منوعات

ما بين تويتر وفيسبوك/ نجوى بركات

من آخر “الأحزاب” المتشكّلة في يومنا هذا حزبا تويتر وفيسبوك، فأنتَ إمّا من أنصار هذا أو من أتباع ذاك، وفي ما لو كنت منتسبا للاثنين معا لضروراتٍ معيّنة، فإنك عاطفيا وقلبيا لا بدّ ميّال إلى هذا أكثر من ذاك، لا بل وناشط هنا أكثر من هناك. والحال إن الانتماء إلى هذا وذاك معا ليس خيارا أو دليلا على حياد، أو مساواة في الهوى، أو قلة اهتمام، بقدر ما هو السير في ركاب موضةٍ من غير المناسب السباحة عكسها أو مقاومة هيمنتها. إذاً، أنت من محازبي تويتر أو فيسبوك، مثلما كانوا سابقا من محبي فيروز أو صباح، فريد الأطرش أو عبد الحليم حافظ، الأفلام الهندية أو أفلام الكاوبوي، ومثلما هم اليوم من أزلام آيفون أو غالاكسي. وبغضّ النظر عن الهوى الخاص، لا بدّ للمتأمّل في العالمين من أن يلحظ فروقا عميقة بينهما.

تويتر لا يطالبك بأكثر من تغريدة، والتغريدة هي جملة محدودة الأحرف (120) تمّت زيادتها لاحقا (240) لتشكّل جملا معدودة، وهو ممّا يعلّم حتما الدقة والانضباط في التعبير والذهاب إلى اللبّ مباشرة. بمعنى آخر، يطالبك تويتر بأن تكون بليغا، دقيقا، فيحاصرك بعددٍ معيّنٍ من الحروف، محوّلا الفائض في تعليقك إلى لون مختلف يحذّرك من أنه سيُحذف ما أن يُنشر التعليق على الملأ. هكذا، تشعر، وأنت تعيد قراءة جملتك، أنك قد أسأت التعبير، فلم تلتزم بأصول اللعبة وخرقت قوانينها، وعليك الآن أن تعيد صوغ قولك ليأتي فصيحا، منطقيا، محترِما المحدَّد والمسموح به. لا بأس. تمحو وتعيد الكتابة، مُقادًا هذه المرّة بدقة المعنى، بسرّ الإيجاز، فتمحو وتلغي وتختصر، لتفاجأ بأن قولك الذي كان يتململ من ضيق المساحة المتاحة راح يتجلّى ويتكثّف ويجوهر. تقف الجملة في تويتر منتصبة، مستقيمة، حادّة، جارحة، خالية من أي لبس، من أي لغط، تقف لتعلن وتُعلِم من دون حشو، بلا تلاعب، مكتفية بذاتها، بأدواتها. تعلن وتنكفئ على ذاتها، تبوح ولا تتمدّد، تقول ولا تكرّر، إنها هي الآن، وفي مفرداتها القليلة، يفور المعنى ويفقفق. من يزور تويتر يفعل كي يقرأ الخبر، يسمع الرأي، يتابع ما يحصل. قلّما بحث زائر تويتر عمّا يُضحك، يفاجئ، يُلهي، يُسلّي. جلّ ما يبحث عنه هو أن يعرف، أن يعلم…

في فيسبوك، مساحة الجدار قائمة أمامك، وبإمكانك أن تملأها كلّها. بإمكانك أن تكتفي بشطبة، بكلمة، أو أن تجتاح وتحتلّ وتفيض حيث لا يكون للحجم أيّ اعتبار، أيّ محاذير، أي عواقب. أنت هنا صاحب المشيئة المطلقة، ويمكنك أن تفتي وتتصرّف وترخي بظلك وألا تتكيّف. صفحتك تلوّنها على مزاجك، تنوّعها، تجعلها فنية، طريفة، باكية، جدّية، مشاكسة، مستفزّة، مثقّفة، مسرحًا للإخبار، لخلق زوّار، تابعين، مهلّلين أو منتقدين، أصدقاء وأعداء. أنت هنا عمليا للتواصل ولصنع أصدقاء، تكتب لكي تُقرأ، تسأل لكي تجاب، تقفز، تصرخ، تكتب بالطول والعرض وبالمقلوب. هنا يمكنك أن تتمرّغ وتتشقلب وتتمدّد، ويحق لجملتك أن تتثاءب وتتمطّى وتطول. كخيطان الصوف، تغزلها ثم تكرّها، ثم تعيد تشكيلها. هنا يمكنك أن تكون ساخرا، أن تظهر لنا شخصك، مواهبك، هواياتك، أصحابك، نشاطاتك، أعمالك، أهلك، أحباءك، حياتك. في فيسبوك، أنت تثرثر، تشرب القهوة، تطبخ، تخبر عن ظرافة أولادك، تروي قلقك، أرقك، تفتح خزانة أفكارك، أهوائك، انطباعاتك. في فيسبوك تجلس في كرسي الاعتراف، تصبح مدرّسا، مهرّجا، معلّقا، وتتقاسم مع الآخرين هذا كله..

فيسبوك مشرّع على جميع احتمالاتك، إنه الدابّة القادرة على حمل كل متاعك، في حين يترفّع تويتر رفعة حصانٍ أصيلٍ لا يعدو إلا ليسابق.

العربي الجديد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق