الناس

الأمن السوري المفقود

 

 

إحاطة بأحوال المدن والأرياف (1/10)

عبسي سميسم

صحيح أن فصولاً كثيرة من الحرب السورية قد طويت بالفعل، لكن كل المناطق السورية، بلا استثناء، لا تزال تعيش حالة من الفلتان الأمني، تختلف أشكالها بين منطقة وأخرى، سواء في المناطق التي يسيطر عليها النظام، أو تلك الخاضعة للمعارضة، أو لـ”قوات سورية الديمقراطية”. وطيلة سنوات سبع، أباد النظام السوري من أباد من أهل البلد، وهجّر واعتقل وعذّب تحت عنوان إعادة فرض الأمن، وقد تمكن، في الواقع، بفضل تحالف عالمي دعمه، وبسبب تخلي العالم و”المجتمع الدولي” عن شعب بأكمله، من إعادة سيطرته مع مليشيات وجيوش أجنبية على جزء كبير من الأرض السورية، من دون أن يوفر لها الأمن، الذي أصبح فعلياً “مخصخصاً” لمصلحة مليشيات محلية وأجنبية، في انتظار تمكن النظام من إعادة بناء جيشه وأجهزته الأمنية المنهكة بالكامل عديداً وجهوزية، بشكل تصبح قادرة على فرض نفسها بشكل مركزي على المدن والأرياف، هذا في حال سمح لها الراعيان الإقليميان، إيران وروسيا بذلك، وخصوصاً أن نفوذ القوى المحسوبة على موسكو وطهران وحزب الله أصبح كبيراً جداً ولم يعد مجرد تفصيل يتعلق بمساعدة النظام على إنهاء الحرب لمصلحته.

بناءً على ما تقدم، كيف تبدو صورة الوضع الأمني في المدن الرئيسية وأريافها، الخاضعة للنظام ولمليشياته المحلية أو الأجنبية، من دمشق إلى درعا فحلب والساحل والسويداء وغيرها، أو تلك المناطق التي لا تزال خارجة عن سيطرة محور دمشق ــ طهران ــ موسكو ــ حزب الله؟

النظام يهتم بمراكز المحافظات

في المناطق التي يسيطر عليها نظام بشار الأسد، تختلف الحالة الأمنية بين المدن والأرياف، بحسب أهمية المدينة بالنسبة له. وحاول النظام منذ بداية الثورة، جاهداً المحافظة على صورة أقرب للمثالية في مراكز المحافظات الخاضعة له، وبشكل خاص في العاصمة دمشق، فيما ترك أمر الأرياف لحالة من الفوضى تتحكّم فيها المليشيات الموالية له، والتي تعاظم نفوذها خلال سبع سنين من الحرب، ليخلق مناخاً من التنافس بين تلك المليشيات على النفوذ والسيطرة ضمن المناطق التي تنشط فيها، وصراعاً على الامتيازات، وهو ما أدى إلى صدامٍ في ما بينها، وصل إلى حد المواجهة العسكرية أحياناً. لكن ذلك فعلياً كان يجري تحت أعين قيادة النظام، الذي قلّص هيمنته الأمنية المركزية، خلال السنوات الماضية، لصالح هذه المليشيات، إذ مُنحت امتيازات تجني عبرها مكاسب مالية، مقابل ضمان ولائها التام، لمتابعة المهام التي وُجدت أساساً لأجلها، وهي تحديداً ضبط الأمن ومنع أي نشاط معارض في المناطق التي سُلّمت لها، وكذلك الاستفادة من عنصرها البشري في المعارك التي كانت مشتعلة على مختلف الجبهات.

ويُمكن الحديث عن مليشياتٍ وازت قوتها في وقتٍ من الأوقات، قوة أجهزة النظام الأمنية ذاتها، في محافظات كاللاذقية وطرطوس، أو أقل من ذلك بقليل في مدينة حلب، وغربها تحديداً، وكذلك في مدينتي حمص وحماة. إلا أن سطوة المليشيات في محافظتي اللاذقية وطرطوس ركزت بشكل خاص على النازحين من المحافظات الأخرى، خصوصاً النازحين من مدينتي حلب وإدلب، إذ جرى النظر إليهم بعين الشك والريبة، كونهم جاؤوا من محافظات ثارت على النظام، وتم التعامل معهم كحاضن شعبي للمعارضة، خصوصاً في حال كان هناك ناشطون ومطلوبون ضمن عائلة من نزح إلى هاتين المحافظتين. بينما اختلف الوضع قليلاً في مدينة حماة الممسوكة أكثر من قبل الأجهزة الأمنية بسبب المكوّن السكاني للمدينة، التي خرجت فيها أكبر التظاهرات في سورية في بداية الثورة، وبسبب الحساسية الكبيرة بين سكان المدينة والنظام الذي ارتكب مجازر مروعة بحق سكانها في ثمانينيات القرن الماضي.

غير أن هذه الصورة، تبقى مغايرة للوضع الأمني في العاصمة دمشق، حصن قيادة النظام، ومقر قيادات الأفرع الأمنية. وبطبيعة الحال تختلف طبيعة تحكّم تلك المليشيات في مراكز مدن تلك المحافظات عن طبيعة تحكمها بأريافها، ففي مراكز المدن لا يزال النظام محافظاً على مؤسساته نسبياً، والتي تتابع وتبت بالقضايا الأمنية والقضائية وحتى الخدمية، مع تحكّم تلك المليشيات بالقرارات والإجراءات التي تصدر عن تلك المؤسسات. فيما يصل الوضع في الأرياف إلى قيام المليشيات بدور المؤسسات الأمنية والقضائية بشكل فعلي، والتحكّم التام بعمل المؤسسات الخدمية، الأمر الذي خلق حالة من الفوضى الأمنية في الأرياف أكثر منها في المدن، لتتحوّل الأرياف في الوقت الحالي إلى بؤر للإجرام، من قتل وسرقة وخطف مقابل فدية.

انتشار السلاح

أما في المناطق المحسوبة على المعارضة، فيعيش سكانها حالة من الفلتان الأمني تختلف أيضاً بين مناطق سيطرة فصائل المعارضة، ومناطق سيطرة الفصائل الإسلامية، إلا أن السمة العامة لتلك المناطق هي تحكّم الفصائل بالوضع الأمني في ظل غياب دور المؤسسة القضائية، مع استبدال القضاة والمحامين بما يسمى “شرعيين” بلا مؤهلات، وخضعوا لدورات “شرعية” لا تتجاوز بضعة أيام وتم تنصيبهم كقضاة شرعيين يبتون بقضايا الناس.

كما أن الفصائل التي تبحث عن مصادر تمويل ذاتية لا تجد أضعف من المواطنين للتحكّم بالخدمات المقدمة لهم وبيعها بأسعار تحقق أرباحاً لتلك الفصائل. ولعل أبرز الفصائل التي تتاجر بخدمات المواطنين هو تنظيم “هيئة تحرير الشام” (التي تشكّل جبهة النصرة أساسها). هذا التنظيم عيّن أميراً مالياً مهمته تحقيق عوائد مالية للتنظيم من خلال الخدمات المقدّمة للمواطنين ومن خلال تجارة المعابر التي كان التنظيم حتى وقت قريب يأخذ إتاوات على البضائع التي تدخل من كل المعابر، سواء مع النظام أو مع “قوات سورية الديمقراطية”، والتي حد منها اتفاق سوتشي الأخير بين روسيا وتركيا حول شمال غربي سورية، إلا أن التنظيم لا يزال مسيطراً على معبر باب الهوى مع تركيا.

كما تتسم مناطق سيطرة فصائل المعارضة بالانتشار الكبير للسلاح الخفيف والمتوسط بين المدنيين وانتشار محلات بيع الأسلحة، الأمر الذي أدى بطبيعة الحال إلى فوضى سلاح مترافق مع انتشار الفقر والبطالة، ما تسبّب بانتشار عمليات السرقة والخطف وطلب فدية مادية والقتل لأسباب شخصية، بالإضافة إلى التصفيات الجسدية لأسباب سياسية. في الوقت الذي يقوم به القضاء في تلك المناطق على المحسوبيات، التي تأخذ في الحسبان وضع العائلات الكبيرة وعناصر الفصيل المسيطر، إذ يتم التغاضي عن الكثير من المخالفات والجرائم التي يرتكبها هؤلاء، مقابل التشدد مع بقية المواطنين، بالإضافة إلى عدم معرفة أنواع الأحكام المرتبطة بكل جريمة، خصوصاً في ظل منع المتهمين من الاستعانة بمحامٍ عنهم.

انتهاكات “قسد”

أما في مناطق سيطرة مليشيا “قوات سورية الديمقراطية” (قسد)، فالوضع الأمني ليس أفضل حالاً من باقي مناطق سورية، إذ يتحكّم حزب “الاتحاد الديمقراطي”، وذراعه العسكري “وحدات حماية الشعب” الكردية، بكل مفاصل الحياة في تلك المناطق. وتتعامل هذه الوحدات بدرجات متفاوتة مع المواطنين، فالأولوية بكل شيء لعناصر تلك المليشيا، فيما يتم التعاطي مع باقي المكوّنات كمواطنين يمكن أن تُنتهك حقوقهم في أي لحظة، سواء كانوا من المكوّن الكردي المعارض لتوجّهات تلك المليشيا، أو من المكوّنات الأخرى من عرب وسريان وأشوريين. هؤلاء يتعرضون لخطر الاعتقال تحت ذرائع وتهم جاهزة، كما أن مليشيا “سورية الديمقراطية” مثلها مثل كل المليشيات المنتشرة في سورية، تمارس كل أشكال التعسف بحق المواطنين الخاضعين لسيطرتها، من دون أن تكون هناك جهة من الممكن أن تضع حداً لجرائمها، خصوصاً تجاه المكوّن العربي الذي تعرّض قسم منه لعمليات تهجير قسري على يدها مع وجود تهمة جاهزة هي التعاون مع تنظيم “داعش”.

 

 

دمشق للنظام والأرياف لمليشياته (2/10)

عادل حمود

منذ بداية الثورة في سورية، في مارس/ آذار سنة 2011، ركّزت أجهزة النظام المختلفة على تصدير صورة الحالة الأمنية في دمشق على أنها مستقرة، شأنها شأن الأوضاع في عموم البلد، كما كانت تدعي، فكانت كاميرات التلفزيون الرسمي تجول في شوارع العاصمة، وخصوصاً أيام الجُمعة، لتقول ما معناه إن لا شيء يُعكّر صفو الحياة هنا، وإن مشاهد التظاهرات التي تبثها الفضائيات “المُغرضة”، ما هي إلا “محضُ كذبٍ وتلفيق، هدفه التحريض ضد الدولة” التي تتعرض لـ”مؤامرة كونية”، بسبب “ثوابتها ومواقفها بدعم محور المقاومة”.

وفيما شهدت دمشق منذ أواخر سنة 2011، والسنوات القليلة بعدها، بعض مظاهر الفلتان الأمني، كعمليات خطفٍ لأشخاصٍ من عائلاتٍ ثرية، وكثافةً في ظهور المليشيات المُسلحة في الشوارع، إلا أنّ العاصمة السورية عموماً لم تشهد فلتاناً أمنياً بمعناه الواسع والشامل، طيلة السنوات السبع الفائتة. أما اليوم، فقد زال “خطر” المعارضة المسلحة بالنسبة للنظام من كل محيط دمشق، أكان من جنوب العاصمة أو من الغوطتين ومنطقة وادي بردى والأرياف الممتدة من الزبداني إلى حدود محافظات حمص والسويداء والحدود اللبنانية، لترتاح أجهزة النظام نسبياً وليخف عدد الحواجز الأمنية التي ظلّت لسنوات تقسم العاصمة إلى أحياء وشوارع منفصلة بالكامل عن بعضها البعض، على شاكلة مربعات أمنية، مع رواج الاعتقالات والتحقيقات والاعتداءات على هذه الحواجز. وحالياً، يمكن القول إن النظام بجيشه الرسمي وأجهزته الأمنية التي يفوق عددها الـ17، استعاد السيطرة من المليشيات الموالية، أكانت محلية أو أجنبية، على الأمن في الحدود الإدارية لدمشق، وهو ما انعكس زوالاً لعدد كبير جداً من الحواجز الأمنية التي كانت منتشرة سابقاً داخل المدينة، لتبقى المليشيات، ومن بينها “حزب الله” اللبناني و”لجان الدفاع الوطني” و”كتائب البعث” السوريتين، موجودة بقوة في الأرياف، بمكاتب وحواجز مستقلة حيناً، ومشتركة مع النظام حيناً آخر، علماً أن “حزب الله” لا يزال موجوداً مباشرة في منطقة السيدة زينب، وفي مناطق من ريف دمشق الغربي، كالزبداني وسرغايا ومضايا ووادي بردى، القريبة من الحدود اللبنانية، والتي تعتبر المدخل إلى منطقة نفوذ حزب الله في البقاع اللبناني.

هذا في الخريطة العامة لتوزع مهام الضبط الأمني بين النظام وأجهزته من جهة، والمليشيات المحلية والأجنبية الموالية لنظام الأسد من جهة ثانية. أما في التعاطي الأمني مع المواطنين، فهو لا يزال قائماً بطبيعة الحال على القبضة الحديدية والمراقبة والاعتقالات على الشبهة والتخابر والتنصت، مع سلّم أولويات مختلف عما كان عليه الوضع قبل الثورة، إذ يصدف أن تغض الأجهزة الأمنية النظر عن معارضين مثقفين لا يزالون يقيمون في دمشق لعلمها أنهم لا يشكلون خطراً مباشراً لجهة احتمال تعبئتهم الشارع مثلاً، أو تكوين رأي عام معارض، في حين تكون الأولوية لمراقبة الأحياء الشعبية المعروفة باحتضانها حالة معارضة حقيقية، مثل حي الميدان الشهير بتظاهراته عامي 2011 و2012، والجامعات، في ظل عناية كبيرة بعدم استفزاز أوساط مذهبية تصنف في خانة “الأقليات” في ظل استمرار حرص النظام على الإيحاء للعالم زوراً بأنه حامي تلك المجموعات الدينية، من دروز أو مسيحيين مثلاً.

ويُمكن التمييز بين ثلاثة مستويات لتعامل النظام مع الحالة الأمنية في مدينة دمشق:

الأول، مع بدء التظاهرات في أحياءٍ عدة بدمشق، منذ الربع الثاني من سنة 2011. إذ كانت التظاهرات تحصل بشكل مركّز بعد ظهر يوم الجمعة من كل أسبوع، وهو ما دفع أجهزة أمن النظام إلى الانتشار بشكل كثيف في المناطق التي كان يتوقّع خروج تظاهرات فيها، من خلال المعرفة المُسبقة بالمناخ الشعبي لكل منطقة. كذلك عمدت أجهزة النظام إلى استحداث أماكن لتجمعات مركزية (معرض دمشق القديم مثلاً) لعشرات الدوريات والحافلات المخصصة لنقل عناصر الأمن، بحيث تضمن لهم سرعة الوصول نحو أي منطقة تَرِدُ منها معلومات عن خروج تظاهرة.

المستوى الثاني، كان بحلول نهاية سنة 2011، وبداية 2012، مع تزايد كثافة عدد ونقاط التظاهرات والمتظاهرين، وظهور السلاح لـ”حماية التظاهرات”، وصولاً لمنتصف سنة 2012، إذ لم يعد استنفار دوريات الأمن يقتصر على يوم الجمعة، وأصبحت تُشاهد يومياً في الأحياء التي تشهد نشاطاً ضدّ النظام السوري، خصوصاً بعد شهر يوليو/ تموز من العام 2012، الذي شهد تفجير “خلية إدارة الأزمة” (طاول مبنى الأمن القومي في العاصمة دمشق، وقتل على أثره كبار الشخصيات في النظام السوري)، بالتزامن مع زيادة حركة الفصائل المسلحة التي تتبع للمعارضة في أحياءٍ على أطراف دمشق.

أما المستوى الثالث، فظهر بعد يوليو/ تموز 2012، الذي انتهت فيه فعلياً النشاطات السلمية للمعارضة في دمشق، بعد وأد الحراك السلمي هناك، وظهور دبابات قوات النظام في شوارع العاصمة، وإعادة الحالة الأمنية للضبط عبر نشر عشرات الحواجز وسط دمشق وعلى أطرافها، ضمن الحدود الإدارية لمحافظة دمشق. مع العلم أن الأرياف الشرقية والغربية لدمشق، كانت قد بدأت بالخروج تباعاً من سيطرة النظام، وبقيت تشهد مراحل هدوء وعمليات عسكرية، حتى إبريل/ نيسان 2018، عندما خضعت بكاملها لسلطة النظام السوري.

ومنذ بداية الثورة السورية، قسّم النظام دمشق إلى مربعات أمنية، حيث تقاسمت مختلف فروع الاستخبارات أحياء المدينة أيام الاحتجاجات السلمية، فتسلّم الأمن العسكري أحياء دمر والهامة والمزة وكفرسوسة، بالإضافة لأجزاء واسعة من دمشق القديمة، فيما كانت أحياء برزة والقابون وجوبر من نصيب الاستخبارات الجوية. وكانت أحياء الصالحية والشيخ محيي الدين والمهاجرين والأحياء القريبة منها، من مهام فرعي “الخطيب” والأمن الداخلي بمنطقة الجسر الأبيض. أمّا مناطق جنوب العاصمة، ابتداءً من أحياء الميدان والقدم والعسالي والمناطق المحيطة، فكانت من اختصاص ما يُعرف بـ”فرع فلسطين”.

وبقي هذا التقسيم قائماً طيلة السنوات السبع الماضية، وهو مستمر إلى الآن. ومع كل المراحل التي مرت بها العاصمة السورية، كانت هذه الأفرع هي التي تضبط الحالة الأمنية، كل فرع في قطاعه. وحتى المليشيات التي بدأت من “لجان شعبية” وتوسّعت شيئاً فشيئاً، كانت تعمل بالتنسيق مع الفرع الأمني الذي يتولى الإشراف على المنطقة التي تنشط فيها هذه اللجان.

وقد تنامى دور المليشيات المسلحة، مثل “اللجان الشعبية”، و”الدفاع الوطني”، و”كتائب البعث”، وغيرها من المليشيات تحت مسميات مختلفة، بشكل لافت، مع بدء النظام بتقديم الدعم لها بالسلاح والعتاد، لتقود بدورها بالتنسيق مع الفرع الأمني المختص، عمليات ضبط الأمن في الأحياء التي تنشط فيها، مقدمةً تقارير دورية عن كل صغيرة وكبيرة تحصل للفرع الذي تعمل تحت كنفه.

ومنذ النصف الثاني من سنة 2012، بدأت الأفرع الأمنية بمسحٍ شبه شامل لكافة أحياء دمشق، بحيث أجرت دراسات أمنية للعائلات القاطنة في هذه الأحياء، مع التركيز على شريحة الشباب، وباتت تشترط على الراغبين باستئجار منزل في العاصمة الحصول على إذن أمني قبل القيام بذلك، وهو الإجراء الذي فرض أيضاً من أصحاب المنازل الذين يعرضون منازلهم للإيجار. وانسحبت الصورة نفسها، ولكن بضبطٍ أمني أقل، على أرياف دمشق التي بقيت طيلة السنوات السبع الفائتة تحت سيطرة النظام فعلياً.

أمّا في الأرياف التي خرجت عن سيطرة النظام، منذ سنة 2012 وبعدها، مثل الغوطة الشرقية وبعض بلدات الغوطة الغربية، قبل أن تعود بالكامل تدريجياً لسلطة النظام، فقد أسست الفصائل المُسيطرة فيها، كـ”جيش الإسلام”، و”فيلق الرحمن”، جهازاً أمنياً لضبط الحالة الأمنية. لكن حروب هذه الفصائل مع النظام من جهة، ومعاركها الداخلية في ما بينها من جهة أخرى، إضافة إلى ظروف الحصار الذي فرضه النظام على مناطقها، وما أفرزه من مشاكل مجتمعية، كلها عوامل جعلت الحالة الأمنية في المناطق التي سيطرت عليها المعارضة السورية هشة.

وبعد سيطرة النظام السوري على المناطق التي كانت خارج دائرة نفوذه، عبر المعارك، أو ما سُمي بـ”المصالحات”، بات سكان هذه المناطق، ممن فضلوا البقاء فيها على الخروج نحو محافظة إدلب، معقل المعارضة حالياً، باتوا يعيشون تحت ضغط أمني من قبل سلطات النظام التي تلاحق بعضهم بمجرد التواصل مع ذويهم في الشمال السوري، كتهمة يعاقبون عليها. وقد توسّع العقاب عبر تغاضي النظام كذلك عن السرقات التي مارسها عناصره بحق ممتلكات من تم تهجيرهم بموجب المصالحات إلى الشمال السوري، فيما يتمّ غضّ الطرف اليوم عن الانتهاكات التي ترتكب بحقّ سكان تلك المناطق الذين لا يمتلكون حق الاعتراض، كون تهمة الخيانة العظمى جاهزة بشكل دائم، ولا يستطيعون فعل شيء حيالها. وفي ظلّ كل ذلك، يعيش سكان المناطق التي كانت تحت نفوذ المعارضة كمواطنين من الدرجة الثانية، بحيث لا يمتلكون حتى حقّ المطالبة بحقوقهم، فيما يتوجّب عليهم الخضوع الدائم للابتزاز من قبل كل العناصر المحسوبة على النظام ومليشياته.

 

 

 

مليشيات النظام تذبح حلب[3 /10]

عمار الحلبي

في أواخر عام 2016، سيطر النظام السوري على مدينة حلب بالدم والنار، عقب خروج آخر دفعة من مقاتلي المعارضة والمدنيين من الجزء الشرقي من مدينة حلب، بموجب “اتفاقٍ” برعاية روسيا وإيران بين النظام السوري والمعارضة. وأصدرت قوات النظام حينها بياناً وصفت فيه هزيمة مسلحي المعارضة في مدينة حلب بأنها “تحول استراتيجي ومنعطف مهم في الحرب على الإرهاب”. وجاءت هذه السيطرة عقب حصار الجزء الشرقي من المدينة ثم اقتحامه من قبل قوات النظام بمساعدة مليشيات إيرانية وتغطية جوية روسية مكثّفة، ما أسفر عن مقتل المئات من سكّان المدينة، فضلاً عن دمارٍ واسع في البُنى التحتية وصف بأنه الأكبر في سورية. ولكن بعد نحو ثلاث سنوات من سيطرة النظام السوري والمليشيات المحلية والطائفية المتحالفة معه، كيف أصبحت حلب.

منذ سيطرة النظام السوري المدينة وحتى اليوم، لا تزال حلب وسكّانها خاضعين لاحتلال المليشيات التي دخلت بالقوة، ولم ينعم الأهالي بيومٍ هادئ. أبرز المليشيات المحلية المسيطرة في حلب هي مليشيا “آل بري”، وهي من كبريات عائلات المدينة، وأكثرها دموية حتى قبل اندلاع الثورة السورية عام 2011، وعُرفت بقمعها التظاهرات السلمية في عام 2012 في جامعة حلب، وقيامها بعمليات قتل واغتصاب وسرقة للمدنيين، وتتمركز في حي باب النيرب بحلب، كما أن كبار قادتها هم إمّا قادة أمنيون في أرفع مناصب النظام الأمنية أو مسؤولون سياسيون وأعضاء في مجلس الشعب السوري.

إضافةً إلى مليشيا بري هناك مليشيا “الباقر”، المُشكّلة من عشيرة “البقّارة” في مدينة حلب، وهي واحدة من أكثر المليشيات المحلية دموية ويقودها شيخ عشيرة البقارة نواف البشير، الذي عاد إلى كنف النظام بعد أن كان في صفوف المعارضة. كما أن الشرطة العسكرية الروسية التي انتشرت في مدينة حلب بعد سيطرة النظام السوري عليها لم تسلم من هذه المليشيا، فقد قُتل في عام 2017 عدد من العسكريين الروس على يدها في حي طريق الباب في أقصى شرق مدينة حلب، إضافةً إلى أن هذه المليشيا تحظى بدعم إيراني لا محدود، فقد كشفت مصادر مطلعة لـ “العربي الجديد” أن “إيران تحاول إيجاد وجه من الطائفة السنية لتنفيذ أجنداتها من دون تدخّلها بشكل مباشر لعدم إثارة غضب الأهالي”. وثمّة أيضاً مليشيا “الدفاع الوطني السوري” ولكنها تتمركز في أحياء حلب الغربية التي لم تدخلها المعارضة إطلاقاً. كما أن هناك أيضاً المليشيات الطائفية التي تحمل أجندات إيرانية مثل “لواء أبو الفضل العباس” و”حركة النجباء” و”حزب الله” و”فاطميون” وغيرها.

وبعد “اتفاق المدن الأربع” (إبريل/ نيسان 2017) الذي تم بموجبه تهجير المدنيين والمقاتلين من قريتي كفريا والفوعة في ريف إدلب نحو مدينة حلب، تحوّلت جميع المليشيات الطائفية من كفريا والفوعة إلى جزء أساسي من عصابات حلب، وهو ما أفضى إلى سلسلة مصادمات أمنية. ففي شهر سبتمبر/ أيلول الماضي، دارت اشتباكات عنيفة أسفرت عن حالة هلع بين المدنيين، واستخدمت فيها الأسلحة المتوسطة والثقيلة. لم تكن هذه الاشتباكات بين النظام والمعارضة، كما أنّها لم تكن بين جيشين نظاميين، بل كانت بين مليشيا موالية للحكومة وجناح عسكري لإحدى العائلات الكبيرة الموالية للنظام.

وأفادت مصادر مطلعة لـ”العربي الجديد” بأن “عائلة برّي التي تقاتل في مدينة حلب دخلت في معركة مفتوحة مع المليشيات التي قدمت من بلدتي كفريا والفوعة”. وبحسب المصادر فإن “سبب الخلاف بدأ بعد قيام مليشيا برّي بطرد مدنيين من كفريا والفوعة بعد أن استوطنوا في أحد أحياء مدينة حلب، بسبب رفضها لإقامتهم، الأمر الذي دفع مليشيات كفريا والفوعة للتدخّل والتصدّي لها. وتطوّرت هذه المناوشات بين الطرفين، إلى أن تحوّلت إلى معارك عنيفة بدأت من حيي الصالحين والشيخ جسر الحج”.

وقال مواطن يعيش في حي الصالحين لـ “العربي الجديد” إنه “استُخدمت في المعارك القذائف والرشاشات الثقيلة والرشاشات المثبّتة على عربات الدفع الرباعي، ما أدّى لحالة حظر تجوّل في عموم الحيين، فضلاً عن نزوح من بعض شوارع حي الصالحين”.

في مرحلة لاحقة، امتدت المعارك إلى أحياء قاضي عسكر والقاطرجي والميسر، وباتت عموم أحياء حلب الشرقية أسيرة المعارك، التي انتهت بسيطرة مطلقة لمليشيا برّي. بعد هذه السيطرة، عمدت مليشيات كفريا والفوعة لاستقدام تعزيزات عسكرية ضخمة من بلدتي نبّل والزهراء في ريف حلب الشمالي، الأمر الذي أدّى لتجدّد المعارك بينهما ووقوع عشرات القتلى والجرحى من الطرفين. وتحدّث مدنيون من أحياء حلب الشرقية عن حالة الرعب والذعر التي سادت مناطقهم جراء هذه الاشتباكات. ولم يتمكّن النظام السوري من القيام بأي تحرّك إزاء عمليات الاقتتال هذه، في دليل على مدى ضعفه في مواجهة المليشيات التي شاركته المعارك في مدينة حلب. كذلك، في أواخر شهر يونيو/ حزيران 2017، دارت اشتباكات عنيفة بين مليشيات موالية للنظام وعناصر من فرع “الأمن العسكري” في حي الحمدانية جنوب غربي حلب، وعلى إثر هذه الاشتباكات قامت قوات النظام بتطويق الحي من جميع جهاته.

وبحسب مدنيين في المنطقة، فإن “الاشتباكات جاءت على خلفية مشادة كلامية بين العناصر تطوّرت إلى شتائم واندلعت على إثرها المعارك، فبدأت حرب شوارع وتبادل نيران وقنابل داخل الحي المكتظ بالسكّان، ما أسفر عن سقوط إصابات في صفوف المتحاربين ومدنيين كانوا موجودين هناك”.

وقبل هذه الحادثة بأيام، قامت مليشيا “الدفاع الوطني” الموالية للنظام، باقتحام سكن الطالبات في مدينة حلب الجامعية، وفقاً لشكاوى نقلتها وسائل إعلام موالية. وقامت الفتيات بالتوجه إلى إدارة المدينة الجامعية والمراقبة لإخبارهم بما حصل ولكن إدارة المدينة والمراقبين لم يفعلوا أي شيء لردع العصابات. والسكن الجامعي الخاص بالفتيات كان قد تعرض قبل هذه الحادثة بأيام لمحاولة اقتحام من قبل مليشيا “لواء القدس الفلسطيني” تقاتل إلى جانب نظام بشار الأسد، التي أطلقت النار على الحرس الجامعي واعتقلتهم داخل فرع الحزب في الجامعة، بعد اقتحام السكن، مبرّرةً ذلك بأنه جاء “لضرورات أمنية”، ما أثار غضب الموالين في حلب.

كما أنه في منتصف شهر يونيو/ حزيران الماضي، تعرّضت ثلاث فتيات في مدينة حلب لحوادث خطف منفصلة، وفقاً لما أفادت مواقع إخبارية عدة بحلب وأكّده حقوقيون. الحالة الأولى كانت في حي الميدان حين خُطفت الفتاة شهد عابدين (16 عاماً) قرب جامع “أبو بكر” بواسطة سيارة أجرة يقودها مسلحون فيما لم يعرف مصير الفتاة، بينما كانت الضحية الثانية هي الفتاة سناء ذكرت (17 عاماً) واختُطفت من حي الأكرمية خلال عودتها إلى منزلها، فيما اختطفت فتاة ثالثة في حي سيف الدولة غرب مدينة حلب من قبل عناصر “اللجان الشعبية” المنتشرة في الحي.

حدث آخر وقع في حلب في يوليو/ تموز 2017، في أبشع تجلٍ لممارسات النظام والمليشيات التابعة له، فقد قتلت الأخيرة طفلاً في المدينة، لأنّه تقدّم إلى عناصرها وعرض عليهم أن يبيعهم العلكة. هزّت تلك الجريمة سكّان مدينة حلب، ما أدّى إلى ظهور حملة تضامن واسعة مع الطفل القتيل. بحسب التفاصيل التي حصل عليها “العربي الجديد” فإن طفلاً يدعى أحمد جاويش ويبلغ من العمر 12 عاماً، كان يبيع العلكة في حي الموكامبو الراقي في غرب مدينة حلب. وأفاد شهود عيان بأن الطفل كان يدور بين المارة ويطلب عوناً مالياً، واتجه نحو دورية شبيحة في الحي وبعد محاولته الإلحاح على بيعهم العلكة، قام أحدهم بإطلاق النار عليه وأرداه قتيلاً على الفور، ثم غادر العنصر المكان ببساطة. وأثارت الحادثة موجة غضب واسعة بين الموالين، إلى أن أعلن النظام أنّه تمكّن من تحديد هوية الشخص الذي أطلق النار متوعّداً بأن يقبض عليه.

وخرج محافظ حلب حينها قائلاً إن “الجريمة التي ارتكبها مستهترون وعابثون بأمن الوطن والمواطن بحق الطفل جاويش في حي الموكامبو أمام أحد المحال لن تمر دون عقاب”، موضحاً أنه “منذ اللحظات الأولى لارتكاب الجريمة، قامت جميع الجهات الأمنية والشرطية بالتقصي والبحث، إذ تمت معرفة مرتكبيها والبحث جار عنهم والقبض عليهم لينالوا عقابهم العادل”.

 

الساحة للشبّيحة في اللاذقية (10/4)

عمار الحلبي

في أغسطس/ آب 2015، أقدم سليمان الأسد، وهو أحد أقارب رئيس النظام السوري بشار الأسد، على قتل العقيد في القوات الجوية بجيش النظام السوري، حسان الشيخ، بعد إطلاق النار عليه بشكل مباشر في أحد شوارع مدينة اللاذقية الساحلية. وقد كان سبب القتل أكثر شناعة من عملية القتل ذاتها، إذ يعود لمشادّة كلامية دارت بين الطرفين على أفضلية المرور قرب دوار الزراعة في المدينة، ما دفع سليمان الأسد لإطلاق النار على الشيخ. وبحسب شقيق الأخير الذي كان برفقته أثناء وقوع الحادث، فإنّ سليمان الأسد قتل شقيقه لأنه لم يفسح المجال أمام سيارته للمرور، في وقت كان الطريق مزدحماً. وأشار مدنيون كانوا موجودين في المنطقة، إلى أنّ الأسد “ترجّل من سيارته وأطلق النار على الشيخ من رشاش كان بحوزته”. وسليمان الأسد هو ابن هلال الأسد، ابن عم بشار الأسد، وقائد “قوات الدفاع الوطني” في اللاذقية.

وإذا كانت هذه الحادثة قد وقعت ضدّ ضابط في جيش النظام، فماذا يحصل بحقّ المدنيين العاديين المقيمين في مدينة اللاذقية الساحلية، أو ما باتت تعرف بـ “شيكاغو سورية” (نسبة إلى تزايد نسبة العنف والجريمة)؟

شيكاغو سورية

تعاني مدينة اللاذقية على الساحل السوري من فلتان أمني حوّلها إلى بؤرة جرائم قتل وسرقات واغتصاب وخطف بهدف الابتزاز المادي، ما جعل حياة المدنيين هناك أشبه بكابوس. ويُفاقم الأمر أن الجُناة، الذين هم معظمهم من المليشيات المحلّية المقرّبة من النظام، قد فرضوا سلطتهم على المدينة وحجّموا دور أفرع الأمن والشرطة، ما جعل الشكاوى غير مجدية حتّى لو تمت معرفة الجاني.

وفي هذا الإطار، قابلت “العربي الجديد” مدنيين مقيمين في اللاذقية من مختلف الطوائف، كانوا ضحية هذه المليشيات، في ظلّ عدم قدرة النظام على فرض سطوته على المدينة. وبحسب المقابلات، ظهر أنّ الخطف مقابل فدية مالية احتل المرتبة الأولى من بين الجرائم الأخرى التي ترتكب، حتى باتت هذه الجريمة أمراً روتينياً وشبه يومي في المدينة. وتضاف إلى الخطف جرائم القتل والسرقة، وخصوصاً سرقة السيارات من الشوارع.

سرقة واقتحام للمنازل

في مثل هذه الأيام من العام الماضي، قتل مجهولون امرأتين بداعي السرقة؛ الأولى قُتلت داخل منزلها في حي مشروع الصليبة، بعد اقتحام مسلّحين له وسرقتهم كل ما في داخله ولا سيما المصاغ الذهبي للمرأة، قبل أن يقتلوها ويفرّوا، فيما قتلت الثانية بالطريقة ذاتها ولكن في حي الرمل الشمالي، حيث رُجّح أن تكون الجهة المُهاجمة هي نفسها. ويقصد المهاجمون المنازل التي لا يوجد بين أفرادها ذكور، حتى لا يتعرّضوا للصدّ والمقاومة من قبلهم.

ولعلّ قصّة الشابّة السورية رهف أنجرو من أكثر القصص التي تدلّ على الوحشية السائدة في مدينة اللاذقية، حيث اختطفت هذه الشابة من ساحة الشيخ ضاهر، وسط المدينة، في نوفمبر/ تشرين الثاني من العام الماضي، بعدما أجبرها أشخاص في إحدى السيارات على الصعود إلى داخلها، لتختفي من دون معرفة أي شيء عنها إلى اليوم.

تشبيح

وفي أواخر شهر أكتوبر/ تشرين الأوّل الماضي، توقّفت سيارة “مفيّمة” (زجاجها داكن) من نوع “شيفروليه تاهو” سوداء، يقودها عدد من الشبان وأطلقت الرصاص على النادي الرياضي “بروجيم معلا” وكافيه “دي روما” الملاصق له، في الساعة الثالثة فجراً. وعلى الرغم من وجود مدنيين داخل النادي والمقهى، إلّا أنَّ مطلقي النار العشوائي لم يأبهوا لهذا الأمر، وقد نجا هؤلاء المدنيون بأعجوبة واقتصرت الخسائر على الماديات.

وأشار أحد الذين كانوا موجودين داخل المقهى في حديث مع “العربي الجديد”، إلى أنَّ السيارة استمرّت برشق الرصاص على المدنيين بشكل عشوائي لنحو دقيقة كاملة وفرّغت أكثر من مشط من الرصاص، موضحاً أنّ حالة رعب وذعر سادت بين المدنيين الذين كانوا يسهرون داخل المقهى. وأكّد أن السيارة بعد إطلاقها النار لم تلذ بالفرار، بل سارت في طريقها بكل هدوء وكانت تتوقّف وتسير، وكأنًّ من كان بداخلها غير خائف من أي ردّة فعل من قبل الشرطة أو القوى الأمنية المتفرّغة لاعتقال الناشطين المعارضين لحكم الأسد. وحضرت قوات الأمن بعد نحو نصف ساعة، ولكن كالعادة فإنّ الشرطة خافت من أن تكون هوية المهاجمين مرتبطة بشخصية كبيرة في إحدى المليشيات المحلية، فأقفلت المحضر.

ميلاد الكتكوت

وقبل هذه الحادثة بأيام عدة، تحوّلت مدينة اللاذقية إلى ما يشبه حرب الشوارع، ولكن لم تكن هناك أي حرب، بل مظاهر احتفال، إذ أطلق مسلّحون موالون للنظام السوري جميع أنواع الأعيرة النارية بين المدنيين في منطقة “الزراعة” القريبة من جامعة “تشرين”، بمناسبة “عيد ميلاد الكتكوت”، وهو ابن واحد من الشخصيات النافذة في المدينة، بحسب ما قال ناشطون. وأكّد عمّار، وهو مدني يعيش في المنطقة حيث تمّ إطلاق النار، هذا الأمر، إذ قال لـ”العربي الجديد”، إنّ “مطلقي النار هم ابن أحد الشخصيات النافذة في النظام السوري بالإضافة إلى مرافقيه وبعض السيارات التي كانت معه”، مُرجّحاً أن يكونوا أصدقاءه. وقد أدى إطلاق النار العشوائي بشكل أفقي وعمودي إلى تكسّر زجاج شرفة منزل عمار، هذا فضلاً عما تسبب به ذلك من حالة ذعر ورعب بدت واضحة بين المدنيين، خصوصاً أنّ إطلاق النار استمرّ لأكثر من نصف ساعة.

“شيخ الجبل” السوري

منذ أشهر عدة لا حديث بين المدنيين ووسائل الإعلام في اللاذقية إلّا عن “شيخ الجبل السوري” الموجود هناك. وليس معروفاً بالضبط من هو “شيخ الجبل السوري” الجديد، ولكن كان من المعروف أن “شيخ الجبل” في اللاذقية هو محمد توفيق الأسد، ابن عم بشار الأسد، الذي فتك خلال السنوات الماضية بالمدنيين في اللاذقية، قبل أن يقتل عام 2015. ويبدو أنَّ أحداً ما من عائلة الأسد تقلّد هذا المنصب من جديد.

وتوجّه “شيخ الجبل” الجديد هذا، في شهر سبتمبر/ أيلول الماضي، بموكب طويل نحو منطقة الزراعة في المدينة، حيث خاض معركة ضدّ أحد الشبيحة النافذين. وأكّدت مصادر من المدنيين لـ”العربي الجديد”، أنّ معارك عنيفة دارت في حي الزراعة بعد وصول “شيخ الجبل” إلى المنطقة، استخدمت فيها الأسلحة المتوسّطة والرشاشات الثقيلة والقنابل.

وبدأت المشكلة، وفقاً لمصادر محلية، عقب إلقاء قنبلتين على إحدى السيارات المارّة في حي الزراعة، لتبدأ بعدها الاشتباكات بالرشاشات الخفيفة والمتوسّطة. وبعد نحو نصف ساعة من المعارك، تمّ قطع جميع الطرقات المؤدّية إلى منطقة الزراعة، من جهة مطعم “كاسبيلا”، من قبل عناصر أمنية. ولكن حضور القوى الأمنية لم يكن له أي دور سوى منع الاشتباكات من التمدّد إلى أحياء ثانية، حيث وقف عناصر الأمن متفرّجين على المعارك حتّى انتهت، وغادروا المكان وكأنَّ شيئاً لم يحدث.

لا سلطة للشرطة

وفي حادثة أخرى تدل على الأمن السائب في اللاذقية، تلقّت شابة سورية تدعى أماني على مدار ثلاثة أشهر تهديدات متواصلة من أحد قادة الدفاع الوطني في المدينة، بـ”مصير وخيم” إذا لم تمتثل لطلباته وتقبل بإقامة علاقة عاطفية معه. والتقت الشابة بالمسلّح الموالي للنظام في إحدى الجلسات الجماعية في مقهى باللاذقية، ثم تابعها عبر مواقع التواصل الاجتماعي وبدأ بمضايقتها. وتقول أماني لـ”العربي الجديد”: “في بداية الأمر لم أكن أرغب بالدخول في احتكاكاتٍ معه وكنت أحاول مسايرته لمنع إثارة غضبه”. وبعد أن تطوّر الأمر من “لقاءات إجبارية” إلى طلب إقامة علاقة حميمية، تحرّكت الفتاة وأبلغت أهلها بما يحصل، ليقوموا بدورهم بإغلاق حساباتها على مواقع التواصل الاجتماعي وتغيير رقم هاتفها ومنعها من الخروج من المنزل، قبل أن يبلغوا الشرطة بما جرى ويعلموها بهوية المُهدِّد.

وعلى الرغم من امتلاك الشرطة جميع التفاصيل عن المتهم، إلّا أنّها أغلقت المحضر وأبلغت المشتكين بأنّها “غير قادرة على التحرّك بمجرّد التهديدات، وأنّها لا تستطيع فعل شيء طالما لم يقع أي جرم”. وعلى أثر ذلك، اضطر أفراد عائلة أماني للانتقال للعيش في مدينة حماة، وسط سورية، حيث تركوا منزلهم وأعمالهم في اللاذقية خوفاً من ردّة فعل زعيم المليشيا، بسبب عدم تجاوب ابنتهم معه.

 

النظام يستثمر فوضى السويداء (10/5)

ريان محمد

عادت الجرائم والفوضى الأمنية إلى حالها في محافظة السويداء السورية، بعد حالة من الهدوء النسبي الذي شهدته المحافظة قبل فترة، وسط اتهامات من الأهالي للنظام بتعمّد نشر الفوضى. ويتهم ناشطون في السويداء الأجهزة الأمنية للنظام بالضلوع في جرائم الخطف والقتل والسرقة، بعد أن تراجعت أخيراً بسبب انقطاع التواصل بين عصابات الخطف في محافظتي السويداء ودرعا.

والشهر الماضي عثر الأهالي على جثتين لأبناء المحافظة، قُتلا على يد مجهولين، فيما وثّق الناشطون حالات قتل متعمّد، لا تزال مجهولة الفاعل، إضافة إلى ست حالات خطف، والعديد من حالات السرقة والنهب، خلال الشهر الحالي. وأشار ناشطون إلى أن “قوات النظام عمدت إلى إزالة الحواجز داخل محافظة السويداء ليس لتسهيل حركة المرور والحياة العامة، بل لتسهيل حالات القتل والخطف ونشر الجريمة، في محاولة للضغط على الأهالي لمطالبة النظام بإعادة الانضباط الأمني، أي إطلاق يد النظام في المحافظة مجدداً بعد القيود التي حاول الأهالي وضعها على حركة أجهزة النظام الأمنية، التي كانت تهتم فقط بملاحقة المطلوبين للنظام والمتخلفين عن الخدمة العسكرية”.

وكان النظام اعتمد على العاطلين عن العمل والمهمّشين لقمع الاحتجاجات في المحافظة. كما أطلق سراح المجرمين، مشكّلة مجموعات منفلتة تعتمد على الدعم والحماية من النظام لخدماتها في قمع المعارضين، ومعظمها يعمل لمصلحة أحد فروع الأمن، خصوصاً فرعي “الأمن الجوّيّ” و”الأمن العسكريّ”. ومع دخول إيران إلى مركز القرار والتحكّم في سورية، تأسّست مليشيا “الدفاع الوطني” وغيرها، لتبدأ أعمال التهريب والخطف والنهب والابتزاز، ومحاصصة الفروع الأمنيّة على غنائمها. لكن البعض من تلك المليشيات بدأت تعمل لحسابها مع تنسيق محدود مع أجهزة النظام وحواجزه، ويجد النظام صعوبة في السيطرة على تلك العصابات، لكنه يحاول استثمار الفوضى الناجمة عن أعمال تلك العصابات عبر إطلاق يد “الدولة” في المحافظة، مع ما يترتب على ذلك بالتحاق المتخلفين عن الخدمة العسكرية بجيش النظام وأجهزته الأمنية، والمقدر عددهم بنحو 30 ألف شاب.

ومن الحوادث التي أثارت استياءً واسعاً في محافظة السويداء، حادثة قتل الفتاة ديانا أبو حسون، وهي طالبة مدرسة ثانوية قتلها والدها، برصاصة في الرأس نتيجة تغيبها ساعتين عن المدرسة من دون علمه، وذلك بسبب استسهال القتل وانتشار السلاح بين الأهالي. ما أشاع جواً من الخوف في عموم المحافظة، وامتنع الكثير من الناس عن التجول ليلاً، مع التركيز على إبقاء أولادهم في المنازل.

كما عثر أهالي السويداء على جثة منصور جميل الربيدان، وهو من عشائر بدو السويداء، مرمية في ساحة دوار المشنقة، بعد قتله بطلق ناري في رأسه. وأرفقت الجثة بورقة كُتب عليها اسمه، وتهمة منسوبة له باشتراكه في هجوم تنظيم “داعش” على السويداء في 25 يوليو/تموز. وقبل ساعة واحدة، وجد الأهالي أيضاً طفلة لا يتجاوز عمرها 6 أشهر، وحيدة في ساحة الفرسان، تبين لاحقاً أنها ابنة القتيل الربيدان، التي اختطفت معه ومع زوجته مطلع أغسطس/آب الماضي، بالقرب من بلدة المشنف شرقي السويداء. وتبنت عملية الخطف حينها مليشيا مجهولة تطلق على نفسها اسم “الغيارى” ادعت حينها أن زوجة الربيدان هي شقيقة عيد عفيس، الذي اتهمته المليشيا بأنه “الداعشي” الذي قطع رأس الشاب مهند أبو عمار، من مخطوفي المحافظة لدى “داعش”. وأكدت مصادر محلية أن “الربيدان، هو راعٍ لمواشي أهالي بلدة المشنف، وقد التزم بيته المعروف لدى أهالي البلدة يوم الهجوم، واستبعد معظم الأهالي أن تكون له علاقة مع داعش”.

وتعرض العديد من أبناء العشائر لعمليات قتل في السويداء بحجة أن لهم صلة مع تنظيم “داعش” مثل قطع رأس شخص من عشيرة النادر ورميه في باحة مسجد المقوس، مرفقاً بعبارة “هذا مصير كل بدوي في السويداء”، بعد عجز عائلته عن دفع فدية بـ8 ملايين ليرة سورية (15.4 ألف دولار)، علماً أن المجموعة التي خطفت النادر وأعدمته تتبع للمخابرات الجوية”. وقد دانت “الهيئة الاجتماعية للعمل الوطني في السويداء” هذه الجرائم وأكدت أنها تهدف لتقويض العلاقات الأهلية والتاريخية بين سكان الجبل بكل مكوناته.

وقالت مصادر أهلية من السويداء، في حديث لـ”العربي الجديد”، إن “حالة الفلتان الأمني في السويداء بدأت فعلياً مع بداية الحراك عام 2011، مستندة على عقود سبقته من الفساد والمحسوبيات، إذ بدأت الأفرع الأمنية مع بداية الحراك بتجنيد أصحاب السوابق الجرمية وحثالة المجتمع، لقمع التظاهرات التي غلب على المشاركين بها المتعلمون والمثقفون السلميون المدنيون. وأصبح لكل جهة أمنية أو حزبية مجموعة تابعة لها، سرعان ما بدأ تسليحها بحجة وجود خطر من مجموعات مسلحة بحسب تسميتهم في محيط السويداء، إن كان في درعا أو البادية الشرقية أو بريف دمشق”.

من جهته، اعتبر الناشط المدني سامر ف. في حديث مع “العربي الجديد”، أنه “أصبح لدينا مجموعات تكنى بأسماء متزعميها كعصابة ابن الطويل وابن الخطيب في منطقة شهبا، وابن أبو سرحان في الريف الغربي، وأبو حمرة في السويداء، وأبو عاصي في الريف الشرقي وغيرهم كثر. كل مجموعة تدعي أنها مدعومة من جهة أمنية ما، فيمتلكون بطاقات أمنية، ومنهم من تم توقيفه، إلا أنه ما أن تمر أيام قليلة إلا ويتم إطلاق سراحهم وكأن شيئاً لم يكن، ويتم عقبها استئناف نشاطهم كما كان أو أكبر”.

وأضاف “من أبرز الأعمال التي امتهنتها تلك الجماعات، هي الخطف بقصد الفدية، وكانت تتعامل مع العصابات في محافظة درعا، إذ يتم نقل المخطوفين لدرعا، حالهم حال السيارات والدراجات النارية، التي بدأ بعضها يعود، بعد أن سيطرت القوات النظامية على درعا والقنيطرة، وبدأت تدقق على ملكية السيارات والآليات، ما يدفع مقتنيها إلى محاولة إعادتها مقابل مبالغ مالية متفاوتة”.

وأعرب عن اعتقاده بأن “ما رسخ الفلتان الأمني، هو انتشار السلاح العشوائي، فقد شرعن توزيع السلاح من النظام على المرتزقة، وتعددت الفصائل والتسميات وتنقلت المرتزقة بينها وبين مجموعات مسلحة تمارس العمليات الإجرامية، وانتشرت تجارة السلاح. وكان ذلك بالتوازي مع تراجع دور الدولة بشكل عام، خصوصاً المسؤولة عن حفظ أمن المواطنين وتنفيذ الأحكام القضائية حتى الخاصة بالحقوق المدنية، فتحول السلاح إلى حاجة لكل شخص مع زيادة الإحساس بفقدان الأمن، فتجد الشاب يحمل قنبلة يدوية أو مسدساً، وحتى الأطفال تجد بحوزتهم سكيناً أو سلاحاً أبيض آخر”.

وأوضح أن “الشرطة والأمن، رفعا يدهما بشكل شبه مطلق عن حفظ أمن الناس، الذي ما زال مطلوباً منهم بما أنهم ما زالوا متواجدين، فلا تقوم الشرطة على سبيل المثال بإلقاء القبض على المطلوبين جنائياً أو حتى المحكومين من قبل القضاء، بحجة أنها تتجنب الصدام ولا تريد سفك الدماء، في وقتٍ يعلم (الأمن والشرطة) أن رؤوس الجريمة هم مرتبطون بأجهزة النظام بشكل أو بآخر. ما دفع عائلات إلى أداء دور الشرطة بهدف تحصيل حقوقها، ومنهم من قام بتسليم المجرمين للقضاء ومنهم من اقتص من المجرمين بيده”.

وكشف الناشط أن “رسائل عدة وصلت من قبل النظام، بما معناه أنه على استعداد أن يعيد ضبط أمن المحافظة، بمقابل تفويض مشايخ العقل وعائلات السويداء، بإطلاق يده لاعتقال كل من بحقه نشرة شرطية. الأمر الذي أثار مخاوف المجتمع، خصوصاً أن هناك عشرات آلاف الشباب المطلوبين للخدمة العسكرية الإلزامية والاحتياطية، كما يوجد مئات الناشطين والمعارضين، في حين أن أعداد المجرمين بضع عشرات”.

بدوره، قال الناشط السياسي نبيل أبو معروف، في حديث مع “العربي الجديد”، إنه “مع تردي الأوضاع الأمنية في السويداء بسبب غياب بعض مؤسسات الدولة عن القيام بدورها، وأعتقد بأن ذلك ليس بالصدفة بل هو قرار مدروس. ما دفع المجتمع لخلق حلول بديلة، فتسلحت العائلات، وظهرت حركة رجال الكرامة، التي أخذت على عاتقها تحصيل حقوق من يقصدها، وحماية الشباب الرافض للخدمة العسكرية وقد فرضت وجودها على ساحة المحافظة وألزمت النظام بكثير من القضايا أهمها، وقف الاعتقالات منذ عام 2014، وعدم إجبار الشباب على الالتحاق بالقوات النظامية”.

وأضاف أنه “كما أدت دار الطائفة وهي مؤسسة مشيخة العقل لطائفة المسلمين الموحدين الدروز، دوراً كبيراً في السويداء، خصوصاً أن رعاياها يشكلون غالبية سكان السويداء، فتدخلت في كثير من الأزمات الاجتماعية. كما حُلّت عشرات القضايا العالقة بين سكان المحافظة، بعيداً عن القضاء، الذي يعاني من الروتين ما يجعل أي دعوى قد تستغرق سنوات ليتم الحكم بها، في وقت لا يوجد من يطبق تلك الأحكام، كما قدمت وإلى اليوم المساعدات المختلفة إلى عشرات الآلاف من سكان المحافظة”.

ولفت إلى أن “السويداء اليوم تشهد أشد أيامها صعوبة، فما زال خطر تنظيم داعش يلوح في ريفها الشرقي، وهناك تأزم في العلاقة بين الدروز والبدو، الذين يُتهم جزءٌ منهم بالتعاون مع داعش، إضافة إلى ملف الخدمة العسكرية، مع امتناع عشرات الآلاف عن الخدمة، في حين يضغط النظام ويهدد بأن العفو الأخير الذي أصدره الأسد، هو آخر فرصة للشباب للالتحاق بالقوات النظامية. الأمر الذي يهدد بحدوث صدام بين النظام والأهالي في حال قرر النظام سوق الشباب بالقوة للخدمة العسكرية”.

 

استقرار هش في “درع الفرات“(6/10)

أحمد ابراهيم

رغم أن المناطق التي اصطُلح على تسميتها “درع الفرات”، نسبةً للعملية العسكرية التركية التي حررت هذه المناطق السورية في ريف حلب الشمالي الشرقي، من سيطرة تنظيم “داعش” قبل نحو سنتين، باتت منذ انتهاء المعارك فيها ضد التنظيم، مكاناً لا يتعرض لأي قصفٍ جوي ومدفعي، ما يؤهلها لتكون أفضل المناطق أمناً في الشمال السوري، إلا أن الوضع الأمني الداخلي المترهل في هذه المناطق، وتعدد الفصائل والقوى المسيطرة، والتنافس بينها أحياناً على النفوذ، جعل مناطق “درع الفرات” تعيش حالةً من الفلتان الأمني، الذي وصل مرات عدة إلى  نشوب اشتباكاتٍ بين القوى التي تسيطر هناك.

وتعددت محاولات ضبط الوضع الأمني في مناطق “درع الفرات”، ونجحت أحياناً بإرساء الاستقرار، الذي مرّ بفترات من التحسن وأخرى تراجع فيها، في ظل محاولة إدارة وتنظيم كل ما يتعلق بإدارة هذه المناطق من قِبل المجالس المحلية، التي تنسّق مع مؤسسات “الحكومة السورية المؤقتة”، والجهات الحكومية التركية.

و”درع الفرات” هو الاسم الذي أطلقه الجيش التركي على العملية العسكرية التي بدأت في 24 أغسطس/آب 2016، بهدف تحرير مساحة نحو 100 كيلومتر مربع من الشريط الحدودي بين سورية وتركيا، وبعمق يصل إلى أكثر من ثلاثين كيلومتراً، من سيطرة تنظيم “داعش” على هذه المناطق، التي تفصل أيضاً بين عفرين غرباً، التي كانت حينها تحت سيطرة الوحدات الكردية، وباقي مناطق سيطرة الوحدات شرقاً من عين العرب (كوباني) نحو تل أبيض ثم الحسكة. وتضم مناطق “درع الفرات” مدناً وبلدات عديدة، أبرزها الباب، وإعزاز، ومارع، وجرابلس، والراعي، وعشرات القرى الأخرى الواقعة في شمال شرق حلب.

ورغم أن عملية “درع الفرات”، نجحت منذ اليوم الأول لانطلاقها بطرد “داعش” من معقله الهام في جرابلس، وتقدّمت لاحقاً بشكل متسارع، ضمن المناطق التي كانت خاضعة لـ”داعش”، الذي انسحب نحو معاقله في مسكنة شرقي حلب، والرقة ودير الزور، إلا أن هذه العملية العسكرية، لم تنتهِ فعلياً إلا بعد السيطرة على مدينة الباب شرقي حلب، في مارس/آذار 2017.

ومنذ انتهاء المعارك في مناطق “درع الفرات”، باتت آمنة، لا تتعرض لأي قصف عكس المناطق القريبة منها في إدلب مثلاً، الأمر الذي شجع آلاف السوريين على الاستقرار فيها، فأصبحت وجهةً لمعظم المهجرين من ريف دمشق، وشمال حمص، وجنوب حماة، ودرعا، فضلاً عن سكانها المحليين الذين عاد معظمهم إليها، غداة طرد “داعش”.

وأصبحت مناطق “درع الفرات” مكتظة بالسكان، الذين تضاعفت أعدادهم مع حالة الاستقرار الذي شهدته هذه المناطق. ففي نوفمبر/تشرين الثاني 2017، كشف إحصاء لـ”الحكومة المؤقتة” أن عدد سكان مدينة الباب لوحدها، ارتفع من 12 ألفاً، إلى 106 آلاف، بعد طرد “داعش”. وارتفعت نسبة السكان في المدن والبلدات المهمة الأخرى، كجرابلس التي بات عدد سكانها بحسب نفس الإحصاء 36 ألفاً، وصوران 25 ألفاً، والراعي نحو 20 ألفاً، ومارع مع دابق نحو 30 ألفاً، وغيرها، فاكتظت هذه المناطق بسكانها المحليين، والقادمين الجدد، وباتت تشهد حركة سريعة بإصلاح الطرق والمنازل المهدمة أو المتضررة، وكذلك نشطت الأسواق التجارية بفضل الاستقرار الذي تبع معارك طويلة.

وافتتحت الحكومة التركية في الفترة الأخيرة، مستشفيات ومراكز خدمية، في مسعى لتحسين البنى التحتية في مناطق “درع الفرات”، ولخلق مناخ ملائمٍ لعيش عشرات آلاف السكان في هذه المناطق.

غير أن هذا التسارع بعودة أوجه الحياة الطبيعية إلى مناطق “درع الفرات”، لم يترافق مع تنظيم وإدارة يواكبان ذلك، في موضوع الضبط الأمني تحديداً، إذ إن النزاعات بين الفصائل المتعددة التي شاركت في المعارك ضد “داعش”، أدت إلى نشوب خلافاتٍ بينها على النفوذ، وصل أحياناً إلى مواجهات مسلحة، كالاقتتال الذي دار بين “فرقة الحمزة” و”تجمّع أحرار الشرقية” نهاية مارس/آذار 2018، واقتتال آخر بين فصيلي “السلطان مراد” و”صقور الشام”، فضلاً عن مواجهات أخرى، لأسبابٍ تتعلق بنفوذ عائلات محلية مثل “آل واكي” لها مجموعات مسلحة، اصطدمت مع فصائل أغلب مقاتليها ليسوا من تلك المناطق.

يضاف إلى هذه الاقتتالات، التي تنتهي عادة بوساطاتٍ محلية، حوادث انفجاراتٍ من عبواتٍ ناسفة وسيارات مفخخة وقعت مرات عدة، في بلدات “درع الفرات”، وهي أحد أوجه الفلتان الأمني الذي يؤرق السكان هناك، ويعتبرونه المنغص الأساسي لحياتهم، إذ يرتبط الضبط والفلتان الأمني ارتباطاً وثيقاً بتحسن الوضع الاقتصادي وحركة البناء والتجارة وتنشيط الأسواق.

ودربت الحكومة التركية، مئاتٍ من رجال الشرطة السوريين، وأرسلتهم على دفعاتٍ إلى مناطق “درع الفرات”، ليصبحوا نواة جهاز شرطة محلي قادر على التصدي لمظاهر الفلتان الأمني. إلا أن قوة الفصائل المسلحة، تفوق قوة جهاز الشرطة، الذي يقف عاجزاً في كثيرٍ من الأحيان، أمام النفوذ الأكبر للفصائل المسلحة، وللعائلات الكبيرة التي تتواجد في مدن وبلدات “درع الفرات”.

وتقف مسألة تعدد الفصائل، على رأس أسباب عدم ضبط الوضع الأمني في مناطق “درع الفرات”، كما أن مسألة عدم تحكّم كافة الفصائل بجميع عناصرها، ومنعهم من أي تجاوزات، يلعب دوراً مهماً في الفلتان الأمني، إضافة لمسألة فوضى السلاح، وعشوائيته، إذ إن الفصائل تمتلكه، وكذلك العائلات الكبيرة، إضافة لبعض السكان الذين اقتنوا السلاح بدافع الحماية وسط حالة الفوضى الأمنية. ويقول ناشطون وسكان في “درع الفرات”، إن العائق الأساسي أمام ضبطٍ كاملٍ للأمن، هو عدم وجود إدارة واحدة لها قوة تنفيذية، تستطيع سحب السلاح من داخل المدن، وتفكيك الحواجز المتعددة للفصائل، وتعويضها بحواجز جهة واحدة، إضافة إلى ضرورة إبعاد كافة الفصائل من داخل المدن.

ورغم أن الوضع الأمني شهد تحسناً ملحوظاً أخيراً في الفترة الأخيرة التي لم تشهد اقتتالاتٍ كما حصل سابقاً بين عدة فصائل، إلا أن مظاهر عدم وجود ضبط أمني كامل ما زالت قائمة، كانفجارات مصدرها عبوات ناسفة ودراجات نارية مفخخة، وهو ما يؤرق السكان، الذين يأملون تحسن الوضع الأمني في فترة قريبة.

 

أجهزة النظام تستبيح درعا (7/10)

عدنان أحمد

برغم سيطرة قوات النظام شبه الكاملة على مناطق الجنوب السوري منذ عدة أشهر، إلا أن الفوضى الأمنية وانتشار جرائم القتل والخطف والمخدرات لم تتوقف، بل زادت بعد هذه السيطرة، في ظل ضلوع أجهزة أمن النظام في تغذية هذه الجرائم لأسباب سياسية ومادية. وبعد سيطرتها على كامل محافظتي درعا والقنيطرة في يوليو/تموز الماضي، بدأت قوات النظام بتلفيق تهم جنائية للعديد من القادة والنشطاء في المعارضة السورية، ضمن سعيها للتملص من التزاماتها التي قطعتها للجانب الروسي، في إطار اتفاقيات “التسوية”، والقاضية بعدم التعرض لمن أجرى تسوية مع النظام، وما زالت تطاردهم في المحاكم والإجراءات القضائية، في حين اعتقلت آخرين بشكل مباشر بحجة التحقيق، قبل أن تضطر للإفراج عن بعضهم بعد أن اشتكى الأهالي للضباط الروس، بينما ما زال العديد منهم قيد الاعتقال حتى الوقت الراهن.

كذلك تمارس قوات النظام بنفسها عمليات سرقة مباشرة في محافظة درعا، إذ أفاد بعض الأهالي بإقدام مجموعة مسلحة من قوات النظام على سرقة العشرات من رؤوس الأغنام في إحدى قرى حوران، أمام أصحابها، بالإضافة إلى سرقة معدات المشاريع الزراعية، فضلاً عن حالات الاعتقال في الشارع أو البيت ثم المساومة على إطلاق سراح المعتقل مقابل مبالغ مالية. وإذا كانت قوات النظام لا تجد غضاضة في سرقة ونهب أملاك من تعتبرهم معارضين سابقين للنظام، إذ لم يسلم من هذه السرقات أي منزل تقريباً لكل من كان في الجيش السوري الحر أو مؤسسات المعارضة، فإن عمليات السرقة تطاول أيضاً المنشآت العامة كما يحصل في منطقة اللجاة شرقي درعا، حيث يقوم مسؤول أمن الدولة هناك العميد “محمود” وعناصره بسرقة كل شيء، بما في ذلك معدات الآبار الخاصة بالدولة وأنابيب المياه وغير ذلك. ولم يؤد تقديم بعض الأهالي شكاوى للشرطة التابعة لحكومة النظام وللشرطة الروسية إلى نتيجة، إذ يعمل كل جهاز أمني أو عسكري بمعزل عن الآخر، ولا سيطرة مركزية على جميع قوات النظام، خصوصاً في مثل هذه الأمور التي تعتبر عند أجهزة النظام صغيرة، لأنها لا تتصل بمكافحة “الإرهاب” أو المناوئين له.

وإضافة إلى عمليات السرقة، نشطت أخيراً عمليات اغتيال معارضين سابقين، يُعتقد أن أجهزة النظام مسؤولة عنها. وشهدت أحياء درعا المحطة محاولتي اغتيال، فصل بينهما أقل من 24 ساعة، إذ تعرض باسل العبد الله لمحاولة اغتيال في 16 ديسمبر/كانون الأول الحالي، من قبل مجهولين يستقلون دراجة نارية ويحملون مسدسات، في حي الكاشف، دخل على أثرها إلى العناية المشددة في مستشفى درعا الوطني. وقبلها بليلة، جرت محاولة اغتيال مماثلة في حي القصور، أصيب إثرها فراس المسالمة بطلق ناري في رأسه من قبل مسلح مجهول. وسبقت المحاولتين سلسلة من عمليات التخريب المتعمد على مدار أيام، بعدما أقدم مجهولون على تخريب وتكسير زجاج أكثر من 40 سيارة في أحياء السبيل والكاشف والقصور. وقبل ذلك بأيام، قُتل يوسف الحشيش، القيادي في فصائل “التسوية”، والقيادي في ما كان يُعرفُ بـ”جيش الثورة” المعارض في درعا، برصاص مجهولين في بلدة المزيريب في ريف درعا الغربي. كما قتل القيادي السابق في صفوف “الجيش الحر”، مشهور الكناكري، برصاص مجهولين في مدينة داعل بريف درعا الأوسط. والكناكري من أبناء داعل، وكان قيادياً في ألوية “الجبهة الجنوبية” التابعة للجيش السوري الحر، قبيل تسوية أوضاعه وانضمامه لصفوف قوات النظام في يوليو/تموز الماضي، ويعتبر من المساهمين بتسليم مدينة داعل لقوات النظام.

ولم تقتصر الفوضى الأمنية في درعا على عناصر النظام والمليشيا التابعة له، بل تشكلت عصابات من أبناء المنطقة ممن تقاطعت مصالحهم مع مصالح النظام وأفرعه الأمنية. وترتكب هذه العصابات شتى أنواع الجرائم من دون خوف من محاسبة، فيما يعيش سكان المحافظة حالة من القلق، سواء بسبب انعدام الأمن أو الخوف على أولادهم الشباب الملاحقين من أجل تأدية الخدمة الإلزامية أو الاحتياطية، والذين لم يتبق لهم سوى أحد خيارين، إما الالتحاق بشعب التجنيد من أجل الزج بهم في معارك النظام، وإما الالتحاق بإحدى المليشيات والتحول تدريجياً الى جزء من منظومة الفساد القائمة في المحافظة. هذا عدا ما يعيشه سكان محافظة درعا من إمكانية البقاء تحت التهديد، عبر لصق تهمة التعاون مع المعارضة لأي مواطن لا يخضع للابتزاز، الأمر الذي يسهل عمليات السرقة والنهب بشكل علني من دون أن يتمكن أي مواطن من الاعتراض، كون أي اعتراض على عمليات النهب التي يمارسها النظام ستكون نتيجتها الاعتقال وإلصاق تهم الخيانة التي قد تصل عقوبتها إلى الموت، إذ إن الدعاوى التي ترفع ضد متنفذين غالباً ما تكون نتيجتها سلبية على صاحب الشكوى، بسبب تقدم سلطة المليشيات والفروع الأمنية على سلطة القضاء وتحكمها به.

ويرى الناشط محمد أبو عيسى، الذي ما زال في درعا لكنه اختار اسماً مستعاراً، في حديث لـ”العربي الجديد”، أن تفكك الروابط المجتمعية في درعا خلال الفترة الماضية، نتيجة الحرب والهجرة والاعتقالات والضغط الأمني من جانب النظام، جعل الطريق ممهداً أمام النظام ليصعد تجاوزاته ويقوم بأعمال النهب والسرقة في وضح النهار، بالإضافة إلى تستره على اللصوص وتجار المخدرات بسبب الشراكة بينهم وبين النظام في كثير من الحالات. ويضيف أبو عيسى أن النظام لا يخشى أية ردات فعل، مهما قام عناصره من أعمال قذرة، وكذلك اللصوص وقطاع الطرق الذين احتفظوا بسلاحهم ولا يلاحقهم النظام كون أفعالهم غير موجهة إلى قواته، مشيراً إلى حالات نادرة جرت فيها مصادمات بين الطرفين على خلفية تضارب المصالح، مثل مداهمة عناصر من فرع الاستخبارات الجوية منزل عايد عبيدة في بلدته خراب الشحم الواقعة في الريف الغربي لدرعا قرب الحدود مع الأردن، إذ قاوم عبيدة عناصر “الجوية” واشتبك معهم ما أسفر عن مقتله وإصابة أحد أبنائه، ومقتل أحد عناصر القوة المهاجمة، وأسر رائد من الاستخبارات الجوية. وعزا عيسى ذلك إلى خلافات بين فرع الاستخبارات الجوية وعبيدة على تجارة المخدرات وأرباحها.

وفي الأعوام الأخيرة انتشرت جرائم الخطف والخطف المضاد بين محافظتي السويداء  ودرعا، لتأخذ طابع الجريمة المنظّمة من أجل طلب الفدية التي تبلغ ملايين الليرات السورية. وقد أثبتت العديد من الوقائع أن أجهزة النظام كان لها اليد الطولى في هذه العمليات، بغية خلق الفتنة بين المحافظتين، ليسهل عليه سحق المعارضة. وحسب تقرير أصدرته منظمة “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة”، فقد وصل عدد حالات الخطف إلى أكثر من 400 حالة. وكانت الرواية الرسمية تتهم فصائل المعارضة في درعا. ورغم أن الفصائل حلت نفسها أو غادرت إلى الشمال السوري، مع اتفاقيات التسوية في يوليو/تموز 2018، مازالت الظاهرة مستمرة. وفي مطلع العام 2018 بدأت جرائم الخطف تأخذ طابعاً علنياً في الشارع وقرب المحال التجارية، فيما يخشى غالبية الناس التدخل خشية تعرضهم للأذى نتيجة إدراكهم أن جهة ما في النظام تقف وراء من يقوم بعمليات الخطف. وكانت قوات النظام قد سيطرت على كامل محافظة درعا، بفضل الدعم الروسي، نهاية يوليو، واحتفلت وسائل إعلام النظام وقتها بتلك السيطرة وعودة ما سمته الأمن والأمان إلى المحافظة.

 

فوضى حمص وحماة برعاية النظام (8/10)

عدنان أحمد

على الرغم من الوجود الكثيف لقوات النظام وأجهزته الأمنية في مناطق وسط سورية، تحديداً في محافظتي حمص وحماة، إلا أن هذه المناطق ما زالت تعاني أشكالاً عدة من الفوضى الأمنية التي تشمل حالات القتل والخطف ومختلف التجاوزات، التي يرتكبها مجهولون أو قوات النظام وأجهزته الأمنية والمليشيات التابعة له، التي كثيراً ما تختلف في ما بينها حول “الغنائم”، ما يتسبب في وقوع قتلى بين أفرادها والمدنيين.

وخلال الأشهر الماضية، وقعت حوادث عدة في هذا الإطار، أبرزها مقتل وجرح عناصر من مليشيات “الدفاع الوطني” التابعة لقوات النظام السوري، باشتباكات بين مجموعتين منها في مدينة مصياف غرب مدينة حماة، وذلك على خلفية مشاجرة بين عنصرين، فاستقدام كل منهما أصدقاءه، ما أدى إلى مواجهات أسفرت عن مقتل ثلاثة عناصر وجرح عشرة آخرين. ونقل الناشط محمود مرعي، عن شهود عيان، في حديثٍ لـ”العربي الجديد” تفاصيل الحادثة بالقول: “حين عمد أحد عناصر المليشيات إلى إطلاق النار في الهواء، حاول عنصر من مليشيا أخرى منعه، فتطور الخلاف فاستدعى كل منهما زملاءه لمساندته”.

وبحسب مرعي، فإن “سماع إطلاق الرصاص بشكل يومي بات أمراً اعتيادياً لدى الأهالي، سواء للتعبير عن الفرح أم الحزن أو أية مناسبة، نظراً لانتشار السلاح بين عناصر المليشيات، على الرغم من صدور قرارات سابقة بحلّ بعضها. كما يشارك الشبان المتطوعون في الأجهزة الأمنية بهذه العمليات، علماً أن هناك تعليمات صادرة بتجنّب إطلاق النار من جانب أجهزة النظام واللجنة الأمنية في المحافظة؛ فإطلاق النار العشوائي في مدينة حماة تسبب منذ مطلع العام في سقوط ما لا يقل عن 20 قتيلاً وعشرات الجرحى”.

وأضاف أن “عناصر تابعين للنظام ومليشياته، يتجولون أحياناً بدراجاتهم النارية في الأحياء السكنية بالمدينة، ويطلقون الرصاص بشكل عشوائي بهدف ترويع الأهالي، بالتزامن مع انتشار ظواهر القتل والسرقة والخطف والابتزاز من قبل عناصر المليشيات بهدف سلب أموال الأهالي وبث الخوف بينهم”.

وأشار إلى أن “مجموعة قامت بخطف امرأة وطفلها في شارع أبي الفداء، واقتادتهم إلى جهة مجهولة واشترطت لإخلاء سبيلهم دفع 15 مليون ليرة سورية (29 ألف دولار)، وإلا ستتم تصفيتهم في حال عدم دفع المبلغ كاملاً. كما قامت مجموعة أخرى بخطف شابَين من مدينة حماة مع سيارتَيهما، على طريق اللاذقية – حماة، واقتادتهم إلى جهة مجهولة لتفرج عنهم بعد دفع مبلغ مالي كبير وصل إلى عشرة ملايين ليرة سورية (19400 دولار) عن كل شخص. كما قام مجهولون باختطاف سائقِ سيارة تعود لشركة زنوبيا للسراميك، بالقرب من قرية السويدة غرب حماة، في حين فُقد شابٌ في المنطقة ذاتها، من دون معرفة مصيره، وسط معلومات عن مجموعة تنشط في تلك المنطقة، مهمتها الخطف، ومفاوضة أقرباء المخطوفين لإطلاق سراحهم مقابل فدية”. وأوضح مرعي أن “عدداً من حالات الخطف يكون على مرأى من الناس، بسبب غياب المحاسبة الجادة من جانب النظام على ارتكابات الشبيحة وعناصر المليشيات”.

وكانت روسيا سعت إلى حلّ مليشيات النظام المختلفة (باستثناء مليشيا النمر) في ريف حماة، وفي مقدمتها مجموعات أحمد الدرويش، العاملة في ريف حماة الشرقي، ومليشيا علي الشلّة، العاملة في ريف حماة الغربي، ومليشيا طلال الدقاق، في مدينة حماة، إضافة إلى مجموعات “درع الأمن العسكري” في ريفي حماة وحمص. وجميعها يتبع المخابرات الجوية في حماة، بينما تتبع مليشيا حسن النعيمي، من قرية الجاجية جنوب شرقي حماة، لـ”أمن الدولة”. وتُقدّر أعداد المتطوعين في هذه المليشيات في حماة بحوالي 6000 عنصر.

وعلى الرغم من قرار الحل، فإن ضباط النظام الأمنيين ما زالوا يؤمّنون الغطاء الأمني والحماية لعناصر مليشياتهم، مع مواصلة العناصر المنحلّة ممارسة أعمال السلب والنهب والخطف بحق سكان مدينة حماة وريفها. ويقول ناشطون إن “قرار الحل حول تلك العناصر من مليشيات وعصابات قتل وسرقة منظمة إلى عصابات غير منظّمة، كما كانوا عليه قبل تطويعهم، وغالبيتهم من خرّيجي السجون بتهم جنائية كالسرقة وتجارة المخدرات وغيرهما”.

وأحصى الناشط أحمد العمر الذي يقوم بتوثيق الانتهاكات في حماة، على صفحته في “فيسبوك” أكثر من عشر حالات خطف لأطفال حصلت في المدينة أخيراً مثلاً في غرب المشتل والقصور، فيما سُجّل ما يزيد عن 15 حالة سرقة للمنازل في أحياء الأندلس والصابونية والشريعة التي تُعدّ من الأحياء الغنية في حماة. وأوضح أن “هؤلاء العناصر ورغم سحب بطاقاتهم الأمنية، إلّا أن علاقاتهم الأمنية مع ضباط أفرع المخابرات الجوية والعسكرية ما زالت قائمة وما زالوا يحتمون بها عند اللزوم”. ولا يختلف الأمر في محافظة حمص إلى الجنوب من حماة، والتي باتت كلها منذ إجلاء مقاتلي المعارضة من ريفها الشمالي في مايو/أيار الماضي، تحت سيطرة النظام.

ولم تلتزم قوات النظام السوري وأجهزته الأمنية، بالتعهّدات التي قطعها الجانب الروسي لأهالي المناطق وفصائلها، الذين أبرموا معها اتفاقيات “تسوية” بعدم التعرض لهم، والاكتفاء بسوق المطلوبين منهم للخدمة العسكرية بعد ستة أشهر، على أن يخدموا في مناطقهم، حيث تتواصل الاعتقالات في مناطق “التسويات” بريف حمص الشمالي. كما تمّ اعتقال 18 شخصاً أخيراً في مدينة الرستن، كانوا يعملون سابقاً ضمن فرق الدفاع المدني، إضافة إلى اعتقال منشقين عن قوات النظام وشخصيات المصالحة، الذين كان لهم الدور الأبرز في إعادة سلطة قوات النظام إلى المنطقة، فيما رفض النظام السوري تسوية أوضاع 400 شخص في ريف حمص الشمالي، بعد توجيه تهم لهم بالانتماء لفصائل عسكرية، ما يعني وضعهم تحت طائلة الاعتقال أو التصفية في كل لحظة.

وتنتشر في أوساط مناطق “التسوية” التي كانت خاضعة لفصائل المعارضة في ريف حمص الشمالي أجواء من الخوف والترقب، حيث تنشط الأجهزة الأمنية والمخبرون التابعون لها، وتروّج الشائعات عن امتلاك النظام تقنيات تسمح له بالتجسس على المكالمات التي تتم بين أبناء تلك المناطق وأقاربهم وأهاليهم الذين هاجروا إلى مناطق سيطرة المعارضة في الشمال، بينما يلتزم من بقي من نشطاء المعارضة المحليين الصمت خشية الاعتقال.

وقد وثّقت “الشبكة السورية لحقوق الإنسان” نحو 700 حالة اعتقال تعسفي في سورية في شهر سبتمبر/أيلول الماضي، معظمها لأشخاص أجروا اتفاقيات “تسوية” مع النظام، منهم 28 شخصاً في حماة و23 في حمص. ويترافق ذلك مع فوضى أمنية تديرها الأجهزة الأمنية التابعة للنظام، في إطار سياستها لترويع الأهالي ومعاقبة ما تعتبره الحاضنة الشعبية للمعارضة السابقة، أو في إطار الإهمال المتعمد لضبط الأمن في تلك المناطق.

كما قتل مجهولون رجلاً وزوجته تحت التعذيب في قرية دير فول قرب مدينة الرستن شمال مدينة حمص، الخاضعة لسيطرة قوات النظام السوري. ووجد أقارب الزوجين، اللذين يتحدران من مدينة الرستن، الشخصين مقتولين في منزلهما بالقرية وعلى جسديهما آثار تعذيب واضحة، مع غياب آثار طعن أو إطلاق رصاص. وقال أحد النشطاء لـ”العربي الجديد”، إن “ضابط الأمن المعين أخيراً في منطقة الحلة، المدعو أبو قسورة، عمل على مصادرة الكثير من المحلات التجارية في مدينة تلدو، ويُعلم التجار أن البضاعة في المحل مُصادرة من قبله، وأي نقص فيها قد يعرّضهم للاعتقال والمحاسبة، وعندما يريد نقل أي بضاعة يرغم أصحاب المحلات على إحضار سيارة لنقل المواد التي يطلبها إلى المكان الذي يريده تحت التهديد”.

وأوضح الناشط أن “الانتهاكات في منطقتَي الرستن وتلبيسة أقل من الحولة بسبب تعاون جيش التوحيد، الذي كان سابقاً في صفوف المعارضة، بشكل مباشر مع الشرطة العسكرية الروسية بالنسبة إلى منطقة تلبيسة”، مشيراً إلى أن “منطقة الرستن تقع تحت وصاية ضباط وعسكريين متنفذين ضمن جيش النظام”.

ولفت إلى “تفشي ظاهرة المخبرين، الذين يعملون لصالح قوات النظام وأجهزته الأمنية، الذين يقومون بالتبليغ عن بعض الأشخاص ممن أجروا تسويات مع النظام بحجج جنائية أو سرقة أملاك عامة أو خاصة، في حين يغض الطرف الروسي النظر عن هذه التجاوزات”. ولفت ناشطون إلى أن “النظام يعيد إنتاج أساليبه القديمة التي اعتمدها في الثمانينات، لتشييد حاجز الخوف، عبر تنشيط ظاهرة المخبرين الذين يكتبون تقارير لجهات أمنية عن نشاطات (مشبوهة) في أوساط السكان المحليين، ما يشيع أجواء من الخوف والقلق بين السكان”.

وكان رئيس النظام بشار الأسد قال، خلال اجتماع اللجنة المركزية لحزب “البعث” قبل فترة، إنه “مقبل على معركة إعادة تأهيل بعض الشرائح التي كانت في حاضنة الفوضى والإرهاب، حتى لا تكون هذه الشرائح ثغرة يتم استهداف سورية في المستقبل من خلالها”.

 

الرقة نموذجاً لتجاوزات “قسد” [10/9]

أحمد الإبراهيم

بات أهالي وسكان منطقة شرقي الفرات، التي تسيطر عليها “قوات سورية الديمقراطية” (قسد)، التي تشكل الوحدات الكردية عمودها الفقري، عرضة لكل أنواع التجاوزات والانتهاكات التي لا تهدد راهن هذه المنطقة فحسب، بل يصل التهديد إلى المستقبل، مع محاولات حثيثة لفرض ثقافة دخيلة، خصوصاً في محافظة الرقة ذات الوجه العربي الخالص.

وتتوزع الانتهاكات ما بين اعتقالات بتهم جاهزة والتعذيب في السجون والفلتان الأمني، مع ما يصحب ذلك من حالات سرقة وتعدٍ على حرمات المنازل، إلى تعمد إبقاء الوضع الطبي والخدمي متخلفين، إلى التلاعب بقطاع التربية والتعليم، إلى غض الطرف عن انتشار المخدرات في منطقة خرجت منهكة بعد سنوات من سيطرة تنظيم “داعش”، والتي انتهت بتدمير مدينة ومقتل وإصابة الآلاف من سكانها وتشريد من بقي منهم.

وتسيطر “وحدات حماية الشعب” الكردية، وهي الذراع العسكرية لحزب الاتحاد الديمقراطي، على نحو ربع مساحة سورية، إذ تسيطر على غالبية محافظة الرقة، وكامل ريف دير الزور، شمال نهر الفرات، إلى جانب سيطرتها على غالبية محافظة الحسكة، أقصى شمال شرقي سورية، باستثناء مربعين أمنيين للنظام في مدينتي القامشلي والحسكة، وأجزاء من ريف المحافظة. كذلك تسيطر هذه الوحدات، المدعومة من أميركا، على أجزاء واسعة من ريف حلب الشمالي الشرقي، شرق نهر الفرات، وسلسلة قرى جنوب نهر الفرات تابعة لمحافظة الرقة تمتد من مدينة الطبقة غرباً وحتى مدينة الرقة شرقاً، على مسافة أكثر من 60 كيلومتراً.

وأكدت مصادر محلية، لـ”العربي الجديد”، أن محافظة الرقة تعيش حالة من الفلتان الأمني “المقصود”، منذ أن سيطرت عليها “قوات سورية الديمقراطية” (قسد) منذ نحو عام، تحت غطاء من طيران التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأميركية. وأوضحت المصادر، التي فضلت عدم الكشف عن اسمها لأسباب أمنية، أن “مدينة الرقة وريفها يشهدان تجاوزات متعددة، أبرزها الاعتقالات والتعذيب داخل السجون”، مشيرة إلى شبه غياب للأمن، ما أدى إلى انتشار ظاهرة السرقة، خصوصاً من قبل عناصر “قسد” التي تضم فصائل ومجموعات غير متجانسة، تحركها الوحدات الكردية. وأكدت المصادر أن الفلتان الأمني “مقصود ومتعمد” من قبل هذه القوات لتسهيل عمليات سرقة البيوت وسيارات المدنيين وما تبقى من المدينة من قبل متنفذين في “قسد”، التي شكلت من قبل التحالف الدولي أواخر العام 2015 كذراع عسكرية لها لمحاربة تنظيم “داعش” في سورية.

وحول وضع القضاء في مدينة الرقة، أوضحت المصادر أن المحكمة موجودة في بلدة الكرامة في ريف الرقة الشرقي، ولا تلبي حاجة الناس، مشيرة إلى أن القضاء محصور بين المدنيين، مضيفة أنه “لا يوجد قضاء عسكري، ومن ثم ليس هناك أي محاسبة للعناصر، وهو ما أغراهم للتجاوز على حقوق الناس”. وأكدت أن هناك تمييزاً واضحاً بين العرب والأكراد رغم ندرتهم في المحافظة، موضحة أنهم يعاملون بطريقة سيئة في مقرات “قوات سورية الديمقراطية”. وأشارت المصادر إلى أن قيادة “قسد” لا تعاقب أي عنصر تابع لها قام بمخالفة أو تجاوز بحق مدنيين، مضيفة “إذا حدث إشكال بين مدني وعنصر من هذه القوات تكتفي قيادة الأخيرة بالقول نحن نعاقب العنصر ولكن النتيجة تكون سلبية في الغالب”.

وكشفت المصادر أن عناصر مسلحة من “قسد” يبيعون الحبوب المخدرة في مدينة الرقة، مضيفة أن حواجز هذه القوات تبيع حبوب “كابتيكول”، و”السيتا فيد” المخدرة التي تنتشر بشكل كبير، خصوصاً بين الشباب، من دون أن تعمل قيادة القوات على الحد منها. وأشارت المصادر إلى أن “قوات سورية الديمقراطية” تعمل على إفقار الناس في الرقة، مشيرة إلى أن سعر طن القطن، الذي تشتهر به الرقة، يصل عند النظام إلى 375 ألف ليرة سورية (أقل من 700 دولار أميركي)، بينما لا يتجاوز 270 ألف ليرة سورية لدى “قسد”، وهو ما يضرب أوضاع المزارعين. وأشارت المصادر إلى أن ما يُسمى بـ”لجنة الزراعة” التابعة لـ”قسد” لم تتحرك من أجل مكافحة آفة “الدودة الأميركية” التي فتكت بمحصول القطن هذا العام، وهو ما أدى إلى تضرر عدد كبير من الفلاحين الذين يعتمدون على هذا المحصول من أجل معيشتهم لعام كامل.

وأكدت مصادر أخرى، لـ”العربي الجديد”، أن تجاوزات “قسد” التي يترسخ الطابع الكردي فيها يوماً بعد يوم لم تتوقف عند هذا الحد، بل وصلت إلى مراحل متقدمة ونوعية، خصوصاً لجهة محاولات بث خطاب وثقافة يتناقضان بالمطلق مع طبيعة محافظة الرقة ذات الوجه العربي الخالص. وأوضحت أن هذه القوات تتخذ من المدارس مدخلاً للتغلغل في مجتمع الرقة، مدينة وريفاً، مضيفة أن نسبة كبيرة من المعلمين والمدرسين تحمل شهادات دنيا وغير مؤهلة للتعليم، مع استمرار محاولات تطبيق منهاج كردي على بيئة عربية خالصة. وأشارت إلى أن الأهالي هم الذين قاموا بتنظيف وتأهيل المدارس من دون أي مساعدة من اللجان المدنية المتعددة المرتبطة بـ”قوات سورية الديمقراطية”، موضحة أن لجنة التربية في المحافظة “تضم شخصاً غير سوري قادم من جبال قنديل التي يتمركز فيها حزب العمال الكردستاني”. وأشارت إلى أنه “تم استبعاد كثر ممن يحملون شهادات عليا عن سلك التعليم بسبب عدم ولائهم المعلن للوحدات الكردية التي تتحكم بكل شيء في الرقة”، مضيفة “الأدهى قيام هذه القوات بتعيين شخص كان أمير الزكاة في تنظيم داعش، والملقب بأبو سفيان الأنصاري، معلم صف في إحدى قرى ريف الرقة الغربي”. وأوضحت المصادر أن الواقع الطبي في المحافظة “يُرثى له”، مشيرة إلى أن الوحدات الكردية، التي وضعت يدها على ثروات منطقة شرقي الفرات، خصوصاً البترول، لم تعد تأهيل المستشفيات، وما هو موجود يفتقر للأجهزة الطبية، ما يدفع المرضى للمغامرة بحياتهم في الذهاب إلى مناطق النظام، في حلب وحمص وحماة ودمشق، للحصول على علاج مجاني في مستشفيات النظام في هذه المدن، مشيرة إلى انتشار مرض التيفوئيد في مدينة الرقة بسبب تلوث مياه الشرب.

وأكدت المصادر أن مجموعات تابعة لـ”قسد” تبتز المدنيين من أجل الحصول على أموال و”من لا يدفع فالتهمة جاهزة وهي الانتماء إلى تنظيم داعش”، مضيفة “خرجت الرايات السوداء من الرقة بعد تدمير المدينة ومقتل وإصابة عشرات آلاف المدنيين، وجاءت الرايات الصفراء (راية الوحدات الكردية) لتفرض واقعاً لا يقل سوءاً وخطراً على مستقبل منطقة تعتبر سورية المفيدة بثرواتها”. وأشارت إلى أن مجموعات تتبع لـ”قوات سورية الديمقراطية” تداهم البيوت في مدينة الطبقة، غربي الرقة، بحجة البحث عن عناصر من تنظيم “داعش”، مؤكدة قيام أفراد هذه المجموعات بنهب البيوت تحت نظر سكانها الذين لا حول لهم ولا قوة، فـ”التهم جاهزة لمن يعترض”. وأضافت “إنهم يتصرفون تصرف محتلين، كما كان يفعل تنظيم داعش ومن قبله النظام”. وأوضحت مصادر في ريف الرقة الشرقي، لـ”العربي الجديد”، أن المدعو “لقمان”، وهو كردي، يمارس “التشليح” العلني في المنطقة الممتدة من حي المشلب، شرقي مدينة الرقة، وحتى بلدة الكرامة و”من يعترض يهدد بالاعتقال”.

ولا يختلف الوضع كثيراً في باقي مناطق سيطرة “قوات سورية الديمقراطية”، التي تعتبر القوات الكردية عمودها الفقري، وتضم مكونات قومية أخرى، من عرب وسريان وآشوريين، إذ يتم التعامل مع تلك المكونات بالإقصاء ذاته الذي يمارس في الرقة، كما يتم التمييز بين الأكراد الذين يؤيدون حزب الاتحاد الديمقراطي والأكراد الذين ينتمون للتيارات السياسية الأخرى ويتم اعتقالهم بطرق تعسفية. كما تعمل “وحدات حماية الشعب” الكردية، الذراع العسكري لحزب الاتحاد الديمقراطي، على الظهور إعلامياً بمظهر التنظيم الحضاري، خصوصاً لناحية مشاركة المرأة، إلا أن هناك الكثير من الفتيات تم تجنيدهن نتيجة استغلال خلافات عائلية، كما تم تجنيد العديد من القصر.

العربي الجديد

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.