سياسة

حوادث فردية!/ ميشيل كيلو

يقول بعض من يعتقدون أنهم يحمون “الثورة”: إن ما تواجهه جموع السوريين في “المناطق المحررة”، من انتهاكات سافرة للقانون وللقيم الوطنية والإنسانية، ما هو إلا “حوادث فردية” لا تعبّر عن حقيقة الثورة، وإن الوقوف عندها وإدانتها يُعدّ خدمةً للأسد الذي يلتقط جيشه الإلكتروني هذه الحوادث الفردية، ويضخمها وينشرها ليشوه سمعة الشعب الثائر، ويغطي على جرائمه ضده!

إن هذا الموقف، المثير للعجب، يهدف إلى التستر على الفلتان والفوضى والأخطاء الجسيمة، التي ترقى إلى مصاف جرائم يتعرض لها السوريون، وخاصة الموالين منهم لثورة الحرية التي تعدّها معظم الفصائل المسلحة المتأسلمة المتعسكرة، وخاصة تيارات السلفية الجهادية، “ثورة كافرة”، وترى أن القائلين بوحدة الشعب السوري “علمانيون يستحقون القتل”، وأن هذا الشعب “طوائف متناحرة”، يجب إخضاعها لأهل السنة والجماعة الذين هم أصحاب الثورة الإسلامية الحصريون، والذين يخونون دينهم، إن هم تبنّوا مواقف تسامحية تجاه المختلفين، أو قبلوا معالجة مشكلات سورية، بالحوار والتوافق وتوازن المصالح والحلول الوسط!!

وهكذا استطاع الداعشيون والنصرويون أن ينسخوا مطلب الحرية الشعبي الجامع، ويستبدلونه بمطلب ديني غير قابل للتحقق، سينتج سلسلة حروب أهلية تفصل بينها اضطهادات سياسية واجتماعية تدمّر المجتمع السوري ودولته. وهل سيطرة الانقسام على الحالة الفصائلية الفاشلة مجرد حوادث فردية، أم أنه لعب الدور الرئيس والحاسم في تدمير ثورة الحرية، وحتى بديلها الإسلامي المزعوم، بدلالة ما نراه في إدلب وأريافها، حيث يسود نظامٌ لا يقلّ سوءًا عن الأسدية، إن لم يكن أخطر منها، لكونه يقتل باسم السلطة، بينما تقتل الأسدية باسم مقاومة هدفها الاستبداد، ولكن بوسائله نفسها التي تعيد إنتاج نظامه في بيئة مجتمعية ذاقت طعم الحرية، وتمردت على السلطة المعادية له، فوجدت نفسها أسيرة نهج مطابق لنهجه في علاقته معها. هنا، توجد جريمة نكراء، تعبّر عنها جهود النصرة لسلب حرية من أفلتوا من استبداد الأسد وضحّوا لنيل حريتهم وغادروا مناطقه لينعموا بكرامتهم وبالمساواة والعدالة، فإذا بمن يحملون السلاح، من أصحاب المشروع المعادي للحرية، يقضون على حلمهم بالانتقال من عالم الاستبداد إلى عالم الانعتاق، حيث يجدون أنفسهم أسرى أسدية مزدوجة، طرفها الأول النصرة ومسلحوها، وطرفها الثاني الأسدية كبديل وحيد لاضطهادهم، لا تترك لهم بديلًا غيره. هل هذا أيضًا مسألة فردية؟!

ليست الظاهرة الفصائلية من الأحداث الفردية، ولو أنها كانت كذلك، لاستبدلت السياسة وضرورتها بسلاح معاد أشدّ العداء لممثليها، ومنفلت من التقيد بالخطط أو البرامج التي توحده، أو أن تسمح ببناء قيادة فاعلة لثورة ناءت تحت وطأة الازدواجية في أهدافها، فصار انتصارها ضربًا من الاستحالة، وأيُّ انتصار تحقق لثورةٍ تاهت بين هدفين متناقضين، ألغى أحدهما (المتأسلم والمتعسكر) الآخرَ (المدني والسلمي)، بقوة السلاح الذي استهدف تنظيمات الجيش الحر الموالية لثورة الشعب، وبالقمع الذي مارسته التنظيمات كي تكون “ثورتها المضادة” هي الطرف الوحيد الذي يقاتل الأسدية، لكنه يقدّم لها في الحقيقة خدمة استراتيجية هي إقناع العالم بأن لا بديل لها، وبأن عليه العودة عن موقفه الرافض لها، والتعايش معها، ما دام بديلها الديمقراطي قد تلقى من الضربات في منطقتي سورية ما جعله أضعف من أن يتولى السلطة أو يصل إليها، والبديل الإرهابي مرفوض دوليًا، وفي كلتا الحالتين، تغدو الأسدية خيارًا مرجحًا لا بديل لها.

لم توجّه الفصائل سلاحها ضد حامل ثورة الحرية الاجتماعي وحده، وصولًا إلى النتيجة التي أطفأت الثورة وأحلّت محلها ثورة مضادة احتلتها من الداخل، بل وجهته بالدرجة الأولى ضد بعضها البعض، ولذلك، شن الكبير منها هجمات يومية على الصغير، سواء أكان إسلاميًا أم غير إسلامي، وشنت الفصائل هجمات شرسة على فصيل يضمّ نيفًا وألف مقاتل حلبي، هو فصيل (استقم كما أمرت)، عشية هجوم الميليشيا الأسدية على حلب، ونزعت سلاحه، وحلته واعتقلت عددًا من مقاتليه! وهل ننسى حرب “جيش الإسلام” على جبهة “فتح الشام” ثم “فيلق الرحمن” و”جيش الفسطاط”، قبل القتال مع ميليشيا الأسد وفي أثنائه، وسقوط أربعين بالمئة من المنطقة التي كانت خاضعة للفصائل بيد النظام من دون قتال؟ أليس حدثًا غير فردي أن ينسحب “جيش الإسلام” من المناطق التي تكشف ظهر الفيلق، وأن يفعل هذا الشيء نفسه بالنسبة إلى الجيش الذي أعدم سبعين مواطنًا سوريًا كانوا محتجزين لديه منذ ستة أعوام، منهم رزان زيتونة وسميرة الخليل وناظم حمادي ووائل حمادة، الذين يقال إنهم أعدِموا قبل انسحابه من الغوطة الشرقية بساعات قليلة، فهل هذه الجريمة الشنيعة من الحوادث الفردية أيضًا، أم أنها البرهان الذي لا يُدحض على إجرام “جيش الإسلام” وحقده على الشعب السوري، وإلا كيف نفسّر عدد سجنائه الذي بلغ سبعة آلاف سجين، وعدد أفراد جهازه القمعي والاستخباراتي الذي فاق عشرة آلاف متفرغ ومتعاون؟! هل كان هذا النمط من خدمة الأسدية، وخيانة الثورة واستبدالها بثورة مضادة جوفتها من الداخل، حدثًا فرديًا؟! وإذا كان كذلك، كيف نفسر انتشاره في جميع ربوع المناطق التي سيطر عليها من سورية، وإسهامه في إخماد أنفاس السوريين، في جهد يكمل جهد الأسد، ولا يقل عنه قسوة وإجرامًا؟

أخيرًا، هل تهجير وترحيل واعتقال وتعذيب آلاف السوريين في الشمال السوري مجرد أحداث فردية، أم هو سياسة منهجية، تلطخ ممارستها جبين أي ثورة تدعو للحرية بالعار، لتناقضها مع أبسط معانيها، أي مع احترام الإنسان وحقوقه، بغض النظر عن دينه أو جنسه أو لونه؟!

يتعرض المنكوبون بالفصائل، في “المناطق المحررة”، لأفظع أشكال انتهاك حقوقهم الإنسانية والوطنية. ويسيطر عليه ويضطهدهم من يفترض بهم الدفاع عنهم، وصيانة كرامتهم، والقلق على مصيرهم، الذي بلغ الدرك الأسفل على يد الأسدية وأيديهم. وهل إحلال هؤلاء الحثالات محلّ الضباط المهنيين والوطنيين، الذين انشقوا عن ميليشيا الأسد من “الحوادث الفردية” التي علينا التعايش معها وغض الطرف عنها؟!

 ليس بين ما شهدته سورية بعد عام 2011 من تطورات ومآلات، ما يمكن أن يعزى إلى “حوادث فردية”، وإن ترتبت عليه من حين لآخر حوادث كهذه. الأصل في ما جرى ويجري سياسات استباحت الشعب، في كل مكان من سورية التي قرر الأسد اغتيالها، وكان من المفترض أن يدافع عنها من نسبوا أنفسهم إلى ثورتها، غير أن هؤلاء قوّضوها بسلاحهم، دون أن يحرصوا، ولو بالكلام، على حياة السوريين، حيثما كانوا.

 مركز حرمون

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى