مقالات

رابعة الزيّات تفشل باستدراج أدونيس الى ملعب "لنا"/ وليد بركسية

لا فائدة ربما في نقاش ما قدمه المفكر والشاعر السوري أدونيس في لقائه الأخير مع قناة “لنا” الموالية للنظام السوري، ليس لأن ما تحدث به أدونيس ضحل ولا يستحق الوقوف عنده أو لأن موقفه من الثورة السورية كان سلبياً منذ انطلاقتها العام 2011، بل لأن المقابلة نفسها لم تأت بجديد سوى تكرار لنفس المواقف وبنفس الجمل التي تتطابق مع مقابلات أخرى لأدونيس أجراها في السنوات الأخيرة، بما في ذلك لقاءاته مع صحيفة “السفير” اللبنانية العام 2015 وشبكة “فرانس24” الفرنسية العام 2013، والتي أثيرت حولها نقاشات كثيرة في السابق.

اللقاء الذي أجرته الإعلامية اللبنانية رابعة الزيات على جزئين في ختام برنامجها “حكايتي”، أتى مملاً، وكانت الزيات لا أدونيس، هي من خطف الأنظار، بالمجازر اللغوية العديدة التي ارتكبتها أمام ضيفها وصولاً إلى محاولاتها المكشوفة جرّ أدونيس نحو خانة البروباغندا بطرح أسئلة صبيانية شديدة المباشرة مثل استطرادها عن استثنائية زعيم حزب الله اللبناني حسن نصرالله بعدما قال أدونيس أنه لا يوجد قائد عربي جيد، وبالمثل حديثها عن القيادة في سوريا وغيرها من الأسئلة التي كان أدونيس يراوغ ولا يقدم فيها ما استضيف من أجله.

ويعني ذلك، أن القناة التي يمتلكها رجل الأعمال المقرب من النظام، سامر فوز، لا تستضيف أدونيس إعجاباً به ولتقديم أفكاره لشريحة أوسع من الناس، بغض النظر عن عيون الزيات الوالهة به مع الموسيقا الحزينة في خلفية اللقاء، بل كان اللقاء مجرد محاولة لتقديم نوع من الشرعية الفكرية للنظام السوري الذي ضمن البقاء في السلطة بعد سنوات الحرب، انطلاقاً من موقف أدونيس المعروف من الثورة السورية بوصفها “ثورة خرجت من الجامع وليس من الجامعة”.

وحتى في هذه المهمة، لم تستطع القناة استخراج ما تريده من فم أدونيس، الذي كرر فقط إعجابه القديم بدولة الخميني في إيران بوصفها ثورة ضمن المذهب الشيعي، من دون الإشارة لطبيعة النتائج التي أحدثتها تلك الثورة متمثلة بالجمهورية الإسلامية الحالية التي تنشر الفوضى في الشرق الأوسط وتنتهك حقوق الإنسان في الداخل الإيراني وخارجه على حد سواء، علماً أن هذا الاجتزاء في الرؤية يخلق سياقاً ضبابياً، فالحديث عن سوريا مثلاً يجري من منطلق نقاط محددة وجامدة: انطلاق الثورة ونهايتها، مع اختزال الثورة ككل بمشهدية العنف الإسلامي الذي قدمه تنظيم “داعش”، وحتى الحديث عن عنف النظام يأتي في إطار تبريري، من منطلق أن أهداف وغايات أي نظام أو أي سلطة، قد لا تتوافق مع أهداف وغايات المواطنين الذين يعيشون في ظل تلك السلطة.

وهكذا، يصبح عدم توجيه الزيات أسئلة كثيرة لأدونيس واكتفاؤها بالهمهمة والصمت لفترات طويلة، مفهوماً، فليس المطلوب هو حوار أدونيس بشكل معمق ولا توجيه أسئلة مستفزة له، بل استغلال وجوده من أجل تقديم سياق غير مباشر يبرر وجود نظام الأسد في الحكم، بسبب عدم أهلية أي بديل له في الأفق، وهو بالتحديد جوهر الانتقادات التي تطال موقف أدونيس من الثورة السورية بشكل عام منذ سنوات.

يتطابق ذلك إلى حد كبير مع موقف إعلام النظام الرسمي عموماً من أدونيس، الذي كان مغيباً عنه بشكل شبه كامل قبل العام 2011، قبل أن يصبح الاستشهاد به دائماً إثر موقفه الرافض للثورة السورية. وتأتي الاقتباسات عن أدونيس في هذا السياق مثل الاقتباسات من الإعلام العالمي والسعي المحموم لتقديم شهادات من خبراء وصحافيين “غربيين” عن الشأن السوري تتقاطع مع وجهات نظر النظام حول الأحداث المختلفة. ولا يهم هنا مدى شتم وعداء الغرب، أو أدونيس، بل المهم ما يقوله الطرف الآخر تحت مبدأ “وشهد شاهد من أهله”، ويمكن تلمس ذلك بوضوح في المقالات التي تنشر في الإعلام الموالي والحليف تحليلاً لموقف أدونيس من الثورة السورية.

وتأكيدا لذلك، فإن القناة حذفت بشكل واضح جزءاً من أجوبة أدونيس عن النظام الإيراني وعن الوضع الحالي في سوريا، عندما حاول ربما الحديث عن تلك الأنظمة بسلبية، لكنها أبقت القناة على تصريحات أدونيس التي تنصل فيها من الولاء للنظام السوري، بالقول أنه معارض قديم لكل الأنظمة والسلطات، وبحديثه عن الأفق المحدود لزعيم حزب الله حسن نصر الله، رغم الإعجاب به لقوله “لا” في وجه إسرائيل، وعدم قدرته على العودة إلى بلدته الأم كي يدفن فيها بعد موته لأسباب متعددة، سياسية ودينية على الأغلب.

في ضوء ذلك، يصبح أدونيس هو المعيار المصدر للجمهور والذي تقاس به ضمنياً حكمة المعارضين من وجهة نظر النظام وشرعيتهم، ما يفقد أي شخصية أخرى، الأهلية المطلوبة لتصدر المشهد العام، ويفتح المجال بدوره للاستخفاف بأي طرح يخالف طرح السلطة، استناداً إلى قاعدة مفادها أن أدونيس نفسه يرى الأمور من وجهة نظر تكاد تكون مطابقة لوجهة النظر الرسمية، فكيف يمكن الثقة بأي طرح آخر يقدمه الآخرون.

المدن

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق