مقالات

عشر سنوات على رحيل بسام حجار


مع بسام حجار (1 كانون الثاني/ يناير 1955 ـــــ 17 شباط/ فبراير 2009)، لم يكن الشعر مهنة أو فنّاً، فيمكننا بذلك أن ننصب ميزاناً للمفاضلة بينه وباقي المهن والفنون، بل تحول إلى ما يصفه روبرتو خواروث بالـ «مهنة الأساسية». فالقصيدة هنا تهرب من كل تعريف تقني ممكن إلى نوع من الكشف، شيء ما يضيء للإنسان ما في داخله، أو ذلك «السَير» الذي يصنع الطريق على رأي أنطونيو ماتشادو. شعر بسام حجار ليس بالزخرفة أو بالأحاجي اللغوية أو بالإستيتيقا، بل هو أقرب إلى المعنى اليوناني للكلمة الذي يقرنه بالفعل أو التحقق. الفعل هنا ليس بكتابة معينة في عالم يطوف بالمكتوب، بل هو التماثل مع الحياة ذاتها، مع الكائن الأساسي في داخله الذي يعطي للشعر روحاً تجعله أسمى من كل مقايسة وأعلى من كل مفهوم، إلى ذلك الجوهر الفريد الذي يستحق اسم المطلق.

مقتطفات شعرية ونقدية ـــ تقديم واختيار: رشيد وحتي

إنّكَ، يَا بسّام، تحيا مِن بعدها

كتابة بسام حجار كتلة واحدةٌ؛ شعراً، ترجمةً، وتعليقاً عليهما، أي نقداً. كتابةٌ يوحدها الأسلوب والنظرة الوجودية اللذان يجعلان من النص والحياةِ مساراً واحداً. كتابةٌ أساسُها تقشّف معجميّ وبلاغيّ، بل وحتى في حيز المكان، كما لو كانت لوحةً تكعيبية، إذ تجري — إنْ حَقَّ لنا القول بأنَّ في شعر بسام حَدَثاً — في أماكن مغلقة، ممرات، غُرَف نصف مضاءة أو فاترة الضوء، أركان جدران مقشَّرة، حتَّى حَقَّ لصديقه الحميم وأحد الذين عثروا على مفاتيح قراءته، عباس بيضون، أن يُسْمِّيَ شعرَ وشعرية بسام حجار بِـ «شعر البيت». تكاد القصيدة بذلك تكون مغلقةً على نفسها كحالة وجودية وكعبارة ذات نَفَسٍ واحد لا تشوبها شائبة، كأنها كانت في بحث عما أسماه ڤالتر بنيامين بـ«اللغة الصافية»، وما يسميه بسام بـ«نثر النثر». ذلك أن كتابتَه عابرة للأنواع والأشكال الأدبية، بحيث تنتفي الحدود بين الشعر والنثر، وعليه تُشَكِّلُ الاقتباسات الاستهلالية لنصوص الشاعر مفتاحاً أساسياً من مفاتيح قراءته، فغالبيتها مأخوذة من الكتب المقدسة (أناجيل، قرآن) أو من التراث النثري/ الصوفي/ السردي العربي، وهي بالذات روافد حاولت، أسلوباً ووجوداً، نفي ثنائيات النظم/ النثر، الأثر الفني/ الحياة، اللغة العالية/ العادية.. بهذا الحِسِّ، ولأن بسام حجار كتابة لا تتجزأ، قمنا، ها هنا، بانتخاب نصوص من جميع مجموعاته الشعرية، وضعنا على رأسها شذرات نقدية/ نظرية تُكَثِّفُ رؤية الشاعر للشعر، للقصيدة، لماهية حرفته في الكتابة؛ يليها مقال نقدي له حول تلقي الشعر عربياً. يحتفي ملحق «كلمات» في هذا الملف بالذكرى العاشرة لرحيل بسام حجار، وبمناسبة إصدار منشورات «الرافدين/تكوين» لأعماله الشعرية الكاملة، الذي شَكَّلَ أهم حدث على مستوى النشر خلال المرور من السنة الماضية إلى السنة الحالية. لا يفوتنا، هنا، أن نشكر السيد محمد هادي، مدير «دار الرافدين»، الذي وضع رهن إشارتنا المادة الخام لقصائد بسام حجار، التي سهلت علينا استخراج منتخبات شعرية منها.

«كلّ الأشياء الّتي أراها، سوف تحيا من بعدي» (أنّا أخماتوفا)

«مشاغل رجل هادئ جدّاً ــ 1980

فانتازيا

1. ينهض القلب بأعباء القلب/ كبغال المهرّبين.

2. يدك على صدري/ ماذا تقول الأصابع؟/ تنحني على تعبي/ كجارية.

3. أطرق باباً/ أشحذ تفاصيل نومك كالغرباء.

4. أحبّك/ وأحبّك أيضاً.

5. يدك مرة أخيرة./ أعاشر أسنانك البيضاء سيدة الحمائم.

6. لم يبق لي غير أحزاني البلاستيكية.

7. يستطيل صوته كالهراوة/ فقط حين يحزن/ أعني: دائماً يحزن..

8. غداً سأحاول أن أحبّ وجهي/ في المرآة.

9. كلّما أحببتكم تزدادون موتاً/ ربّما/ لأنّ محبتي غراب.

10. لن أكتب لكم،/ لأنّ أصابعي القليلة/ تنام،/ ضجراً،/ في شعري المتسخ.

11. من يقرع طبول الصدغين/ أنا/ والشرطي/ يتخاصمان محبتي.

12. هذه هي المرة الأخيرة الّتي أكتب فيها/ أنّ حزني طويل كشارع مقفر./ المرة القادمة،/ ستكون الأخيرة أيضاً،/ أنّ حزني طويل..

«لأرْوي كمنْ يخاف أن يرى» ــــ 1985

1. المائدة

نضع قلوبنا على الطّاولة

عنْدما

نأْتي في العزلة

كالخطايا.

■ ■ ■

نغيب في ساعة من الضّحك

والأفكار

كأنّ فكْرة البيت تصنع المساء

كأنّ فكْرة الملح تصنع

الْمائدة.

2. الأخطاء

كم جسداً لك في الخزانة.

كم ضحكة في الْأدراج

■ ■ ■

ما الّذي يجعل نومك

هادئاً

مثْل تفّاحة

تنْهضين

يطْلع الصّباح من السّرير.

3. الرّواق

عندما أتى المساء الصّديق

وجلس أمامي يدخّن غليونه الكبير

لمْ أقل شيئاً.

كانت الجدران تحدّث نفسها

عن التّعب والْوقت

والْغرفة الباردة.

كان الرّواق يتثاءب من فمه

الْمربّع.

4. التّمْثال

لم تكن الْأمكنة مريحة

لذلك لمْ يدْخل من الباب الأماميّ،

لم يشرب النّخب الأوّل

والنّخب الأخير،

كان يسير إلى زاوية ضيّقة،

يصل كأنّه لم يغادر

كان ساهماً.

التّمثال

في اللّيلة الماضيّة.

5. جدار

شخص

من الحجارة والكلس

تفضحه الرّطوبة

والشّقوق

كمن يتكلّم في نومه.

6. الساعة الفارغة

لا رداء يمنع الغفوة والظّلال

ينتظرك صمت

والشّموع على المائدة

أعمق من بحر.

هل يكفي أن تحبّهم

لكي لا تتْبعك

أرواحهم كالمصابيح؟

لم يعد وقت في ساعة الحائط

لا ثمر ينضج

لا شيء يموت.

«فقط لو يدك» ـــــ 1990

1. قدمك العارية

قدمك الصغيرة العارية

تستأْنف الألفة بين الغرف

في وحشة الممرّ الطويل

قدمك الناصعة

مثْل أوّل الصداقة

2. نجلس على الحافّة القريبة لألفتنا ونفكّر [مقطع]

[إلى عبّاس بيضون]

وأذكر

أنّني، ملْتصقاً بك،

كنْت أسير لكي أعطيك رسالتي الأخيرة

أنّك، ملتصقة بي،

كنْت تبحثين عنيّ،

لكيْ تجدي أنيّ على الكرسيّ

ما زلت

أنْتظر أن يجدني أحد.

3. غرفة الْخادمات

جدْران متقابلة في مساحة مسْتطيلة وضيّقة. طاولة وكرْسيّ وسرير. لوهْلة تظنّ أنّ كلّ شيْء هنا؟ الرّطوبة بمقْدار ما تحْتمل والضّجر أيضاً. لكي تشغل نفسك ترتّب السّرير، تدْفع الْكرْسيّ في اتّجاه الطاّولة. تفْتح كتاباً وتتْركه، بمفْرده، هناك. تصنع لنفسك قهوة. ويبقى لك في اللحظات المقبلة، حين تضجر، أن تصنع لنفسك القهوة مرّة ثانية. إذ لا شيء يمنعك من استخدام الوقت كما تشاء. فالأشياء جيّدة هنا. والْوقْت أكْثر مما تظنّ. لكنّ الناّفذة ليست هنا. أعني ليست على هذا الجدار أو على الجدار المقابل. ليست على الإطلاق.

غداً سأخبر العجوز جارتي أنّني في حاجة لنافذتي. وأنّني بدل الكوّة التي في السّقف، أريد نافذة ودرفتين وأصاً للنّبات، وربّما سحابة وطرف مبنى مقابل وعابرين بثياب الشّتاء الداكنة.

«صحبة الظلال» ــ 1992

1. الحشد مرّة ثانية

لو يستطيع هؤلاء، أعني كلّهم: أصدقائي وأعدائي، أولادي وهيئات الصيانة والخدمات، نساء البرّ ورجالات الدّموع، شاحنات المؤن والأكياس والأوراق الصحيّة.. لو يستطيع هؤلاء أن يبتعدوا قليلاً، أشعر أنّني وحدي وأنّ صدري يضيق. ويصعب عليّ أن أتنفّس. لا أدري ماذا يحدث في الأمكنة التي أعرفها وتلك التي لا أعرفها. سأطلب من أصدقاء لي أن يرفعوا عن صدري هذه الحشود. سأطلب منهم أن يقتلوني، أو أن نسكر معاً حتى السنة القابلة.

2- وصف لرجل ممدّد على الأرض

كنت ممدّداً على البلاط. طرف الكنبة (أو حافة السرير) مرتّب وخال. كرسيّ شاغر واحد في وسط الغرفة. كوب فارغ على الطاولة الصغيرة. علبة سكائر فارغة. عدد من صحيفة الأمس مطويّ وموضوع على الطرف. لم تكن تبتسم. كنت بارداً وشاحباً كأنّك نزفت كميّة كبيرة من الوقت.

كنت ممدّداً والنافذة وراءك وأمامك الحائط وإلى جانبه الباب. كانت الغرفة مضاءة. منظر طبيعة صامتة.

«مهن القسوة» ــــ 1993

1. الألم

«لا ليس أنا، إنّه غيري من يتألّم.

مثل هذا الألم ما كان في طاقتي واحْتمالي».

(آنّا أخْماتوفا)

2. الألم

إبرة تسحب الخيط

بين التّخاريم

أصابع توْمئ

ويد تقلّد ظلّها

على الجدار.

لا الرشاقة

بل الْألم.

3. الْألم

ما لا يقال

إلّا

همْساً،

لا الألم،

بل مكانه بعد أن يزول،

مكانه الّذي له

يبقى موجعاً

لشدّة ما يزول.

4. تشبيه

السروة أيْضاً

هي

الوحشة

مثلما

الحصاة

هي الصّمت.

تشبيه فحسب.

«مجرّد تعب» ــــ 1993

– سوف تحيا من بعدي

أغْبطك نعمة الخشب، نعمة النسيان، أيها الباب.

سوف تحيا من بعدي.

وسوف تسألك الأيدي، برقّة الأيدي وأنّاتها، عن الرّجل الّذي أغوته فراشة العزلات، في الدّاخل، وأغواه الصّمت الذي هو عبارة الغياب، والتّنفّس الأعمق لروح الأمكنة الشّاغرة.

أغبطك نعمة الحجر، نعمة الصّمت، أيّها المكان.

سوف تحيا من بعدي.

وسوف تسألك عيون العابرين، برقّة العيون وحيرتها، عن الرّجل الذي كان هنا لا يزال، قبل أن تهتدي إليه أطياف العابرين وتصحبه، في موكب الصّمت، إلى المكان البعيد. وسوف تراك عيون العابرين مقيماً على صدى الضّواحي، بين وعر وأشْواك، وتمرّ بك الأطياف كأنّك، أيّها المكان، ما كنْت يوماً إلّا لهف الرجل الذي كان هنا، حين يعود إليك بعد ترحال الأماسي، بعد أسفار الظّنون.

أغبطك نعمة الصّبر، نعمة أنْ تمْكث غفْلاً، أيّها المشجب.

سوف تحيا من بعدي. والقبّعة العتيقة، وفرْوها الْمسنّ والمعطف الذي لا يزال يكنز رائحة الشّتاء. لن تحمل عصاه بعد اليوم، ولا سترته المتعبة. وسوف تقف في الرّكن بين العتبة وباب الرّدهة. ولنْ يأْتي زوّار اللّيْل. ولنْ يأْتي زوّار الصّباح، ولنْ ينْتبه أحد إلى عنادك الْبنّي الداكن، إلى حضورك النحيل الذي يضاعف الشّغور من حولك.

سوف تحيا من بعدي. وسوف تحيا الأشياء ولا يزول منها إلّا العرض الذي رأتْه عينا الرّجل الذي كان لا يزال، العرض الذي أقامت فيه أعواماً هي الأعمار كلّها. وسوف يحيا الهواء من بعدي. والسكون الذي ينام في قلب الشجرة. والشجرة التي تنقّل ظلّها كالملك الخاسر. وسوف يحيا الكلب الجاثم فوق حرّ الظّهيرة والحصان الّذي يجرّ العربة وحوذيّها الضّرير، والسّلحفاة والضّفدع. والغراب والدّوري والهدهد. وسوف يحيا الوقت العاثر، والْأرملة والموظّف والشّاعر وصانع العجلات، وسوف يحيا الرجل الذي كان هنا ولا يزال، من بعدي. ومرّة في كلّ عام، في 13 آبْ 1955، يتْرك باقة من الزّنبق فوق الحجر الْأملس لوحشتي. ومرّة في كلّ عام، يشرب كأْساً لذكراي قبْل أن تزول. أغْبطك نعمة الزّوال، نعمة التّلاشي، أيّها الضّوْء.

سوف تحيا من بعْدي.

وسوف تنير النافذة بوهج من الأصباح التي لن يراها الرجل الذي كان هنا لا يزال، قبل أن يدركه شغف العتمة إذا أعتمت النّوافذ مثل قلبه، وإذا أعتم كمثل ما تعتم عينان كئيبتان. وسوف تنير الغرفة التي لن أكون فيها. والكرسي الخالي من جسمي القليل، والسّرير الخلو من أرقي، والورقة الّتي لم تكتب عليها قصيدتي، والوجنة التي لم أقبّلها هذا الصّباح، واليد التي لم أصافح، والألم الّذي ما اعتراني لأنّه جاء ولم يجدني، وسوف تحيا من بعدي.

أغبطك الألم، نعمة الْألم، أيّها الرجل الذي كان هنا لا يزال.

سوف تحيا من بعدي.

وذات صباح، في 13 آب 1955، سوف تجمع كلّ هذه الأوراق وتشعل النّار فيها. وبعد تفكير طويل، وبعد سير طويل بين النّواحي، سوف تعرّج على الرّخام الأملس المصلّي لنومي وتصنع باقة من الزّنبق العاجيّ. وتمكث هنيهة حائر اليدين، زائغ النّظرات، مرتبكاً.

أغبطك وفاءك، نعمة الوفاء، أيّها الرّجل الّذي كان هنا لا يزال.

مرّة في كلّ عام تأتي إليّ لتزور قبرك.

«معجم الأشواق» ـــ 1994

– مطهر العاشقين

وما شيء من دواهي الدّنيا يعْدل الافْتراق. ولو سالت الأرواح به فضْلاً عن الدّموع كان قليلاً. (ابن حزم الأندلسي)

لا يكون لقاء بيْن المحبّين إلّا جمعاً وانفراداً في وقت معاً. ولا يكون إلّا استئناف حال. كأنّ الوقت إذ لا يستقيم وقت إن خلا متّسعه منْ رفْقة المحْبوب — يتّصل بعْد انْقطاع وهنة. فالموْعد الغراميّ (والموْعد لغة هو عدة ووعْد) أمارة على أنْ ينيله المحْبوب نفْسه الّتي مكثتْ، فتْرة الانْقطاع، موزّعة على ما يشبه مطْهر العيْش. ويكون مطْهراً كلّ عيْش خلو من رفقة المحبوب. أما اللّقاء فهو تمام الرّجاء في أنْ يلْتمّ شمْل منْ باعد الافْتراق بيْنهما. فاللّقاء جمْع إذْ ينال المحبّ نفسه بعد غربة، وهو جمع لأنّه يقيم للوقت اتّصالاً، ويستأنف الصّلة بين المحبّين.

سوى أنّ اللّقاء انفراد في غمرة اجتماع ووسط جمع. ومردّ انفراد المحبَّين أنّهما على اجتماع شملهما ينصرفان عن كلّ ما عداهما. ويقيمان الصلة وسط الجمع على «إدمان النّظر» أو بالملاقاة ولو بغير التّمام، أي بالمماسّة، وبالعلامات الأخرى التي تفصح دونما تسمية كالبهت والرّوعة البادية أو حتّى في احْتسائهما شراباً، «شرب فضلة ما أبقى المحبوب في الإناء» (ابن حزم الأندلسي). أمّا إذا انتحى المحبان ركناً لهما، صار لقاؤهما جمعاً لانفرادين وعزلتين. فما ازداد الدنوّ يوماً إلا ازداد معه الولوع. والولع حال من علق الآخر بشدّة فلا يرضى الملاقاة بينهما إلا بالتّمام. والملاقاة بالتمام هي المداخلة، ومن بعض معانيها: الاحتضان والالتفاف والاشتمال والاكتناف والملابسة والمخالطة والتخلّل. ومنْتهى ما تصْبو إليه الاطمئنان إلى دوام حضور الآخر والتزامه (أي أنْ يلْزم حضوره حضور الآخر)، ولا سبيل إلى مثْل دوام هذا التحقّق إلّا بالمعانقة.

في عزلة المحبّين وانْفرادهما لا حاجة بهما للتّضْمين (إدمان النّظر والبهت والرّوعة البادية.. إلخ) عبْر علامات تستبعد كلّ ما عداهما وتقصيه عن كنف لقائهما. كما تزول الحاجة إلى تأكيد الصّلة بالعبارة إذ تبطل الرّغبة في الإدْراك تأوّلاً أو تصوّراً وتفكّراً. فيعانق المحبّ المحبّ أي يجعل يديه على عنقه ويضمّه إلى نفسه. وإذ يضمّه إلى نفسه يحضنه إليه، ويحضنه عن السّوى، أيّ ينحّيه عن أيّ صلة بالسّوى ويسْتبدّ به دونه. فالاحتضان، وهو المعانقة إذْ تدوم، طرْد للعناقة (الخيبة) والعناق (الشدّة، الدّاهية) واسترسال في طلب الوصل دونما شهوة. فالحضن هو الكنف من الإنسان، وإذ يكنف المحبّ المحبّ يصونه ويحْفظه ويحوطه ويكون منه يمنة ويسرة، فيجتمع لديه وفي كنفه، كأنّه يطيل أمد مخالطة الحواسّ وملابستها، وتخلّل الرقة في تبادل صامت للرغبة والدفء.

لا شيء في صلة المحبّين يولّد إحْساساً بالعزلة مثل المعانقة. إذ يستحيل كلّ لقاء إرجاء للحظة الوداع الوشيكة. هو افتراق مرجأ، أمده أمد اللّقاء، لذلك لا يني المحبّ، في حواره غير الموصول، يصف ما تكون عليه حاله في غياب المحبّ. فاللّقاء ليس سانحة أن يقول العاشق: هذه حالي عندما أكون برفقتك. بل سانحة أن يقول: هذه حالي عندما لا أكون برفقتك. وما يتّصل في حوار العاشق هو شجن الفقدان والبين والضنى والسلوّ فيقيم اللقاء على ذكر ما انقضى من حال الافتراق والمقبل منه، ويقيم رغبته على دوام الحرمان والنأي والألم. ولا استدراك ممكناً للوداع الوشيك، إلّا أن يحاكى مشهد الوداع متواصلاً بالعناق.

ليس من سويّة العقل ومنطقه أن يدفع الغياب بالغياب. فالعقلاء مدركون، والعاشقون سواهم.

«حكاية الرّجل الذي أحبّ الكناري» ــــ 1996

جلس قبالتي على الكرْسيّ وحدّق في وجهي.

لم يقل شيئاً.

■ ■ ■

قال لي: وجْهك متْعب. إنْ بكيْت أطْلقْت روحها من قلبك. أطْلقت روحها من عيْنيك.

وقال لي: ابْك، لكي تجلو عن عينيك مياه الغرق.

وقال لي: أراك طفلاً في الأربعين.

■ ■ ■

قال لها: أحضري لي قهوتي البيضاء ووعاء ماء ساخن وكثيراً من الملح.

قال لها: أضيئي الغرفة والرّواق وعتبة الباب.

ربّما جاؤوا واللّيل ليل.

وقال: ربّما جاؤوا.

«كتاب الرمل» ــــ 1999

– المعْجم (متبوعاً بالفهرس) في اثنتي عشرة مفردة

مفْردة: هي الحصاة التي توضع على مفترق أو درب في اتّساع لا درب فيه.

هي اللّفظ والمعنى وتقديرهما في مسكة الكلام وفي سياقه.

هي اللامعنى إن انفردت على مساحة بياض.

والمعنى إن اجتمعت في عبارة، مهما ضاقت العبارة؛ وفي سطر؛ وفي جزء. كتاب في مطلعه وعلى مشارف الختام.

■ ■ ■

غريب: من يرى شخْصه مبتعداً عنه، مطرقاً، محنيّ الرأس والكتفين.

وأمامه الطريق لا تفضي.

من يعرف الطريق جيداً ولا يعرف المقصد على الإطلاق.

■ ■ ■

درب: إن سلكتها لم تصلْ؛

إن خطّها سيْرك لم تصل؛

مجرّد وهم بصري. وفكرة.

مجرّد فكرة هي الدّرب.

■ ■ ■

حكاية: ما ترويه وتصدّق أنّه حقيقة

سيرتك الموزّعة على المفترقات.

حياتك التي يرويها رواة مختلفون ثمّ يجمعها الكتاب.

حياتك في الكتاب

■ ■ ■

ظلّ: غريب مثلك؛

وقد يكون معطف أبي

معلّقاً على المشجب؛

جسداً أقام… خارج العتبة؛

ظاهراً لا باطن له؛

تشبيه الغفل بالغفل،

مثلك غريب مثلي.

■ ■ ■

أبي: السرير من دونه.

الرّواق من دونه.

الكرسي الشاغر على الشّرفة.

■ ■ ■

صحراء: ما لا يوجد في الفهارس جميعاً.

ربّما فقط،

في قلب امرأة وحيدة،

في قلب رجل وحيد؛

■ ■ ■

رمْل: (انظر كتابه)

■ ■ ■

بئر: عينا ميت ترمقاني.

■ ■ ■

أثر: مدوّنة الرياح على صفحة الرّمل.

كمثْل شخص الخرافة يقيم في الشّفاهة والتّجوال والبدد.

زوال يعْتلمه حجر.

ليس هو المكان بل غيابه الآسر.

■ ■ ■

كتاب: تكرار العلامة في سطور؛ وتكرار السطور في ورقة وتكرار الأوراق في جزء.. إلخ

والعلامة أثر.

والأثر تكرار الزوال.

■ ■ ■

معْجم: ثبت بجملة المفردات وهي لغة المؤلف التي جعلت هذا الكتاب غير ممكن.

ثبت بما يسكت عنه.

«ألبوم العائلة» ـــ 2003

طرف مائدة

أطباق وكؤوس ما زالت نظيفة

أشخاص أعرفهم جيّداً

عند الزّاوية اليسرى، على الطّاولة

علبة تبْغ معدنيّة وقدّاحة من فضّة مطرقة قديمة

على العلبة مبسم سيكارة عاجيّ

وكرسيّ شاغر

كانوا في غيابه

ريْثما يعود

■ ■ ■

لمْ تغطّ المرايا

بأغطية بيض

عند رحيله

خشية ألّا ترْحل معه، قالوا

خشية أن يضلّ الطّريق، قالتْ

«تفسير الرّخام» ـــ 2006

مكان

ليس

هو المكان،

(رخام منير

مثل ضوء

ضوء معْتم

مثل الرّخام)

وكان أبي يبصره

في نومه،

فيبْسطه

— إذا استيقظ —

كما تبْسط الكفّ

ويفسّره

كما يفسّر المنام

كتابة حد الامحاء

In my way

حين أكتب النص أكتبه دفعة واحدة ولا أحذف منه أي شيء مهم وهذا الأمر أساسي في نظرتي للشعر نفسه، لأن التلقائية التي تصاحب السياق الشعري الأول جوهرية في تكوين النص الذي أكتبه وأشعر أنه في ما بعد لا يحق لي أن أتدخل كثيراً في تأديب النص، لأني أعتبر أن الكتابة تعبير عن تجربة عيش أكثر منها تمريناً لغوياً.

■ ■ ■

لا أعرف كيف أصنف النصوص التي أكتبها والتي تتراوح بين النثر الخالص (نثر النثر) وما يطلق عليه عادة صفة الشعر. كل ما أستطيع قوله أنني أكتب النص انطلاقاً من حاجة داخلية للقول وهذه الحاجة الداخلية هي التي تخلق إيقاعه، إذا كان له إيقاع، وترتيبه على الورق.

■ ■ ■

في كل ما أفعله أحاول ألّا أتعمد شيئاً، فقط أستأنس باللحظات، وأحاول أن أقترب قدر الإمكان من النبض الجواني الداخلي للأشياء والوقائع البسيطة المحيطة بعيشنا التي ترافقه وتصنع سياقه ومعناه. لا أسعى وراء العادي لأن حياتي عادية، ولا يتخللها تقريباً أي شيء لإطلاق مشروع ما، أو لتغيير ما، أو لرفض ما. كل ما هنالك أنني لحظة الكتابة أحاول أن أصغي جيداً لما يكمن وراء المظهر الرتيب، وعندما تصغي تتعلم أمراً أكيداً هو مقدار البلاغة الذي ينطوي عليه الصمت. كل ما أكتبه أعتقد أنه محاولة لإصغاء من هذا النوع، ثم استكشاف لا ما تقوله اللغة بل ما تضمره، أو لا تقوله، لذلك أحسب أنني خلال عشرين عاماً أو خمسة وعشرين عاماً ما زلت أكتب الشيء نفسه، ولا أحسبني استنفدته كله. عالمي في هذا الحجم، وما أريده فعلاً أن أستكشفه فيه ليس الاتساع بل العمق، حتى لو راوحت في متر مربع.

■ ■ ■

علاقتنا بما نبنيه في حياتنا أو نهدمه، علاقتنا بأولادنا، بعملنا، بقراءاتنا كلها، هذه أسئلة ملازمة لوجودنا اليومي وليس علينا أن نسعى وراءها في سعي استشرافي أو تنبئي أو رسولي. هذه الأسئلة تصدمنا كل يوم، تبقى طريقتنا في التعبير عنها، أي أن نتمكن من جعل الأجوبة كوى أو نوافذ على أسئلة جديدة، إضافة إلى أننا جميعاً مصنوعون من ثقافة شخصية، الثقافة بمعناها الأوسع جداً من القراءة والكتابة. الثقافة التي تشمل العيش بتفاصيله كلها، ولا بد من أن تظهر هذه المكونات الثقافية الشخصية في كل تعبير، لذلك قد أزعم أنني أكون أنا فعلاً عندما أكتب.

■ ■ ■

يقول كاتب فرنسي أحبه كثيراً إنه كتب مؤلفاته التي تربو على المئتين بعدة لغوية لا تتجاوز الثلاثمئة كلمة. وقبيل وفاته، عمد دارسون جامعيون إلى وضع قاموس خاص به، وتوصلوا خلال عامين من البحث في كتبه من وضع هذا القاموس الذي يتضمن 15 ألف مدخل لغوي جديد. هذا يعني أن مباشرة العالم تكون بالحواس وبالقليل القليل المتوافر من أدوات التعبير. في كتابي الأخير «كتاب الرمل»، أفردت في نهايته في نوع من اللعب المقصود معجماً لمفرداتي التي تتردد في كل أعمالي لأكتشف أنها لا تزيد عن 12 مفردة.

أعتقد أن 12 مفردة كافية لتسمية العالم وأشيائه. في مقترب أولي، وبعد ذلك في إمكان هذه المفردات أن تتوالد إلى ما لا نهاية. يجب أن نتذكر دائماً أننا أبناء ثقافة قامت وتقوم على الاشتقاق، على التوليد الذي ينجب حتى شقاقاً، هذا الشقاق هو العصب الفعلي لعلاقة الكاتب سواء أكان شاعراً أو ناثراً بالكتاب. فحين أكتب لا أكون أنا كلياً ولا أكون الآخر كلياً، نكون أنا والآخر مشتركين في حالة واحدة للتعبير. المعجم الضيق يتسع لما هو أكبر مني بكثير لأنّ المفردة في اللغة تتضمن على الأرجح عالماً قائماً بذاته، وليس علينا إلا أن نقصده باحثين، لكي نكتشف ما يختزنه من المعاني.

■ ■ ■

أراني الآن غير قادر على فهم التعبير إلا بصفته تعبيراً نثرياً محضاً، وأحسب أن هذا المفترق قد يكون خطراً وقد يليه صمت لعجزي عن الكتابة بطريقة أخرى، لكنه في الوقت نفسه درب جديد لأحاول أن أكتشفه بصرف النظر عن قبول الآخرين أو رفضهم، إنني أبحث عن شكل نثري خالص وقد يكون سردياً لقول ما اتضح لي أنني لم أوفق في قوله بعد، وقد يكون هذا الشكل هو الصمت. الصمت المطبق.

■ ■ ■

بالنسبة إلي «لسان العرب» لابن منظور أو «القاموس المحيط» للفيروز أبادي يشتملان على متعة سردية قد توازي أو ربما تتجاوز حكايات «ألف ليلة وليلة» لأنّ اقتفاء أثر الكلمات واشتقاقها هو في حد ذاته تتبع لسرد تاريخي اجتماعي لغوي قد يفوق أي رواية أو أي قصة تشويقاً.

■ ■ ■

أنا لا أكتب إلا وفي ذهني شخص ما يحثني على الكتابة أو شخص ما يدفعني إلى المخاطرة في التعبير له عن أحاسيس. لا أستطيع أن أكتب أحاسيس مجردة. حين أكون في حال عزلة، وهذا إحساس عميق، أكتب عن العزلة، وحين أكون عاشقاً ولا أراني لحظة في حياتي غير عاشق أكتب عن هذا العاشق، لشخص ما محدد وليس في المطلق. عندما أختبر تجربة الموت، فهناك دائماً شخص يموت ويدفعني إلى الكتابة. هناك أسرتي، أولادي، المرأة التي أحب، هناك أيضاً ثلاث تجارب للموت العنيف أمامي. لا أكذب عليك، فأنا ما زلت إلى اليوم تحت صدمة فقداني شقيقتي وهي في عز شبابها والتي توفيت أمام ناظري، وتجربة وفاة والدي التي دفعتني إلى اكتشاف من كان هذا الشخص الذي رافقني خمسة وثلاثين عاماً أو ثمانية وثلاثين عاماً من دون أن أعرفه، وهناك أيضاً تجربة موتي الشخصي بمعنى أني من جراء حادثة توفيت سريرياً لمدة ثوان ثم أنعشت وعدت إلى الحياة. هذه التجارب كان لا بد من أن أكتبها لأنها أصبحت المناخ الذي يمازج حياتي اليومية وعلاقتي بالآخرين والكتابة. أقول كل هذا لأقول ببساطة إنني لا أنطلق من أفكار بل من أحاسيس أحاول استكشافها لكي أفهمها أنا أولاً.

■ ■ ■

أحاول أن ألتقط ما يحجبه القول الشعري بين السطور أو أحاول أن أصوغ شعراً ما تضمنه النص النثري ولم يستطع قوله كله لأكتشف في الحالتين أنني أسعى وراء ما لا يقال فعلاً، وكانت النتيجة أن النص النثري كتب على هوامش القصيدة في الوقت الذي كانت فيه القصيدة تكتب على هوامش النص النثري.

■ ■ ■

الكتابة ليست سعياً وراء التفاصيل بل سعي وراء الفروق، سعي وراء ما يزول، وراء الهش، وراء ما هو ماثل أمامك، حقيقي أو ملموس، لكنك تعلم جيداً أنه لن يتريث طويلاً، إذ سرعان ما يتلاشى، ما يجعل عالمك ماثلاً على العتبة بين الوجود الحسي والملموس وبين التلاشي التام، أنا لا أجد موقفاً للحيرة على حد قول النفري أكثر من تعاطي الكاتب مع ما يبدو ملموساً، لكن كيانه ينسرب على الدوام باتجاه الغياب.

* المقاطع مجتزأة من حوار مع بسام حجار، أجراه الشاعر السوري صالح دياب، ونشر في «السفير»، بتاريخ 27/02/2009، العدد 11232. تشكل هذه المقاطع أساس حرفة الكتابة عند بسام حجار وجوهَرَ شعريته التي لا يمكن إلا أن تكون شذرية وموازية لكتابته، كما عند كل شاعر حقيقي.

فهْم ما لا يقال

منْ عناصر الافتراق بين منحيين لقراءة القصيدة ما يتّصل مباشرة بتعريف الشّعر وحده. وإذ تفترق القراءات وتسلك شعاب التأوّل فهي بذلك إنّما تؤكّد على أولويّة الاختلاف لا الاتّفاق. وبيان التّعريف المشكل زعم العرب أنّ الشّعر هو فعل وقول. أو هو التّعبير بالقول. وعندئذ تنقسم جمهرة المساجلين بين «لماذا لا تقول ما يفهم؟»، على غرار ما تبتدعه مصنّفات تدريس الأدب في مراحل التّعليم الثّانويّ، وما شاكلها من مراحل التّعليم الجامعيّ. ولمن يحسب أنّ عناصر هذا السّجال النّقديّ قديمة جاوزتها حداثة المحدثين، أن يسْتعيد النّقاش حول «الغموض» أو «الصّعوبة» في «الشّعر الحديث» للتّثبّت من أنّ الردّ المفحم المأثور عن أبي تمّام: «لماذا لا تفهم ما يقال؟»، لا يزال أداة الإفحام لمن يحسب أنّ وظائف القول شعراً تهبط إلى درك الشّبه بوظائفه نثراً. وفي كلتا الحالتين تردّ ماهية الشّعر إلى الإفصاح (نسب الفصاحة) والقراءة إلى «فهم» الْقول. والفارق البسيط، حين تكون الحالة الأولى طلب الإتيان بما يفهم من القول، والحالة الثّانية طلب الفهم لما يؤْتى به من القول. أي جلب لمادّة الكلام ومدركه.

وما يغيب في هذا كلّه حمل الشّعر لا على القول (بوصْفه فعْل قوْل، كما تقول العرب)، بل على الإمساك عنه والهمّ به على الدّوام. وإذا كان لا بدّ من السّؤال، ما دام السّجال أسئلة لا أجوبة، فيصبح على النّحو التّالي: «لم لا تفهم ما لا يقال؟». فلعلّ الجدوى، كلّ الجدوى، في إبراء حدّ الشّعر ممّا يكتنف فعل القول من لغو ورطانة. إذ يصعب إدراك معنى الشّعر حين يستنفذ بحدّ الإفصاح والإبلاغ والإيصال، أي تصريف الكلام على أصل واحد للمعنى، ويكفي أن يؤتى (من الكلام) بما يعبّر عنه، لأنّ الشّعر يصبح بهذا المعنى صنعة. وإذا كان الشّعر يقيم على صنعة الإنشاء بالقول فلكي يشير، بالمضمر، إلى أنّ عصبه ومتنه ومادّته بخلاف ما ينشئه الإنشاء. ذلك أنّ الشّعر هو ما لا يقال في معرض الإفراط في قوله. لأنّ ما لا يقال يبقى، هو وحده، بمنأى عن التّكرار والهذيان. لأنّ التّكْرار تصْريف للْقوْل على أصل واحد. والهذيان إفراط في القول وبذخ بالعييّ من معناه.

ربّما كان الشّعْر حدّ اسْتقْراء الصّمْت فقطْ.

* «مديح الخيانة» ــــ المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء/ بيروت ـــــ 1997، ص.ص. 15-16

 لم يكن لهذا الملف أن يكتمل لولا مساعدة السيدة نجلا حمود، أرملة الشاعر التي وضعت في تصرّفنا أرشيفها العائلي

ألخندرا بيثارنيك: قصائد ديانا (*)

ترجمة: بسام حجار

قفزت مني أَيْ ناصية الفجر.

تركت جسدي بقرب الضياء

وأنشدت حزن ما يولد.

■ ■ ■

هذي الصيغ المقترحة:

ثقب، جدار يرتعد..

■ ■ ■

لكن وقد قيل هذا:

من سيكف عن غمس يده طلباً لمعونة المنسية الصغيرة. سيعلن

البرد مذنباً، والريح مذنبة والمطر مذنباً. والرعد.

■ ■ ■

من أجل هنيهة عيش

خاطفة وفريدة تبقى (خلالها) العينان مفتوحتين هنيهة ترى فيها

الأزاهير الضئيلة في الدفاع راقصة مثل ألفاظ في فم أبكم.

■ ■ ■

تقفز مشتعلة غلالتها،

من نجم إلى نجم

من ظل إلى ظل.

تموت من ميتة نائية

عاشقة الريح.

■ ■ ■

ذاكرة ملهمة، رواق يسلكه طيف ما انتظر أشد يقيناً أن مجيئه

محتوم. ليس يقيناً أن مجيئه لن يكون.

■ ■ ■

الآن

في هذه البرهة الوادعة

أنا اليوم وأنا الأمس نجلس

على عتبة نظرتي

■ ■ ■

ولت تلك التحولات الوادعة لطفلة من حرير

كلها

غدت مسرنمة على جادة الضباب

يقظتها يد تتنفس

زهرة تختمها الرياح

■ ■ ■

أن أقول بكلمات من هذا العالم

أن زورقاً أَبْحَرَ مِنِّي وحملني معه

■ ■ ■

القصيدة التي لو أقولها،

هي القصيدة التي لا أستحقها.

ربما اثنان

على درب المرآة:

شخص ما راقد فِيَّ

يأكلني ويشربني.

■ ■ ■

شَيَّدْتُكَ دَارَكَ

ووهبت الريش لطيورك

وخفقت الريح بعظامك

أنجزت بمفردك

ما لم يشرع فيه أحد

■ ■ ■

عندما ترى العينان

أن وشوماً هناك

لي عيني

■ ■ ■*

ولدت بمقدار ومقدار

تألمت مرتين

في ذاكرة الهنا والماوراء

■ ■ ■

لي الليل

مرآة للميتة الصغيرة

مرآة رماد

■ ■ ■

نظرة تلقى من الكنيف

قد تكون رؤية للعالم

التمرد هو أن تنظر إلى الوردة

حتى دمار العينين

■ ■ ■

في الشتاء الخرافي

شكوى الأجنحة تحت المطر

في ذاكرة مياه أصابع الضباب

■ ■ ■

نطاق الأوبئة حيث النائمة تلتهم ببطء

قلب منتصف ليلها.

■ ■ ■

ذات يوم

ذات يوم ربما

سأرحل بلى دونما إبطاء

سأرحل مثل ذاك الذي يرحل

(*) عن الفرنسية، عن مجلة Le nouveau commerce، العدد 58، ربيع 1984. ولدت ألخندرا بيثارنيك في أبيلانيدا في ضاحية بوينس آيرس في 29 نيسان (أبريل) 1939. وتوفيت منتحرة في 24 أيلول (سبتمبر) 1973. درست الفلسفة والآداب في بلدها قبل أن تنتقل إلى باريس في فترة الستينات حيث أقامت صلات وثيقة بعدد من الشعراء والكتاب الفرنسيين والوافدين من أميركا الجنوبية. (هامش بسام حجار)

تينسي وليامز: العجوز الجالس على أريكته القديمة (*)

ترجمة: بسام حجار

يدلف إلى البيت كأنه يريد أن يحطم محتوياته دائما، إلا إذا كان الوقت قد جاوز منتصف الليل وأخمد الشراب وَقَدَ أعصابه. غير أن دخوله البيت في تلك الأيام، يختلف كل الاختلاف: كأنه مذنب، يكح قليلا، يتنهد أحيانا، يكلم نفسه كما قد يكلم المرء خصمه إثر سجال مطول وعنيف يستنفد الغضب لكنه لا يحل المشكلة. يخلع حذاءه في الصالة قبل أن يصعد إلى الطابق الأول حيث عليه أن يمر بباب أمي. وهي على الدوام لا تفوت عليها فرصة إعلامه بأنها سمعته بنحنحة مسموعة أو بآهة متحسرة: — أواه ! يا لبؤسي. وأحيانا أسمعه مجيبا: — أواه! يا لِتَعَسِي!، ويتابع طريقه إلى سريره الذي وضع على ما يشبه الشرفة المتصلة بغرفة أخي الأصغر داعين المتغيب، هذا اليوم بالذات، أواخر العام 1943، في مكان ما في برمانيا في عداد القوة المرابطة هناك من سلاح الجو الأمريكي. الحكاية التي سأسردها الآن تدور أحداثها في الفترة التي توفيت فيها والدة والدتي.

كان سلوك أبي حيال جدتي لأمي لا غبار عليه، غير أن سلوكه حيال جدي داكين كان مهينا إلى حد لا أظن معه أن ذلك العجوز ليحتمله لو لم يكن متحصنا دونه بإعاقة مزدوجة لكنه شبه أصم وأعمى.

في تلك الفترة كانت جدتي، برغم احتضارها، لا تزال تتمتع من نعمة البصر ما يتيح لها أن ترقب عودة أبي كورنيليوس إلى البيت، قادما من مكتبه، لتنبه زوجها إلى احتمال ظهوره في أية لحظة. كانت تسمع هدير “الستود بايكر” في الممر فتصيح مخاطبة جدي: — يا والتر، لقد وصل كورنيليوس!، وتحرص على الصياح بأعلى صوتها للتثبت من أن جدي، الجالس على كرسيه قرب الراديو، قد سمع جيدا، وكان ينهض عندئذ متثاقلا عن مقعده ويسير باتجاه السلم قاصدا غرفته. لكنه قد يبطئ أحيانا في سعيه هذا فتكون مناسبة للقاء حرج عند ردهة المدخل. — مساء الخير يا كورنيليوس، يبادر جدي إلى القول، ويكون محظوظا إذا تلقى جوابا هو عبارة عن: — نهارك سعيد، جافة، بدل الغمغمة المعتادة والنظرة الغامضة التي يحرجه بها كورنيليوس بعينيه المحتقنتين. لقد جاوز الثمانين ويعاني سَدًّا في كلتا عينيه، ويستغرقه صعود الدرج بمعونة زوجته، بعض الوقت. ولكن يحدث أن يتسلق والدي السلم قافزا درجاته أربعا أربعا خلف الزوجين المسنين وكأنه يريد أن يوقعهما في طريقهما. ما الذي يسعى وراءه: الشراب، طبعا! قنينة ويسكي مخبأة تحت سريره، عند الشرفة، أو تحت المغطس.

— حاذر يا والتر!

— اعذريني يا سيدة داكين! يغمغم والدي قائلا وهو يتابع اندفاعه على السلم لاهثا. يدخلان إلى غرفتهما ويغلقان الباب وراءهما. لا أسمع بالضبط ما يقولون غير أني أعلم أن الجدة تلوم جدي لأنه تريث قليلا في الطابق السفلي ولم يجنب نفسه ذلك اللقاء المهين. وما لا شك فيه أن جدي أيضا لا يرغب في مثل تلك اللقاءات البغيضة، لكنه منذ أصبح عاجزا عن القراءة، لم يعد قادرا على مقاومة إغواء الاستماع إلى الراديو في أوقات بث النشرات الإخبارية.

إنهما يعيشان معنا لأن حال جدتي الصحية تتراجع باستمرار. إنها تحتضر منذ عشرة أعوام ولا تزن اليوم أكثر من أربعين كليوجراما. والأحرى أن تبقى طريحة الفراش في غرفتها، أو حتى في المستشفى، غير أن جدتي عقدت العزم على أن تبقى واقفة على رجليها وأن تسهم في تدبير شؤون البيت. وهي تفعل إذ تتولى القسط الأوفر من أعمال الغسيل في القبو كما تصر على غسل الأطباق. ومهما رجتها أمي بأن تخلي عنها، فإن جدتي تصر بعناد على إفهام أبي بأنها لا تعيش بيننا عالة عليه. وإذا كنت قد عدت إلى البيت أواخر ذلك الخريف عام 1943، فلأن أمي كتبت لي ذات يوم: — لقد هجرت جدتك بيتها في ممفيس، فهي لم تعد قادرة على تدبر أمور البيت والسهر على جدك في وقت معا.

وبين سطور رسالتها أدركت أن أمي تتوقع وفاة جدتي الوشيكة، وأنه يترتب علي أن أعرج على سانت لويس خلال رحلتي بالباص من الساحل الغربي إلى الساحل الشمالي. ولهذا السبب أجدني هنا.

ذات ليلة من شهر نوفمبر أصل إلى البيت في ساعة متأخرة. وفيما أعبر الممر ألمح، عبر ستائر النافذة، جدتي وهي تطوف في أرجاء الصالة مثل هيكل عظمي مكسو بالملابس، فصعقت لمرآها مما اضطرني إلى وضع حقائبي عند العتبة والانتظار خمس دقائق ريثما أدخل. بقيت جدتي إلى مثل هذه الساعة المتأخرة وحيدة في انتظاري فقد ظن والداي أنني تابعت طريقي إلى نيويورك مباشرة على جاري عادتي في معظم الأحيان برغم وعدي بأنني سأعرج على البيت.

كانت تقلل من شأن مرضها وتفلح أحيانا في إقناع الآخرين بذلك. فقد احتفظت لي بطبق ساخن للعشاء وأبقت نيران المدفأة مشتعلة في الصالة.

ولم تلمح، من قريب أو بعيد، إلى إخفاقي في استوديوهات MGM في هوليوود وتجربتي المهينة ككاتب سيناريو، التي انتهت في غضون ستة أشهر.

أخبرتني جدتي أنها جاءت إلى سانت لويس لتعين إدوينا، أمي، المنهكة عصبيا والمضطربة حيال سلوك زوجها. فقد انصرف كورنيليوس إلى تعاطي الشراب بإفراط. وكانت أمي قد عثرت على خمس زجاجات من الويسكي تحت سريره وعدد آخر منها تحت المغطس! فقد تعرض منصبه كمدير للمبيعات في أحد فروع شركة شوسور لهزة عنيفة على إثر فضيحة مجلجلة: فخلال لعبة بوكر استحالت في النهاية إلى شجار، عمد أحد خصومة إلى قضم جزء من أذنه اليسرى، بل حرفيا، إلى قضم أذنه! فتوجب نقله إلى المستشفى حيث أجريت له جراحة عاجلة لزرع غضروف من أحد أضلاعه محل الأذن المبتورة. وبرغم التكتم الذي أحيطت به القضية فقد ذاعت تفاصيلها بين الناس، وأصبح السياج. مدير الشركة الإقليمي. ورئيس والدي المباشر، من ألذ أعدائه وعلى ذلك فقد يجد نفسه مضطرا إلى التقاعد المبكر تحسبا لصدور قرار بطرده من العمل. فيما عدا ذلك كل الأمور على خير ما يرام في البيت، ولم تسرد جدتي كل هذه القصص على مسمعي إلا لكي تخفف من الصيغة المبالغة من دون ريب، التي سأسمعها من أدوينا في الصباح الباكر. وعلى الأثر، ارتأت أن أصعد إلى غرفتي لكي أنام بعد هذه الرحلة الطويلة الشاقة. بلى! هذا ما يجدر بي أن أفعله، بالتأكيد! وكان من المفترض أن أنام في غرفة داعين وليس في ملاذي المفضل، أي السقيفة، لكيلا أصاب بنزلة شعبية هناك، وقد أجد سريرا لي في الغرفة، بأية حال.

لا يروق لي كثيرا أن أنام في غرفة شقيقي التي تفضي مباشرة إلى الشرفة حيث ينام أبي.

أدخل إلى الغرفة وأخلع ملابسي في العتمة.

جلبة غريبة تناهت إلى مسمعي من غرفة أبي. تأوهات، نخير، وشكاوي سكير متألم: — أواه: يا ربي يا ربي.

لم يكن يعلم أنني ما زلت صاحيا في الحجرة المجاورة ومن حين إلى آخر، كل نصف ساعة تقريبا، أسمعه وهو ينهض ويسير مترنحا ليأتي بقنينة الويسكي التي خبأها في مكان ما. ثم يخاطب نفسه شاكيا: — يا لِتَعَسِي.

أخيرا، ابتلع منوما. ويغلب التعب على توتري العصبي وعلى ذلك المزيج من مشاعر التقزز والإشفاق حيال أبي، كورنيليوس كوفى وليامس، بَشِيرِ الإنترناشيونال شوسور في المسيسبي، الذي انتزع من الدروب البرية الطليقة ووضع وراء مكتب كما يوضع حيوان الغابة وراء قضبان قفص.

مساء اليوم التالي نشب شجار عائلي حاد خلال العشاء. فوالدي من طينة الشَّارِبِينَ الذين لا يترنحون ولا يتعثرون في مشيتهم، بل الذين يجعلهم الشراب على قدر من القسوة والعنف، عاد ذلك المساء متأخرا إلى البيت وقد تعتعه السكر. وجلس إلى طرف المائدة فيما جلست والدتي إلى طرفها المقابل. وراحت تَحْدُجُهُ بنظرات متفرسة مغالبةً ألمها الصامت كما يصل كلب صيد لسربة سمان لائذة بدغل. وفجأة يطق غضبه الأعمى ويصيح: — بحق السماء! لم تحدقين بي على هذا النحو! لم تتباكين على هذا النحو على مصيرك؟ لقد آويت والديك هنا ولم أطلب منهما بَدَلًا، على ما أعلم!

يخترق صراخه صمم جدي الذي يقول بنبرة حازمة: — هيا يا روز، لنصعد إلى غرفتنا!

ولكن جدتي روز تبقى في مكانها وتنسحب أدوينا برفقة جدي إلى الطابق الأول. أما أنا فأمكث ساكنا بلا حراك كأنني تسمرت على كرسي. وأحس بالطعام في معدتي يستحيل حمضا.

صمت.

ينكب أبي على طبقه ويلتهم ما يحتويه كما يلتهم حيوان بري فريسته في الغابة. عندئذ تناهى صوت جدتي هادئا ورقيقا: — أتريد يا كورنيليوس أن نسدد بدلا عن إقامتنا هنا؟

الصمت مجددا.

يتوقف أبي عن التهام طعامه ويجيب بصوت أجش ومتهدج، دون أن يرفع عينيا عن طبقه: — لا، لا أريد ذلك يا سيدة داكين.

تغرورق عيناه المحتقنتان، ثم يغادر الطاولة مسرعا ويجلس على أريكته.

لا أذكر جيدا منذ متى صارت هذه الأريكة المحشوة القديمة جزءا لا يتجزأ من حياتنا. أذكر أنها كانت قطعة من أثاث الشقة المفروشة التي استأجرناها فور انتقالنا إلى سانت لويس. فلكي نحظى بالشقة كان علينا أن نشتري الأثاث الذي فيها. أثاث كامل من شأنه أن يثير انتباه أي مشرف على ديكور سينمائي يعنى بالتوثيق لإطار عيش البورجوازية الصغيرة في تلك الحقبة. وخلال انتقالنا إلى مسكن آخر تخلصنا من بعض هذا الأثاث، لكن أبي رفض دائما التخلي عن هذه الأريكة الضخمة. كانت تبدو ثابتة لا يمكن نقلها، فحجمها أكبر من فرجة الباب. ويفترض أنها في الأصل زرقاء غير أن الزمن أحال هذه الزرقة إلى لون غريب، أشد حزنا من الزرقة، كأن قماشها امتص كل المتاعب والماضي اللذَيْنَ كابدتهما العائلة. كان اختضابها (إذا أمكن الحديث عن اختضاب أريكة) وحشوتها مشبعين بالمشاعر. إذ لم تكن هذه الأريكة تشبه أريكة: فهي تبدو كشخص ضخم صامت مقيم على صمته، لا اختيارا أو حبا بالصمت بل لأنه يعلم ببساطة، أنه إذا شرع بالكلام لن يستطيع إلا الاسترسال في الرثاء لنفسه.

بجانب الأريكة هناك دائما قطعة أثاث قديمة، مصباح يعود، هو الآخر إلى الحقبة نفسها. إنه منتصب على قاعدته المعدنية المستديرة، جاثم بطوله على رجل جالس ضخم القامة. ثم يتقوس ليسند أتفه ما قد يستظله رجل جالس، ما يشبه كبة من الحرير، من طرز الأنتيكة الصينية، مزركشة بهدب طويل يذكر بالصفصاف الشاكي الباكي، فيما يحيل على الشخص الذي يشغل الأريكة.

لم أعرف يوما إذا كانت أمي تخشي حرمان أبي من أريكته المنتفخة ومصباحه الشاكي، أم أنها، ببساطة، تستحسن اللوحة التي يؤلفانها ومعها أبي. لقد كانت في سنوات صباها، أشبه بأميرات الأساطير وكانت مرهفة الذوق دون أن تمتلك ما يتيح لها اتباعه. لكنها اليوم متعبة. وقد شارفت على الستين، وليست لها إلا أن تترك الأمور على ما هي عليه.

وقد أضيفت إلى محتويات البيت المعتادة كل الأنتيكات التي استقدمت من منزل الجدين في ممفيس.. حتى أنه يتوجب على المرء أن يكون حريصا كل الحرص في تنقله لكيلا يرتطم بإحدى قطع هذا الأثاث المهجن.. والأريكة الضخمة، بالطبع، لا تزال هنا.

بعد المشاجرة المشهورة حول مائدة الطعام، أصيبت جدتي العزيزة روز أوثي داكين بنزيف قاتل.

كانت قد فرغت لتوها من غسل أطباق العشاء وعزف بعض شوپان على البيانو الذي أحضرته من ممفيس، ثم همت بصعود السلم حين ألمت بها نوبة سعال حاد تفاقمت إلى نزف رئوي خطير.

قاومت الموت بضع ساعات، لكنها فقدت من الدماء ما أوهن دفاعاتها. لم أجرؤ لشدة خوفي، على الدخول إلى الغرفة حيث تحتضر. ومكثت عند قرص الدرج. كانت جدتي تحاول أن تقول شيئا لوالدتي كانت تبسط ذراعها الماحل باتجاه طاولة مكتبها.

ولم تفهم أمي ما حاولت جدتي أن تقوله لها إلا بعد وفاتها بأيام: فقد كانت تسعي لإفهامها بأن كل مدخراتها قد خيطت إلى صِرَارٍ في أحد أدراج المكتب.

في ساعة متأخرة من الليل، وبعد أن نقلت جدتي إلى إحدى الدور المختصة بالمأتم، عاد أبي إلى البيت.

— كورنيليوس، قالت له، لقد فقدت أمي.

كنت هناك حين تلقى الخبر ورأيت ما ارتسم على وجهه: لقد كان تأثره مماثلا لتأثر أمي عندما أغمضت جفني روز بعيد لفظها أنفاسها الأخيرة.

اقترب من أريكته، تحت المصباح الشاكي، مثل رجل اكتشف لتوه أن كابوسه حقيقة. وراح يقول ويردد مرارا: — إنه أمر فظيع، أواه، يا إلهي، إنه أمر فظيع!

في تلك الفترة كنت قد انفصلت فعليا عن البيت والعائلة. وبقيت لعشر سنوات أشبه بزائر غير مداوم ومقل. أحيانا أقضي في البيت معظم شهور السنة وأحيانا أخرى لا تستغرق إقامتي فيه أكثر من أسبوع. ولكني لا أنسى السنوات الثلاث التي أعقبت دراستي الثانوية، والتي بقيت خلالها حبيس هذا البيت محكوما بالأشغال الشاقة في أكبر شركة عالمية لصناعة الأحذية، حيث كان أبي يقضي، هو أيضا، مدة عقوبته. ربما كان تعيسا مثلي ولكن الظروف التي حكمت عملنا هناك شديدة الاختلاف. فهو مدير المبيعات في فرع الشركة الذي يصنع أحذية وبوطات الأطفال، أحذية الإوزة الحمراء الشهيرة، والأرجح أن أكبر شركة عالمية.. لم تحظ لا قبل ولا بعد بمدير للمبيعات أفضل منه. أما أنا فكنت، في المبدأ، مجرد سَاعٍ، ولكني في الواقع كنت أضطلع بكل المهام التي يأنف من أدائها المستخدمون الآخرون. ولم يكن رب عملي حريصا على وجودي في الشركة مما حدا برئيسي المباشر إلى تكليفي بالمهام الأكثر حقارة. كنت في ذهاب وإياب متواصل بين المكتب ومستودع الشركة مما أورثني، على الأقل، ساقين عفيتين ومشية سريعة! ومن بين هذه المهام كان يستهويني أحقرها: أن أنصرف كل صباح إلى نفض الغبار عن عينات العرض وعن المرايا التي تعكس صورها. وقد جهزت هذه الصالة خصيصا لجذب تجار المفرق الوافدين من كافة أنحاء الولايات المتحدة. وكان مثل هذا العمل يستهويني لأنني أنصرف إليه وحدي قبل قدوم تجار المفرق. إذ أختلي وحدي بالمكان والمرايا وأنفض الغبار عن النماذج المعروضة بخرقة من الشَّامْوَاه. كان عملي هذا لا يستغرق وقتا طويلا، وأنجزه بحركات شبه آلية بعيدا عن أجواء المكاتب الصاخبة. وحتى لو أردت أقصى ما أمكن المرء من التريث والتأني فإن الأمر لا يستغرق أكثر من ساعة من وقتي كل صباح. ومهما تلكأت أجدني مضطرا للعودة إلى عملي في المكتب حيث أنصرف إلى طبع أكداس مكدسة من طلبيات المصانع — وجلها أرقام بأرقام — على الآلة الكاتبة.. كنت أرتكب أعدادا لا تحصى من الأخطاء ومع ذلك لم أطرد من الشركة على الفور لأن رئيس القسم الذي أعمل فيه مدين بوظيفته لنفوذ أبي الذي كان لا يزال في تلك الفترة ذا منصب منظور في التراتبية الوظيفية.. ولو ارتكبت أشنع الحماقات لن أفقد وظيفتي ذات الخمسة والستين دولارا في الشهر، حتى لو بذلت ما بوسعي لذلك.

من بين الموظفين جميعا كنت أكثرهم تغيبا عن المكتب. فالقسم الذي أعمل فيه يقع في الطابق الأخير من مبنى مؤلف من اثني عشر طابقا، واكتشفت سلما يفضي مباشرة إلى السطح وبدل أن أقصد مراحيض الرجال المقززة كل نصف ساعة تقريبا كن أتسلق السلم لأدخن سيجارة على السطح.. ومن فوق أتمتع بالمنظر المترامي إلى أبعد من حدود المسيسبيي لحقول القمح المذهبة في الْإِيْلِينْوَا، متمتعا بالطراوة مطلا، من الارتفاع الشاهق، على ضباب سانت لويس الملوث خصوصا في فصل الخريف. وقد اعتدت أن أمكث على السطح مدة أطول بكثير مما يستغرقه تدخين سيجارة متنكرا في قصيدة أكتبها أو في قصة أنجزها خلال عطلة الأسبوع.

كان لي بضعة أعداء في المكتب، خصوصا رئيسي المباشر، ذاك الملقب برجل القش. كان رجلا ضخم الجثة هُرَائِيًّا، متواضع الذكاء، بارعا في تدبير المقالب المؤذية تحت قناع كياسته الموصوفة. فهو على سبيل المثال، لم يفهم يوما ميلي إلى نفض الغبار عن الأحذية والقيام بالمشتريات من السوق. ويحرص دائما أن تكون رزمة النماذج التي أحملها إلى أفضل زبائنه عند طرف الشارع المقابل هي أثقل الرزم على الإطلاق. غير أن هذا قد أتاح لي أن أنمي عضلاتي وأن أستهلك بعض الشيء أوعية دورتي الدموية، الأمر الذي سيحررني بعد وقت، من فترة عبوديتي. لكن الأمر لم يقلقني كثيرا. فلطالما فكرت في الموت ولكن دون أن أخافه حقا، لا في تلك الفترة ولا اليوم.

ولكن ليس هذا ما وددت قوله. فما أردته هنا هو أن أصف رفقتنا. أبي وأنا، خلال المسافة التي نقطعها كل صباح معا في سيارته الستود بايكر، قاصدين وسط المدينة. كانت المسافة طويلة وتستغرق نحو نصف ساعة، وربما أكثر غير أني أجدها أطول بكثير لأننا، أنا وأبي، لا نملك ما نتحادث بشأنه فعلا. أذكر أنني كنت غالبا ما أبذل كل ما بوسعي لتخيل عبارة قد أبادره بها خلال رحلتنا لتكسر المدة على الأقل الصمتَ الذي يطبق علينا، في السيارة ويبدو شاقا بالنسبة له كما هو شاق بالنسبة لي. كنت أعد العدة لاختراع هذه العبارة أثناء تناولنا الفطور، وأطلقها دفعة واحدة في منتصف الطريق. وتكون في الغالب عبارة مجردة من أي معنى أو سياق أتلفظ بها كأني مرغم على ذلك وبصوت مكتوم، عبارة بشأن ازدحام المرور أو الضباب الذي يكتنف الشوارع. فالمهم بالنسبة لي هو النحو الذي ستتخذه إجابة أبي. وكان يجيب عن ملاحظتي كأنه يدرك الجهد الذي تكبدته للتفوه بها ويكون جوابه دائما رقيقا وحزينا: — بلى، كان يقول: — إنه أمر فظيع!

ولا أجد في جوابه هذا جوابا عما وددت قوله، بل الأحرى أن يكون جوابا عن أسئلة أخرى أرفع شأنا من المرور أو الضباب واليوم، مع تصرم الوقت، أحسب أنه فطن إلى مقدار الخوف الذي كان يسببه لي، وأنه كان يغفر لي. وأعلم أيضا أنه كان يود أن يعثر على وسيلة لهدم جدار الجليد الذي يقف فيما بيننا.

لعله من التجني القول إنه لم يبد أي عطف حيالي، أنا ابنه البكر غريب الأطوار. ولكني أعتقد اليوم أنه استشعر في قلبه غلبة نسب وليامس على نسب داكين، وأنني مع الأيام سأزداد شبها به. ولعل هذا الشعور كان مصدر إشفاقه علي.

والآن وقد بلغت سن أبي أطرح على نفسي عددا من الأسئلة بشأنه، ويبدو لي أنني بت أفهمه على نحو أفضل. بإمكاني الآن، مثلا، أن أكون أكثر تفهما لحنقه من الحياة الذي يشبه حنقي. وأسال نفسي عما إذا كان لم يشعر مثلي بالكراهية والزراية حيال أكبر شركة عالمية لصناعة الأحذية. وأتساءل إذا كان لم يود مثلي أن يتسلق السلم ليدخن سيجارة على السطح.

أعلم أنه كان يعتقد بأن أمي جعلت مني جبانا، سوى أنه كان واثقا، لكوني من لحمه ودمه، من أن أمامي كل الفرص المتاحة لتخطي هذه الإعاقة، وهذا ما توجب علي أن أفعله، وهذا ما فعلته.

كان قسمه، في شركة الأحذية، يقع تحت القسم الذي أعمل فيه بثلاثة طوابق، وكنت أضطر أحيانا للنزول، إليه. وهناك أجده دائما منهمكا في إملاء رسائله بصوت جهوري يمكن سماعه من حجرة المصعد حتى قبل أن يفتح بابه. يزرع أرض مكتبه جيئة وذهابا في دورات كاملة حول سكرتيرته الجالسة إلى مكتبه. وكان الناس الذين يستقلون المصعد، إذ يتناهى إلى مسامعهم رنين صوته الآمر، يتبادلون النظرات ويتبسمون.

غالبا ما تكون هذه الرسائل موجهة إلى هذا أو ذاك من الباعة المنتدبين، وهي في العادة لا تكون لا سارة ولا مقرظة ولا مراعية: — ربما تكون اليوم معتادا على أكل الدجاج المحمر، يصرخ في مكتبه حانقا، ولكني آمل أن تستذكر الأيام التي كنا نطوف الشوارع فيها وزادنا سيجارة بمثابة طعام الفطور. لا تنس، لأني أنا، لم أنس، وقد تعود مثل تلك الأيام مجددا!

كان رب العمل، السيد ج، يوافق على رسائل أبي، لكنه عمد إلى تحصين مكتبه بسور من الواجهات الزجاجية العازلة للصوت.

قال لي أحد الأطباء النفسانيين أنني سأغفر للعالم عندما أغفر لأبي. ويجب أن أعترف أن أبي هو من علمني الكراهية، ولكني أعلم أنه لم يقصد ذلك. إنه لمرعب أن يعرف المرء كيف يكره. مرعب أن يكره. غير أن هذا قد غفرته لأبي كما غفرت له أشياء أخرى.

لكني، بالمقابل، أسأل نفسي إذا كنت قد غفرت حقا لأمي لأنها علمتني أن أتوقع من العالم مقدارا من الحب والحنان أعجز عنه أنا نفسي. أفضل ما أنجزته هو الرغبة العميقة في أن أعمل، وأدين به إلى هذا العجوز الجالس على أريكته القديمة، وأستشعر الآن انتماءً عميقا إليه. أشعر قليلا كما لو أني جالس في مكانه على هذا المقعد المنتفخ، معزول عمن ينبغي أن أحبهم وعمن ينبغي أن يحبوني. أما عن الحب، فلا أفعل سوى أن أبتكر شخصيات في مسرحياتي وما أمنحه للعالم ليس سوى الاحتياط والضغينة. لست باردا. ولم أكن يوما قاسيا بعمد. ولكن حين أعمل طوال فترة ما قبل الظهر، لا يبقى لي ما أمنحه سوى اللامبالاة. وأحاول أن أبرر لنفسي بزعمي أن عملي يفسر لامبالاتي حيال أي شيء آخر. أحيانا، أتمكن من كسر هذا الانسداد العاطفي، أداعب، أقبل، أعانق شريكا أصبح وجوده ضروريا. غير أن هذه الفواصل لا تدوم طويلا. وحالما يعود الصباح، يستعيد عملي مكانته في طليعة الأولويات. بضع كلمات أخرى عن أبي: الذي بدأت الآن أعرفه وأتفهمه على نحو أفضل.

لم تكن أمي قادرة على أن تغفر له تصرفاته. وبمرور بعض سنوات على الفترة التي تحدثت عنها فيما سبق، أتاحت لها ظروفها المالية أن تطرده من حياتها. وهذا ما فعلته. كان قد أُدْخِلَ المستشفى إثر نوبة سكر حادة، وعندما عاد إلى المنزل رفضت أن ترده، وكان أخي قد عاد من حربه الأخيرة ولعب دور الوسيط بينهما لإنجاز معاملات انفصالهما الشرعية. أعتقد أن أبي لم يكن راغبا في الانفصال، لكنه مرة أخرى برهن على لباقة لم أظن يوما أنه يملكها. ترك المنزل لوالدتي بالإضافة إلى نصف ما يمتلكه من أسهم شركة الأحذية الدولية (مع أنها لم تكن معوزة، لأنني كنت قد تخليت لها عن نصف حقوقي عن معرض الزجاج). ووافق دونما قيد أو شرط على بنود وثيقة الطلاق وعاد إلى مسقط رأسه نوكسڤيل، بولاية تينيسي. وعاش هناك مع شقيقته العانس آيلا. غير أن العمة آيلا لم تحتمله لوقت طويل هي أيضا. فأقام عندها في فندق في منتجع يدعى وايتل سبرنغز على مقربة من نوكسڤيل، ثم التقى أرملة من توليدو (في ولاية أوهيو)، ولا أدري كيف نشأت بينهما علاقة متأخرة، أشبه بقصة حب خريف العمر، دامت حتى وفاته.

لم ألتق تلك السيدة، ولكني أشعر حيالها بالامتنان لأنها بقيت بجنب والدي طيلة أعوامه الأخيرة.

أخي داكين كان يذهب من حين لآخر، إلى نوكسڤيل للاطمئنان على صحة والدي كان دائم التوعك بسبب إدمانه الكحول، وأعتقد أن أرملة توليدو هي التي كانت تستدعيه.

داكين طهراني في طبعه، ولطالما فسرت إحجامه عن ذكر تلك السيدة بأي سوء بأنه بمثابة مديح لها. وكل ما بلغني عن ارتباطهما، على لسان داكين الدافئ، أنها بالنسبة لأبي نديم شراب مخلص. وكانا ينتقلان أحيانا بالطائرة إلى بيلوكس أو غولبورت في الميسيسيپي، حيث أمضى والدنا شهر العسل. وقد ألمت به تلك الوعكة القاتلة في طريق عودتهما من أحدى هاتين المدينتين حيث كان أبي سعيدا مع أمي وحيث أمي كانت سعيدة مع أبي. لا أدري ما الذي تسبب في وفاته، وإذا كان هناك أي سبب آخر غير وعكته الأخيرة. بقيت أرملة توليدو مع أبي حتى النهاية، في أحد مستشفيات نوكسڤيل. الأمر الذي سبب حرجا لعمتي آيلا التي كانت لا تقر بتلك العلاقة والتي لم تقبل بأن تزور والدي وهو على فراش الموت إلا بعد التثبت من أنها لن تلتقي رفيقته. وذات مرة صودف وجودهما معا في أحد أروقة المستشفى، غير أن آيلا لم تأت على ذكرها بسوء أمامي حين ذهبت إلى نوكسڤيل لتشييع أبي إلى مثواه الأخير.

كانت مراسم الدفن جميلة على نحو خاص، فقد جلسنا أنا وعمتي وأخي في مقصورة صغيرة مخصصة لأسرة الفقيد، ومنها تابعنا مجريات الاحتفال. ومن ثم انتقلنا إلى أُوْلْدْ غْرَايْ، مقبرةِ نوكسڤيل، وهناك نصبت لأفراد الأسرة خيمة مشرعة الجانب الأمامي لمتابعة مراسم دفن الرجل صاحب الأريكة المنتفخة.

خلفنا، على صف من المقاعد في الهواء الطلق، جلست جمهرة من الأقارب وأصدقاء الصبا. وبلغني أن أرملة توليدو كانت هناك: بعد الدفن، اقترب الجميع من خيمتنا للقيام بواجب التعزية بتأثر صادق. أما أرملة توليدو فقد غادرت في سيارة أبي وكانت تلك تَرِكَتَهُ الوحيدة لها. بعد ذلك لم يبلغني شيء من أخبارها.

أوصى والدي بما تبقى له من أسهم شركة الأحذية لشقيقته وابنته وشقيقي بالتساوي. وكان هذا الميراث يضمن لكل واحد منهم دخلا مقداره 100 دولار في الشهر. ولم يترك شيئا لي. فقد أسر للعمة آيلا قبل وفاته أنه لا يعتقد أنني أحتاج مبلغا من المال بمثابة ميراث.

وأسأل نفسي اليوم إذا كان يعلم، ويقيني أنه كان يعلم، أنه أورثني ثروة لا تقدر بمال: دمه الذي يسري في عروقي، ومهما كان مقدار الشقاء الذي وسم حياته كلها أسأل عما إذا كان الحب هو الذي مازج دمه في آخر الأمر وليس الكراهية.

عمتي آيلا توفيت هي أيضا. ولكن حين كنت في نوكسڤيل لتشييع أبي، أرتني صورة نشرت في صحيفة محلية: وفيها يبدو أبي أمام دار سينما يعرض فيها أحد أفلامي: بَايْبِي دُولْ.

وتحت الصورة تعليق هو ما قاله أبي: — أرى أنه فيلم جيد، وأنا فخور بابني.

(*) كتبت هذه القصة نحو العام 1960 ونشرت في ديسمبر 1980 في مجلة Antaeus. ولم تنشر في كتاب من قبل. تينسي وليامز [1911- 1983]: أديب أمريكي. اشتهر بمسرحياته الاجتماعية ذات الطابع الانتقادي التشاؤمي، منها فجأة في الصيف الماضي، عربة اسمها الرغبة، الوردة الموشومة وقطة على سطح من الصفيح الحارق. [هامش بسام حجار]. لم تُنْشَرْ ترجمة بسام حجار هذه في كتاب.

أعماله الكاملة صدرت في بيروت: الشعر تجربةً كيانيةً وفلسفة حياة/ محمد ناصر الدين

«لكن السير هو ما يصنع السائر/ بين أقزام العتمة/ وباقة الأشجار التي تقدّمت في السن/ ومالت شاكيةً/ على الرصيف والجدران المتداعية» (بسام حجار ــــ ألبوم العائلة)

مع بسام حجار (1 كانون الثاني/ يناير 1955 ـــــ 17 شباط/ فبراير 2009)، لم يكن الشعر مهنة أو فنّاً، فيمكننا بذلك أن ننصب ميزاناً للمفاضلة بينه وباقي المهن والفنون، بل تحول إلى ما يصفه روبرتو خواروث بالـ «مهنة الأساسية». فالقصيدة هنا تهرب من كل تعريف تقني ممكن إلى نوع من الكشف، شيء ما يضيء للإنسان ما في داخله، أو ذلك «السَير» الذي يصنع الطريق على رأي أنطونيو ماتشادو. شعر بسام حجار ليس بالزخرفة أو بالأحاجي اللغوية أو بالإستيتيقا، بل هو أقرب إلى المعنى اليوناني للكلمة الذي يقرنه بالفعل أو التحقق. الفعل هنا ليس بكتابة معينة في عالم يطوف بالمكتوب، بل هو التماثل مع الحياة ذاتها، مع الكائن الأساسي في داخله الذي يعطي للشعر روحاً تجعله أسمى من كل مقايسة وأعلى من كل مفهوم، إلى ذلك الجوهر الفريد الذي يستحق اسم المطلق.

شابَهَ بسام شعره، فكان كما يصفه صديقه عباس بيضون «وكأن القصيدة تحت لسانه»، ليكون الشعر معه تجربة كيان ووجود. إنها تلك التجربة التي يصوغها الفرد مع أناه الأكثر حميمية، مع البيت والرِواق (عندما أتى المساء الصديق/ وجلس أمامي يدخن غليونه الكبير/ لم أقل شيئاً/ كانت الجدران تحدث نفسها/ عن التعب والوقت والغرفة الباردة/ كان الرواق يتثاءب من فمه المربع)، أو محيطه الأقرب الذي نجده في قصائده لمروى ابنته أو لرينيه ونجلا. إذ لم يعرف بسام ككائن اجتماعي، وإن لم ينقصه الكرم وحسن الضيافة. الشعر عند بسام هو هذا النبض الداخلي الحيوي الذي يجد بهجته أو حسرته في اللغة، أو هو كما رثاه الشاعر أنسي الحاج «جوّانية تحفر ذاتها». إنه تعريف قريب لما يقوله إيف بونفوا عن أن الشعر هو «فِعل الحقيقة ومكانها». لفرط ما انمحت الحدود بين بسام وشعره، نكاد نرى الكلمات وقد تحولت إلى تجاعيد تغضِّن العينين عند الأرق، إلى ذلك التوتر في القدمين أو المسافة ما بين النافذة والنافذة: «لفرط ما أحذف النهارات لم يبق مني إلا كائن الأرق، شبيهي، الذي يحسب أن الوقت يمضي إذا مشيته مراراً من الباب إلى النافذة، من النافذة إلى النافذة، ولا أدرك جدواه. لفرط ما أحاول نسيان الوقت أقع في خطأ الانتظار وأعلم أنّ من هو مثلي لا ينتظر شيئاً ولا يرغب في شيء، لأن الأشياء قاطبة تقيم في نهارات أحذفها لكي لا يبقى مني إلا رميم الأرق، شبيهي، الذي ما عرفت سواه».

مرّ بسام حجار في المشهد الشعري اللبناني مثل الجوهريين أو الرهبان، ثقافة من غير ادّعاء، وعمقاً من دون فقاعات، وتأملاً من غير صخب. ثقافة بسام أكثر ما تبدت في مقالاته الصحافية في «النهار» و«السفير» و«المستقبل»، وفي نصوصه النثرية من «صحبة الظلال» (١٩٩٢) الذي خلق فيه أفقاً يستلهم فيه لوتريامون وفوكنر ولوي فيرديناند سيلين وموريس بلانشو وغيرهم من أعلام الأدب والفكر في الغرب، ليستكمل في «معجم الأشواق» (١٩٩٤) حفريات نثرية في اللغة والمعنى، تتكئ على التراث من الأناجيل إلى ابن عربي في «ترجمان الأشواق» ومجنون بني عامر وابن الفارض وابن حزم الأندلسي، وكذلك في «كتاب الرمل» (١٩٩٩) الذي تقمص فيه بورخيس في عالمه وسيميائياته ومتاهاته، فكان أشبه بكتاب فوق كتاب، أو برمل فوق الرمل. في ترجماته ــ هو الذي كان قارئاً نهماً للرواية ــــ نقل حجّار إلى المكتبة العربية ذخائر من الأدب الأجنبي مثل «قطارات تحت الحراسة المشددة» للتشيكي بوهوميل هرابال و«اليوم المرتجى لسمك الموز» لسالينجر، وهو الذي كان له السبق في تعريف المكتبة العربية بأدب غربي «أساسي» مثل روايات أغوتا كريستوف ويوكو أوغاوا. تأمُّل بسام كان من النوع الجوهري، والمتأملون «الجوهريون» يمكن أن يكونوا من صنف الشعراء أو غيرهم، مثل خبّاز يحدق في الطحين أو امرأة تفكر في أمر ما عند نشر الغسيل. لحظات التأمل هذه جوهرية لأن الكون يتنفس عبرها، ولأنه في هذه اللحظات بالذات يتخفف الواقع من خوفه ليصل إلينا.

في مديح الخائن والعابر والترجمان/ أحمد محسن

في نيويورك، كل المجانين والممرورين قد أطلق سراحهم. أطلقوا في أرجاء المدينة، فبات يصعب التمييز بينهم وبين الرافضين من «البانك» أو الزُعَّار أو مدمني المخدرات والكحول البؤساء الذين يتكاثرون فيها. إذ لا يعقل أن تعتمد مدينة بمثل هذا الجنون أن تطرح من حياتها العامة مثل هذه النماذج لعَتَه قد غَلَب في أشكال مختلفة، على أجواء المدينة (…)

نيويورك، نيويورك (جان بودريار ــ ترجمة بسام حجار)

لا نعرف ما الذي أحبّه أكثر. الشِّعر ينتهي وبسام حجار عرف ذلك، فقبل بالنهايات. التفّ على الشِّعر بالترجمة، ولكنه لم يكن يستدرك قطاراً تأخر، أو يبدأ مشروعاً جديداً. يقول إن بعض الرواة، رواة القصص، لا يكتبون إلا سيرتهم، مراراً وتكراراً. وكأنه بذلك يلتف على نفسه أيضاً، من دون أن نشعر، ويبقى في مكانهِ. ويشرح: «وللمفارقة، بياناً، تروي السيرة كل مرة مختلفة، أو على سوية مغايرة. ويعجب القارئ، الذي هو نحن، كيف للسيرة الواحدة أن تضاعف أوجه عيشها كمثلِ ما يتضاعف الوجه تكراراً في المرايا المتعاكسة». هكذا، وفي أحيانٍ أخرى كثيرة، يبرر بسام حجار ما يعرف أنه ليس بحاجةٍ إلى تبريره: الخيانة. والخيانة دائماً هي خيانة النص والمرايا. والترجمة خيانة الأصل مثلما يكون العابر والزائر خيانة الدوام. والنثر خيانة الشعر. لكن، ما الشعر؟

رغم قوة نصوصه وفرادتها، لم ينف بسام حجار في حياته حاجة الأدب إلى الفلسفة، ولذلك كان يرى أن الرواية تقوم شكلاً ومضموناً، على نفي السببية العقلانية نفياً قاطعاً. ما لا يعرفه كثيرون أنه ترجم بول ريكور ومارتن هايدغر لكن ذلك لم يكن ضدّ الأدب، بل كان جزءاً من عالمه أو أحد عوالمهِ. والعارف بالفلسفة لن يفكّر مرتين قبل أن يحزر مختارات بسام حجار في المُختَارين: وظيفة اللغة في الروح. ما لا يعرفه كثيرون، أنه في الترجمة، أكمل طريق الشِّعر. مرآة واحدة. وما يقوله عن رامبو بدهاء ينسحب عليه: «لرامبو سيرتان. الأولى حين توقف عن الشعر». وليس لرجلٍ عابر ما يقوله. ما لديه هو سعي متمادٍ وراء خيانة الشِّعر بنثر الحياة. مما لا شك فيه، أنه عندما مدح حجار خيانة النثر للشِّعر كان في مزاج جيد. لقد صدر «مديح الخيانة» في 1997. وكان مديحاً لائقاً بالمحتفى بهِ، وبصاحب المديح وصاحبها، الشاعر والمترجم. ومن باب المديح أيضاً، يوضع الشاعر قبل المترجم في مقامات الوصف، غير أن الذات واحدة، وأن صاحبها ضدّ التبرير الواقع. بالنسبة لكثيرين كان هذا الكتاب مقدمة ضرورية من بسام حجار، لما هو آتٍ، فهذا الكتاب صدر قبل عقد بالضبط من صدور «الوقت لا ينقضي»، ومن ظهور «شمس آل سكورتا» بالعربية، وغيرها من الكتب التي ترجمها حجار. لكن في الواقع «مديح الخيانة» يأتي في السياق نفسه، ويمكن اعتباره هوامش ارتأى كاتبها أن توضع في مكانها. لطالما رفض بسام حجار أن يكون «مادة للتحليل» أو أن يأخذ إذناً من أحد… لكي ينظر في المرآة. مع ذلك، قد تجد مقالاً اعتبره صاحبه مقالاً «تحليلياً» أخذ يحلل شخصيات الروايات التي ترجمها بسام حجار، وراح يفكّر لماذا ترجم هذه الرواية أو تلك. ذلك الإمعان في الدخول إلى عالم الرجل الذي أراد طوال حياته أن ندع مرآته وشأنها.

بسام حجار الشاعر هو المترجم. وقد ترجم نفسه أولاً بالشِعر، ثم انصرف لترجمة الآخرين. وهذا ما نعرفه جميعاً. لكن الإنصاف يقتضي قراءة السيرتين بتأنٍ. تجربته في الترجمة نضجت مثل تجربته في الشِّعر. بيوغرافيا الجوع وجبل الروح وأزاهير الخراب كنصوص استوت على مهل وتختلف عن سيرة مارلين مونرو وعن ترجمته لسالنجر أو كالفينو. وليس من السهل أن يكون للمرء سيرتان، متوازيتان، كالرجل وظلّهِ، كالعابر إلى الصمت.

بطاقة لشخص واحد/ عباس بيضون

قد يكون بسام حجار أقرب الأصدقاء إليّ، وقد يكون بين أقرب الكتّاب إليّ. إنه الشاعر الذي يتلقى الشاعر من أقرب مكان. كان يكتب وكأنّ القصيدة تحت لسانه وفي خُلده، ولا يحتاج إلى أن يحرك كلماتها لتسقط على قلمه. الكلمات كانت كالأشياء تحت ناظريه وفي داخله. بسام كان أيضاً، كما يعلم الجميع، أفضل المتَرجِمين. كان أيضاً مثَقَّفاً كبيراً حين تتحول الثقافة إلى عَصَب وإلى مزاج وإلى علاقات. بسام الذي بقي منطوياً إلى حد ما، وإلى حد ما «رهين المَحبَسَيْن» كما أطلق المعري على نفسه: محبسا بسّام كانا بين مكتبه وعمله. كان القارئ والكاتب والمفكّر ليل نهار، وكان أيضاً الصديق القريب والمضيف الدائم ليل نهار.

يسرني أن تلتفت إلى بسام جريدة، بل يسرني كثيراً أن أعلم أن بسام الشاعر والمثقف والكاتب يزداد في غيابه، وبمقدار هذا الغياب ومعه انتشار اسم وانتشار أثر، يزداد حضوراً وتأثيراً بحيث أن الأجيال الجديدة والشعراء الجدد يمتّون إليه أكثر مما يمتّون إلى الأحياء والسابقين. ذلك أمر يدل على يقظة وعلى متابعة وعلى عدالة وانتباه: إنه أمر لا بدّ سيزداد.

القصائد التي قرأتها في زمن ما وهي على الورق، متداولة اليوم بين الشعراء الشبان الذين يجدون فيه رائداً ومُلهِماً.

فَقْد بسام تمّ في فترة يكثر فيها المفتَقَدون. لقد خَسِرتُ في آونة قصيرة إلى جانب بسام مي غصوب وجوزيف سماحة، واليوم وأنا لا أزال في حداد على أختي، أجد الفقد متّصلاً وقد لا تكفي هذه العجالة لأمُرّ في هذا الخطر، إلّا إنني أذكّر المهتمين بأني كتبت عن بسام وعن صداقتنا ديواناً كاملاً هو «بطاقة لشخصين»، وأنا أعيد إهداءه لذكراه في هذا الملف.

* شاعر وروائي لبناني

حياة الأشياء وموت الأحياء/ محمد مظلوم

يرحل الشاعرُ، ويترك لنا ظلالَ حياته مشرَّدةً في كتبه، لتعقّب سيرته المتخفيَّة خلف ذلك المجاز من الظلال، لكنَّ ذكرى رحيل الشاعر قد تكون مناسبةً نموذجيَّة لقراءة سيرة موته في أشعار حياته وكأنَّه حيٌّ بيننا! لنفهم إلى أي مدى كان «الموت في الحياة» بطلاً ملحميَّاً في تلك الحياة، أكثر من كونه صُنواً لها.

عشرُ سنواتٍ مرَّتْ على غياب بسَّام حجَّار، وأنْ يحضر بيننا الآن، فهو استحقاق ليس هيِّناً أن يحظى به الكثير من الشعراء الراحلين، استحقاق يُظهر أنَّ الموت العضويِّ لشاعر حقيقيٍّ، ليس سوى غيابٍ جسدي، فما من شاعر خلاقٍ، يريد أن ينتهي حضوره بمجرد الرحيل عن العالم، لأنَّ شاعراً بهذا التوصيف يُمضي حياته كلَّها وهو يحاول أن يضرب موعداً صعباً مع الخلود، ذلك أنه يسعى دائماً أن يبقى قريناً للكون، لهذا يغارُ من الأشياء والجمادات وعناصر الطبيعة الأكثر رسوخاً وربما خلوداً حتى وهي تتحوَّل وتنمسخُ من شكل إلى آخر، وتحت تحريض هذه «الغيرة» يتفرَّغ إلى مواجهة وربما محاورة ندَّه الأبدي في معركة الخلود التي لا تنتهي: الموت، بتحديه أحياناً وأنسنته أحياناً أخرى ليصبح جزءاً معتاداً في يومياته من أجل تسهيل المهمَّة الصعبة في المواجهة الأخيرة والكبرى. وبسَّام حجَّار من أولئك الشعراء الذين أولوا جانباً كبيراً من تجربتهم لاستقراء سطوة ذلك الخصم اللدود، ومحاولة إغوائه والاقتراب منه إلى أقصى حدٍّ ممكن للتعرُّف على لغزه المحتجب، وهو وإنْ أفصحَ عن شعوره بلا جدوى المحاولات التي سبقته إذ: «لم يفسر لي أحد من قبل معنى التراب» و«لم يَقُل لي أحدٌ ما معنى الأسى» إلا أن الرجل الهادئ المشغول «بمهن القسوة» تصدَّى مُنفرداً في محاولة شاقَّة لـ «تفسير الرخام» عنوان آخر دواوينه الذي حاولَ فيه إيجادَ تفسيرٍ لِما هو عصيٌّ ومستحيل. أعني تلك العلاقة الوجودية الملتبسة بين الحياة والموت.

في هذا الديوان، كما في كثير من شعر بسَّام، تغدو العناصرُ والأشياءُ والجمادات التي تتجلَّى في الطبيعة لتتدخَّل في تشكيل مَشَاهد الحياة: التراب، والرخام، والخشب… هي ذاتها التي تعود للحياة مُفصحةً عن وجه آخر: الموت، تغدو قبراً وشاهدةً وتابوتاً، وهي التي كانت لها، من قبلُ، سيرة داخلَ حياة الشاعر الشخصية، فالخشب يروي لنا سيرته عبر تحوله من شجرة في غابة يوماً ما، قبل أن يمسخ في الحياة اليومية بهيئة طاولةِ طعام في غرفة المعيشة أو في المكتب، أو كرسي للاسترخاء أو باب لخروج ودخول القادمين والراحلين، وبدافع من تلك الغيرة التي يتداخل فيها الحسد بالغبطة يخاطب بسَّام الخشب أو الشجرة التي أصبحت باباً: «أيها الباب ستحيا من بعدي» وهكذا لن ينسى السيرة السرية لتلك الأشياء وأنها في سيرتها تلك تضمر كناية مُستبطنة للدلالة على تحوُّلات حياته هو وصولاً إلى مصيره، فهذه الأشياء تبدو جمادات ميِّتة، ظاهرياً، إلا أنها تكتسب في الواقع حياةً وسيرةً خاصة بها بقدر ما تتبدَّى لنا في الشعور، فكما جاورته في الحياة فهي ستحتضنه بالموت: فتصبح الشجرة التي كانت حيَّة وخضراء في الغابة تابوتاً أسودَ لجنازته بعد أن رافقته في حياته، وبمثل هذا التحوَّل يغدو الرخام مرآة يتجلى فيها تاريخ موته، بعد أن كانت تعكس صوراً مختلفة لسيرته، هذه الأشياء والعناصر التي تدخَّلتْ في تشييد منزله وتأثيثه، هي نفسها في الجوهر أثاث موته. من هنا فما من فرق حاسم بين القبر والبيت أو بينه وبين غرفة النوم حيث: «يوسِّدُني حجرٌ / ويغطِّيني حجرٌ/ وحجرٌ أبيضُ يَروي سِيرتي/ من فم التراب» وإذ يتكرر الحجر بدلالاته اللغوية المتعدِّدة من تُرابٍ ورُخام وصخر، وجدار… إلخ بصورة لافتة في شعر بسَّام، فهل يمكننا أن نقترح دراسة لتلك العلاقة في البنية اللا واعية بين الكنية الشخصية لصاحب «مهن شاقة» وبين الكناية اللغوية للطبيعة: أي ما بين «حجَّار» و«الحجر!»

لعل بسام نفسه استشعر ذلك من قبل، فتوجَّه بخطابه نحو تلك الجمادات بوصفها تجلياً لهوية بشرية، إذ كان قد وصف الجدار بأنه «شخص من الحجارة والكلس تفضحُهُ الرطوبة والشقوق كمنْ يتكلَّمُ في نومه». وإذ تتموَّجُ صُور الأشياء من حوله ما بين عالمي الذاكرة والنسيان، فإنه يلوذ بـ «السهو» و«الغيبوبة» لمخاتلة الذاكرة ورعب المصير، فالغيبوبة عن الوجود تنطوي على حضور «للموتى الأحياء» الذين يقيمون بيننا ونحن ساهون عنهمَ! والواقع أن فكرة «الزومبي» (وفق معتقدات الشعوب القديمة وليس كما تصوُّره سينما الرعب) تحضر بقوَّة في شعر بسَّام بل يمكننا أن نرى أنه عاش مسكوناً بشيء من تلك الفكرة حتى أنه يقترب من وصف نفسه بأنه «ميِّت حي»، فهو يخاطب الساكن في «مزار بجنب الطريق»: «إنّي أتحدّث عنكَ/ كما يتحدّث أحياءٌ عن أحياء مثلهم». وهو لا يهتمُّ أن يَرَى أكثر مما يُرى: «ولا أبالي ـ حين أنظر ساهياً ـ بي أنا الذي لا يبالي». ذلك أن «الميت الحي» ميت في ذاكرته لكنَّه قادرٌ على التحرّك في الحياة، بما يشبه الغيبوبة. ولعل هذا ما جعل عالم بسَّام الشعري مُستغرقاً في حيزٍ صغيرٍ وقاموس متقشف، والاكتفاء من البلاغة بخطابها، ذلك أنه أصغى كثيراً لبلاغة ظلامه الداخلي، فبسَّام لا يأنس إلى «المحسّنات البديعية» لفظية كانت أم معنوية، بل ينحاز إلى كثافة المعنى المظلم داخله وهو يتموّج خلف كلمات قليلة بسيطة وعادية من قاموس محدود، لكنها مشحونة بالأحاسيس.

فكرة «الزومبي» تحضر بقوَّة في شعره حتى أنه يقترب من وصف نفسه بأنه «ميِّت حي»

ولذلك فإن ثمة خطاباً فصيحاً في شعر بسَّام، ومن هنا تجنبه الواضح للألفاظ والتراكيب المعقَّدة في الجملة اللغوية أو العبارة الشعرية، واهتمامه بالأشياء والأفكار أكثر من الأشخاص، من هنا فإن العزلة الظاهرة في شعره، ناهيك عن طبيعة حياته، ليست مجرَّد عزلة اجتماعية لكنَّها مركَّبة من: الاستغناء والزهد واليأس من المصير الوجودي، ولأنه مزدحمٌ بهذا الإرث الموجع من الأشياء والأفكار، والألم اللا زمني، فقد برعَ في خلق مونولوغ داخلي متعدَّد الأصوات! إذ حتَّم عليه هذا الازدحام الداخلي الملتبس أن يناوبَ بين أصوات متعددة مكتومة داخله مستغنياً كثيراً عن ضجيج الخارج، رغم أنه لم يزهد تماماً في مراقبة هذا الخارج لكن فقط بوصفه صدى يومياً لحركة كونية ووجودية داخله. وهكذا اختار أن يستغرق طويلاً في التأمُّل بكل ما هو عابر وزائل ومؤقت، واستبطانه بديلاً عن أبدية مستحيلة. وهو ما أتاح له أن يصل بتجربته الشعرية في نضوجها إلى قصيدة المرثية Elegy لا بوصفها قصيدة غرض رثائي تقليدي فحسب، بل لأنها قصيدة العزلة والحزن والتأمُّل، فهي وإن بدتْ متجهة، في الظاهر، إلى استذكار راحلين آخرين، إلا أنها قصيدة تأمُّل ذاتي في مرآة موت الآخر متجلياً فيها الموت الذاتي والأسى الشخصي، من هنا مالت تجاربه الأخيرة إلى النبرة الغنائية التي تمنح قصيدة النثر إيقاع الروح القلقة، فتخرجُها من رتابة الإيقاع الخارجي، إلى حرارة الخطاب. وهكذا خرج بسَّام في تجربته الشعرية من الجملة المُوجزة، إلى تداعي العبارة، من «النتفة» إلى «النشيد» ذلك أن مواجهة الأبدية بحاجة إلى نفس طويل في أغنية طويلة. الموت والحياة أيهما «الأغنية الطويلة» يا بسَّام؟ هل تتذكَّر حوارنا في «المستقبل» عن «قصيدة النثر» الطويلة!

* شاعر عراقي

سيرة الظّل الوحيد…/ محمد العتابي

«في الموت نتقدم خطوة واحدة

ثَمَّ خطوة واحدة

ندخل باختصار شديد

نحيي الواقفين والجالسين والنيام

نسدل الستائر خلفنا

نقفل الأبواب والنوافذ والأحلام والعيون

نطفئ الذاكرة المضيئة في الرواق الطويل»

يُغادر بسّام، يترك الظلّ وحيداً على عتبةِ الغرفةِ التي أظُنُّها المهرب، يفتتحُ النهايةَ بضوءٍ نحيلٍ مثل ابتسامته، هكذا أخاله ابتسم، يخبّئ في معطفه ذاك الدفء الموشومَ بارتعاشة الشتاء، يمتلئ الدخانُ في أرجاءِ الغرفة كأنه حشود خيالاتك/ خيالتهِ عن الرجل الذي صار ظلاً كما أخبره والده ذات ومض، اللحظة التي تقرأ فيها الهدوء المتسرب من فراغ الشوارع في الإجازات، مصابيحُ تذوي آخر الليل بينما يخلعُ بسّام شحوب تغريد الكناري الذي ترك القفص خالياً مثل غروب وجوه الباعة الجوالين آخر النهار.

مما أراه في ردهة الجلوسِ أنّ الصورةَ الماثلة أمامه كانت الأيدي الممدودة المفتوحة لاحتمالات المصافحة، في ليلةٍ من ليالي شباط، تتحدث الأيدي بنبرةٍ تشبه لذع النبيذ معه، عنه، إليه، عن الطيف الذي يسكنه، عن الفكرة التي سار إليها وسارت إليه بالشغفِ الخفي الممزوج باللامبالاة، وانتباه الحجر لصلواتٍ تحتفي بالهمس، للعشبةِ التي تحتضن صدعَ الجدار الذي يدعونه الحياةَ، ويسميه الموت.

طوبى للوردة التي تستنشق السماء وتمد لها العطر.

طوبى للحجر الذي احتضن في صدره وجه وردة.

«كلنا شعراء بالفطرة» هكذا قالت ربّة الشعر، تُغربلنا الحياة، نكبرُ وعيناها تراقبان أرواحنا، تُغمضان، ينسابُ الحلمُ من المقلتين فتطير فراشتان، ويورقُ الشعر فينا. كان بسّام حجّار لي مثلها، مثل مقلتيها، كان الباب الذي أغبطُ فيه نعمة الشعر، بركةَ الكلِم، مؤانسةَ الغريب، النوم في حضرة السهو، الطيرَ الذي لا يأبه لإشارات المرور، والتفاتة الصبي لجرس البائع المارِ مسرعاً، والنغمة التي تبلّل شفتي حسناءٍ وهي تنشر شعرها على حبل الأمنيات.

مما أراه، يخلعُ نظارته شارداً في تأمل أحوال الطريق، يخلّل أصابعه بين تسريحة الشعر المسدول للخلف، يشعلُ سيجارة، يَحدثُ بسام، وفي مخيلته تحدثُ القصيدة، يُقلّبُ أوراقه التي قرأتها يوماً وأحيت الشعر في فمي.

كيف للحضور أن يكون عنوان الموت عنده؟ لِماذا يكون الشعرُ تلويحةَ الوداع الأخير للحياة؟ ما الذي يجعله رسالة الصمتِ عن الألم المتجذّرِ في قارعةِ طريقٍ موحشٍ بكائناتٍ يألفها ولا نعرفها؟

«الشعر هو تأسيس الكائن بالكلمة». يقول هايدغر، هكذا نمارس الشعر ونؤسس كياناتنا عند قراءة بسّام، يرتحلُ بك نحو الشعر الخالصِ الذي يسائلك عن الوجود، الصرخة الخافتة تجاه القبح والظلم ونفي الإنسان، يذكّرك بالروح الوحيدةِ في أقاصي القرية التي باتت مدينة الخائفين.

بسّام والغرفةُ المضاءة بالمصابيح التي تملؤنا، المشفى المتّشح بالبياضِ عن السواد، الأرصفة التي تنسى تفاصيل الطريق، الوجع قابضاً عليك وهو على شكل وجهك. سوف تحيا بعدنا يا بسّام… وكنت كذلك قبلنا، سوف تحيا القصيدة عن «منار» والرائحة التي تهديك توهجك في الصباح، سوف تحيا من بعدنا الأطيافُ التي تسأل عن حياتها: «كأننا أيها الطيف شقيق غربتك؟»

سوف تحيا مثلما تحيا الأيدي الممدودة المفتوحة لاحتمالات المصافحة في ليلةٍ من ليالي شباط.

ما رأيتك يوماً، لكني أراك الآن، أرى «دلال»… وذكرى ما نحياه بعده بك في المنامِ، أو الصباح.

«لكن نامي الآن

نامي الآن

لكي لا أجدكِ متعبةً في الصباح»

* شاعر عراقي مقيم في الكويت

حيث يسود الظلام/ عبد المنعم رمضان

يا للحظ، منذ صباي وأنا أتصور أن الشعراء الرومانسيين وحدهم هم من استعانوا بملاك الموت لإكمال رومانسيتهم، الأصح لتتويجها، لولا أن بعض شعراء الحداثة غازلوا الموت وجلبوه إليهم بمعاداته ومعارضاتهم له، ذلك على الرغم من أنهم يستشهدون غالباً بالعبارة البليغة: الموت نقّاض. هكذا عرف الموت طريقه إلى شعراء جيلي، مرات بالمفاجأة، ومرات بالمرض، فعندما اختار الموت الشاعر المصري علي قنديل والسوري رياض الصالح حسين، وكلاهما في الحقيقة لم أعرفه إلا من شعره، اختارهما بالمفاجأة، واكتفى بأن أصابنا بالحزن العاصف مبكراً، لأنهما كانا طرفين من أطراف مغامراتنا التي كنا في أولها. وعندما، فيما بعد اختار الموت المصري الآخر حلمي سالم واللبناني بسام حجار، اختارهما بالمرض، الأول كان صاحبي، خاصمني وخاصمته، فظن البعض أننا عدوان، ولم نكن، وصالحني وصالحته، وظن البعض أننا رفيقان، وكنا، ولحظة موته كنت الأقرب إليه إلى حد اليقين بأن ما أماته هو خطأ ما ارتكبه مستشفاه. أما بسام حجار فهو ذلك الشاعر الآخر، في المكان الآخر، الذي يصادفني اسمه دائماً على ألسنة الشبان دون الثلاثين أو حولها تقريباً، سواء في مقهى «زهرة البستان» في قلب القاهرة، أو في مقاهي الأطراف، بعض هؤلاء الشبان، كان يبحث عن دواوينه، أعني بسام، ويشكو ندرتها. ولمّا وجدها عندي، رغب في تصويرها، وبعضهم تهلل عندما علم أن جهة ما تنوي إصدار أعماله الشعرية الكاملة قريباً، وكلهم كلهم حدثني عن فتنة ترجماته.

كلهم كلهم حدثني عن كاواباتا حجار، وهاندكه حجار، وسالنجر حجار، وكالفينو حجار، وهرابال حجار. كنت أراهم مفتونين فتصيبني الفتنة وتغريني بالحكي الذي أنا ممسوس به، وتغريهم بالإنصات الذي هم لا يحتملونه. كنت معهم أكتشف بسام حجار مرة ثانية، وأكتشف أن بسام أيامها كان واحداً من قلة تنفلت روحها وتصبح خارج المكان، فيما أصبح أغلب الشبان الآن محمولين على هذا الاتجاه، مما جعل القراء منهم يلتفون دون قصد حول شعر بسام وترجماته كحجر زاوية، وخارج المكان في هذا السياق لا تطابق ما قصده إدوارد سعيد، الذي مع مرضه كتب سيرته المؤجلة منذ أدرك أنه عربي أدت ثقافته الغربية إلى توكيد أصوله العربية بما يفتح الآفاق الرحبة أمام الحوار بين الثقافتين. في أوائل التسعينيات كما أذكر، صار بسام ضمن فريق ملحق «النهار»، لعلها فترة ولاية أنسي الحاج، عندما كان رئيساً لتحرير الجريدة، لا أذكر الآن موقع شوقي أبي شقرا. هل كان هو أم إلياس خوري رئيساً لتحرير الملحق، عموماً الثلاثة من عشيرتي الأقربين، الثلاثة مقدّمون على كثيرين سواهم، ذات صباح من صباحات تلك الأيام، تسلّمت خطاباً بريدياً قادماً من بسام. كان يدعوني إلى مشاركتهم بأن أتكفل بإعداد رسالة القاهرة، كأنْ أختار القصائد والقصص والمقالات. أما المكافأت فسوف تتراوح بين الخمسين والمئة دولار، لم أكن قمت بمثل هذا العمل من قبل، ولن أقوم به من بعد، ومع ذلك فرحت لأنه سيحول علاقتي الرمزية ببيروت إلى علاقة فعلية مشتهاة، ومما شجعني أكثر على الصمت والقبول، معرفتي بأن عباس بيضون أحد أعضاء هيئة تحرير الملحق، وكنت أزعم لنفسي وما زلت، أنني أعرفه، وأن مسيرته السياسية والشعرية قد تضعنا معاً في سماوات قريبة. أيامها كنت أزعم لنفسي أنني أعرف رأس بيروت، وأن رأس بيروت يشبه رأس عباس، حيث عباس بيضون مغمور بالمكان، إلى الحد الذي لفتني فيما بعد إلى احتمال وجود شعر بسام حجار خارج المكان.

المهم أنني آنذاك لم أكن تعرفت بنَفَس طويل على أعمال بسام، وكنت أحسب أن قطاعاً كبيراً من الحداثة الشعرية، خاصة حداثة بيروت، يكاد أو يرغب أن يكون خارج المكان. على الرغم من ذلك، ما زلت أذكر ما كتبه وضاح شرارة ذات مرة، كتب يقول: وديع سعادة، عباس بيضون، وبسام حجار: في سنة واحدة، 1985 ينبغي لقارئ الشعر أن يُعلِّم حَجَر هذه السنة بعلامة بيضاء. انتهى كلام وضاح، في هذه السنة أصدر بسام ديوانه «لأروي كمن يخاف أن يرى»، وكان يحوي موجودات العالم جميعاً في كل مكان، أبواباً وصناديق ونوماً وضوءاً وهواء وليلاً وغباراً ونوافذ وغرفاً إلخ إلخ، عندما راسلني بسام، كنت فقط أعرف ديوانه ذاك، بعدها ستنتظم علاقتي بشعره وترجماته. كنت أقرأ الآخرين معه، ولم أكن تعرفت شخصياً على أحدهم باستثناء عباس بيضون الذي قابلته في «زهرة البستان»، سنة 1982، فيما بعد سأتعرف عليهم جميعاً، وديع سعادة وبول شاؤول ورشيد الضعيف، الذين يمثلون مع آخرين الفصل التالي من فصول قصيدة النثر.

فقط فاتني ذكر محمد العبد الله الذي سينال موته من قوتي، كأنه شرفة داخل نفسي، في جهة أخرى من بيروت، لنفترض أنها جهة الجنوب. كان هناك امتداد نشِط للشعراء الرواد، بموسيقاهم وحليّهم الكثيرة، بقضاياهم الكبرى، كنت أتابعهم بدأب أيضاً، محمد علي شمس الدين وحسن العبد الله وجودت فخر الدين وشوقي بزيع. لم يتوقف أحدهم عن الغناء، وإنْ بتفاوت، بين غزارة الأول والأخير، ونزارة حسن وجودت، وكانوا يحققون شروط تجليات المكان في زمانه المحدد، كأنهم علامات على الطريق الذي قد نجتاز بعضه، أعود وأقول استجبت لدعوة بسام، وأرسلت رسالتي الأولى، والتي أصبحت الأخيرة. أرفقت بالرسالة شرطي الوحيد، ضرورة إرسال كشف مكافآت يسمح لصاحب المادة المنشورة بالاطلاع والتوقيع على استلام مكافأته التي تتقرر قيمتها بعد استشارتي لأنني الأقرب منهم إلى الكُتّاب المصريين، وبالتالي الأقدر على تمييزهم. كنت بيروقراطياً غشيماً مثل الليل ومثل النهار، كما كنت مدفوعاً أيضاً بالحرص الذي استعدتُ معه ذكرى ضياع كل مكافأتي عندما نشرت قصائدي في مجلة «الثقافة العراقية»، مجلة صلاح خالص وليست مجلة الشيوعيين، حيث كان مراسلها، الصحافي اليساري الشهير، يعتذر دائماً بتأخر المكافآت. عموماً، لم يراسلني بسام ثانية، وظللت أتابعه وأتابع ملحق «النهار»، قارئاً في الأغلب، كاتباً أحياناً، ونسينا، بسام وأنا، نسينا في صمت دافئ حكاية المراسل.

في سنة 1992، أرسل بسام ديوانه «فقط لو يدك»، بإهداء مكتوب بحبر أزرق برونزي، في نصفيْ سطرين، الأعلى عبد المنعم رمضان، والأدنى خالص المودة والتقدير، ثم مسافة رأسية بيضاء ونصفا سطرين آخران، الأعلى بسام حجار، والأدنى بيروت في 28/02/1992. مازلت أتأمل هذا الإهداء، إنه أيضاً محايد، حتى مع حضور المودة والتقدير، إنه أيضاً خارج المكان، حتى مع حضور كلمة بيروت. عموماً لم يكن هناك ما يجعل بسام حجار يندفع نحوي ويفتح لي لسانه وقلبه، احترمت على مضض تقشفه، وحرصت على متابعة ما يصدره من دواوين وترجمات، كأنني أتلصص عليه، رأيته داخل شعره في صحبة نفسه، ورأيته داخل ترجماته في صحبة سالنجر وهرابال وكالفينو، فابتهجتُ، ورأيته أيضاً في صحبة الظلال، فاختلجتُ، وقلت لعل ديمومة الظلال وحصانتها أغوته كما أغوت غيره. في كتابيه البديعين «مجرد تعب» و«صحبة الظلال»، تتحقق إلى الحد الذي يُحتمل يوتوبيا بسام حجار، يوتوبيا الظلال، يوتوبيا أن تنغمس في المكان وتتجرد منه وتصير خارجه، وأن تنغمس في الزمان، ماضيه وحاضره ومستقبله، وتتجرد منه وتصير خارجه، كأنك على حافة الكهف. سأسمح لك أن تظن الكهف هو كهف أفلاطون، كأن آنا أخماتوفا تقول لك على لسان بسام، كما روى بسام ذات يقظة، كل الأشياء التي أراها سوف تحيا من بعدي، وكأن بسام حجار نفسه يقول على لسان بسام، كما روى بسام ذات غفلة، أيها الباب سوف تحيا من بعدي، أيها الضوء سوف تحيا من بعدي، أيها المكان سوف تحيا من بعدي.

قبل أن أقابل بسام، كنت أتخيله، لم أستطع أن أستعين بصورته على بعض أغلفة كتبه، ظننتها صوراً مغشوشة لإخفائه لا لإظهاره، إلى أن قابلته أول مرة في باريس، وآخر مرة أيضاً، أظنه كان بغير شارب على خلاف الصور، وأظن أن عينيه كانتا غائمتين، هما في الصور مندهشتان، فقط بعض عناوين كتبه كانت تشبهه. الشخص الذي رأيته وسلمت عليه، كان كمن يخاف أن يَرى، كمن يخاف أن يُرى، كان بالفعل في صحبة الظلال، كان بالفعل بالفعل مجرد تعب، لم أعرف أثناءها أنه مريض بذلك المرض، لكنني قرب نهاية الرحلة عندما تساءلت عنه، وشوشني أحدهم، ولم أفهم، أصررت على أن بسام يبكي محبوباً ضاع منه، كنت أتمنى أن تكون الحكاية هكذا. عيناه ظلتا طوال الرحلة مخفيّتين، ولمّا عدت إلى القاهرة، أعدت قراءته، وقبل أن أتم حدسي وتخميني، فاجأني موته، فاستعنتُ كي أتعزى بعباراته: ليتخيل أحدكم الظلام مرآةً، ولو معتمة، يسير بمحاذاتها على وجه الدقة، ويصحبه الظل، ظله، في الجهة الأخرى من المرآة حيث يسود الظلام. انتهت عبارته، وانتهت عبارتي، كأنني أرى ظله حيث يسود الظلام.

* شاعر مصري

حالُ الصَّمتِ وأحوالُ الحضور/ سعد الياسري

مدركاً أنَّ كنهَ الحداثة «ثورة»، ولا شأن لها – شِعريّاً- بالوزن والقافية والشكل والتفاصيل هينة الشأن، وأنها حُمَّى انفتاحٍ وآليةُ تفكير كذلك؛ كتبَ بسَّام حجَّار قصيدته التي يسعنا وضعها -ووضعه بالطبع- في طليعة جيلٍ يروقني تسميته بـ «جيل الدَّم الثاني»؛ أعني دمَ الحداثةِ الثاني المجدِّد. لقد جمعَ بسَّام حجَّار خلال مسيرته، شاعراً ومترجماً وإنساناً، نوادرَ الخصال في بَني عصره، حيثُ ألَّفَ بين الطبع الرقيق، والروح المتَّقدة بالشغف، والعقل العنيد الذي لا يركنُ إلى الإجابات القريبة، وبين الذوق الصوفي – العرفاني – ذي العفَّة، الذوق الذي نحتَ إنساناً عاليَ الهمَّة ينفُذ عميقاً بشكلٍ نادر، ولا ينتشرُ أفقيّاً بلا طائل كما هو سائد.

بالنسبة إليَّ، اشتبكتُ مع منجز بسَّام حجَّار بمتعةٍ، ووقفتُ مع «معجم الأشواق» مطوَّلاً؛ حتى أنَّني عكفت قبل سنوات على إعداد «حاشية على معجم الأشواق» انسجاماً مع أجواء هذا العمل الفارق برأيي؛ مهداةٍ لروحه الحية، وبالفعل أنجزتُ منها فصولاً لولا أنَّ كسلي يحول بيني وتمامها. على أنني في كلِّ مرة أعود لمنجزه أو لمعجمه أكتشف سمو منزلته، وفيض عاطفته، وكلاهما بعيدٌ عن الزينة والزخرف، ومجردٌ من الحشو. اللّافتُ لي، لم يدخل بسّام حجَّار إلى القصيدة، أو إلى حقل الترجمة بوصفها قرينة إبداعه الأغزر، مدججاً بغير الصدق النادر. ولم يخرج من الحياة محمولاً على غير الفقد الذي قلَّما يتفق لرجل بلا أسلاف وبلا أصنام وبلا انتصارات، كما لم يخض في وحل المعارك الأدبية أو الصحافية الكبرى؛ الرجل – الطفل الذي ألقى الضوء على سريرته ومَشى يلاحق ظلّه فيها. منذ «مشاغل رجل هادئ»، مروراً بـ«فقط لو يدك»، و«مهن القسوة»، و«بضعة أشياء»، وحتى تحفته الروحية – المعجمية الفاصلة بين زمني القصيدة وأزمان المفردة «معجم الأشواق» وما بعد ذلك وما قبله، وبشتَّى ترجماته الفارقة؛ كان بسَّام حجَّار شاعراً ناضج المفردة يحترم قارئه، ومترجماً يفرض على متلقيه رِفعة ذائقته التي لا يُجادَل في أهميتها وقيمتها، كما كان رائياً -لا «يروي كمن يخاف أن يرى» بل يلتمس بعيدَ غاياته بحدس البصيرة وجلاء البصر.

نعم، لقد دخل بسَّام حجَّار في حال صمته، بينما لا يزال صوته حيّاً في «هذا وجهٌ لأنَّها تراه، وهذا قلبٌ لأنَّهُ يُقيمُ في ألمِ انتظارِها»، وكذلك في «لماذا لا ترسُمينَ العالمَ كُلَّهُ؛ لكي يُتاحَ لهُ أن يشبهَ شيئاً»، أو في «الغرفةُ، باستثناءِ قُبلتكِ، خاليةٌ». ولا تزال رقَّته تحضر طاغية في استعادته «لا الألمُ، بل مكانهُ بعدَ أن يزولَ، مكانهُ الذي لهُ: يبقى موجعاً»، وفي «أتبصرُ شرفةً مُضاءةً؟ إنَّها قلبي أيها الغريبُ!». الآنَ، وبعد عشرٍ مضين على رحيل هذا العرفاني الوديع: السَّلام على بسَّام حجَّار الذي زعمَ «أنتِ غائبةٌ. أنا غائبٌ. والأشياءُ غائبةٌ أيضاً»، فلم يغب بعدُ، ولم تغبْ أشياؤه التي تُشهدُنا – وقتَ شئنا – أحوالَ حضورهِ بيننا.

* شاعر وكاتب من العراق

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق