مقالات

تجربة في صُنعة المترجِم: من الماغوط إلى لينين الذي يعرف العربية!/ فواز طرابلسي

بدأتْ الترجمة عندي كهواية. بل غواية. ولا تزال بمعنى ما. لم احترفها. رغم أني تقاضيت أتعابي من بعض الترجمات.

بدأتُ بترجمة الشعر: أول قصيدة ترجمتها إلى الإنكليزية وأنا في المدرسة الثانوية كانت قصيدة سياسية لنزار قباني ضد زيارة مبعوث أمريكي كان يروّج لأحد مشاريع الأحلاف العسكرية في المنطقة. أرسلتها للشاعر، ردّ عليها، وهو ملّم بالإنكليزية بسبب عمله الدبلوماسي، وقد شطّب منها وصحّح من الكلمات أكثر مما أبقى. بعدها ترجمت قصائد لشاعر قصيدة النثر محمد الماغوط، وقد انتقل إلى بيروت، أذكر منها قصيدة “حزن في ضوء القمر” وقد نشرتها في مجلة مدرسة برمانا العالية بالإنكليزية التي كان يحررها زميل الدراسة رياض الريس، الصحافي والناشر حاليا. يبدو أن هذه كانت أدقّ ترجمة من حيث اللغةً من سابقتها والدليل أن الناشر نشرها بعد أن أجرى تعديلات طفيفة عليها.

أحبّ نصا فأترجمه. ولست أستطيع أن أعيّن بدقة السبب. أهو من قبيل الاستحواذ على النص؟ أم التماهي معه فأحسب نفسي أنا مؤلفه؟ كل مترجم مصاب بمثل شهوة الاستحواذ هذه: ينقل النص إلى لغته فيظن أنه صار ملكه. صار نصا ألّفه. على النقيض من هذه النزعة الأنانية هناك حبّ المشاركة: توفير لمن لا يملك اللغة الأجنبية الفرصة لتذوّق العمل المترجَم؟ وعلى مستوى آخر تماما، وهو ليس بقليل الأهمية اطلاقا، قد تمارس الترجمة للترويج لمضمون النص او لأسلوبه: فكر مفكر، أسلوب أديب.

مهما يكن، أترجمُ أحيانا بغض النظر عن غاية النشر. هذه حالي مع أعمال جون برجر وإتيل عدنان وإدواردو غاليانو وبول إيلوار وناظم حكمت ويانوس ريتسوس وبابلو نيردوا. أحسب أن الميل إلى مشاركة القراء في نصٍ أحبّه هو ما غلب مع الوقت. على هذا المنوال، ترجمت رواية أليساندرو بارّيكو القصيرة “حرير” دفعة واحدة، فور الانتهاء من قراءتها، ودفعتها للنشر لاكتشف أن ثمة ترجمتين لها في المكتبات.

لفترة في الستينات والسبعينات، كانت الترجمة لي حرفة بل عملا جزئيا – “فري لانس” كما يقولون هذه الأيام. ترجمت الكثير من المؤلفات في اليسار والماركسية والتحرر الوطني والاجتماعي. كان ذلك ضمن ورشة من رفاق وأصدقاء، في مجموعة “لبنان الاشتراكي”، يرون إلى الترجمة على أنها مهمة نضالية بذاتها في حقلي التوعية والتثوير. كان ذلك زمن “دار الطليعة” وصاحبها بشير الداعوق، الإنسان الدمث والقارئ الاستثنائي والناشر الجريء. ترجمتُ أعمالا نظرية لماركس ولينين وتروتسكي وغرامشي وتشي غيفارا، ودراسات عن الثورات والانتقال إلى الاشتراكية في الصين والاتحاد السوفييتي وكوبا وفيتنام، إلى تحرر المرأة وغيرها. كذلك نقلت إلى العربية سيرة ستالين لإسحق دويتشر. وقد ترجمتُ تلك الأعمال عن الانكليزية أو الفرنسية. فلم نأبه حينها للشغل على الأصول أو مقارنة النص المترجم بالأصل.

انقطعتُ عن الترجمة من السبعينات إلى التسعينات خلا بعض الترجمات التي أسهمت في تقطيع الوقت خلال أيام الحرب في لبنان والليالي، عندما يشتدّ القصف وتشتعل المعارك فتحبسنا في البيوت. من ترجمات تلك الفترة كتاب لينين الأساسي في الاقتصاد السياسي “تطور الرأسمالية في روسية” ولم تكن دور النشر السوفييتية قد أقدمت على نشره لأسباب لا أزال أجهلها.

عدتُ للترجمة بعد الحرب. ترجمت لإدوارد سعيد بالصدفة. جاءنا إدوارد إلى بيروت في احدى المناسبات الأكاديمية التي كان مدعواً إليها في الجامعة الأمريكية، وأطلعني على عدد من الصفحات اختارها من سيرته الذاتية قيد الإعداد وقد ترجمها له أحد الأصدقاء. أجريت بعض التعديلات عليها. قبل أن يغادر، سألني: هل أنت مستعدّ ان تترجم السيرة الذاتية عندما تصدر؟ أبديت الاستعداد لذلك واشترطت: لغتك عويصة وحصيفة سوف أفككها وأبسّطها وأعيد تركيبها باللغة العربية. قال أنا موافق. وهكذا صار. بعد “خارج المكان”، ترجمت لإدوارد كتابين صدرا بعد الوفاة: مجموعة محاضرات بعنوان “الأنسنية والنقد الديمقراطي” تتوّج نظرته الإنسانية العلمانية في المرحلة الثالثة من تطوره الفكري، على اعتبار أن الأولى هي مرحلة نقد الاستشراق، والثانية مرحلة الثقافة والإمبريالية. أما الكتاب الآخر فهو “عن الأسلوب المتأخر. أدب وموسيقى عكس التيار” وهو مجموعة أبحاث لامعة عن شعراء وروائيين ومؤلفين موسيقيين وعازفين زادهم العمر تمردّا ومشاكسة.

نوادر الترجمة

لترجمتي سيرة ستالين لإسحق دويتشر قصة تعطي فكرة عن خطورة فعل الترجمة. في أكثر من مناسبة أبلغني طاهر كنعان ووميض عمر نظمي، كل منهما على حدة، أن صدام حسين يبدي إعجابه بترجمتي لكتاب دويتشر. وقد وصف الاثنان الأمر بالقول إن ترجمتي محفوظة على المائدة قرب سرير الدكتاتور العراقي. أردت التأكد من الموضوع فعاودت طرح السؤال على الدكتور كنعان خلال زيارة إلى عمان ربيع العام 2019 فأكد إنه سمع القول من الراحل عبد الوهاب كيالي الذي كان على علاقة وثيقة بصدام. لم أستغرب الأمر، تذكرت أنه في المرة أو المرتين اللتين قابلت بهما صدام حسين، خلال زيارات وفود الحركة الوطنية إلى بغداد، كان يسألني عن آخر ترجماتي. نمي الخبر إلى الصحافي جوزيف فاضل، مسؤول صفحة ثقافية في مجلة “الحوادث”، فكتب مقالة يحمّلني فيه مسؤولية أفعال الدكتاتور العراقي طالما أني قد مكّنته من الاطلاع على سيرة الدكتاتور السوفييتي، على ما في التهمة من سخافة. هنا يقتضي التوضيح بأن إسحق دويتشر ماركسي بولوني معارض لستالين، وصاحب ثلاثية شهيرة عن سيرة تروتسكي. وقد شكلت سيرة دويتشر عن ستالين والحقبة الستالينية من أوائل الأعمال الجريئة في نقد التجربة السوفييتية من منظار يساري.

قبل سيرة ستالين، وأنا لا أزال على مقاعد الجامعة، ترجمت كتاب “الثورة الدائمة” لليون تروتسكي، غريم ستالين وضحيته. لم يكن الاختيار عفو الخاطر. كان يتضمّن نقدا لنظرية الأحزاب الشيوعية السائدة حينها عن مرحلتي الثورة: برجوازية وطنية/اشتراكية. جذبتْ الترجمةُ إلى بيروت المناضل الفرنسي بيار فرانك، أحد قادة “الأممية الرابعة” التي أسسها تروتسكي. وكان فرانك أحد سكرتيري القائد البلشفي خلال منفاه الأول في “جزيرة الأميرات” في تركيا. لست أذكر تماماً كيف عثر عليّ فرانك وقد نُشِرتْ الترجمة باسم مستعار، هو بشار أبو سمرا. لكن دفعه الفضول للتعرّف إلى اللبناني الذي خطر بباله أن يكسر الحُرم الستاليني على رفيق لينين ومؤسس الجيش الأحمر. دعوت فرانك إلى غداء سمك في مطعم الحاج داود ذي الأرضية الخشبية، المركوز على أعمدة فوق البحر، الذي كان مقهانا السحري في تلك الأيام. وعاد المبعوث الأممي إلى بلاده من دون أن يقنعني بالانضمام إلى “الأممية الرابعة”. فقد كنّا في مطلع تكوين مجموعة “لبنان الاشتراكي” وبيننا من اعتبر أن أي صلة بالتروتسكية سوف تقضي على فرص التواصل مع الحزب الشيوعي، فطُلِبَ مني استخدام اسم مستعار للترجمة. مهما يكن، أورثتني تلك الترجمة تهمة التروتسكية في الحركة الشيوعية العربية ولم يرحمني التروتسكيون العرب لأني لم أكن منهم.

على العكس من ذلك، تحمل الترجمات أحيانا الحفاوة والاعجاب. في تلك الفترة ترجمت كتاب الصحافي الأمريكي جون ريد “عشرة أيام هزّت العالم” وهو تحقيق شهير عن يوميات استيلاء البلاشفة على السلطة في روسية. كتب لينين مقدمة مختصرة للكتاب، وقد ترجمته زوجته كروبسكايا إلى الروسية. عند تجهيز الكتاب للنشر، اقترح عليّ الصديق الراحل ناجي علوش، مدير الدار حينها، ان أكتب مقدمة لينين بخط اليد، هكذا من قبيل التشويق للقراء. وقد فعلت. في تلك الأيام كانت الإشارة المتعارف عليها لإبقاء الصوّرة على حالها هو كتابة مفردة meme بالفرنسية للمصوّر. بناء عليه، كتب ناجي   memeبالقلم الأزرق. يبدو أن المصوّر صوّر التعليمة مع النص بدل أن يلتزم فقط بتنفيذها. فبدت الإشارة meme  عند النشر كأنما هي توقيع لينين.

زرتُ العراق بعد صدور الكتاب وقد جرى الترحيب بي في أوساط عدة بصفتي مترجم كتاب جون ريد. كنت في ضيافة الرفيق والصديق قيس السامرائي (أبو ليلى الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين لاحقا) وقد نظّم لي لقاءات مع ممثلين عن الحزب الشيوعي العراقي، من عرب وأكراد، ومع أحد مؤسسي حزب البارتي الكوردي، وزيارة للزعيم الديمقراطي كامل الجادرجي، عدا عن اللقاءات الغنية التي عقدتها في المقاهي مع مثقفي العراق الرائعين. وفي عديد من تلك المناسبات، كنت أتلقّى السؤال المدهوش ذاته “هاه! هو الرفيق لينين كان يعرف اللغة العربية؟”.

(يتبع)

كاتب وأكاديمي لبناني

القدس العربي

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق