أبحاث

في العلاقة بين “سوريي الداخل” و”سوريي الخارج”/ حسام الدين درويش

بُعيد انطلاق الثورة السورية، انقسم السوريون إلى ثلاثة أقسامٍ رئيسةٍ: معارضون لنظام الأسد و/ أو ثائرون عليه، وموالون له، و”رماديون” لا يتبنون موقفًا واضحًا، إما لممارستهم التقية السياسية، أو لعجزهم عن تبني مثل هذا الموقف. ومع رد الفعل العنيف والإجرامي للنظام على الثائرين عليه، ظهرت العديد من الانقسامات الإثنية والدينية والطائفية والمناطقية التي أصابت جانبًا من “وحدة المجتمع السوري” بشروخٍ عميقةٍ وجروحٍ بليغةٍ. ومن الانقسامات المستجدة التي يُتوقع أن يكون لها حضور قوي وطويل الأمد هو ذاك الحاصل بين ما يسمى ﺑ “سوريي الداخل” و”سوريي الخارج”. ولا يحيل مصطلحا “الداخل” و”الخارج”، في هذا السياق، على داخل سورية وخارجها، وإنما على السوريين الذين يعيشون في المناطق الخاضعة لحكم النظام الأسدي والسوريين الذين يعيشون خارج هذه المناطق.

يبدو الانقسام بين سوريي الداخل والخارج أمرًا ثانويًّا وضئيل الأهمية، مقارنةً بالانقسامات الأخرى، لكن التدقيق في حيثيات هذا الانقسام، ومضامينه، ونتائجه، وأرجحية استمراره لفترةٍ طويلةٍ، يمكن أن يبيِّن أنه أحد الانقسامات المهمة التي قد تصيب قضايانا السورية بشروخٍ وجروحٍ يصعب كثيرًا تصور إمكانية رأبها واندمالها، بسهولةٍ، أو في المستقبل القريب، على الأقل.

يظهر هذا الانقسام بدايةً في تنميط كل طرفٍ للطرف الآخر، تنميطًا غير دقيقٍ وسلبيًّا غالبًا، بناءً على كونه من سوريي الداخل أو الخارج فقط. فبغض النظر عن التبسيط الساذج الذي يجعل كل أو معظم سوريي الداخل “مؤيدين أو شبيحة للنظام”، ويجعل كل أو معظم سوريي الخارج معارضين للنظام أو “مناضلين” ضده، يرى بعض سوريي الداخل أن سوريي الخارج يعيشون في أوضاعٍ مختلفةٍ عن أوضاعهم، وأنهم لهذا السبب أو لغيره، غير قادرين غالبًا على الشعور بمعاناة سوريي الداخل وهمومهم وتطلعاتهم، وهم، بالتالي، عاجزون عن التفاعل، تفاعلًا مناسبًا، مع تلك المعاناة والهموم والتطلعات. وانطلاقًا من ذلك، يذهب بعض سوريي الداخل إلى درجة القول إنهم وحدهم من يمتلكون الحق في “تقرير مصير سوريا”. وتزداد حدة الانقسام والتوتر بين الطرفين، حين يشعر أحد الطرفين أو كلاهما بأن الطرف الآخر يزايد عليه مزايدةً رخيصةٍ تتجاهل خصوصية أوضاعه المختلفة.

ومن المزايدات الشائعة سخرية بعض من سوريي الخارج من معارضي الداخل لاضطرارهم إلى “ممارسة التقية”، وعدم تجاوز الكثير من الخطوط الحمراء التي قد تفضي إلى قيام النظام باعتقالهم وتعذيبهم، وربما خطفهم وقتلهم أيضًا. لكن رفض هذه المزايدات يدفع بعض سوريي الداخل إلى رفض مشروعية أي انتقاد من سوريي الخارج، واعتباره “مزايدة بغيضة”، بغض النظر عن مدى معقوليته ومشروعيته. وقد بدا ذلك واضحًا في بعض ردود الفعل على الانتقادات التي وُجِّهت مؤخَّرًا إلى يوسف عبدلكي ورسمٍ كاريكاتوريٍّ له يبدو فيه وكأنه ينزه “المقاومة” في لبنان عن الفساد، ويدافع عنها، في سياق تتصاعد فيه الانتقادات ضدها، بوصف رموزها السياسية جزءًا من “كلن يعني كلن”. ما لم تنتبه إليه ردود الفعل المذكورة هو أن كون الشخص من سوريي الداخل لا يعني امتلاكه حصانةً من النقد، ولا يعني أن كل الانتقادات الموجهة له هي بالضرورة نوعٌ من المزايدة المرفوضة، حتى لو كان معتقلًا سابقًا، ومحسوبًا على المعارضة الفعلية للنظام. فبعض هؤلاء المعارضين التزم بالخطوط الحمر التي وضعها النظام، ولم ينتبه إلى فضيلة الصمت، فأصبح خطابه يتقاطع مع خطاب النظام إلى درجة التطابق أحيانًا.

في المقابل، وفي استعادةٍ للمزايدات التي جرت بين “فلسطينيي الداخل” و”فلسطينيي الخارج”، يزايد بعض سوريي الداخل على سوريي الخارج و”يعيِّروهم” بأنهم لم يتركوا بلدهم مثلما فعل معظم “سوريي الخارج”، بل صمدوا وتشبثوا بالبقاء فيه، على الرغم من كل ما حصل ويحصل فيه. وفي هذا الخطاب تبنٍ صريحٌ أو ضمنيٌّ لتمييز النظام الأسدي بين “معارضة الداخل الشريفة” و”معارضة الخارج العميلة”. وينكر بعض “سوريي الداخل” من “يساريي النظام وإيران وحزب الله” أحقية خروج السويين من بلدهم، هربًا من بطش النظام وقمعه، ويرون أن كثيرين ممن نزحوا لم يفعلوا ذلك بسبب تعرضهم أو تعرض أسرهم لخطرٍ فعليٍّ، وإنما فعلوا ذلك، لتحقيق مآرب أو مطامع شخصية، ولاستغلال فرص الإقامة في البلدان الأوروبية التي “فتحت أبوابها للسوريين” ومنحتهم حق اللجوء.

لا شك أن اختلاف أوضاع “سوريي الشتات” عن أوضاع “سوريي الداخل” أو “سوريي المخيمات” سيفضي إلى اختلافٍ في كثيرٍ من اهتماماتهم وطموحاتهم ومشاكلهم ومنظوراتهم؛ لكن ذلك لا ينفي أنهم، بوصفهم سوريين، سيظلون أصحاب الحق في تناول قضايا بلدهم، بغض النظر عن مكان إقامتهم. وإذا لم يتنازل السوري عن هذا الحق، فلا يوجد أساس أخلاقي أو قانوني أو سياسي يسمح بإنكاره أو حتى بالتشكيك فيه. وإذا كانت حالة الشتات قد غيبت رابطة العيش في مكان مشترك، فإن اهتمامهم وانهمامهم بقضايا أساسيةٍ مشتركةٍ، وسعيهم للتفاعل الإيجابي، فيما بينهم، في خصوصها، يوفِّر أساسًا متينًا لاستمرار “سوريتهم المشتركة”، بدلًا من تحللها وغيابها أو تغييبها. وقد وفَّرت وسائل التواصل الاجتماعي ووسائل التواصل الحديثة للسوريين وسائل معقولة لتجاوز عقبات اختلاف أماكن إقامتهم وتباعدها.

الحديث عن وجود علاقاتٍ متوترةٍ وأشكالٍ من سوء الفهم بين بعض من “سوريي الداخل والخارج” لا ينفي استمرار وجود علاقات قويةٍ وإيجابيةٍ بين الطرفين، ليس لأن كل طرف لديه أقارب وأصدقاء في الطرف الآخر فحسب، بل ولأن ثمة قيم أخلاقية وسياسية وثقافية ما زالت تجمع بين الكثير من الأفراد المنتمين إلى الطرفين، وتسهم في تعاضدهما والتفاعل الإيجابي بينهما.

وعلى الرغم من كل أشكال الانقسام والصدوع والجروح التي أصابت المجتمع السوري، بعد قيام الثورة السورية، ورد فعل النظام العنيف والإجرامي عليها، فمن جهةٍ أولى، لا ينبغي أن ننسى أن المجتمع السوري ما قبل الثورة لم يكن في حالةٍ صحيةٍ يتناغم فيها أفراد هذا المجتمع ويتفاعلون بطريقةٍ إيجابيةٍ. ومن جهةٍ ثانيةٍ، وإضافةٍ إلى الانقسامات الإثنية والدينية والطائفية التي حصلت في المجتمع السوري، لا بد من التشديد على أن روابطً إيجابيةً جديدةً قد نشأت بين سوريين كثر، بعد قيام الثورة. وقد تجاوزت هذه الروابط كل الانتماءات الضيقة والانقسامات السلبية المذكورة، وتأسست على قيمٍ أخلاقية وسياسيةٍ إيجابيةٍ، هي القيم التي ينسبها أنصار الثورة السورية إلى ثورتهم: قيم الحرية والكرامة والعدالة. وقد ظهرت هذه القيم وتجسدت منذ أن بدأ المتظاهرون/ الثائرون السوريون في دوما وإدلب ودير الزور وبانياس وحمص، غيرها من المناطق السورية، يهتفون لبعضهم بعضًا، ويظهرون موقفًا مشتركًا مضادًّا للاستبداد ونتائجه وكوارثه، وتوحُّدًا حول ضرورة التخلص أو التحرر منه وإنهاء إجرامه.

التخلُّص من “سوريا الأسد” والسعي إلى إيجاد “سوريا الوطن”، هذه هي القضية الأساسية التي يمكن وينبغي للسوريين أن يؤسسوا جهودهم المشتركة عليها ومن أجلها. وغياب أو تغييب هذه القضية سيجعل السوريين أشبه ﺑ “العبابيد”، لا “روما” واحدة تؤدي إليها طرقهم، ولا بوصلة مشتركة تهتدي بها “سوريتهم”. وفي هذه الحالة سيتحول الشتات إلى تشتُّتٍ، والتباعد المكاني إلى تنافرٍ وتناحرٍ أو إلى تجاهلٍ ولا مبالاةٍ، وستتحول سورية، بالنسبة إلى كثيرٍ من السوريين، إلى جثةٍ تنتمي إلى الماضي ويحملونها على ظهورهم مكرهين، بدلًا من أن تكون أفقًا لمستقبلٍ يسعون إلى الإسهام الفاعل في تشكيله وصياغة مضامينه.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق