أبحاث

عن مأساة “مازن حمادة”

كيف اختفى مازن الحمادة الناجي من مسالخ الأسد؟

نجا مازن الحمادة من أقبية التعذيب الأسدية وقام بما لا يجرؤ أحد على القيام به: أخبر العالم بما حصل له حتى قبل أن يلجأ إلى هولندا. اليوم مازن مفقود وتخشى عائلته من أنه في قبضة النظام.

“في آخر اتصال له قبل اختفاء آثاره، كرر مازن جملة: ادعيلي. كان صوته يرتجف خوفاً. أشعرني بأن هناك من ينصت إلى المكالمة”، كما يؤكد ابن أخيه. أكد مازن لأفراد عائلته الشيء الذي لا يريدون سماعه: أنا في سوريا، أنا في مطار دمشق الدولي.

آخر ما قاله مازن لابن أخيه: “ابن أخوي، ادعيلي”.

انقطع الخط بعدها.

كان يوم أحد، بعد دقائق من منتصف الليل، بقي زياد على الطرف الآخر من الخط في مدينة كريفيلد الألمانية، يكفر ويشتم عمه مازن: “يلعن كل شي يا مازن، ليش رجعت على سوريا؟”.

مازن الحمادة (42 سنة) عاش في الفترة الماضية في بلدة هيليخوم في قلب منطقة التوليب، في وضع يشبه الأمان ظاهرياً. لكنه لم يكن لاجئاً سورياً عادياً. هو أحد السوريين الشجعان في أوروبا الذين لا يتجاوز عددهم أصابع اليد الواحدة ممن تجرأوا على التحدّث علناً، وقدموا شهادة علنية عمّا تعرضوا له من صنوف التعذيب في سجون بشار الأسد.

قدم مازن قصة تعذيبه للسياسيين والمنظمات الحقوقية في واشنطن وفي جينيف ولندن. “لقد كان بارزاً في أوروبا”. قالها أوغور أنغور، الباحث في المركز الهولندي لتوثيق الحرب، الذي يبحث في قضية التعذيب في سوريا. يسأل أوغور، “ما الذي جعل مازناً، وهو رمز من رموز المقاومة ضد الأسد، يذهب إلى سوريا، البلد الذي أوصله إلى الموت تعذيباً؟”.

نشأ مازن وترعرع في قرية قريبة من موحسن في شرق سوريا والتي تلقب بموسكو الصغرى، لكثرة الشيوعيين من أبنائها المعادين لنظام حكم الأسد. كان مازن يعمل في شركة فرنسية للتنقيب عن النفط في سوريا. مع انطلاقة الربيع العربي ووصوله إلى سوريا بدأ مازن يعمل على تنسيق الاحتجاجات الشعبية ضد الأسد.

كما الكثير من المتظاهرين تعرض مازن للاعتقال مرتين وفي كل مرة كان يخرج بعد أيام ليعاود نشاطه. في المرة الثالثة، اعتقله الأمن الجوي في دمشق في آذار/ مارس 2012. بقي معتقلاً لمدة سنة ونصف السنة، متنقلاً بين سجون عدة منها المستشفى العسكري والمعروف باسم المسلخ.

أخلي سبيله من دون أن يفهم السبب، إنما كان واضحاً أن عليه مغادرة سوريا. وصل مازن عام 2014 إلى هولندا كلاجئ محطم جسداً وروحاً. التقت الجريدة بمازن عام 2014، كان مدهوشاً بكثرة الدراجات بهولندا. عندما سألناه وقتها إن كان يمكن أن يعيش مرتاحاً؟ أجاب: لا أدري. يقول عن نفسه إنه مجرد شبح. “أنا عايش، لا أكثر”.

تعيش أخت مازن وزوجها في بلدة هيليخوم، حيث حصل مازن على شقة صغيرة في الطبقة الأولى من بناية مخصصة لأصحاب الدخل المحدود. وكما جميع الوافدين كان عليه متابعة دروس اللغة والاندماج. لم يتمكن من تعلم اللغة الهولندية. “لا أستطيع حفظ أي شي، مخي مليان”، هكذا يقول لنسيبه عامر عبيد.

تعذيب حتى الموت

ما يميز سوريا عن غيرها من الدكتاتوريات في التاريخ الحديث هو قتل آلاف الناس منذ قيام الانتفاضة السورية في 2011 بتعذيبهم حتى الموت. في بحوث التعذيب المقارنة، هذه السياسة هي استثناء. “تعذيب الشخص حتى الموت، طريقة مرعبة لتنفيذ الأعدام”، كما قال أنغورو الذي يبحث في انتهاكات نظام بشار الأسد حقوق الناس. “بعد 2011 أصبح هدف التعذيب إرهاب الشعب لا الحصول على معلومات”.

أغلب الناجين من التعذيب في أقبية الأسد يخافون أو يستحون من التكلم عما أصابهم. مازن قدم كامل قصته لمجموعة بحث سورية “مركز توثيق الانتهاكات بقيادة رزان زيتونة” عندما كان في سوريا. ومن مكان إقامته في هولندا عمل مع “اللجنة الدولية للعدل والمحاسبة”، ومع الكثير من منظمات حقوق الإنسان المدعومة من الغرب في محاولة لتطبيق العدالة على موظفي النظام السوري.

في الفيلم الوثائقي “اختفاء سوريا”، يروي مازن عن أساليب التعذيب التي مارستها عليه المخابرات الجوية. اعترف بأنه صور التظاهرات وسلاحه كان كاميرا “توشيبا”. المخابرات الجوية اتهمته بقتل جنود ومهاجمة حواجز النظام. ومع إنكار مازن هذه التهم، انسحب المحقق تاركاً أربعة من الوحوش يضربون الشاب المسكين. كسروا أضلاعه وعلقوه من الكلبشات على إطار نافذة، بينما رجلاه تلوحان في الهواء بارتفاع نصف متر عن الأرض، وفق ما رواه مازن للجريدة في لقاء عام 2014. أجبروه على نزع ملابسه، ووضع الجلادون زوجاً كبيراً من الكماشات على أعضائه التناسلية.

“بقوا يقرصون هذه الكماشات شيئاً فشياً ويشدونها حتى قطعوا القضيب”، يقول مازن في “اختفاء سوريا”. ثم قاموا باغتصابه بإدخال أداة حادة في فتحة الشرج. وتابعوا بهذا الفعل حتى اضطر أن يقبل بتوقيع ما يريده المحقق الذي كان ينتظر في الغرفة المجاورة.

العنف الجنسي هو أمر يومي في السجون السورية. إنه لأمر استثنائي أن تتحدث الضحية عن هذا بالاسم وبشكل علني. لكن ما يجعل قصة مازن فريدة من نوعها هو أنه نجا من المستشفى 601 في دمشق، المعروف باسم “المسلخ”.

وفقًا لمنظمة حقوق الإنسان “هيومن رايتس ووتش”، هذا واحد من مستشفيين حيث قتل أكثر من 6000 سجين بين عامي 2011 و2013. قام مصور عسكري عُرف بـ”قيصر” بتهريب صور الضحايا خارج البلاد عندما انتقل إلى الغرب عام 2013.

أحضروا مازناً إلى المستشفى 601 لأنه يتبول دماً، بسبب ما تعرض له من تعذيب. في المرحاض، رأى ثلاث جثث مقيدة ومرمية. وهو مقيد بالسلاسل في سريره، كان مازن يشاهد كيف يُضرَب أحدهم حتى الموت. أدرك أنه يمكن أن يكون الضحية التالية. فقرر أن يدّعي أنه تعافى لعله يهرب من هذا الجحيم. هل سيأخذونه مرة ثانية إلى سجن التعذيب؟ ليعلقوه هناك مرة أخرى من معصميه؟ يبدو له أن الجلادين يشعرون بالإحباط لأنه لا يزال على قيد الحياة.

تعرض مازن لإصابات دائمة بسبب التعذيب. “لا تحكي معي بهذا الموضوع”، يقولها وهو يبكي، في كل مرة يفتح معه عامر عبيد زوج شقيقته موضوع الزواج. فيقول له وهو لا يدرك حال مازن، “أنت رجل في مقتبل العمر. حان وقت الزواج”.

قام مازن بزيارة “مركز أرك 45” وهو مركز مختص في علاج آثار صدمات الحرب، كما يقول عامر. ولكن سرعان ما توقف عن العلاج. “كانوا يضعونه في غرفة مغلقة، وهو شيء لم يستطع تحمله”. بعدها بدأ يفقد السيطرة على حياته. بحسب عامر، الذي يعيش في مكان قريب “أصبحت شقة مازن عبارة عن فوضى متراكمة، بينما مازن يمضي أيامه في التحشيش والتدخين خلف حاسوبه المحمول”.

البيروقراطية الهولندية

خنقت البيروقراطية الهولندية مازناً. في مجتمع صغير من الناشطين المناهضين للأسد، يعتبر بطلاً، على رغم صعوبة التعامل معه. لكن الحكومة الهولندية تنظر إليه في المقام الأول كطالب لجوء عاطل من العمل. هذا التناقض يتجسد أكثر عندما يكتشف موظف في الخدمة الاجتماعية في البلدية أن مازناً سافر مرة أخرى إلى الخارج ليروي قصته دولياً.

يقول عامر، الذي كان يتولى مهمة الترجمة بين مازن وموظف البلدية، إن الأخير أبدى غضباً من مازن، معتبراً أنه لا يحق له السفر من دون إعلام البلدية، وإلا فإن البلدية ستحسم من راتب البطالة الذي يتلقاه عن الأيام التي غابها. أما عن كون مازن شاهداً في مسألة ذات أهمية دولية، فإن هذا آخر ما يمكن أن يهم موظف البلدية. يقول عامر: “الطريقة التي استجوبه بها موظفو البلدية تشبه طريقة المخابرات الأسدية. لقد ضغطوا عليه كثيراً”.

تقول البلدية إنها غير قادرة على الرد على حالة مازن بسبب ” قانون خصوصية عملائنا”. نحن نعرف أن هدف الخدمة الاجتماعية هو “جعل السكان مستقلين قدر الإمكان من حيث العمل والدخل والرعاية”. “الحق في الحصول على راتب البطالة يُصان وفق ما على مستحقه من حقوق وما عليه من واجبات”. “من لا يلتزم بهذه القاعدة ولا يستجيب للطلبات المتكررة للالتزام فيحق للبلدية التوقف عن دفع راتب البطالة له”.

نقطة الانكسار

زادت الأمور سوءاً في 12 تشرين الثاني/ نوفمبر 2019. فعند عودة مازن إلى المنزل، اكتشف أن مفتاحه لم يعد يناسب قفل الباب الأمامي. قامت شركة السكن بالاستيلاء على بيته وأغراضه وطردته منه. فقط عندها عرفت شقيقة مازن وزوجها أن مازناً لم يدفع بدل الإيجار منذ شهور.

يقول المتحدث باسم شركة السكن خروت إن الإخلاء هو الملاذ الأخير إذا فشلت محاولات مساعدة المستأجر في التخلص من متأخرات الإيجار كما ادعى. ويقول إن هناك فريقاً مختصاً بمساعدة المستأجرين الذين عليهم إيجارات متأخرة الدفع. يقول غورت: “بالطبع نتعامل كثيراً مع ناس يعانون من مشكلات عقلية. نحاول إيجاد حلول لهم، بالتعاون مع الفريق الاجتماعي التابع للبلدية وشبكة الرعاية الصحية”.

“نحن دائماً نأخذ الظروف الخاصة في الاعتبار وقمنا بذلك هنا. لكن إذا لم تقدم مساعدة حقيقية، فستقف شركة السكن عاجزة”، كما يقول خروت. “لقد تمت الموافقة على الطرد من قبل المحكمة وتم اعلام المستأجر بذلك”.

تم حجز كمبيوتر مازن المحمول، مع وجود أدلة محتملة ضد الحكومة السورية. أشياء مازن محجوزة عند شركة “بوردر” في مدينة هارلم. صاحب الشركة لا يريد الخوض معنا في الموضوع ولا يريد الإجابة على أسئلتنا. عموماً، كما يقول، عند الحجز على الممتلكات فإنه يتم تخزين الأشياء ذات القيمة الاقتصادية أو الشخصية لدى شركة تخزين خارجية لمدة 13 أسبوعاً وبعدها يتم إتلافها”.

 انفصام

كان مازن يعيش في واقع مختلف. يخبر أحد معارفه في اسكتلندا واسمه إدريس أحمد بأن “أشخاصاً من أجهزة المخابرات الهولندية اقتحموا منزله وصادروا وثائقه”. يضيف أحمد أن مازناً مصاب بالفصام.

من دون منزل وممتلكات، سكن مع شقيقته مها وزوجها عامر في هيليخوم. كان يجلس هناك على الأرض، ملفوفًا ببطانية. يحشش كثيراً وبالكاد يأكل. كان يثرثر ليالي بطولها على الهاتف. يقول عامر: “أصابني الفضول لأعرف مع من يتحدث هذا الوقت كله ولا يسكت، لم يكن هناك أحد على الجانب الآخر من الخط، كان يتحدث إلى نفسه”.

قال مازن مراراً وتكراراً: “أريد العودة إلى سوريا”. لم يأخذ أي شخص هذا الكلام على محمل الجد.

لكن مازناً غادر بلدة هيلخوم في 15 شباط/ فبراير. “أنا ذاهب إلى أصدقاء لي في ألمانيا”، قالها في الوداع الأخير. يعتقد الجميع، أخته وزوجها وأيضاً ابن أخيه بأن أناساً في برلين يعملون لمصلحة النظام تواصلوا معه. “لا نعرف كيف سحبوه. من المحتمل أنه تم اللعب على مشاعره بأن يعود إلى سوريا، مقابل الإفراج عن عدد من أفراد الأسرة الذين ما زالوا في السجن هناك. هناك شائعات وادعاءات انتشرت في وسائل التواصل الاجتماعي عن أن مازناً اتصل بالسفارة السورية في برلين. اتصل فريق الصحيفة بالمركز الديبلوماسي في برلين ولكن لم يجب أحد على اتصالنا”.

السفارات السورية في أوروبا هي قاعدة معروفة لجواسيس الأسد. يقول زياد، ابن أخ مازن الذي يعيش في كريفيلد: “تحاول مافيا السفارة إبقاء اللاجئين في ألمانيا تحت السيطرة”. ووفقاً لأنغور “من المؤكد مئة في المئة أن أجهزة المخابرات السورية تنشط أيضاً في هولندا”.

هل عاد إلى سوريا؟

أول رسالة تفيد بوجود مازن في سوريا تم نشرها على مجموعة في “فايسبوك” مؤيدة للنظام في يوم السبت 22 شباط. عندما سمع زياد ابن أخيه بذلك اتصل به عبر الواتساب، وهذا الاتصال هو الدليل الوحيد على أن مازناً موجود حالياً في دمشق. يروي زياد أن عمّه أخبره بأن السلطات السورية خيرته بين الخضوع لتحقيق بسيط في دمشق أو المغادرة يوم الأحد 23 شباط إلى الخرطوم، عاصمة السودان للعودة من هماك إلى هولندا.

يقول زياد: “أظن أن الأمر يبدو غريباً وغير معقول، ولكن هذا ما قاله لي. لم يكن في حالة جيدة وكان يتحدث بغرابة، كما لو كانوا قدموا له حبوب هلوسة أو مخدرات. كان زياد يحث مازناً على محاولة مغادرة سوريا لأي جهة كانت. آخر ظهور لمازن على واتساب كان عند الثانية عشرة و12 دقيقة بعد منتصف الليل من يوم الأحد 23 شباط”.

تقوم الشرطة في هولندا بالتحقيق في اختفاء مازن. تطلب إدارة التحقيق في المقاطعة من الشهود تقديم شهاداتهم حول القضية. قال متحدث باسم وزارة الخارجية إن هولندا “لا يمكنها تقديم المساعدة القنصلية في سوريا”، وأنه حتى الآن لم يتم إجراء أي استفسارات حول الإقامة الحالية لمازن. ليس من الواضح كيف سافر مازن إلى سوريا على الإطلاق. وفقاً لعائلته، لم يكن لديه جواز سفر ساري المفعول.

يقول الباحث أنغور إن “الحصول على مازن هو انتصار سياسي وأخلاقي للنظام”.

تأمل شقيقة مازن وزوجها بالحصول على أي علامة على أن مازناً على قيد الحياة. كان مازن ضعيفاً بالفعل في هولندا، ناهيك بما تعرّض له عندما وقع في أيدي مسؤولي الأسد. يقول عامر صهر مازن: “هذا النظام قذر وأخلاقه قذرة. نخشى أنه خلال فترة ما، سيضطر مازن إلى الظهور على شاشة التلفزيون السوري مجبراً على تكذيب نفسه ومصابه، وأن يقول، (كل ما ذكرته من قبل ليس صحيحاً)”.

الموضوع ترجمة خالد الحاج صالح

هذا الموضوع مترجم عن volkskrant.nl ويمكن الاطلاع على التحقيق الاصلي في الرابط هنا

درج

في معضلة الإكراه المزدوج.. جاك دريدا وبول دومان ومازن حمادة/ حسام الدين درويش

في عام 1987اكتشف/ كشف طالبٌ بلجيكي كتابات قديمةً لبول دومان تُظهر أنه كان مؤيدًا للاحتلال الألماني النازي ومتعاونًا معه، وربما “معاديًا للسامية”، أثناء الحرب العالمية الثانية، في بداية الأربعينيات. أثار ذلك الاكتشاف حينها فضيحةً أو ضجةً كبيرةً وجدالاتٍ طويلةً. فدومان – أحد أبرز الأكاديميين ونقاد الأدب آنذاك، والذي كان يوصف بأنه “أبو التفكيك الأمريكي” – لم يتحدث مطلقًا عن تلك الكتابات وذلك التعاون/ التواطؤ مع النازية الألمانية. وقد انتظر كثيرون رد فعل دريدا خصوصًا على هذا الاكتشاف، لكونه “الأب الأكبر للتفكيك”والصديق الأقرب لدومان.

وقد أثار رد فعل دريدا امتعاض كثيرين أو انتقاداتهم من جهةٍ، وإعجاب كثيرين آخرين وإشاداتهم من جهةٍ أخرى. والصيغة الأبرز التي حكمت نص دريدا الطويل (30ألف كلمة تقريبًا) تمثلت في صيغة “من جهةٍ …، من جهةٍ أخرى…”.

وقد جسدت هذه الصيغة أطروحة التفكيك، الدريدي والدوماني، عن الإكراه المزدوج double-bind. وبهذه الصيغة حاول دريدا أن يكون موضوعيًّا ومنصفًا في خصوص جانبين أساسيين من جوانب حياة دومان وشخصيته.

فمن جهةٍ، طرح دريدا كل التساؤلات الممكنة المتعلقة بالظروف التي عاش فيها دومان، والضغوط التي يمكن أن يكون قد تعرض لها آنذاك، والعوامل المختلفة التي يمكن أن تكون قد دفعته إلى ما قام به آنذاك. لكن كل هذه التساؤلات وغيرها لم تمنع دريدا من انتقاد أو إدانة هذا التعاون/ التواطؤ مع الاحتلال الألماني النازي. و

من جهةٍ أخرى، أبرز دريدا شخصية دومان وأفكاره وأفعاله، بعد فترة الحرب التي شهدت التعاون المذكور، وأشاد بإيجابياتها الكثيرة والكبيرة، ورأى فيها محاولةً صامتةً، من دومان، للرد على تجربته في فترة الحرب/ التعاون. خلاصة رأي دريدا هي أنه ينبغي أخذ الجهتين في الحسبان معًا، وعدم اختزال دومان إلى إحدى الجهتين فحسب.

وهذا يعني أننا أمام طرفين نقيضين يفرضان نفسيهما علينا، ولا يسمحان لنا بإقامة الجدل أو التركيب بينهما، وإصدار حكمٍ شاملٍ أحاديٍّ، في خصوصهما، سلبيًّا كان ذلك الحكم أم إيجابيًّا. هذا هو الإكراه المزدوج، بلغة التفكيك الدريدي والدوماني، وهو الإكراه المزدوج للعمى والبصيرة، بلغة دومان، وللسلب والإيجاب، وفقًا للمفهوم العام.

تذكرت قصة دومان وسرد دريدا لهذه القصة، خلال متابعتي لردود فعل سوريين كثر على خبر عودة “مازن حمادة”المفاجئة أو الصادمة إلى سوريا. فليس سهلًا أن يفهم المرء “العودة الطوعية””إلى “سوريا الأسد”، من قِبَل شخصٍ عانى، معاناةً فظيعةً، من الاعتقال والتعذيب الوحشي في سجونها، وأسهم لاحقًا في فضح هذا التعذيب الممنهج الذي يمارسه النظام الأسدي في تلك السجون. ويمكن الحديث عن ثلاثة أنواع متمايزة من الحقائق أو الوقائع، التي تجسِّد إكراهًا ثلاثيًّا ينبغي أخذه في الحسبان، بكل أبعاده، عند تناول هذه المسألة بالتحليل والتقييم.

من ناحيةٍ أولى، هناك مازن بوصفه معتقلًا وضحيةً من ضحايا نظام الأسد وشاهدًا رسميًّا على جرائمه. وقد قام ﺑ “كل ما بوسعه”، لفضح هذا النظام، والكشف عن حجم الفظائع التي يمارسها في سجونه؛ وقدم شهاداتٍ مهمةً في المحافل الدولية وأمام المؤسسات المختصة والمعنية بهذا الأمر. وبسبب ذلك عانى مازن معاناةً، جسديةً ونفسيةً، كبيرةً، في داخل السجن وخارجه. وقد قدم كثيرون شهاداتهم الشخصية الإيجابية عنه.

ومن ناحيةٍ ثانيةٍ، أظهر تسجيل فيديو، قديمٌ نسبيًّا، تبنيه مواقف بالغة العنصرية والسلبية والسوء تجاه أكراد “البي كيه كيه”وعوائلهم. ويتضمن الفيديو رد مازن على تصريحٍ مجهولٍ منسوبٍ إلى أحد قيادات الميليشيات المذكورة الذي يهدد فيه العرب، في الرقة ودير الزور، بالقتل والتهجير وما شابه. وفي الرد/ الفيديو، يتهجم “مازن حمادة”على أفراد هذه الميلشيات، وينعتهم بأبشع الصفات النمطية التحقيرية، ويهددهم ﺑ “الدبج (الدعس) على نسوانهم وعجيانهم”، ويدعو إلى “تطيير” (قتل) ألف أو ألف خمسمئة شخصٍ منهم”، “ليكونوا عبرة لمن يعتبر”… إلخ. ولتوضيح هذه الناحية الثانية، والتمهيد لعرض الناحية الثالثة، من الضروري الإشارة إلى أنه لا ينبغي الاقتصار على فهم هذه المواقف العنصرية، البالغة السوء، أخلاقيًّا وسياسيًّا، على أساس التوترات الموجودة بين بعض السوريين العرب وبعض السوريين الأكراد عمومًا، وأولئك المنحدرين منهم من منطقة الجزيرة السورية خصوصًا. بل ينبغي أن نأخذ في الحسبان أيضًا توتر علاقات “مازن حمادة”مع سوريين كثر، من أصدقائه السابقين أو معارفه الذين كانت تربطه بهم علاقة جيدةٌ سابقًا.

وقد ظهر هذا التوتر في عمليات الشتم والتخوين التي قام بها مازن تجاه الكثيرين من هؤلاء الأصدقاء والمعارف، بدون وجود مسوغاتٍ معقولةٍ أو واضحةٍ. وبعض من تعرضوا لهذا الشتم و/ أو التخوين قدموا شهاداتٍ شخصيةً سلبيةً جدًّا عنه.

ومن ناحيةٍ ثالثةٍ، وانطلاقًا جزئيًّا مما سبق ومن الشهادات المذكورة وغيرها، يبدو واضحًا مرجَّحًا أن مازن لم يكن، في “الفترة/ السنوات الأخيرة”، “متوازنًا نفسيًّا”، وكان يعاني بالفعل من اضطرابات وأوضاعٍ نفسيةٍ صعبةٍ. وبدا عدم توازنه المذكور في الاضطراب أو التوتر الذي غلب على الكثير من علاقاته الاجتماعية، وفي استسهاله لإطلاق الاتهامات بالعمالة لمخابرات أجنبية أو سورية، أو توهُّمه ملاحقة تلك المخابرات واضطهادها له، أو اعتقاده بتقصُّد مؤسساتٍ هولنديةٍ أو أوروبيةٍ الإساءة إليه، وعدم التفاعل الإيجابي مع حاجاته ومطالبه. ولعل عودته إلى “أحضان جلاديه”تمثل ذروة اضطراباته النفسية والفكرية والأخلاقية والسياسية.

تركزت ردود فعل سوريين كثر إما على الناحية الأولى وإما على الناحية الثانية، مع أخذ الناحية الثالثة في الحسبان، لدرجةٍ أو لأخرى، أحيانًا. فمن ركز على معاناة مازن في سجون الأسد، وبعد خروجه منها، وعلى العمل المهم الذي قام به في خصوص توثيق هذه المعاناة، وتقديم الشهادات، في شأنها، أمام مؤسساتٍ مهمةٍ، رأى أن معاناة “مازن” السابقة والمستمرة حتى الآن، بأشكالٍ مختلفةٍ، تستحق منا الجميع اهتمامًا خاصًّا وتعاطفًا أكيدًا يستوجب عدم المبالغة في تقييم “مازن حمادة” على أساس فيديو لم يشاهده إلا قلة، ولا يمثِّل إلا خطأً اقترفه نتيجةً لأزمته واضطراباته النفسية، بالدرجة الأولى، ولا يعكس توجهًا سابقًا و”أصيلًا”في فكره وأخلاقياته. ويشير متبنو هذا الموقف إلى أن الفيديو ذاته الذي يتضمن الموقف العنصري لمازن حمادة يتضمن أيضًا تشديدًا منه على وجوب أن تكون سوريا المستقبلية دولةً مدنيةً، ودولة مواطنةٍ، وبلدًا لجميع السوريين، عربًا كانوا أم كردًا، وسنةً كانوا أم علويين أو مسيحيين.. إلخ. فهناك ما يمكن أن يسمح بالقول إن ردود فعله الغاضبة والحاقدة والبالغة السوء خلال المهاترات والتوترات بين بعض من العرب والأكراد، من قاطني الجزيرة السورية خصوصًا، لا تعبر عن موقفه، في هذا الصدد، تعبيرًا كاملًا ومنصفًا.

في المقابل ركز آخرون على موقفه المذكور من “الأكراد/ البي كيه كيه”، ورأوا فيه سقوطًا أو انتحارًا أخلاقيًّا لا يغتفر، ويستوجب ليس عدم التعاطف معه فحسب، بل ويستوجب أيضًا إدانته وإدانة موقفه العنصري وإساءاته، الكثيرة والكبيرة، إدانةً واضحةً وشديدةً، في الوقت نفسه. وذهب بعض متبني هذا الموقف إلى انتقاد كل من أظهر تعاطفًا أو تضامنًا مع “مازن حمادة”واتهامهم بأنهم شركاء لمازن في عنصريته وإساءاته الأخلاقية المعنوية بحق الأكراد وبحق الثورة السورية، التي كان مازن يمثلها تمثيلًا رسميًّا أو رمزيًّا.

على الرغم من ضرورة أخذ وضع مازن النفسي في الحسبان، ينبغي عدم اتخاذ ذلك الوضع ذريعةً لتسويغ كل ما قاله أو فعله، ونفي مشروعية أي انتقاد له في هذا الخصوص. ومن الضروري أن ينتبه من ينفي أهلية مازن ومسؤوليته عن أفعاله و/ أو أقواله، إلى أنه يحرمه بذلك من أي جدارةٍ أو قيمةٍ أخلاقيةٍ إيجابيةٍ. فالحكم الأخلاقي يُعلَّق حين يكون الإنسان فاقدًا للأهلية وللقدرة على تحمل المسؤولية. ولا يمكن حينها الإشادة أخلاقيًّا بمثل هذا الإنسان، أو إدانته.

في المقابل، ليس من الإنصاف اختزال شخصٍ مثل مازن إلى خطابٍ عنصري إجراميٍّ قبيحٍ تبناه في سياق المهاترات بين بعض الأفراد المنحدرين من إثنياتٍ مختلفةٍ في منطقة الجزيرة السورية. وثمة ما يسمح بالتفكير في وجود رابطةٍ قويةٍ بين المهاترات المذكورة والمهاترات التي اتسمت بها علاقة مازن مع الكثيرين من أصدقائه ومعارفه السابقين، بغض النظر عن كل انتماءاتهم الإثنية أو المناطقية أو غيرها.

في مثل هذا السياق، نحن أمام ما يسميه التفكيك “الإكراه المزدوج”المتجسِّد في طرفين متناقضين لا يمكن الاكتفاء بأحدهما ولا الجمع الجدلي المتسق بينهما. ويقودنا هذا الإكراه المزدوج إلى لحظةٍ من عدم الحسم أو اللاقرار، لتجنب أي حكمٍ أحاديٍّ أو اختزاليٍّ، أو أي حكمٍ شموليٍّ يزعم إمكانية التوفيق الجدلي بين قطبي أو أقطاب الإكراه المزدوج أو الثلاثي. وفي مواجهتنا لهذا الإكراه المزدوج، من الضروري العمل على تجنب إعادة إنتاج ما نقوم بإدانته؛ وفي هذا التجنب يكمن أحد معاني التفكيك. فمازن أعاد إنتاج خطابٍ منسوبٍ ﻟ “أحد قيادات البي كيه كيه”يتوعد فيه أبناء دير الزور والرقة بإبادة الصغير قبل الكبير. وبعض ردود الفعل على خطاب مازن تعيد إنتاج هذا الخطاب وقيمه أو مضامينه السلبية.

ومن الضروري العمل على الخروج من هذه الدورة الجهنمية من ردود الفعل السلبية، والسعي إلى إيقاف حالة التنابذ المتزايد بين السوريين المناهضين للاستبداد الأسدي. وإذا استمرت الدورة المذكورة، وتصاعدت عمليات تصيد عثرات الآخرين وأخطائهم، والرد عليهم/ عليها بقطيعةٍ كاملةٍ أو بعثراتٍ وأخطاء بل وخطايا أكبر، قد لا يجد السوريون، في المستقبل، سوريًّا، يتصيدون عثراته؛ لأنهم سيكونون، على الأرجح، قد أصبحوا فعلًا، كالعبابيد، أي مثل الاحصنة المتفرقة الهائمة على وجهها والذاهبة في اتجاهات مختلفة.

ليس واضحًا متى تضعف قوة النبذ المهيمنة على العلاقات بين السوريين، وتتحول إلى قوة جذبٍ تسمح بتقاربهم وتعاضدهم. ويبدو أن معظم محاولات التقارب بين السوريين تنتهي ليس إلى الفشل فحسب، بل وإلى ازدياد النفور والتنافر بين المبادرين إلى تلك المحاولات والساعين إلى ذلك التقارب.

وفي مثل هذه الأجواء، ربما يكون ضروريًّا استعادة السؤال اللينيني الشهير “ما العمل؟”، ومحاولة الإجابة عنه بتأنٍ يأخذ في الحسبان الإكراهات والمعضلات الكثيرة التي يواجهها السوريون. وفي إطار محاولات الإجابة عن ذلك السؤال، يمكن التفكير في خياراتنا أو “مهامنا السياسية”. فهناك من يرى أن عودة “مازن حمادة”المفاجئة أو الصادمة، إلى “سوريا الأسد”، لم تكن سوى خيار من ليس لديه وعيٌ أو خيارٌ.

بروكار برس

———————————-

عن مازن حمادة وشجون أخرى/ حسن النيفي

ما تزال تثير عودةُ المعتقل السابق مازن حمادة إلى دمشق ردود أفعال كثيرة في أوساط السوريين، وبخاصة لدى مَن هم خارج سوريا، او مَن هم خارج سلطة نظام الأسد في الداخل السوري، ولا شك أن حادثةً من هذا النوع، سوف تثير صخباً متبايناً، ربما امتدّت تداعياته إلى معظم الأوساط السياسية والإجتماعية، إلّا أن تلك التداعيات تكاد تنحصر في مسألتين اثنتين:

الأولى: سخَطٌ عارمٌ مشفوع بمزيد من الشفقة والتحسّر على الضحيّة ذاتها، إذ إن مازن حمادة، طالما أبكى الكثير من السوريين، وهو يروي – من خلال وسائل الإعلام – وقائع يومياته في سجون الأسد، ويتحدّث بانفعال حارق عن الممارسات الوحشية التي طالت جسده وروحه في المعتقلات، وعن أشكال شتى من الإيذاء الجسدي والنفسي التي لا تقوى قلوب الكثيرين على احتمال سماعها، فكيف سيكون حال من مورست عليه؟

إن الأثر الذي تركته مرويات مازن حمادة في وجدان ونفوس الكثير من السوريين، سيترك صدمة بالغة، ودهشة ممزوجة بمزيد من الاستغراب، حين يتفاجأ الجميع بعودة الضحيّة التي استحوذت على تعاطفهم، إلى دمشق، ليكون بين يدي جلّاديه من جديد. علماً أن ما مورس بحق مازن حمادة من جانب نظام الإجرام الأسدي، قد مورس في الوقت ذاته، بحق الكثيرين والكثيرات من السوريين، فمنذ نهاية سبعينيات القرن الماضي، وحتى اللحظة الراهنة، ما تزال سجون الأسد تحتلّ الصدارة من حيث مستوى التوحّش والإجرام، وأن عدد الضحايا الذين كُتبت لهم النجاة، هو أقلّ بكثير من الضحايا الذين قضوا داخل السجون أو تمّ تغييبهم، أو حرقهم، أو دفنهم في مقابر جماعية في صحراء تدمر، ولعلّ هذا الأمر هو ما جعل قضية المعتقلين في سورية أولويّة وطنية، وليست مجرّد ملف إنساني طارئ.

الثانية: تشير توقعات الكثير من معارضي نظام الأسد، إلى أن عودة مازن حمادة ستكون مشروعاً استثمارياً لسلطات دمشق، بل صيداً ثميناً لأجهزة المخابرات التي ستعيد مازن إلى شاشات الإعلام، لا ليتحدّث عن مأساته ومأساة بقية المعتقلين في السجون السورية، بل ليدحض كل ما تحدّث به سابقاً، وليفضح – وفقاً لما سيلقاه من تلقين – كل الأكاذيب والمؤامرات الإعلامية التي تروجها المعارضة والجهات المعادية لنظام الأسد.

على أية حال، لقد قيل الكثير في الأسباب والدوافع التي تكمن وراء عودة الضحيّة إلى براثن جلّاده، وسواء أكانت هذه الأقوال والتحليلات نابعة من تعاطف، أو غير ذلك، فإن المؤكّد لدى جميع المقربين من مازن، أو ممّن عايشه عن قُرب، بعد لجوئه إلى هولندا، أن الرجل كان في حالة غير سويّة، تجلّت في سلوكه النفسي المضطرب، وتصرفاته غير المنضبطة، سواء حيال قوانين وأعراف الدولة التي منحته حق اللجوء، أو حيال الوسط الاجتماعي الذي يعيش في كنفه، كما كان يعيش حالة إحباط شديدة، فضلاً عن إدمانه على تعاطي المخدرات وما إلى ذلك، ممّا كان له كبير الأثر على قراره بالعودة إلى سلطات دمشق، كما تحدث آخرون عن دور غير منظور لبعض عناصر مخابرات الأسد، أو من كان بمقامهم، باستغلال الحالة المرضية لمازن، بغية التأثير عليه، وإقناعه بالعودة، ولعلّ هذه المسألة تدفعنا للوقوف، باختزال شديد، لدى ضربين من ردّات الفعل، عند نموذجين للمعتقلين والمعتقلات، الناجين والناجيات، من تغريبة السجون الأسدية:

1 – يرى كثير من المعتقلين والمعتقلات، ممّن أمضوا سنوات طويلة في سجون الأسد، وفاقت تضحياتهم جميع التصورات المعهودة، أن خيارهم في معارضة السلطة هو نتيجة موقف وطني بمواجهة سلطة مستبدة غاشمة، إلّا أنه يبقى خياراً شخصياً، لم يلزمهم به أحد، ولا يلزمون به أحداً، وبالتالي يجد هؤلاء في أنفسهم القناعة والاستعداد الكافيين للاعتقاد بأن ما لحقهم من أذى، هو نتيجة لموقف اتخذوه بكامل قناعتهم، ولا يجيز لهم هذا الموقف أن يمنّوا به على الآخرين، أو ينتظروا مكافأة على ما ضحّوا به، ووفقاً لذلك، يرى هؤلاء أن تضحياتهم الجسدية والنفسية جرّاء اعتقالهم ومواجهتهم للسلطة، لا تبيح لهم – بالضرورة – حقّ المطالبة بالتميّز عن الآخرين، أو تجيز لهم مشروعية حيازة التصدّر لأي حراك سياسي، إنطلاقاً من قناعة فحواها:( أنْ تكون مناضلاً ، لا يعني بالضرورة أن تكون قائداً سياسياً). ومن خلال تجربة شخصية، أتاحت لي ملامسة دواخل هذا النموذج من المعتقلين لسنوات طويلة، وجدت في معظم الأحيان، أن صلابة وتماسك مواقفهم لا تعود إلى قوّة وتماسك كياناتهم الحزبية وتجذّرها في الحواضن الشعبية، بقدر ما تعود إلى معين قيمي أخلاقي، يبعث على الاعتقاد بأن سلامة الموقف لا تستمدّ مقوّماتها من موازين القوى المادية، أو من مقدار المنفعة أو الضرر، وإنما تُستَمدُّ من سلامة الضمير، ونُبل القيمة التي يؤمن بها المرء. كما أتاحت لي التجربة، أن أجد أكثر هؤلاء، بعد الخروج من السجن، أنهم الأقدر على التصالح مع واقعهم المعاشي، وذواتهم، وكذلك الأقدر على التعاطي مع المتغيرات الاجتماعية. قد يكون من الصحيح، أن حالة غير قليلة من البؤس النفسي والمادي تحيط بهم، وأن رواكمَ من الوجع لا يمكن أن تغادر دواخلهم، ولكن ربما قدرتهم على تفهّمها، قد أتاح لهم شرطاً لا بأس به لمقاومة تداعياتها.

2 – في موازاة النموذج الأول للمعتقلين، ثمة نموذج آخر، يرى – بوعي أو بدون وعي – أن ما قدّمه من تضحيات في مواجهة السلطة إنما من أجل قضية لا تمسّه كفرد فحسب، وإنما هي قضية عامة، وبالتالي يجب أن تكون معاناته وتضحياته، ليست موضع احترام الجميع فحسب، بل موضع اهتمامهم أيضاً، كما يرى كامل المشروعية لمفردات شقائه أن تكون جسراً يوصله إلى صدارة المشهد، سواء أكان المشهد سياسياً أم عسكرياً، وذلك إبان أي حراك مجتمعي أو ثورة شعبية، وبالتالي، فهو سيبقى ساخطاً على الدوام، مسلوب الاعتبار، ما لم يجد نفسه في الموقع الذي يوازي تضحياته، كما يتخيّل ويعتقد.

أميلُ إلى الظن، أن حالة الإحباط الشديد التي أصابت مازن حمادة – كما يؤكد معظم أصدقائه – والتي كانت إحدى عوامل الخلل في سلوكه، ذات صلة بسمات النموذج الثاني الآنف الذكر من جهة، وكذلك ذات صلة بكيفية تعاطي وسائل الإعلام – المحلية والدولية – مع مأساته كمعتقل مورست بحقه أنواع من التعذيب نادرة الوحشية، و إلى طبيعة تصوّره عن الماهيّة الوظيفية لوسائل الإعلام تلك من جهة أخرى، فحين تقبل كبرى الفضائيات وأكثرها انتشاراً وشهرةً إلى الضحيّة، وتحاول تسليط الضوء عليها، فذلك جانب مهني إعلامي في قسم كبير منه، ولا يعني بالضرورة تعاطفاً أو انحيازاً إلى القضية التي اعتقل مازن لأجلها، وكذلك احتفاء وتودّد وسائل الإعلام ، قبلَ، وأثناء التعاطي مع الضحية، يختلف كلياً عمّا بعده. ما لم يدركه مازن، أن مروياته، وسرديات شقائه، أمام وسائل الإعلام ذات أهمية كبيرة بالنسبة إليه، وإلى أصحاب قضيته ومن يتعاطف معها، ولكنها بالنسبة إلى وسائل الإعلام لن تكون أكثر من مادة إعلامية غنيّة المحتوى، ذات مغزى نفعي في معظم الأحيان، وما لم يدركه مازن أيضاً، أن الإقبال الإعلامي عليه والاهتمام به كمعتقل، والاحتفاء الزائد بمصدر المعلومة، لن يبقى منه سوى المادة الإعلامية، وسيبقى مازن في أرشيفهم الإعلامي مجرّد مصدر معلومة لا أكثر، وبعد ذلك، فلتذهب الضحية في سبيلها، وتواجه قدرها بذاتها.

ما قدّمه مازن للقضية السورية كثير وكثير، سواء في شهادته أمام المحكمة الدولية في لاهاي، أو في غيرها من المحافل الحقوقية الدولية، أو حتى في مقابلاته مع وسائل الإعلام، إذْ أسهم كل ذلك في فضح ممارسات نظام الإجرام الأسدي بحق مئات الآلاف من المعتقلين السوريين، كما أسهم في  دفع قضية المعتقلين إلى أن تكون حاضرة على الدوام في الرأي العام، ولكنّ اعتقاد مازن بأن هذا المسار النضالي سوف يُترجم إلى وقائع مادية تعود إليه بالنفع الوفير، وتمكّنه من الوصول إلى المكانة التي يتخيّل أنها توازي تضحياته، فذلك هو الوهم القاتل.

تلفزيون سوريا

———————————

السوري التائه/ خضر الآغا

خارج الأهداف العامة والكبرى للسوريين المشاركين في الثورة والمنحازين إليها والمؤيدين لها لم يعد، كما يتضح في التعبيرات السورية المتنوعة إن عبر وسائل التواصل أو عبر وسائل الإعلام المختلفة، لم يعد ثمة اتفاق سوري على الكثرة الكثيرة من الأمور التي تحدث ومن القضايا التي تبزغ ومن التفاصيل، وبنوع من التجرؤ في الأحكام يمكن القول إنهم لم يعودوا يتفقون على أي شيء!

ولى الزمن الذهبي الذي أشاع روحًا وطنية عالية بمرجعية الثورة السلمية، ولدى ظهور السلاح بدأ انقسام قاس بين من يؤيده انطلاقًا من رأي أن النظام السوري لن يسقط إلا بالقوة العسكرية، أو انطلاقًا من أن السوريين أرغموا على استخدام السلاح بمواجهة القوة العاتية التي لجأ إليها النظام، أو لاعتبارات أخرى، وبين من رفض اللجوء إلى السلاح تحت أي سبب على الإطلاق.

وتعمق الاختلاف أكثر فأكثر لدى انحسار ظاهرة الجيش الحر، الذي انشق بداية عن جيش النظام السوري الذي يقتل شعبه، وانتشار القتال الفصائلي بغالبية فصائلية انطلقت من مرجعيات إسلامية وليست وطنية سورية، وكان قسم منها مرتهنًا للمموّل وينفذ سياسته لا سياسة الثورة. ولم تستطع المعارضة الرسمية التي تشكلت على خلفية الثورة أن تشكل مرجعية جديدة للسوريين بعد انكفاء مرجعية الثورة التي حصل عليها خلاف حاد هي الأخرى: إذ ظهرت خلافات سورية – سورية  حول تعريف الثورة منذ التسلح وانتشار الفصائل.

بالإضافة إلى ذلك فقد فشل عموم السوريين في تشكيل بنية مرجعية لهم، إن على شكل أحزاب أو هيئات سياسية، أو حتى ثقافية أو اجتماعية أو تجمعات أو تيارات تجتمع على مشتركات وتكون مرجعًا للسوريين في الحالات العامة التي تظهر باضطراد على الساحة المتفجرة. الأمر الذي جعل المواقف والآراء والانحيازات فردية بالمطلق، تتعلق بمزاج وآراء وانحيازات وانفعالات واضطرابات السوري بصفته فردًا!

وعليه فإن أي حديث عن أي أمر طارئ سيكون حديثًا عن آراء السوريين الشخصية، لا عن رأي الثورة ولا عن رأي الفصائل المقاتلة، ولا حتى عن رأي المعارضة المتعلق أصلًا برأي المموّل، وهذا الأخير ليس واحدًا أيضًا، بل متعدد ومختلف ومتقاتل أحيانًا!

لكن انعدام المرجعية السورية حسب ما تقدم هو واحد من أسباب النزاع السوري -السوري الدائم حول كل شيء، قد يكون أحد أهم الأسباب، وربما يكون السبب الأهم، لكن ثمة أسباب أخرى بالتأكيد، أكثرها إيلامًا هو الوضع المأسوي الذي يعيشه السوريون على الجغرافيا السورية الشرسة. هذا الوضع يؤدي إلى مزيد من تشتت رأي السوري وموقفه، ويشتت انحيازاته أيضًا بين من يرى، مثلًا، أن فصيلًا معينًا يدافع عنه وبين من يراه يبيعه. بين من يرى تركيا، مثلًا، تدافع عنه وبين من يراها تبيعه. وهذا يؤدي بدوره إلى بناء آراء متعلقة بكافة التفاصيل التي تنتج عن ذلك. وثمة تشتت أيضًا في آراء وانحيازات ومواقف المعارضين الذين يعيشون في مناطق سيطرة النظام (لا تتحدث المقالة عن المؤيدين الذين لديهم مرجعية ثابتة هي النظام) ناتجة عن تواجدهم في محيط غير آمن أمنيًا من جانب، وعن الوضع الاقتصداي المتردي حد الكارثة من جانب آخر، فمن يبحث عن لقمة العيش وعن الكهرباء والدفء وغير ذلك لن يكون بمستطاعه بناء موقف أو رأي أو انحياز، بشكل متواصل، انطلاقًا من مصلحة الثورة وسوريا المشتهاة!

الوضع المأسوي للجغرافيا وتحولاتها وتقلباتها والكارثة التي يعيشها سوريو “الداخل” سبب انهيارات نفسية عميقة، خاصة، للاجئين في دول الشتات. ثمة العديد من حالات الموت المفاجئ، والعيش في مصحات، والانتحارات، وغيرها… ترمي بظل غامق عليهم. ثمة الكثير من الصفحات تم إنشاؤها على الفيسبوك لأسباب إنسانية بحتة، منها ألا يشعر السوري أنه وحيد، وأن بإمكانه أن يبوح ويشتكي ويبكي دون تحفظات، وأن ثمة من يستطيع المساعدة. بالاطلاع على تلك الصفحات يشعر المتابع أن الكثير، بل الأغلبية من سوريي المنافي يعيشون أوضاعًا نفسية مزرية غلب عليها الشعور بالوحدة والخذلان وانعدام الأمل بل اليأس والشعور بالعجز المبرّح تجاه سوريي “الداخل” من أهل وأصدقاء ومعارف وجيران وأولاد حي… وأولاد بلد!

ثمة إحساس عارم يثيره ما ينشره سوريون مخذولون أن السوري، بمطلق الصفة، مريض. هذه الانهيارات النفسية مثلما هي ناتج تمزقات سورية – سورية هي أيضًا سبب لتمزقات. فالسبب والنتيجة يعملان كشيء واحد في وضعيات معينة ويتبادلان الأدوار.  

هذا التوهان السوري تجلى في الاختلاف حول “كل شيء”. هو سبب ونتيجة. من تجلياته المأسوية هو ذلك التفارق الكبير من مشاعر إنسانية طافحة لدى بعض، وانعدام هذه المشاعر أحيانًا لدى بعض آخر لدى ظهور حالة إنسانية صرف كحالة مازن حمادة، الناجي الذي عاد إلى سوريا النظام بعد أن قام بإجراء الكثير من الظهورات الإعلامية بين مقابلات صحفية وأفلام يروي فيها اعتقاله الخاص واعتقال باقي السوريين، وما عاناه شخصيًا ويعانيه باقي المعتقلين، ونشط في برلمانات أوروبية ومؤسسات دولية عديدة، وشهد على جرائم النظام في العديد من المحاكم الدولية والأوروبية، ونتيجة شعوره بالخذلان العظيم عاد ليواجه مصيرًا يعرفه هو أيضًا عند نظام فعل كل شيء للتعبير عن توحشه وهمجيته تجاه السوريين جميعًا بمن فيهم موالوه، عودة انتحارية صنعها أو سهّلها عليه انهياره النفسي.

السوري المخذول، فاقد الأمل، العاجز عن الفعل، المترقب، الوحيد، الهارب، الجائع، الخائف… كيف، والحال هذه، لا يكون تائهًا؟!

الترا صوت

———————————–

بيان من حزب الشعب الديمقراطي السوري حول اختطاف النظام للرفيق مازن حمادة

مازن ابسيس الحماده، مناضل من أسرة وطنية مناضلة ضد نظام الطغمة التسلطية المجرمة منذ عقود، عرفت بتضحياتها وعطاءاتها من أجل الحرية والكرامة وانتصاراً الثورة.

كان مازن في طليعة شباب الثورة ونشطائها منذ الأيام الأولى. تعرفه ميادين التظاهر وساحات الاعتصام في مدينته دير الزور، كما تعرفه دمشق وريفها كناشط في الحقل السياسي والإغاثي والإنساني في فضاء الثورة واحتياجاتها، مما عرضه للاعتقال ثلاث مرات، كان آخرها عام 2012 هو الأصعب والأشد قسوة وإيلاماً في أقبية المخابرات الجوية، حيث أمضى سنة وسبعة أشهر داخل زنازين التوحش والقتل والموت المحقق لمن يدخلها. وتعرض لأبشع أنواع التعذيب الوحشي والممارسات البربرية التي ترخص الإنسان ولا تعبأ بقيم أو حقوق. وكان لحمه شاهداً على أفظع أشكال التنكيل والإهانة والاستهانة بالروح الإنسانية، وكان شاهداً حياً على ما كان يتعرض له رفاقه وأصدقاؤه على مدار الساعة، حيث يصبح الموت أقصى أمنية المعتقل في تلك الأقبية الدموية المظلمة.

خرج مازن من السجن عام 2014، وتمكن – بعد معاناة مريرة – من مغادرة البلاد والوصول إلى هولندا والإقامة فيها كلاجئ سياسي. وقد نذر نفسه لفضح النظام وممارساته وارتكاباته أمام العالم من موقعه كضحية وشاهد عيان مزود بالأسماء والأرقام والتفاصيل للجلادين والضحايا. وكان لنشاطاته في هذا الميدان بمواجهة الإعلام وأمام الجهات المعنية واللجان المتخصصة بقضايا حقوق الإنسان دور كبير في لفت النظر إلى تجربته ومعاناته وشهادته وأهميتها في الكشف عما يجري في سجون النظام. فعل ذلك في الولايات المتحدة أمام الكونغرس وفي مختلف الدول الأوروبية على المستويين الشعبي والرسمي. كما استعاد نشاطه السياسي في إطار منظمة هولندا لحزب الشعب، ومساهماته وحضوره في إطار نشاطات الثورة وفعالياتها في مختلف الدول والمواقع (هولندا، فرنسا، بلجيكا، ألمانيا، سويسرا، تركيا).

غير أن الرفيق مازن وبسبب صدقه وحساسيته المفرطة، ونتيجة لبشاعة صنوف التعذيب والإهانة والإذلال التي حملها في ذاكرته وروحه الشفافة، تعرض منذ عامين لحالة اعتلال نفسي حادة، أثرت على سلوكه وحياته وعلاقته مع الآخرين. فانفصل عن الحزب، وانعزل عن محيطه الاجتماعي غارقاً في حالة من اختلال التوازن والتأزم النفسي والجسدي أكثر فأكثر، مما جعله هدفاً سهلاً للنظام.

وبسبب الدور الهام والملموس الذي قام به في تعرية النظام وفضحه وإدانته، وضعه النظام في دائرة الاستهداف من أجل إسكاته وإنهاء دوره. ويبدو أنه نجح في استدراجه إلى السفارة السورية في ألمانيا، حيث تولى الجلاوزة والشبيحة أمر اختطافه وإخفائه.

إننا نحمل النظام كامل المسؤولية عن حياة الرفيق مازن الحمادة، وما يمكن أن يتعرض له في هذه المحنة الجديدة. ونطالب الحكومة الألمانية بمساءلة السفارة السورية في برلين عن جريمة اختطافه والكشف عن مصيره، وندعو منظمات حقوق الإنسان والأمم المتحدة للإضاءة على هذا الحدث كجريمة جديدة يرتكبها النظام، ومساعدتنا في البحث عن الرجل ومعرفة مصيره، والعمل على تحريره من قبضة القتلة.

نشكر جميع الأصوات الحرة في فضاء الثورة – والتي تعرف مازن جيداً واختبرته طويلاً – التي تفهمت ظروف الرجل، وقدرت نضاله ومعاناته، وتعاطفت معه في الحالة الراهنة والمحنة الصعبة التي يتعرض لها. حقاً إن الثورة تعرف أبناءها والذين ضحوا من أجل انتصارها.

الحرية للمناضل مازن الحمادة ابن الثورة الأصيل .

الحرية لجميع المعتقلين والمغيبين في سجون النظام ومعتقلاته.

دمشق في 26 / 2 / 2020

حزب الشعب الديمقراطي السوري

الأمانة المركزية

——————————————–

إنتحار معتقل سابق/ عمر قدور

ليست بالخبر العابر العودة “الطوعية” لمعتقل سابق إلى مطار دمشق، ليُعتقل مرة جديدة فور وصوله. بحسب ما نقله موقع “زمان الوصل”، عاد المعتقل السابق مازن الحمادة إلى مطار دمشق من برلين يوم السبت الماضي، بعد تواصله مع سفارة الأسد هناك، ليصل ليلاً ويُقتاد فوراً إلى جهة مجهولة. مازن الحمادة كان قد ظهر في العديد من المناسبات ليفضح التعذيب الذي يُمارس على المعتقلين في سوريا، ومنها هيئات حقوقية وبرلمانية، وهو أحد الناجين من المصير الذي لاقاه المعتقلون الذين ماتوا تحت التعذيب ضمن ما بات يُعرف بملف قيصر.

لا معلومات بعد عن تفاصيل ما حدث، باستثناء تأكيد من يعرفونهم “عبر صفحاتهم على وسائل التواصل الاجتماعي” على أنه لم يكن متوازناً في الفترة الأخيرة خاصة، وكان يتعاطى المخدرات بسبب أزمته النفسية الشديدة. وبصرف النظر عما قد يثيره موضوع تعاطي المخدرات من سلبية لدى البعض، ما هو مؤكد أن المذكور لم يكن في حالة من الاتزان تؤهله لاتخاذ قرار عقلاني، ومن الواضح أن أحداً من أعوان الأسد في أوروبا قد التقط صيداً ثميناً واستطاع التأثير عليه بطريقة ما لإعادته على هذا النحو.

من المتوقع أن تشتغل مخابرات الأسد على استغلال عودة مازن، ولا يُستبعد أن نراه قريباً على واحدة من شاشات تلفزيوناته ليدحض رواياته السابقة عن المعتقلات، وليعترف بأنه كذب تحت ضغوط أو إغراءات المعارضة وجهات أجنبية، وبأنه اكتشف مؤخراً التضليل الذي وقع فيه وقرر التوبة والعودة. أما مصيره بعد هذا السيناريو فلن يكون مهماً، هو لا يعدو كونه ورقة تُستخدم لمرة واحدة، على سبيل التنكيل الإضافي بالضحايا السوريين من قبل عصابة لا تريد إثبات براءتها أمام عالم لديه أطنان من الوثائق تتصل بملف الاعتقال. بعد الاستغلال الإعلامي، لن يكون مهماً إذا تمت تصفية مازن، أو أُبقي قابعاً في المعتقل، إذ هناك في المقتلة السورية ما يكفي من المستجدات ليصبح سريعاً طي النسيان.

ربما يكون أفضل توصيف لقرار عودة مازن هو أنه عند درجة من الوعي، أو اللاوعي، قرر الانتحار. هو لا ينتمي إلى صنف من المعارضة يقع تحت إغواء السلطة ليذهب طامعاً في مكسب، وذاكرته وجسده يحتفظان جيداً بآثار التعذيب السابق بحيث لا يكون مخدوعاً باستقبال مختلف. وهو قد فقد أفراداً من عائلته تحت التعذيب، ويعلم أن نجاته من المصير ذاته أتت بالمصادفة فقط، وأن النجاة من هؤلاء الوحوش لا تُكتب للمرء مرتين. إلا أنه على الأرجح لم يكن قادراً على الانتحار في هولندا، حيث كان يقيم، غير قادر على وعي رغبته وتنفيذها من تلقاء نفسه، ووجد في جلاده القديم الأداة الأمثل لانتحار تراجيدي من دون أن يُعنى بأبعاده التي تتجاوز ما هو شخصي.

قُيّض لكاتب هذه السطور القرب من حالة مشابهة في النتيجة، أي في قرار الانتحار مع اختلاف الحيثيات والمبررات. في خريف عام 2014 قضيت لثلاثة لقاءات ما يقارب العشر ساعات مع معارض قرر العودة، وتواصل لأجلها مع شخصيات معروفة على نطاق واسع بأنها من قوّادي المخابرات في بعض أوساط المعارضة، وحصل على ضمانات بعدم المساءلة أو التعرض للأذى عند عودته. كانت لذلك المعارض الراحل أسباب يأسه من رفاق في المعارضة رأى كيف تسلقوا الثورة وحصّلوا مكاسب منها، ولم يكن على الإطلاق ليأمن جانب سلطة سبق أن اعتقلته لسنوات. كان يضع الاعتقال مرة جديدة أمامه، مع أمل بأن يكون اعتقالاً مخفَّفاً يستطيع احتماله، بينما كنت أصرّ على أنه يذهب إلى الانتحار. في المرات الثلاث كان النقاش ينتهي بموافقته على كل الحجج التي أقدّمها، ليقول إنه مستعد لملاقاة الموت طالما أنه سيتمكن أولاً من احتضان أسرته، فلا أجد جواباً عقلانياً على ما هو حق عاطفياً.

كلما تذكرته، أتخيله راضياً بوفاته في المستشفى بسبب التعذيب الوحشي الذي وقع عليه لأكثر من أسبوع، بما أنه حقق أمنيته العائلية. لكن لا بد أن أتخيل بغصة مساراً مختلفاً لم يكن مستحيلاً وقتها، كأن يُبذل جهد حقيقي من قبل معارفه “ومنهم من تكسّب على الثورة” لإخراج أسرته بدل الجهد اللفظي الذي بُذل لثنيه عن العودة التي نعلم جميعاً أنها تعني الانتحار.

هو ببساطة: انعدام الأمل. هذا ما بدأت آثاره تنكشف مؤخراً، وستتسارع وتيرة انكشافه في المدى المنظور. ثمة كارثة إنسانية كبرى تغطي عليها كارثة إنسانية أكبر. الثانية منهما تمتد من القتلى تحت القصف الوحشي في الداخل، مروراً بما يقارب مليون نازح جديد، وصولاً إلى أولئك الذين لا يعرفون مصيرهم على وقع التفاهم أو عدم التفاهم الدولي والإقليمي على مناطق تواجدهم. ينضم إلى هذه الكارثة لاجئو المخيمات في دول الجوار، وهم تحت سيف العودة الإجبارية في أي وقت تُقرر فيه نيابة عنهم، وتحت ظروف مدقعة من العيش طوال الوقت.

الكارثة التي تغطّى بالمصائب الأعظم السابقة هي كارثة أولئك الذين يُنظر إليهم كفئة ناجية، لأنهم يعيشون في بلدان توفر لهم الأمان والحد الإنساني الأدنى للعيش. هم أنفسهم يخجلون من التحدث عن مصائبهم وهم يرون مصائب غيرهم، وعليهم أن يكونوا ممتنين بسبب نجاتهم، أو عليهم حتى تحمل الإحساس بالذنب لأنهم تمكنوا من النجاة التي استعصت على غيرهم. بعض من في الداخل يغبطهم بالمقارنة مع ظروفه المتردية، ولا توفر أبواق الأسد من كل صنف فرصة لإظهارهم كإنتهازيين يعيشون في بحبوحة.

الدول المضيفة أيضاً، بما فيها الأفضل، تعاطت مع اللاجئين كشرٍّ غير قادرة على تجنبه، وضمن الحدود الدنيا لكونهم بشراً. وهي، إذا أخذنا جانب حسن الظن، لم تكن مهيأة لمواجهة مأساة إنسانية بهذا الحجم، مثلما لم تكن مستعدة لاتخاذ قرار بمنع حدوثها في الأصل. لم يُفكَّر على نحو جدي في آثار الاقتلاع على ملايين السوريين، وفي أن هؤلاء الخارجين من جحيم الأسدية معطوبون والكثرة الغالبة منهم بحاجة إلى عناية نفسية، لا لأجلهم فقط بل أيضاً لأجل المجتمعات الجديدة التي أجبرتهم الظروف على أن يصبحوا جزءاً منها. هناك انشغال واهتمام غربي بمسألة اندماجهم أو عدم اندماجهم في المجتمع الجديد، من دون انتباه مماثل إلى قابلية الاندماج المنخفضة لدى الذين يرون وجودهم في المكان الجديد قسرياً، وأنهم أنفسهم قد تزداد قابليتهم فيما لو حدث تغيير يتيح عودتهم إلى سوريا وفضّلوا بحرية البقاء في أمكنتهم الجديدة.

خلال سنوات من محنة اللجوء، كان منسوب الأمل يتناقص، فلا أمل بتغيير في سوريا، ولا أمل بالعودة أو باتخاذ قرار حر بالبقاء في الخارج. هذا القهر فاقم وسيفاقم العطب النفسي لدى سوريين كثر، وظهرت نتائجه وستظهر تباعاً على نحو مأساوي. يعزز هذه النتيجة النظرة العامة إلى السوريين ككائنات بيولوجية يكفيها البقاء على قيد الحياة، كائنات مجرّدة ومتجردة اجتماعياً ونفسياً وعاطفياً. مع التذكير بأن مآسي هؤلاء الناجين يجب أن تُعتبر دائماً بمثابة ترف، إما بالمقارنة مع سوريين يتعرضون للوحشية الأسدية، أو حتى مع سوريين تتدهور أوضاعهم المعيشية تحت سلطة الأسد.

لعل عودة مازن الحمادة، أو انتحاره على هذا النحو، هي التعبير التراجيدي عن مأساة أولئك الناجين، وقد نشهد تعبيرات أخرى صادمة قد لا تكون من قبيل عودته، أي لا تحمل أي مغزى يمكن استثماره سياسياً أو فهمه سياسياً على نحو مباشر. عندما يضحي شخص بنجاته المزعومة كما فعل يجدر بنا رؤية الأهوال المقبلة، ومساءلة العالم كله عن المعنى الإنساني للنجاة.

—————————-

ما مصير مازن حمادة.. المساهم في اجراءات لمحاكمة الأسد؟

تضاربت الأنباء وردود الأفعال حول مصير الناشط السوري مازن حمادة، بعدما نشرت مواقع سورية معارضة أنباء عن اعتقاله في مطار دمشق الدولي، بعد عودته إلى “حضن الوطن” بموجب اتفاق تسوية عقده مع سفارة النظام السوري في العاصمة الألمانية برلين، تتضمن عودته مقابل الإفراج عن معتقلين من محافظة دير الزور.

وفيما لم يتم تأكيد الأنباء، نشرت مواقع سورية وناشطون في مواقع التواصل، تسجيلاً صوتياً منسوباً إلى حمادة، الشهير بكونه واحداً من أبرز المعتقلين الناجين من النظام والذين كشفوا أساليب التعذيب في المعتقلات الأسدية، تحدث فيه عن حالته النفسية السيئة وقال فيه: “لا تكلموني بموضوع الثورة، مالي خلق، أنا راجع على بلدي، ياخي الجرح ما يطيبو الا أهلو، قريب ارجع على اهلي واي حدا تأثر بالحرب نحنا نعالجو”.

وجاء في التسجيل المنسوب إلى حمادة: “لا تحكي بموضوع الحالات النفسية، انا بكرة بطيب ببلدي، الفرنسيين أو الهولنديين مفكرين دم أهلنا رخيص لا بعيدة عن شواربهم، وبيناتنا القانون، أنا مو عامل شي، بدي ارجع عوطني، شوبيها الغرب؟ بدي اسمع آذان، وآكل مع أهلي وناسي، النظام مالو شغل معي، أنا ما أقرب علدولة، كلهم لعبوا على دم شعبنا”.

ولم يتم التأكد من التسجيل أو التاريخ الذي التقط فيه. وأدت قلة المعلومات إلى انتشار واسع للشائعات والتكهنات. فنشرت صفحة “شبكة الثورة السورية” في “فايسبوك” بياناً اتهمت فيه سلطات النظام السوري باختطاف حمادة من برلين وإعادته قسراً إلى دمشق، فيما تحدث الناشطون عن إمكانية إجبار حمادة على إجراء مقابلة مع إعلام النظام، تبث عبر التلفزيون الرسمي، من أجل التبرؤ من الثورة السورية، فيما حذر آخرون من إمكانية تعرضه لانتقام النظام أيضاً.

والحال أن حمادة (45 عاماً) لاجئ سوري في هولندا منذ سنوات، وكان يعمل موظفاً في شركة “شمبرغير” الفرنسية للتنقيب عن النفط في محافظة دير الزور بصفة فني، وكان مساهماً في إجراءات لمحاكمة نظام الأسد، وظهر في أفلام وثائقية سورية تحدث فيها عن التعذيب في معتقلات النظام.

واعتقل النظام حمادة،  ثلاث مرات منذ بداية الثورة السورية. وامتد الاعتقال الأول لمدة أسبوع بتاريخ 24 نيسان/أبريل 2011 على يد فرع أمن الدولة بدير الزور، أما الاعتقال الثاني فكان بتاريخ 29 كانون الأول/ديسمبر 2011 من قبل الفرع نفسه، أثناء عودته من دمشق من قبل أحد الحواجز العسكرية على مدخل مدينة دير الزور، ودام نحو أسبوعين. فيما يعتبر الاعتقال الثالث الأطول في المدة والأشرس في التعامل، حيث اعتقله عناصر من فرع المخابرات الجوية في وسط دمشق حتى العام 2014.

وقدم حمادة شهادات عن التعذيب ضد النظام في محاكمة لاهاي، وقال عن ظروف اعتقاله في فرع المخابرات الجوية: “بمجرد دخولنا هنا بدأوا في ضربنا بالعصي، وجعلونا نخلع ثيابنا ونقف عارين، وبالطبع فإنهم أوثقوا أيدينا، ومن ثم تم أخذنا إلى مبنى الدراسات، ومن ثم إلى ما يسمى أمن الطائرات وهو مهجع بطول 12 مترا وعرض 7 أمتار، وكنا 170 معتقلاً نقف في تلك المساحة، وبقينا ثلاثة أشهر هناك، وبعدها تم تحويلنا إلى فرع التحقيق القديم، لنجد أنفسنا 12 شخصا ضمن زنزانة لا تزيد أبعادها عن حوالي المترين طولاً ومترين عرضاً”.

وأكد حمادة في شهاداته أنه تعرض لأنواع مختلفة من التعذيب منها “الشبح والخازوق والتعذيب عن طريق استهداف الأعضاء التناسلية، واستخدام الزيت الحار والماء المغلي، وإطفاء السجائر على أجساد المعتقلين” كما برز حمادة كناشط سياسي حيث نشر مقاطع فيديو قال فيها أنه التقى مسؤولين غربيين لدراسة قضايا تتعلق بالثورة السورية، لكنه أغلق حساباته في مواقع التواصل الاجتماعي مؤخراً.

وفيما تعاطف ناشطون سوريون مع حمادة وحالته النفسية، اتهمه آخرون بخيانة الثورة السورية، وأطلقوا عليه ألقاباً مثل “مدمن المخدرات”، فيما قال آخرون أنه كان عميلاً للنظام السوري منذ البداية، بينما تحدث آخرون عن نشره لخطاب الكراهية والتحريض ضد أكراد سوريا خلال سنوات نشاطه ضد النظام.

ووسط هذه الفوضى، كتب الناشط والمدون البارز حسين غرير منشوراً انتشر على نطاق واسع في “فايسبوك”: “مازن حمادة كان معي بعدرا. شب نضيف وطيب. مازن حمادة حرقلي قلبي لما كان عم يعاني لوحدو وكان بعدو معتقل من جوا. مازن حمادة حرقلي قلبي مرة تانية لما رجع ع سوريا واعتقلو النظام. مازن حمادة يمكن انا كنت بقدر ساعدو وما وقفت جنبو واتخليت عنو. مازن حمادة حرقلي قلبي مرة عاشرة ومية لما الكلاب صارت تنهش بلحمو”.

المدن

——————————————

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق