سياسة

إخراج إيران من سوريا: الواقع والاحتمالات -مقالات مختارة-

===================

إيران وروسيا وتغير المعادلة السورية/ صادق الطائي

الهدف الاستراتيجي الإيراني هو الوصول إلى موانئ البحر المتوسط

مع نهاية العقد الأول من عمر الحرب السورية، تبدو معطيات الصراع على الأرض وكأنها قد تغيرت، كذلك يبدو موقف حلفاء النظام على وشك التغير، بل والانقلاب نحو حالة من التصارع، إذ وصف بعض المراقبين الوضع بأنه صراع الحلفاء على تقاسم غنائم الحرب حتى قبل أن تعلن نهايتها الرسمية.

لعب الروس دورا محوريا في انقاذ النظام السوري من السقوط نتيجة ضربات المعارضة المسلحة التي سيطرت على ثلثي مساحة سوريا حتى باتت تحارب القوات الحكومية على أبواب العاصمة دمشق، ثم تغيرت معادلات الصراع على الأرض بتدخل الروس عسكريا في  30 أيلول/سبتمبر 2015، وبات الدعم الجوي الروسي يلعب دورا محوريا في انتصارات الجيش السوري المدعوم على الأرض من ميليشيا حزب الله اللبناني، والحرس الثوري الإيراني، وعدد من الميليشيات الشيعية العراقية، وبات تقدم القوات الحكومية على الأرض متجليا في باسترجاع المدن والبلدات الواحدة تلو الأخرى، حتى لم يتبق اليوم خارج سيطرة النظام سوى محافظة إدلب التي ما تزال تحت سيطرة فصائل المعارضة المسلحة، بالإضافة إلى منطقة الإدارة الذاتية في كردستان سوريا أو إقليم “روج آفا” شمال شرق سوريا الخاضع لقوات سوريا الديمقراطية “قسد” الكردية.

تصاعد الانتقادات الروسية

تعالت في الآونة الأخيرة الأصوات الروسية المنتقدة لأداء نظام بشار الأسد، فقد ازدادت اتهامات الصحافة الروسية لنظام الأسد على خلفية استشراء صفقات الفساد التي نخرت الاقتصاد السوري المنهك أساسا، كما تم توجيه الاتهامات لبعض فرق الجيش السوري التي يسعى قادتها لفرض الحسم العسكري في محافظة إدلب بدون الالتزام بمقررات اتفاقية أستانا التي أقرها الروس والأتراك بالاتفاق مع النظام السوري سابقا.

ومن بين أعنف الانتقادات تلك التي كتبها الدبلوماسي الروسي المخضرم وخبير قضايا الشرق الأوسط، ألكسندر أكسينيونوك الذي يشغل منصب نائب رئيس المجلس الاستشاري الروسي للشؤون الخارجية، إذ كتب مقالا تحليلا مهما نشره في موقع نادي “فالداي” الحواري التابع عمليا للكرملين، بالإضافة إلى صحيفة “كوميرسانت” وقد وصف أكسينيونوك في مقاله حال الوضع السوري المعقد، وسلط الضوء على كثير من الزوايا الشائكة فيه.

فقد سلط الضوء على الجانب المتمثل بتوازن القوى على الأرض في الساحة السورية، إذ أشار إلى إن” سوريا تنقسم اليوم إلى مجالات نفوذ خارجي بين روسيا وإيران وتركيا والولايات المتحدة، وأن الحملة العسكرية في إدلب، رغم النجاحات التكتيكية التي حققتها، أظهرت حدود الممكن. كما أن خطابات وتهديدات المسؤولين السوريين باستخدام القوة، إذا لم تغادر القوات التركية والأمريكية سوريا، بعيدة عن الواقع”. وأضاف “روسيا من جانبها، وصلت إلى الحد الأقصى للتسوية عبر صيغة أستانا، والتي سمحت لدمشق من عام 2017 إلى عام 2019 باستعادة السيطرة على أراض في ثلاث مناطق لخفض التصعيد بالقوة والاتفاقيات المؤقتة”.

الصراعات الاقتصادية

انعكس تأثير جائحة كورونا على الاقتصاد السوري ربما بشكل أكبر من بقية قطاعات الاقتصاد العالمي المتأثرة بأزمة كورونا، إذ نتيجة انخفاض أسعار النفط العالمية، وتصاعد العقوبات والضغط العسكري على إيران، فإن إمدادات الوقود، والنفط  الخام الإيراني لسوريا باتت أمرا صعبا، أو مستحيلا، وللتخلص من هذه الأزمة يرى المحللون أن على نظام الأسد العمل على تفاهمات تقود لاستعادة السيطرة على مناطق النفط والغاز في شرق سوريا، والتي ما تزال تحت سيطرة القوات الأمريكية التي تتذرع بمختلف الذرائع للبقاء في المنطقة، أو على النظام السوري اللجوء لاستبدال النفط الإيراني بالروسي، وهذا أمر يعتبره خبراء الاقتصاد صعبا جدا في مثل هذه الظروف، بسبب انعدام رغبة الشركات الروسية التعرض للعقوبات الأمريكية.

إذ بات واضحا إن الخطر الجدي على الاقتصاد السوري اليوم يتمثل في حزمة العقوبات التي وقعها الرئيس ترامب في 20 كانون الأول/ديسمبر 2019 والتي حملت اسم “قانون قيصر” وأن هذه العقوبات ستجعل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يطالب بفرض عقوبات على الحكومات والشركات والأفراد من البلدان المتعاونة مع سوريا، وبالتأكيد أن مثل هذه الإجراءات ستؤثر على التعاون التجاري والاقتصادي مع روسيا، إذ قد يفتح “قانون قيصر” إمكانية فرض عقوبات على البنوك التي تقوم بالتعاون مع البنك المركزي السوري، في حال أدين الأخير بتهمة غسل الأموال.

أما تجليات الصراع الاقتصادي الروسي الإيراني في سوريا فيمكن فهمه عبر التعرف على خطط كل طرف من طرفي الصراع وطريقة تعاطيه مع المشكلة، فالهدف الاستراتيجي الإيراني هو ربط محور نفوذها من طهران مرورا بالعراق وسوريا وصولا إلى لبنان وموانئ البحر المتوسط، ما يعني الوصول إلى حقول الغاز العملاقة شرق المتوسط التي من المتوقع انها ستغير خريطة الطاقة العالمية في هذا القرن.

لقد دخلت إيران جولة مفاوضات لمد خط سكك حديدية يربط إيران وسوريا مرورا بالعراق، إذ ستكون نقطة انطلاق خط السكك العملاق من ميناء الإمام الخميني في إيران، مرورا بمدينة الشلامجة على الحدود العراقية، ومدينة البصرة العراقية، مرورا بالأراضي السورية عبر محافظة دير الزور وصولا إلى ميناء اللاذقية الذي سيكون المحطة الأخيرة في مسار السكة الحديدية.

ورغم أن إيران قد حصلت على الحق الحصري للتشغيل التجاري لمرفأ اللاذقية أواخر العام 2018 إلا إن الوجود الإيراني على البحر المتوسط يشكل مصدر قلق بالنسبة لروسيا التي تريد أن تكون صاحبة القوة الرئيسية على الساحل الشرقي للمتوسط الواعد بحقول عملاقة من الغاز غير المكتشف حتى الآن، وهو ما يضمنه لها مرفأ طرطوس الذي استأجرته لمدة 49 عاما. كما إن وجود إيران هناك يشكل قلقا لروسيا من ناحية وجود القاعدة العسكرية الروسية بالقرب من المرفأ في حميميم، وهو ما قد يعرّض قواتها للخطر في حال تعرض الوجود الإيراني للضربات الإسرائيلية أو الأمريكية، لذلك تفيد بعض التسريبات إن الروس يضغطون على نظام الأسد ليكون استثمار مرفأ اللاذقية مناطا بشركات صينية بدلا من الشركة الإيرانية.

التوتر العسكري

كان التواجد الإيراني في الساحة السورية مبكرا، إذ دخلت منذ الأيام الأولى لاندلاع الحرب الأهلية السورية ميليشيا حزب الله اللبناني ثم تبعتها قوات من الحرس الثوري الإيراني والميليشيات الشيعية العراقية الساندة لقوات النظام في مواجهته لفصائل المعارضة السورية المختلفة. وقد سعت قيادة فيلق القدس الإيرانية إلى إيجاد فصائل سورية شبه عسكرية مبنية على أسس ميليشياوية دربتها طهران وعولت عليها لتكرار تجربة حزب الله في لبنان والحشد الشعبي في العراق.

وحسب المعلومات التي أوردتها بعض التقارير الصحافية، وصل عديد هذه القوات إلى أكثر من 15 ألف مقاتل عقائدي يوالون رأس النظام، وجرى تدريب هذه القوات وأصبحت لاحقا من قوات النخبة، وهنا تنبه الروس لخطر الجيش الموازي الذي يتم اعداده إيرانيا عبر تدريب هذه الميليشيا لأنه سيعني أن بقاء إيران في سوريا سيكون بلا سقف زمني حتى لو سحبت طهران ضباطها ومقاتلي حزب الله وكل الميليشيات الشيعية التي تأتمر بأوامر جنرالات فيلق القدس.

فما كان من الروس إلا أن سحبوا البساط من تحت أقدام المخطط الإيراني، وذلك عبر دمج الميليشيات التي تشكلت كـ “قوة خاصة” تحت أمرة العميد سهيل الحسن المشهور بلقب النمر، والمتحدر من الطائفة العلوية مثل الرئيس الأسد، لتشكل منها الفرقة 25 قوات خاصة في آب/أغسطس من عام 2019 بعد أن كانت عبارة عن مجموعة ميليشيات رديفة تعرف باسم “قوات النمر”. وبعد أن تحولت قوات النمر إلى تشكيل عسكري رسمي، ينال الدعم الروسي الأكبر ذابت فيها عشرات المجموعات والكتائب التي تضم في صفوفها مجندين غير نظاميين وعناصر من العائدين من فصائل المعارضة عبر صفقات المصالحة مع النظام، والنتيجة اعتماد الروس على “قوات النمر” كرأس حربة في معارك الشمال السوري، لاسيما معارك إدلب، ليتحول بعد ذلك العميد النمر إلى رجل روسيا الأول في الجيش السوري، بدليل أن قيادة الأركان الروسية كرمته ثلاث مرات في 2016 و2017 و2018. كما إن تسريبات تحدثت عن ترشيح الروس للنمر كبديل محتمل للرئيس بشار الأسد إذا ما تم تنحيته في المستقبل القريب.

بالمقابل ينظر بعض المحللين إلى شقيق الرئيس السوري، اللواء ماهر الأسد، على إنه الآن يلعب دور رجل إيران الذي تراهن عليه وتعده لأن يأخذ دورا قياديا في حال خروج الرئيس بشار الأسد في انتخابات 2021 وماهر الأسد الذي يقود الفرقة المدرعة الرابعة في الجيش العربي السوري مشهور بعنفه ومواقفه الحادة تجاه المعارضة السورية والطائفة السنية، ولطالما مثلت قيادة قوات “الفرقة الرابعة” التي يقودها الجهة المرشحة لأن تصبح المظلة الرسمية للميليشيات المدعومة من إيران. وبالرغم من أن الإيرانيين لم يطرحوا بشكل رسمي أو شبه رسمي مسألة البحث عن بديل للرئيس الأسد، لكن المراقبين يرون إنهم إذا اضطروا لذلك فعلى الأرجح سيكون ماهر الأسد هو البديل الطبيعي بالنسبة للإيرانيين.

القدس العربي

————————-

درعا بين “المشروع الإيراني” و”الاتفاق الروسي”..أيهما ينتصر؟/ سيباستيان حمدان

على الرغم من التوصل لاتفاق جديد الجمعة، بين اللجنة المركزية في درعا والضامن الروسي، بشأن وقف العملية العسكرية التي كانت تحضر لها قوات النظام السوري في ريف درعا الغربي، إلا أن التعزيزات العسكرية ما تزال حتى اللحظة تصل إلى المحافظة، بحسب ما أكدته مصادر “المدن”.

وكانت قوات النظام السوري بدأت منذ مطلع الأسبوع الماضي بإرسال تعزيزات عسكرية من القوات الحكومية والمليشيات الإيرانية الرديفة إلى محافظة درعا جنوب سوريا، بشأن ما قالت بأنها عملية عسكرية للسيطرة على بلدات طفس والمزيريب واليادودة غرب المحافظة، والتي تخضع لسيطرة فصائل التسويات.

“الثقة مهزوزة”

وقال عضو مفاوض في اللجنة المركزية بدرعا ل”المدن”، طلب عدم الكشف عن إسمه لأسباب أمنية، إن “الحملة العسكرية لم تتوقف، على العكس تماماً ما تزال التعزيزات العسكرية تصل إلى المحافظة حتى اللحظة”، مضيفاً أن “لا شيء مؤكداً حتى اللحظة بشأن وقف الحملة العسكرية أو الاستمرار فيها، لكن المؤكد أنه لا مصداقية لهم، والثقة فيهم مهزوزة”.

وأضاف المصدر أن “الحملة العسكرية الحالية تعتمد بشكل كبير على عامل الضغط وتخويف الجنوب عن طريق نشر تلك القوات وإظهارها إعلامياً، وأن القوات القادمة لديها مهمة عسكرية ستؤديها، لكن ذلك لا ينفي الاحتمالات الأخرى، فكل الاحتمالات متوقعة”.

وعن جدية الروس في وقف الحملة العسكرية، قال المفاوض: “الروس من مصلحتهم وقف الحملة العسكرية، واعتقد أنهم يسعون لذلك”.

التيار الإيراني يقود الحملة

على مدى الأيام الماضية وصلت تعزيزات عسكرية كبيرة، من مدافع ودبابات وأسلحة ثقيلة، من الفرقة الرابعة، والفرقة الخامسة، والفرقة الخامسة عشر قوات خاصة، والمخابرات الجوية، والتي تعرف بأنها التيار الإيراني داخل قوات النظام وأجهزته الأمنية، إضافة إلى عناصر من المليشيات الإيرانية و”حزب الله” اللبناني، بحسب ما أكدته مصادر “المدن”.

وقال المصدر المفاوض إن “التيار الإيراني لديه مخططات خاصة بالجنوب تتعلق بانتشار قواته في المنطقة الغربية من درعا متخفين ضمن الجيش السوري”، مضيفاً أن “هذا التيار مايزال يرفض التهدئة، ومايزال يدفع بالتعزيزات العسكرية حتى الآن إلى درعا، خاصة من المليشيات الإيرانية وعناصر حزب الله متخفين تحت غطاء الفرقة الرابعة التي يقودها ماهر الأسد”.

وبحسب مصدر عسكري في فصائل التسوية غرب درعا، فإن هدف التيار الإيراني من الحملة هو “التوغل في منطقة ريف درعا الغربي، خاصة حوض اليرموك، لقربه من الجولان المحتل، وحدود المملكة الأردنية”.

وأضاف المصدر أن إيران “تحاول استخدام ريف درعا للضغط على دول الجوار (الأردن – إسرائيل) مستفيدة من طبيعة المنطقة الجغرافية، إذ تحتوي المنطقة على وديان عميقة تفصل سوريا عن كل من الأردن وإسرائيل وستكون بيئة مناسبة للتوغل الإيراني، وأيضاً تلال مرتفعة تكشف عمق دول الجوار”.

وقال: “استخدموا حادثة مقتل عناصر الشرطة كشماعة خيط، على الرغم أننا رفضنا الحادثة وتوعدنا بمحاسبة مرتكبيها، لكن يريدون القضاء على أي قوة تحاول الوقوف في وجه التمدد الإيراني، وهو ما نقوم به حالياً”.

وتابع أنه “خلال الأشهر الماضية حاولت المليشيات الإيرانية الدخول إلى حوض اليرموك مرات عديدة بلباس وحافلات الفرقة الرابعة، ومنعناهم من ذلك، لذا نشاهد اليوم الحشود التي تهدد باقتحام مناطق طفس والمزيريب واليادودة التي تعتبر بوابة الدخول إلى حوض اليرموك”.

مصدر مقرب من قوات “الغيث” التابعة للفرقة الرابعة، والتي يهيمن الحرس الثوري الإيراني على قرارها العسكري، ألمح ل”المدن”، بأن العملية العسكرية قادمة لا محالة. وقال إنهم لم يعودوا يحتملون أفعال ما أسماهم ب”المرتزقة” في منطقة طفس بعد عملية الاغتيال التي استهدفت عناصر الشرطة وقوات النظام، وأضاف أن “العملية يجب أن تبدأ في القريب العاجل لإنهاء هذه الإشكال”، وأن التعزيزات العسكرية لقواتهم وصلت إلى مشارف محافظة درعا بانتظار إشارة البداية للتنفيذ.

المشروع الإيراني

قبيل توقيع اتفاق المصالحة في جنوب سوريا في تموز/ يوليو 2018، عقدت قمة رباعية بين الأردن وروسيا، والولايات المتحدة وإسرائيل، نتج عنها التوصل إلى اتفاق بتسليم جنوب سوريا للروس، مقابل رعاية المصالح الأمنية للولايات المتحدة والمصالح الإسرائيلية المتعلقة بالتخوف من التوغل الإيراني قرب حدود الجولان المحتل.

ومع مطلع آب/أغسطس 2018 بدأت روسيا بتنفيذ البند المتعلق بالانسحاب الإيراني الجزئي من مناطق “مثلث الموت” -منطقة تلاقي محافظات: ريف دمشق، القنيطرة ودرعا- والحدود السورية الإسرائيلية، ومنطقة جبل الشيخ، نحو عمق العاصمة دمشّق وأطرافها ومحافظة حمص على الحدود اللبنانية السورية، كبادرة حسن نية، إلا أن روسيا أرادت الالتفاف على المضامين الدولية للاتفاق.

إذ بعد 6 أشهر من الاتفاق بدأ الطوفان الإيراني بالعودة مجدداً للساحة الجنوبية عبر الانتشار في مثلث الموت ووصولاً إلى الحدود الإسرائيلية، وقواعد عسكرية للجيش السوري في منطقة الكسوة على الطريق الدولية دمشّق-القنيطرة.

وهو ما إعتبر بداية الحكاية، فالتوغل الإيراني بدأ أيضاً يظهر في درعا عبر الأجهزة الأمنية السورية مثل المخابرات الجوية ومجموعات من الأمن العسكري وأمن الدولة، وصولاً إلى تواجد رسمي ل”حزب الله” في منطقة اللجاة وبناء قواعد عسكرية، بحسب مصادر “المدن”.

بينما عند الشريط الحدودي في القنيطرة، توغلت إيران بشكل كافٍ في قرى الشراكس (بريقة، بئر عجم) وقرى جبل الشيخ، إذ قامت بإنشاء مليشيات محلية من أبناء المنطقة، إلى جانب توطين عائلات عناصر المليشيات الإيرانية و”حزب الله” في العديد من القرى بعد طرد ساكينها. وهو ما تسعى إلى تكراره في منطقة حوض اليرموك بريف درعا الغربي، وفقاً لمصادر “المدن”.

هل ينهار اتفاق التسوية؟

استبعد المصدر العسكري من غرب درعا، أن تقوم قوات النظام بعملية عسكرية واسعة في المنطقة قد تؤدي إلى انهيار اتفاق التسوية، مشيراً إلى أنها قد تلجاً إلى عملية عسكرية محدودة للضغط على فصائل التسوية من أجل الخضوع لمفاوضات جديدة قد تغير “شكل اتفاق التسوية”.

وقال: “لا اعتقد أن الروس قد يسمحون للإيرانيين ببدء عمل عسكري، والتوغل بحرية في درعا”، مستدركاً أن “النظام بشكل عام، بعيداً عن التيار الإيراني، يريد إنهاء ملف الجنوب من خلال سحب السلاح الثقيل من أيدينا، ونشر حواجز عسكرية داخل القرى والبلدات، وايضاً لديه قائمة بأسماء مطلوبين من قادة المعارضة في المنطقة”.

وقال مصدر مفاوض من ريف درعا الغربي ل”المدن”، إن “اتفاقيات التسوية هي بالأساس كانت حلاً مؤقتاً، وهي مرتبطة بوجود حل سياسي في البلاد، وفي حال عدم التوصل إلى حل سياسي سيقوم النظام بالتخلص منها واحدة تلو الأخرى تباعاً”.

المدن

————————-

الخروج الإيراني من كلّ سوريا رسالة إسرائيلية عبر قصف حلب

قصف إسرائيلي جديد يستهدف مواقع عسكرية في منطقة الراموسة في رسالة لإيران بأن المطلوب منها الخروج من كل سوريا وليس الجنوب فقط.

بيروت – كشفت مصادر عربية تتابع الوضع السوري أنّ إسرائيل تابعت السبت قصفها لأهداف عسكرية في حلب ومحيطها. وأوضحت أن الهدف من القصف الإسرائيلي شبه اليومي توجيه رسالة إلى إيران فحواها أن المطلوب منها الخروج من كلّ سوريا وليس من الجنوب السوري فقط، أي من المناطق القريبة من خط وقف إطلاق النار السوري – الإسرائيلي.

ووصفت المصادر ذاتها القصف الإسرائيلي لأهداف معظمها إيرانية أو تابعة لميليشيات تعمل لمصلحة طهران بأنّه صار “أمرا روتينيا”، خصوصا بعدما بدأت إيران في تحويل مناطق قرب حلب إلى مخازن أسلحة لها بعدما كانت طائراتها تحط في مطار دمشق أو قواعد قريبة منه.

وأشارت إلى أنّ القصف الإسرائيلي الأخير استهدف مواقع عسكرية في منطقة الراموسة، وهي منطقة تابعة لمؤسسات معامل الدفاع في الجيش السوري وكليّة المدفعية.

وتوجد في هذه المنطقة ذات المساحة الشاسعة مخازن عسكرية كبيرة. وقبل العديد من الأشهر تحولت تلك المنطقة إلى منطقة تخزين للحرس الثوري الإيراني.

واختيرت تلك المنطقة بسبب بُعدها عن إسرائيل التي وجدت طريقة تسمح لطائراتها بقصف أهداف في محيط حلب. وركزت هذه المصادر على أن الحكومة الجديدة في إسرائيل، حيث الجنرال بني غانتس في موقع وزير الدفاع والجنرال غابي أشكنازي في موقع وزير الخارجية، ستعمل على متابعة سياسية تقوم على إنهاء الوجود الإيراني في سوريا. وأشارت في هذا المجال إلى أن أشكنازي، الذي كان رئيسا للأركان بين عامي 2007 و2011، قبل أن يخلفه غانتس، يفتخر أن من بين أهمّ الأعمال التي قام بها كان قصف مصنع “الكبر” في منطقة دير الزور، وهو المصنع الذي كان النظام في سوريا يستخدمه، بالتعاون مع إيران، لبناء مفاعل نووي.

وكان نفتالي بينيت، وزير الدفاع الإسرائيلي، في الحكومة المتخلية، أعلن أنّ بلاده ستواصل عملياتها في سوريا حتى “رحيل” إيران منها.

وقال بينيت في مقابلة مع قناة “كان11” التلفزيونية الإسرائيلية إنّ “إيران لا شأن لها في سوريا.. ولن نتوقّف قبل أن يغادروا (الإيرانيون) سوريا”.

صفقة بين النظام والنصرةصفقة بين النظام والنصرة

وكثّفت إسرائيل في الأعوام الأخيرة وتيرة قصفها في سوريا، مستهدفة بشكل أساسي مواقع للجيش السوري وأهدافا إيرانية وأخرى لحزب الله اللبناني.

وتشارك إيران وميليشيات شيعية من جنسيات مختلفة موالية لها في القتال في سوريا منذ العام 2013، دعما لحليفها نظام الأسد، مستغلة في الآن ذاته الأزمة لتعزيز نفوذها في المنطقة وضمان منفذ يصلها بالبحر المتوسط.

من جهة أخرى أعلنت مصادر سورية أن عملية تبادل للأسرى جرت بين جبهة النصرة والنظام. وشملت هذه العملية إطلاق ضابطين سوريين برتبة عقيد كانا محتجزين لدى النصرة التي تعتبر فصيلا إسلاميا متطرفا على علاقة بقطر وتركيا.

كذلك، بات معروفا أن النصرة تمتلك خطوطا مع الإيرانيين، وهو أمر سهّل على النظام إجراء عملية تبادل الأسرى التي كانت تهمّه كثيرا نظرا إلى أن الضابطين المعنيين بالعملية وهما عبدالكريم يوسف سليمان وعبدالهادي سليمان الديب ينتميان إلى الطائفة العلوية.

ونفذت النصرة وفصائل المعارضة العديد من عمليات التبادل مع القوات الحكومية السورية في ريف حلب الشرقي والشمالي، كان آخرها الشهر الماضي حيث تمت مبادلة عناصر من حزب الله اللبناني مقابل معتقلين من فصائل المعارضة في سجون النظام السوري وتمت مبادلة العشرات من المعتقلين بين الجانبين خلال العام الماضي بينهم نساء.

العرب

————————–

إخراج إيران من سوريا: الواقع والاحتمالات/ عروة خليفة

كانت الطائرات الإسرائيلية قد ضربت بالفعل مواقع تابعة لإيران في سوريا، وذلك قبيل تصريحات وزير الدفاع الإسرائيلي في الحكومة المنتهية ولايتها نفتالي بينيت، عن أن بلاده دخلت في مرحلة إخراج إيران من سوريا بشكل نهائي. وقد اعتُبِرت تلك التصريحات نقطة تحول في سياسة الحرب المائعة التي تشنها إسرائيل على الوجود الإيراني في سوريا، من خلال ضربات جوية على قواعد للميليشيات التابعة لطهران، أو قواعد القيادة والتحكم التي يديرها الحرس الثوري في سوريا.

لكن هذه الهجمات الجوية الأخيرة لا تُشكّل أي تطور في سياق الضربات الإسرائيلية المعتادة على المواقع التابعة لإيران في سوريا، وهو ما يضع تصريحات بينيت هذه في سياق أكثر محليةً، خاصةً أنها جاءت قبل أيام من إعلان حزبه (يمينا) عدم اشتراكه في التشكيلة الوزارية الجديدة، التي ستتشكل من تحالف أكبر كتلتين في الكنيست الإسرائيلي؛ كتلة اليمين بقيادة الليكود الذي يترأسه بينيامين نتنياهو، وكتلة الوسط التي يقودها حزب أزرق-أبيض بزعامة بيني غانتس، وذلك بعد اتفاق بين الطرفين على تشكيل حكومة إئتلاف لتجنب الذهاب إلى انتخابات برلمانية رابعة في أقل من 18 شهراً.

وقاد الاتفاق الذي وقعه زعيما الكتلتين، في العشرين من نيسان (أبريل) الماضي، إلى اتفاق تقاسم للسلطة، يترأس بموجبه نتنياهو الحكومة لمدة سنة ونصف فيما سيترأس غانتس الحكومة لفترة مماثلة. وسيتولى غانتس، الذي شغل موقع رئيس أركان الجيش الإسرائيلي سابقاً، منصب وزير الدفاع في الحكومة الجديدة، بالإضافة إلى تسميته رئيساً للوزراء بالإنابة. وقد نقلت الإذاعة الإسرائيلية عن مصادر أنّ الحكومة الجديدة ستتكون من 36 حقيبة وحوالي 16 منصب نائب وزير، لتكون الحكومة الأكبر في تاريخ إسرائيل.

هذا التحول الجذري في موقف غانتس، الذي أصرّ طوال الأشهر الماضية على ضرورة إخراج نتنياهو من السلطة، قُدِّمَ للجمهور الإسرائيلي على أنه محاولة للاستجابة لأزمة طارئة هي تفشي فيروس كورونا بعد إصابة أكثر من 24 ألف شخص بالمرض، إلا أنّ نتائج ثلاث انتخابات برلمانية غير حاسمة هي التي فرضت نفسها على زعيم التيار الجديد في السياسة الإسرائيلية، الذي قاد تحالف أزرق-أبيض المكون من عدة أحزاب صغيرة ليكون أحد أكبر قوتين في الكنيسيت الإسرائيلي.

ضمن هذه التغيرات الجديدة في إسرائيل، فإن تصريحات وزير الدفاع في الحكومة المنتهية ولايتها، نفتالي بينيت، يمكن أن تفسر في سياق سعي حزبه إلى إيجاد مكان له في التحالف الحاكم الجديد، وهو المسعى الذي لم يفلح على ما يبدو. مع ذلك، فإن شكل الحكومة الجديدة في إسرائيل يقود إلى القول بأنّ فرصة اطلاق هجمات أوسع ضد الوجود الإيراني في سوريا أصبحت أكبر، إذ سيكون غانتس متحمساً لفرض نفسه كزعيم إسرائيلي وليس مجرد الرقم اثنين بعد نتنياهو، وبالمقابل فإن نتنياهو سيكون مرتاحاً لأي تصعيد عسكري قد يساهم في التغطية على أخبار محاكمته التي تبدأ هذا الأسبوع.

لكن السؤال في مثل هذا الوقت، لن يكون عن فرص التصعيد الإسرائيلي ضد الوجود الإيراني في سوريا، بل عن نوع هذا التصعيد الذي يحقق فعلاً الهدف الذي أعلن عنه بينيت في تصريحاته، وهو إخراج إيران من سوريا.

تمتلك إيران قواعد عدة في البلد، تتوزع بين وسط سوريا في قاعدة التي فور (T4)، إلى أقصى شرقها حيث تقيم قاعدة عسكرية جديدة في البوكمال، إلى جانب قاعدة «الإمام علي» العسكرية التي سبق وأنشأتها في المنطقة بالقرب من الحدود السورية العراقية، والتي تضم الآن قوات من ميليشيات حزب الله العراقي واللبناني، بالإضافة إلى قوات من الحرس الثوري الإيراني.

أيضاً تنتشر القوات الإيرانية، أو قوات موالية لها، في محيط العاصمة دمشق بالقرب من الكسوة والسيدة زينب، وفي مواقع عدة من القلمون إلى حلب. كما أنها لا تزال تسيطر على مواقع هامة على محور جنوب البلاد، على الرغم من تراجع وجودها في محافظة درعا.

يضاف إلى تلك القواعد، دعم إيران لمصانع صواريخ موجهة في مناطق ضمن الساحل السوري، وهو ما يضع الوجود العسكري الإيراني ضمن عدة مستويات، وفي مناطق متوزعة على مساحات واسعة من البلد، ما يعني أنّ إخراج طهران وقوات الحرس الثوري من سوريا يحتاج إلى تدمير كامل تلك القواعد الرئيسية، وتوجيه ضربات مركزة ومستمرة لطرق النقل والتموين، وأن تكون تلك الضربات واسعة جداً، ومتزامنة إلى حد بعيد، وأن يمتلك الطيران الإسرائيلي القدرة على توجيه ضربات متتابعة لفترات طويلة لطرق الإمداد، خاصةَ عند الحدود السورية العراقية، وهو أمر ستقابله طهران برد ما على الأرجح، بالذات إذا شعرت أنّ الهجمة الإسرائيلية ستعني فعلاً إنهاء وجودها في سوريا.

الرد الإيراني سيعني اضطرار إسرائيل إلى التدخل برياً لتحييد مصادر النيران الخطرة على الجليل في جنوبي سوريا، وهو ما سيضطرها للقيام بعمليات إنزال كبيرة أو اجتياح بري، وهو أمر لن يروق لموسكو بالتأكيد، إلا أنّ موقف روسيا ليس محسوماً، خاصةً في ظل غياب أي أفق لانهاء وجودها المكلف في سوريا مع الحفاظ على مكتسباتها السياسية والعسكرية فيها.

في الحقيقة، يعلم غانتس ونتنياهو أنّ مثل هذا السيناريو مرجح إذا ما تمّ توجيه ضربة عسكرية واسعة ضد قوات طهران في سوريا، ما يعني أنّ قيامهم بمثل تلك الخطوة لن يكون سريعاً إذا كانوا يفكرون حقاً بمثل هذا الخيار، إذ ستحتاج حكومة الإئتلاف تلك في مثل هذا السيناريو إلى موافقة ودعم واسع من واشنطن، التي تمتلك قوات في شرق سوريا قد تكون هدفاً للميليشيات الإيرانية في حال اندلاع مثل تلك المواجهات.

لذا فإنّ احتمال توجيه مثل هذه الضربات سيبقى منخفضاً قبل انتهاء الانتخابات الأميركية، وقبل بسط إسرائيل لسيادتها على أجزاء من الضفة الغربية المحتلة تنفيذاً لمبادرة الرئيس الأميركي دونالد ترامب للحل في الشرق الأوسط، والتي تمّ رفضها بشكل قاطع من الجانب الفلسطيني والأردن. ستزيد احتمالات توجيه مثل تلك الضربة مع نهاية العام، بعد انتهاء الانتخابات الأميركية وتحديد توجه واشنطن المقبل حيال إيران.

بانتظار نضوج تلك الاحتمالات والتطورات، فإن الحديث عن خروج إيران من سوريا لن يتعدى بالنسبة لإسرائيل مراقبة طهران وهي تسحب ميليشيات عراقية من البلاد، لأسباب كثير من بينها ضم تلك الميليشيات إلى الجيش العراقي، وتخفيض تكاليف الوجود في سوريا نتيجة العقوبات الإقتصادية المشددة، بالإضافة إلى تراجع مستويات التصعيد في سوريا وانحسارها إلى خطوط التماس في محافظة إدلب فقط.

أما إخراج إيران نهائياً من سوريا، فسيحتاج بالتأكيد أكثر من تصريحات لوزير دفاع في حكومة منتهية الولاية.

موقع الجمهورية

————————

إيران في سوريا: تنسحب أم تعيد بناء استراتيجيتها؟/ فاطمة الصمادي

لا يبدو أن قائد فيلق القدس الجديد، إسماعيل قاآني، ولا نائبه صاحب التأثير الكبير في الساحتين، السورية واللبنانية، محمد حجازي، عازمان على وضع خطة للانسحاب من سوريا، بالشكل الذي تتحدث عنه إسرائيل. تناقش هذه الورقة التقارير التي تتحدث عن انسحاب إيراني من سوريا، والخيارات التي تملكها طهران.

تقول إسرائيل إنها أحرزت تقدمًا على صعيد تحقيق هدفها المتمثل بإخراج إيران من سوريا في 2020، وعلى الجانب المقابل لا تنكر إيران حساسية الأوضاع على الساحة السورية، لكن لا أحد في طهران يتحدث عن خروج من سوريا، بل على العكس. ولا يبدو أن قائد فيلق القدس الجديد، إسماعيل قاآني، ولا نائبه صاحب التأثير الكبير في الساحتين، السورية واللبنانية، محمد حجازي، عازمان على وضع خطة للانسحاب من سوريا، ويبدو أنهما على وشك الكشف عن استراتيجية جديدة لفيلق القدس في الإقليم، تشير إلى تحول في الآليات تناسب مرحلة ما بعد اغتيال قاسم سليماني. تناقش هذه الورقة التقارير التي تتحدث عن انسحاب إيراني من سوريا، والخيارات التي تملكها طهران. ونرفق في هذه الورقة أيضًا:

•    إسماعيل قاآني: العقل المدبِّر في فيلق القدس

•    محمد حجازي، نائب قائد فيلق القدس: 40 عامًا من الخبرة داخل الحرس

•    ما وراء عودة الإمارات إلى الساحة السورية.. قراءة إيرانية (ملخص)

سوريا: عود على بدء: العامل الخارجي

رغم إقرار كثير من الدراسات الإيرانية بتأثير ووجاهة العامل الداخلي كمحرك أساسي للاحتجاجات إلا أن سياستها تجاه سوريا جاءت مرسومة بفعل قراءة متوجسة لتأثيرات العامل الخارجي وما يمكن لهذا العامل أن يُحدث من تغيير في مجريات الساحة السورية، بصورة تقود إلى المساس بالمثلث الاستراتيجي الذي يربط إيران بحزب الله ما يؤثر سلبًا على نفوذها الإقليمي.

يتحدث شریفیان وفريقه(1) في دراسة حول توجهات إيران وتركيا تجاه الأزمة السورية عن وجود عوامل داخلية كانت مسؤولة عن الاحتجاجات التي اندلعت في سوريا، من أبرزها ليس فقط فشل بشار الأسد في الوفاء بوعوده الكثيرة التي أطلقها عندما وصل إلى السلطة، بل واتساع الفجوة الطبقية، وانتشار البطالة. ومع تأكيد الدراسة على العوامل الداخلية إلا أن شريفيان يتحدث عن مجموعة من “العوامل الخارجية”(2) كان لها دور مهم في تعميق الأزمة في سوريا. وفي تفصيله لهذه العوامل، يرى أن سوريا كان لها سياسة خارجية مستقلة وقدَّمت على الدوام الدعم لـ”محور المقاومة”، وكان إضعاف سوريا هدفًا أميركيًّا لحماية إسرائيل. ومع اندلاع الاحتجاجات، سارعت أنظمة عربية حليفة لواشنطن إلى “تأجيج هذه الاحتجاجات”، وواكب هذه السياسات “دعم إعلامي من شبكات إعلامية دولية قامت بتضخيم حالة الاحتجاج في سوريا(3). لکنه -وفي موضع لاحق من الدراسة- يعود ليؤكد أن تحليل حالة عدد من التجارب والدول يفيد بأنه في حال نجحت الدولة في حل ومعالجة المشكلات الداخلية، فإن دور التدخل الخارجي على صعيد تشكيل الخلافات الداخلية لا يقوم بدور مؤثر بصورة كبيرة(4).

تصلح النظرية الواقعية لتفسير وتحليل السلوك السياسي في السياسة الخارجية لدولة ما وردود أفعالها تجاه التغييرات والتحولات التي تحدث في محيطها الإقليمي والدولي، خاصة أن هذه النظرية تعطي أهمية كبيرة لحفظ المنافع القومية للدولة في علاقاتها مع غيرها من الدول. وبناء عليه، فإن السياسة الإيرانية تجاه الثورة السورية يمكن تفسيرها من خلال النظرية الواقعية، وكذلك النظرية الواقعية الجديدة(5)؛ فحفظ النظام السوري وحمايته يصب في خانة حفظ النظام في إيران فضلًا عن حفظ المصالح الوطنية والإقليمية لها، وعزَّز من هذا التوجه دخول لاعبين كثر بمصالح متضاربة إلى الساحة السورية، وصاحب ذلك حالة من غياب الثقة المتبادل، وهو ما أوجد لعبة جيوسياسية تقوم على قاعدة أن فوز أحد أطرافها يعني خسارة الطرف الآخر. شعرت إيران بأن تحولات الساحة السورية تعني تغيير نسق العلاقات القائم في المنطقة، وأن مصالحها تقتضي تأمين بقاء نظام الأسد، لتأمين أمنها. وإضافة إلى أمنها الوطني فالجمهورية الإسلامية فيما يتعلق بسوريا لديها مصالح إقليمية ودولية(6). وفي إطار نظرية “توازن المصالح” لراندل شويللر(7)، (Randall Schweller) قد تعرِّف الدول وتتابع أهداف سياستها الخارجية في ضوء الخوف (الأمن) والطمع(8) والمزج بينهما(9)؛ حيث تقوم الدول، ومنها إيران، بصياغة سياساتها الخارجية وتنفيذها على أساس مزيج من السلطة والمصالح، لذلك، فإن طهران، قد تسعى في إعادة تشكيل سياستها الخارجية، إلى الحفاظ على وضع النظام القائم في سوريا، بهدف تحقيق الحد الأقصى من الأمن، أو بهدف تعظيم القدرة، ونتيجة لذلك، فإن الجمهورية الإسلامية قد تدخل تحالفات ليس فقط من أجل خلق حالة من التوازن في فقدان القوة وتحمل الخسائر، ولكن أيضًا لتحقيق الربح وتعظيم المنافع(10). وبالنظر إلى طروحات الواقعية البنيوية، فهاجس الأمن ملازم للدول، والتهديد وليس القوة هو ما يجعل الدول تتحد (توازن القوى وتوازن التهديد)، ويستخدم ستيفن والت (Stephen Walt) مفهوم التوازن في التهديد باعتباره عنصرًا مُهمًّا لتفسير العلاقات الدولية ويعتقد أن التهديد وليس القوة هو ما يشكِّل ثقل القلق الأمني للدول في النظام الدولي. فالدول تسعى لزيادة قدراتها العسكرية لتحقيق التوازن، ليس في القوة، وإنما في التهديد(11). وفيما يتعلق بالحالة السورية فإنه يمكن اللجوء إلى نظرية توازن التهديد لتفسير حالة التحالف الاستراتيجي بين إيران والنظام السوري وكذلك القراءة الإيرانية لتأثير مجريات الساحة السورية على محورها الاستراتيجي المتمثل بسوريا وحزب الله.

ولا يمكن في حالة إيران وسوريا إسقاط الأيديولوجيا كمتغير بوصفه دافعًا للتحالف، وإن كان هذا المتغير -وكما يقول والت- مهمًّا ولكنه محدود وهو أقل أهمية بالمقارنة مع متغيري القوة والتهديد، إلا أن كثيرًا من التقارب الأيديولوجي يمكن تفسيره كشكل من أشكال فعل موازنة القوة(12).

عقد من الوجود الإيراني

مضى عقد على التدخل الإيراني في سوريا، ولا يوجد من المعلومات والمعطيات ما يمكِّن من معرفة عدد القوات الإيرانية في سوريا وأماكن انتشارها بصورة دقيقة. كانت الخطوة الرسمية الأكثر أهمية لإيران في هذا الاتجاه هي الإعلان عن وجود مؤسسة تسمى “مركز مستشاري إيران في سوريا”، وهي مؤسسة شبه رسمية، وتعلن عن أنشطتها من خلال بيانات رسمية، توجه رسائل واضحة بخصوص الساحة السورية. تقول إيران إنها ذهبت إلى سوريا بطلب من النظام السوري لكن ذلك لم يأت من خلال اتفاقية موقَّعة مع حكومة الأسد، واتخذ في البداية طبيعة سرية، ومع تصاعد المواجهة في سوريا عقب تسليح المعارضة ونشوب حرب أهلية، استندت الدعاية الإيرانية في البداية على الحديث عن تقديم المساعدة “الاستشارية” ونقل الخبرات إلى الجانب السوري. ومنذ مطلع العام 2013، بدأ الوجود الإيراني في سوريا يتعاظم ويعلن عن نفسه من خلال ميليشيات متعددة، وقوات ضمن ما يسمى بـ”مدافعي الحرم” وهي قوات تضم متطوعين هدفها حماية المراقد المقدسة لدى الشيعة مثل “حرم السيدة زينب” وغيرها، وسعت إيران من خلال ذلك إلى بناء مشروعية مذهبية للتدخل، وتبرير ذلك أمام فئة من مواطنيها. ثم اتخذ الحضور الإيراني بُعدًا آخر مع دخول روسيا إلى ساحة المواجهة في سوريا عام 2015، وأصبحت إيران إلى جانب روسيا وتركيا من أبرز المؤثرين في الملف السوري.

ورغم الضربات التي تلقتها إيران في سوريا، ومقتل عدد من نخبة الحرس الثوري هناك ومن أبرزهم العميد حسين همداني، إلا أن هذا لا يعني أن الحكومة الإيرانية لم تستفد من التدخل العسكري في سوريا، من أجل تحسين مكانتها الدولية في المنطقة، فمن خلال الوجود في سوريا وساحات أخرى مثل لبنان واليمن والعراق، عزَّزت إيران من أوراق المساومة السياسية التي تمتلكها في الشرق الأوسط.

جنازة القائد البارز في الحرس الثوري حسين همداني الذي قتل في سوريا (الأوروبية) جنازة القائد البارز في الحرس الثوري حسين همداني الذي قتل في سوريا (الأوروبية)

 شكْل الحضور الإيراني برواية حسين سلامي

سبق للعميد حسين سلامي يوم أن كان نائبًا لقائد الحرس الثوري أن تحدَّث عن الوجود الإيراني في سوريا، وبالعودة إلى هذا الحديث نجده قد قسَّم هذا الوجود من الناحية العملياتية أو التشغيلية إلى أربعة مستويات، هي(13):

    مجال الاستشارات الاستراتيجية، والقضايا السياسية والمعنوية، وتقوية الحكومة والنظام والشعب السوري.

    نقل خبرات فترة الحرب العراقية-الإيرانية إلى كبار قادة الجيش السوري.

    تجديد وإعادة بناء هيكلية الجيش السوري.

    تنظيم وتدريب وتجنيد أفراد جدد في الجيش السوري.

ويقوم مستوى الاستشارات العملياتية الإيرانية في سوريا على مساعدة قادة المستويات العملياتية، بما في ذلك قادة الفرق والألوية في الجيش السوري، وإدارة وتنسيق العمليات ضد المجموعات المسلحة. وفيما يتعلق بالأمور التكتيكية والفنية والإغاثية نجد أنها تشمل تدريب قادة الكتائب، والاستعداد، والتعمير، والإنقاذ، ويقول سلامي إنها كلها تتم بناءً على طلب رسمي من الحكومة السورية.

اللواء حسين سلامي قائد الحرس الثوري (رويترز) اللواء حسين سلامي قائد الحرس الثوري (رويترز)

ونجد حديثًا صريحًا عن البعد الأهم في خلق الوجود الإيراني في سوريا بقوله: “رؤيتنا لسوريا تتجاوز البعد الاعتقادي وهي ذات قيمة استراتيجية كبيرة لنا لأن أجزاء من أمننا القومي والإقليمي مرتبطة بها”. ويُرجع سبب زيادة عدد القتلى الإيرانيين في سوريا إلى توسيع المستوى الكمي والنوعي لوجود إيران في ساحات المواجهة هناك(14).

2018: تكثيف الهجمات الإسرائيلية ضد إيران

منذ العام 2018، كثفت إسرائيل هجماتها على مواقع في سوريا مستهدفة الوجود الإيراني، وقد قُتل العديد من الإيرانيين في هذه الهجمات، يقول مسؤولون إسرائيليون: إن إيران أصبحت الآن عبئًا إضافيًّا على سوريا.

وترصد دراسة أميركية قامت على مقابلات ميدانية مع قادة عسكريين إسرائيليين العمليات الإسرائيلية ضد إيران في سوريا، وتقول الدراسة التي أعدها أربعة باحثين في “مركز الدراسات الأمنية للأميركيين الجدد” أن “حملة بين الحروب” الإسرائيلية (الاسم العبري المختصر: مابام) ضد إيران والجماعات المدعومة من إيران في سوريا تعد واحدة من أنجح الجهود العسكرية للرد على إيران في “المنطقة الرمادية”(15). ويشير كتَّاب التقرير إلى أنه منذ بداية الحرب الأهلية السورية في عام 2011، وخاصة منذ أوائل عام 2017، شنَّت إسرائيل أكثر من 200 غارة جوية داخل سوريا ضد أكثر من 1000 هدف مرتبط بإيران وقوات الحرس الثوري الإسلامي التابع لها فيلق القدس، وضد الجماعات المدعومة من الحرس الثوري الإيراني مثل حزب الله اللبناني. وقد أدت هذه الحملة وفق الدراسة السابقة إلى إبطاء الحشد العسكري الإيراني في سوريا مع تجنب نشوب مواجهة إقليمية واسعة كان يمكن أن تضر بمصالح إسرائيل(16). وفي 2018 وحدها، ألقت إسرائيل 2000 قنبلة ضمن عملياتها التي شنَّتها ضد أهداف إيرانية في سوريا(17).

إسرائيل استهدفت أكثر من 1000 هدف إيراني في سوريا (أرشيف) إسرائيل استهدفت أكثر من 1000 هدف إيراني في سوريا (أرشيف)

ويبدو أن هناك قراءات متباينة لمدى قدرة إسرائيل على إخراج إيران من سوريا؛ ففي حين أن الإسرائيليين تسببوا بشكل واضح في إلحاق ضرر كبير بقدرات إيران في سوريا، فإنه ليس من الواضح كيف سيكون لذلك مغزى استراتيجي في نهاية المطاف؛ إذ يتحدث المسؤولون الإسرائيليون بإصرار عن أن هدفهم الاستراتيجي طويل المدى هو إزالة الوجود العسكري الإيراني من سوريا بل إن بعضهم وضع سقفًا زمنيًّا قريبًا حدده في 2020، وهو هدف غير واقعي بالنظر إلى مدى ترسخ وجود إيران في سوريا، وهناك تقييمات مختلفة داخل المؤسسة الحربية والسياسية الإسرائيلية لمستوى النجاح الذي حققته إسرائيل في الضغط على الوجود والتأثير الإيراني في سوريا؛ حيث يعتقد البعض في الحكومة أن العملية قد نجحت في جعل نفوذ إيران في سوريا يتراجع، أو على الأقل تعطيل قدرتها على ضرب إسرائيل ويصفه البعض الآخر بأنه ليس سوى انتصار قصير المدى، حيث تواصل إيران ترسيخ نفسها في سوريا والعراق ولبنان واليمن، وستواصل بهدوء وبصرامة الحفاظ على وجودها وزيادته وتعزيزه(18).

وتحدث وزير الدفاع الإسرائيلي، نفتالي بينت، عن التموضع الإيراني في سوريا بقوله: “نحن أكثر تصميمًا، وسأقول لكم لماذا، بالنسبة لإيران سوريا هي مغامرة على مسافة 1000 كلم من حدودها، وبالنسبة لنا هذه حياتنا. لن نتنازل ولن نسمح بإقامة قاعدة إيرانية أمامية في سوريا”، وجاءت هذه التصريحات متزامنة مع ما نقله موقع “يديعوت أحرونوت” عن مسؤولين أمنيين إسرائيليين بأن إيران “بدأت لأول مرة منذ دخولها إلى سوريا تقليص عدد قواتها هناك وإخلاء قواعد تابعة لها”(19). وبحسب موقع “يديعوت أحرونوت”، قال مسؤولون أمنيون، في إيجاز صحافي، لمراسلين عسكريين في الصحف الإسرائيلية: إن “سوريا تدفع ثمنًا متزايدًا بسبب الوجود الإيراني على أراضيها، وعن حرب ليست لها. لقد تحولت إيران من “ذخر” للنظام إلى عبء عليه”.

وزير الدفاع الإسرائيلي نفتالي بينيت يتوعد الإيرانيين بإخراج إيران من سوريا (رويترز) وزير الدفاع الإسرائيلي نفتالي بينيت يتوعد الإيرانيين بإخراج إيران من سوريا (رويترز)

لكن مزاعم المسؤولين الإسرائيليين عن النجاح في إرغام إيران على تقليص حضورها في سوريا قوبل بتشكيك من المعلقين وباتهامات لوزير الأمن، نفتالي بينت، بمحاولة تسجيل انتصارات وهمية لاعتبارات شخصية وانتهازية وفق مقربين من نتنياهو. وأيًّا يكن من شأن تصريحات بينت فإن تحويل إيران إلى عبء إضافي هو في الواقع هدف تسعى إليه إسرائيل مثلما تسعى إلى تعظيم كلفة الوجود الإيراني في سوريا من خلال هجمات تستهدف نخبة وقيادات من الحرس الثوري وحزب الله.

ويمكن الحديث عن مجموعة من الأسباب التي دفعت إسرائيل إلى تكثيف استهدافها للوجود الإيراني في سوريا من خلال الغارات الجوية. ومن أبرز هذه الأسباب استمرار الأزمة في سوريا، وإطالة الأزمة يعني إدامة وجود إيران في الجوار الجغرافي لإسرائيل. وكذلك التغيير الذي طال الخطاب الإيراني من مساعدة استشارية لنظام يواجه ثورة شعبية إلى “مواجهة مشروعة” ضد مجموعات تكفيرية وفي مقدمتها تنظيم الدولة “داعش”. وكانت النماذج العنيفة والمتوحشة التي قدمتها هذه التنظيمات والفشل الذي منيت به الثورة السورية، وعجزها عن تقديم خطاب مضاد سببًا في تعزيز حضور الخطاب الإيراني لدى الرأي العام في المنطقة.

ومع تعاظم حضور شخصية قائد فيلق القدس السابق، قاسم سليماني، في المنطقة، وحتى بعد اغتياله، بدا أن الإيرانيين لم يعودوا متحفظين أو متوجسين من الحديث عن التدخل العسكري خارج إيران، بل على العكس بات هذا الحضور يُصوَّر كمحور في الخطاب المعادي للغرب في الشرق الأوسط، والذي أعلن عن هدفه بإخراج القوات الأميركية من المنطقة. ولا تقف واشنطن متفرجة على صعيد السعي لإخراج إيران من سوريا، ولعل الدعم الذي تقدمه لإسرائيل يتمثل في “الضغط الأقصى” التي تسعى من خلاله واشنطن إلى إفلاس إيران، لجعلها عاجزة عن تمويل أهدافها وتقديم الغطاء المالي لحلفائها في الإقليم. ويفاقم من كلفة الوجود الإيراني في سوريا تعاظم الخلافات مع تركيا بشأن الحل المقترح في سوريا، ويبدو أن تركيا وإيران لا تسيران في نفس الخط على هذا الصعيد. إن نهاية الحرب الأهلية السورية أو سيطرة النظام السوري الكاملة على الأراضي السورية هي من بين السيناريوهات التي لديها إمكانات كافية لتشكيل مخرج مقبول ينظم خروجًا متدرجًا لإيران من سوريا، لكن عقدة إدلب ودور تركيا على هذا الصعيد يقول بأن الوقت مبكر جدًّا على الحديث عن نهاية للأزمة في سوريا.

قائد فيلق القدس اسماعيل قاآني يتلو وصية الجنرال قاسم سليماني(رويترز نقلا عن وانا) قائد فيلق القدس اسماعيل قاآني يتلو وصية الجنرال قاسم سليماني(رويترز نقلا عن وانا)

خيارات إيران

    معادلة خاسر-خاسر: تقوم هذه المعادلة على طرح يقول بأنه حتى لو لم تنجح تل أبيب بشكل كامل في إخراج إيران من سوريا، فإن طهران ستبقى في وضع حرج هناك، ولذلك فهي تخسر إن انسحبت من سوريا، وستخسر إن بقيت مع استمرار الإسرائيليين في استهداف القوات الإيرانية من وقت لآخر. ومعادلة  “خاسر- خاسر”، التي باتت مفروضة على إيران، ستستمر إلا إذا استطاعت إيران أن تحد من مستوى التهديد الإسرائيلي لوجودها في سوريا.

    الانسحاب من سوريا (الخيار المستبعد): لا يوجد في الدوائر العسكرية والأمنية ولا حتى السياسية في إيران من يتحدث عن الانسحاب من سوريا في المدى المنظور، ويأتي ذلك من قناعة ما يمكن أن يلحقه ذلك من ضرر بطهران من أوجه عدة:

 ما سيرافقه من تراجع إن لم يكن انهيار نفوذها وقوتها الناعمة بصفتها رأس “محور المقاومة”.

 لن يقف ذلك عند الصورة التي تقدمها إيران لنفسها أمام خصومها، بل سيطول ذلك حلفاءها الذين سيجدون أن حليفتهم التي راهنوا عليها قد تخلت عنهم، وتحسب إيران لذلك حسابًا كبيرًا؛ إذ إن التخلي عن حلفائها في الساحتين، السورية والعراقية، يعني انكماش إيران إقليميًّا وعجزها مستقبلًا عن بناء أية تحالفات.

 يعني ذلك انهيار النفوذ الإقليمي لإيران وفي المحصلة سلبها أهم أوراق قوتها في أية عملية تفاوضية.

 سيرتب ذلك أزمة داخلية إيرانية؛ إذ إن حماية الأمن القومي كانت مبررًا جرى إعلانه للتدخل الإيراني في سوريا والإقليم عامة، ولذلك فالانسحاب يعني جعل الأمن القومي في معرض الخطر مجددًا، أو الوصول إلى نتيجة مفادها أن ذلك كان ذريعة غير واقعية جرى تقديمها للمواطن الإيراني للتغطية على أهداف أخرى، وهو ما سيجاهد الممسكون بزمام نفوذ إيران الإقليمي لتحاشيه.

 خسارة المعركة الدعائية مع إسرائيل: الانسحاب يعني أن إيران ستخرج صفر اليدين من سوريا، مجبرة تحت وطأة الضربات الإسرائيلية، ودون أن ترد وهو ما يضر بصورة إيران الجسور والقادرة.

    سقوط بشار الأسد: لا يُعد هذا خيارًا جيدًا بالنسبة لإيران، خاصة أن التقارير الإيرانية تتحدث عن سعي إقليمي ودولي، لتوظيف نخبة عسكرية سورية لديها موقف مناهض لإيران للإطاحة ببشار الأسد. وإذا حدث ذلك فإن إيران ستكون في مواجهة مأزق متعدد الأوجه، سيكون حزب الله في لبنان من أبرز ضحاياه. وكان هادي معصومي قد نشر عددًا من التقارير المهمة على هذا الصعيد من أبرزها تقرير مكون من ثمانين صفحة بعنوان “توازن التوازن: بناء نظام سياسي جديد في سوريا” (نرفق ملخصًا له) حول فترة ما بعد الحرب في سوريا مع التركيز على مسألتين: الحاجة لإعادة الإعمار وتغيير نهج بعض الدول العربية من الخليج (وتحديدًا الإمارات العربية المتحدة) من خلال عودتها الرسمية والصريحة إلى دمشق، وإعادة فتح السفارة الإماراتية، وتحسن العلاقات بين الطرفين رسميًّا وعلنًا. وتحدث التقرير الذي لم يُنشر كاملًا بل وُزِّع على عدد من صنَّاع القرار عن مخطط لانقلاب في سوريا ترعاه الإمارات، مع التأكيد على بوابة إعادة الإعمار كمدخل مهم لأبوظبي(20).

    موازنة التهديد الإسرائيلي بالرد: مؤشرات كثيرة تقول بأن إيران لن تستمر في حالة “عدم الرد”، وقد كانت تلك استراتيجية انتهجها قاسم سليماني، وتقوم على تحمل الخسائر مع الاستمرار في تعزيز الوجود على الأرض، وتجنب الدخول في مواجهة واسعة تجعل إيران تخسر ما حققته، ولكن مصادر عدة تحدثت لها الباحثة، أشارت إلى أن قائد فيلق القدس الجديد، إسماعيل قاآني، كان على الدوام صاحب رأي مختلف بهذا الخصوص، وأنه سبق وطرح ضرورة الرد أمام سليماني أكثر من مرة، وبالنظر إلى السيرة الذاتية لقائد فيلق القدس، إسماعيل قاآني، وكذلك السيرة الذاتية لنائبه، محمد حجازي، الذي بات الاسم الأبرز في إدارة الملف السوري، يعطيان نتيجة مفادها أن الاستراتيجية الإيرانية على صعيد إدارة النفوذ الإقليمي لإيران على وشك التغيير، وأن ملامح جديدة تتشكل، وأن إيران ستعمد إلى تقليل العدد في سوريا لكن مع رفع الكفاءة والفعالية للموجودين على الأرض هناك. وفي المحصلة، لن تفرط إيران بالورقة السورية كما هي الحال بالنسبة للورقة العراقية واليمنية.

فاطمة الصمادي

باحثة وأستاذة جامعية أردنية مختصة في الشأن الإيراني، حاصلة على درجة الدكتوراه من جامعة علامة طباطبائي في إيران. لها عدد من الكتب والأبحاث المتعلقة بالشأن الإيراني. تعمل حاليا باحثا أول في مركز الجزيرة للدراسات وتشرف على الدراسات المتعلقة بإيران وتركيا ووسط آسيا.

مراجع

(1) شريفيان جمشيد، كبيري اباصلت، طحان منش عليرضا، “تعامل وتقابل إيران وترکيه در بحران سوريه”(التفاعل والمواجهة الإيرانية التركية في أزمة سوريا)، دورية امنيت پژوهي: صيف 1391، الدورة 11، العدد 38، صص139 – 184، ص

(2) شريفيان وآخرون، مرجع سابق، ص 151-152.

(3) المرجع السابق.

(4) المرجع السابق.

(5) وفق هذه النظرية، فإن البقاء (survival) وكذلك الأمن هي الأهداف الأساسية التي تسعى إليها الدول وتوظف في سبيلها كافة إمكانياتها الداخلية والخارجية.

انظر: Kenneth N. Waltz ,Realism and International Politics, (New York: Routledge, 2008), p137

ووفقًا لما يقترحه والتز، فإن القوة وسيلة وليست هدفًا في حدِّ ذاتها ولذلك فالدول في عملية التحالف تقوم بالمحافظة على التوازن (balancing) مفضِّلة الطرف الضعيف عوضًا عن (bandwagoning) أي الانضمام إلى الطرف القوي، للحيلولة دون سيطرة دولة بعينها. انظر:

T.V. Paul , Soft Balancing in the Age of U.S. Primacy,International Security International Security

Volume 30, Issue 1,Summer 2005, p.46-71

(6) دهقاني فيروز آبادي، سيد جلال الدين، (1390ش)، “واقع گرایی نوکلاسیک و سیاست خارجی جمهوري اسلامی ایران” (الواقعية الكلاسيكية الجديدة والسياسة الخارجية لجمهورية إيران الإسلامية)، دورية “سیاستخارجی”، السنة 25، العدد 2، صيف 1390 ش، ص 248.

(7) يرى “راندل شويللر” ورواد الواقعية الكلاسيكية الجديدة أن الدول الصغيرة والمتوسطة ليست مجبرة على مسايرة الركب على أساس عجزها عن تحقيق توازن قوى مع الدول الكبرى وأن هذه الدول يمكنها تجنب تهديدات الدول الكبرى من خلال تطبيق استراتيجية أخرى، هي استراتيجية “توازن المصالح”، عن طريق توظيف الدول الصغيرة والمتوسطة لما يسميه “شويللر” بالقوة المعنوية، وهي القوة التي يمكن من خلالها إضفاء الشرعية أو نزعها عن سياسات القوى الكبرى في منطقة معينة. انظر:

حسين، بلخيرات، استراتيجيات الدول الصغرى في مواجهة القوى الكبرى، المعهد المصري للدراسات، 30 أبريل/نيسان 2018، (تاريخ الدخول: 7 مايو/أيار 2020):  https://bit.ly/3frIYqm 

 (8)  Randall L., Schweller, “The Problem of International Order Revisited,” International Security, Vol.26, No.1, Summer 2001, pp.161–185

(9) Randall L. Schweller, Bandwagoning for Profit: Bringing the Revisionist State Back In, International Security, Vol. 19, No. 1 (Summer, 1994), pp. 72-107

(10) دهقاني فيروز آبادي، مرجع سابق، ص 285.

(11)   Walt, Stephan M. (1988), Testing theories of alliance formation: the case of Southwest Asia, International Organaization.Volume 42, Issue 2. Spring 1988, pp. 275-316

(12) Walt, Ibid

(13) سردار سلامی تشریح کرد؛دستاوردهای حضور در سرزمین شام/در ۴سطح در سوریه حضور مستشاری داریم (العميد سلامي يشرح إنجازات الوجود في أرض الشام: لدينا وجود استشاري على 4 مستويات في سوريا)، مهر نيوز، 5 آبان 1395 (تاريخ الدخول: 10 مايو/أيار 2020): https://bit.ly/2SPtnYf 

(14) المرجع السابق.

(15) يقصد بالمنطقة الرمادية الحالة التي تقع بين حالة السلم وحالة الحرب.

(16) Ilan Goldenberg, Nicholas Heras, Kaleigh Thomas and Jennie Matuschak, Countering Iran in the Gray Zone,What the United States Should Learn from Israel’s Operations in Syria, Center for a New American Security, April 14, 2020 (accessed: May 20, 2020): https://bit.ly/35OimeJ

(17)  Michael Herzog, Iran Across the Border: Israel’s Pushback in Syria, The Washington Institute, July 2019, (accessed: May 20, 2020): https://bit.ly/3cibJEc

(18) – Countering Iran in the Gray Zone, Ibid.

(19) نضال محمد وتد، “يديعوت أحرونوت”: إيران تبدأ بتقليص قواتها في سورية، صحيفة العربي الجديد، 5 مايو/أيار 2020، (تاريخ الدخول: 7 مايو/أيار 2020): https://bit.ly/2SJZubF

(20) هادي معصومي زارع، بازگشت پدرخوانده دلار و کودتا به سوریه (عودة الأب الروحي للدولار والانقلاب إلى سوريا)، مرصاد،

—————————-

 إيران تسحب «تكتيكياً» ميليشياتها من سوريا… من دون تغيير إستراتيجي سلمت مواقعها لتنظيمات محلية بإشراف روسي/  إبراهيم حميدي

كثفت إيران في الأيام الأخيرة عمليات إعادة تموضع ميليشياتها في مناطق مختلفة من الأراضي السورية من دمشق جنوباً إلى دير الزور شرقا، بما في ذلك عبور بعضها إلى غرب العراق، وسط اعتقاد مسؤولين غربيين أن هذه «التحركات تكتيكية ولا تدل على تغير الموقف الاستراتيجي لإيران في سوريا».

وقال مسؤول غربي لـ«الشرق الأوسط»، إن الانسحاب التكتيكي يعود إلى جملة أسباب، هي: «الأزمة الاقتصادية الإيرانية، والقواعد التي فرضها وباء (كورونا)، وتطورات وضع العراق لجهة التوتر مع أميركا أو ظهور (داعش) غربا، والغارات الإسرائيلية التي تكثفت في الفترة الأخيرة، وتراجع حدة القتال في بعض المناطق السورية، والضغوط الروسية»، لافتا إلى أنه في بعض الحالات تقوم ميليشيات إيران الأجنبية بتسليم مواقعها إلى ميليشيات سورية تابعة لطهران «بحيث إن الوضع يشبه ما حصل في جنوب سوريا بعد الاتفاق الأميركي – الروسي الذي قضى بخروج القوات غير السورية بعمق وصل إلى 80 كلم من حدود الأردن وخط فك الاشتباك في الجولان» السوري المحتل مع إسرائيل.

– إعادة انتشار

أفادت شبكة «دير الزور 24» المحلية أمس، بأن عناصر من تنظيمي «فاطميون» و«313» نقلوا السبت الماضي من جنوب دير الزور والميادين، حيث عاد «فاطميون» إلى المقر الرئيسي في مدينة تدمر، بينما نُقل الآخرون إلى مركزهم الرئيسي في «السيدة زينب» جنوب دمشق. وقالت الشبكة: «تم نقلهم في حافلات مدنية من دون أسلحة، وكان معظمهم من الجنسية الأفغانية وتم استبدالهم من خلال عناصر محليين».

وشهدت الأيام الأخيرة منطقة «السيدة زينب» توترا بين القوات السورية وتنظيمات إيرانية جنوب العاصمة على خلفية قرار الحكومة عزل المنطقة، معقل الموالين لطهران، تحسبا لانتشار الوباء. وتنتشر قوات إيرانية وأخرى عراقية داعمة لدمشق في منطقة واسعة في ريف دير الزور الشرقي خصوصاً بين مدينتي البوكمال الحدودية والميادين، كما تسيطر على معبر البوكمال الحدودي مع العراق.

من جهته، قال موقع «جسر» السوري، إن عمليات التسليم والتسلم في المواقع والحواجز الإيرانية في دير الزور تمت بإشراف الشرطة العسكرية الروسية، حيث «تسلمت الحواجز والمقرات الإيرانية كل من ميليشيات القاطرجي (التابعة لمجموعة القاطرجي السورية) في دير الزور، التي يديرها فواز البشير، أحد قادة قبيلة البكارة، ومفارز من لواء القدس، الذي تشرف عليه شركة فاغنر الأمنية الروسية».

وأضاف «جسر» أن عمليات الانسحاب «تمت على الشريط المأهول المحاذي لنهر الفرات، وبدأت من دير الزور، واتجهت شرقاً باتجاه الحدود العراقية، حيث تم استلام مقرات على مسافة 70 كلم من دير الزور باتجاه الشرق، ليتبقى نحو 70 كلم أخرى تحت سيطرة الميليشيات الإيرانية، خصوصاً في البوكمال، ولا تزال عمليات الاستبدال جارية».

وكان قائد «فيلق القدس» قاسم سليماني، الذي اغتالته واشنطن بداية العام، أشرف على فتح معبر البوكمال ليكون المعبر البري البديل من إيران عبر العراق إلى سوريا والبحر المتوسط، بعدما قطع الجيش الأميركي الطريق القديم بعد سيطرته على قاعدة التنف في زاوية الحدود السورية – الأردنية – العراقية.

في المقابل، جاءت من دمشق مجموعات وتوقف عناصرها في «معسكر طلائع البعث» غرب دير الزور، حيث يعتقد أن وجهتهم هي معبر البوكمال الحدودي ومنه إلى العراق، حسب مصادر محلية. وأشارت إلى أن العناصر السورية في تنظيمات أخرى تابعة لإيران في حلب، بدأت بالانتقال إلى فصائل عسكرية تابعة لروسيا ملحقة بـ«الفيلق الخامس»، حيث يتم تجنيد وإعادة تأهيل هؤلاء المقاتلين في مركز التدريب الروسي الخاص في بلدة جبرين قرب مطار النيرب في حلب شمال سوريا.

– الموقف الإسرائيلي

في 5 مايو (أيار)، أعلن مسؤولون إسرائيليون أن إيران بدأت بـ«سحب قواتها» من سوريا بسبب القصف الإسرائيلي. وقال وزير الدفاع الإسرائيلي نفتالي بينيت، الذي خسر منصبه في الحكومة الجديدة: «إيران لا شأن لها في سوريا، ولن نتوقّف قبل أن يغادروا (الإيرانيون) سوريا». وأضاف أن إيران «دخلت» سوريا في إطار الحرب الدائرة في هذا البلد منذ 2011 وتسعى إلى «ترسيخ» مكان لها على الحدود الإسرائيلية من أجل «تهديد» مدن مثل «تلّ أبيب والقدس وحيفا». وتابع: «لقد أصبحت إيران عبئاً. في السابق كان (الإيرانيون) مصدر قوة للسوريين، فقد ساعدوا (الرئيس بشار) الأسد ضدّ (داعش)، لكنّهم أصبحوا عبئاً».

جاء كلامه بعد مقتل 14 مقاتلاً من القوات الإيرانية والمجموعات العراقية الموالية في غارات استهدفت مواقع في محافظة دير الزور، بالتزامن مع قصف إسرائيلي استهدف مستودعات عسكرية في منطقة السفيرة في محافظة حلب شمالاً.

وفي نهاية الشهر الماضي، قتل ثلاثة مدنيين جراء غارات إسرائيلية قرب دمشق، وفق ما أفاد الإعلام الرسمي السوري. وقبل أسبوع من تلك الغارات، قتل تسعة عناصر من مجموعات موالية لقوات النظام وإيران جراء قصف إسرائيلي أيضاً استهدف منطقة تدمر في وسط البلاد.

وفي السنوات الأخيرة، وضعت إسرائيل «خطوطا حمراء» في سوريا، هي: منع نقل صواريخ إلى «حزب الله»، ومنع إقامة طهران قواعد عسكرية ثابتة في سوريا، وعدم إقامة مصانع لتطوير صواريخ طويلة المدى، ومنع تشكيل «خلايا» في الجولان. وشنت مئات الغارات من دون أن تعترضها منظومات الصواريخ الروسية، «إس 400» و«إس 300» و«إس 300 المعدل»، الموجودة في سوريا.

– الموقف الأميركي

قال المبعوث الأميركي إلى سوريا جيمس جيفري في حديث إلى «الشرق الأوسط» الأسبوع الماضي إن بلاده «تقدم كل الدعم الممكن» لإسرائيل في غاراتها في سوريا. وهناك اعتقاد واسع أن قاعدة التنف الأميركية تقدم دعما استخباراتيا ولوجيستيا لإسرائيل. كما قال جيفري إن على جميع القوات الأجنبية بما فيها الإيرانية الخروج من سوريا، لافتا إلى أن روسيا مستثناة من ذلك لأنها موجودة قبل 2011.

وأكد مسؤولون غربيون لـ«الشرق الأوسط» أمس، وجود تغيير في التحركات الإيرانية في سوريا. وقال جيفري: «شهدنا نوعا من النزوح التكتيكي للقوات الإيرانية داخل سوريا، ويرجع جزء من ذلك إلى أنهم لا يحتاجون إلى أعداد كبيرة من القوات البرية على الأرض هناك، فضلا عن التكاليف المالية الباهظة لاستمرار انتشار القوات في ظل العقوبات الاقتصادية المستمرة من الولايات المتحدة، ناهيك عن الضغوط المالية الهائلة التي فرضها انتشار وباء (كورونا) على الحكومة الإيرانية. غير أن هذه قد تكون مجرد إجراءات ذات طبيعة تكتيكية فحسب».

ويجري مسؤولون أميركيون وإقليميون في دول مجاورة لسوريا، مشاورات لتقييم التحولات الجارية في الموقف الإيراني في سوريا، وإن كان الاعتقاد الأولي أنها «ذات طبيعة تكتيكية استجابة لضغوط داخلية وخارجية، لم تصل بعد إلى التغيير الاستراتيجي».

الشرق الأوسط

——————————–

إغراءات أميركية..لا تبعد روسيا عن إيران في سوريا/ عقيل حسين

خلط جديد شهدته الأوراق العسكرية، وتشابك آخر دخلته الأزمة السورية مع التطورات المتسارعة التي شهدتها الأيام الأخيرة الماضية، ما يشي بزيادة حدة التجاذب بين محاور الصراع والقوى الرئيسية المؤثرة فيه.

على نحو متدرج تصاعد الحديث منذ نهاية نيسان/أبريل الماضي، وكما لم يحدث من قبل ربما، عن توافق روسي-أميركي-إسرائيلي حيال الوجود العسكري الإيراني في سوريا، استناداً إلى  معطيات، كان في مقدمتها تنفيذ وحدات إيرانية أو ميليشيات تابعة لإيران، عمليات إعادة انتشار وانسحاب من بعض المواقع في محافظة دير الزور على وجه الخصوص، وتسليم بعض النقاط التي تم اخلاؤها الى ميليشيات محلية مرتبطة بروسيا، كميليشيا صقور الصحراء ولواء القدس.

إيران في حضن روسيا

بدا أن ذلك مرتبط بالتصعيد الأميركي-الإسرائيلي الذي تجدد الأسبوع الماضي ضد مواقع الميليشيات الإيرانية في سوريا، حيث شُنت هجمات جوية عنيفة شرق دير الزور وجنوب حلب، ليعود الحديث مجدداً، لدى المعارضة والموالاة على نحو سواء، حول دور منظومة الدفاع الجوية الروسية “إس-300” في سوريا، والأسباب التي تقف خلف عدم تفعيلها للتصدي لمثل هذه الهجمات، الأمر الذي عاد واعتبره الكثيرون، مؤشراً قوياً على تواطؤ روسي مع واشنطن وتل أبيب ضد طهران، وعزز بقوة فرضية الصراع الروسي-الإيراني على النفوذ في سوريا.

لكن فجأة، وفي 6 أيار/مايو، حطت طائرة شحن إيرانية في قاعدة مطار حميميم الجوية الروسية شمال غرب سوريا.. تكتمت موسكو وطهران على الحدث الذي لم يكن ممكناً إخفاؤه على أي حال، لتنشر وزارة الدفاع الروسية تسجيلاً مصوراً في التاسع من هذا الشهر، يظهر لحظة هبوط الطائرة الإيرانية في “حميميم”، مدعية أنه كان تغييراً في المسار على نحو طارئ، تخوفاً من استهداف إسرائيل لمطار دمشق الدولي.

كان التبرير متهافتاً، بالقدر نفسه الذي كان فيه الحدث مفاجئاً، لكن ومع ذلك لم تعلق أي من الأطراف على هذا التطور، الذي بدا مجرد بالون اختبار، كانت نتائجه مشجعة لطهران وموسكو، مع الصمت والتجاهل الأميركي-الإسرائيلي الظاهر، لتعود القاعدة الجوية الروسية، وتفتح أبوابها مرة ثانية أمام “الحليف اللدود”، حيث هبطت طائرة إيرانية أخرى في حميميم في 13 أيار.

مؤشرات أخرى

وبينما كان طيف واسع من المعارضة يحتفي بأنباء الانسحاب أو التخفي الإيراني تحت وقع الضربات الجوية الأميركية-الإسرائيلية، جاءت الأخبار من البادية تتحدث عن تجمع الميليشيات الإيرانية -التي غادرت منطقة دير الزور- بالقرب من مدينة تدمر الصحرواية، التي تعتبر منذ نهاية العام 2017، تاريخ طرد تنظيم “داعش” منها، منطقة نفوذ روسي.. التمركز الإيراني الجديد هناك ورغم أنه قد يُبرّر بتصاعد هجمات “داعش” فيها مؤخراً، فإن هذا التبرير بحد ذاته يعتبر تأكيداً على استمرار حاجة الروس للإيرانيين في سوريا، بالنظر إلى ضعف القوات البرية السورية وترهلها.

كذلك أظهرت صور وضعها صحافي أميركي، الخميس، على حسابه في موقع “تويتر”، قيام إيران بنشر صواريخ أرض-جو ورادارات في محيط مطار دمشق الدولي، حيث تتخذ الميليشيات التابعة لها من أحد أبنيته (المبنى الزجاجي المقاوم للضربات الجوية) مقراً لقيادة عملياتها في سوريا..تطور آخر لم يكن ليمر حتماً من دون إرادة الروس، أو بتغاضيهم على الأقل.

    Screenshot from phone of #IRGC mentor in #Syria showing regularly used militia meeting location and site of surface to air missiles near Damascus airport. Attached pic shows missiles taken by Iraqi militia member and leaked to me. pic.twitter.com/xDfiinlhVg

    — Gareth Browne (@BrowneGareth) May 14, 2020

وسواء أكان ذلك برضى روسيا أو تشجيعها أو تغاضيها، فلا فرق طالما أن الرسالة واضحة، وهي نسف كل ما بني على افتراض الصراع الروسي-الإيراني في سوريا، الذي يرى الباحث السوري المعارض عباس شريفة أنه كان مبالغاً في تقديره، إذ أن خلاف الطرفين وتنافسهما لم يعنِ أبداً اختلافهما وبلوغ ذلك مستوى الصراع.

تقديرات المعارضة

ويضيف شريفة تعليقاً على تلك التطورات، أن “روسيا تعود لاستعمال الورقة الإيرانية من جديد، والمناورة بها للضغط على  الولايات المتحدة وإسرائيل، من أجل دفعهما للموافقة على تأهيل نظام الأسد وفك الحصار عنه”.

وحسب شريفة، فإن المقاربة الروسية للحل السياسي تقوم على إشراك صوري لمعارضة معتدلة في الحكم مع النظام، مقابل فك الحصار عن دمشق والانفتاح السياسي على النظام، واعتبار هذا الحل تنفيذاً لقرار مجلس الأمن 2254، وهو ما ترفضه الولايات المتحدة وإسرائيل، وتشترطان تقنين الوجود الإيراني في سوريا بصورة لا يهدد أمن تل أبيب.

ويضيف شريفة إلى ما سبق من مؤشرات الضغط الروسي على الغرب باستخدام ورقة إيران، التصعيد الأخير في درعا، حيث يرى أن “روسيا تغض الطرف عنه أيضاً”، وهو ما تريده طهران المتحفزة لفرض هيمنة كاملة على الجنوب، لم تمكّنها شروط التسوية التي ضمنتها روسيا من تحقيقها، وكذلك أيضاً الصور المسربة لنشرها رادارات وصواريخ أرض-جو بالقرب من مطار دمشق الدولي.

لكن ضابطاً منشقاً عن جيش النظام، وهو خبير في أنظمة الصواريخ والدفاع الجوي، قلّل من أهمية ما أظهرته صور الصحافي الأميركي والتي قال إنه حصل عليها من هاتف عنصر في إحدى الميليشيات العراقية المدعومة من إيران في سوريا.

الخبير الذي طلب عدم الكشف عن اسمه، أكد ل”المدن”، أن المنظومة التي تظهرها الصور قديمة أولاً، ولا يمكن أن تحدث فارقاً مع غياب معدات التشويش، كما أن المبنى الزجاجي الذي أشار إليه الصحافي مسرب الصور هو مبنى قديم سابق على الوجود الإيراني هناك، وسبق أن استهدف من قبل بقصف تسبب بتدمير الطابق السادس منه بشكل كامل، مشيراً أيضاً إلى أن إيران لم تعد تعتمد منذ وقت طويل على المطارات السورية في نقل العناصر والمعدات.

لكن الخبير ذاته اعتبر أن التصعيد الأخير في درعا والحشود العسكرية المتتالية التي ترسلها قوات النظام والميليشيات الإيرانية إلى غرب حوران، تعتبر مؤشراً جدياً على وجود ضوء أخضر روسي هناك، وهو ما يمكن اعتباره دليلاً بالفعل على أن التحالف الروسي-الإيراني في سوريا بحالة انسجام، بمواجهة التصعيد الأميركي.

وكان المبعوث الأميركي إلى سوريا جيمس جيفري قد أعاد التأكيد في تصريحات جديدة له، الجمعة، على أن “الولايات المتحدة ستواصل وجودها العسكري في سوريا، وأن هدف واشنطن هو جعل الحرب في سوريا طريقا مسدوداً بالنسبة لروسيا” مضيفاً “سياستنا تتمثل بالضغط على أعدائنا في المنطقة”.

ويبدو هذا الموقف الاميركي الحاد كردٍ على التحدي الإيراني الروسي الاخير، وهو يطوي محاولة واشنطن تحييد الروس واستقطابهم إلى نقطة التقاء بعيداً عن الأسد وإيران، بعدما تبين أن العرض لا يغري موسكو بما يكفي لجعلها تتخلى عن حليفيها، حتى الآن.

————————————–

لماذا تنحسر إيران في سورية؟/ مروان قبلان

لا تحجب التفاصيل التي تجري على الأرض في سورية، ميدانيةً كانت أو اقتصادية ومعيشية، على أهميتها، الرؤية عن المشهد العام الذي تتكشف ملامحه باضطراد، نتيجة التقاء واختلاف مصالح الفاعلين الرئيسيين في الصراع: روسيا، الولايات المتحدة، تركيا، إيران، وإسرائيل.

لكن قبل أن نبدأ بتناول حسابات هذه الأطراف ورهاناتها، من المهم الإشارة إلى أن القوة العسكرية في الميدان قد بلغت أقصى ما تستطيع تحقيقه لجميع الأطراف، بمعنى أن حدود الصراع ارتسمت على الأرض، بفعل موازين القوى القائمة، وأصبح متعذّرا تغييرها باستخدام القوة، هذا يقود إلى أن هناك فرصة مهمة لحصول تطوراتٍ على صعيد الحل السياسي، ولكن هذا سيؤدّي، على الأرجح أيضا، إلى إعادة ترتيب العلاقة بين القوى الرئيسة الفاعلة في المشهد السوري، بما يتلاءم ومتطلبات المرحلة الجديدة.

هناك أولا الثنائي الروسي – التركي، وقد بات، على ما يظهر، متمسّكا أكثر بإنفاذ تفاهمات مسار أستانا، نظرا لكونه يكرّس الطرفين باعتبارهما الفاعلين الرئيسين في المشهد السوري، بدلا من مسار جنيف الذي يراهما مجرّد طرفين من بين أطراف عديدة على الطاولة. بدا هذا التوجه واضحا في مواجهات إدلب أخيرا، والتي شهدت أول صدام عسكري مباشر بين تركيا وإيران على الأرض السورية، اكتفت خلالها روسيا بموقف المتفرّج، وكأنما أرادت أن تعطي تركيا الفرصة للرد على قتل إيران جنودها الـ33 في بلدة بليون في ريف إدلب، نهاية فبراير/ شباط الماضي، ليكون ذلك ثمنا لإنقاذ تفاهمات أستانا. وبالفعل، تم إنقاذ هذه التفاهمات في الاتفاق الذي تم التوصل إليه في موسكو في 5 مارس/ آذار 2020، بين الرئيسين الروسي بوتين والتركي أردوغان، ورسم ما يشبه خطوطا نهائية للصراع العسكري على الأرض، قبل الانتقال إلى طاولة المفاوضات. التحدّيات التي يفرضها تفشّي وباء كورونا، وانهيار أسعار النفط، يدفعان الطرف الروسي خصوصا إلى المضي في هذا الاتجاه.

وبمقدار ما تتقدم التفاهمات الروسية – التركية وتتبلور، يبرز التعارض أكثر في ما بينها وبين المصالح الإيرانية التي باتت تشكل عقبةً يعملان على تجاوزها. هنا يدخل على الخط الثنائي الآخر في المعادلة السورية، أي أميركا وإسرائيل. وبغض النظر عن أسباب زيارة وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو إلى إسرائيل، الأسبوع الماضي، إلا أنه بات واضحا وجود قرار مشترك أميركي – إسرائيلي بتكثيف الضغوط على إيران في سورية، بالاستفادة من تباعد المواقف بين إيران وشركائها الآخرين في مسار أستانا. ويبدو أن قرار روسيا رفع الغطاء عن الوجود العسكري الإيراني في سورية هو ما دفع وزير الحرب الإسرائيلي، نفتالي بينيت، إلى الإعلان عن تغيير كبير في الاستراتيجية الإسرائيلية التي باتت تستهدف إخراج إيران من سورية بعد أن كانت تهدف، منذ عام 2013، إلى إضعافها وإبعادها عن الحدود. وقد جرت ترجمة هذا التغيير في الزيادة الكبيرة في عدد الهجمات الإسرائيلية ضد أهداف إيرانية في سورية منذ 25 من الشهر الماضي (إبريل/ نيسان). وقد باتت أيضا قوات التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة تستهدف، بوتيرة أكبر، مواقع المليشيات الإيرانية في مناطق الشرق السوري.

التغير في الموقف الروسي من وجود إيران العسكري في سورية لا تخطئه العين، فبعد أن كانت موسكو تندّد، في كل مرة، تعتدي فيها إسرائيل على “السيادة السورية”، لمهاجمة مواقع إيرانية، يكاد الصمت الروسي حيال الهجمات الأخيرة يصم الآذان. ويعكس هذا الموقف فحوى التغير في النظرة الروسية للدور الإيراني في سورية، مع انتفاء الحاجة إليه بعد بلوغ العمليات العسكرية نهاياتها، وهو يحاكي الموقف الأميركي من قوات سورية الديموقراطية (قسد)، بعد استنفاد الغرض منها في هزيمة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش).

في هذا كله، يجب أن لا يفوتنا الانتباه إلى أهمية التوقيت، ذلك أن روسيا وتركيا وإسرائيل باتت جميعا تتوجس، كل منها لأسبابها، من احتمال خسارة ترامب انتخابات نوفمبر/ تشرين الثاني الرئاسية في الولايات المتحدة، بسبب إدارته السيئة ملف كورونا، ومن ثم ضياع فرصة إخراج إيران من سورية مع العودة المحتملة للديمقراطيين وسياسات حقبة أوباما التي يكرهها الروس والأتراك والإسرائيليون. هذا يعني أننا أمام توافق، وإن كان عابرا، على إخراج إيران من سورية، أو أقله إضعاف تأثيرها هناك، يمهد الطريق لنشوء علاقة “تخادم” لتحقيق هذا الهدف، وتغيير كبير في قواعد اللعبة، لن تملك إيران على الأرجح القدرة لمواجهته.

العربي الجديد

———————————

إيران خارج اللعبة السورية التي تكتظ بالشركاء/ فاروق يوسف

لن يطلب أحد من إيران الخروج من سوريا فهي لا تملك جيشا رسميا هناك. هناك وجهان للمسألة.

الوجه الأول يتمثل في حزب الله اللبناني والميليشيات العراقية، وهو ما يقع تحت نظر القوات الروسية وتتكفل إسرائيل بمعالجته من خلال ضربات جوية بين حين وآخر.

أما الوجه الثاني فإنه يتمثل بالاستيطان الإيراني في ضواحي دمشق وبالأخص في ضاحية “السيدة زينب”. وهو ما يقع ضمن اختصاص النظام الذي ورط سوريا بإيواء أعداد كبيرة من الإيرانيين الذين سيكون وجودهم في المرحلة المقبلة مصدر إزعاج للسوريين.

من المؤكد أن إيران لم تعد قادرة على تحمل تكلفة وجودها العسكري غير المباشر في سوريا. وإذا ما كان تأمين طريق طهران – بيروت قد شكل سببا رئيسا لذلك الوجود، فإنه في المرحلة المقبلة لن يكون ضروريا. ذلك لأن إيران لن تكون قادرة على تقديم الدعم إلى حزب الله وتمويله.

وسيكون من الصعب على حزب الله والميليشيات العراقية الاستمرار في البقاء على الأراضي السورية في ظل غياب العامل الإيراني. فبقاء النظام السوري لم يكن هدفا لذاته من وراء الحرب التي خاضتها تلك الميليشيات بل كان الهدف الرئيس يكمن في إبقاء طرق التمويل مفتوحة عبر سوريا.

لن تنتظر الميليشيات الإيرانية وضمنها حزب الله طلبا من الحكومة السورية لكي تغادر الأراضي السورية. لقد صار واضحا أن هناك اتفاقا روسيا – إسرائيليا على ضرورة أن تغادر تلك الميليشيات في أسرع وقت.

وبغض النظر عن الضربات الإسرائيلية، فإن تكلفة الاستمرار في البقاء على الأراضي السورية صارت باهظة، وهو ما لا يستطيع حزب الله أو الميليشيات الأخرى تحمّله في ظل ضائقة مالية صار لبنان والعراق يعانيان منها. ناهيك عن الأفق صار مسدودا في وجه إيران.

سيكون بشار الأسد محظوظا في تخلصه من العبء الإيراني.

ولكن حظه لن يكون سعيدا مع الروس تماما. ذلك لأنهم عقدوا اتفاقات من غير الحاجة إلى استشارته مع أطراف عديدة لها علاقة بالمسألة السورية، بعد أن تشعبت دروبها وتعددت القوى التي وجدت أن لها مصلحة فيها. هناك بشكل أساس تركيا والولايات المتحدة وإسرائيل.

أطراف لا يملك بشار الأسد القدرة على الاتصال المباشر بها من أجل فهم ما تريد فيما تملك روسيا خطوط اتصال ساخنة مع كل واحد منها.

كان طرد إيران من الأراضي السورية شرطا. ذلك الشرط تحقق من غير الحاجة إلى ضغوط. غير أن هناك اختلافا على صورة سوريا التي سترعاها روسيا في المستقبل.

كل واحد من تلك الأطراف يملك وجهة نظر مختلفة وله أيضا مصلحة مختلفة.

تتمسك تركيا بحجة حماية حدودها الجنوبية من هجمات الأكراد من أجل الإبقاء على منطقة آمنة شمال سوريا هي منطقة نفوذ عسكري بعيد المدى، فيما تتخذ الولايات المتحدة من عقوباتها المفروضة على إيران مسوغا لاستمرار وجودها على الأراضي السورية من أجل قطع طريق الإمداد ذهابا وإيابا بين طهران وبيروت.

تبقى إسرائيل فهي صاحبة المصلحة المزدوجة الكبرى. سوريا الموحدة بنظام سياسي ضعيف. ذلك ما يشكل ميزان المعادلة التي تسعى إسرائيل إلى فرضها على الأرض من غير تدخل مباشر. فتلك المعادلة قد لا تخرج بعيدا عن نطاق ما يفكر فيه الروس وهم يسعون إلى الحفاظ على نتائج تدخلهم في سوريا من غير أن يصطدموا بالشركاء الآخرين الذين يمكن إزاحة اثنين منهم على الأقل بهدوء، الولايات المتحدة وتركيا، والإبقاء على إسرائيل باعتبارها شريكا ليس فاعلا على الأرض.

نهاية من ذلك النوع قد لا تغضب الأسد إذا ما كانت تشكل قاعدة لبقاء نظامه. ولكن سوريا الموحدة ستكون جسدا مريضا وهو ما سيضع الروس في مواجهة مسؤولية قد لا يكونون قادرين على النهوض بأعبائها.

كاتب عراقي

العرب

——————————-

===================

======================

تحديث 21 أيار 2020

—————————-

طردٌ أم “ضبط إيقاع”؟..مآلات النفوذ الإيراني وتباين استراتيجية “حلفاء الأسد

تصريحٌ لافت في ظرفٍ “حساس” فتح باب التحليلات، وأعطى صورةً عن مشهد جديد تقبل عليه سورية؛ وعلى نحو أدق الوجود الإيراني فيها، فما بين الإعلان الإسرائيلي عن بدء مرحلة طرد إيران من سورية بشكل كامل، وما تلاها من ضربات وصفت بـ”الأعنف”، وصولاً إلى التحركات الأمريكية، الميدانية أو السياسية منها، طُرحت عدة تساؤلات عن المرحلة المقبلة التي تنتظر نفوذ طهران في سورية، وفيما إذا اتخذَ بالفعل قرار طردها من الأراضي السورية نهائياً، خاصة في السياق الحالي؛ المُشتعلِ بخلافات “العائلة والطائفة” الحاكمة في سورية، وتوجهِ الدول الكبرى المعنية، بإنضاجِ مسارِ حلٍ سياسيٍ تبدو ملامحه أكثر جدية الآن من ذي قبل، مع وصول مرحلة العمليات العسكرية لنهايتها.

من التحالف للارتماء

لعبت إيران دوراً فاعلاً في سورية، منذ مطلع أحداث الثورة السورية، بوقوفها ودعمها لنظام الأسد عسكرياً، خاصةً أنها كانت الدولة الأولى التي تزج بقوات عسكرية وميليشيات للقتال إلى جانب بشار الأسد، في مسعى للحفاظ على تظامه من الانهيار، ولم تتوقف عند ذلك بل تغلغلت اقتصادياً واجتماعاً وسياسياً، من خلال دخولها كطرف أساسي في المحادثات السياسية التي شهدها الملف السوري، ولاسيما محادثات “أستانة”، التي ماتزال قائمة حتى الآن.

وإلى ما قبل أحداث الثورة السورية كان حاضراً “التحالف الاستراتيجي” بين طهران والأسد الأب بشكل كبير وواضح، ليرثه الابن فيما بعد، والذي بدا أكثر إرتماءاً بحضن طهران، و يقف حالياً أمام “مفترق طرق” من هذا التحالف، مع إصرار المجتمع الدولي بإبعاد إيران عن أي مستقبل لسورية، واعتبارها “عقبة رئيسية” أمام الحل.

في الأيام الماضية، طُرحت عدة سيناريوهات عن مصير الوجود الإيراني في سورية، وبينما ذهب مراقبون إلى أن مرحلة إنهاءه قد بدأت، اتجه البعض إلى اعتبار أن طرد إيران من سورية لن يكون بالأمر السهل، لكونها  حاضرة على كافة الأصعدة، سياسياً وعسكرياً واقتصادياً وثقافياً، ومجتمعياً كذلك.

بموازاة ذلك، ومع السيناريوهات المطروحة، فُرضت عدة وقائع على الأرض، لم تعطي مساراً واضحاً، بل شكّلت ضبابية في المشهد العام لسورية، من شرقها إلى غربها؛ إذ بينما دار الحديث عن بدء بعض الميليشيات الإيرانية في المنطقة الشرقية بالانسحاب، وتسليم مواقعها للقوات الروسية، بعد الضربات العنيفة التي تعرضت لها مواقعها، ذكرت مصادر غربية وإسرائيلية، أن إيران تتجه حالياً إلى إعادة التموضع، للتكيّف مع التصعيد الأمريكي الإسرائيلي.

ويحاول هذا الملف، استشراف مصير الوجود الإيراني في سورية، ومناقشة “استراتيجية محاربة إيران”، التي تعمل إسرائيل وأمريكا عليها، والدور الذي يلعبه الروس في ذلك، وبحث جدية النوايا التي أطلقتها تل أبيب، حول عزمها طرد إيران قبل بداية عام 2021، أي بعد سبعة أشهر من الآن.

تصعيد إسرائيلي- أمريكي بالتزامن

قبل البدء باستشراف ومناقشة مصير الوجود الإيراني في سورية، لا بد من الإشارة إلى جملة من التحركات، كانت بمجملها تصعيدية، من جانب أمريكا وإسرائيل، وشهدتها الأيام الماضية، بصورة متزامنة.

في 28 أبريل/نيسان 2019، أطل وزير الدفاع الإسرائيلي، نفتالي بينيت، بتصريح لافت، إذ تحدث لصحفيين في إذاعة “إف إم 103” رداً على سؤاله عن استمرارية الضربات الجوية في سورية، وقال بينيت: “أجعلوا آذانكم مفتوحة.. سوف تسمعون وترون بأعينكم.. سنستمر بضرب إيران وانتقلنا من مرحلة إيقاف التموضع في سورية بشكل واضح وجذري إلى أن نخرجها بشكل كامل”.

وأضاف بينيت: “الجيش عندنا، جنباً إلى جنب مع نشاطه في مكافحة (كورونا)، لا ينام ولا يهدأ، بل ينفذ عمليات أضخم بكثير من الماضي وبوتيرة أعلى بكثير من الماضي. وهو يحقق النجاحات في ذلك”.

ورغم أن الوزير ذاته، كان قد تحدث بنفس النبرة تقريباً قبل شهرين، لكن لم تمض ساعات على التصريح الأخير، حتى تعرضت مواقع عسكرية لنظام الأسد في كل من حلب ودير الزور لضربات إسرائيلية “عنيفة”، استهدفت مواقع عسكرية لميليشيات إيرانية، وكان قد سبقها في الأيام الماضية، ضربات على مواقع عسكرية في حمص ودرعا ومحيط دمشق قرب منطقة السيدة زينب.

وعلى نحو لافت أيضاً، وبعد أيام من تصعيد الضربات الإسرائيلية على مواقع إيران في سورية، صعّد وزير الخارجية الأمريكي، مايك بومبيو، لهجته ضد الوجود الإيراني، وأعرب عن أمله في اتخاذ طهران قراراً “ذكياً” والخروج من سورية؛ قائلاً إن أمريكا وإسرائيل أوضحتا لنظام الأسد والنظام الإيراني، ضرورة مغادرة سورية.

وأضاف بومبيو أن أمريكا عملت على سياسة ممارسة أقصى الضغوط، وكانت فعالة، وساعدت في “منع النظام الإيراني من امتلاك الموارد لمواصلة الإرهاب في جميع أنحاء العالم”، بحسب تعبيره، مشيراً “لقد قلنا لروسيا ولنظام الأسد، إن على الإيرانيين الرحيل. وعلى إيران الاهتمام بشعبها داخل حدودها”.

ما سبق اُعتبر مؤشراً على تحوّل في الاستراتيجية الأمريكية الإسرائيلية، حيال الوجود الإيراني في سورية؛ وعلى الجانب المقابل لم يصدر أي تعليق من جانب طهران عما شهدته الأيام الماضية من تحركات ضدها، فيما تلخص ردها برسالة خرج بها الأمين العام لـ”حزب الله” اللبناني، حسن نصر الله، قال فيها إن مطلب انسحاب المستشارين العسكريين الإيرانيين من سورية لن يتحقق، مشيراً إلى أن معركة “حزب الله” وإيران في سورية “واضحة الأهداف”.

ومنذ مطلع أحداث الثورة السورية في 2011، أصرت إيران على رواية وحيدة، نفت فيها وجود قوات وميليشيات تتبع لها في سورية، وقالت إن وجودها يقتصر على بعض المستشارين، وجاء بطلب من “الحكومة السورية”.

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو (انترنت)

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو – (وكالة رويترز)

“حرب ردعية”

يرى الباحث في مركز “الشرق للدراسات”، سعد الشارع، أن لإسرائيل أسباب كثيرة في زيادة قصفها واستهدافها للمواقع الإيرانية في سورية، خلال الفترة الأخيرة.

ويقول في حديث لـ”السورية.نت” إنه يجب الوقوف على عدة نقاط، أبرزها أن الاستراتيجية الأمريكية ككل، والتي تعتبر إسرائيل جزء منها حالياً، لا تتضمن إخراج إيران من الجغرافية السورية، مضيفاً أن أمريكا ومعها إسرائيل، اعتمدت على ثلاثة محددات أساسية في تعاملها مع إيران داخل سورية، أولها: العقوبات الاقتصادية، حيث لا تريد أمريكا من إيران أن تستفيد من وجودها في سورية، بالالتفاف على هذه العقوبات.

أما المحدد الثاني، بحسب الشارع، فهو الضغط الدبلوماسي بشكل عام الذي تطبقه أمريكا على إيران، بينما يتلخص المحدد الثالث بما يفعله الطيران الإسرائيلي.

ويعتقد الباحث، أن جميع التصريحات، حتى إن كانت من مستويات عليا إسرائيلية حول إخراج إيران قبل عام 2020 وبعض التصريحات التي كانت ربما قاسية “لا تنطبق تماماً مع الوقائع”.

ويشير إلى أن إيران الآن تنتشر على معظم الجغرافية السورية، ولديها أكثر من 70 إلى 80 ألف عنصر من ميليشيات إيرانية أو غير إيرانية، وأصبح لديها توغل في المجتمع السوري سواء على السياقات الدينية أو المجتمعية، إلى جانب وصولها إلى مؤسسات النظام، واستقطابها لعدة شخصيات من هذه المؤسسات.

ضبط الإيقاع

وإذا كان معلوماً، أن إيران (خاصة بعد 1979)، اتجهت نحو “تصدير الثورة”، وبالتالي التمدد في الإقليم، فإن الأرض الخصبة لذلك، تتطلب دولاً مترهلة، تُتيح هامشاً كبيراً لنمو قوة الميليشيات، فإن طهران طبّقت ذلك بدقة في سورية؛ إذ استغلت هشاشة “الدولة” وحالة عدم الاستقرار الذي شهدته البلاد في الأيام الأولى للثورة السورية، وأنشأت عشرات القواعد العسكرية، وفيما بعد كثّفت بشكل تدريجي، التغلغل في مختلف القطاعات السورية، منها الاقتصادية والحيوية، إلى جانب لعبها على الوتر الاجتماعي، مستغلةً بذلك الحالة العامة التي دخلت بها سورية، والتي فرضتها العمليات العسكرية في عدة مناطق.

بناءً عليه، يقول الباحث السوري سعد الشارع، إن إيران لا يمكن إخراجها بضغط سياسي ودبلوماسي وعقوبات اقتصادية وقصف جوي “حتى لو كان يستهدف أماكن حساسة لديها في سورية”.

ويضيف: “نرى أن خريطة القصف كانت تستهدف الأماكن في جنوب سورية، ثم توسعت إلى محيط دمشق وفي المنطقة الجنوبية من دمشق، ثم استكملت وأصبحت تقصف مناطق في وسط سورية في تدمر والبادية، والآن التطور الجديد عندما قصفت موقع في حلب في منطقة الراموسة”.

ورغم توسع عمليات القصف، يشير الباحث إلى أن ذلك “لن يخرج إيران”، مُعتبراً أن “ما تريده إسرائيل وأمريكا هو ضبط الموقف الإيراني داخل سورية، وليس عملية إخراج إيران، لأن من يريد إخراجها يحتاج إلى قوات على الأرض، وعمليات برية، ولا يكتفي فقط بالقصف الجوي”.

وبحسب الباحث، فإن السياسة المتبعة عسكرياً من قبل إسرائيل وحتى الولايات المتحدة الأمريكية يُمكن تسميتها بـ”الحرب الردعية”، إذ يريدان أن يردعا إيران أكثر، وأن يحجماها أكثر من عملية إخراجها “لأن إسرائيل وأمريكا وحتى بعض القوى الدولية تدرك أن تكلفة إخراج إيران من سورية ستكون باهظة جداً (…) يحتاج الأمر إلى عمليات ميدانية، وفي الوقت الحالي لا اعتقد أن المؤشرات تعطي أو تشير إلى ذلك”.

هل يوجد استراتيجية حقيقية لطرد إيران من سورية؟

بحسب الواقع الميداني لسورية، وبناء على ما فرضته السنوات التسع الماضية، لم تتضح حتى الآن استراتيجية محاربة إيران في سورية، سواء من قبل إسرائيل أو أمريكا، ولاسيما أن الأخيرة شهدت عدة متغيرات في طريقة تعاملها مع الملف السوري، إما سياسياً أوعسكرياً، حيث تنتشر قواتها في الشمال الشرقي لسورية.

لكن ورغم ما سبق، شكّلت الضربة التي وجهتها أمريكا لإيران في العراق، بقتل قائد “فيلق القدس” في “الحرس الثوري” الإيراني، قاسم سليماني، مرحلة جديدة، اتفق الباحثون والمحللون بأن ما قبلها لن يكون كما بعدها، على ساحات سورية والعراق ولبنان.

الباحث في مركز “عمران للدراسات الاستراتيجية”، معن الطلاع، يرى أن الاستراتيجية الأمريكية تمركزت عملياً بعد إعلان انتهاء تنظيم “الدولة الإسلامية” على محاصرة إيران، مشيراً إلى أن “هذا العامل هو عامل واضح في سياسية واستراتيجية ترامب، وأفرز عدة ضربات للتموضع الإيراني في سورية، سواء في الجبهة الجنوبية أو حتى البادية أو مناطق شرق الفرات التي كانت إيران تستثمر فيها كثيراً”.

ويقول الطلاع لـ”السورية.نت”: “لا يمكن فهم هذه التحركات بأنها ضمن خطة متكاملة، بقدر ما هي إعلان عام للتوجه ضد إيران، لان هذا الأمر يتطلب استراتيجية حقيقة لا تفصل البعد السياسي عن البعد الأمني والعسكري”.

وبحسب الباحث، فإن الوضع السابق “بات محصوراً فقط في السماح لإسرائيل بضرب تحركات إيران في المشهد السوري، والذي باتت إيران فيه جزءاً حيوياً، ومنخرطة في بنية نظام الأسد، وبدأت اليوم بالتغلغل في بنية بعض المجتمعات السورية”.

ولا يمكن فصل استراتيجية أمريكا اتجاه إيران في سورية عن استراتجيتها بالتعامل مع إيران بشكل عام، بحسب الباحث الذي يشير إلى أنها “مجموعة من الخطوات التي تضغط على إيران لجرها إلى مساحات تفاوض، غير التي كانت موجودة إبان التفاوض على الملف النووي في عهد أوباما”.

ويضيف: “بالتالي الاستراتيجية قائمة على خطوات لا ينفصل البعد الاقتصادي عنها وسلاح العقوبات (…) التموضع النوعي الأمريكي في الجغرافيا السورية والعراقية هو جزء منه لرصد تحركات إيران”.

خطوة بخطوة

في سياق ما سبق، وضمن الحديث عن الاستراتيجية التي تعمل عليها أمريكا بخصوص إيران، يشير الطلاع إلى أن الاستراتيجية التي تعمل عليها واشنطن، يمكن إطلاق عليها تسمية “استراتيجية الخطوة بخطوة”.

ويقول الطلاع، إن هذه الاستراتيجية جاءت كون إيران قادرة على تغيير تموضعها وجعله أكثر نوعية في الجغرافية السورية، سواء بشكل مباشر عبر امتلاكها القواعد المرنة في سورية، أو غير مباشر عبر حلفائها المحليين، من الأوساط السياسية و”حزب الله” و”حزب البعث” أو حتى في بنية الجيش، التي باتت جزءاً رئيسياً من القوات المدعومة إيرانياً.

ويشير الباحث السوري إلى بعدين يرتبطان بالاستراتيجية الأمريكية حول التعاطي مع إيران، الأول هو أن “هذه الاستراتيجية قد تأتي أكلها عبر الضغط المستمر والمحاصرة، وحتى تنحية البعد الأمني”.

أما البعد الآخر، بحسب الباحث “فهناك من يرى أن هذه التحركات، إذا لم تستهدف النظام بشكل أكبر، وهنا لا يمكن إغفال البعد الأمني والعسكري، فإن أي استراتيجية في هذا الصدد ستكون إيران قادرة على الالتفاف حولها، سواء بقبعة النظام أو حلفائها المحليين في سورية”.

وكان لافتاً في الأيام الماضية عدة تحركات أمريكية على الأرض في سورية، كانت مجملها في سياق العمل ضد الوجود الإيراني في سورية، وجاءت بالتزامن مع تصريحات وزير الخارجية الأمريكي، مايك بومبيو حول ضرورة خروج إيران من سورية بشكل فوري.

ولعل أبرز التحركات هي التي شهدتها قاعدة التنف، الواقعة على المثلث الحدودي (سورية، العراق، الأردن)، إذ أنه وحسب مصادر “السورية.نت” فإن القوات الأمريكية عقدت  مؤخراً، اجتماعاً بين فصيل “جيش مغاوير الثورة” وممثلين عن “قوات سوريا الديمقراطية”، من أجل وضع خطة عمل عسكرية لطرد الميليشيات الإيرانية من مناطق تمركزها في دير الزور ومحيطها.

وحسب المصادر، فإن الخطة ماتزال “قيد الدراسة” حتى الآن، ولم تتضح نية أمريكا بشأن تطبيقها، سواء على المدى القريب أو المتوسط.

خيارات الحليف..”توأم سيامي”؟

مع ما سبق وبالانتقال إلى الخيارات التي تمسك بها إيران، في ظل الظروف الحالية، والتي من شأنها أن تكون داعماً لوجودها العسكري والاقتصادي في سورية، فمن الواضح أنها كثيرة وتحاول طهران المناورة بها، وهو ما بدأ بشكل غير مباشر، على لسان الأمين العام لحزب الله اللبناني، حسن نصر، إلى جانب التحركات التي شهدتها القواعد الإيرانية في المنطقة الشرقية لسورية، على مدار الأسبوعين الماضيين.

ويوضح الباحث معن الطلاع، أن إيران من أكبر البلدان التي استثمرت وراهنت على “الحل الصفري”، وساندت نظام الأسد منذ البدايات، سواء المساندة السياسة أو حتى في قمع الحراك الثوري، ثم دعمه بمليشيات محلية ومستشارين إيرانيين وقوى إيرانية وأفغانية وأجنبية بالعموم، بالإضافة إلى المساندة الكيبيرة من “حزب الله”.

ويقول: “إيران ترى أنه لا جدوى من الاستثمار، طالما أن الجميع اتفق على محاصرتها، لذلك ستقاوم مقاومة شديدة، وستضغط بربط مصير نظام الأسد بمصيرها، كونها خزانه الأمني والاقتصادي، وهي قادرة على أن تضغط عليه بمستويات اجتماعية وأمنية وعسكرية”.

إيران ستقاوم وبشدة، بحسب الباحث الذي يشير إلى أنه لا يمكن توصيف التموضع الإيراني في 2013 كما هو عليه الآن، إذ مر بتحولين رئيسين، الأول عندما فشلت هذه الميليشيات إلى جانب النظام في إنهاء الصراع، الأمر الذي استوجب تدخلاً روسياً انكفأت فيه القوة الإيرانية وأصبحت في المقعد الخلفي.

أما التحول الثاني فهو مسار “أستانة”، الذي ضمها (إيران) في البداية، لكنه تمايز عنه مسار “سوتشي” الذي يجمع الروس والأتراك فقط، ولاسيما أن هذه المنصة باتت تنظّم اتفاقات غربي الفرات، وبالتالي أصبح التموضع الإيراني في شرق الفرات ضعيف جداً.

ويتفق الباحث عبد الرحمن الحاج مع ما قاله الطلاع، ويرى أن طرد إيران من سورية سيكون أمراً “صعباً”.

ولم يتبعد الحاج في حديثه لـ”السورية.نت”، وجود إمكانية لإخراج إيران من سورية عسكرياً، لكنه يشير إلى أن إيران ليست موجودة عسكرياً فقط، بل تعمل منذ 2016 على ترسيخ وجودها اجتماعياً واقتصادياً، وتنشط على مستوى التعليم، و الخدمات الاجتماعية عبر منظمات “إنسانية”، كما تتغلغل في أجهزة الدولة والمؤسسات الحكومية والأجهزة الأمنية والجيش.

ورغم ما سبق يوضح الحاج أن إخراج إيران من سورية ليس مستحيلاً، لكنه يحتاج جهداً موسعاً وعملاً على مختلف المستويات، قائلاً:”لا شك أن إخراج الميليشيات يمثل خطوة ومرحلة أساسية ولكنها ليست كافية، فإيران تشكل ميليشيات محلية تابعة لها خارج نفوذ النظام وتحصل ميليشياتها على الجنسية السورية (…) تريد أن تنفذ نموذج حزب الله في سوريا، ولهذا ضرب وجودها العسكري أمر أساسي”.

مفتاح سياسي..وتفكيك

من جانب آخر، وبعد الحديث عن إمكانية خروج إيران عسكرياً من سورية، وبحث الخيارات الأمريكية والإسرائيلية لتحقيق ذلك، لا بد من التركيز على نقطة أساسية، لا يمكن فصلها عن أية محاولات لطرد إيران في سورية.

إذ يقول عبد الرحمن الحاج، إن مفتاح إخراج إيران من سورية ليس الضربات العسكرية فقط، بل هو إنهاء نظام الأسد، والدخول في تحول سياسي، مضيفاً أن إيران تملك نفوذاً على بشار الأسد، والذي يدرك أن لا أحد يريد بقائه مهما كلف الثمن سواها.

وتعتبر إيران جزء من “الجيش السوري” في سورية، وتمتلك عقوداً طويلة المدى وتمتلك مؤسسات نشطة، كما لديها اتفاقيات في مختلف المجالات، أبرزها اتفاقية الإشراف على المنهاج السوري وطباعته.

وفي الاقتصاد، تحاول طهران الاستيلاء على قطاعات حيوية، لها علاقة بحياة الناس المباشرة، مثل الاتصالات والكهرباء والمياه والخدمات الحكومية الإلكترونية، وعلى النفط ومشتقاته وتصنيع السيارات، وإعادة الإعمار.

ويوضح الباحث عبد الرحمن الحاج أن إيران “ربطت النظام بالعديد من العقود من جهة، وسيطرت على قراره من جهة ثانية، واخترقت المؤسسات الحكومية من جهة ثالثة، وأنشئت قاعدة اجتماعية عبر عمليات التجنيس والنشاطات المدنية والتجنيد في الميليشيات التابعة لها بإغراء المال والنفوذ الحكومي”.

ويعتبر أن “اقتلاع إيران من سورية يحتاج إلى خطة واسعة والإمساك بشبكتها كاملة وتفكيكك جميع خطواتها واحدة تلو الأخرى (…) هذا ممكن في الوقت الحالي، لكن كل يوم سوف يكون أصعب من قبله”.

مناورة اقتصادية وإعادة تموضع

الشبكة الإيرانية في سورية والتي تحدث عنها الحاج، كان لافتاً في الأيام الماضية ظهور إحدى خيوطها، إذ أنه ومع الضربات الإسرائيلية على المواقع الإيرانية في سورية، ووسط الحديث عن بدء مرحلة طرد إيران من سورية، اتجهت الأخيرة لإبرام عقد نفطي مع نظام الأسد، وكأن شيئاً لم يكن.

العقد النفطي اعتبر مناورة من جانب إيران في سورية، ولاسيما أن الإعلان عنه جاء في وقت حساس، وفي منطقة تعتبر “نقطة سوداء” تتركز عليها غالبية الضربات الإسرائيلية في سورية.

وبحسب الباحث السوري، سعد الشارع فإن عقد التنقيب عن النفط في شرق سورية بين نظام الأسد وإيران، يقع في منطقة جغرافية شاسعة وكبيرة، وتمتد تقريباً من منطقة الصالحية التي تحوي حقل الورد النفطي وصولاً إلى الساتر الحدودي بين سورية والعراق، مشيراً إلى أن هذه المنطقة التي تحوي ما يسمى مجمع “الإمام علي” العسكرية أهم القواعد الإيرانية في سورية.

ويعتبر الشارع أن العقد يحمل رمزية أمنية وعسكرية أكثر من الوضع الاقتصادي، كون الموقع الذي جاء فيه يحوي على القاعدة العسكرية، وهو تماماً ملامس بمدينة البوكمال الحدودية مع العراق، والتي تعد إيران فيها صاحبة الكعب العالي.

ويشير الباحث إلى أن هذه المنطقة تؤمن ما يسمى “الهلال الشيعي”، الطريق البري الذي افتتحه إيران بدءاً من طهران، مروراً ببغداد ثم دمشق وبيروت، نحو المياه الدافئة على البحر المتوسط.

ويوضح الشارع أن إخراج إيران من سورية عسكرية لا يعني حقيقة إخراجها اقتصادياً، خاصة لكونها بنت شبكات كبيرة اجتماعية، وأصبح لديها الكثير من الشركات، أو تدعم بعض الشخصيات السورية بأموال أو بمشاريع معينة تغطي هذه المشاريع، لذلك توقيع هذه العقود غير أنه يحمل صفة دولية، ربما من الصعب في مرحلة معينة إلغاءها كما هو الحال مع العقود الروسية.

حلفاء الأسد.. “تحالف ظرفي” أم دائم؟

رغم أن الأنظار تتجه إلى إيران، ومدى القدرة على إخراجها من سورية، سواء من أمريكا أو إسرائيل، إلا أن هناك لاعباً على الأرض لا يمكن تحييده عن أي قرار مستقبلي، وهو روسيا، التي تعتبر الحليف الآخر وربما الأقوى للأسد، وأبرز الداعمين له بعد تدخلها عسكرياً في سورية مع نهاية سبتمبر/أيلول 2015.

وعند متابعة الاستراتيجية الروسية في سورية، منذ 2015، فإنها حققت كما يبدو بعض وأهم أهدافها بالتدريج، بعيداً عن المكاسب الفورية، مركزة على الأهداف البعيدة،  وهو الأمر الذي انسحب على علاقتها مع إيران، ففي بداية التدخل، كان لزاماً على روسيا أن تتعاون مع إيران، لكون الأخيرة متواجدة بميليشيات كثيرة، وضرورية لخوض المعارك البرية التي اكتفت روسيا بدعمها جوياً ومعلوماتياً، لكن في الوقت، فإن التحالف الضروري هذا، بدأ بالتآكل، مع تثبيتٍ للخرائط الميدانية، ووصول العمليات العسكرية لنهايتها.

وتنطلق روسيا بسياستها الحالية ضد إيران في سورية من عدة منطلقات، أبرزها التنافس على الثروات، والتي من شأنها أن تسد ما تم دفعه في السنوات الماضية، ومن جانب آخر فإن إيران باتت مصدر قلق كبير للدول الإقليمية، وعقدةً أمام حلٍ ترضى بهِ روسيا.

توازن تكتيكي واستراتيجي

ويؤكد الباحث السوري معن الطلاع أن “أمر إخراج إيران من سورية صعب، لكنه سيكون قائماً إن وضع في إطار خطة استراتيجية، تتفق عليها دول الإقليم”.

ويشير إلى أن “النقطة الفيصل هي في إنجاز حل سياسي لا تريده إيران، لأن أي حل سياسي وفق الشرعية الدولية، فإن ظهران ستنكفئ بشكل كامل، لذلك نراها تقاوم بشدة في هذا الصدد”.

أما عن علاقة حلفاء الأسد، بعد مرور سنوات من العمليات العسكرية المشتركة بينهما، يرى طلاع، أن أحد إشكاليات الاستراتيجية لروسيا هي التواجد الإيراني الذي لا يزال مطية لتدخل أمريكي وتدخل إسرائيلي يعيق من إنجازات المشهد الميداني للروس، والذين يريدون إنهاء المشهد الميداني وعدم استنزافهم سياسياً.

أما على المستوى التكتيتي، يقول ذات الباحث: “هناك حاجة ملحة من الروس لإيران، طالما أن الميدان العسكري ما يزال غائماً، خاصة عندما تتوضح أكثر قضايا الاهتمام الروسي في شرق الفرات، وبالتالي احتمالية أن تخفق هذه المشاريع، وتحول إلى انزلاق المشهد العسكري أكثر وبالتالي تتطلب الحاجة إلى إيران”.

وبضيف، أن  روسيا تدير علاقتها مع إيران بتوازن، ما بين التكتيكي والاستراتيجي، وهي غير مستعدة للتضحية بهذه الورقة، طالما أن هناك على طاولة المفاوضات بين أمريكا وروسيا العديد من القضايا المعلقة، وبالتالي لن تسهم في إنجاز ورقة مجانية.

ويعتبر الباحث أن “الاستغناء عن خدمات إيران في المشهد السوري من قبل روسيا مستبعد، لكن قد يكون هناك دفع روسي لتموضع وضبط الوجود الإيراني في سورية، خاصة وأن هناك العديد من المؤشرات الأمريكية التي ترى أن التواجدات الأجنبية في سورية غير شرعية، باستثناء التواجد الروسي (…) هذا يعد نقطة دفع باتجاه روسيا لضبط هذا التواجد”.

منافسة محدودة.. تناغم

إلى ذلك وتأكيداً لرؤية الباحث معن طلاع، يقول الدكتور عبد الرحمن الحاج، وهو مؤلف كتاب “البعث الشيعي في سورية”،  إن تضارب المصالح الإيرانية الروسية أمر محتوم، لكن السؤال: هل تملك روسيا القدرة على إخراج منافسها في السيطرة على النظام والدولة السورية؟.

ويضيف الحاج: “قبل أن نجيب يجب أن نتذكر أن المصالح الروسية استراتيجية، أي أنها لا تتعلق بالدخول إلى الحياة اليومية للسوريين، وإنما بالسيطرة على توجهات الدولة والاستثمار فيها والحصول على منافعها الاقتصادية، فضلاً عن الحفاظ على موطئ قدم عسكري على البحر المتوسط”.

في حين -حسب الحاج- أن إيران إيران “معنية بالسيطرة على المجتمع والدولة معاً، والاستفادة الاقتصادية القصوى من الموارد السورية، واستتباع سورية كدولة من خلال نظامها الراهن للسياسات الإيرانية”.

مُعتبراً أن المساحة التي تمثل مجال للتعارض والتنافس بين الروس والإيرانيين محدودة في مجالين: السيطرة على الدولة وأجهزتها السيادية (الجيش والأمن) وتحصيل المنافع الاقتصادية بما في ذلك إعادة الإعمار.

أما خارج هذين المجالين، يعتبر الحاج، أن هنالك نوع من التعايش، لا يوجد تنافس بل تناغم بين الطرفين، مُشيراً إلى أن للإيرانيين قوات كبيرة في سورية، وقوات ميليشيات للقتال البري، لذلك فإن وجودها على الأرض يقلل من حجم التنافس.

وبحسب الباحث فإن “نقطة ضعف الإيرانيين هي التمسك بالنظام وبشخص رأسه بشار الأسد، باعتبار أن لا ضمانة لمصالحهم غير بقائه على رأس السلطة، في حين الروس يمكنهم الاستغناء عنه، ويمثل ذلك أقوى أوراق الضغط على الإيرانيين للتراجع أمام التنافس الروسي عند التعارض”.

السورية نت

—————————-

هل يمكن إخراج إيران من سورية؟/ عمر كوش

برزت، في الآونة الأخيرة، معطيات سياسية وعسكرية جديدة في الملف السوري، طاولت مواقف المتدخلين الدوليين، وخصوصاً مواقف كل من روسيا والولايات المتحدة وإسرائيل، في ظل الحملة الروسية على نظام الأسد، والخلاف المتصاعد بين أجندة النظامين، الروسي والإيراني، في سورية، والتفاؤل الحذر الذي أبداه مسؤولون أميركيون عن وجود “مرونة روسية” باتجاه الحل السياسي، وكشفهم عن وجود تفاهمات معينة مع الروس، الأمر الذي يشي بسعي دولي إلى إبرام اتفاقات وصفقات حول البحث عن مخرج سياسي، في إطار توافقاتٍ على إحداث تغييرات في بنية النظام السوري، وخصوصاً مع ازدياد الضغط الأميركي والإسرائيلي على النظام الإيراني، لإنهاء وجوده العسكري المليشياوي في سورية، الذي يشكل عقبة كبرى أمام أي مخرج سياسي.

وإذا كان نظام الأسد يشكل العقبة الأساسية أمام أي حل سياسي، إلا أن الدور الإيراني في سورية يشكل السند الأساسي لهذا النظام باتجاه رفض الحلول السياسية، والسعي إلى التصعيد والحسم العسكري. لذلك تركز الإدارة الأميركية على ممارسة ضغط متزايد على النظام الإيراني، بغية تغيير مخططاته في سورية، وتقليص وجوده العسكري فيها، وثنيه عن فرض وقائع في الساحة السورية، يمكنها عرقلة أي تسويةٍ سياسية مقبلة. ويدخل في هذا الإطار تكرار وزير الخارجية الأميركي، مايك بومبيو، مطالبة إيران بمغادرة سورية، وتنبيهه “جميع المتعاملين مع إيران على الحرص على ألّا يصبّ عملهم في مصلحة الحرس الثوري”. أما المبعوث الأميركي الخاص إلى سورية، جيمس جيفري، فقد اعتبر أن

ويكتسي كلام جيفري أهمية، لكونه يلتقي مع ما قاله وزير الخارجية الأميركي، مايك بومبيو،

“تغلغل النفوذ الإيراني في تفاصيل المجتمع السوري، بما فيها عمليات التغيير الديمغرافي ونسج شبكات علاقات اقتصادية ومذهبية”

خلال زيارته إسرائيل في 13 مايو/ أيار الجاري، حول التصدي لإيران وكيفية مواجهة سياساتها في المنطقة، إلا أن ذلك يتطلب إحداث تغييرات في سبل وآليات مواجهة الوجود الإيراني في سورية والمنطقة، ليس فقط من خلال دعم الإدارة الأميركية العمليات العسكرية الإسرائيلية ضد إيران في سورية، بل من خلال تشكيل تحالف بين قوى محلية قادرة على مواجهة المليشيات الإيرانية بدعم من القوى الدولية التي تريد إخراج إيران من سورية. وهذا ما تعمل عليه الولايات المتحدة وإسرائيل وروسيا، بعد قناعة الساسة الأميركيين بضحالة الاستراتيجية الهجومية التي تنتهجها إسرائيل ضد الوجود الإيراني في سورية منذ أكثر من ثلاث سنوات.

قد يكون من المبالغ فيه الحديث عن تشكيل تحالف مباشر بين كل من إسرائيل والولايات المتحدة وروسيا من أجل مجابهة النفوذ الإيراني في سورية، وقطع الطريق الواصل بين طهران وبيروت في قسمه السوري، إلا أن تقارير عديدة رصدت اجتماعات ترعاها الولايات المتحدة، وجرت أخيراً بين قيادات من فصائل سورية معارضة في البادية السورية وقادة من “قوات سوريا الديمقراطية”، هدفها كيفية مواجهة القوات الإيرانية والمليشيات الموالية لها، وذلك بعد فشل الروس في إقناع الإيرانيين بسحب قواتهم من البادية السورية، وإحلال مليشيات موالية لروسيا محلها، مكونة من مسلحي العشائر و”المصالحات والتسويات” التي رعتها روسيا.

ويبدو أن مواصلة إسرائيل استهداف المواقع الإيرانية في سورية يكشف أن النظام الإيراني لا يريد الانسحاب، بل يقوم بمحاولات تمويه على عمليات إعادة انتشار قواته ومليشياته، من خلال القيام بانسحابات محدودة أو تبديل عناصر المليشيات بآخرين عبر العراق، ولا يرضى بأن تتولى روسيا ترويج انسحاب إيراني في البادية السورية تحت إشرافها.

وبعكس ما قاله وزير الدفاع الإسرائيلي، نفتالي بينيت، عن نجاعة الهجمات الإسرائيلية، وأنهم انتقلوا من استهداف إيران إلى مرحلة إخراجها من سورية، وأن إيران قد بدأت بالفعل الانسحاب منها، فإن من الواضح أن الدور الأميركي في إسناد إسرائيل في مواجهة إيران لم يُفضِ إلى حصول تغير في صعيد موازين القوى داخل سورية، ولذلك تسعى كل من واشنطن وتل أبيب إلى إحداث تحوّل في استراتيجية مواجهة إيران في سورية من خلال محاولة دفع روسيا إلى أداء دور في هذه الاستراتيجية، الأمر الذي يفسّر الاتصال الذي أجراه رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، بالرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، قبيل سفر بومبيو إلى إسرائيل.

السؤال الذي يبرز في هذا السياق: هل يمكن إنهاء الوجود الإيراني في سورية؟ تتطلب الإجابة الإحاطة بمختلف خيوط هذا الوجود الذي لا يقتصر على المستويين العسكري والمليشياوي فقط، بل يمتد إلى التغلغل الإيراني في مختلف تفاصيل المجتمع السوري، بما فيها عمليات التغيير الديمغرافي ونسج شبكات علاقات اقتصادية ومذهبية، عمل نظام الملالي الإيراني على نسجها طوال سنوات عديدة.

وفي الجانب العسكري، لإيران قواعد عدة في سورية، موزعة ما بين البوكمال في الشرق، وصولاً إلى الوسط في قاعدة التي فور (T4)، إلى أقصى شرقها حيث تقيم قواعد عسكرية في البوكمال وحولها، وتضم مليشيات من حزب الله العراقي وحزب الله اللبناني، إضافة إلى قوات من الحرس الثوري الإيراني. كذلك تنتشر قوات إيرانية، وأخرى موالية لها، في محيط العاصمة دمشق بالقرب من بلدتي الكسوة والسيدة زينب، وفي مواقع عديدة، بدءاً من القلمون وصولاً إلى حلب، فضلاً عن وجود مليشياوي إيراني في مواقع مهمة في جنوب سورية.

وتراهن كل من الولايات المتحدة وإسرائيل على إمكانية إشراك روسيا في سعيهما إلى الضغط على إيران لإنهاء وجودها في سورية، انطلاقاً من فرضية وجود خلافات وتباينات بين مصالح وأهداف كل من روسيا وطهران، حيث يريد الساسة الروس استثمار ما صرفوه عسكرياً على المستوى السياسي، ويعتبرون التغلغل الإيراني في سورية عائقاً أمام مراهنتهم على تحقيق مكاسب اقتصادية وسياسية، وبالتالي فإنهم معنيون بإنهاء الوجود الإيراني في سورية، كي لا يشكل منافساً لهم. ويدعم ذلك الصمت الروسي عن الغارات والهجمات الإسرائيلية المتكرّرة على المواقع الإيرانية في سورية، إضافة إلى الحملة الروسية على نظام الأسد وردود أبواق النظام السوري عليها، ومهاجمتهم روسيا، الأمر الذي يرسل مؤشرات على حدوث تبدّل في موقف ساسة موسكو من النظام وحليفه الإيراني. لكن ساسة موسكو يريدون ثمناً أكبر لقاء ذلك، وبالتالي هل الإدارة الأميركية مستعدة لمقايضة ذلك؟ الأهم هو هل يمكن الرهان على دور روسي يلتقي مع المساعي الأميركية الهادفة إلى إنهاء أو تحجيم الوجود الإيراني في سورية؟

العربي الجديد

=====================

======================

تحديث 24 أيار 2020

—————————-

العلاقات السورية الإيرانية.. هل يمكن إخراج إيران من سوريا؟/ بسام يوسف

يكاد التحدث في مقال عن العلاقات السورية الإيرانية أن يكون صعباً؛ لأن هذه العلاقة التي ما تزال حاضرة في مجمل أحداث المنطقة، والتي تشكل اليوم أحد التحديات الكبيرة أمام أطراف كثيرة، ما تزال تشكل التحدي الأهم فيما جرّته من مآسٍ على الشعب السوري، وفيما سوف تجره لاحقاً.

لقد أسس هذه العلاقة حافظ الأسد، هو الذي كان بحاجة ماسة لها لأسباب عديدة، منها: استخدامها ورقة ابتزاز في العلاقة مع أطراف أخرى، لا سيما في العلاقة مع دول الخليج العربي، واستخدامها أيضاً ورقة قوة في وجه تركيا، وهو الذي يدرك جيداً عمق الصراع التاريخي بين تركيا وإيران، وهو الذي كان على علاقة سيئة بتركيا حينها، يضاف إلى ذلك أيضاً رغبة حافظ الأسد الدفينة غير المعلنة في إضعاف “صدام حسين” خصمه اللدود في العراق.

أما ما هو مؤكد، فهو أن هذه الأسباب ليست هي الوحيدة التي دفعت حافظ الأسد إلى إقامة علاقة راسخة مع النظام الإيراني، لكنها كانت كافية لربط النظامين برباط لم تستطع ضغوط كثيرة أن تفكه.

لقد كانت الذريعة التي تذرع بها حافظ الأسد للرد على منتقديه العرب حول علاقته بإيران، تتلخص بموقف إيران “المناصر” بشدة للقضية الفلسطينية، التي أتقن مع إيران المتاجرة بها، وهما النظامان اللذان لا يزالان حتى اللحظة يتاجران بها.

كان حافظ الأسد يعي جيداً حاجة إيران له؛ لذلك فقد حافَظَ على ندية العلاقة، بل لقد استغل هذه الحاجة في اتخاذ بعض المواقف التي لا تتفق مع إيران، متيقناً أنها لن تدفع إلى تأزيم هذه العلاقة، فانضم إلى التحالف الدولي ضد العراق 1991، وبدأ بمفاوضات سلام مع إسرائيل، وأوقف محاولة التشيع التي عملت إيران على تعميقها داخل المجتمع السوري.

لكن موت حافظ الأسد جعل إيران تنتقل من مرحلة  الحرص على استمرار العلاقة مهما تباينت المواقف، إلى مرحلة الهيمنة عليها، مستغلة في ذلك نقاط قوة كثيرة كانت إيران قد امتلكتها، أهمها: أنها استطاعت خلال سنوات العلاقة الطويلة أن تستقطب عدداً من رجالات النظام السوري الذين لم يكونوا قادرين على التحرك بفعالية أثناء وجوده، أضف إلى ذلك تطور المشروع العسكري الإيراني، وإمكاناتها الاقتصادية، وبروزها كدولة إقليمية منخرطة في كل مشاكل المنطقة، والأهم من ذلك نفوذها القوي في بلدين مجاورين لسوريا، هما لبنان، والعراق.

خلال عقدين كاملين من العلاقات السورية الإيرانية، وما يقاربهما من علاقات سورية مع حزب الله التي تتوجت بالانتصار الذي مثله انسحاب الجيش الإسرائيلي من جنوب لبنان. وهي علاقات قد ترسخت في حلف ثلاثي قوي وفاعل في رسم سياسات المنطقة، غير أن ما يهمني هنا، هو: الإشارة إلى أن إيران وحزب الله عمقا كثيراً علاقاتهما داخل بنية النظام السوري، هذه العلاقات التي ظل حافظ الأسد قادراً على رسم تفاصيلها وضبطها بما يتناسب مع سياسته البراغماتية، وبما يدفع إيران وحزب الله إلى الحرص الشديد على بقائها وتنميتها واحترام الحدود التي يضعها.

وبموت حافظ الأسد، وتسلُّم ابنه من بعده، بدأت إيران العمل على كسر ندية العلاقة، ولقد ساعدها في ذلك افتقار بشار الأسد إلى رؤية استراتيجية لمجمل قوى الصراع في المنطقة، يضاف إلى ذلك النفوذ الذي كانت قد حققته داخل بنية النظام السوري.

ثم جاء الغزو الأمريكي للعراق 2003، ليزيد من التقارب السوري الإيراني؛ إذ تخوف كلا النظامين من مخاطر تواجد القوات الأمريكية على حدود بلديهما، الأمر الذي دفعهما إلى زيادة التنسيق والتقارب لمواجهة التطور الجديد. وفي هذه المرحلة بدأت إيران مشروع احتوائها للنظام السوري، وقد لعبت دور القائد في مواجهة التحدي الجديد.

كان محمد ناصيف، مهندس هذا التنسيق، بخبرته المخابراتية وبعلاقاته الطويلة والعميقة مع الأطراف الشيعية في لبنان والعراق وبعلاقته الوثيقة بعائلة الأسد، قد تمكن من تعميق الترابط بين النظامين إلى الحد الذي بدأت فيه ملامح تغيير في تركيبة النظام السوري بما يتوافق مع هذه العلاقة، أضف إلى ذلك أن الجيل الذي بدأ يدير سوريا بعد موت حافظ الأسد لا يتقن لعبة السياسة، وكانت تحركه نزعته للسلطة وتكديس الثروات أكثر مما تحركه متطلبات السياسة ومتغيراتها.

فقادت إيران السياسة السورية الإيرانية فيما يتعلق بالعراق، وبدأت قوافل “المجاهدين” الإسلاميين تتدفق من إيران وسوريا إلى داخل العراق، ولم تمانع أمريكا تمدد إيران داخل العراق مستغلة تركيبة العراق الديموغرافية، الأمر الذي دفع بشار الأسد إلى المزيد من الإحساس بالقوة والثقة، فهو يسيطر على لبنان وعلى سوريا ويتمدد مع حليفه في العراق، وتضطر أمريكا إلى التنسيق معهما في الملف العراقي، كل هذا دفعه إلى أن يقدم على حماقة فرض تمديد رئاسة إميل لحود، الرئيس اللبناني، الذي كانت فترة ولايته قد قاربت على الانتهاء في 2004، تلك الخطوة التي لم تكن مدروسة، فبدت أقرب إلى التهور، وقد فُرضت بعجرفة على الأطراف اللبنانية المعارضة للتمديد؛ الأمر الذي قاد إلى القرار 1559 بخصوص لبنان الذي حمّل النظامُ السوري رفيقَ الحريري مسؤوليته، فألحق حماقته الأولى بحماقة أشد، عندما أقدم على اغتيال رفيق الحريري في 14 شباط 2005.

وقد تسبب اغتيال الحريري بخروج القوات السورية من لبنان مع بدء عزلة النظام الدولية، أضف إلى ذلك انقلاب معادلة الداخل اللبناني بعد نشوء جبهة لبنانية كبيرة معادية له، وبتشكيل المحكمة الدولية الخاصة باغتيال رفيق الحريري، وسلسلة الاغتيالات الأخرى الكثيرة التي تلته داخل لبنان؛ فازداد النظام السوري التصاقاً بإيران وحزب الله، إلى الحد الذي بدأت فيه إيران تتدخل في ترتيب البيت الداخلي السوري حتى الإشراف على حماية بشار الأسد الخاصة.

إن اكتمال ارتهان العائلة لإيران ما بين 2005 و2011، قد قاد إلى تغيير بنية الدوائر التي تحيط بالعائلة، سواء أكانت في قيادات الجيش أم في قيادات الأجهزة الأمنية، فأزيحت شخصيات كثيرة رافقت حافظ الأسد، ووضعت محلها شخصيات جديدة، لا يميزها سوى أنها وثيقة الارتباط بحزب الله وإيران.

ولم تكتف إيران بالتغلغل داخل تركيبة السلطة السورية، بل توسعت في مد أذرعها داخل نسيج المجتمع السوري، وبدأت تؤسس لمرحلة التحكم في سوريا ثقافياً واقتصادياً وعسكرياً وأمنياً ودينياً.

عندما اندلعت الثورة السورية في آذار 2011، كانت إيران الطرف الأقوى في تركيبة النظام السوري، فعمدت إلى إدارة الصراع بما يخدم مشروعها، ومنعت الحلول التي كان من شأنها أن تشكل مخرج الصراع في سوريا؛ فالقادة الإيرانيون لم يكونوا على استعداد لتفويت الفرصة الذهبية في استكمال مشروعهم الرامي للامساك بالمجتمع والدولة والسلطة في سوريا.

أما اليوم، وفي ظل توافق أطراف كثيرة على تحجيم دور إيران في سوريا، وفي ظل تعنت إيران بالبقاء في سوريا مهما يكن الثمن، فإن ملامح صراع وشيك تتجلى هنا وهناك، قد يكون معظمها مستتراً لا يزال، ولكنه صراع يحتدم في مراكز قوى السلطة السورية، وهو صراع سيبقى مرهوناً إلى حد كبير باقتلاع الجذور التي مدتها إيران في بنية المجتمع السوري. وهذا هو الهدف والفعل الذي يجب أن تضطلع به القوى السياسية السورية والمجتمع السوري؛ فالمشروع الإيراني هو الأكثر خطراً، ليس على سوريا وحدها، بل على مستقبل بلدان هذه المنطقة كلها.

تلفزيون سوريا

——————-

إخراج إيران من سورية .. المهمة المستحيلة/ حسين عبد العزيز

ليست معروفة بالضبط الأسباب الحقيقية التي دفعت إيران إلى إعادة موضعة بعض المليشيات التابعة لها في سورية، وخروج بعض منها نحو العراق في الأيام الماضية. هل هذه نتاج الاستراتيجية العسكرية الإسرائيلية التي قال وزير الأمن السابق، نفتالي بينيت، إن الهدف منها هو إخراج إيران عسكريا من سورية قبل نهاية العام الجاري؟ أم أنها تأتي في سياق استراتيجي آخر مختلف كليا؟ في الإجابة على السؤال الأول، من الصعوبة بمكان ربط الانسحاب العسكري الإيراني من سورية، أو تخفيف الوجود العسكري الإيراني بالضربات العسكرية الإسرائيلية.

صحيح أن إسرائيل بدأت، أخيرا، تغير نمط استراتيجيتها السابقة “المعركة بين الحروب”، والانتقال إلى استراتيجية تكثيف الهجمات، مصحوبة بتكتيك “النقر على السطح”، القائم على الإبلاغ مسبقا بشن عملية عسكرية لمنع وقوع ضحايا بشرية، وقصر الخسائر على العتاد الحربي، إلا أن هذه الاستراتيجية الجديدة لم تحقق أهدافها في سورية، بحسب مراكز أبحاث إسرائيلية وأميركية، ويمكن تلمّس ذلك من خلال أمور عدة:

أولا، إبلاغ إسرائيل نهاية العام الماضي الروس عزمها تكثيف هجماتها على القوات الإيرانية في سورية، مع تبني المسؤولية عن هذه العمليات، بشكلٍ يضع حدا لسياسة الغموض التي اتسمت بها العمليات الإسرائيلية في سورية، منذ العام 2014.

الانتقال من استراتيجية إلى أخرى مؤشّر على فشل الاستراتيجية القديمة، كما أن تخلي إسرائيل عن سياستها التقليدية القائمة على غموض الهجمات العسكرية، والانتقال إلى سياسة التصريح، هدفها إحراج صناع القرار في إيران أمام قواعدهم الشعبية، وأمام حلفائهم، نوعا من ممارسة الضغط السياسي والإعلامي.

ثانيا، استمرار إيران في نقل أسلحة متطورة إلى حزب الله، وقد أكدت تقارير إسرائيلية امتلاك الحزب ترسانة من الصواريخ المتطوّرة.

ثالثا، استمرار تعزيز إيران وجودها العسكري في سورية، بل وتكثيفه، وفي نهاية الشهر الماضي (إبريل/نيسان)، قالت قناة كان الإسرائيلية الرسمية إن “تصاعد وتيرة الغارات في سورية خلال الأسابيع الأخيرة يشير إلى إسراع إيران في تنفيذ مخططاتها العسكرية هناك”.

في الإجابة على السؤال الثاني، ربما يكون تفسير المبعوث الأميركي الخاص إلى سورية، جيمس جيفري، معقولا، حين قال، قبل نحو أسبوع، إن إيران لم تعد في حاجة إلى أعداد كبيرة من القوات البرية على الأرض، فضلا عن التكاليف المالية الباهظة لاستمرار انتشار القوات في ظل العقوبات الاقتصادية المستمرة من الولايات المتحدة، ناهيك عن الضغوط المالية الهائلة التي فرضها انتشار وباء كورونا على إيران. وفي هذا إشارة إلى أن إعادة التموضع العسكرية مسألة تكتيكية وليست استراتيجية، أقله في الظاهر.

وقد يبدو مفهوما، بلغة السياسة والدبلوماسية، عدم ذكر جيفري الدور العسكري الإسرائيلي والدور السياسي الروسي في إعادة موضعة إيران بعض القوات العسكرية التابعة لها في سورية، وكأنه عمد قصدا إلى عدم التقليل من وزن إيران في المعادلة السورية، فهو يدرك أن انسحابها العسكري من الجغرافيا السورية لا يمكن أن يتحقق بالهجمات العسكرية الإسرائيلية، مهما بلغت من الكثرة والقوة، وأن روسيا وحدها غير قادرة على إخراج إيران من سورية، إلا ضمن معادلة دولية إقليمية، تكون فيها إيران جزءا من الحل المتفق عليه. ولكن أخطر ما جاء في حديث جيفري مطالبته بانسحاب جميع القوات الأجنبية التي دخلت سورية، وهذا يشمل القوات الأميركية والإيرانية والتركية، من دون ذكر للقوات الروسية، في إشارة ربما إلى تفاهم روسي ـ أميركي، أو ربما عرض أميركي لروسيا مفاده ترك الولايات المتحدة سورية لروسيا مقابل خروج جميع القوات الأجنبية والانتقال إلى المسار السياسي.

هل هذا مؤشر أولي لصفقة أميركية ـ روسية؟ إذا ما أخذنا بالاعتبار ما كشفه المرصد السوري لحقوق الإنسان، قبل أيام، أن تحالفا ثلاثيا بين إسرائيل وقوات التحالف الدولي وروسيا، يعمل، بشكل غير مباشر، لإغلاق طريق طهران بيروت من الجانب السوري، ومجابهة النفوذ الإيراني في البادية السورية، فإننا سنكون أمام صفقة غير واضحة المعالم، وإن كانت في الظاهر متمحورةً حول إخراج إيران من سورية، أو حصرها في بقع جغرافية محدّدة. ولكن الأمر ليس بهذه السهولة، بسبب التباينات في الأهداف بين روسيا من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة ثانية، فبالنسبة للأخيرتين ينحصر الهدف بمنع تحويل سورية إلى ساحة عسكرية للنفوذ الإيراني، بما يهدد إسرائيل بشكل مباشر، وإضعاف التمدّد الإيراني في المنطقة. أما بالنسبة لروسيا، الأمر مختلف تماما، فهي تريد إضعاف التأثير السياسي الإيراني في سورية الذي يشكل عقبة في تمرير رؤيتها السياسية، ولن يحدث ذلك إلا بإضعاف حضورها العسكري في الجغرافيا السورية، بحيث يصبح زائدا لا إضافة فيه، ولا تأثير فيه على موازين القوى، كما أن حرمان الإيرانيين من بعض المناطق الجغرافية الحدودية يضعف من استفادتهم الاقتصادية في نقل البضائع.

بعبارة أخرى، لن يكون أمام روسيا سوى طريق تخفيف الحضور العسكري الإيراني في سورية، أو تحويله إلى وجودٍ عديم الفائدة، وزائدا عن الحاجة من الناحية العسكرية، وذا تأثير سلبي من الناحية الاستراتيجية على النظام السوري، غير أن هذا الطريق بالغ الصعوبة وطويل الأمد، فضلا عن أن التأثير الإيراني في سورية ما عاد يقتصر على البعد العسكري فحسب، فقد أصبحت لإيران قوى محلية: شيعية وعلوية وعشائرية سنية، ناهيك عن حصول كثيرين من عناصر المليشيات التابعة لها على الجنسية السورية، وتوجد في القواعد العسكرية للنظام. والأهم من ذلك كله أن إيران ما تزال تشكل المورد المالي الرئيسي للنظام الذي يستطيع أن يتحمّل الضربات الإسرائيلية مهما بلغت من القوة، طالما بقيت من دون سقف تدمير قوته الرئيسية.

وفقا لذلك، إخراج إيران عسكريا من سورية، أو تحييد وجودها العسكري، مسألة شبه مستحيلة، في ضوء المعطيات الاستراتيجية التي يقوم عليها الملف السوري في الساحات، المحلية والإقليمية والدولية.

العربي الجديد

———————-

هل هذا ممكن؟/ ميشيل كيلو

تطرح الصحافة العالمية، بما فيها الروسية، تساؤلاتٍ جدّية بشأن مصير بشار الأسد. وتدور سجالات وحوارات عديدة، تتناول شتى الافتراضات المتعلقة به، وبما إذا كان سيبقى في الموقع الذي ورثه عن أبيه.

يقتصر الحديث في هذه التساؤلات على الأسد وروسيا، الدولة التي أنقذته، ويقال إنها أخذت تفكّر بتغيير موقفها منه، من دون أن تتخلى بالضرورة عنه، على الرغم من تراجع ثقتها به، الذي يُحتمل أن ينتهي بإخراجه من السلطة، كما قال الموسادي الإسرائيلي، إيدي كوهين، الذي ما أن أقاله ورشّح بديلا له، حتى بادر نفر من السوريين إلى إعلان نجاحهم في الانتخابات التي قد تجري بعد نيف وعام، وشاهد الشعب وجوههم أول مرة في التاريخ السوري القديم والمعاصر!

ماذا لو حدث شيءٌ آخر، كأن يستبدل بشار بشقيقه، فيبقي الوضع على حاله، وتعزّز طهران وضعها السوري، وترفع “سعرها” عند موسكو وواشنطن وأنقرة وتل أبيب، وتفتح بابا للخروج من مأزقها السوري العصيب، عبر صفقةٍ مع موسكو تتعهد فيها بمساعدة بوتين على تحقيق هدفيه: الانفراد بسورية، ودعم مشروعه لاستعادة حضور ونفوذ السوفيات السابقين في الدول العربية، مقابل عدم تعاونه مع واشنطن على إخراجها من سورية. سيكون هذا العرض مغريا لروسيا، ومثله العرض الذي يمكنها أن تقدمه عندئذ لواشنطن، ويقوم على القبول بتفكيك دورها السوري في مقابل مبادرة واشنطن إلى تفكيك عقوباتها عليها، وقبول الملالي الانخراط في تعاون استراتيجي واسع مع إسرائيل، يتم بواسطة البيت الأبيض وتحت إشرافه، هدفه عدوهما المشترك: العالم العربي الذي سيوضع تحت يدها، من دون أن تتعب نفسها معه، ما دامت ستنسق خطط وبرامج قيامهما بضبط حركته التي ستوسع كثيرا دور إسرائيل فيه، وسيجعل منها سيدة المنطقة بتعاون آيات الله الذين يسيطرون على شرقها.

ماذا يبقى لإيران إن بقيت مكتوفة اليدين، ونجحت روسيا بإبقاء بشار وأصلحت نظامه، وتعاونت مع أميركا لإخراجها من سورية، تنفيذا لطلب يقدمه النظام الجديد؟ وهل لدى طهران أي بديل لانفجار داخلي، غير رفع الحصار الأميركي والتعاون مع إسرائيل، والقيام بإجراء استباقي تستبدل بواسطته الصفقة الأميركية الروسية المحتملة ضدها بصفقةٍ تنجزها هي مع واشنطن، تزيح بشار، وتقوّي وضع حرسها الثوري فترة تتفق خلالها مع واشنطن، من دون أن تقطع مع موسكو، أو تهدّد موقعها السوري الذي تعرّض لتهديداتٍ أطلقها بهجت سليمان، لواء المخابرات المتقاعد الذي قال كلاما خطيرا عن طردها من سورية خلال نصف ساعة!

ما الذي يمنع إيران من القيام بخطوة استباقية، تحولها من أداة بيد الآخرين إلى طرف فاعل، ولديه خيارات مرشحة لقلب وضعه العام، العصيب، ولا بد أن تخرج منه إلى فرصةٍ قد تستمر سنوات مقبلة، من دون أن تتطلب إخراجها من جوارها، وتدفع الأمور باتجاه إعادة هيكلة دورها في إطار علاقات جديدة، على العكس مما سيحدث، إذا ما نجح الخيار الروسي، وأحكم بوتين قبضته على سورية عبر ما يشاع اليوم عن مفاوضات عن صفقةٍ تمهد لحل دولي شامل لمشكلاتها، إن قاومته تعاون الجميع على طردها من سورية باعتبارها عدوة للسلام، وإن قبلته تعرّضت لنتائج كارثية تعمّق أزماتها وتجعلها قاتلة.

أنصح طهران بالتحرّك قبل فوات الوقت، وبضرورة أن تتحرّك بين شهر يوليو/ تموز المقبل، حسب نصيحة الموسادي كوهين، وآخر العام، حسب أقوال العارفين بخبايا السجال الأميركي/ الروسي/ التركي الراهن وآرائهم بشأن توزيع الكعكة السورية.

هل تتحرّك إيران، وتعلن قريبا نبأ تولي ماهر الأسد الرئاسة، في نقلةٍ تقلب الطاولة على رؤوس من يخطّطون لإخراجها من مستعمرة الولي الفقيه، فيحدث تغيير جدّي في وضعها السوري وعلاقات الآخرين معها، ويتم إنقاذ نظام وليها الفقيه.

العربي الجديد

————————–

========================

————————–

وهم الصراع الروسي-الإيراني بسوريا:تقاسم مصالح لا أكثر/ عقيل حسين

يتغير المشهد السوري وتتبدل مواقع الملفات ويطرأ ما هو مفاجئ وتختفي قضايا وتتوارى تفاصيل، لكن أمراً واحداً يبقى ثابتاً في ذهن الكثيرين، بل وتربط به كل الملفات مهما كانت متعارضة أو متباعدة: صراع النفوذ الروسي-الإيراني في سوريا.

هذا الصراع بالنسبة للمعارضة، ليس فقط نقطة ارتكاز كل تعقيدات الملف السوري، بل وأيضاً طريق حل القضية برمتها منذ أن تحولت موسكو من محامٍ سياسي عن النظام بالشراكة مع بكين، إلى حامية النظام عسكريا بعد عام 2015.

يمكن القول إن تفجر الخلاف بين رجل الأعمال السوري رامي مخلوف والنظام أعاد الروح للمعارضة اليائسة كما لم يحدث من قبل، وأحيا فيها الأمل بتصدع النظام وانهياره من الداخل، لكنها مع ذلك لم تحاول فهم طبيعة هذا الخلاف إلا من خلال زاوية الصراع الروسي-الإيراني، حتى بدا الأمر هزلياً في بعض الأحيان التي كان يوضع فيها مخلوف مع الطرف الروسي في الصباح، ثم تابع لإيران في المساء، الأمر الذي أكد التوظيف المتهافت من قبل طيف واسع من المعارضة لهذا “الصراع” بين حليفي النظام.

لا يمكن تجاوز حقيقة وجود صراع بين روسيا وإيران في سوريا، لكنه صراع تنافسي وليس عدائياً، على الأقل حتى الآن، يستهدف تقاسم الكعكة السورية وليس تهشيمها، وهو تنافس منضبط، كما أثبت الطرفان حتى الآن أيضاً، يعرف فيه كل منهما ميدانه ويراعي حساسيات ومصالح شريكه اللدود، على الرغم من محاولات الكثيرين تصوير هذا التنافس على أنه حرب ملتهبة لن تلبث ناره أن تخرج من تحت الرماد.

تعتمد نظرية التنافس الروسي الإيراني في سوريا على مجموعة أفكار ومعطيات شكلت حتى الآن مؤشرات لاثباته:

الأولى، تنافس الطرفان على تأسيس ميليشيات واستتباع قوى وجماعات محلية، يقوم كل منها على نقيض الآخر، فإيران تبني أذرعها على أساس عقائدي كما هو معروف، بينما تستقطب روسيا الكتل المؤيدة للنظام لكنها تحمل حساسيات من مشروع التشيع الإيراني، وقد اشتبكت هذه الميليشيات في مناسبات كثيرة نسبت في كل مرة للصراع بين الدولتين، لكنها نادراً ما كانت كذلك بالفعل.

المؤشر الثاني الذي لا يمكن تجاهله بهذا الصدد، هو تفرد كل طرف بمناطق مصالحات وتسويات فرض فيها هيمنته، وأصبحت شبه محرمة على الطرف الآخر، مثل درعا التي يحظر فيها على إيران إدخال أي من ميليشياتها إلى المناطق الخاضعة لاتفاق التسوية الموقع بضمانة الروس، وكذلك مدن وبلدات ريف حمص الشمالي، بينما ظلت مناطق شرق الفرات، الخاضعة لسيطرة النظام، منطقة نفوذ إيراني خالص.

ويمكن أن نضع في هذا السياق الخلاف في الموقف من اتفاق وقف اطلاق النار في إدلب، الموقع بين روسيا وتركيا مؤخراً، والذي أوقف تطلعات إيران للمضي في المعركة شمال غرب البلاد حتى النهاية.

مؤشرات أخرى يمكن الحديث عنها لتأكيد عدم الانسجام الكامل بين حليفي الأسد في سوريا، إلا أن الملف الاقتصادي يظل أبرز محددات هذا التنافس وأهم الأدلة عليه، سواء ما يتعلق بالسباق المحموم بينهما على الاستئثار بالثروات الباطنية، كالنفط والغاز والفوسفات وغيرها، أو باستثمار المرافق الحيوية للبلاد، كالموانئ والمطارات والمناطق الحرة..الخ، إذ لم يخفِ الطرفان نهمهما في الملف الاقتصادي وتنافسهما عليه أيضاً.

لكن كل ما سبق لا يقدم أي إشارة يمكن الاعتداد بها عن صراع جدي بين موسكو وطهران في سوريا. وعلى العكس، يبدو واضحاً أن الطرفين يقدران جيداً مصالح بعضهما في هذا البلد، بل وأكثر من ذلك، يدرك الجانبان مدى حاجة كل منهما للآخر وبما يتعدى الملف السوري اقليمياً ودولياً.

الروس لا يخفون تلذذهم ب”البازار” الذي ما زالت الولايات المتحدة تشرع أبوابه أمامهم لإغرائهم من أجل تحجيم الحضور الإيراني في سوريا، وهم يتلقون في كل يوم الرسائل المحفزة لهم من أجل القيام بذلك، لكن ما حدث هو أن الجيش الروسي فتح أبواب قاعدته الرئيسية في حميميم أمام الطيران الإيراني مرتين على الأقل خلال شهر أيار/مايو، بينما تخلت إيران عن تحفظها شرق الفرات، حيث وصل الروس إلى مطار دير الزور، وتجاوزوا حدود مناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية التي دخلوها نهاية العام الماضي مع عملية “نبع السلام” التركية شمال شرق سوريا، واضعين قدماً في مناطق انتشار الميليشيات التابعة لإيران للمرة الأولى هذا العام، بل ولم تعترض طهران على مساعي موسكو تأسيس ميليشيات تابعة لها هناك.

كما أن النظام يبلي بلاءً حسناً في إرضاء الطرفين، على مبدأ عقد بعقد، واستثمار باستثمار، وحقل بحقل وميناء بميناء.. مرة لروسيا ومرة لإيران. هذا على الصعيد الاقتصادي، أما عسكرياً وأمنياً، فقد منح النظام ميليشيات كل طرف استقلالية كبيرة، إذ لا سلطة محلية تقود أو تحاسب أو تسائل المرتزقة الروس أو المقاتلين الشيعة من غير السوريين، بينما لا يمارس سوى سلطة رمزية على الميليشيات المحلية التابعة لكلا الدولتين، ويمنحها امتيازات متساوية بما يكفي.

وعلى الأرض، عسكرياً أيضاً، ما تزال حاجة كل منهما إلى الآخر قائمة، إذ ثبت في جميع المعارك التي خاضها هذا التحالف ضد قوات المعارضة عدم فاعلية أي منهما بمعزل عن الآخر، فالقوة الروسية لا تزال محصورة في الجو، ومن دون الطيران الروسي فشلت الميليشيات الإيرانية، وجيش النظام بطبيعة الحال، في تحقيق أي نتائج إيجابية. وفي الوقت نفسه، لا يمكن لسلاح الجو مهما بلغ تفوقه أن يحسم أي صراع، وهذا ما ثبت أيضاً في الحرب السورية، إذ في كل مرة كانت الميليشيات الإيرانية تحجم عن المشاركة في القتال، يخفق الروس في تحقيق أي تقدم، كما حصل مثلاً في معارك ريف حماة العام الماضي.

المعادلة نفسها يمكن، أو يجب التفكير بها، عند محاولة الإجابة عن السؤال الاحتمالي: هل يمكن للروس أن يجبروا إيران على الخروج من سوريا إذا ما كانت الاغراءات الأميركية المتتالية مرضية بالنسبة لهم؟

ومهما كانت درجة الهيمنة التي باتت تمتلكها موسكو على النظام في دمشق، إلا أنها لن تكون كافية لإجبار الإيرانيين على مغادرة سوريا، طالما أن الفاعلية العسكرية الحقيقية على الأرض هي بيد طهران، ليس من الناحية النوعية وحسب، بل وأيضاً من حيث الكم، إذ تتحدث الأرقام عن وجود مئة ألف مقاتل شيعي أو متشيع تابعين لإيران في سوريا حالياً، وسواء كان هذا الرقم مبالغاً فيه أم لا، فإنه لا يعني سوى أمر واحد في النهاية، وهو أن الروس لن يكون أمامهم وقتها إلا شن حرب جوية ضد هذه الميليشيات، وهو أمر ليس مستبعداً وحسب، بل ولا يمكن التفكير به إلا في مخيلة القسم الحالم من المعارضة.

ما سبق لا يبقي سوى سيناريو وحيد يجعل من مغادرة إيران لسوريا أمراً محتملاً، وهو أن يجد جميع الأطراف أنفسهم أمام حائط مسدود بالفعل، كما صرح بذلك المبعوث الأميركي إلى سوريا جيمس جيفري مؤخراً، خاصة بعد أن يوضع قانون العقوبات الأميركي المشدد، المعروف باسم قانون “قيصر”، موضع التنفيذ، والذي سيجعل من عملية إعادة الإعمار وتدفق الأموال إلى سوريا مستحيلة، الأمر الذي يقلق الروس بوضوح، ويضعهم أمام استثمار خاسر بكل المقاييس، ومعهم الإيرانيون.

يمكن لهذا السيناريو الاحتمالي أن يقود روسيا وإيران إلى طاولة تفاوض جديدة بينهما حول الملف السوري، ستكون محدداته وقتها أن تقنع موسكو حليفتها طهران بإخراج قواتها من سوريا مع ضمانات بحفظ مصالحها، ومنحها مكاسب في ملفات أخرى، ويمكن لإيران حينها أن تعتمد على ما ستخلفه من ميليشيات محلية شيعية في الاطمئنان على هذه المصالح، عملاً بتجربتها الناجحة في العراق ولبنان.

المدن

========================

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق