سياسة

أحمد طعمة نموذجاً/ عمر قدور

 

 


يكفي لدى شريحة واسعة من السوريين ذكرُ اسم دي مستورا ليتوارد إلى أذهانهم كل ما هو سلبي في التعاطي الدولي مع القضية السورية، فالمبعوث الدولي الذي ينهي مهمته حالياً تُؤخذ عليه محاباته سلطة الأسد طوال سنوات قضاها في منصبه. لذا قد يكون مستغرباً الموقف الوداعي للرجل وهو يحمّل الأسد وحلفاءه مسؤولية تعطيل تشكيل اللجنة الدستورية، وأن يحمّل ضامني مسار آستانة الثلاثة المسؤولية ذاتها إثر اجتماعهم قبل ثلاثة أيام. المفارقة ستكون أكبر مع تصريح مغاير لرئيس وفد المعارضة إلى اجتماع آستانة يؤكد فيه حصول تقدم في تشكيل اللجنة إياها، منوّهاً بأن اللجنة خرجت من رحم هذا المسار الذي لا وجود فعلياً لغيره، ناعياً بشكل موارب مسار جنيف المتوقف، وعلى ما يبدو من منطلق الرغبة في الإجهاز عليه. فمن هو أحمد طعمة؟

يحضر طعمة جلسات مسار آستانة بصفته رئيساً لوفد “الفصائل المسلحة”؛ المدهش في الأمر أن للرجل تصريحات واضحة يعتبر فيها الخيار العسكري خاطئاً من الأساس، وقد سبق له قبيل اجتماع لمسار آستانة في أيار الماضي أن أثنى على الدور الروسي في سوريا منوّهاً بأن موسكو تريد حلاً سياسياً! تلك التصريحات أتت بعد الوحشية التي أبداها الطيران الروسي في العديد مما كان يُسمى “مناطق خفض التصعيد”، وفي المقابلة ذاتها أشار إلى أن المعارضة لم تطرح نفسها بديلاً عن النظام داعياً إلى تغيير الدستور! والحق أن أي مبتدئ في السياسة لن يفهم وجوداً للمعارضة إذا لم تطرح نفسها بديلاً، طبعاً بمشروعها لا بأشخاصها فقط.

أبلغ صورة يتذكرها السوريون لطعمة هي صورته متوسداً حذاءه في مطار سوتشي مطلع العام، وحينها تلقى وفد المعارضة الذي يرأسه وحصل على ضمانات تركية إهانات من البلد المضيف أدت إلى انسحابه من المؤتمر، وكان التركيز على موضوع اللجنة الدستورية العتيدة من أهم إنجازات سوتشي الذي قاطعته الدول الغربية والهيئة العليا للتفاوض. المسألة لم تكن حينها في الصورة نفسها بقدر دلالتها المزرية، وفي مواجهة الانتقادات الواسعة جداً لوّح طعمة بأنه تكبّد تلك المشقة من أجل “أمر جلل” لم يوضّح ماهيته، مذكِّراً بظروف اعتقاله قبل الثورة حيث اضطر فيها إلى النوم متحملاً مشقة مماثلة، من دون أن يشرح وجه الشبه بين معتقل يُقاد إليه الشخص مرغماً ومؤتمر يُفترض أن يذهب إليه حراً كممثل لمطلب حرية السوريين.

في التاريخ السابق على الثورة الذي يستشهد به؛ يُحسب لأحمد طعمة اعتقاله حوالي سنتين ونصف السنة بسبب انتخابه أمين سر المجلس الوطني لإعلان دمشق “المعارض” في نهاية عام 2007. قبل ذلك كان قد انضم إلى “لجان إحياء المجتمع المدني” التي مثّلت حينها نوعاً جديداً من الحراك السياسي غير المؤطر أيديولوجياً، وفي اللجان كما هو الحال في إعلان دمشق كان يُنظر إلى طعمة كصاحب توجه إسلامي مدني ديموقراطي، التوجه الذي كان مطلوباً آنذاك من قوى المعارضة كنوع من الانفتاح ضمن الحراك السياسي المعارض نفسه. يُذكر في هذا السياق أن جماعة الإخوان المسلمين، بقيادة علي صدرالدين البيانوني، كانت أيضاً قد بدأت الانفتاح على باقي المعارضين بإصدارها ما سُمّي “ميثاق شرف وطني للعمل السياسي في سوريا”، واعتُبر خطوة متقدمة ضمن الخطاب الإخواني.

لا ينتسب طعمة إلى تنظيم الإخوان، إلا أنه مقبول منهم مثلما هو مقبول من معارضين يرون إسلاميته أكثر انفتاحاً من الإخوان، وبالتأكيد من التيارات السلفية والجهادية. هذه الوضعية ربما جعلت منه الأكثر ديمومة في ائتلاف المعارضة، وفي حين تبدلت قيادات وأسماء وتوجهات بقي هو موجوداً منذ انتخابه قبل خمس سنوات رئيساً للحكومة المؤقتة التابعة للائتلاف، وبقي موجوداً رغم إقالته من رئاسة الحكومة وما شاب تلك الإقالة من اتهامات فساد طاولت بعض وزرائها.

على الصعيد العام لا يحظى طعمة بانتباه خاص، لا شعبية ولا كاريزما خاصتين، وهذا ما جنّبه التصويب عليه في حين لم ينجُ زملاء له من الاتهامات أو الافتراءات أحياناً. عاملان يلعبان لصالحه؛ عدم دخوله في عداوات واضحة ضد معارضين آخرين، ودماثته الشخصية فضلاً عن النظر إليه كشخص لا يملك تأثيراً أو قراراً في الائتلاف، بخلاف كتلة الإخوان مثلاً. هذه الوضعية أتاحت له مثلاً “التسلل” إلى مسار آستانة بلا ضوضاء أو مساءلة، وأتاحت له أن يصبح بمثابة ناطق باسم الغزو التركي لعفرين، من دون أن يتوقف أحد عند التناقض بين حماسه للغزو “مع الفصائل المحلية المساندة له” واعتباره الخيار العسكري خطأ من الأساس.

من المؤكد أن موقف أحمد طعمة الداعم لمسار آستانة، وجملة مواقفه الأخرى، تتسق تماماً مع سياسة الراعي التركي، أو بالأحرى تلتزم بها تماماً. لا يخرج عن هذا الإطار تصويبه على مسار جنيف، لأن تنافس المسارين إقليمياً يخضع للتنافس التركي-السعودي، وإذا حظيت الرياض برعاية الهيئة العليا للتفاوض المُشكّلة من أجل مسار جنيف فإن أنقرة تستثمر في ائتلاف المعارضة للمضي في مسار آستانة وتغليبه على مسار جنيف. ولو كنا إزاء معارضة ذات نهج ديموقراطي لوجبت مساءلة طعمة في شبهة تضارب المصالح، فالرجل يحمل الجنسية التركية ويترتب عليه درء شبهات خدمة وطنه الجديد على حساب وطنه الأم. الأمر هنا يختلف عن حالة الكثيرين من السوريين الذين حصلوا على جنسيات أخرى بحكم الواقع الحالي، إلا أنه يصح على كل من يتسلم منصباً سياسياً ويحمل جنسية بلد منخرط بنشاط في الصراع السوري، وتتطابق مواقفه مع سياسات ذلك البلد. لكن هنا أيضاً يخدم الحظُّ الرجل، جرّاء القناعة العامة بأن الائتلاف برمته مرتهن للسياسة التركية، فلا تتعدى مواقفه وتصريحاته كونها جزءاً من لوحة قاتمة في الأصل.

 

هي أشبه بالسخرية المرة أن يتبرع رئيس وفد المعارضة بالثناء على مسار آستانة، بينما في الوقت ذاته تعتبر وزارة خارجية ترامب هذا المسار حيلة من أجل رفض الحل السياسي، فيبدو موقف إدارة ترامب “التي لا يندر أن توصف بالأكثر سوءاً” أقرب إلى ما يراه السوريون! المسألة هنا لا تتعلق بشخص طعمة نفسه، إلا من حيث كونه نموذجاً لأداء المعارضة السورية وتردّيه التام بالقياس إلى مآسي السوريين وتطلعاتهم. ربما، في مثل هذه الأجواء، يكون طعمة مثار حسد من بقية زملائه لرسوخه واستمراره في الواجهة، وقبل ذلك لأن تخصصه العلمي في طب الأسنان قد جلب له التفاتة من رئيس القوة الأعظم عندما قال أوباما في تصريحه الشهير قبل أربع سنوات ونصف: لا يمكن لمزارعين وأطباء أسنان أن يتغلبوا على نظام الأسد.   

المدن

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.