أبحاث

تحطيم المجتمع لإنتاج سورية "المفيدة"/ سمير الزبن

لسلطة الاستبداد المطلقة القدرة الهائلة على التأثير في مجتمعها وإعادة تشكيله، وصناعة هويات جديدة لم تكن موجودة سابقا، وهذه الهويات مصنوعة فقط لتخدم هذه السلطة بالضرورة لأنها نتاج فعلها، فالهويات ليست ثابتة فهي يجري إعادة تشكيلها في سياق التبرير والنقد ولخدمة مصالح إستراتيجية للقائمين على السلطة، بوصفها سلطة عامة مشخصنة، ومسار السلطة في سورية خلال حكم عائلة الأسد يشكل نموذجا لهذه الممارسات السلطوية، ونموذجاً لقدرة السلطة على التأثير على المجتمع.

لو لم يتسنَ لحافظ الأسد حكم سورية لثلاثة عقود، لما كان من الممكن أن يكون هناك توريث للحكم في سورية. هذه الفترة المديدة من الحكم، جعلت هذا الرجل يعيد تشكيل ليس الخريطة السياسية لسورية، بل ليعيد تشكيل المجتمع السوري، ويمسك بكل آليات التحكم السلطوي في البلد. فقد ترافق خلال هذه العقود الثلاثة، تفريغ البلد من القوى السياسية مع صناعة انزياحات اجتماعية تستفيد من السلطة وتخدمها في الوقت ذاته، كان ذلك بفعل سياسات السلطة المعلنة، والأهم بفعل السياسات الباطنية، التي حكمت البلد فعلاً، خلف الواجهة الشكلية لمؤسسات الدولة، وعلى رأسها الوزارات، التي تم تفريغها من كل قوة سياسية ممكنة، وتم تحويلها إلى أعمال إدارية ملحقة في خدمة الرجل الأول، لا أعمال سيادية تنفذ سياسات قوى اجتماعية ببرنامج سياسي.

تأخذ المفاهيم السياسية معناها من المجتمع وسياق التجربة التي تستخدم وتتبلور فيها، ولذلك من الطبيعي أن يتم ربط هذه المفاهيم في سياق الممارسة التجريبية للبلد المعني. لذلك تحتاج المقولات السياسية والثقافية والممارسات السياسية ذاتها وحتى الممارسات الاجتماعية إلى ربطها بلغة وثقافة المجتمع وتجربته التي خاضها وصولا الى اللحظة التي تخضع فيها للتحليل. وهي تحتاج لمعرفة كيف يفهم الناس في هذا المجتمع المقولات السياسية السائدة، وكيف يتعاملون معها، فمقولات مثل «الثورة» «المساواة» «الديمقراطية» «الحرية» «الحق» الخ ليست لها الدلالات نفسها في كل تجارب المجتمعات حتى المتجاورة، فإدماجها في المجتمع يعطيها معاني مختلفة عن إدماجها في مجتمعات أخرى. من هنا يمكن القول إن الأسد الأب كرّس تجربة خاصة في آليات التحكم السلطوي والاستجابة السياسية للأحداث وحتى في تكريس المفاهيم السياسية على مستوى القول (ما يجب على السوري أن يقوله بصرف النظر عن رأيه الحقيقي)، من جانب. ومن جانب آخر، كرس آليات تحكم معلنة (تحكم المخابرات وأولوية العسكر والتدقيق الأمني في كل شيء والتخويف المستمر بداع ومن دون داع) الكل يشاهدها، الكل يخضع لها، لكنها «مسكوت عنها». على السوري «المواطن» أن يكرّر الخطاب الذي تمليه عليه السلطة على مستوى الشكل، وأن يتعامل مع معطيات سيطرة السلطة القائمة في الواقع والمتناقضة مع الخطاب الشكلي للسلطة ذاتها، وأن يخافها فعلاً، لأنها سلطة متوحشة في أقبية المخابرات التي من خلالها تؤدب السلطة الذين لم يخضعوا لمزاجها. وكان التناقض الأبرز في سورية هو التناقض بين الشعارات العلمانية للدولة والكلام العمومي عن المواطنين والحقوق، وواقع التحكم في البلد عبر الأدوات الطائفية وخلق الصراعات فيما بينها، التي جعلها الأسد الأب مجالا رحباً لألاعيبه واختباره للولاءات وتوزيعه لفتات السلطة، ومن جهة أخرى اعتمد على طائفة محددة بوصفها القوة الضاربة لسلطته، خوفها من الآخرين، وخوف الآخرين منها. وهذا العمل لم يكن وليد يوم وليلة، بل أخذ وقتاً ومساراً طويلاً منذ استلامه للسلطة وصولا إلى تكبيل البلد بالتوريث للابن، الذي جاء بعد أن فرغ السلطة من كل المواقع الأخرى ما عدا موقع الرئاسة، وصفى اي شخص يملك طوحاً سلطوياً.

شكلت ثمانينات القرن الماضي، الذروة الكبرى في تحطيم السلطة للمجتمع السوري، تلك الفترة شهدت، ليس القضاء على الحياة السياسية في سورية فحسب، بل تحطيم المجتمع السوري وإخضاعه بقوة السلاح العارية، وتحويل كل المواطنين السوريين إلى متهمين عليهم إثبات براءتهم من جرائم تحدي السلطة في كل وقت. وفي تلك الفترة من ذروة تغول السلطة، سادت في البلد لهجة الطائفة التي ينتمي لها الرئيس، بوصفها تعبيراً عن الانتماء للسلطة وتعبيرا عن قوتها، وفاتحه لكل الطرق المغلقة عند السلطات، حتى أصبح كل من يريد أن يوحي بالقوة، يتكلم بلهجة طائفة الرئيس، وبعد أن أدت مهماتها، اختفت هذه اللهجة ولم يعد يتكلم بها حتى أصحابها. خلال سنوات حكمه الطويلة، عمل الأسد الأب على نشر أفراد طائفته بوصفهم الأداة الحاسمة لسلطته في المفاصل الرئيسية الحاسمة، ليس في الجيش وأجهزة المخابرات فحسب، حيث كان الضباط العلويين هم العمود الفقري لقادة الوحدات، ليس بالضرورة قادة الوحدات، بل في مفاصل الوحدات العاملة. كما نشرهم على مستوى الوزارات المدنية أيضا. وهذا ما جعل فعليا للطائفة اليد العليا في البلد، ليس بالامتيازات فحسب، بل منح أعضاءها المراكز الحساسة بوصفهم مؤتمنين ولا يشكلون خطرا على سلطة الرئيس، الذي يطرح نفسه على مستوى الخطاب العام، بوصفه رئيس السوريين، لكنه في أدوات التحكم اعتمد بشكل أساس على طائفته، سواء في أدوات القوة التي كانت أجهزة المخابرات أداتها الرئيسة، أم على مستوى التحكم الاقتصادي، الذي كانت أدواته رجال الطائفة في زمن الأب، أمثال محمد مخلوف، ورامي مخلوف الابن في زمن الأسد الابن. هذا لا يعني أن السلطة في سورية طائفية، بمعنى الطائفة هي الحاكمة، إطلاقاً، فعلى الرغم من مصادرة عائلة الأسد للطائفة العلوية، واستفادة البعض منهم من السلطة، إلا أنها بقيت طائفة مفقرة في البلد في زمني الأسد الأب وابنه.

حتى يكتمل تشديد القبضة على المجتمع، كان لا بد من شيطنه المجتمع السوري والتعامل مع السوريين بوصفهم أعداء السلطة، كل ذلك من أجل إخضاعهم وتركيعهم، وقد استثمر الأسد الأب الصراع مع الإخوان المسلمين في مطلع الثمانينات، لا لاستئصالهم فحسب، بل لتركيع المجتمع السوري وتحطيمه وجعله خائفا طوال الوقت. لقد كانت حرب النظام فعلياً على المجتمع السوري كله، بذريعة الصراع مع الإخوان المسلمين، والذين لم يتم شيطنتهم وحدهم، بل شيطنه المجتمع بوصف الكتلة الأساسية المُشكلة له، هي الطائفة السنية. ويمكن القول إن الأسد الأب استطاع في تلك الفترة أيضاً، مصادرة الطائفة العلوية، بتخويفها من الطائفة السنية، باعتبارها مستهدفة منها بشكل استئصالي، كما جرى تصوريها في ذلك الوقت في مذبحة مدرسة المدفعية، التي قتل فيها الطلاب الضباط من الطائفة العلوية فقط، أو اغتيال شخصيات علوية، على شاكلة محمد الفاضل عميد كلية الحقوق، وبقيت سياسة تخويف الطائفة العلوية قائمة خلال العقود اللاحقة، وهذا ما جعلها موحدة خلف النظام في مواجهة الثورة التي شهدتها سورية خلال السنوات السبعة المنصرمة.

منذ تلك الفترة، أخذت السلطة الأسدية بشيطنة الطائفة السنية، بوصفها البيئة الحاضنة للإرهاب، لذلك يجب إخضاعهم وإذلالهم، وعلنا، وفي هذا الإطار يمكن فهم الإذلال من خلال نزع حجاب النساء في مدينة دمشق بشكل سافر وعنيف من قبل ما كان يعرف في ذلك الوقت بالمظليات، التابعات فعليا لأسوأ وحدات الجيش حينها، سرايا الدفاع التي كان يقودها رفعت الأسد شقيق الأسد الأب.

بوضع الطائفة السنية في موقع المتهم، وتصويرهم باعتبارهم «مشكلة» من دون حل. وتقديم الأدلة أيضاً على أن الحلول العقلانية لا تجد نفعا معهم هذه الطائفة. ومع تصويرهم بوصفهم «المشكلة»، لم يعد يُنظر إلى السنّة ككيانات مأمونة من السلطة، وحرموا من أن يكون لهم موقعهم المعنوي المستقل في البلد، وأصبح هؤلاء بالنسبة للطائفة العلوية، بمثابة «حثالة» أو حتى «جراثيم» كما جاء على لسان الأسد الابن أثناء الاحتجاجات ضده. وبالنسبة إلى آخرين هم ليسوا فقط أقذاراّ، بل هم «القذارة» ذاتها. وباستخدام مجازات متباينة تتصل بالفضلات (قذارة، حثالة، الجراثيم، وما شابه) للإشارة إلى أن المقصودين بالحديث لا ينتمون إلى البشر. وتصنيف السنّة باعتبارهم إرهابيين ومجرمين، يعني تجاهل خصالهم البشرية المنظورة والإشارة إلى خلاصة ذات دلالات استئصالية. والخطاب التحاملي المتطرف الذي اعتمدته السلطة في مواجهة الاحتجاجات الشعبية، تمت إدارته  بعناية: على أساس فرضيات الاستئصال منطوية فيه، وأحيانا معلنة، ولكن الخلاصة، كانت التحامل المبالغ فيه ونزع الصفات الإنسانية عن الطائفة السنية، مدخلاً لإخضاعها أو اجتثاثها، كما عبر عنه الشعار الذي كتبته السلطة على الجدران في كل البلد من مطلع الاحتجاجات، والذي يقول «الأسد أو نحرق البلد»، بحجة اجتثاث البيئة الحاضنة للإرهاب، ما فتح الباب واسعاً لاستخدام البراميل المتفجرة بشكل عشوائي، ضد تجمعات بشرية، كانت جميعها تجمعات سنيّة، حاضنة للإرهاب، بحسب التوصيف الرسمي للسلطة. وهذه الحواضن لم تعد مقبولة، لذلك تم التخلص منها بتجريفها الديموغرافي، وتحويلها إلى لاجئين في بلدهم أو خارجه، كل ذلك من أجل البحث عن «سورية المفيدة» بحسب تعبير رأس النظام، سورية المفيدة التي لا وجود لها إلا في رأسه.بروكار برس

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى