مقالات

متاهات كتّاب أميركا اللاتينية/ محمد الأسعد

 

 

لم تكن ترجمة روايةٍ حملت عنوان “الحي” إلى الإنكليزية لكاتبها خورخي ماريو فارغاس يوسا (1936)، الأميركي اللاتيني من البيرو، وهو يتخطّى في العام الحالي عتبة الثمانين عاماً من عمره، مناسبةً توازي زهوَه بحصيلة حياته الأدبية، ولا كتابَ مقالاته الصحافية المنقول إلى الإنكليزية حديثاً أيضاً.

جاء الأمر على عكس المتوقَّع في الوسط الإنكليزي، بعدما أُصيب القرّاء بخيبة أمل، كما قيل، انعكست في المراجعات النقدية التي أخذت عليه تمجيده الفاشيّين واضمحلال طاقته الرؤيوية.

وفي تبايُن تامّ مع هذا، جاءت ترجمة كتاب “عروق أميركا اللاتينية المفتوحة” للكاتب إدواردو غاليانو (1940- 2015) من الأورغواي إلى عدد من اللغات، ومنها العربية، مناسبةً للاحتفاء بما يُمكن القول إنها عودة أميركا اللاتينية إلى التاريخ بوجهها الأصلي في عدّة بلدان، بعد غياب طويل الأمد امتدّ منذ اقتحام المستعمرين الغربيّين أراضي هذه القارّة التي عرفناها نابضةً بالحيوية، ولكن أيضاً غارقةً بدماء سكّانها الأصليّين.

والحقيقة أن هذا التبايُن، سواءً في نظرة أدباء أميركا اللاتينية إلى العالم من حولهم، أو في نظرة النقّاد والقرّاء إليهم، هو تباين قديم ظهر في عدّة مناسبات، كان أكثرها وضوحاً حين صدرت رواية فارغاس “الحياة الحقيقية لألخاندرو مايتا” (1986)، فهي في نظر بعضهم عمل فني مهمّ، وفي نظر آخرين دعاية صرفة للاتجاهات اليمينية.

يعني هذا التبايُن وجود تيارات في هذا الأدب لم يحسن مترجموه إلى العربية الكشف عنها، بمعنى أن الترجمة لم تستطع منح هذا الأدب الذي شاع في اللغة العربية في أواخر القرن الماضي كامل خلفياته، أي الفلسفة الكامنة وراءه.

ومثلما فقد الأدب الفرنسي مدلوله الاجتماعي في اللغة الألمانية حين أقبل عليه الألمان في القرن التاسع عشر، كما يقول الأميركي مورتون وايت (1917- 2016)؛ حيث نظروا إليه كقيمة أدبية خالصة ومجرَّدة، مُغفِلين خلفيته الاجتماعية، حدث الأمر نفسه مع إقبال العرب منبهرين على أدب أميركا اللاتينية، فأغفلوا مدلوله الحقيقي؛ الاجتماعي والفكري والتاريخي. فما زالت القراءة النقدية العربية أسيرة الجاهز، سواءً كان مصدره هذه القارة أو تلك، عاجزةً عن القراءة لحسابها الخاص.

إذا أخذنا روايات فارغاس الحاضر في الذهن والمسرح الأدبي حتى الآن، يُمكن القول إن “تشكيكه في واقعية الحياة” راسخ في رؤيته، فهو ببعثرته للأحداث والشخصيات على مدى زمني ملتبس، لا هو بالماضي ولا بالحاضر ولا بالمستقبل، يوحي بأمرين معاً: أن ما حدث كان سيحدث، وأن لا شيء يتغيّر في المتاهة لأن كل مسار فيها يفضي إلى مسار آخر.

عن هذا يقول أحد النقّاد للقارئ المرتبك مثلما هي مرتبكة شخصيات الرواية: “هذه هي أفضل طريقة لمنح القارئ فرصة أن يعرف كيف هي الحياة في البيرو”، إلّا أنه ينسى أن يضيف: “من وجهة نظر كاتب محدّد هو فارغاس ذاته”.

نعم، هي وجهة نظر كاتب، فكما هو متنوّعٌ الواقع، كذلك وجهات نظر الكتّاب. وهو ما يلمسه قارئ هذا الأدب من مبالغات تمضي أحياناً باللامعنى إلى حدوده القصوى، ومن صراعات ينتقص فيها أحدهم من قيمة الآخر بعبارات جارحة، كما حدث حين وَصف فارغاس الروائي الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز (1927- 2014) بأنه مجرّد “محظية من محظيّات كاسترو”.

قد لا يكون لنا شأنٌ بهذه الصراعات. ولكن، لن يكون الأمر كذلك حين تتصدّر رفوفَ معارض الكتب لدينا سلسلةٌ متدفّقة من روايات أميركا اللاتينية؛ لأننا سنجد أنفسنا معنيّين، قرّاءً ونقاداً، بصراعات هذا العالم، أدبية كانت أو سياسية. وسنكون بحاجة ماسة إلى أدلّة تقودنا في متاهات كتّاب أميركا اللاتينية، مثلما احتجنا إلى أدلّة في متاهات أمثال جيمس جويس وكافكا وبروست.

ما نلاحظه أن ثمّة هياكل “مقدّسة” تُقام عندنا لهذه الأسماء الواردة من دون قراءة حقيقية، مدقّقة وناقدة، ويُصبح دور كتّابنا التماهي مع هذه الهياكل الجديدة، وبث الحيوية في مواهبهم تارةً بما يُسمّى “التناص”، أو بما يُسمّى “العولمة” تارةً أخرى.

لا شك أن ترجمة وقراءة الآداب الأجنبية تُعلّمنا الكثير. ولكن ليس من بينه هذه المحفوظات التي تتكرّر بمناسبة نشر رواية جديدة مترجَمة، أو الانحياز لهذا الكاتب دون ذاك. ما نتعلّمه هو أبعد من هذا؛ أنّ كتّاباً من هذا النوع يحبّون أسماءهم ولا يحاولون الخلاص منها، وأنهم يحبّون عالمهم الذي يعيشون فيه، وليسوا بُلهاء إلى درجة تجاهل يوميات شعوبهم، وأنهم مُدركون إدراكاً واعياً بأن مصائر عالمهم هي مصائر أمم وليست مصائر أفراد، وبقدر ما يكون مصير الفرد دالّاً على مصير الجموع، يكون حجمه في العمل الفني.

ولأن هذه المصائر مزيج من أعراق وتواريخ مختلطة، وسَمها الاستعمار بميسم تراجيدي، اتّخذت الأحوال لدى هؤلاء الكتّاب أقصى درجات الحدّة، ودفعت إلى وضعية فكرية متطرّفة أصبح معها المصير كونياً.

لا يقترب هذا الأدب من الخرافة أو السحر والغرابة كما يُشاع، بل يقارب المجاز الشعري مدفوعاً إلى الأقصى، وكأنه يحقّق “الشعرية” بإنشاء تقاليد روائية تتحوّل فيها الرواية إلى مجاز شعري. وهو بعد كل شيء، ناطق عن وجهة نظر شاملة في الكون والإنسان، وطامحٌ إلى احتياز هذه الرؤيا. إنه ينطق بالمناخ الكامل، ولا يعلّق مصيره بظاهرة مناخية، جزئية أو عابرة.

على أن الأكثر جاذبية في روايات أميركا اللاتينية هو أن ما تُسمّى واقعيتها السحرية تكاد تكون واقعيةً شفافة وقاسية أحياناً؛ ترتفع بأحلام الناس العاديّين (وهم الكثرة الكاثرة من أبطالها) إلى مستويات عليا من الوجود تجعل منهم “قدّيسين” و”مباركين” و”عظماء”، بينما تهبط في الوقت نفسه بوجود “ذوي الامتيازات”، مثل “بطريرك” ماركيز و”رئيس” أستورياس، إلى مستوى كائنات فاقدة للحلم والروح.

هذه الروايات نشيدٌ شاملٌ ومتواصل لتأسيس سلّم قيم لأناس مختلطي الأصول والأعراق، إلّا أنهم موحَّدون في هذا النشيد عند تقاطع رئيسي؛ بشريتهم وكونهم من أبناء الأرض، بل وأكثر أبنائها تعبيراً عنها وعن غناها وحيويتها.

العربي الجديد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.