سياسة

سورية.. الجريمة في كيفية القتل لا في القتل/ أسامة أبو ارشيد

عاد الشقاق ليطلّ برأسه بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن هوية مرتكب جرائم الحرب في سورية. المفارقة هنا أن جرائم الحرب بالنسبة للطرفين لا تعني قتل المدنيين العزّل وحصارهم وتجويعهم وتدمير ممتلكاتهم وتشريدهم وَنَكْبِهِم، بقدر ما أنها تعني تنفيذ ذلك باستخدام أسلحة كيميائية وغازات سامة. إذاً، القضية في المقاربتين، الأميركية والروسية، تتعلق بكيفية إيقاع الكارثة بالسوريين، لا في وقوعها! ولك أن تتخيل روسيا تدين جرائم الحرب في سورية، وهي نفسها متورطة فيها، ذلك أن طائراتها الحربية هي من ينشر الموت والخراب، وهي من يمهد الطريق لتقدم قوات النظام ومليشيات إيران على الأرض. أما الولايات المتحدة، فهي شريكة كذلك في تلك الجرائم، على الأقل عبر صمتها عليها، ووضعها في الماضي حظرا على تمكين الثورة السورية من أسلحةٍ نوعية، وصولا إلى التواطؤ ضدها، كما جرى في الغوطة الشرقية، ثمَّ في الجنوب، وتحديدا منطقة درعا، العام الماضي.

برز الجدال أخيرا بين الطرفين في الأيام القليلة الماضية، بعد أن أعربت الولايات المتحدة، الثلاثاء الماضي، عن شكوكٍ تساورها من أن جيش النظام السوري قد يكون استخدم أسلحة كيميائية، وتحديدا غاز الكلور السام في هجوم، يوم الأحد الماضي، على مناطق في مدينة إدلب شمال غرب سورية. وحسب بيان لوزارة الخارجية الأميركية، ما زالت واشنطن تجمع

معلوماتٍ عن الهجوم المفترض، وتعهدت في حال ثبوته بـ”رد سريع ومناسب من الولايات المتحدة وحلفائها”. لم يتأخر الرد الروسي الذي رفض المزاعم الأميركية، ودان “حملة التضليل” التي تحاول إلقاء مسؤولية الهجمات الكيميائية على النظام. ولم تكتف موسكو بالإنكار والتنديد بالاتهامات الأميركية، بل زعمت أن هيئة تحرير الشام أنشأت “الفرع الكيماوي”، والذي يعمل على إعداد مواد دعائية مفبركة عن استخدام جيش النظام أسلحة كيميائية. أبعد من ذلك، كانت روسيا اتهمت، الشهر الماضي، منظمة الخوذ البيضاء، الإغاثية المدنية السورية، بإعداد سيناريوهات لاتهام النظام السوري بشن هجمات كيميائية شمال غرب البلاد.

الغائب الأكبر من التراشق الأميركي – الروسي بالاتهامات هو حقيقة ما يجري في كامل محافظة إدلب وأرياف حماة وحلب واللاذقية، حيث بدأت قوات النظام، مدعومةً بمليشيات إيران، على الأرض، والطيران الحربي الروسي، في 25 الشهر الماضي (إبريل/ نيسان)، عملية عسكرية واسعة هناك. ويقطن في منطقة “خفض التصعيد” تلك، حسب اتفاق أستانة بين روسيا وتركيا وإيران، عام 2017، نحو أربعة ملايين مدني، بينهم مئات الآلاف ممن هجّرهم النظام من مدنهم وبلداتهم بعد سيطرته عليها. ومنذ بدء الهجوم الأخير، قتل وجرح مئات من المدنيين العزّل الذين لم يعد لهم مكان آخر في بلادهم المنكوبة يمكنهم الهرب إليه. وعلى الرغم من حديث الروس عن إعلان قوات النظام، يوم الأحد الماضي، عن هدنةٍ من جانب واحد، إلا أنه لا يمكن الوثوق بهذا الإعلان، خصوصا أن تلك القوات لم تنسحب من المناطق التي سيطرت عليها منذ بدء عملياتها العسكرية أواخر الشهر الماضي، ولا يبدو أن في نيتها ذلك. أضف إلى ذلك أن روسيا نفسها متورّطة في العدوان الأخير، فهي، مع تركيا وإيران، إحدى الدول الضامنة لمسار أستانة، وواضحٌ أن الروس والإيرانيين عازمون على السيطرة على آخر معاقل المعارضة السورية المدعومة من تركيا، حتى ولو كان ثمن ذلك الانقلاب على الاتفاقات الموقّعة معها.

اللافت هنا هو الموقف الأميركي، المتخاذل أو المتواطئ، سمّه ما شئت. على الرغم من أن بيان الخارجية الأميركية، والذي سبقت الإشارة إليه، دان هجوم قوات نظام بشار الأسد و”خرق الهدنة” في منطقة إدلب. وعلى الرغم من أنه عدّد تلك الخروق من استهداف مئات آلاف المدنيين، وتدمير المنشآت السكنية والصحية والمدارس ومخيمات المشردين، إلا أنه اكتفى بالقول إن هذا الهجوم “تصعيد متهوّر يهدّد بزعزعة استقرار المنطقة”. أما التهديد باللجوء إلى القوة، فقد حصره البيان الأميركي باستخدام النظام الأسلحة الكيميائية والغازات السامة في هجومه!

في الحقيقة، لا يُعد الموقف الأميركي جديدا، فقد سبق للرئيس السابق، باراك أوباما، عام 2012، أن جعل من استخدام السلاح الكيميائي في سورية “خطا أحمر”. وحين استخدمه النظام في الغوطة، في أغسطس/آب 2013، أعلن البيت الأبيض أن رداً عسكريا أميركيا لن يكون بهدف إطاحة الأسد، بقدر ما سيكون عقوبةً على استخدام ذلك السلاح. ونعلم أن أوباما لم ينفذ وعيده حينها بشن هجوم عسكري، بل اكتفى بزعم النظام تسليم كل مخزوناته من الأسلحة الكيميائية، وهو ما ثبت كذبه فيما بعد. أما إدارة الرئيس دونالد ترامب، وعلى الرغم من أنها شنت هجومين محدودين على قوات النظام السوري، عامي 2017 و2018، ردا على استخدامها أسلحة كيميائية، إلا أنها بقيت ملتزمةً بالإطار العام الذي حدّدته إدارة أوباما، والقاضي بحصر أي رد عسكري أميركي باستخدام أسلحة كيميائية، وألا يساهم الرد في تقويض نظام الأسد وإطاحته.

باختصار، الموقف الدولي اليوم، وتحديدا الغربي منه، لا يبالي بإبادة الشعب السوري على أيدي نظامه والروس والإيرانيين والمليشيات الطائفية، كما أن الوحشية في الإبادة لا تعنيه أيضا. كل ما يهمه هو ألا ترتكب تلك الجرائم بأسلحة كيميائية وغازات سامة، ليس شفقةً على الضحايا، ولكن خوفا من امتلاك نظام دولة مجاورة لإسرائيل مثل تلك الأسلحة. أما العرب فهم لا في العير ولا في النفير، فهم قد غسلوا أيديهم من معاناة الشعب السوري، بل بعضُهم متواطئ فيها.

العربي الجديد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى