سياسة

أعداء الربيع يتصدّرون المشهد/ فاطمة ياسين


ثماني سنوات من الثورات والحروب، تخللتها هجراتٌ جماعيةٌ وفرديةٌ محليةٌ وعابرة للحدود، وشهدت تقلباتٍ وتداخلاتٍ عسكرية وسياسية. وعلى الرغم من طول المدة الزمنية، وفداحة التغير الاجتماعي، وعمق الجرح الناجم عن كمية عنفٍ تفوق حد التقبّل، فإن ما حدث لم ينتج نظاماً سياسياً جديداً، على الرغم من بعض التغيرات الإقليمية، وإعادة تقسيم المنطقة، لكن ذلك أدّى إلى حدوث بقع فوضوية خارجة عن النفوذ، تمدّدت وانحسرت بحسب المزاج الدولي، ومدى توافقات الإقليم، فشهدنا ولادة تنظيم الدولة الإسلامية وانحساره، وكذا جبهة النصرة، وعشرات التجمعات الأخرى في سورية واليمن وليبيا والعراق، رعت بعضَها قوى إقليميةٌ ودولٌ عظمى، ورعت بعضها الآخر أجهزة أمن ومخابرات، وموّلتها مصالح سياسية.

لا تشذ الحرب التي تدور في سيناء مصر عن هذا المشهد، فولادة نظام عبد الفتاح السيسي كانت تمظهراً من نوع جديد لنظام ذي شكلٍ مستقر، ولكنه يحمل في داخله بذوراً ستقوده إلى فوضى من النوع المتصاعد، ربما تختلف عما يدور في الجوار، ولكنها تبقى فوضى تمانع التنمية، وتعيق الاستقرار.

ضعفت قدرة التأثير السوري إلى أبعد حد، وتحوّلت القيادة السابقة التي كانت ذات حضور مؤثر في المشهد الإقليمي إلى مجرّد بيدقٍ ينتظر من يحرّكه، وتأكد غياب النظام السوري جليا بعد قرار تمديد فراغ كرسيه في جامعة الدول العربية وعدم منح هذا المقعد للطرف المعارض، مع الإصرار على التعامل مع النظام من فوق الطاولة، أو من تحتها، بضمانة حالةِ شلله الحالية، وهو رهينة في يد الروس. وضَعُفَ التأثير العراقي نتيجة ضعف الدولة المركزية لصالح قوىً محلية، ذات طابع مذهبي وقومي، وحازت إيران على وجودٍ في العراق على حساب حضور خليجي منكفئ، وتدخل أميركي محدود، على الرغم من عدم اختفائه بشكل كلي في الفترة الحالية، ولكنه لا يشكل الآن كابحاً للدور الإيراني. أما منطقة الخليج فقد شهدت وجوداً أميركياً قوياً، واستفادت إسرائيل من هذه الوضعية، فلم تلقَ عملية نقل السفارة الأميركية إلى القدس الصدى الغاضب المتوقع، فمرت من دون ضجة، مع تعاظم الدور الإسرائيلي في منطقة الخليج، وقد شهدت اختراقاتٍ واضحةً في السياسة السعودية، ولقاءاتٍ علنيةٍ مع المسؤولين العمانيين، وحضور مؤثر في مؤتمر وارسو.

حصلت روسيا على دور مهم في المنطقة، وحصلت الصين على وضعيةٍ أفضل، فسجلت حضوراً، وحققت أهدافاً، ووظفت علاقاتها مع إيران، في سبيل الحصول على دورٍ أكبر، وهذه مفارقةٌ سياسيةٌ ملفتة. وبهذا الاصطفاف السياسي، تغير وجه الشرق الأوسط، وانتقل من هيمنة قوة وحيدة، هي الولايات المتحدة، خلال العشر سنوات الأولى من القرن الواحد والعشرين إلى منطقةٍ تنافسيةٍ تشهد وجوداً قوياً لمجموعة من القوى العالمية التقليدية، مع محاولاتٍ جريئةٍ للاتحاد الأوروبي، ممثلاً بفرنسا وحتى ألمانيا، تهدف إلى التأثير، وليس فقط تسجيل الحضور.

انهارت أنظمة سابقة، ولم تستقر في المقابل أنظمةٌ جديدة، فما زال الحراك في الشوارع العربية يغلي، وخصوصا مع تسجيل تمرّدات وفوضى في بلدانٍ كانت هادئة، كالجزائر والسودان. يمكن اعتبار الوضع الراهن حالةً انتقاليةً تنتظر تبلوراً نهائياً من دون إمكانية تحديد وقتٍ قريب، لتأخذ شكلها المستقر، مع استمرار ظروف الفساد والبطالة، وتكريس نماذج محدّدة في الحكم، مع تغيير أقنعتها أحياناً، وهي الأسباب الأساسية التي تحرّكت من أجلها المنطقة، وما زالت مرجّحةً لتأخذ أشكالاً مضاعفة أكثر وقاحةً واستفزازاً. مع استمرار ارتباط القرارات المحلية بشكل مباشر أو خفي بالخارج، سواء كانت قوى عظمى أو محلية، وتنامي الشد المذهبي، وإحلال هذا النوع من الصراع بدلاً من الصراع التقليدي بين إسرائيل والعرب، وقد أفسح هذا المجال لإيران لتتمدّد بشكلٍ يرشحها لتأخذ مكان إسرائيل جبهةً مضادّةً للعرب، وقد تتلاشى الجبهة المفتوحة مع إسرائيل، وتنضم إلى المعسكر المناوئ لإيران، وهي حالةٌ تطيل الفترة الانتقالية إلى مدة قياسية.

العربي الجديد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى