شعر

القلعة/ نزيه أبو عفش

يغلقُ الليلُ أبوابَ بيتِ أبي ويخلِّفني  خارجاً . .

أتلصص من فجوةٍ في السياج وأطلق روحي في الهواء السميك

فتبصرُ . . طيفَ أبي عائماً في الفضاء

يصون المكان ويحمي سكينته

وأخي يترنّح في مستطيلٍ من النور

ضاماً يديه على كرةٍ من هواءْ . .

هوَ ذا البيتُ !

أوشك من موضعي أن أقيسَ حرارته

وأشمّ هواء الغرف

هوَ ذا البيتُ !

أُوشك أن أتلمّس أجزاءه

وأعدّ تفاصيله في شغف

هوَ ذا . يتفتح قدام قلبي ويطرح أسراره:

حجرٌ ما،

حذاءٌ أطاح به أحدٌ ما .

مغزل الصوف ملقى إلى جانبٍ ما

القدور، القوارير، خابية الماء

ركن فراش الطفولة، حيث يروق النعاس لجدّي، فيبيضّ شاربه . . وتطول ذراعاه

أيقونةٌ للعشاء الأخير معلقة فوق رأس أبي

تدفع الخوف عنه وتحرس أحلامه

وتدٌ غامض . .

كان في زمنٍ غابرٍ مِشجباً لملابسنا

لم تزل تتسرّب منه روائح أجسامنا

وعطور ثياب الأحد

ثغرةٌ في الجدار . .

( وُجدت هكذا )

جعلتها نباهة أمي مصيدةً للفأر

وحصّالة لنقود الوالد

تُركت هكذا، في رضاها اليتيم،

تعدُّ الغبار وتغني قداستها،

سدّة الذكريات: خزانة أمي،

المرايا،

حفيف تداخل أجسادنا في نسيج المرايا

أدوات الحياة مبعثرة في الزوايا

هوَ ذا . . . ميتم الروح

حضن فضائلها الغابرات ومملكة العاشقين

كلّ ما فيه من حنان على كلّ ما فيه

مستسلم لسكينته، غارق في السلام

معجز في وداعته، راسخ في رضاه

كأن . . هكذا تركته يد اللـه من ألف عام

إنّه البيت

حارسنا الشهم،

مسند أرواحنا الذاهلات

ينام الجميع

وتغفو قلوب الجميع

وحجارته لا تنام

*   *   *

فجأة،

كلّ شيء هدأ

خلط الليل أشجار منزلنا بحجارته

سقفه بالسماء

نوافذه بسياج الحديقة .

مستطيل أخي غام في لحظةٍ وانطفأ

كلّ شيء بدا . . ساكناً

كلّ شيء غدا . . داكناً

كخيال إله ضجر

يتسلّى بأفكاره قبل بدء الخليقة

*   *   *

يا أبي، لو تصدّق:

ما جئت أشكو إليك

ولا جئت أطلب مالاً

ولا عنّ لي بعد هذي السنين

أن أقاضي على حجر

أو أثير على ما افتقدت العراك

لو تصدقني يا أبي

جئت

كيما

أراك

*   *   *

ضرب الليل أركان منزلنا . . وابتعد

ساحباً خلفه الأغطية

حاملاً ما استطاع:

الصحون، الكراسي، المصابيح،

خابية الماء والأحذية

لم يخلّف لنا من حوائجه الألف غير عصا جدتي

وصليب من الشوك فوق سرير الولد

ثمّ خلّفني في الدمار وحيداً

وأومأ لي:

لا تعدْ . . .

. . . . . . .

هبَّة، من حنين

عصفت بالفتى

فأتى

ليرى

لا أحد

*   *   *

لا تفق يا أبي

فلقد عرفتني الكلاب

وشمّت روائح يأسي القطط

لم أجئ طارقاً

لم أجئ طارقاً

جئت أبكي فقط

جئت أسأل عن حجر ضاع مني

ها هنا ذات يوم

عن شؤوني التي كنت أدفنها في زوايا

الجدار القديم

جئت أسأل عن خاتم من تنك

فرّ من إصبعي في الطريق إلى البيت

يومئذٍ لم أعره اهتماما

جئت ألقي على حصن روحي السلاما

جئت أبحث عن كتبي

عن حذائي القديم ومريلة الثالث الابتدائي،

جئت ألملم آثار خطو البناتِ

وأختام أحذية الطالبات

عن غبار الطريق

جئت كإله، أنفخ في الطين

علّي أعيد إلى ما مضى الروح

علّي أسدّ الجروح وأحيي الركام الذي يحترق

جئت أسأل عن ركن أرجوحتي في الممر الطويل

عن عذابات حبّي الجميل

وقلبي الذي كان تخلعه نسمة من هواء

عن بدايات شعري التي كنت أبعثها للنساء

عبر أسلاك طيارة من ورق

. . . . . . .

لاتفق يا أبي .

آه، لا تضطرب يا أبي

لا تصح: منْ هنا ؟ !

إنّ هذا أنا

جئت أبحث عن صورتي في التفاصيل

في ما تساقط من ذكريات الطفولة أثناء غفوتنا

في الحجارة،

في ملمس العشب تحت سماء الربيع

في طلاوة ماء الينابيع

في ما تخلفه الشمس من ذهب العصر

فوق سطوح البيوت

في الحنين الذي لا يموت

جئت أبحث عن شبهي في التفاصيل

في ما تخلّف بين ثنيات أرواحنا من نزق .

في البكاء الذي كان في لحظة، يعترينا

فيجعل أرواحنا تختنق

في الهتاف الذي يشعل القلب

في شهقة القلب تحت جناحي سنونوةٍ

تنطلق

جئت أبحث عن جدتي في البقايا

عن حوائجها الغامضات،

روائح أثوابها القطن،

قمطتها،

صلوات المساء التي تُذهب الخوف عن روحنا

وتقينا عثار الطرق

جئت أبحث عن جدتي

عن رنين عصاها على درج البيت

عن سرّ فطنتها الدائمة

جئت من آخر العالمين

أنظّف روحي على ركبتيها

وأبكي قليلاً

على روحها النائمة

 *   *   *

لا تُفق يا أبي

فأنا لست جوعان

لست حزيناً تماماً

ولست شقياً تماماً

ولكنني . .

تعبتْ فيَّ روحي قليلاً

وجسمي قليلاً

ولكنني لم أزل قادراً أن أصون السجايا

وأحفظ ثوب الرعاة النظيف

لم ألوث يدي بالوحول

ولم تلوِ قامة روحي الكنوزْ

لم تدنّس فمي صلوات الذين يُجيزون

ما لا يجوزْ

لم يزل سارقو عمرنا يضرمون الحرائق في لغتي

ويثيرون في الكلمات القرفْ

لم أزل شاعراً يا أبي

لم أزل قادراً

أن أقيس المسافة بين الرضا والترف .

لا تنم يا أبي . . .

أو . . . فنمْ .

أنت قلعتنا

أنت سور فضائلنا الباقيات

أنت علمتنا

أن نحب الحياة

ونأكل لقمتنا بشرفْ .

*   *   *

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق