الناس

سرُّ محمد علي الوحيد/ أحمد عمر

تروي الحكاية قصة ملكٍ له أذنا حمار، كان يستدعي الحلاقين إلى قصره لقصِّ شعره الطويل كل شهر، وكانوا يرون عورته، وكانت عورته في رأسه وليست في سوأته، وعورة الرأس هي أمُّ العورات، إنَّ في ذلك آية لأولي النهى. وعند انتهاء الحلاقة يقول الحلاق للملك نعيماً، وبدلاً من أن يقول له الملك: الله ينعم عليك، كان يسأله عن رأيه في أذنيه، فإذا قال “الحقيقة التي هي أكبر مننا”، حكم عليه الملك بالإعدام بتهمة الإرهاب، حتى جاء ذلك الحلاق الذي أنهى حلاقة شعر الملك، وجمع كعادته شعر الملك المحلوق، سأله الملك عن سبب جمعه الشعر، فقال: للبركة يا مولاي، فأعجب الملك به، وسأله السؤال المعتاد، فقال له الحلاق الحقيقة التي هي أصغر منا: أذناك جميلتان يا مولاي، فعيّنه الملك حلاقاً له، لكن الحلاق عرف سرّاً كبيراً لا تحمله الجبال الرواسي، ولا يمكن إخفاؤه في أعمق الآبار، وليس أصعب من كتم سرٍّ مثل سرِّ أذني الملك، فالشعب حقيقٌ بأن يعرف حقيقة مَلِكه، وكان الحلاق يعاني كثيراً من أثقال السرِّ الذي يغلي في صدره، ويريد أن يبوح به، فهي أمانةٌ وطنية، يجب أن يعرفها الشعب، لكن البوح به كان يعني موته، والسرُّ في البطن كالأسد في القفص، فكان يقصد الغابة، ويصيح بأعلى صوته: أذنا الملك كأذني الحمار، حتى ينفث عما في صدره، فيرتاح ويسرّي عن نفسه، ثم يعود إلى بيته.

كنا نعرف حقيقة عبد الفتاح السيسي. اسمه يقول ذلك، وسلوكه، فهو أحمق وعنيد، وبالمصادفة يجمع كل هذه الخصائل الكريمة، فقد باع جزيرتي تيران وصنافير بثمن بخس، دراهم معدودة، وغاز مصر، ونهر مصر، وشعب مصر. ودمّر سيناء، وهجّر أهلها، وأخرس شعبها، وقتل أبناءها، وسبى نساءها، وغيّر دستورها، وبنى القاصر من أموال شعبها قصوراً لزوجته، وأسكت زعماءها بمن فيهم الزعيم عادل إمام الذي رُفض مسلسله الأخير، ربما لأنه صار ينافسه في الكوميديا. ومن صفاته الكريمة أنه يرخي أذنيه أمام رُعاته مثل ابن زايد وترامب، وهذا ما يجعل المصريين يحسّون بالإهانة والخزي. سبب آخر أنّه أفقر الشعب، ويريد منه أن يأكل الفول وقد ارتفع سعره فلم يبقَ سوى البرسيم. وهو “يزأر” في المؤتمرات، ويرفس كثيراً، لكن القاضي الشعب يريد الدليل على نسبته لعالم “أنيمال بلانت”. وكان نظام السيسي قد غيّر اسم حيوان السيسي في حديقة الحيوان إلى الشيتلاند، وصادر جميع كتب يوسف عوف، صاحب كتاب فضائح السيسي بيه، الذي نشر قبل ربع قرن، ولم يكن السيسي شيئاً مذكوراً، والحمد لله الذي أنجاه من بطش السيسي.

تقول كل تصرفاته إنّه جنينة حيوانات. أحياناً يقتنع القاضي في المحكمة بكل الشبهات عن المتهم، لكنه يريد دليلاً دامغاً، وكان مَثَلُ محمد علي مثل الحلاق في الحكاية الشهيرة، فقد خرج من القصر، وقصد إسبانيا التي تعادل الغابة في الحكاية، وصاح صيحته، وفي الحكاية تتحوّل عيدان القصب في الغابة إلى ناياتٍ تغني أغنية: أذنا الملك كأذني الحمار. وفي حكايتنا النايات هي عصافير تويتر وببغاوات فيسبوك.

تفسّر حكاية أذني الملك الشعبية الجملة الأيفيه “الحقيقة أكبر مننا” التي قالها السيسي، وأهملت وضاعت بسبب عدم مناسبتها الخطاب، وتوضح نجاح محمد علي، في حين لم تنجح الأحزاب المصرية وشخصياتها السياسية في وضع الجرس في رقبة السيسي، فهو الوحيد الذي خرج بصورةٍ لأذني الحمار، مع أنَّ حوافر الملك حوافر حمار، ورفسته رفسة حمار، ونهيقه نهيق حمار.

في تأويل الحكاية الشعبية السياسية الساخرة، يمكن أن نقول إن أذني الملك هي مخابراته، وهي مخابراتٌ غبية، لأنها اختارت رئيساً شجاعا لا يشقّ له غبار، ولا يصطلى له بنار، ويمكن تأويل النايات إلى إعلام السيسي الذي يؤكد كل يوم أنَّ الحقيقة أكبر “مننا”.

العربي الجديد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى