ثقافة وفكر

الربيع العربي بعد 8 سنوات: الواقع الواضح والمنطق الغائب/ سامر القرنشاوي

مراجل تغلي هنا وهناك، أغطيتها تتفاوت إحكاماً، وكل مُصمت لا بد مُنفجر. يمكنك أن تُبقي النار مشتعلةً وتحفظ الإناء سليماً لبعض الوقت شريطة أن يبقى مفتوحاً، أو أن تحفظه بتنفيسٍ مُستمر لما يمور فيه، لك أن تطفئ النار فلا حرارة ولا بخار، لكن أن تبقي المرجل سالماً بينما هو مُحكمُ الغلق فوق لهيب مشتعل، فمستحيل.

هذا ما عشناه بدرجاتٍ وصورٍ مختلفة منذ 2011 وما رأيناه في الشهور الماضية في السودان والجزائر، والجدل المستمر حول “الربيع العربي”: الولولة على الخراب، البكاء على فشل الثورات ونجاح الثورات المضادة، إسلاميون يصنفون أنفسهم دون غيرهم ثواراً ويشكون ما وقع بهم من “الخونة” و”الانقلابيين”، غير-إسلاميين يتهمون أتباع الإسلام السياسي بالغدر والغباء، تخويفٌ ونشرٌ للرعب من تكرار ما حصل، ناهيك بسيل نظريات المؤامرة، فكل ما حدث لم يكن سوى لعبة شيطانية كبرى. تتباين هذه المواقف إلى حد التناقض لكنها تتحدُ في إصدارها أحكاماً، أخلاقية، أو أيدلوجية، أو حتى دينية، على ما حدث. لكن رضانا أو سخطنا لا وزن لهما، المهم معرفة لماذا حدث وإلى أين نسير. الملايين لا ينزلون إلى الشوارع للمطالبة بتغيير سياسي، مغامرين بحياتهم، إلا إذا كانت الدوافع شديدة والبدائل المُقنعة غائبة. ليس المهم وجود مؤامرة أم لا؛ بل لمَ وجَدت المؤامرة (إن وجُدت) أرضاً خصبة متعطشة لاستقبالها؟

عن رضا الناس

إن كان هناك متآمرون أشرار، فهم الذين أسقطوا حُكم بن علي في تونس وجمال حسني مبارك ومشروع توريثه في مصر، وألّبوا جماهير سوريا السعيدة الراضية على حكم البطل المغوار بشار الأسد (ومن ثم أوقفوا حربه الشرسة الضروس لاستعادة الجولان)، وأوقعوا العاقل الودود الحكيم معمر القذافي، فذلك ببساطة لأن هذه الأنظمة كلها، باستعارة مصطلحات المال والاقتصاد، عانت من عجزٍ في الشرعية وفائض في القمع، علماً أن الآفتين متلازمتان. انحسار الرضا عن نظام حكم ما لا يترك له خيار، إن أراد البقاء في السلطة، سوى التوسع في القمع، وهذا بدورة لا ينحسر اتساعه، إلا إن نجح في نيل قبول شريحة واسعة من محكوميه. هل البلاد التي هزها “الربيع العربي” قد تغير فيها وضع الفائض- العجز الذي ذكرناه؟ هل أمسى رضا الناس عن حكامهم أكثر مما مضى أم أن خوفهم أصبح أشد؟ وإن كان الخوف وحيداً أو شبه وحيد قد أجّل السقوط سابقاً، ترى ما مدى فعاليته اليوم؟

شرعية سالبة؟

مجازاً، هناك اليوم “شرعية سالبة”. قبول الوضع القائم لا يرتكز على ما يقدمه النظام الحاكم لغالبية الشعب، بل البدائل الأكثر سوءاً التي يمنعها عنهم. هذا ما عبرت عنه بوضوح كلمات رئيس أركان الجيش الجزائري، وقبله أكثر من خطابٍ للرئيس السوداني (الآتي بإنقلابٍ متحالف مع الإخوان المسلمين). ركنٌ ركين في لغة أكثر من نظام عربي اليوم، “الحرب على الإرهاب” ومع هذا بالضرورة حماية المساكين المغرر بهم من “الفوضى” التي ترمي لها المؤامرات الشريرة الهادفة إلى هدم “الدولة” (الثورة هنا هي المؤامرة). مرة أخرى: لا هذه الشعارات ولا ذاك المنطق توضح لنا لم وصلت هذه “المؤامرات” إلى الشعبية التي نالتها، ولا المسؤول عن ثقافة الأغرار المنساقين وراء متآمر شرير في بلادٍ لم تعرف سوى الأنظمة الحاكمة ذاتها لعشرات السنين.

لكن إن كان الحديث عن “الدولة”، فما “الدولة”؟ وهل من نزلوا إلى الشوراع قبل 8 سنوات، وراهناً في السودان والجزائر ينتمون جميعاً إلى تنظيمٍ سري شيطاني يسعى إلى الفوضى المطلقة؟ ربما كان أول شعارٍ أشّر لما هو آتٍ في سوريا في 2011: “الشعب السوري ما بينذل”، ثم “الموت ولا المذلة”. ترى من يحمي مواطني دولة (أو رعاياها إن شئت الدقة هنا) ويصون حقوقهم وكرامتهم وحياتهم، سوى دولة مؤسسات؟ هذا أيضاً ما تشير إليه هتافات يناير 2011 في مصر، حيث كان الشعار الأساس: “عيش، حرية، عدالة اجتماعية”؛ ولا “عيش” من دون استقرار ولا استقرار من دون دولة، ولا “حرية” من دون دولة قانون وقضاء مستقل، وقطعاً لا “عدالة اجتماعية” من دون دولةٍ قوية نافذة. ما ثار النازلون إلى الشوارع والمخاطرون بحيواتهم ضده، كان سلطةً مختزلة في شخص أو مجموعة حاكمة ضيقة لا يحد أفعالها قانون (من ثم كانت شراراة الاحتجاحات في مصر وسوريا وتونس انتهاكات الأجهزة الأمنية). أي “دولة” تلك ثار عليها من انتفض، مثلاً لا حصراً، على معمر القذافي؟ صحيح، تظاهرات وانتفاضات 2010-2011، فتحت الباب أمام صورٍ ودرجات مختلفة من الفوضى، لكن لمَ حدثت الفوضى؟ من شَكلَ مجتمعاتٍ هشةٍ إلى هذا الحد؟ من حكم لعشرات السنين قبل 2011؟ ذو دلالة أنه حيث اعتقد الشارع في استقلالية بعض أجهزة الدولة اختلفت الصورة. مثلاً لا حصراً، في مصر عام 2011 استغاث كثرٌ ممن نزلوا إلى ميدان التحرير بالجيش لإنقاذهم من حكم أسرة مبارك، وهو نفسه الآتي من الجيش. عسكرية مبارك لم تغب عن أحد، لكن صورة القوات المسلحة كانت منفصلةً عن مبارك ونجليه. هل من يستغيث بقلب السلطة الحاكمة في مصر منذ 1952، يطلب هدم الدولة؟

انطلاقاً من أنها كانت من عمل أيادٍ خارجية، أو عناصر مُغرضة أو مضَللة (بضم الميم وفتح الضاد)، العمل اليوم على قمع صور الاحتجاج خشية تكرار ما حصل قبل 8 سنوات من دون التعامل مع جذوره يعالج العارض من دون المرض، يحكم إغلاق المرجل بينما النار مشتعلة، فلا تنفيس ولا إطفاء، فقط انفجار آخر لا محالة؛ التزام كامل بمفهوم آينشتين للغباء: تكرار التجربة ذاتها بالعناصر ذاتها وتوقع نتيجة مختلفة.

الصورة لا تبدو أفضل

في أيٍ من بلدان “الربيع العربي” لم تتحسن أوضاع الفقراء، إن لم تكن قد ازدادت سوءاً. في ما عدا تونس لم تتسع مساحة الحرية، أما عن سلوك الأجهزة الأمنية واستقلال القضاء، فالصورة لا تبدو أفضل. خطر الفوضى والإرهاب المنتسب للإسلام السياسي ماثل قطعاً، لكن إلى متى يصلح الخوف أساساً لقبول الوضع القائم؟ هناك سوابق تاريخية، لكن من ينظر عليه أن يرى كل المشهد. ربما أشهر سوابق الخوف أساساً لمرحلةٍ تاريخية كاملة حريق الرايخستاج في برلين عام 1933، بعد أقل من شهر من وصول أدولف هتلر وحزبه النازي إلى السلطة. أصر مؤرخون كثر على أن هتلر نفسه هو من دبر الحريق وألصق التهمة بأعدائه السياسيين، أي الشيوعيين. النتيجة واحدة: استخدم الحريقُ عذراً للقضاء على الحريات السياسية وتعطيل القانون وقمع المعارضين. لكن هتلر لم يتوقف عند أخذ الحريات بل أعطى الألمان ازدهاراً اقتصادياً أقرب إلى المعجزة بعد كسادٍ خانق وحقق انتصاراتٍ سياسية وعسكرية مهمة. كثيرون تخوفوا (عن حقٍ كما ثبت لاحقاً) من خليط السطحية الفكرية والعنف المفرط ناهيك بالعنصرية الطافحة وعبادة الفرد. كان أعداء هتلر يسمونه تحقيراً “الشاويش (العرّيف) البوهيمي”، فقد كان نمساوياً وإقليم “بوهيميا” (غرب جمهورية التشيك الحالية) كان جزءاً من إمبراطورية هابسبورغ النمساوية- المجرية التي أتى منها، وقد كان “شاويشاً” بالفعل في الحرب العالمية الأولى، حارب ونال وساماً لشجاعته لكنه لم يدخل كلية حربيةً وكان من خلفية اجتماعية متواضعة، بل لم يكن ألمانياً أصلاً. لكن ما قدمه “الشاويش” لشعب خرج جريحاً ذليلاً من الحرب العالمية الأولى ضمن له شعبيةً طاغية لم تفق منها ألمانيا إلا متأخرة جداً.

من جهة، اللحظة الحرجة والحاجة إلى مخلص، لا يضمنان وحدهما استمراراً في السلطة، ومن جهةٍ أخرى فإن الرأي الواحد نهايته حكماً كوارث. عين الشاويش نفسه، عدا رئاسته للدولة، وزيراً للدفاع، لم يكن جنرالاته المخضرمون قادرين على مناقشة قراراته أو انتقادها. كان رئيس الوزراء البريطاني الارستقراطي وينستون تشيرشيل خريج معهد ساندهيرست العسكري العريق، خدم لسنوات في الجيش الامبراطوري البريطاني قبل أن يترك الجيش للسياسة (عاد إلى الجيش في الحرب العالمية الأولى)، على رغم ذلك كله، وعملاً بطبيعة الحكم في بريطانيا، لم يتردد جنرالات تشيرشل يوماً في مراجعة قراراته (وهذا حكماً غير عصيان الأوامر الصادرة أو مخالفة التراتبية العسكرية). محصلة الحرب نعرفها جميعاً مثلما نعرف أن حكامنا المنفردين بحكمتهم لم يكسبوا معركةً إلا استثناءً.

شخصنة الدولة طريق للكوارث، لكن إن أتى مع ذلك مشروع ايدولوجي ربما وجد استمراريةً تطول أو تقصر، من خلال بناء حزبي يرتبط بالشارع بطرائق غير الجواسيس (بقي هؤلاء أم ذهبوا)، يستندُ إلى أفرادٍ مستعدين للقتال من دون النظام، عن اقتناع أو انتفاع أو الاثنين معاً (مثلاً: الحرس الثوري الإيراني، شبيبة هتلر). ما الحال إذاً إن غابت الأيدولوجية وغابت معها القدرة على شراء رضا قطاعات واسعة من المحكومين؟ بل ماذا إن كانت حال هؤلاء لا تتحسن بل تزداد سوءاً؟ “السر المفضوح”، بحسب تعبير إنكليزي شائع، أن كياناتنا السياسية الحاكمة عانت حالةً من الإفلاس الأيدولوجي الكامل لعقود. كل ما تربينا عليه من قيمٍ سياسية ميت أو في النزاع الأخير. أحاديث الوحدة والعروبة وشعاراتها، بلا وزن إن لم تكن أضحوكة مؤلمة. هشاشة الكيانات التي تشكلت بعد الحرب العالمية الأولى تنبئنا بها سوريا والعراق اليوم، كما يذكرنا بها لبنان على فترات ندعو الله أن تتباعد. فلسطين وقضيتها يصعب على أي حكومة عربية أن تدّعي اليوم التزاماً بها كانت تدعيه في السابق. ربما يمكن للإسلام السياسي هنا وهناك أن يدعي أنه حُرم من فرصته وطورد من السلطة والسياسة. لكن لا ثلاثة عقود في السلطة في السودان، ولا عقد وأكثر في غرة ولا العام اليتيم البائس في سدة الرئاسة في مصر ينبئ بخير. ربما من دون قصد، لو سارت تظاهرات 2011 نحو نهاية ديموقراطية لعجّلت بظهور شرعيةٍ مختلفة للسلطات الحاكمة في بلادنا، كون هذا التغيير مؤجلاً الآن، لا ينفي بقاءه احتمالاً قوياً.

موقع الضحية

لكن من بين الايدولوجيات والمشاريع القومية المأزومة يتمتع الإسلام السياسي (السني) بميزةٍ خاصة: موقع الضحية، الدور الذي اعتاده وتعود استغلاله، لا فقط لاستدرار العطف، لكن للتغاضي عن الأخطاء الكارثية التي أدت بهذا التيار وبنا جميعاً إلى ما نحن وهم فيه اليوم. من ثم نسأل: هل الأنظمة المختلفة التي تستمد شرعيتها من الحرب على الإرهاب (الذي يرادف عادة الإسلام السياسي، أو على الأقل معظم صوره) جادة في القضاء على دور الدين في السياسة؟ في علمنة الفضاء العام وتأكيد الحريات الشخصية، سواء وافقت المفاهيم الدينية السائدة أم لا؟ الإجابة المختصرة: لا؛ الإجابة الأطول: لا تغيب فقط الرغبة في فصل الدين عن الدولة تأميناً لمشروع الدولة الوطنية والمواطنة، بل يحضر الاستعداد دوماً لتوظيف الدين في السياسة، طالما خدم ذلك السلطة القائمة التي تحارب “الإرهاب”. نموذج “الرئيس المؤمن” مؤسس “دولة العلم والإيمان”، السادات، نمطٌ باقٍ مُتكرر.

من بين الايدولوجيات والمشاريع القومية المأزومة يتمتع الإسلام السياسي  بميزةٍ خاصة: موقع الضحية

لكن هل كان واقعياً أن نتوقع أن تنتقل دولٌ بين عشية وضحاها من السلطوية إلى الديموقراطية؟ ومن ثم هل من الصحيح القول إن الثورة “فشلت”؟ مرة أخرى السؤال الخاطئ يأخذنا إلى استنتاجاتٍ خطأ. الثورات ليست خطاً ثابتاً صعوداً. قد تتشابه التحولات المؤلمة لكن لا تتطابق تجربتان. من يكلف نفسه عناء القراءة سيعرف أن التراجع إلى ما هو أسوأ مما سبق هذه الثورة أو تلك، عند نقاطٍ معينة جزء أساس من طبيعة الأمور، بل وسيرى أن ما نسمعه في بلاد مسلمة اليوم من لغة متطرفة تستحضر الله، مجسداً في أفعال البشر، ليست قصراً على أمثال داعش ولا على المسلمين. مثلاً لا حصراً وسط صراعات دينية مستعرة أعدم البريطانيون ملكهم تشارلز الأول منتصف القرن السابع عشر، الجيش الذي حاربه كان يصف نفسه بـ”جيش الرب”، لكن الأهم أن اعدام تشارلز الأول تلاه حكم أوليفر كرومويل، خلال الحقبة الجمهورية الوحيدة في التاريخ البريطاني. كرومويل، البروتستاني الطهراني المتعصب، كان حكمه أكثر ديكتاتورية وأشد عنفاً من سلفه الملك الذي أعدم لتفرّده بالسلطة، تماماً مثلما تلت إعدام لويس السادس عشر في فرنسا فوضى دموية و”حكم إرهاب” (هكذا يسميه المؤرخون حرفياً) وصولاً إلى دكتاتورية ضابط مدفعية مرموق عين نفسه امبراطوراً: نابليون. وفي الحالتين البريطانية والفرنسية عادت الملكية القديمة.

في بريطانيا اعتلى تشارلز الثاني، ابن تشارلز الأول، عرش أبيه مؤرخاً لبداية حكمه بإعدام أبيه، كأن أياً مما حصل لم يكن، لكن بريطانيا كانت تغيرت إلى الأبد، وصولاً عبر قرون من التحول البطيء، إلى الديموقراطية البرلمانية التي نراه اليوم. أما في فرنسا فبعد نابليون عادت أسرة بوربون إلى السلطة لكن حكمها سرعان ما انتهى وعادت الجمهورية من جديد. علماً أن هذا التاريخ لا ينفي فقط الموت، عما بدأ عندنا قبل بضع سنوات، لكنه يرد أيضاً على من يدعي أن هذا الشعب أو ذاك “غير جاهزٍ للديموقراطية”، وكأن هذه تُعلم في مدرسة لتلاميذ أغرار، وعلى يد سلطة متحكمة (تنهي الديموقراطية دورها)، أو أن الديموقراطية كاملة الأوصاف تخلق عبر يوم وليلة لا عبر عقودٍ أو قرون. لكن حتى إشعار آخر يبدو أننا سندفع ثمناً باهظا للعجز الكامل عن التعلم أو حتى الاستماع أو التفهم.

درج

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.