سياسة

آفاق الضراع الروسي-الإيراني في سورية -مقالات مختارة-


أفق الصراع بين روسيا وإيران حول سوريا!/ أكرم البني

ثمة وجهتا نظر تتبلوران اليوم حول ما يثار عن احتدام الخلاف بين موسكو وطهران على حصص النفوذ في سوريا، ربطاً بتواتر أخبار تنافسهما المكشوف للاستيلاء على ثروات البلاد ومفاصل المؤسستين الأمنية والعسكرية، وتكرار الاشتباكات بين قوات موالية لكلا الطرفين في السباق لانتزاع بعض المواقع والمرافق الحيوية في أرياف حماة ودرعا ودمشق، يحدوها تصريحات للكرملين حول ضرورة خروج جميع القوات الأجنبية من البلاد بما فيها القوات الإيرانية والميليشيا التابعة لها، والردود المتحدية لقيادات إيرانية بأنه لا أحد يستطيع إبعادهم عن الساحة السورية.

وجهة النظر الأولى تعتقد أن هذا الخلاف سطحي وربما أشبه بمناورة أو شكل من أشكال توزيع الأدوار بينهما، ولن يصل، بأي حالة، إلى حد كسر العظم، بل سيجد طريقه بسرعة، نحو التفاهم والتقاسم التوافقي للمغانم، حتى لو اكتنفته بعض المواقف والتصريحات المتعارضة، أو بعض الاحتكاكات العسكرية والمعارك الجانبية، والأسباب في رأيهم كثيرة، تبدأ بعلاقة تاريخية عميقة بين الطرفين انعكست بتنسيق وتعاضد لم تشبهما شائبة لعقود من الزمن في مواجهة العدو الغربي المشترك، وفي التكاتف للالتفاف على العقوبات الاقتصادية المتخذة ضدهما، مروراً بتفهم موسكو لمصلحة إيران في سوريا وغض نظرها عن كثير من اتفاقات الشراكة الاستراتيجية الموقعة بين دمشق وطهران، إنْ في المجال الأمني أو العسكري أو في مجال المساهمة بإعادة إعمار قطاعات الاتصالات والتعليم والصحة والبناء السكني، والأسوأ صمتها عن التغيير المذهبي والديموغرافي ونقل ملكية كثير من البيوت والأراضي الزراعية التي تركها السوريون الفارون من الحرب، إلى مرتزقة إيرانيين، وانتهاء بتحسب الكرملين من مخاطر وتكلفة فتح معركة مع طهران لإخراجها بالكامل من سوريا، وتالياً لاحتمال انزلاقه إلى فخ استنزاف لا طاقة له على تحمله، ربطاً بما تمتلكه الأخيرة من حضور قوي ومهم في سوريا وأدوات أذى ضاربة في لبنان والعراق، فكيف الحال حين تدرك روسيا أنه من دون إيران لا يمكنها الحفاظ على استقرار الميزان العسكري للصراع السوري تجاه وفرة المتدخلين فيه! وكيف الحال حين يذهب العقل التآمري، ربما يكون محقاً، نحو الإشارة إلى وجود مصلحة حقيقية لموسكو في الحفاظ على البعبع الإيراني ورعايته في الإقليم، لابتزاز الغرب والعرب معاً وتحصيل المزيد من النفوذ والمنافع!

واستدراكاً، ومثلما ليس من مصلحة طهران منازعة موسكو على حضورها ودورها في سوريا والمشرق العربي ما دامت تستمد منها وجوهاً متعددة من الدعم والحماية، إنْ في مواجهة الضغوط الأميركية، وإنْ لتغطية توغلها في العراق ولبنان واليمن، وإنْ لتغيير ميزان القوى في سوريا بعد فشلها ولسنوات في إحداث انعطافة عسكرية لصالح النظام، كذلك ليس من مصلحة موسكو خسارة تحالفها مع طهران وورقة الملف السوري ما دامت توظفهما في صلب لعبة التنازع على النفوذ مع الغرب حول بؤر التوتر في العالم، إنْ في مشكلة القرم والأزمة مع أوكرانيا ومؤخراً في فنزويلا، وإنْ في مواجهة تمدد الدرع الصاروخية، والأهم قطع الطريق على كل من يفكر في مد خطوط غاز من الإقليم باتجاه أوروبا، والقصد أنه ليس ثمة حافز عميق لدى موسكو لإنهاء وجود طهران في سوريا، وإن كانت تسعى لتحجيمه وتطويعه، في سياق تعويم دورها ليكون أكثر نجاعة في ضبط توازنات القوى في الإقليم، بما في ذلك محاصرة التمدد التركي عسكرياً وعقائدياً، والتحكم باحتمال تقدم دور جديد للغرب في سوريا قد تحفزه عملية إعادة الإعمار.

وفي المقابل، ترى وجهة النظر الثانية أن هذا الخلاف جدي وسوف يتفاقم مع خمود المعارك وبدء موسم القطاف، ليأخذ أبعاداً حادة تفضي في نهاية المطاف لتمكين طرف على حساب الآخر في تقرير المصير السوري، ليس فقط لأن التجربة تفيد بأن قوتين نافذتين يصعب أن تتعايشا على أرض واحدة، وإنما أيضاً بسبب تباين شروط الطرفين ودوافعهما للتدخل في الشأن السوري وتعارض خططهما حول مستقبل البلاد، ففي حين يفتقد التدخل الإيراني للشرعية الإقليمية والدولية، وتحدوه حسابات طائفية فاقعة طمعاً في الهلال الشيعي وإحياء الإمبراطورية الفارسية، محتقناً برغبة مزمنة في إزاحة الكتلة الإسلامية السنية من الوجود عنفاً، أو على الأقل إضعاف وزنها ودورها إلى أبعد الحدود، يمتلك التدخل الروسي تفاهمات دولية، خصوصاً مع الأميركيين والأوروبيين، تحدوه حسابات سياسية تميل إلى أخذ مصالح مختلف مكونات المجتمع في الاعتبار توخياً للاستقرار وديمومة نفوذه في سوريا والمنطقة، الأمر الذي تجلى بفتح خطوط مبكرة ومصالحات واسعة مع قوى معارضة ذات وجه إسلامي سني، والبدء بتنظيم القوى شبه العسكرية، خاصة جماعات الدفاع الوطني المشكّلة والمدعومة من طهران، ومحاسبة وإقصاء الضباط الفاسدين أو المرتبطين مع الميليشيا الإيرانية لمنع طهران من زج البلاد في معارك مذهبية لتغيير الستاتيكو القائم في المشرق العربي، من دون أن نغفل ما يعنيه صمت روسيا وحيادها تجاه الغارات المتكررة للطيران الإسرائيلي على مواقع للحرس الثوري و«حزب الله» في سوريا.

ويخلص أصحاب هذا الرأي إلى أنه ليس من مصلحة موسكو الذهاب بعيداً في تغطية سياسة طهران التوسعية، خاصة وقد أدركت مؤخراً أن الوجود الإيراني في سوريا بات سبباً رئيسياً للتوتر والتفكك داخليا، ولإزعاج أطراف إقليمية وعالمية، وأنه هو دون غيره ما يعيق تحويل نصرها العسكري إلى إنجاز سياسي مقبول دولياً، ما يعني تأخير تمويل إعادة الإعمار، الذي يربطه المجتمع الدولي بمستوى من التغيير السياسي، تبدو طهران معادية له على طول الخط.

أخيراً، وأياً تكن طبيعة التنازع على النفوذ بين روسيا وإيران حول سوريا فإن أفقه يبقى محدوداً، ما يعني ضرورة توخي الحذر من البناء والتعويل عليه أو تشجيع التدخل لتسعيره على أمل تحجيم النفوذ الإيراني في سوريا والمنطقة العربية، فالتجربة التاريخية، أكدت مراراً مرارة هذا الرهان، وأنه مجرد هدر للجهد والفرص، وأظهرت قدرة الطرفين واستعدادهما العالي لتجاوز أي خلاف وهما أكثر تضامناً وتعاضداً، ولنقل أكثر إدراكاً لفداحة الأضرار الناجمة من دفع تنافسهما وما يرافقه من افتراق في المصالح والأهداف إلى آخر الشوط!

الشرق الأوسط

هل بدأ الصراع الروسي الإيراني في سوريا فعلاً؟/ عروة خليفة

تستمر الاشتباكات بشكل متقطع في منطقة سهل الغاب بريف حماة، بين ميليشيات تتبع للفرقة الرابعة في جيش النظام من جهة، وقوات من الفيلق الخامس بقيادة سهيل الحسن من جهة أخرى. وكانت معارك قد بدأت الشهر الماضي بين الطرفين، في سياق الصراع على السيطرة والنفوذ في المناطق الحيوية الخاضعة لسيطرة نظام الأسد بريف حماة الشمالي الغربي.

وتقع المناطق التي تدور فيها الاشتباكات قرب خطوط التماس مع فصائل المعارضة في ريف حماة الشمالي الغربي، وقرب المعابر الحيوية بين مناطق سيطرة النظام ومناطق سيطرة الفصائل هناك، مباشرة إلى غرب وشمال غرب قلعة المضيق. وبالإضافة إلى الأهمية المتعلقة بالإشراف على المعابر وخطوط التماس تلك، فإن هذه المنقطة تتمتع بأهمية حيوية بالنسبة لروسيا، باعتبارها تشكل المدخل إلى محوري جورين وشطحة وما يحيط بهما من قرى، وهما المحوران اللذان يشكلان المدخل الرئيسي إلى منطقة قاعدة حميميم بريف اللاذقية المجاور في الساحل السوري، إذ أن الجهة التي تسيطر على تلك المنطقة، هي الجهة التي تمسك بمفاتيح استهداف القاعدة، مما يجعل روسيا مهتمة بالسيطرة عليها لضمان أمن قواتها في حميميم.

وكانت قوات تتبع للفيلق الخامس، تم استقدامها من درعا، قد سيطرت على عدة قرى في تلك المنطقة بعد اشتباكات مع ميليشيات الفرقة الرابعة منتصف الشهر الماضي، وعلى إثر ذلك قام سهيل الحسن القيادي في جيش النظام، برعاية اتفاق بين الطرفين في السابع عشر من الشهر الماضي، إلا أن الاشتباكات تجددت بعدها، لتسيطر ميلشيات الفرقة الرابعة المدعومة من إيران نهاية شهر كانون الثاني، على عدة قرى كانت قد استولت عليها قوات الفيلق الخامس المرتبطة بروسيا.

وهذه ليست المرة الأولى التي تصطدم فيها قوات موالية لإيران وأخرى موالية لروسيا خلال الأشهر الأخيرة، إذ شهدت محافظة دير الزور اشتباكات واعتقالات متبادلة بين الميليشيات الإيرانية وميليشيات الدفاع الوطني المرتبطة بموسكو، بعد أن قامت الأخيرة مدعومة من قوات تتبع جيش النظام بالسيطرة على معابر نهرية كانت تحت سلطة الميليشيات الإيرانية صيف العام الماضي.

كذلك يستمر الصراع بين الطرفين على السيطرة والنفوذ في محافظة درعا، وعلى استقطاب المجندين ومقاتلي المعارضة السابقين إلى القوات الموالية لكل طرف، في الوقت الذي تتحدث فيه مصادر محلية من درعا عن أن بعض عمليات الاغتيال والاعتقال التي طالت القادة المنخرطين في المصالحات جنوب سوريا، كانت في الواقع جزءاً من التنافس بين كل من موسكو طهران.

وقد أدت التصريحات المتبادلة بعد الضربات الإسرائيلية الأخيرة على مواقع للميليشيات الإيرانية في سوريا، إلى خروج الخلاف بين الطرفين إلى العلن، خاصة بعد الانتقادات التي وجهها رئيس لجنة الأمن القومي في البرلمان الإيراني لموسكو، معتبراً أن نظام الدفاع الجوي S300 يتم تعطيله خلال الضربات الإسرائيلية.

وبالنظر إلى الاشتباكات التي تدور اليوم في ريف حماة، والاشتباكات السابقة في ودير الزور، فإن الصراع يرتبط بشكل رئيسي بالسيطرة على نقاط تهريب ومعابر تدر مداخيل كبيرة للميليشيات في المنطقة، وهو الأمر الذي لا يشكل سابقةً في حد ذاته، إذ لطالما دار صراعات واشتباكات بين الميليشيات الداعمة لنظام الأسد في سوريا، بهدف السيطرة على نقاط التهريب والحواجز الحيوية التي تدر مداخيل كبيرة، إضافة إلى النزاع المتكرر على «تعفيش» المناطق التي كانت تسيطر عليها خلال معاركها مع فصائل المعارضة.

لكن توتر الأجواء بين موسكو وطهران بعد الضربات الإسرائيلية المتكررة، والتقارب بين بوتين ونتنياهو إثر قطيعة كان سببها إسقاط طائرة روسية خلال هجمات للطيران الإسرائيلي على مواقع للنظام في اللاذقية، يدفع تلك المواجهات اليوم لتكون جزءاً من لوحة أكبر، تترسم فيها معالم خلاف متعدد المستويات بين الطرفين.

إلا أن الحديث عن صراع مفتوح بين الطرفين اليوم في سوريا يبدو أمراً مبالغاً فيه، لأن القوات المرتبطة بموسكو لا تزال أقل عددياً بكثير من الميليشيات التي تتبع طهران في سوريا، وبالمقابل فإن طهران التي يتعرض وجودها في سوريا لضغط سياسي دولي، بالإضافة إلى الضربات الإسرائيلية المتلاحقة، ليست في موقع تستطيع معه أن تفتح صداماً إضافياً مع موسكو. كما لا يزال الطرفان يعتمدان على بعضهما بعضاً، لخلق توازن مع أنقرة وواشنطن، وسيعني تحولهما إلى طرفين متحاربين بشكل نهائي في سوريا إضعاف موقف كل منهما.

تقود المعطيات الحالية إلى نتيجة تقول إننا لسنا أمام صراع واسع بين موسكو وطهران في سوريا، لكن يبقى أن أمراً مماثلاً ليس مستحيل الحدوث خلال الفترة المقبلة، خاصةً أن تراجع العمليات العسكرية في سوريا، سيؤدي إلى تراجع اعتماد كل من الطرفين على بعضهما بعضاً بشكل تدريجي.

 موقع الجمهورية

حينما اشترى العرب منظومة كذب/ غازي دحمان

استدعى الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، مستشاره للشؤون العربية على عجل، وعندما دخل الأخير الى مكتب الرئيس، وجده فاتحاً يديه ورافعاً كتفيه والشرّر يقدح من عينيه، وما إن وصل المستشار إلى حافّة الطاولة التي يجلس عليها بوتين، حتى قذفه بورقةٍ كانت بيده، وقال بصوت غاضب: ما هذا يا سيادة المستشار؟، أنت لا تدرك أننا نخوض حروبا استراتيجية طاحنة في الشرق والغرب، ولدينا مشاريع جيوسياسية ضخمة، ونحتاج إلى أعلى درجات الجدّية والتركيز لإدارة الفرص والمخاطر الناتجة عن ذلك. وفي ذروة هذا الغمار، توصي سيادتك، وبرسالة عاجلة، بإنتاج منظومة كذبٍ تناسب البيئات العربية، وتؤكد أن هناك طلبات مستعجلة وكثيرة لهذا المنتج؟

حتى اللحظة، كان المستشار يقف شابكاً يديه على بطنه، يحمل ملفاً أسود بين يديه، ويبتسم ابتسامةً مرتبكة، وطلب الإذن بالكلام، وقد خرج صوتُه متحشرجاً. قال: يا سيدي، أرجو أن تمنحني الوقت لأشرح لك الأمر، التوصية التي أوردتها في الورقة التي كانت أمامكم هي خلاصة طلبات وصلت إلينا من غالبية وزارات خارجية البلدان العربية، يطلبون فيها أن نصدر كلاماً يلمح إلى عزمنا على الحد من النفوذ الإيراني في سورية. اعتقدنا، في البداية، أنهم يطلبون أفعالا حقيقية على الأرض، وبعد أن أبلغناهم أن من غير الوارد التضحية بالعلاقات النامية مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية، والتنازل عن كل ما حققناه حتى اللحظة من إنجازات، وخصوصا في سورية، فقد جاء رد العرب أنهم يقدّرون هذا الأمر ويتفهمونه جيداً، وأنهم لا يقصدون ذلك بالضبط، بل شيئاَ يشبه الكذب، على أن يتم وضعه في إطار منظومة متكاملة، خصوصا أننا نحن الروس قد اشتهرنا في صناعة المنظومات والأطقم.

زمّ بوتين شفتيه، وراح ينقر بأصابعه على أطراف الطاولة، وبدا مستغرقاً في التفكير، وأشار بيده للمستشار ليجلس. طلب منه بهدوء، وبشكل منهجي، أن يشرح له الأمر بصورة أوضح وأكثر تفصيلاً. هزّ المستشار رأسه، وسارع إلى فتح الملف الأسود، وقال: سيدي الرئيس، لخّصت معظم ما جاء في رسائل وزارات الخارجية العربية، وللمصادفة أن جميعها متشابهةٌ، من حيث العرض والمضمون. وبدأ المستشار في تلاوة ما جرى تلخيصه.

يقول العرب: الأشقاء الروس، اكذبوا علينا بأي شيء، قولوا لنا ما تريدون، نحن قرفنا من السوريين ومشكلاتهم وأوجاعهم ومطالبهم. لقد ذهبت وفودنا ومواطنونا إلى هناك. أكدوا أنهم لم يروا أثراً للحرب، وأنهم فوجئوا بأن السوريين يعيشون أحسن منا، نحن الذين لم تحصل لدينا حروب. كل شيء متوفر في أسواق دمشق وبأرخص الأسعار، والناس هناك يملأون المطاعم والحدائق، ويسهرون حتى الصباح. ويبدو، أيها الأشقاء، أننا وقعنا ضحية كذب وتزوير إعلامي، فقد أكد موفدونا، وهم من أصحاب الثقة، نقابيون وإعلاميون وكتاب، أنهم فتشوا في سورية عن دليلٍ واحدٍ لوقوع الحرب فلم يجدوه!

رفع المستشار رأسه، ليرى تأثير ما يقرأه على وجه بوتين، فوجد مزيجاً من إشارات استفهامٍ وتعجب، قد ملأت خريطة وجهه، غير أنه أشار له أن يكمل القراءة. تابع المستشار ما قال العرب لأشقائهم الروس: بدورنا، بحثنا وحلّلنا، واستوضحنا عن حقيقة ما حصل. قلنا لأنفسنا إن أفضل طريقة للوصول إلى الحقيقة العودة إلى أرشيف الإعلام الحربي السوري. وبالفعل، وصلنا إلى الحقيقة التي غابت عنا، فلم يكن الأمر سوى حربٍ شنتها العصابات المسلحة على الدولة السورية التي وقفت، شعباً وجيشاً وقيادةً، في مواجهة هذا الهجوم الغاشم.

شعر المستشار المنهمك بقراءة النص بحركةٍ مفاجئةٍ تصدر عن بوتين، وعندما نظر إليه، وجده يحاول جاهداً كتم ضحكاتٍ تغالبه، وتابع: يقول العرب إنهم باتوا على علم بما حصل، لكن العوام في بلادهم يصرّون على أن إيران تقوم بتهجير السوريين وذبحهم على الهوية، وأنها تمارس عمليات تطهير ديمغرافي واسعة، وأنها، من هنا حتى عقد مقبل، ستكون قد غيّرت هوية سورية بالكامل، والمشكلة أن هؤلاء العوام يشكلون الأغلبية في بلادنا، وسنكون محرجين، لو أقدمنا على خطواتٍ انفتاحيةٍ، نريدها نحن بقوّة، مع نظام الأسد، ما لم يكن هناك ورقة نتسلح بها أمامهم، ولا توجد أوراق سوى صدور كذبةٍ منكم تؤكدون فيها أنكم ستعملون على الحد من نفوذ إيران، وتدعيم هذه الكذبة بكلامٍ لمصدرٍ مغفل مرّة، أو مصدرٍ يرفض الإفصاح عن نفسه مرّة أخرى، وتعليق على شاشة فضائية “روسيا اليوم”، أو تلميح عبر “سبوتنيك” عن جهودكم بهذا الاتجاه، وهذا ما نقصده بمنظومة الكذب.

كان المستشار قد انتهى من القراءة، حين استند بوتين إلى طاولة المكتب، واضعاً إبهامه تحت ذقنه وسبابته على صدغه، وإصبعه الوسطى تحت أنفه، قال لكننا تعودنا أن نصدر منظومات “إس إس” بمختلف أجيالها، ومنظومات صواريخ ودبابات وطائرات، أما منظومات كذب فهذا أمر مستجد علينا، ثم إننا ننتج كذباً لا بهدف التصدير، بل لترويج مشاريعنا ومنتجاتنا، للتغطيةعلى أعمالنا في الداخل والخارج، فالكذب ليس بضاعةً في نهاية الأمر، كما أن له خصوصية محدّدة، هو شيء يشبه البهارات الهندية، لا يمكن استهلاكه إلا مع أنواع من الأطعمة. وأردف، لكن على كل حال، إذا كان العرب مصرّين على ذلك، فيجب أن يكون بثمن وثمن مرتفع، نحن نبيع تقنياتٍ في نهاية الأمر، وجهد تقوم به ورش وشبكات ومختبرات.

في المساء، وحين كان بوتين مسترخياً على كرسيه أمام شرفة منزله البلورية المطلة على نهر الفولغا، وبعد يوم طويل من التفكير، قال لنفسه بصوتٍ مسموع: ويلٌ لأمةٍ ليس فيها أمثالك، يا فلاديمير، إنك تجعل حتى الكذب ثروةً، لكنه تذكّر فجأة مثل التوابل الهندية، وانتابه شعورٌ بالخوف من أن تغزو الأمم الخارجية روسيا للسيطرة على ثروة الكذب فيها، لكنه ضحك، وقال: هذا منتج لا يشتريه سوى العرب، وهم يشترون الوهم أيضاً. وفجأة صرخ على خادمه، قال له: من الآن، لا ترموا شيئاً من أحذيتي وملابسي الداخلية القديمة، حتى فضلاتي احتفظوا بها فثمّة من يشتريها.

… نشرت وسائل إعلام عربية أن عواصم عربية عديدة تلقت تطميناتٍ روسيةً من أعلى مستوى، تؤكد جدّيتها في تقليص النفوذ الإيراني، العسكري والسياسي، في سورية في مقابل أن يستأنف العرب نشاطهم الدبلوماسي في أسرع وقت مع نظام الأسد.

العربي الجديد

روسيا في سوريا: الرقص مع الجميع/ شعبان عبود

يخطئ من يعتقد أن وراء كل هذا الحضور الروسي الطاغي في الشرق الأوسط دهاء وقدرات مميزة للرئيس فلاديمير بوتين أو قدرات سياسية براغماتية كبيرة لموسكو. جلّ المسألة يتعلق بانكفاء أميركي تأسس في حقبة الرئيس الأسبق باراك أوباما، واستمر لاحقا مع الرئيس الحالي دونالد ترمب، وذلك بالرغم من كل الانتقادات التي وجهها فريقه، وما يزال، لسياسة أوباما الخارجية، وتحميله مسؤولية ما آلت إليه الأمور في سوريا والعراق وغيرها من المناطق.

لقد بدأ الانكفاء الأميركي منذ حملة الانتخابات الرئاسية الأولى للرئيس أوباما، والتي قامت على عهود قطعها للجمهور والناخبين بسحب القوات الأميركية من العراق وأفغانستان، وإخراج الاقتصاد من أسوأ أزمة مر بها منذ أزمة الانهيار الاقتصادي 1929. وخلال ثمانية أعوام قضاها أوباما في البيت الأبيض، شهدت السياسة الخارجية الأميركية في الشرق الأوسط انحسارا كبيرا، وخاصة في العراق، حيث فضّل أوباما عدم إزعاج إيران مدفوعا بطموح التوصل إلى اتفاق “تاريخي” يضع حدا لبرنامجها النووي. وهو ذاته الطموح الذي جعله ينكفئ ويتردد في دعم الانتفاضة الشعبية ضد النظام السوري، أو انتهاج سياسة تزعج إيران، و تلبي تطلعات السوريين في إسقاط هذا النظام.

لقد استخدمت إدارة أوباما الحرب في سوريا كورقة تفاوض مع الإيرانيين حول برنامجهم النووي، ولم تكترث كثيرا للنتائج الخطيرة المترتبة عن استمرار الصراع. وتسبب نهج “القيادة عن بعد”، الذي اتبعه أوباما في سوريا، وغياب إستراتيجية واضحة إزاء النظام والثورة الشعبية ضده،  تسبب كل ذلك بتكريس حالة من الشلل في السياسة الأميركية إزاء سوريا، وملفات عديدة في المنطقة مثل اليمن، كان أبرز تجلياتها حضور إيراني وروسي متزايد، وتوترات في علاقة واشنطن بأبرز حلفائها في المنطقة، وفي مقدمتهم تركيا والسعودية، اللتان لم تترددا في طرق أبواب موسكو كلما سنحت لهما الفرصة للتعبير عن غضبهما إزاء واشنطن.

حتى إسرائيل ذاتها، وهي أقرب حلفاء واشنطن، وجدت أن لا مفر من التنسيق الدائم مع روسيا، وقد شهد العامان المنصرمان عشرات الزيارات والاتصالات الهاتفية لكل من الرئيس التركي ورئيس الوزراء الإسرائيلي مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

حتى حلفاء الولايات المتحدة التقليديون في منطقة الخليج العربي، شعروا بانحسار الدور الأميركي وزيادة الحضور الروسي وفاعليته

حتى حلفاء الولايات المتحدة التقليديون في منطقة الخليج العربي، شعروا بانحسار الدور الأميركي وزيادة الحضور الروسي وفاعليته، حيث استطاعت موسكو بناء علاقات اقتصادية قوية مع السعودية، وعملت على زيادة علاقاتها التجارية مع قطر وباعت أسلحة بمليارات الدولارات للإمارات العربية المتحدة.

لقد برهنت روسيا خلال السنوات القليلة المنصرمة، وخاصة بعد 2015، حين تدخلت لإنقاذ النظام السوري الذي كاد ينهار في أية لحظة، أنها حليف يمكن الوثوق به والركون إليه، بعكس الولايات المتحدة التي بدت أنها مستعدة للتخلي عن حلفائها وأصدقائها الشرق أوسطيين، وخاصة بعد دعمها للثورات الشعبية التي حصلت في كل من مصر وتونس وطلبها من رئيسي البلدين التنحي عن السلطة.

وخلال الفترة التي تلت مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي في القنصلية السعودية في إسطنبول بتركيا، سعت موسكو للنأي بنفسها عن الولايات المتحدة، وغالبية الدول الغربية التي أدانت الجريمة وحملت السلطات السعودية مسؤولية الجريمة، لا بل هي ذهبت بعيدا، وبدت كما لو أنها تمدّ حبل نجاة لها، حين رحب فلاديمير بوتين خلال قمة العشرين الأخيرة في بونس آيرس بالأرجنتين، بولي العهد السعودي محمد بن سلمان وصافحه وتضاحكا مطولا، في وقت كان العالم يشجب الجريمة، ويتهم السلطات السعودية بتورطها فيها. لقد بدت موسكو أنها جاهزة أبدا لتلقف كل الحلفاء التقليديين للولايات المتحدة وجاهزيتها دائما للاستفادة من كل الثغرات والخلافات الثنائية بينهم وبين واشنطن.

ولعل أكثر تجليات الحضور الروسي وبراعته في إدارة التناقضات لصالح موسكو، يتجلى في سوريا، حيث تحافظ روسيا على “علاقات وظيفية مع جميع الأطراف ذات الصلة داخل البلدان والمنطقة، بما في ذلك مع الأفرقاء الذين قد يعتبرون بعضهم بعضاً ألدّ الأعداء” حسب  “ديميتري ترينين” مدير مركز كارنيغي في موسكو، الذي يعتقد أنه يجب نسيان  أمر “الأيديولوجيا والقيَم الأخلاقية العالية التي يُنادى بها في أوروبا والولايات المتحدة”، فالشرق  الأوسط حسب رأيه “منطقةٌ صُنِعت للسياسة الواقعية الكلاسيكية”.

ولعل أبرز تجليات “الواقعية السياسية” التي تنتهجها روسيا، تتمثل في طريقة إدارتها للصراع في سوريا، الذي خرج منذ فترة طويلة عن كونه صراعا داخليا بين النظام وخصومه المعارضين، وأصبح صراعا إقليميا ودوليا واضحا، وإن بالوكالة. 

ففي سوريا، تدعم موسكو سياسيا وعسكريا النظام السوري، وبنفس الوقت فتحت خطوط اتصال وتواصل مع خصومه في المعارضة، وعملت على استضافتهم في موسكو أكثر من مرة، كذلك تحتفظ بقنوات اتصال مع قوات كردية سورية مدعومة من واشنطن، وتسعى إلى التوصل لتفاهمات بينها وبين النظام السوري من جهة، وبينها وبين أنقرة من جهة أخرى.

كما تحافظ موسكو على علاقات قوية مع إيران، وتقف معها في نفس الجبهة الداعمة للنظام السوري، بنفس الوقت الذي تنسق فيه مع إسرائيل عسكريا، وتتغاضى عن الضربات الجوية التي توجهها الطائرات الحربية الإسرائيلية للمواقع والجنود الإيرانيين في سوريا.

وأيضا، استطاعت روسيا أن تكسب ثقة الأتراك والإيرانيين، وتجمعهم في مسار سياسي حول المسألة السورية هو مسار “أستانة”، رغم تناقض المصالح والأهداف بين كل من روسيا وإيران وتركيا في سوريا.

كذلك، ورغم التنسيق العالي المستوى بين موسكو وطهران وأنقرة، فإن روسيا تسعى للجم التمدد الإيراني في سوريا، والبقاء متيقظة إزاء الطموحات التركية. وفيما يخص لجم التمدد الإيراني في سوريا، حصل أكثر من مرة أن تدخلت موسكو عسكريا ضد وحدات إيرانية، مثل تلك المواجهات المسلحة في ريف حماة الغربي والتي تسببت بسقوط عشرات القتلى والجرحى بين الفرقة الرابعة حليف طهران من جهة والفيلق الخامس المدعوم روسياً من جهة أخرى. كذلك أشارت تقارير إلى أن روسيا مارست ضغوطات كبيرة على الفروع الأمنية في محافظة درعا جنوب سوريا بسبب تسهيلها عمل “حزب الله” بالمنطقة.

أما فيما يخص التيقظ الروسي إزاء طموحات تركيا في سوريا، فقد أعلنت موسكو على لسان وزير خارجيتها سيرغي لافروف رفض بلاده المقترح الأميركي بإقامة منطقة آمنة شمال سوريا، وشدد على أن الجيش السوري هو مَن يجب أن يسيطر على شمال البلاد، قائلا إن “الحل الوحيد والأمثل هو نقل هذه المناطق لسيطرة الحكومة السورية وقوات الأمن السورية والهياكل الإدارية».

ومن الواضح أن موسكو تخشى من دور تركي كبير مدعوم من واشنطن في هذه المنطقة، خاصة وأن التنافس الأميركي -الروسي على كسب تركيا في سوريا ما يزال قائما، في وقت تعي أنقرة تماما هذا التنافس وتسعى لتحقيق مكاسب من الطرفين تساعدها في ترسيخ دور إقليمي أساسي في المعادلة السورية بما يتوافق مع مصالحها القومية ويبدد هواجسها الأمنية.

وخلاصة القول، إن روسيا اليوم، وفيما يخص سياستها الشرق أوسطية، تسعى للرقص مع جميع الأطراف المتخاصمة، دون أن تعطي إشارات بالصداقة الكاملة مع طرف على حساب آخر، وأيضا دون إعطاء إشارات بالعداوة الكاملة مع أحد. إن هذه السياسة تعكس فنا متميزا في إدارة الصراع، ومهارة فائقة في الحفاظ على حضور كبير في كل الملفات، تماما مثل التاجر الماهر الذي يوزع أصوله وأمواله هنا وهناك وليس في سلة واحدة. لكن قد يكون المأخذ الوحيد على هذه السياسة، أنها لن تصنع حلفاء دائمين لموسكو، لأن جميعهم يدركون أنهم لن يحصلوا على كل شيء يريدونه منها، ولأنهم يدركون أن الاقتراب منها أفضل بكثير من تجنبها ومعاداتها.

تلفزيون سوريا

مأزق الثقة قد يعيد خلط الأوراق في الأزمة السورية/ إيفا كولوريوتي

لطالما كانت التراجيديا اليونانية القديمة مليئة بالخيانة وكسر الثقة بين الحلفاء، فكما كادت أثينا واليونان عموماً أن تسقط بأيدي الإمبراطورية الفارسية بسبب خيانة إفيالتيس لملك أسبرطة، استمر هذا المشهد يؤرق الممالك والدول ليومنا هذا، فحليف اليوم قد يكون عدو الغد، هذا الكابوس الذي تعيشه طهران مؤخراً دفعها لفقدان السيطرة والتسرع في تحركاتها عموماً وفي سوريا خصوصاً.

فمع بداية عام 2017 وفي ظل التراجع الميداني الواضح لقوى الثورة السورية وتهرب حلفائهم من وعودهم كان السؤال الأهم للمثقفين السوريين المعارضين في وقتها هو هل هزمت الثورة ؟ فكان جوابي لأحد الأصدقاء واضحاً: إن الثورة خسرت أصدقاءها الوهميين وربحت درساً بالثقة فيما كسب الأسد انتصاراً عبر عضلات حلفائه وسقوطه سيكون عبر حلفائه أنفسهم.

في البداية يجب التأكيد أن الوجود الإيراني الميليشياوي في دول المنطقة كان ولايزال مرتبطاً بشكل أساسي بالخراب وعدم الاستقرار ضمن هذه الدول. ففي العراق وخلال تجربة الستة عشر عاماً الماضية لم يعش هذا البلد يوماً من الهدوء، وكلما خرج من مطب دخل في عقدة جديدة لها بصمات طهران. وفي سوريا تستعمل طهران الخطة نفسها فاستمرار دائرة الصراع هناك هي البيئة المثالية للوجود الإيراني وأي حل سياسي دولي حتى إن أبقى على الأسد سيعني خسارة مستقبلية لطهران. هذه النظرة للواقع تدفع إيران بشكل مستمر لخلط الأوراق عند أي مأزق ، وما يحدث في الداخل السوري منذ نحو شهرين من تحركات عسكرية إيرانية هي برأيي الشخصي بداية منعطف وخلق لأزمة جديدة.

عدم ثقة بين طهران وموسكو

مع بداية شهر ديسمبر/كانون الأول ومع تكرر الضربات الموجعة الإسرائيلية تجاه الوجود الإيراني في سوريا عموماً والجنوب السوري خصوصاً نشأت حالة من عدم الثقة بين طهران وموسكو، فالروسي الذي أكد مراراً وتكراراً تنسيقه مع تل ابيب في ضربتها ضد الداخل السوري لم يمنع هذا التنسيق أو يحد من الغارات الإسرائيلية، كما أن منظومة اس 300 التي وعدت موسكو بإعطائها للأسد اقتصر وجودها ضمن الغرب السوري حيث الوجود العسكري الأهم لموسكو. ومما زاد من الطين بلة لطهران وايديولوجيتها في الأزمة السورية ما صدر عن واشنطن بالانسحاب من سوريا مما قد يضيف مطبات أخرى بين أصدقاء أستانة ويحول الشرق السوري من نقطة التقاء بين تركيا وإيران وروسيا ضد الوجود الأمريكي هناك إلى نقطة خلاف قد تعقد المشهد أكثر.

طهران رأت بشكل واضح ومن خلال المعلومات الواردة من الداخل السوري على أن القرار الأمريكي قد يسرع من الحل السياسي في سوريا، وبالتالي أي حل موجود على الطاولة سيكون أحد أهم بنوده الانسحاب الإيراني من الداخل السوري، كما أن موسكو اللاعب الدولي الأهم هناك مع خروج واشنطن لن تكون أمام خيار بديل لفتح باب إعادة إعمار سوريا من قبل الغرب والخليج سوى تقبل فكرة دفع طهران خارج الحدود.

هذه الحتمية دفعت بطهران لزيادة وجودها العسكري في سوريا أكثر فأكثر، فحسب ما نشره موقع (دبكا) المقرب من الموساد الإسرائيلي فإن الحرس الثوري الإيراني بقيادة قاسم سليماني دفع بما يزيد عن 10 آلاف مقاتل تابعين للحشد الشعبي العراقي نحو الحدود الغربية العراقية مع انتظار الوقت المناسب للتقدم، كما أن الضربة الإسرائيلية الأخيرة وما نشر من تفاصيلها وحول الأهداف من ورائها تؤكد بما لا شكل فيه أن طهران بدأت تجهز مواقع عسكرية خاصة بها بعيداً عن الأعين الروسية في محيط دمشق والجنوب السوري بشكل يوحي بأن طهران إذا ما اضطرت ستتجه نحو خلط الأوراق في سوريا بعيداً عن الرأي الروسي أو مصلحة نظام الأسد.

إشعال الجبهة السورية

قد تكون ترجمة عدم الثقة بين موسكو وطهران في الوقت الحالي هو ما يجري في ريف حماة الغربي من جهة والحالة الاقتصادية التي تعيشها مناطق سيطرة الأسد من فقدان للمحروقات من جهة أخرى. فحسب مصادر محلية من ريف حماة لاتزال الاشتباكات مستمرة منذ أسبوع مع سقوط عشرات القتلى والجرحى بين الفرقة الرابعة حليف طهران من جهة والفيلق الخامس المدعوم روسياً من جهة أخرى. السبب الظاهري لهذه الاشتباكات هو نفوذ ميليشيات غير منضبطة، والسبب الحقيقي خلفها هو تدافع بعيد عن العلن بين موسكو وطهران، وأزمة المحروقات التي بدأت تشعل الشارع السوري المؤيد فهي لإجبار الأسد على الاختيار بين إيران وروسيا.

لطالما طالبت موسكو وأكدت على ضرورة الوجود الإيراني في أي مفاوضات تخص الأزمة السورية إلا أن اتفاق سوتشي الذي حدد مصير آخر قلاع الثورة في إدلب ومحيطها صاغته موسكو وأنقرة بدون الاستشارة الإيرانية. وفي المنحنى نفسه كانت قمة موسكو بين بوتين واردوغان حول الشرق السوري وتفاصيل المنطقة الآمنة المزمع إنشاؤها هناك بعيداً عن الرأي الإيراني لمستقبل هذه المنطقة الهامة والغنية بالنفط والغاز والموقع الاستراتيجي مما يؤكد على الشرخ الحاصل بين حلفاء ديكتاتور حي المهاجرين.

وعلى ما سبق فإن طهران ستكون مضطرة في لحظة ما أن توسع دائرة الصراع في سوريا كمحاولة لقلب الطاولة أمام أي مخطط يلغي وجودها هناك. والمرجح أن يكون الاختيار بين طريقين، الأول هو إشعال الجبهة السورية مع تل ابيب عبر ميليشياتها متعددة الجنسيات هناك ولهذه الخطوة إيجابية أخرى قد تفتح نافذة مع إسرائيل عبر انهاكها ودفعها للقبول بمخرج ينهي العقوبات الاقتصادية الأمريكية. أما الخيار الثاني فقد يكون على حساب الأسد والتجربة اليمنية كمثال. الأيام المقبلة من المرجح أن تكون ساخنة في سوريا وقد تصل شظايا قنابلها لما هو أبعد من البوكمال شرقا ومن الديماس غرباً.

محللة سياسية يونانية مختصة بشؤون الشرق الأوسط

القدس العربي

أنظر ملف صفحات سورية السابق عن:

عن الصراع الروسي الايراني في سورية -مقالات مختارة-

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.