلاً على التوصل إلى اتفاق بين الأطراف المتصارعة بعد سنتين أو ثلاث سنوات، إلا أن نقاطاً مهمة بقيت بدون اتفاق مبدئي حولها، حتى انتهى النزاع واضطر الجميع إلى العمل ثانيةً على تعديل الدستور من جديد، بما في ذلك نقطة أساسية في طبيعة وتفصيل الديمقراطية المطلوبة.

أثبتت التجارب الأممية السابقة أيضاً، أنه عندما يتحرك قطار الحوار حول الدستور والنزاع مازال ساخناً ومستمراً، لا يمكن لذلك أن يساعد على التوصل إلى عملية سياسية، فهنالك حدٌ أدنى من الشروط التي ينبغي توفيرها قبل بداية النقاش الدستوري، ومن ذلك ضمان وقف نهائي مقنع لإطلاق النار والعمليات العسكرية والأمنية.

في سوريا، هنالك حساسيات كبيرة تختبئ أحياناً خلف عناوين مخادعة أخرى. من ذلك ما يتعلق بحقوق الأكثرية والأقلية، والتعارض الحتمي ما بين حقوق «المواطنة المتساوية» المطلوبة والأساسية، وحقوق المكونات أو الأقليات أو ما شئتم من تسميات تثير بذاتها حساسيات كبيرة. يطمح المكوّن الرئيس إلى دولة ديمقراطية واضحة، تسود فيها وتحكم الأكثرية النيابية، أو تلك التي تنتخب الرئيس، في نظام برلماني أو رئاسي، في حين يتمسك أيّ مكوّن له هواجسه ومخاوفه المشروعة، بأن يحظى بضماناته من خلال الدستور. يكون الشعب في الحالة الأولى مجموع أفرادٍ مواطنين وحسب، وفي الثانية تُضاف سمة أخرى هي كونه مجموع «مكونات».

هكذا تـَشكَّل في بلدان عديدة خطان: أحدهما دستوري، وآخر ديمقراطي، وللطرف الأول في الولايات المتحدة اسم آخر هو «الجمهوريون». يشدّ الديمقراطيون هنالك باتجاه التمثيل الأكثري الذي يحظون به غالباً، ويشدّ الجمهوريون باتجاه التمثيل المعتمد على الانقسام إلى ولايات متباينة، وتلعب دوراً في تشكيل مجلس الشيوخ بإرادات محلية، وكذلك في حساب الأصوات في الانتخابات الرئاسية.. وغير ذلك.

في سوريا، ليس لدى الديمقراطيين رغبة واضحة في التخلي عن حقوق المواطنة المتساوية التي تتشكل من خلالها الأغلبية والأقلية، وذلك طبيعي بالنسبة لهم، يستعيدون به إرادتهم المسلوبة لعقودٍ طويلة، وينهون استبداداً مشهوداً في تاريخ البشرية الحديث. ومن جهة مقابلة، ليس لدى الدستوريين أي سبب للتنازل عن حقهم بضمانات كافية مسبقة القواعد والنواظم، تمنع عنهم شر أي طغيانٍ محتمل لمكون الأكثرية، عندما يتجسد ذلك بأكثرية انتخابية، ذات سلطات غير محدودة في الدستور، إضافة إلى ذلك، هنالك «حملة أسهم» كبار من خارج السوريين أنفسهم، يتفق أغلبهم مسبقاً على دستورية الحل المقبل للقضية السورية.

فإن كان الروس يرغبون بشكل ثابت على طول المسار افتراضاً، بأن يكون ذلك المسار مدخلاً لإعادة إحياء نظام الأسد وتأبيده، فأصحاب الأسهم الآخرون يكرهون ذلك، وقد نمت تلك الكراهية مع تطور تجربتهم مع ذلك النظام وسلوكه، وإلا فلم ترافق الإعلان عن تشكيل اللجنة الدستورية بخطوات باتجاه مساءلة النظام ومحاسبته، تقودها ألمانيا، وبتصريح لبومبيو حول استخدام الأسد للأسلحة الكيماوية في مايو المنصرم هناك، ثم بتصريح لبيدرسون حول أنه آن الأوان لتبادل واسع النطاق للأسرى؟

جاء تشكيل اللجنة الدستورية تنفيذاً لاتفاق في سوتشي أوائل عام 2018، للالتفاف على حالة الجمود التي أصابت المسار السياسي السوري، بفعل إصرار نظام الأسد على تحقيق تغييرات على الأرض تجعل ميزان القوى لصالحهم، وكذلك بدفع من حرصهم على التملص من أي التزام بالشرعية الدولية، وقرارات مجلس الأمن، رغم كونها قد شهدت تراجعاً مرةً بعد أخرى، من بيان جنيف إلى اتفاقات فيينا وصولاً إلى القرار 2254 الذي اعتمده قرار تشكيل اللجنة الدستورية من حيث المضمون أساساً له ومستنداً.

كان قرار مجلس الأمن ذاك بدوره طموحاً كما يبدو، حين تكلم عن مهلٍ زمنية ومخطط عملٍ محدد، رغم تأكيده في فقرته الأولى على تأييده لبيان جنيف وبياني فيينا، في إطار السعي إلى كفالة التنفيذ الكامل لبيان جنيف كأساس لانتقال سياسي. وتسليمه بالصلة الوثيقة بين وقف إطلاق النار وانطلاق عملية سياسية موازية، في فقرته الخامسة ثم الفقرتين التاليتين. وأكد القرار أيضاً في فقرتيه 12 و13 على مسألتي تحرير المعتقلين ووقف الهجمات ضد المدنيين فوراً. فوراً تلك كانت طويلة، واستغرقت حوالي أربع سنواتٍ حتى الآن. لقد عرقل النظام السوري تلك الخطوة لفترة طويلة.. جداً. فربما، لو أن أنصاره خرجوا – أحراراً- في تظاهرة سيكون شعارهم معاكساً، «اللجنة الدستورية شرعنة للثورة، وخيانة للنظام»، طبعاً بلغتهم المختلفة. وفي ذلك أيضاً بعض الحقيقة للمفارقة، لأن في الأمر اعترافاً من قبل النظام أكثر من أي مرة سابقة بالمعارضة على قدم المساواة.

بذلك قد تكون اللجنة الدستورية مدخلاً للشرور أو مخرجاً لها، وقد تكون خطوة جديدة في الفراغ، أو فتحاً سيجري تذكره في المستقبل بالخير، أو لعله مجرد مقدمة لتجميد الصراع، إلا أن الأكثر أهمية الآن ودائماً، هو التركيز على تهدئة الضجيج والتركيز على استعادة السوريين لوحدتهم على أساس ثوري، وتنظيم صفوفهم، الأمر الوحيد الذي يمكن أن يمكنهم من استعادة ما يخصهم من أسهم في قضيتهم.

كاتب سوري

القدس العربي

المعارضات السورية وضرورة تصحيح البوصلة/ علي العبدالله

أثار إعلان تشكيل اللجنة الدستورية وأسماء أعضائها ردود فعل متشنجة في صفوف قوى المعارضات السورية، جسّدتها حملات نقد للائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة وهيئة التفاوض وللشخصيات التي رُشحت لتمثيل المعارضة في هذه “اللجنة”. وقد تجاوزت حملات النقد والتقويم حدود النقد الموضوعي إلى التشهير والتخوين المبطن والصريح، في تعبيرٍ واضح ومباشر عن حالة البؤس السياسي الذي تعيشه هذه المعارضات، برموزها ومثقفيها.

ليس النقد الموجه إلى اللجنة الدستورية، في مبناها والقواعد الناظمة لعملها، هو المشكلة، فالجزء الأعظم من الملاحظات التي قيلت صحيح ومنطقي، لكنها قيلت في توقيت خاطئ، فغدت غير ذات شأن. لقد بدأ العمل على تشكيل اللجنة الدستورية منذ قرابة العامين، وكان قرار العمل على تشكيلها مناقضا مناقضةً صريحة قرار مجلس الأمن رقم 2254 ببنوده التي شكلت خريطة طريقٍ لحل سياسيٍّ توافقي بين النظام والمعارضة، تبدأ من تشكيل هيئة حكم انتقالي، لتنتهي بانتخاباتٍ رئاسيةٍ وبرلمانيةٍ مرورا بالإفراج عن المعتقلين، والكشف عن مصير المفقودين وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية إلى مستحقيها وإعادة هيكلة الجيش وأجهزة المخابرات في مرحلة انتقالية محدّدة المدة. المشكلة هنا تكمن في السماح بالقفز عن هذا المخطط بتقسيم ملف الحل السياسي إلى أربع سلال، والقبول بالعمل على سلة واحدة منها، هي سلة الدستور، مع أن المنطقي البدء بسلّة هيئة الحكم الانتقالي. لذا يمكن القول من دون تردّد إن توقيت توجيه النقد لا يكشف عن ضعف الحساسية السياسية لدى المعارضات السورية فقط، بل وعن عدم وجودها أصلا، فمقدمات تشكيل “اللجنة” كانت حاضرة بقوة ووضوح، والنتيجة، مبنى “اللجنة” وقواعد عملها، كانت تتحدّد خلال المشاورات والمواقف المعلنة من النظام وحلفائه، منذ شهور طويلة، وتم التعامي أو التغاضي عن السياق، وكأنه غير ذي شأن أو تأثير على مصير العملية السياسية ونتائجها المنتظرة. ولمّا جاءت النتيجة المرجّحة، تم الانقضاض عليها وكأنها هبطت من المجهول من دون مقدمات أو مؤشرات سابقة؛ كاشفا عن حالة تأخر سياسي مدمر، ينطبق عليها المثل

“خسرت هيئة التفاوض معركة التمسّك بآليات الانتقال السياسي، وبقي ألا تخسر الحرب على طاولة التفاوض”

الشعبي “رايح عالحج والناس راجعة”. كان المنطق السياسي يقتضي من المعارضات، قادتها ومثقفيها، الاعتراض على قرار إعطاء أولوية لسلة الدستور وفتح باب الهروب من مندرجات القرار الأممي رقم 2254، والإصرار على أولوية تشكيل هيئة الحكم الانتقالي، والتي من صلاحياتها وضع الدستور خلال المرحلة الانتقالية المحددة؛ وتشكيل “اللجنة” عبرها، والعمل على وقف مسارٍ لا يقود إلى تحقيق ولو جزء يسير من مطالب التغيير السياسي، وتحريك قوى المعارضات، كوادرها ومثقفيها، وحواضن الثورة وحلفائها وأنصارها، لوقف مسارٍ نهايته السلبية مكشوفة بوضوح يفقأ العين. لذا يمكن اعتبار الاعتراضات الحالية لعبا في الوقت الضائع، لا تغير شيئا.

كشفت ملاحظات المعارضات السورية، ومثقفيها، التي ساقتها عن المخاطر التي تنطوي عليها بنية اللجنة الدستورية وقواعد عملها والنتائج الكارثية التي ستنجم عنها، عن مؤشراتٍ إضافيةٍ دالة على بؤسها السياسي والعملي، وعن العقلية التي تحكم عملها، رؤاها وتقديراتها وقراراتها. ملاحظات تتعلق بالأعراض، لا بالجوهر، تنصب على ما ترتب على الخطأ الأول: القبول بتجاوز تشكيل هيئة الحكم الانتقالي والمرحلة الانتقالية بمراحلها ومهامها؛ وصب جام غضبها ونقدها على “الائتلاف” وهيئة التفاوض، وليس على الخطأ الأصلي، وعلى القوى التي دفعت نحو هذا الاختراق الخطير، والتفكير والعمل على تصويب المسار بطرق عملية، فالملاحظات المساقة عن تركيبة “اللجنة”، عدد الموالين للنظام وحلفائه في “اللجنة” والمجتمع المدني، وآلية إقرار الاتفاقات، حصول القرار على 75% من أصوات “اللجنة” الموسّعة، أي 113 من أصل

150 أو 34 من 45 من اللجنة المصّغرة، وميلهما لصالح النظام، ملاحظاتٌ تعكس عدم إدراك طبيعة الخلل والاختراق الذي نجح النظام وحلفاؤه في تحقيقه، منذ إقرار إعطاء أولوية لسلة الدستور، والعمل على تشكيل اللجنة الدستورية. يمكن إضافة عيّنة أخرى على البؤس السياسي الذي تعيشه المعارضات السورية من خلال استعراض النقد الذي وجه إلى مبادرة إعلان سورية دولة اتحادية؛ حيث اعتبرت الملاحظات المبادرة دعوة إلى تقسيم سورية وتبرير دعوات الانفصال عنها، قارنها أحدهم بتقسيم سورية إلى أربع دول إبّان الانتداب الفرنسي على سورية عام 1920، علما أن الدولة الاتحادية موحدة، تعمل على قاعدة توزيع الصلاحيات والإدارة، لتوسيع المشاركة الوطنية في اتخاذ القرارات المحلية، مع الإبقاء على السيادة مركزية من خلال التمثيل الدبلوماسي والسياسة الخارجية والدفاع، ولا يمكن اعتبار الدعوة إليها دعوةً إلى التقسيم وتبرير الانفصال بأي حال.

لقد فات أوان نقد اللجنة الدستورية، بنيتها وقواعد عملها، بعدما غدت حقيقة سياسية قائمة، تحظى بمباركة إقليمية ودولية، وباتت المهمّة الجوهرية للمعارضات محدّدة في خيارين لا ثالث لهما: إقناع وفد المعارضة بالانسحاب من العملية ووقف السير في طريق نهايته غير مضمونة النتائج؛ والمطالبة بالعودة إلى خريطة الطريق التي حددها القرار الأممي 2254، وبقية القرارات الدولية المتعلقة بالصراع السوري، وهو خيارٌ بعيد الاحتمال في ضوء القيود التي تحكم حركة هيئة التفاوض وقدراتها على كسر الطوق وتحدي الضغوط الإقليمية والدولية، أو العمل على تشكيل ظهير سياسي ميداني لوفد المعارضة في “اللجنة” يقدّم له النصح السياسي والخطط والمقترحات خلال مراحل التفاوض، عبر مركز تفكير أو أكثر تشكله هذه المعارضات، وتشكيل خلية أزمةٍ مع هيئة التفاوض لمتابعة تطورات عملية التفاوض، والدفع نحو فتح باب التفاوض على بقية السلال، وتنفيذ مندرجات القرار الدولي المذكور، خصوصا ملف المعتقلين والمفقودين وإعادة هيكلة الجيش والمخابرات، والتمسّك بصيغ دستورية تقود إلى فتح باب التغيير الديمقراطي، فآلية إقرار الاتفاقات قابلة للتوظيف في خدمة موقف وفد المعارضة كذلك، وعقد ندواتٍ سياسيةٍ بالتوازي مع مراحل التفاوض، تظهر التمسّك بالأهداف، وتجدّد الدعم للإصرار عليها على طاولة التفاوض، وإرسال رسائل مباشرة إلى الأمم المتحدة والدول المؤثرة في الملف السوري بهذا المعنى، وتعزيز مواقف الوفد بتحرّكات شعبية مساندة عبر تجمعات جماهيرية: اعتصامات وتظاهرات، والعمل، في الوقت نفسه، على بدائل سياسية وتنظيمية، على خلفية احتمال فشل المفاوضات أو انتهائها إلى نتائج غير مقبولة.

لقد خسرت هيئة التفاوض معركة التمسّك بآليات الانتقال السياسي، وبقي ألا تخسر الحرب على طاولة التفاوض بالقبول بصيغ دستورية، تعيد إنتاج الاستبداد وتكرس قواعده؛ وابتلاع الطعم بالمشاركة في مخرج سياسي مزيف، يقضي على ما تبقى من تطلع للتغيير، وأمل في إنجاز بعض قواعده. وهذا ما يجب العمل عليه سياسيا وميدانيا بشكل مدروس، ومنسق، ومخطط له، عبر عمل جماعي منظّم.

العربي الجديد

تمخّضَ الجبلُ فولدَ لجنةً دستوريّة/ حسان الأسود

بعد طول انتظار، أعلن الأمين العام للأمم المتحدة السيد أنطونيو غوتيريش بتاريخ 23 أيلول 2019 عن تشكيل اللجنة الدستورية السورية. وبعد ثلاثة أيام بتاريخ 26 الشهر وجّه السيد غوتيريش إلى رئيس مجلس الأمن رسالة يعلمه فيها التوافق على: “الاختصاصات والعناصر الأساسية للّائحة الداخلية للجنة الدستورية، ذات المصداقية، المتوازنة والشاملة للجميع، بقيادة وملكية سورية وبتيسير من الأمم المتحدة في جنيف”.

وبتاريخ 30 أيلول قدّم المبعوث الدولي الخاص غير.أ. بيدرسون إحاطة لمجلس الأمن حول هذه اللجنة، شرح فيها مجمل ما تمّ التوصل إليه من تقدّم في هذا المجال.

وبنفس التاريخ أي في 30-9-2019 قدّم الدكتور نصر الحريري رؤية هيئة التفاوض لمسألة تشكيل اللجنة الدستورية من خلال مؤتمر صحفي، عرض فيه بشكل مكثف مراحل تطور الحالة السورية منذ انطلاق الثورة وحتى اللحظة الراهنة.

سنحاول هنا بقدر ما تسمح لنا المعطيات، أن نفهم طبيعة هذه اللجنة والآثار المترتّبة عليها ومدى تحقيقها لتوقعات وآمال السوريين. لذا سيكون من المهم بداية التذكير ببعض النقاط الرئيسة والمنعطفات الهامة التي مرّت بها الحالة السورية حتى لحظة إعلان هذه اللجنة، وذلك على صعيد مواقف المجتمع الدولي والقرارات الأممية، دون الدخول بشرح الوضع الميداني الذي بات يعرفه الجميع.

كانت البداية الحقيقية مع بنود خطّة كوفي عنان الستّة التي تتلخص في:

(التعاون مع المبعوث الدولي لإطلاق عملية سياسية شاملة يقودها السوريون، وقف العنف وسحب الجيش من المدن، إعلان الهدنة وإدخال المساعدات للمناطق المتضررة، الإفراج عن المعتقلين، ضمان حرية عمل الصحفيين، ضمان حق التظاهر السلمي وحرية تكوين المؤسسات).

ثم انتقلنا إلى اتفاق جنيف الذي صدر بتاريخ 30-6-2012 عن “مجموعة العمل من أجل سوريا” والذي تعلّق جوهره بتنفيذ النقاط الست الواردة أعلاه في خطّة السيد كوفي عنان.

بعد ذلك، وإثر قصف النظام لغوطة دمشق بالكيماوي، صدر القرار رقم 2118 بتاريخ 27-9-2013 والذي ينص في فقرته 16 على:

(….. يؤيد تأييداً تاماً بيان جنيف المؤرخ 30 حزيران 2012 الذي يحدد عدداً من الخطوات الرئيسية بدءاً بإنشاء هيئة حكم انتقالي تمارس كامل الصلاحيات التنفيذية، ويمكن أن تضم أعضاء من الحكومة الحالية والمعارضة ومن المجموعات الأخرى، وتُشكل على أساس التوافق).

ثم جاء القرار رقم 2254 الصادر عن مجلس الأمن بتاريخ 18-12-2015 الذي نصّ في فقرته الرابعة على:

(…… يعرب عن دعمه، في هذا الصدد، لعملية سياسية بقيادة سورية تيسرها الأمم المتحدة وتقيم، في غضون فترة مستهدفة مدتها ستة أشهر، حكماً ذا مصداقية يشمل الجميع ولا يقوم على الطائفية، وتحدد جدولاً زمنياً وعمليةً لصياغة دستور جديد، ويعرب كذلك عن دعمه لانتخابات حرة ونزيهة تجرى، عملاً بالدستور الجديد، في غضون 18 شهراً تحت إشراف الأمم المتحدة، بما يستجيب لمتطلبات الحوكمة وأعلى المعايير الدولية من حيث الشفافية والمساءلة، وتشمل جميع السوريين الذين تحق لهم المشاركة، بمن فيهم أولئك الذين يعيشون في المهجر، على النحو المنصوص عليه في بيان الفريق الدولي المؤرخ 14 تشرين الثاني/نوفمبر 2015.)

بالرجوع إلى مجريات الأحداث، نجد أنّ القرارات الدولية قد تمّ تجاوزها على أرض الواقع من خلال تغيير المعطيات الميدانية أولاً، ومن خلال تشتيت مسار العملية السياسية من قيادة الجامعة العربية إلى قيادة الأمم المتحدة إلى قيادة ثلاثي الدول الضامنة ثانياً، ومن خلال انخراط العديد من القوى الدولية والإقليمية في الصراع بشكل فعلي ومباشر ثالثاً، ونعرف جميعاً كيف تمّ ذلك ومراحله المتعاقبة.

تنظر الأطراف المتعددة إلى اللجنة الدستورية السورية بطرق مختلفة تبعاً للمصالح الخاصة بها واستناداً إلى أوراق القوّة التي تملكها. لا أحد يمكنه الجزم مسبقاً بالنهايات والنتائج، خاصّة أننا دخلنا الآن في لجّة بحر الظلمات قبل أن نتعلّم السباحة كما نصحنا وليد المعلّم ذات يوم. يمكن فقط وفي أفضل الأحوال، التكهّن بسيرورة الأحداث القادمة من خلال الإجابة على الأسئلة التالية:

    ما هي صلاحيات اللجنة الدستورية؟

     ما هي حدود تفويضها الأممي؟

    ما هي آليات عملها؟

     ضمن أية بيئة ستعمل؟

    ما هي قوّة قراراتها، وكيف سيتمّ تنفيذها؟

    هل هناك جدول زمني واضح ومحدد لإنجاز مهامها؟

    هل هناك ضمانات دولية من أي نوع كان حول اللجنة وعملها ومخرجاتها؟

بكلّ واقعية أوضح الدكتور نصر الحريري عدم وجود ضمانات من أي نوع كان لمسار العملية السياسية، كما أنه توقع أن يبدأ النظام عملية عسكرية في إدلب لتعطيل مسار وعمل اللجنة الدستورية، ونبّه إلى سياسة النظام المعروفة بالمماطلة والتسويف والتعطيل، وأبدى تفهّم هيئة التفاوض لكلّ المحاذير والاعتراضات على هذه اللجنة، كما أوضح أنّ الهيئة في حوار دائم مع طيف واسع من كتل المعارضة السورية والقوى الثورية المدنية والعسكرية حول هذا الشأن. لكنّه بالمقابل اعتبر أنّ إقرار اللجنة الدستورية نصراً للسوريين جميعاً، وأكّد أنّ الهيئة تَعِدُ وتتعهّدُ بعدم التنازل عن أي مطلب من مطالب الثورة، واعتبر أنّ تشكيل اللجنة الدستورية مجرّد حلقة صغيرة في سلسلة طويلة جداً، لا بدّ من استكمالها قبل التمكّن من القول بأننا بدأنا عمليّة الانتقال السياسي الحقيقي في سوريا.

ونحن نتساءل الآن: هل يعني التوافق على إنشاء اللجنة الدستورية، أننا وصلنا إلى حلّ أو إلى بداية حل للاستعصاء السوري؟  وهل هي المرّة الأولى التي يتوافق فيها الأعضاء الفاعلون في المجتمع الدولي على بدء مسار الحل السياسي في سوريا؟ الحقيقة الواضحة – لأغلب السوريين على الأقل- أنّ مشكلتنا في سوريا لم تكن في أي يومٍ من الأيام مشكلة دستور، بل هي أكبر من ذلك بكثير.

يعرف أغلب السوريين أنّ سوريا ليست دولة، بل هي سجنٌ كبير مُحاطٌ بأسوار عالية من الرعب، محروسٌ بأجهزة أمنيّة ذات مرجعية واحدة، يأتمر بأمرها جيش لا وطني. لا يوجد في سوريا مؤسسات للدولة، ما نشاهده مجرّد قشرة رقيقة جدّاً تقبع تحتها دولة أخرى بكلّ معنى الكلمة. لا وجود في سوريا لبرلمان أو لسلطة قضائية أو لعمل نقابي أو لنشاط حزبي أو لفضاء سياسي أو حتى لمجرّد عمل اجتماعي خيري بسيط خارج قبضة وإدارة أجهزة المخابرات.

لو افترضنا أنّ اللجنة الدستورية قد أخرجت لنا أفضل دستور يمكن تصوّره، ولو افترضنا أنّ الاستفتاء عليه جرى برعاية كاملة ومباشرة من الأمم المتحدة ضمن بيئة آمنة بشكل مطلق، ولو افترضنا أنّ الانتخابات القادمة قد تمّت بكلّ نزاهة وحيادية وإنصاف، واشترك

فيها جميع السوريين المقيمين في الداخل والخارج وفي كل مكان، ولو افترضنا أنّ من فاز بها ليس بشّار الأسد بل شابّة أو شابّ سوريّ تتمتّع أو يتمتّع بأعلى درجات العلم والأدب والثقافة والأخلاق، ومن أصحاب الخبرة الواسعة في السياسة والعلاقات الدولية والإدارة، ولو افترضنا أننا استطعنا انتخاب نوّابٍ حقيقيّين للبرلمان، وممثلين حقيقيّين للمجالس المحليّة، فكيف لنا أن ننقل لهم السلطة الفعلية؟

هل يتصوّر أيّ عاقل أنّ أجهزة الأمن ستحلّ نفسها تلقائياً، أو أنّ قادة الفرق والألوية سينفذون أوامر الرئيس المنتخب أو مجلس الوزراء، وهل يمكن أن يسلّم أمراء الحرب أسلحتهم ويحلّوا ميليشياتهم، وهل يمكن أن يقبل أصحاب الاحتكارات وتجّار الدماء بالتنازل عن امتيازاتهم، هل سيخرج الروس من سوريا بناءً على مطالبة يفرضها البرلمان الجديد، هل سينسحب الإيرانيون وميليشياتهم لمجرد الطلب منهم ذلك، هل سيسلّم حزب العمال الكردستاني أسلحته، هل سينسحب الجيش التركي من مناطق شمال سوريا، هل ستحلّ جبهة النصرة وتنظيم حرّاس الدين وغيرها من الميليشيات المسلّحة أنفسها بأنفسها،هل وهل وهل؟

هذا يعني بالضرورة أننا بحاجة لمعجزة حقيقية، حتى ننتج تغييراً في بنية وهيكلية النظام السياسي في سوريا وفي تغيير الواقع الحالي، من خلال نفس الأدوات والأجهزة التي يُحكم بها البلد منذ انقلاب البعث في 8-3-1963. بالأحرى هذا من المُحال، ولم لا يكون كذلك وقد خرج علينا اليوم بشّار الجعفري في مجلس الأمن بتصريحات ينسبُ فيها الفضل في إنشاء اللجنة الدستورية، لحكمة وشجاعة القائد الرمز بشار الأسد!

يمكن فقط أن نصل إلى نتيجة حقيقية، إذا توافقت الدول الفاعلة في الملف السوري على خطّة واضحة المعالم، لوضع جميع البنود الواردة في القرارات الدولية موضع التنفيذ الفعلي، وبنيّة صادقة مدعومة بالقوّة من أجل تحقيق الانتقال السياسي المنشود، أو إذا تمّ ذلك بموجب قرار من مجلس الأمن تحت الفصل السابع، وفي كلتا الحالتين لا يوجد أيّة ضمانات لتحقيق النتائج بالشكل الأمثل. من دون وجود إرادة دولية صادقة وحازمة، ومن دون قوّة تنفيذية تفرض هذه الإرادة على الجميع، لا يمكن أن يحصل انتقال سياسي حقيقي في سوريا، وإذا لم يحصل التوافق بين الفاعلين الدوليين الكبار، فإنّ الفيتو الروسي بالمرصاد لأية مشاريع حلّ تُقدّم لمجلس الأمن.

عندها سيبقى النظامُ كما هو، وقد يعيدُ المجتمعُ الدولي التعاملَ معه على اعتبار أنّه فاز بالحرب من جهة، وعلى اعتبار أن السوريّين أنفسهم قد توصلوا إلى هذه النهاية من خلال جلوسهم على طاولة المفاوضات. ستبقى بعض الملفات العالقة، والتي من الممكن حلّها مع الزمن، مثل ملفات اللجوء وإعادة الإعمار، أمّا ملفُ المعتقلين والمختفين قسريّاً، فلن يكون أكثر من ورقة ضغط على النظام للحصول على بعض التنازلات في هذا الملف أو ذاك. لن تمرّ البلاد بأية مسارات للعدالة الانتقالية، لن تتم محاسبة مرتكبي انتهاكات حقوق الإنسان، ولا جبر ضرر الضحايا، ستتضاعف أسباب الثورة القادمة آلاف المرّات عمّا كانت عليه قبل عام 2011.

يرى بعضُ السورييّن من الغيورين على المصلحة الوطنية، أنّ النظام بات بمنزلة حكومة تصريف أعمال لحين انتهاء مسار اللجنة الدستورية، التي هي بداية طريق الانتقال السياسي. حسناً، سيكون إذن كذلك للخمسين عاماً القادمة، إذ لطالما كان هذا النظام سلطة أمرٍ واقع لا تتمتّع بأية شرعية دستورية أو أخلاقية أو شعبية، فما الذي سيضيره لو بقي كذلك نصف قرن آخر؟

صحيح أنّ البلاغة إيجاز، لكن مع المأساة السورية التي تمخّضت بعد طول معاناة عن لجنة دستورية، لا بدّ من الاستفاضة ولو على حساب اللغة والبيان.

تلفزيون سوريا

اللجنة الدستورية تعلن فشل الأمم المتحدة/ عبد الحميد عكيل العواك

أغلب فقهاء القانون الدولي مجمعون على فشل نظام الأمم المتحدة بشكله الحالي، ولكنهم منقسمون إلى فريقين، الأول يرى إلغاء الأمم المتحدة إلغاءً جذريّاً والبحث عن نظام دولي جديد، والثاني يرى أنه نظام قابل للإصلاح.

امتازت الأمم المتحدة في أدائها بالتناقض مع توصياتها، وازدواجية المعايير بين أزمة وأخرى.

وانطلق التناقض بدءاً من ميثاقها الذي أقر بمادته الأولى بأنْ “تقوم المنظمة على مبدأ المساواة في السيادة بين جميع أعضائها”

، في حين نصت المادة 23/1 من الميثاق على إعطاء خمس دول عضوية دائمة في مجلس الأمن، وهذا خرق لمبدأ المساواة في السيادة، أما الخرق الأكبر فكان في إعطاء هذه الدول ميزات عند التصويت على قرارات مجلس الأمن في المسائل الموضوعية.

هذا الخرق ما تزال البشرية تدفع ثمنه عند كل أزمة تهدد السلم والأمن الدوليين، فتبقى دون حل، أو تنتهي مولدة أزمات جديدة، وكوارث على البشرية تدفع ثمنها الأجيال القادمة.

من الطبيعي ألا تكون الثورة في سوريا استثناء، ولن نستعرض ما كان يجب فعله من قبل الأمم المتحدة، وأقلها تفعيل مبدأ التدخل الإنساني تحت الفصل السابع، ولكنها لم تفعل بسبب الخلل البنيوي الذي ذكرناه.

لكن سنقف عند إعلانها للجنة الدستورية وكأنها خشبة الخلاص الأخير لهذا الشعب المنكوب.

الأمم المتحدة ومبدأ الاستقلالية الدستورية

بالرغم من أن الجمعية العامة للأمم المتحدة أصدرت توصيتها في العدد رقم 2625 تاريخ 24 أكتوبر 1970 لمبدأ الاستقلالية الدستورية للدول الأعضاء، الذي يستند إلى أنّ لكل دولة الحق في اختيار نظامها السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي بكل حرية؛ فإنّ الأمم المتحدة نفسها لم تأخذ بها وهي أَوْلى الهيئات بوجوب الالتزام على اعتبار صدور التوصية عنها، فقد تدخلت الأمم المتحدة في أخطر ثلاثة مفاصل لبناء الدستور السوري:

التدخل الأول: تم عندما تولت ترشيح خمسين شخصية من المجتمع المدني، أي ثلث اللجنة أو ما سمي “بيضة القبان”، ولا شك بأن الدستور الذي تكتبه لجنة فنية معينة يلعب أعضاء اللجنة دوراً رئيسياً في صياغته وتوجهه وتحديد مساره، والتساؤل هنا من الذي أعطى هذا الحق للأمم المتحدة؟ وجميع ما يصدر عنها يركز على عدم التدخل بالشؤون الداخلية للدول.

التدخل الثاني: هو صياغة قواعد إجرائية لعمل اللجنة، أعدتها وأصدرتها قبل اجتماع أعضاء اللجنة، ومن المعلوم أن القواعد الإجرائية هي توازي من حيث الأهمية وضع قواعد الدستور ذاتها، وكثيراً ما سجل لنا التاريخ خلافات شديدة بين ممثلي الأحزاب السياسية في الدول المستقرة على القواعد الإجرائية، وبمجرد موافقتك عليها، فإنك تحرم نفسك حق الاعتراض والانسحاب، ومجبور على مواصلة المسير إلى منتهاه (صدور الدستور).

وأهم ما في القواعد الإجرائية هو آلية التصويت والتي وضعت بشكل غير معقلن، ولا متوازٍ بين الطرفين، وواضح انحيازها لطرف النظام سواء لجهة الثلثين، أو لجهة موافقتها لرغبته الشديدة بالتعطيل.

وهل صدور القواعد الإجرائية يدخل ضمن مهام المُيسّر؟

التدخل الثالث: جاء عن طريق صياغة المبادئ الأساسية التي ستحكم الدستور القادم، فتلك المبادئ قدمتها في البدء الأمم المتحدة لفريقي التفاوض تحت مسمى “اللا ورقة” ولم يجر عليها تعديل جوهري، وإن ادعت بأنها عرضتها للطرفين، لكن ديمستورا ظل المتحكم الأول في صياغة تلك المبادئ، مستغلاً عدم جلوس فريقي التفاوض على طاولة واحدة، فعمل جاهداً وفريقه على صياغة تلك المبادئ، التي وافق عليها الطرفان لاحقاً.

ورب قائل بأن دورها انحصر بالاقتراح فقط! نجيبه بقول الفقيه سييز: “من اقترح فقد ساد”، لأن سلطة الاقتراح تمثل منطلق الصياغة القانونية ومفتاح الحكم وفق ما يرى الفقيه روبي كالا أنّ “من يملك الاقتراح يملك الحكم”.

وفي كل الأحوال لا يحق للأمم المتحدة المساهمة بشكل فعلي في كتابة الدستور، لأن دورها المعلن هو التيسير،

ومن المؤكد بأن التدخلات الثلاثة لا تدخل ضمن مهمة التيسير.

وهي إن أرادت التدخل الإنساني بسبب انتهاك حقوق الإنسان، ولفشل الدولة، فلا يجب أن يكون المنتهك (النظام)

طرفاً في صناعة الدستور، أما أن تتدخل وتدعو النظام فهو انتهاك سافر لمبادئها.

الأمم المتحدة عاجزة

لقد أثبتت الثورة السورية عجز الأمم المتحدة التام، وشللها الكامل، منذ بداية الثورة، وتعاقب شخصيات عديدة على الملف السوري يثبت بأن الخطأ في نظام الأمم المتحدة، وليس في من يقوم بالمهمة، فجميع المُيسّرين الدوليين دون استثناء لم يستطيعوا تقديم فائدة عملية واحدة للشعب السوري.

وكانت سياستها لتغطية فشلها، وعدم قدرتها على وقف تعنت النظام، وكان سبيلها الدائم الهروب الى الأمام،

وترك المشكلة خلفها لعجزها عن حلها، فمع إعلان جنيف الأول حاولت جاهدة للوصول إلى الانتقال السياسي وفشلت، فأصدرت القرار 2254 ليكون برنامج عمل وخطوات عملية، فطالبت هيئة التفاوض الأولى بتطبيق البنود المتعلقة بالشق الإنساني لأنها لا تحتاج لتفاوض، وعلقت الهيئة المفاوضات لحين تنفيذ البنود، فعمدت الأمم المتحدة إلى ترحيل تلك البنود إلى أستانا، ففصلت بين تلك البنود والانتقال السياسي، لأنها كانت عاجزة عن تحريك أي أمر يتعلق بالملف الإنساني فهربت إلى أستانا التي لم تحقق شيئاً، وبقيت أستانا متجمدة في الملف الإنساني عاجزة عن حله أو تجاوزه.

لقد تحايلت الأمم المتحدة متمثلة بمبعوثها على القرار 2254 عندما شكلت السلال الأربع في جنيف 4 ببساطة شديدة لأن الانتقال السياسي يحتوي السلال الثلاث الباقية، فلا يمكن أن يتم انتقال سياسي كامل ومنجز، من دون أن يكتب قانون انتخابات شامل، يهيئ لكتابة دستور جديد وصدور الدستور يستلزم حل الهيئات والسلطات الانتقالية فلا بد من إجراء انتخابات لتشكيل هيئات في ظل الدستور، وكل ذلك يتطلب بيئة آمنة ومحايدة مما يعني محاربة الإرهاب، إذاً ببساطة سلة الانتقال السياسي تحتوي ضمنها باقي السلال.

أما العكس فغير صحيح، إذ ليس هناك تلازم حتمي بين الدستور والسلال البقية، ولا سيما سلة الانتقال السياسي، فلا تعني ولادة الدستور أن ينتج عنه انتقال سياسي، أو محاربة للإرهاب فمن الممكن أن تبقى الميليشيات الإيرانية بأنواعها والقوات الروسية تمارس إرهاب الدولة في ظل الدستور الجديد، وأكد ذلك وزير خارجية روسيا بأن كتابة الدستور لا تعني انتهاء الحرب.

الحقيقة المؤكدة أن الدستور كان يجب أن يكون السلة الأخيرة بين السلال، يتحقق انتقال سياسي يقود مرحلة انتقالية يحارب بقايا الإرهاب، يصدر قانون انتخابات شاملة للهيئة التأسيسية وموقع الرئاسة والبرلمان، لتجري في المرحلة الأخيرة انتخابات هيئة تأسيسية تكتب دستوراً، وتأخذ وقتها الكافي من الحوار المجتمعي وتفكيك القضايا الخلافية وحلها.

النتيجة النهائية

كثير منا يتساءل ماذا بعد إعلان اللجنة؟ وماذا سينتج عنها؟

وهو سؤال مشروع، والإجابة عليه مطلوبة من هيئة التفاوض والأمم المتحدة، لكن الصمت يحيط بهم، وإنني أرى أن اللجنة متجهة إلى مسارين لا ثالث لهما:

الأول: هو تعديل لدستور 2012 الذي أعطى شرعية دستورية للنظام وأفعاله خلال الفترة الماضية.

الثاني: التعطيل من قبل النظام، وهذه لعبته لنجد بأن الزمن سرقنا مرة أخرى ونقف في ظل مظلة (السياسة الواقعية) على أعتاب محطة انتخابات رئاسية وبلا ضمانات جوهرية، ولا بيئة آمنة، تدفعنا لها أمم متحدة فاشلة لتعطينا مقابل ذلك مراقبة شكلية لا قيمة لها.

تلفزيون سوريا

من اللطم إلى الفعل.. هل يفعلها السوريون؟/ بسام يوسف

تسابق السوريون للتنديد باللجنة الدستورية التي أعلن عن تشكيلها الأمين العام للأمم المتحدة “أنطونيو غوتيريس”، وأصبح الحديث عنها ومناقشة تفاصيلها، وأسماء من فيها، وآفاقها… شغل السوريين الشاغل، مع أن الاقتراح الروسي -بشأن كتابة دستور جديد لسوريا- قد قدم في الجولة الثالثة من جولات “أستانا”؛ أي منذ ما يزيد عن سنتين ونصف السنة.

وعلى هذا، كأننا -نحن السوريين- نعشق الدهشة؛ فنغمض أعيننا عن وقائع وتحضيرات تتوالى، على الرغم من أننا نراها، ونسمع بها كل يوم، ونتجاهل كل المؤشرات التي تدل على اقتراب حدوث ما نتجاهله، ثم لا ننتبه إلا بعد أن يقع الفأس في الرأس… فنندهش، ونستغرب، ونصرخ، ثم نبدأ باللطم.

منذ الأيام الأولى للثورة السورية، برز السؤال بالغ الأهمية: ماذا بعد انتصار هذه الثورة؟ وما شكل سوريا الجديدة؟ وقد واجه معظم السوريين السؤال مباشرة بصيغة: “ماهو البديل”؟. وعلى الرغم من تواطؤ السؤال، فإن الإجابة عنه واجبة. وإذا الإجابة الواجبة لم تكن ممكنة في الفترة الأولى، فما مبرر غيابها بعد ثماني سنوات؟

هنا والآن، لا بد من الاعتراف، بأن ما أفرزته الثورة السورية من قيادات، قد كان طري العود والخبرة، إضافة إلى أن تحول المستحيل والبعيد إلى ممكن وقريب، قد أطار صواب الجميع؛ فركبت النوايا الخبيثة على النوايا الطيبة وقادتها، ثم بلعتها، ورمتها. هذا لأن الخبيث قد كان جاهزاً ومسلحاً بدعم أجهزة وسلطات بإمكاناتها وخططها، وهو من كان يراقب الحدث من خارجه، فرصد نقاط ضعفه وقوته، فأضعف القوي وحاصره، وركب الضعيف واستخدمه، هذا الذي حصل بتعزيز متبادل مع سلطة فريدة باستبدادها وفسادها، ومع نظام عالمي مأزوم، لم تتوافر شروط خروجه من أزمته بعد. 

لهذا كان المسار محبطاً، والنتائج مخيبة للآمال، بمشاركة، وبتواطؤ، وبقلة انتباه، وبقلة دراية، من قيادات قليلة الفعل في الميديا، ولا فعل لها في الميدان مطلقاً؛ لذلك فقد زرعت فشلاً، وحصدت فشلاً، وانحسرت مآثرها إلى كسب شخصي: مادي، ونفسي.

وعليه، لا بد من الاعتراف أيضاً، بأن الخيبة والفشل الصريح، لم يقتصر على هكذا قيادات افتراضية وسلطوية في عالم سلطوي، بل طال نخباً ثقافية وسياسية سورية، بغض النظر عن تصنيفها. فهل هناك أبلغ من الحال التي وصل إليه الشعب السوري، والدولة السورية،  كدليل على هذا الفشل الذريع؟

ولكي لا أكون من محبي نصف الكأس الفارغ، فإن ثمة ما يدعو إلى القول: إن آفاقاً جديدة تفتح أمام السوريين، وإن تفويتها تفويتٌ لتضحيات الشعب السوري الهائلة، الأمر الذي سيكون كارثة فعلاً. وبالتالي: إذا كان الاستمرار بالعزف على مقامات اللطم والانتظار، لن ينتج أي فعل حقيقي، وسيقود -بلا أي شك- إلى دهشة البلاهة الدائمة، وإلى لطم الأبد إلى الأبد، فإن الصحوة لا بد منها، وإلا ضاع الوطن ضياعاً أخيراً.

لم تعرف سوريا في تاريخها الحديث لحظة، تحفل بمثل هذه الممكنات لإنتاج دولة جديدة معاصرة قابلة للتطور والاستمرار، لكنها للأسف لحظة بالغة التعقيد، تحتاج إلى جرأة عالية، وإلى قدرة راكزة في تحمل المسؤولية، وتحتاج أولاً وأساساً إلى الاشتغال على أدوات جديدة، وعلى فهم ديناميكي يخلع عن كتفيه ثقل أيديولوجيا الدين- وكل أيديولوجيا- وكل أوجه العصبيات القاتلة.

وبعد، وبعيداً عن الدجل الإعلامي، فإن الحقيقة الأهم في سوريا اليوم، هي موت النظام السابق في سوريا، موته بكل معنى الكلمة؛ فهذا النظام الذي فقد مركزيته الشديدة، وأصبح طرفاً ضعيفاً من مجموعة أطراف، هي أكثر قوة وفاعلية منه، لن يكون قادراً على الاستمرار، لا سيما أنه يحمل على كتفيه وزر خمسين عاماً من الجرائم والقتل والتعذيب والنهب والفساد، وأن ما يطفو على السطح من تماسكه، ماهو إلا انعكاس لضبابية المرحلة القادمة والتباس معالمها، هذه المعالم التي ستكون أولى تجلياتها، هي: إعلان موت هذا النظام.

لقد فقد هذا النظام خلال السنوات الثمانية الماضية كل ركائزه التي قامت على جملة شعارات كاذبة ومخادعة، فلم يعد السوريون يصدقون كذبة المقاومة والممانعة، ولا كذبة الحنكة السياسية، ولا كذبة البطانة الفاسدة للرئيس الشريف… لقد تهاوى هذا كله على مرأى من السوريين جميعاً، وقد يكون مشهد تهاويه عند الحاضنة الموالية أشد وضوحاً، وملموساً أكثر. وفوق كل هذا، فقد طويت المرحلة التي كان فيها هذا النظام يخفي جرائمه وهويته، لقد تلطخ وجهه بمئات الجرائم والمجازر الموثقة والمعترف بها في عدة محافل دولية، لقد أحسن المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا “جيمس جيفري” الوصف حين قال: إن نظام الأسد عبارة عن وكر لصوص، وقد بدؤوا ينهشون بعضهم بعضاً.

من جهة أخرى، لم يعد السوريون يصدقون ذوي اللحى والعمائم، وانكشفت وظيفة ودور من تلفعوا برداء الإسلام الذي لم يكن- بالنسبة إليهم- إلا مطية لهوسهم بالسلطة، ومن أجل هذا الهوس أصبحوا مطية لكل من هب ودب، لقد تلمس السوريون باليد ورأوا بالعين حجم الأذى الذي ألحقه بهم هؤلاء، ومدى تبعيتهم وارتباطهم بالخارج.

وأيضاً، لم يعد السوريون أسرى وهم الخارج، ولا أسرى شعارات الإنسانيات الافتراضية، وقيمها المجردة. لقد منحتهم هذه السنوات الثمانية ما يكفي من الوعي؛ لكي يميزوا بين ما هو حقيقي وما هو زائف، وفهموا لعبة نهب الشعوب باسم القيم والحقوق.

وعلى هذا، يمكن القول: إن الثمن الباهظ الذي دفعه السوريون – وما يزالون – خلال هذه السنوات، وإن الظروف البالغة القسوة التي يعيشها السوريون في مناطق وجودهم كلها: في الداخل، وفي الخارج، وفي المخيمات، وفي الشتات، وتحت سيطرة هذه العصابة أو تلك. لا بد أن تكون بوابة قيامة سوريا جديدة، قيامة توحد السوريين حول إنقاذ وطنهم ومستقبلهم. فهل يفعلها السوريون؟

هل يستعيد السوريون صحوتهم الأولى التي أعلنت عن نفسها  في آذار 2011، فيمسكون من جديد بقرار مصيرهم ومستقبلهم رغماً عن كل من يحاول سلبهم إياه، لكن هذه المرة: بتبصر، وبرؤية جديدة، رؤية لا تجامل الماضي، ولا تهادن الزائف، رؤية تستخلص -بكل مسؤولية- نتائج ثماني سنوات من الدم والقتل والتهجير.

كل السوريين الآن يقفون في حضرة السؤال الأهم: وماذا بعد؟ وكلهم يريد الخلاص، فمن سينبري للجواب عن هذا السؤال؟

لا جواب من محتل، ولا جواب من قاتل، ولا جواب إلا من سوريين. سوريون قادرون على قراءة الوجع السوري، وقراءة دروس ثماني سنوات من المأساة، وقادرون قبل كل هذا على القبض على جمر سوريتهم، مهما يكن هذا الجمر حارقاً.

تلفزيون سوريا

تركيا ستقيم “المنطقة الآمنة” لوحدها..وبيدرسن إلى دمشق والرياض

قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الثلاثاء، إن بلاده لم تر التطورات التي تريد أن تراها في الجهود مع الولايات المتحدة لإقامة “منطقة آمنة” شمال شرقي سوريا، وليس أمامها خيار سوى مواصلة مسارها الخاص.

وكانت أنقرة وواشنطن قد اتفقتا على إقامة منطقة على امتداد 480 كيلومترا من الحدود التركية. وترغب تركيا في أن تصل المنطقة إلى عمق 30 كيلومترا داخل الأراضي السورية. ولوحت تركيا مرارا بعمل عسكري من جانب واحد إذا لم ترق الجهود إلى مستوى توقعاتها وحددت فترة زمنية تنتهي بنهاية أيلول/سبتمبر.

وفي كلمة خلال مراسم افتتاح الدورة البرلمانية في أنقرة، قال أردوغان، إن تركيا تعتزم توطين مليوني شخص في “المنطقة الآمنة” التي قال إنها ستمتد شرقا من نهر الفرات في سوريا إلى الحدود العراقية.

من جهتها، قالت وكالة الأنباء السعودية، الثلاثاء، إن مجلس الوزراء في المملكة رحب بتشكيل اللجنة الدستورية في سوريا.

وذكرت أن المجلس أكد “أن المملكة تدعم المسار السياسي لإنهاء الأزمة السورية الذي يستند على قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2254 بما يحافظ على وحدة الأراضي السورية”.

كما رحبت السعودية بالبيان المشترك الصادر عن اجتماع وزراء خارجية السعودية والولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا ومصر والأردن على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، الذي أكد على أنه لا يمكن التسامح مطلقا مع استخدام الأسلحة الكيماوية في سوريا، وأن على جميع الأطراف الامتثال لقواعد القانون الدولي، ومحاسبة جميع مرتكبي انتهاكات حقوق الإنسان في سوريا.

في الأثناء، وصلت تعزيزات عسكرية جديدة للجيش التركي، الثلاثاء، إلى نقطتي مراقبة في ريفي حلب وإدلب شمالي سوريا.

ودخل رتل يضم آليات عسكرية للجيش التركي من نقطة كفر لوسين الحدودية وتوجه إلى نقطة المراقبة التركية في جبل سمعان بريف حلب الغربي. في حين أن رتلاً آخر دخل من نقطة خربة الجوز وتوجه إلى نقطة اشتبرق في ريف إدلب الجنوبي الغربي.

وقصف طيران النظام المروحي بالبراميل المتفجرة محور كبانة في ريف اللاذقية الشمالي الشرقي، بينما استهدف قصف مدفعي بلدتي معرة حرمة وأم الصير في ريف إدلب الجنوبي.

من جهتها، انتقدت مصر بشدة “تحركات دول في شمال سوريا” ووصفتها بمحاولات “هندسة ديموغرافية” للمنطقة، داعية لمحاسبة الحكومات والأطراف “الداعمة للإرهاب” في سوريا.

وأكدت القاهرة في بيان ألقاه مندوب مصر الدائم لدى الأمم المتحدة في مجلس الأمن حول الأوضاع في سوريا، على “استمرار مصر في بذل كافة الجهود الممكنة للمساعدة على التوصل لتسوية سياسية مستدامة تحافظ على سيادة سوريا ووحدة وسلامة شعبها وأراضيها‪”.

بدوره، أعلن المبعوث الدولي الخاص إلى سوريا غير بيدرسن، في تصريحات للصحافيين عقب انتهاء جلسة مشاورات مغلقة لمجلس الأمن حول سوريا، مساء الاثنين، عزمه التوجه إلى دمشق الأسبوع المقبل، ثم الرياض الأسبوع الذي يليه، للاتفاق على اللمسات الأخيرة بشأن اجتماع أعضاء “اللجنة الدستورية” الخاصة بسوريا في جنيف، المزمع عقده 30 أكتوبر/تشرين أول المقبل.

وأوضح بيدرسن أنه طلب خلال جلسة المشاورات المغلقة من أعضاء المجلس الاستمرار في تقديم الدعم الكامل لعمل “اللجنة الدستورية”، مضيفاً أنه سيقدم بشكل منتظم إفادات لمجلس الأمن حول التطورات الحاصلة بملف اللجنة الدستورية.

كما اعتبر أن تشكيل لجنة إعداد الدستور هو نافذة أمل للسوريين جميعا وإنجاز ضخم، معربا عن الأمل في رؤية تغيير حقيقي على الأرض خاصة في ما يتعلق بملف المعتقلين والمختفين قسريا في سوريا.

ورداً على أسئلة الصحافيين بشأن ما إذا كانت اللجنة الدستورية ستعد دستورا جديدا أم ستكتفي بتعديل الدستور الحالي، قال: “هذا ليس مهما سواء أعدوا دستورا جديدا أو اكتفوا بإجراء إصلاحات، ما يهم هو أن السوريين بأنفسهم هم الذي سيقررون ذلك”.

السفير الأميركي السابق في سوريا روبرت فورد، وصف في مقال نشرته صحيفة “الشرق الأوسط”، الثلاثاء، إعلان بيدرسن عن الاتفاق على تكوين لجنة لصياغة دستور سوري جديد، بالقول: “تمخض الجبل فولد فأراً”. وأضاف إنه “بفضل بيدرسن العنيد يمكن للأميركيين وللمجتمع الدولي الزعم بوجود عملية سياسية في سوريا”. لكنه، ذكّر بثلاث حقائق أساسية في سوريا تمنع الحل السياسي وفق صيغة “اللجنة الدستورية”: “لا سيادة للقانون”، و”أن الدولة الأمنية لن تتغير ولن تصلح من نفسها”. و”عدم وجود ممثلين عن الجزء الشرقي من سوريا تحت سيطرة حزب الاتحاد الديموقراطي الكردي السوري وقواته الديموقراطية السورية في اللجنة الدستورية”.

الحريري:الدستور للإستفتاء..والمطلوب التخلص من”تحرير الشام

أجاب رئيس “هيئة التفاوض” نصر الحريري، على سؤال “المدن”، حول أكثر النقاط الخلافية بين أطراف لائحة المعارضة في اللجنة الدستورية، بالقول: “قمنا بتمرينات دستورية في هيئة المفاوضات خلال فترة التحضير، ووجدنا أن أكثر من 90% من القضايا متفق عليها أو يمكن التوافق عليها بسهولة. أما الـ10% يبقى فيها آراء، كموضوع المركزية وصلاحيات رئيس الدولة وهوية الدولة وهلم جراً.. والنقاط المختلف عليها ستكون ضمن لجنتنا أو لجنة النظام”.

وإن كانت لائحة المعارضة المكونة من 50 عضواً في اللجنة الدستورية، تمثل بالفعل الثورة السورية، أجاب: “الـ50 هم لجنة صياغة، أما القرار فهو للمجموعة الأوسع الـ150، وهم بالتأكيد ليسوا منتخبين، والوقت الحالي لا يسمح بإجراء انتخابات، لكن وفق ما عاينت من عملي مع المجموعة الموجودة حالياً، فإذا الشعب السوري يعتبر من يحمل همومه وطموحاته هو ممثل جيد.. فأعتقد بأن الأغلبية ممتازون”.

وكان الحريري، قد أعلن في مؤتمر صحافي، عقده الإثنين، أنّ “مسودّة الدستور الجديد ستُعرض للموافقة الشعبيّة، وأنّ اللجنة الدستوريّة تتّخذ قراراتها بالتوافق إن أمكن، وإلّا بنسبة 70 بالمئة من التصويت”.

وأضاف: “سيكون هناك رئيسان للجنة الدستورية أحدهما من هيئة التفاوض وآخر من النظام السوري”، مبيّناً أنّ “أعضاء من اللجنة الدستورية تعرّضوا لتهديدات”. وأوضح أنّ “اللجنة الدستورية تحدّد آلية التوافق الشعبي وطريقة قوننة الدستور، وأنّنا استغرقنا عامين للاتفاق على تركيبة اللجنة الدستورية بسبب تعطيل النظام السوري”.

ودعا الحريري إلى حراك مدني وعسكري ضد “هيئة تحرير الشام”، وعدم السماح لروسيا والنظام باتخاذها ذريعة للهجوم على إدلب. وقال إن النظام وحلفاءه لديهم رغبة واضحة بإستمرار دعم العمليات العسكرية متخذين من “تحرير الشام” ذريعة لاستهداف المدنيين والبنى التحتية.

وحذرت “تحرير الشام”، الإثنين، من شن أي حملة عسكرية ضدها في إدلب، “ضمن حرب الشائعات التي يبثها النظام المجرم في المناطق المحررة”. وقال بيان لـ”الهيئة”، إن “الشائعات تأتي انسجاماً مع دعوات المحتل الروسي، بإبعاد أهم القوى الفاعلة في غرفة عمليات الفتح المبين عن معادلة المعركة، وﻷجل تشتيت جهود شعبنا الكريم المتلاحم مع أبنائه الثوار”.

الحريري قال: “في إدلب يهاجمنا وحشان، الوحش الأول نظام بشار الأسد ومليشياته وحلفاؤه، والثاني هو هيئة تحرير الشام أو القاعدة أو كل مسمياتها ورموزها”. وأضاف: “لا يجب أن نُبقي ملف تحرير الشام لعبة بيد الروس يستخدموها حيث يشاؤون، ولابد للجيش الحر الموجود على الأرض التعاون مع الدول الموجودة في التحالف الدولي، بأي صيغة دولية، من أجل التخلص من هذا التنظيم دون السماح للنظام ولروسيا ولإيران التقدم بهذه المنطقة وارتكاب الجرائم”.

المدن

بيدرسن:اللجنة السورية وحدها لن تحل الصراع السوري

وعد المبعوث الدولي إلى سوريا غير بيدرسن، بكشف أسماء المرشحين للجنة الدستورية، متى وافقوا على الانضمام، معتبراً أن “وضع الدستور بالتوازي مع تنفيذ خطوات أخرى سيكون فرصة لإنهاء الأزمة في سوريا”.

وخلال تقديمه إحاطة أمام مجلس الأمن الدولي بشأن جهود التوصل لحل سياسي، الاثنين، قال بيدرسن إن الأمم المتحدة ستصدر أسماء المرشحين للجنة الدستورية، متى أكدوا موافقتهم على الانضمام، مؤكدا أن اللجنة “ستعد مشروعاً بإصلاحات يُحال لإرادة الشعب”.

وأوضح بيدرسن أنه سيوجه الدعوة إلى أعضاء اللجنة لعقد الاجتماع الأول، في جنيف في 30 أكتوبر/تشرين الأول، وأن اللجنة ستحدد جدولا زمنيا لصياغة دستور جديد للبلاد.

وأعرب عن امتنانه لحكومات تركيا وروسيا وإيران على التوصل لاتفاق تشكيل اللجنة الدستورية.

وقال بيدرسن، إن الاتفاق حول اللجنة الدستورية هو الاتفاق السياسي الأول والأساس، بين الحكومة والمعارضة، مشيراً إلى أن ذلك إشارة جيدة على قبول كل طرف للآخر، واستعداده للجلوس والنقاش معه.

وأكد ضرورة استغلال هذه الخطوة، وأن تليها خطوات أخرى لبناء الثقة، مشيراً إلى أن الحرب أوجدت شرخاً عميقاً داخل المجتمع السوري، إضافة إلى انعدام الثقة.

وأشار إلى تحديات إضافية تواجه سوريا، من بينها وجود خمسة جيوش على أراضي البلد، مركزاً على هيكل اللجنة والمبادئ التوجيهية لعملها.

ونبه إلى أن اللجنة الدستورية وحدها لن تحل الصراع، مشيراً إلى أن الوضع في إدلب ما يزال محفوفا بالمخاطر، علاوة على وجود جماعات إرهابية في إدلب مدرجة كذلك على قائمة مجلس الأمن.

وفي ما يخص الانتخابات، أكد أنها يجب أن تشمل جميع السوريين، من ضمنهم أولئك الذين يعيشون في الخارج، مشيرا إلى أن نسبة مشاركة النساء في اللجنة الدستورية تصل إلى ثلاثين في المائة.

أما عن تفاصيل الاتفاق حول اللجنة الدستورية، أكد بيدرسن أنها تشكل تجسيدا للمبادئ الاثني عشر الأساسية في الدستور السوري، لافتا إلى أن اللجنة الدستورية ستراجع دستور 2012 في سياق التجارب الدستورية السورية الأخرى، وستقوم بتعديل الدستور الحالي أو صياغة دستور جديد.

وقال: “يجب العمل على توفير ضمانات لعدم تعرض اللجنة الدستورية السورية لأية مضايقات”. وأضاف أنّ المعاناة مستمرة في سوريا، واليأس منتشر بين السوريين، وأن شبح الانفجار الإقليمي بسبب أزمة سوريا ما زال يلوح بالأفق.

من جهتها، رحبت السفيرة الأميركية كيلي كرافت، بالاتفاق لكنها ركزت على مهاجمة إيران والوجود الإيراني في سوريا، مشيرة إلى  إن الدستور المقبل يجب أن يعبر عن كل السوريين خارج سوريا وداخلها.

وطالبت كرافت بخروج إيران ومليشياتها من سوريا فوراً، وأن يتوقف العنف في إدلب من دون شروط، وقالت إنه من المعيب أن يجلس معنا من يرتكب المجازر في سوريا.

أما السفير الكويتي منصور العتيبي، فقد عبر بعد ترحيبه بالتوصل للاتفاق عن قلق بلاده مما يحدث في إدلب، وقال إن العمليات العسكرية هناك خلال الأشهر الأخيرة أدت إلى نزوح أكثر من نصف مليون شخص، ومقتل قرابة ألف مدني على الأقل.

وأدان العتيبي الهجمات ضد المناطق المأهولة بالسكان وشدد في الوقت ذاته على أن محاربة الإرهاب لا تعفي الأطراف من الالتزام بالقانون الدولي والإنساني الدولي.

وتحدث السفير الكويتي كذلك عن ضرورة البدء بتدابير بناء الثقة التي يجب أن تواكب العملية السياسية وتحقيق تقدم في ملف المعتقلين والمفقودين، كما أشار إلى ضرورة السماح للمنظمات الدولية بزيارة السجون.

المندوب الفرنسي فرانسوا دو لاتر، فقد دعا في كلمته إلى وقف الأعمال القتالية في إدلب لرفع العراقيل أمام وصول المساعدات الإنسانية، مؤكداً على أن اللجنة الدستورية بمثابة خريطة طريق سياسية للمجتمع الدولي، قائلاً، إنه يجب محاسبة مرتكبي الجرائم في سوريا.

من جانب آخر، نقل حساب السفارة الأميركية في سوريا، في “تويتر” عن المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا جيمس جيفري، قوله “نواصل حث جامعة الدول العربية على التصدي لأية جهود ترمي لإعادة نظام الأسد إلى الجامعة قبل الوفاء بالمعايير المحددة في قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2254″، وأضاف إن “أية محاولة للترحيب بعضوية نظام الأسد مرة أخرى في جامعة الدول العربية أو استئناف العلاقات معه من شأنه أن يقوض جهودنا الجماعية الرامية للتحرك نحو التوصل إلى حل دائم وسلمي وسياسي للصراع الدائر في سوريا”.

وتابع: “سوف تستمر العزلة الدولية المفروضة على نظام الأسد حتى يكف عن شن هجماته الوحشية على السوريين الأبرياء، ويتخذ خطوات ذات مصداقية لتهدئه العنف وتمهيد الطريق أمام التوصل إلى حل سياسي”.

المدن

دستور ألف ليلة وليلة/ أحمد عمر

 أعلنت السيدة نسرين الحرب عضو اللجنة الدستورية في صفحتها على فيسبوك وحسابها في تويتر.. وهدّدت متوعّدة: اقتربَ الحساب يا حبّاب.

منشورات نسرين غاضبة، ساخطة، حاقدة، تغلي فيها الكلمات تحت نيران الثأر، وتتوعد فيها زوجها بالانتقام، لكنها لا تسمّيه، والجميع يعرفون الحكاية. قالت: إنها لو ظفرت به فستأكل كبده كما أكل الصقار قلب الرجل. تكتب نصوصها الجريحة بالإيحاء والإشارة، والإشارة واضحة، وكل التعليقات تواسيها وكأن نكبة قد حلّت بديارها، هي مستمرة في الوعيد، والجديد في ازدياد غضبها وتعاظمه هو أنَّ زوجها الذي أعلن عرسه، صار عضواً في اللجنة الدستورية التي ستحضر عرس الدستور السوري بعد تسع سنوات من الحرب على الشعب. فخصمها على أعتاب عرسين؛ عرس الحوريّة وعرس اللجنة الدستوريّة.

توعّدت قائلة إنها لن تدعه يمسح عارضيه ويكتب بجانب اسمه، أو على بروفايله، أو حين يظهر في الفضائيات عضو لجنة الدستور، وأقسمت لتحرمنَّه من شرف الزواج بحوريّة. لن تلدغ من جحرها مرتين.

البداية:

تزوّجت نسرين خصمها الحالي سربوط بعد قصة حب تجاوزت الطبقات، هي ليست طبقات بالمعنى الاجتماعي، فكلتا الأسرتين من الطبقة المتوسطة، وهي تسمية حديثة، وهي طبقات مال لا طبقات شرف، والمال يذهب ويعود لكن الشرف إذا ذهب يفوت، فحبيبها سربوط في أيام الزمن الجميل كان عاملاً لدى والدها في المستودع الكبير، وسيماً، مؤدّباً، يصرف له والدها بعض المكافآت، بل ويصله ببقايا الثياب الفائضة عن أولاده، وسربوط اسمه المكتسب في ألمانيا بعد شرائه مطعماً من تركي اسمه سربوط، فغلب عليه الاسم، وقد وقعت نسرين في حبّه، فاعترض والدها ثم ما لبث أن وافق، فالناس سواسية، كان الأب فقيراً في شبابه، مثل سربوط الذي كبر وصار عضواً في اللجنة الدستورية، سيحضر مع 149 عضواً  عرس الدستور، والمأذون هو بوتين، أبو الدستور الحالي، بيدرسن هو عم الدستور.

نزحت نسرين باكراً مع سربوط الذي تزوجته إلى المانيا، وافتتحت مطعماً للمأكولات الشامية، فيه لمسات أنثى، درَّ عليها وزوجها ثروة لا بأس بها، وأنجبت منه ثلاث بنات جميلات، وعاشت معه في تبات من غير سكر نبات، فالحياة مريرة، والأنام غضاب، والحبُّ يفسد بسرعة هذه الأيام في مواقع التواصل التي تحضُّ على التواصل غير الاجتماعي وتغري بالخيانة، استمر الحبُّ ما يقرب من عشرين سنة حتى اندلعت الثورة، وكانت في زيارة إلى سوريا، واعتقل زوجها بالغلط أو بالشبهة أو حسب الكنية، وكان الاعتقال في أول الثورة ملتبساً، والنظام محتاراً، بعض الجهات المختصة يعتقلُ ويقتل، وبعضها يفرجُ عن المعتقلين بعد عركة أذن، خرج بعد شهر وكتب بعض المنشورات على فيسبوك وصار بطلاً له آلاف المتابعين، ثم ما لبثوا أن تكاثروا، فسُرَّت نسرين من سربوطها، لكنه خذلها وتركها بعد أن صفَر أسته، فطلقها وأعلن عرسه على عروس تصغره ربع قرن، لقد تغيّرت أحوال الدنيا، وصار من طبقة أعلى من طبقتها بالمال والشرف أيضاً. فيسبوك يمنح الشرف هذه الأيام، بل ويدرُّ مالاً. الشرف كان أحمر اللون فصار أزرق. عادت إلى ألمانيا وتأخر زوجها، ثم هاهوذا يصدر على صفحته صوره مع عروسه الصغيرة الأميرة الحلوة، وهي تكاد تحترق مذبذبة ولا تجرؤ على العودة لا إلى مناطق المعارضة المحترقة ولا مناطق النظام التي تغدر بالعائدين.. فهناك خلط بين أعضاء الوطن، الحضن هو قفاه، وقفاه هو الحضن، ومن يضلل اللَّهُ فلن تجد له سبيلاً.

تشكو نسرين المكلومة إلى المعارف والمقربين من زوّار مطعمها في مدينة ماينز كبرى مدن أقليم رانيلاند خيانة زوجها، فيواسونها وينصحونها بالكتمان والصبر وتجنب نشر الفضائح، فهي تؤذي ولن تجدي، سربوط بطل إعلامي له متابعون، ما إن يظهر “مباشر” على صفحته حتى تتفجر عشرات القلوب الحمراء، مثل فقاقيع الصابون من فم الطفل اللعوب بمدفع الفقاقيع فيزداد غضبها، وتتوعد بالانتقام وتقول لن يكون اسمها نسرين إن لم تنزعه ليس مثل الشعرة من عجين اللجنة الدستورية التي ستدخل الفرن في الأيام القادمة، بل ستخلعه مثل البصلة من شعرها من تحت الطين.

وتدخل على حسابه بأسماء مستعارة أو باسمها وتشتمه، أو تعيّره بفقره أيام الشباب، أو تذكره ببناته الثلاث، وتضع أحياناً صورهن فيحذفها، على طريقة وليد المعلم الذي سخر من وزير خارجية أمريكا وقال: من بومبيو؟!

حكاية ثانية مقطورة بالحكاية الأولى:

في وسط مدينة ماينز مسرح هذه الأحداث قصة حبٍّ أخرى منكوبة ومعكوسة بين رجل لقبه خربوط وبين زوجته شيرين التي خانته، ولهما بنت وولد، وقد انتهت إلى نهاية حزينة، فخسر خربوط زوجته ومطعمه أيضاً، وهو مشرّد في الشوارع يدخن ويشرب ويشكو إلى العابرين السوريين الخارجين من المطعم نكبته. ضبط زوجته تخونه بالجرم المشهود مع أعزِّ أصدقائه، وبدأ مثل نسرين حرباً ضد طليقته على فيسبوك، يسدِّد فيها لزوجته شتائم فاحشة كالتي يطلقها السوقة، ويكشف أسراراً عائلية وزوجية، ويذكر فضائح جنسية، منها أنه كان يتغشاها في الأسبوع مرتين، وهذا يروي نهم كل أنثى، ويصفها بالعاهرة وصفات أخرى تمنعها قواعد النشر الصحفي. وخربوط اسمه الجديد، وسيأتي سبب هذه التسمية بعد قليل. القضاء الألماني يقف مع المرأة، ظالمة أو مظلومة، وقد حكم لها بالمطعم وولاية الولدين فخرج من المولد بلا حمص أو فلافل.

باتت نسرين في الآونة الأخيرة تدخِّن كثيراً وتنفخ النار من منخريها، فنحتار هل الدخان من إثر حريق التبغ أو من إثر حريق في جوفها، ونحن نجتمع في مطعمها مرة واحدة في الشهر ونولم وليمة، وهي تولينا عناية خاصة، وتجلس معنا وتشكو سربوطها الخائن، فنحاول مواساتها، قالت لنا إنها مطلّقة ولم يعد لها شأن بزوجها، وإن الزواج حق شرعي في الدين والدنيا أو في الدين والمدنية، وقد ترك طليقها ألمانيا وجنسيتها وعاد إلى حضن الوطن ويعيش في مناطق النظام، وسيمثل العريس المجتمع المدني في اللجنة الدستورية.

فتقول: يتزوج، لا مانع إلى جهنم الحمراء. لكنكم تنسون أيها السادة أنَّ العروس هي أختي. وهي صغيرة وغرّة.

هذه أولى المفاجآت!

نسأل: ألم تحاولي هداية أختك ونصحها؟

قالت: أختي صغيرة وحمقاء، وهي أخت نسب ودم لا أخت معشر وصحبة، تركتها وهي طفلة ولا تكاد تعرفني، ولا دالة لي عليها،فهي أخوة ناقصة، وقد أغرمت به وبلايكاته الكثيرة، ولم تنفع كل نصائحي لها وقد بلكتني وحجزتني. ولا كبير في العائلة بعد أن مات الوالدان وتفرق الأهل في القارات السبع.

نقول لها: الشرع يبيح الزواج بأخت الزوج بالطلاق، أما اليهود فيجيزون الجمع بين الأختين تحت سقف الوطن.

فتسكت، وتقول إنها تستطيع أن تدمّره بما لديها من صور وأفلام، صوّرته بمكر النساء في مخدعه، وأسرّت لي النجوى مرة أنه لم يبق لها سوى طريقة واحدة في تدميره وهي أن تنفذ تهديدها له بكشف الصور مع عاهراته الكثيرات على صفحتها، فنصحتها بأن تعقل، فبناتها سيتضرّرن، وقد يحذف فيسبوك الصور ببلاغات متابعيه.

قالت إنها قابلت غير بيدرسن نفسه، رابع مبعوثي الأمم المتحدة إلى سوريا لتحطيمها، وأخفقت محاولاتها في إسقاط اسمه من اللجنة. روت لي أنها ذهبت إلى جنيف وترصدته على طريق مكتبه، انتظرته كما كانت أم الطبيب البريطاني عباس خان تنتظر بثينة شعبان، حتى استطاعت مقابلتها وردّت عليها ذلك الرد. وسكتت ونفخت دخانها الذي لا نعرف هل هو دخان التبغ أم دخان الكبد، وقالت: فاجأني بيدرسن الذي أريته صور زوجي وهو يفحش بالنساء على سريري وفي بيتي بقوله إنّ هذا شأن شخصي، وذكر أن سربوط أبرز عضو في اللجنة الدستورية وله فلورز، ونصحني بعدم نشر الصور، نشري لهذه الصور له مضاعفات قانونية. وهي إساءة وطنية لدستور الوطن القادم.

 كنت أريد أن أسألها عن خربوط الذي فقد كل شيء وهو لقب أطلقناه عليه بعد أن تخربط، وفقد نصف عقله، وأن أختها شيرين زوجة خربوط فعلت بزوجها ما فعل سربوط بها فقالت: لا أعرف ما بينهما، وقد استخلعت من زوجها، وصاحبت عشيقها، وخربوط ضحية أختي الفاجرة.

حكاية ثالثة مقطورة بالأولى والثانية:

 مطعم أختها قريب، ونراها أحياناً مع عشيقها زعبوط، وهو لقب أطلقناه عليه، من أجل التجانس الذي يحبّه الأسد في المجتمع ونحبّه في الحكاية ويشاع أنهما سيتزوجان، لكنه حالياً بوي فريند.

تعجب الصحب على المائدة من تصاريف الأقدار التي جمعت هذه المقادير فسربوط وخربوط أخوان ومتسالفان ونسرين وشيرين أختان ومتسالفتان، وتمنى بعضنا لو يجدّد فراشه كما جدده سربوط من تلك الأميرة الصغيرة، بل إنَّ أحدهم دخل على صفحة سربوط ووضع له قلباً أحمر، قلت لصحبي: هذه توافقية (متتالية رياضية) عاطفية معروفة، فقد وقع أمر مشابه للأعشى ولم يكن عضواً في أي لجنة دستورية، وقال:

عُـلّـقْـتُـهَـا عَـرَضـاً، وَعُـلِّـقَـتْ رَجُــلاً / فَـــاجــتَـمَـعَ الـحُــبّ حُــبّ كُــلُّــهُ تَــبِلُ

فَـكُـلّـنَـا مُـغْـرَمٌ يَــهْــذِي بِــصَــاحِــبِــهِ / نَـــاءٍ وَدَانٍ، وَمَــحْــبُــولٌ وَمُــحْــتَــبِلُ

 وشرحت: يجوز كلاهما: مخبول ومختبل، أو محبول ومحتبل، أي واقع في الحبائل والفخ. ومعنى تبل أي ذهب عقله. وقد ذهب عقل زعبوط.

 قلنا لها: هوّني عليك فاللجنة مضروبة، وستُلعن من الطرفين لعناً كبيراً.

اقترح عليها أحد أصحابي مرة: لمَ لا تتزوجين خربوط، فتردّين لسربوط الصاع صاعاً، هو تزوج أختك وأنت تتزوجين أخاه وتنتهي المعركة سجالاً بينكما.

فسكتت، فأختها حوريّة عروس صغيرة، بينما كبرت في السنِّ ولم يعد يطمع بها أحد، فهي على أعتاب الستين، وخربوط خسر نصف عقله من الصدمة، وهو نادم لأنه لم يفعل مثل أبو مروان الذي قتل زوجته لأسباب أقلَّ من الخيانة الزوجية، وهي تخشاه، وطلبت من الشرطة طرده من أمام المطعم الذي يخافر على بابه كل يوم، بل إنها تخشى أن تتضاعف الخسارة.

 فوائد الحكايات الثلاث:

أولى الفوائد هي العظة والعبرة يا أولي الألباب، ومن العبر أن سربوط فاز بالعروس والعضوية الدستورية لكنه خسر أخوه، وإن نسرين خسرت أختها لكنها كسبت المطعم والولاية على البنات، بينما خسر خربوط كل شيء.

الثانية إن اللجنة الدستورية مليئة بالزعابيط والصبابيط والسرابيط وكان يمكن أن نصحف الكلمة الأخيرة إلى كلمة أخرى لوصف هؤلاء السرابيط لولا قواعد النشر الصحافي.

الثالثة إن الألقاب أغنتنا عن ذكر الأسماء الحقيقية لأبطال الحكايات وهم من لحم ودم ودولارات وشهوات.

  الرابعة تأويل وهي أنّ:

قسمة النظام في الدستور الجديد، يمثلها سربوط الذي تزوج الكبيرة ثم غرّر بالصغيرة.

قسمة المعارضة، يمثلها خربوط الذي فقد عقله وتخربط خربطة.

قسمة المجتمع المدني، يمثلها زعبوط، الذي يعيش مع الحلوة الثانية مساكنة هانئة.

وهناك فوائد أخرى ذكرها يطول أهمها. ذهاب الأخلاق قوام قيام الأمم برأي أحمد شوقي.

قلت لنسرين: قرأت بعض منشوراتك، ورأيت فيها حبّاً قديماً يلوح خلال عبارات الوعيد. ويبدو أنه يحبّك فقد تزوج أختك لأنها تشبهك. إنه يريدك على الصورة القديمة التي أحبّك عليها، أنت تحنّين له يا سيدتي القطة، والقطة تحبّ خنّاقها.

 فلم تقلْ شيئاً.

ما زلنا نراها تدخن بشراهة كلما زرنا مطعمها، كأنَّ الدخان يصدر عن كبدها وليس عن سيكارتها، وتوصلنا إلى الخلاصة التالية: بأن سربوط قد فاز بحصة الأسد، وأنَّ الأسد بعد أن دمّر سوريا سيجدّد فراشه الدستوري، وأنَّ الأقسام الثلاثة المشاركة في صياغة الدستور شربوطية وخربوطية وزعبوطية هي كائنات بوطية، جاءت من البوط وإليه تعود، وهي أهم الفوائد من الحكايات الثلاث.

  المدن

أنظر تغطيتنا السابقة لنفس الموضوع

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق