وجها لوجه

أي ويوي: عندما تصاب الصين بنزلة برد يعطسُ الجميع

سوزانا لينز

الفنان الصيني العالمي الشهير آي ويوي (Ai Weiwei) هو صاحب فيلم “التدفق البشري” عن اللاجئين، الذي صوّر في أكثر من 40 مخيما من مخيمات اللاجئين في العالم، الفيلم الذي أراد من خلاله التأكيد على قيمة الإنسان بغض النظر عن جنسيته وهويته وعرقه. “ويوي” لم يعرف في العالم فقط بسبب معارضه الفنية المتميزة، إنما أيضاً لمواقفه المتعلقة بحقوق الإنسان في الصين، بوصفه ناشطاً سياسياً ومعارضاً للحكومة الصينية، حيث تم اعتقاله عام 2011 من قبل السطات الصينية. ولقد أثارت مؤخراً تصريحاته المهاجمة للمجتمع الألماني بوصفه بأنه “مجتمع متعصب، غير متسامح، مستبد ومعاد للاجئين”، الكثير من ردود الفعل في الصحافة الألمانية، خاصة وأن ألمانيا هي البلد الأوروبي الذي استقبل العدد الأكبر من اللاجئين.

في الحوار التالي الذي أجرته معه الصحيفة الألمانية “برلينر تسايتونغ”، يتحدث بوضوح وحدّة عن قضايا راهنة تمس العالم بأكمله بدءاً بموضوع اللاجئين وليس انتهاءً بفيروس كورونا.

ويوي: الديمقراطية مجرد معطف جميل للرأسمالية

(*) هل تعرف أن تصريحاتك عن ألمانيا في جريدتي الغارديان ونيويورك تايمز، والتي تُسمّي فيها ألمانيا بأنها دولة فاشية، أثارت ضجة كبيرة هنا؟

– لا أعرف، لأنني لا أتحدث الألمانية. كما لم تسألني الصحافة الألمانية أبداً عن رأيي.

(*) أحقاً لم تسألك الصحافة؟

– حقاً لا. الصحافة الألمانية فريدة من نوعها. سأل الآخرون، وأجبت بصراحة. عشت في ألمانيا، أعمل بجد هنا ببرلين في الستوديو الخاص بي.

“كنت مستعدا لخسارة كل شيء، من أجل الفوز أخلاقياً”

غالباً ما يأتي الصحافيون من الولايات المتحدة الأميركية أو هولندا، لكن بالكاد يأتي أي ألماني. وذلك لأنني أتعامل مع وضع اللاجئين. لقد صنعت ثلاثة أفلام عن اللاجئين تلقوا تقييمات جيدة جداً في فرنسا وكندا وبريطانيا والولايات المتحدة، وأخرى سيئة للغاية في ألمانيا.

يحبونني فقط كمقاتل ضد الشيوعية!

(*) كيف تفسر ذلك؟

– لا أعلم. أنا أجنبي هنا. إنهم يحبون فني، وهم يحبونني فقط كمقاتل ضد الشيوعية، لكنهم لا يحبون ذلك عندما أتحدث عن مخيمات اللاجئين في ألمانيا، أو عن الصراع في هونغ كونغ. إنهم لا يريدونني أن أتحدث عن فولكس واغن، وعن حقوق صوري. لقد رفعت دعوى قضائية ضد فولكس واغن وفزت. لم تنشر الصحافة الألمانية عنها شيء.

(*) لكن جريدة “برلينر” كتبت عن ذلك؟

– نعم. ولكن ليس بالمقارنة مع الصحافة في البلدان الأخرى. لم يكن الأمر متعلقاً بآي ويوي، إنما بالملكية الفكرية التي تضررت بشدة من شركة كبيرة (فولكس فاغن)، كيف تريد أن تقاتل مثل هذه الشركات؟ لقد دفعت الكثير من المال، لكن ذلك لم يهمني، كنت مستعدا لخسارة كل شيء، من أجل الفوز أخلاقياً.

(*) لنعد للألمان؟

– هم لا يتحدثون معي عن العلاقات الألمانية الصينية، رغم أنني خبير في هذا. تقضي ألمانيا مع الصين شهر عسل ولا ترغب بسماع صوتي. لا شيء عن حالة حقوق الإنسان في الصين. أو عن الرقابة في مهرجان برلين السينمائي. لا يريدون التحدث عن فيروس كورونا.

(*) ولكن لا شيء آخر سوى هذا يجري الحديث عنه الآن؟

– أنا أتحدث عن نفسي. أعرف عن ذلك أفضل بكثير منذ أن صنعت فيلماً عن سارس عام 2003. قمت ببعض الأبحاث بعد زلزال سيتشوان ووجدت أسماء 5000 طالب لقوا حتفهم في ذلك الوقت. أنا أعرف الكثير عن المجتمع الصيني.

فيروس كورونا

(*) ماذا تعرف عن فيروس كورونا؟

– الأزمة الحقيقية ليست في هذا المرض غير المعروف أو الفيروس. الأمر يتعلق بعدم قيام الصين بالإفصاح عن معلوماتها، وعدم قول الحقيقة، وعدم إشراك المجتمع الدولي. كيف يمكن أن يصبح هذا المجتمع المغلق من أوائل الأمم؟

“تقضي ألمانيا مع الصين شهر عسل ولا ترغب بسماع صوتي”

وهو أفضل شريك لألمانيا! ألا يخيف ذلك المجتمع الألماني؟ يستمتعون بشهر العسل لأن الصين تنتج كل ما لا تستطيع ألمانيا إنتاجه بثمن بخس. العمل الرخيص وانتهاكات حقوق الإنسان. لا حماية لحقوق العمال، الفساد. وجد الألمان أفضل شريك لمجتمعهم الديمقراطي المزعوم. أي نوع من المجتمع هو ذاك إذا كنت لا تحمي القيم الأساسية؟ إذا كنت تأخذ الربح فقط معك؟

(*) هل تعتقد أن الأمر كله يتعلق بالاقتصاد؟

– نعم، وإذا كان الأمر كذلك، فلا يمكنك إلقاء اللوم على أي شخص. ثم يمكن قتل صحافي واشنطن بوست في تركيا، في القنصلية السعودية هناك. بالتأكيد، إنه فقط الاقتصاد. تبيع ألمانيا الأسلحة إلى المملكة العربية السعودية، ويستخدمها السعوديون لقتل الناس في اليمن. ترامب صادق على الأقل عندما يقول أميركا أولاً.

(*) هل تريد القول إن ألمانيا ليست صادقة؟

– ألمانيا ليست صادقة في الأساس.. إنهم يريدون أن يكونوا فخورين، يريدون أن يفعلوا الشيء الصحيح، لأن لديهم ماضياً مظلماً، بذلوا جهداً كبيراً لتجاوزه.

“جميع أنشطتي هي الفن. حياتي هي الفن. لا أفرق بين النشاط السياسي أو عمليات التقاضي أو الفيلم والفن”

ولكن هل نجحوا حقاً، أم أنهم يتظاهرون بذلك فقط؟ أنا لا أحب ذلك. إذا كان هناك نازيون جدد، فأنا أقدر ذلك لأنهم حقيقيون. لا أحب الليبراليين الذين يدعون أنهم ليبراليون فقط، لكن في أعماقهم لا تزال الثقافة النازية حاضرة.

(*) سبق لك أن اتهمت مهرجان برلين السينمائي بالرقابة. هل قدمت أفلامك هناك؟

– بالطبع. أنا فنان أعمل في برلين. ثلاثة أو أربعة من أفلامي هي إنتاجات ألمانية. لكن لم يتم اختيارها، لذلك اضطررت إلى تقديمها إلى مهرجانات أخرى. مهرجان البندقية على سبيل المثال وعشرات المهرجانات الأخرى أيضا. فيلمي عن الطلاب المفقودين الـ 43 في المكسيك، لم يأخذوه في المهرجان. إنه يعرض الآن في مهرجان صندانس السينمائي.

الرقابة

(*) لكن الرقابة؟

– أنا لدي صداقات مع العديد من المخرجين الصينيين. يقولون: ويوي، لا يمكنهم اصطحابك. إنهم لا يريدون أن يدوسوا على أقدام الصين. شركتا فولكس واغن وأودي من ممولي مشروع مهرجان برلين الدولي للأفلام.

“تبيع ألمانيا الأسلحة إلى المملكة العربية السعودية، ويستخدمها السعوديون لقتل الناس في اليمن”

هم كرهوني لأنني تجادلت معهم حول سبب اضطرارهم إلى إنشاء هذا المصنع في الصين، وهو معسكر للعمل. لكن لا بأس، أنا لا أولول. إذا لم يأخذوني في مهرجان برلين، فهذا يعني أنني أعني شيئاً ما. وليس فقط الحزب الشيوعي الصيني هو الذي يخاف مني. الألمان ضعفاء جدا، مخطئون جدا. هم لا يبحثون عن مجادلة معي. يقولون فقط: يا لهذا الرجل، إنه لا يحب سائقي سيارات الأجرة في برلين. حان الوقت بالنسبة لي للخروج.

(*) على الرغم من كل شيء يتم عرض فيلمك السينمائي الأول في برلين في سينما بابليون؟

– الفكرة لصديق من السينما لأجل السلام، وأي شخص مهتم بي، يجب أن يذهب هناك لمشاهدة الفيلم. الفيلم عن سارس على سبيل المثال. يتم تكرار كل ما عرض هناك الآن مرة أخرى.

  ويوي: نحن نعيش في مجتمع يتغير بسرعة كبيرة، من خلال العولمة والإنترنت

(*) تقصد يتم حفظ كل شيء تحت طي الكتمان؟

– نعم، كل الأكاذيب. هل كورونا مرض طبيعي نشأ في سوق ووهان أم أنه فيروس من صنع الإنسان؟ يوجد مختبر كيميائي ضخم بالقرب من السوق يدرس مثل هذه الأمراض.

(*) أتقصد أن هناك شيئاً ما استطاع أن يساهم بخلق الفيروس؟

– ربما. هناك أسواق مثل هذا في كل مكان، ولكن لا يوجد مثل هذا المختبر.

(*) يبدو أنك أصبحت ناشطا سياسيا في السنوات الأخيرة. ما هو المهم بالنسبة لك كفنان؟

– بالنسبة لي، جميع أنشطتي هي الفن. حياتي هي الفن.

“الديمقراطية مجرد معطف جميل للرأسمالية. الرأسمالية وحشية، إنها تدمر الطبيعة وأخلاقنا”

لا أفرق بين النشاط السياسي أو عمليات التقاضي أو الفيلم والفن. نحن نعيش في مجتمع يتغير بسرعة كبيرة، من خلال العولمة والإنترنت. أستيقظ في الليل وأكتب مقالاً عن كتاب إدوارد سنودن الجديد الذي يخضع للرقابة في الصين لقياس ما إذا كان يمكنني مساعدته أم لا. أنا أسمي كل هذا بالفن لأنه يعبر عن موقفي. أحاول تغيير المجتمع.

(*) كيف إذاً؟

– الرأسمالية لا تقدم أيديولوجية أفضل. تتحدث عن الديمقراطية، لكن هذا ليس صحيحاً عندما ترى اليمين في ألمانيا يسرق المقاعد البرلمانية. الديمقراطية مجرد معطف جميل للرأسمالية. الرأسمالية وحشية، إنها تدمر الطبيعة وأخلاقنا. في الوقت الحالي، ما زلنا نقبل عواقب المجتمعات الاستبدادية والرأسمالية، طالما لدى المرء حياة جيدة، وطالما كانت الحرب أو المرض في منزل الجيران.

(*) إذاً كورونا لن يبقى في الصين؟

– الصين أصبحت قوية جداً. لقد أجلت شركة فولكس فاغن بناء مصنع جديد بسبب كورونا. ولكن بدون الأجزاء التي سيتم إنتاجها، لن يتم تشغيل الجهاز. والصين لا تنتج فقط هذا الجزء، ولكن أجزاء لنصف العالم. عندما تصاب الصين بنزلة برد، يعطس الجميع…

(*) أنت تعيش في إنكلترا الآن؟

– انتقلت لأن ابني يجب أن يذهب إلى مدرسة اللغة الإنكليزية. لم أرغب حقاً في الذهاب إلى هناك. لكن الأمر صعب للغاية بالنسبة لي في ألمانيا. لقد استقبلت هناك، أقمت معارض رائعة، وكان لدي الكثير من الأصدقاء. لكنها صعبة ثقافياً.

(*) ولكن هناك العديد من الأجانب في المشهد الفني في برلين؟

– بصرف النظر عن ذلك، تعتبر برلين مدينة حزينة رهيبة.

(*) أوه؟

– إنها المدينة الأكثر مللاً وبشاعة. لكنها أيضاً رخيصة. هناك الكثير من الفضاء. فقط عندما تريد تغيير شيء ما يتخذون موقفاً دفاعياً.

(*) هل يمكن أن تعطينا مثالاً؟

– قمت بالتدريس في جامعة الفنون لمدة ثلاث سنوات. هل تعرفين لماذا غادرت هناك؟

(*) لأن فترتك كأستاذ زائر انتهت؟

– من المستحيل تعليم الطلاب الألمان. إنهم كسولون ولا يقومون بواجباتهم. والنظام فاسد للغاية. يجب أن أترك هؤلاء الطلاب يتخرجون بمرتبة الشرف.

“في الوقت الحالي، ما زلنا نقبل عواقب المجتمعات الاستبدادية والرأسمالية طالما لدى المرء حياة جيدة، طالما كانت الحرب أو المرض في منزل الجيران”

سألت كيف يمكن أن يكون ذلك. قالوا إنهم يفعلون ذلك دائماً بهذه الطريقة. رفع جميع الأساتذة أيديهم لهذا الغرض. إنه أمر لا يطاق من الناحية الفكرية، لذلك ذهبت. يمكنني كتابة كتاب كامل عن ألمانيا.

(*) افعلها إذاً؟

– أنا مشغول جداً. هناك أشياء أكثر أهمية من ألمانيا. استمتعوا بمهرجان برلين الخاص بكم، أو سموه كما تشاؤون.

(*) سوف تبقي الستوديو الخاص بك هنا؟

– إذا استمر الألمان في وضعي تحت الضغط، علي أن أتخلى عنه.

(*) من يضعك تحت الضغط؟

– لا أريد أن أخبرك بذلك. أنا تحت ضغط من المجتمع الألماني. هذا جيد، أنا أعرف قصتهم، أعرف من هم أجدادهم. لكنني أحاول أن أتخيل أنه يمكنهم تحسين مجتمعهم.

(*) شكراً لك.

– لا تأخذي كل ما قلت بشكل شخصي.

ترجمة: وداد نبي

*****

# العمل الفني “قانون الرحلة” يسلط الضوء على محنة اللاجئين في جميع أنحاء العالم:

ضفة ثالثة

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق