مقالات

جثة الفن أمام طفرة التكنولوجيا/ سعيد خطيبي

فيسبوك لم يعد مجرد وسيط تواصل لقد تحول، في السنوات الأخيرة، إلى وحش يلتهم ما يجده في طريقه. بعدما اشترى وسائط اتصالية أخرى (مثل أنستغرام وواتس آب وغيرهما). أعلن قبل أيام عن نيته إطلاق عملة مشفرة، اسمها «ليبرا»، وربما تحل محل العملات التقليدية (دولار، يورو، إلخ) نظراً لسهولة تبادلها، بدون المرور بالبنوك في شكلها المتعارف عليه، ومما يرفع من حظوظ نجاح هذا المشروع الجديد، أن شركات الدفع الإلكتروني انضمت إليه (على غرار فيزا وماستركارد).

أمام هذه القفزة الحرة التي تنوي شركة فيسبوك القيام بها، ونظراً للتطور السريع والهائل للتكنولوجيات الحديثة، ضف إلى ذلك ما تفاجئنا به كل مرة شركات «وادي سيليكون»، مثل آبل وغوغل وأمازون، يطرأ تساؤل: أي مستقبل لأدب الخيال العلمي إزاء كل هذا؟ ألا يتجاوز الواقع كل خيال؟ لقد تحول الخيال إلى حقيقة، وبات يحكم حياتنا.

لم يمل أدب الخيال العلمي، منذ جول فيرن (1828-1905 ) في القرن التاسع عشر، من البحث الدؤوب عن جماليات في النص، وليس إلى إثارة نقاشات حول لحظته الراهنة، فقد جاء بمثابة خريطة طريق، تبتكر فرضيات وتوقعات عن الحياة المقبلة، وعن العالم في المستقبل. لقد رافق هذا الأدب مرحلة الاكتشافات الكبرى، في العلوم الدقيقة والبيولوجية، وانخرط فيها كتاب، لعبوا هم أيضاً دور «مكتشف»، أرادوا مزاحمة علماء في مختبراتهم ورحلاتهم، يستعرضون في نصوصهم رغبات وأحلاما وأوهاما، بما يجب أن يحصل أو ما يجب أن يُكتشف أو يلزم من أجل رفاهية أكبر للإنسان.

لقد تطور هذا الأدب، أو بالأحرى انتشر وصار متداولاً، مستفيداً من مجمل اكتشافات وابتكارات العلم في الفلك والفيزياء والطب والكيمياء، وبدل أن يعلق عليها فضل أن يسير في خطها، أو يتجاوزها قليلاً، ويقترح قراءات موازية لتلك المنجزات العلمية. هناك من توقع في كتاباته – آنذاك – وصول الإنسان للقمر، وهناك من كتب لما سوف يقع في زمانه، ورسم لها خطا تسير عليه كي تتطور، ولكن ليس كل ما كُتب في تلك القصص من الخيال العلمي تحقق. لقد كان أدباً مرافقاً لنجاحات العلم، متنبئا بإيجابيات ما قد يقع، لكنه غالباً ما كان يدور حول ثيمات مكررة، مثل اكتشاف جزر نائية أو الخروج من الكوكب، أو العثور على حيوانات ذكية، أو ملاقاة شعوب أكثر تطوراً من غيرها ذهنياً، فمثلا تخيل جول فيرن عام 1875 شكل الحياة البشرية عام 2000، في كتاب «المدينة الفاضلة»، كما تخيل في قصص أخرى له رحلات جوية مطولة في افريقيا، بالمنطاد وليس بالطائرة، ولم يـــــرد في نصوصه شيء مما يحصل – فعلاً – اليوم، من انفجار لا أحد تخيله في الاتصالات وفي الرقمنة، والأكثر من ذلك، لا نذكر أن واحداً من كتاب الخيال العلمي تنبأ بظهور عملة، رقمية لا ملموسة، تنوب عن العملات والقطع المعدنية التي سبقتها. هل هذا يعني أن العلم تجاوز الأدب، لاسيما أدب الخيال العلمي، ولم تعد له ضرورة اليوم؟ إنها حقيقة، فما يحصل في «وادي سيليكون» لا يهدد الأدب وحده، بل مختلف أشكال الفنون الأخرى.

يكاد أدب الخيال العملي يتحول إلى أدب الواقع، إلى تسلية لا نبوءات، وبعدما استبعد اللغة وجمالياتها من خيارته، في مرحلة سابقة، مركزا على التوصيف والاستشراف، سيجد نفسه مضطراً للعودة إليها، نظراً لتناقص أفق رؤيته، وعدم مقدرته على تطوير نفسه، وتأخره في توقع ما سوف يحدث.

من بين الموضوعات المحببة، التي نصادفها بكثرة في أدبيات الخيال العلمي، في العقود الآنفة، هو تخيل مجتمعات ما بعد صناعية، وشكل حياة الرفاهية فيها، أو تخيل وقوع كوارث طبيعية أو حروب مدمرة، تقضي على آخر إنسان على الأرض، وهما موضوعان يتكرران أيضاً في سينما الخيال العلمي، لكن لم تتحقق واحدة من تلك التخيلات، والحروب المدمرة لم تعد قضية أساسية، نظراً لتطور التقنيات العسكرية، وإمكانية استهداف العدو بأقل الأضرار. كان أدب الخيال العلمي فن المحتمل، ولم يعد متاحاً له سوى أن يصير فن الممكن، قد تتجاوزه الأحداث، في مستقبل قريب، ويضمحل نظراً لما يحصل كل يوم من تغيرات في حياتنا اليومية. بدأ أدب الخيال العلمي من أوروبا، نما وانتعش فيها، لكن الانقلابات التقنية والتكنولوجية تأتي من أمريكا، فإذا كان كتاب أوروبيون يتوقعون ولا يحصل ما يدور في مخيلتهم فإن أمريكيين على القارة الأخرى ينجزون، ويتركون هذا الأدب في نهاية القاطرة. كان الأدب يصنع الفكرة، أما الآن فهو يتحمل تبعاتها، وينزوي بعيداً عما يدور من طفرات من حوله.

تحول، منذ عقدين أو أكثر بقليل، أدب الخيال العلمي إلى أدب نقدي، لم يعد يميل إلى تلك النزعة في التفكير في اكتشافات أو اختراعات، ولم يعد يهتم بمصائر الإنسان في القرون المقبلة، بل بات أدباً وصفياً ينقد ويعلق على الأحداث التي تدور أمام عينيه، يتكئ على جديد العلم، لا من أجل أن يتنبأ بتطورات له، بل كي يعالجه كما هو، في لحظة اكتشافه، ويضيف هوامش وتعليقات، عن فضله وسلبياته في حياة الفرد أو الجماعة. صارت الثيمات المفضلة في غالبية قصص الخيال العلمي، التي نصادفها، منذ بداية الألفية الثالثة، تدور حول مكانة وسائل الاتصال الجديدة، وأشكال استخدامها، وعن معضلات بيئية، كثر الحديث عنها، لكن لم نصل بعد إلى حل لها، لقد صار أدب تعاليق عن زمانه الراهن، وأضاع بوصلة المتعة والتوقعات، التي تعودنا عليها في قرنين ماضيين.

من بين الأشياء التي نغض الطرف عنها، وننكر الاعتراف بها، أن تاريخ الإنسان، في السنوات المقبلة، صار يُلعب في «وادي السيليكون»، حيث تتجمع كبريات الشركات، التي تتحكم في عاداتنا وسلوكياتنا اليومية، ولم يعد الأدب، ولاسيما أدب الخيال العلمي، قادراً على مزاحمتها، رغم أنه يرفض الإقرار بتراجعه وهزيمته، لكن الواقع يثبت لنا العكس، والأسوأ من ذلك أن تبعات نجاحات وادي سيليكون قد تنعكس على فنون أخرى، منها السينما، ويصير الفن جثة أمام سطوة التكنولوجيا.

٭ كاتب من الجزائر

القدس العربي

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى