موسيقا

إما العمل وإما الموسيقى/ حسام عيتاني

 

أظن أن أقدم الأصوات الموسيقية في ذاكرتي هي أصوات رحبانية. تنتمي أغان مثل شادي أو نسّم علينا الهوا الى مناطق سحيقة القِدم في وعيي. تصاحبها لمحات عن حضوري فيلم فيروز بنت الحارس في سينما سميراميس القريبة من بيتنا كانت تعرض الافلام التي سُحبت من صالات العرض الاول، وما زالت صورة فيروز وهي تغني “طيري يا طيارة” تمر أمامي كالحلم.

يُخيّل إلي أن الإيقاع السريع أو معتدل السرعة الحاضرين حضوراً قوياً في أكثر أعمال الاخوين رحباني وبساطة الكلمات وقربها من اللغة المحكية اليومية كانت أكثف وأوزن حضوراً في ذاكرة طفولية اكثر مما كانت عليه الاغاني المصرية ذات الكلمات غير المألوفة والإيقاع الأبطأ عموماً.

تعرفت الى الموسيقى “الحقيقية” اذا جاز التعبير مع دخول أول جيتار الى بيتنا ليتعلم عليه اخي الاكبر أصول العزف، ثم انتقلت العدوى إلي بتأثير من ابناء خالي الذين كان يسحرني اتقانهم العزف على آلات مختلفة اثناء زياراتنا العائلية الى بيتهم. من هنا جذبتني آلة الساكسوفون (آلتو) فتعلمت العزف عليها في فرقة كشفية اولا ثم تابعت مع استاذ حيث حصلت بعض المعرفة بقراءة النوتة والسولفيج والاملاء والقواعد الاساسية للتوزيع والتناغم1.

رافقتني الموسيقى لأعوام عدة كاهتمام يومي وحاولت حيازة مجموعة من الأعمال الكلاسيكية الغربية الشهيرة وأصبت بعض النجاح في ذلك رغم صعوبات الحرب. وأذكر في عام ١٩٨٤ انني كنت استمع الى واحدة من سيمفونيات بيتهوفن واضعا السماعات على أذنيّ عندما انفجرت سيارة مفخخة في شارع مجاور للبيت، وكان الانفجار من القوة ان قفزت ابرة لاعب الاسطوانات وكانت القفزة هذه هي ما نبهني الى ان شيئا ما حصل خارج الجو الذي خلقه بيتهوفن وصبه مباشرة في سمعي.

بمرور الأعوام واشتغالي في الصحافة المكتوبة، استطعت تطوير مهارة لازمة لكل الصحافيين وهي العمل وسط الضجيج والأصوات المرتفعة ورنين الهاتف الذي لا ينقطع في قاعات التحرير وأصوات الزملاء ونقاشاتهم وغيرها من مبطلات التركيز. لكني لم أنجح حتى اليوم في الاقتناع بفكرة موسيقى الخلفية. أي أن يكون صوت معزوفة موسيقية ينبعث من مكان قريب، وأن استطيع العمل. فمقابل اللامبالاة المكتسبة حيال أصوات الصخب العادية، لم أفلح في فصل انتباهي عن أي صوت موسيقي يصدح في حيز عملي. فإما العمل وإما الموسيقى. لذلك استغرب كثيرا تلك القدرة التي يتميز بها البعض على الكتابة أو القراءة وترك الموسيقى “تلعب” في المكان. والارجح أنني مخطئ في اعتقادي بنقص الجدية عند من يكتب أو يقرأ ويستمع الى الموسيقى في آن. نقص في جدية الاصغاء او في جدية الكتابة. فعندي أن الموسيقى التي يمكن اعتبارها جزءا من الخلفية الصوتية قابلة للإلغاء من المشهد من دون أن تفقره، على أن يخصص الكاتب – إذا أراد – وقتاً لها وحدها. غني عن البيان ان الرد على زعمي هذا هو ان الموسيقى يمكن ان تترك اثرها على المستمع حتى لو كان غير مصغ لها. ربما.

إعلان
ولا أستطيع الزعم أن الموسيقى أثرت تأثيرا أعيه وأدركه على عملي باستثناء تمسكي بحد أقصى من التناغم الذي قد لا تكون الموسيقى مصدره الوحيد. لكن ما أراه رؤية واضحة أن الموسيقى وسمت مراحل من حياتي الشخصية وارتبطت أحداث عائلية أو عاطفية أو سياسية بمعزوفات او أغان بعينها. مقطع من فالس مساكراد لخاتشاتوريان يذكر بنهاية حب. أغنية تذكر ببداية آخر. نشيد يحيي ذكريات الحرب والانخراط فيها. ترنيمة تستحضر مرض أحد افراد الأسرة ووفاته. إلخ. بديهي أن ارتباط الذكريات بالموسيقى والغناء شأن يتشارك فيه جميع الناس. لكنني لا أستطيع القطع في الكيفية التي تشكل فيها الموسيقى حساسية تساهم في تشكيل ردود الفعل على احداث مقبلة.

من جهة ثانية، معروفة هي العلاقة بين نيتشه وبين فاغنر وكتابات الأول عن الثاني، وأظن أن الكتابات العربية عن الموسيقى (علي الشوك، نزار مروة من بين آخرين) حاولت وضع السياقات الاجتماعية والثقافية لبعض الاعمال الموسيقية ولا أستطيع إصدار حكم عن تطور هذه الناحية مع تسجيل استمرار الكتابة في الصحافة خصوصا عن هذه الجوانب. هل نحن في حاجة الى دراسات مشابهة لتلك التي انتشرت في الغرب عن ارتباط فنون عصر الباروك، على سبيل المثال ببعضها، من نواحي العمارة والزخرفة والادب والموسيقى؟ هل هناك من يقارن عندنا ما هو ابعد من استخدام الحكم الناصري في مصر للموسيقى لترويج مشروعه السياسي؟ هل ثمة مقارانات تحذو حذو استقراء النظام البطريركي وتراتبيته ودقة التقسيم الاجتماعي التي تعكسها معزوفات باخ مثلا؟ او سر التزامن بين هيغل وبيتهوفن وخيبتهما المشتركة من نابوليون ومعنى ذلك في اطار التطور العاصف للثقافة الالمانية في القرن التاسع عشر؟

ليس لدي اجابة محددة، لكني أميل إلى الاعتقاد أن “جفاف” العلوم الاجتماعية عندنا واقتصارها على القراءة التقليدية للمؤثرات على أفراد هذه المجتمعات من دون تفكيك دقيق للمؤثرات هذه ومنها الموسيقى، يترك جوانب واسعة غير مدروسة في ثقافتنا واجتماعنا وسياساتنا.

وقد نجد آثار هذه المساحات غير المدروسة في تفشي الفن الهابط عموماً، وانحطاط الموسيقى التي انحسر التعامل معها انحسارا شديدا بحيث بات يقتصر على بعض الصيغ والمقامات والايقاعات التي تتردد في اكثرية ساحقة من الانتاجات الجديدة واهمال الثراء المدهش ليس للموسيقى التراثية العربية فحسب بل من كل إمكانات التهجين والاستدخال والتأصيل من الموسيقى العالمية وهي عمليات أضفت ثراء ما الى الموسيقى العربية، بغض النظر عن اختلاف التقييمات في شأنها.

ليس القصد من هذا الكلام الترويج لموقف يدعي النخبوية ويدين، من برج عاجي، الفنون الهابطة من دون فهم الدوافع التي تجعل هذه وحدها تسيطر على اكثرية الانتاج الموسيقي. بل على العكس، فالقصد هو الاشارة الى عضوية العلاقة بين أحوال المجتمع ومستوى إنتاجه الفني والأدبي- الثقافي عموماً. معلوم أن مستويات شديدة التباين من الفنون تعايشت وتساكنت في كل العصور وفي كل الحضارات. وشهيرة قصة ولع موزار، على سبيل المثال، بموسيقى المواخير والحانات واهتمام بيتهوفن بعزف الرعاة على الناي. لكن التساكن بل التفاعل بين المستويين، كان يجري بموازاة حضور معترف به، اجتماعياً وثقافياً، لكلى المستويين. ما نراه اليوم هو تفاقم حالة الجزر في الموسيقى لمصلحة ما يصح تسميته بـ آنتي موسيقى أو الألحان المكررة بأساليبها وجُمَلها وآلات عزفها حتى الملل الشديد، على حساب موسيقى تقوم على حد أدنى من هموم الابداع والتجديد. سيقال إن هذا ضرب من التسليع السائد في مجتمعات استهلاكية ومستتبعة وإن الفوات السياسي والاقتصادي يرفد هذا الانحطاط الموسيقي والثقافي. وهذا كلام لا تنقصه الوجاهة لكنه يكتفي برصد الواقع القائم من دون الإشارة الى أن الأشكال الطربية والآلية للموسيقى العربية، أصيبت بالعقم منذ عقود ارتباطا بأزمة المجتمعات العربية وتحديداً في المشرق.

هيمنة القيم التقليدية تساهم على المستوى الثقافي بتشجيع اجترار الأعمال القديمة باعتبارها “الثقافة العليا” من جهة، وبفتح الطريق أمام فنون القاع الاجتماعي الصاعد عبر الطبقات الطفيلية الممسكة بالسلطة عن طريق الاجهزة المخابراتية والعسكرية والمال الريعي. تناقضات هذه الطبقات السلطوية، تحول عملياً دون التقدم نحو كسر صيغ الأغاني العربية، على سبيل المثال، واستقرارها على تيمات واحدة يبدو أنها لم تتغير منذ العصرين العباسي والاندلسي: الهجر وغياب الوصال والانتظار وما شابه. وليس كشفاً عظيما القول إن ركود الاجتماع يفضي الى ركود الثقافة. فنجد أنفسنا أمام مشهد منقسم الى دائرتين تتجاور فيهما الصيغ التقليدية للتعبير الموسيقي والغنائي بمستوييهما: الاول المستمد من لغة الماضي وطرقه في التعبير وهو ما يقول أصحابه برُقيه. والثاني يعكس تدهور المجتمعات العربية وحمله لقيم الذكورية والخضوع والاستهلاك. الدائرتان تتشاركان في الوقوف على أرضية واحدة.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق