مراجعات كتب

سياسات صناعة الدين في العالم الإسلامي: مالك شبل وسيد حسين نصر نموذجان/ محمد تركي الربيعو


توسّعت سريعا في السنوات الأخيرة المعرفة التي أخذت تفكّك علاقة العلمنة بالدين، عبر تسليط الضوء على رؤى أخرى بديلة عن الرؤية التقليدية، التي تنظر إلى كل من الدين والعلمانية بوصفهما مفهومين ينتميان إلى عالمين ومخيال مغاير للآخر. وقد أنتجت هذه النقاشات جماعات متنوعة نسبيا من الباحثين الذين أسهمت رؤاهم في إعادة التفكير في مقولتي الدين والعلمانية، بحيث ساعدت على إعادة رسم خريطة النقاش. ويميز بعض المؤرخين بين ثلاثة فروع في هذا الجدال أو النقاش، يتمثّل الأول بالفلسفة السوسيوسياسية للعلمانية الليبرالية، التي يمثلها تشارلز تايلور وجون راولز ويرغن هابرماس. بينما يتمثّل الفرع الثاني بالانتقادات التي وجهها بعض اللاهوتيين، وساهمت في إحياء خطاب اللاهوت السياسي. أما الفرع الثالث والأكثر انتشارا على صعيد الدراسات النقدية، فيتمثّل في مختلف أشكال تحليل الخطاب التي ركّزت على جينالوجيات السلطة، سائرة على خطى ميشيل فوكو وإدوارد سعيد، وتبدو أكثر وضوحا مع أعمال ودراسات الأنثروبولوجي طلال أسد.

ويشكّل كتاب «الدين وصناعة العلمانية» الصادرة ترجمته عن الشبكة العربية للأبحاث والنشر، ترجمة حسن أحجيج، فرصة مناسبة للاطلاع على رؤية المدرسة أو التيار الفكري الثالث، الذي أسهم في إعادة النظر في الدين والعلمانية. تضم هذه الجماعة مفكرين لهم اهتمام بتاريخ الدراسات الدينية كتخصص معرفي، ومفكرين يركزون على التاريخ الاستعماري للأديان في مناطق مختلفة كإفريقيا وجنوب آسيا. وكما ذكرنا تُعتبر أعمال طلال اسد أهم ما أثّر في هذا التيار الفكري، إذ يلاحظ محررا الكتاب، ماركوس درسلر وأرفيند مانداير، أن ما يميّز أعمال الأخير تمييزا واضحا عن التيارات الفكرية الأخرى هو اتّباع الأخير تحليل فوكو الجينالوجي للسلطة، إذ استطاع أن يكشف في نظام المعرفة الغربية البناءات الأيديولوجية لمصطلح الدين. ويُعتبر الشك في فكرة الدين كمقولة كونية، أهم ما تتضمنه هذه المقاربة الجينولوجية، وأحد العوامل التي توحّد أولئك العلماء؛ ذلك أن ما يتّفقون عليه جميعا هو أن «الدين» كما نعرفه اليوم ظاهرة حديثة ظهرت في الغرب، وترتبط بتكوينات العلمانية، ومن ثم فإن الدين والعلمانية ليسا كونيين.

ويشير محررا الكتاب أيضا إلى أن هناك ثقافات ومجتمعات لم يتواجد الدين في معاجمها المحلية، على الأقل إلى حدود المرحلة الاستعمارية، ومن ثم فمن الممكن جدا تنظيم مجتمعات دون مفهوم «الدين» أو الابتكارات الدينية العلمانية. وتُعتبر اليابان والصين والهند أمثلة جيدة على هذه الثقافات. وهناك براهين تجريبية متزايدة على أن ما نسميها اليوم الهندوسية والسيخية والبوذية، أصبحت جزءا من مجموعة «الديانات العالمية» في أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين فقط.

الخطوط العريضة لفصول الكتاب:

يشير طلال أسد، كجزء من نقده للعلمانية الليبرالية، إلى أن مجهود تعريف الدين يتقاطع مع المطلب الليبرالي المعاصر، المتمثّل في ضرورة بقاء الدين مفصولا عن السياسة والقانون والعلم. يأخذ المشاركون في هذا الكتاب انتقادات أسد السابقة ليركّزوا على ديناميات السلطة التي صيغت بها خطابات الدين والعلمانية تاريخيا.

وفي هذا السياق، تناقش مجموعة من الدراسات في الفصل الأول العلاقة بين الحداثة والاستعمار في الخطابات المتعلقة بالهندوسية والبوذية، والسيخ والهندوس والمسلمين. فيركز ريتشارد كينغ في مقالته حول «الأديان المتوهمة في الهند: الاستعمار ورسم خريطة تاريخ جنوب آسيا وثقافتها» على مسألة كيف ندرس ونتعامل مع الفكر الآسيوي والتقاليد والثقافة عندما تغير جذريا تمثلها، وتغيرت تشكيلتها بفعل لقائها بالاستعمار الغربي وعمليات الحداثة. فقد جعلت الهيمنة الاستعمارية للغرب على سائر العالم في القرون الأخيرة من مقولات غربية عديدة، تظهر أكثر كونية ومعيارية. ويحاجج كينغ في أن الدين غدا مع بدايات القرن العشرين خاصة أساسية في الخرائطية الاستعمارية، التي تُستخدم كخريطة معرفية لدراسة وتصنيف وتفسير ميادين ثقافية وتاريخية متنوعة. في سياق آخر، تناقش روث مارس في دراستها «في النبرات الرؤية للإسلام في العصر العلماني» النقاشات التي دارت مؤخرا حول توافق الإسلام مع العلمانية في فرنسا. وعبر دراسة دور المفكرين الإصلاحيين المسلمين من أصول مغاربية، أمثال فتحي بن سلامة والراحل مالك شبل، ترى أن جهودهما قد تركّزت في إلحاق الإسلام بالخطاب الليبرالي العلماني. كما تعتبر روث مارس أن هؤلاء المفكرين يتخندقون بعمق في المذهب التبريري للاستعمار؛ فقد قبلوا مبدئيا انحياز خطابات نقل الحضارة الفرنسية، وبدأوا يدافعون عن زمانيات علمانية متجانسة على حساب التصورات الإسلامية التقليدية للزمن.

التصوف: البحث عن إسلامية ليبرالية؟

سعت روزماري هيكس في مقالتها «الدين المقارن وتأثير الحرب الباردة في تحول التصوف الهندسي الفارسي إلى حداثة إسلامية ليبرالية» إلى تفكيك العلاقات المعقدة القائمة بين سياسة الحرب الباردة وبناء المؤسسة الأكاديمية، كما تكشف عن ذاتها في التصورات الأمريكية الشمالية للتصوف الإسلامي. فتحدد هيكس تاريخيا المسارات الفكرية لجماعة من القادة الإسلاميين الغربيين، مع التركيز على ولفريد كانتويل سميث وسيد حسين نصر، وترسم بذلك شبكاتهم الفكرية والسياسة ودورهم في تطور مدرسة الدراسات الدينية المتشيعة للتصوف في أمريكا الشمالية. تشير هيكس إلى تزايد درجة دمج التصوف مع الاعتدال. ففي السنوات التي تلت الحرب العالمية الثانية، أعاد الأكاديميون المسلمون وغير المسلمين التأكيد على ترسيخ فكرة أن المذاهب الصوفية الفارسية وجنوب الآسيوية بوصفها إسلام الحداثة الليبرالية بطرق مختلفة.

وكان معظم التحديثيين المشتغلين في القطاع العام، أو المعاهد الخاصة أثناء الحرب الباردة، يعتقدون أن الأديان التقليدية تعوق الخصيصة الاقتصادية والتقدم السياسي. وقد كانوا يلحّون على ضرورة فصل الدين عن السياسة والاقتصاد، في إطار أنساق الديمقراطية والرأسمالية العلمانية، وقد بدا الزعماء العلمانيون والمثقفون في البلدان الإسلامية شركاء تجاريين وحلفاء واعدين في الحملات ضد الاتحاد السوفييتي، إلا أنه لم يكن كل الزعماء في البلدان المستقلة مقتنعين بالرأسمالية. فبعد استيلائه على السلطة، تبنى جمال عبد الناصر الاشتراكية في مصر. في هذه الأثناء كان فضل عبد الرحمن المفكر الإسلامي ينتقل إلى ماكجيل في كندا، وكانت كتاباته قد نُعِتت بأنها «مثال حقيقي عن ليبرالية حديثة حقيقية ونموذجية ذات بنية إسلامية خالصة». استعاد فضل الرحمن المقولات الاستشراقية القديمة. لم يعتبر التقاليد الباطنية الشيعية الهندو فارسية تقاليد أرثوذكسية، بغض النظر عن جاذبيتها للتقدميين الأمريكيين أو البورجوازيين الباكستانيين، كما توصّل إلى خلاصة مفادها أن الحل يتمثّل في تصوف عقلاني وميّال إلى الفعل وقادر على إنتاج الدوافع الليبرالية الضرورية لإصلاح الشريعة الإسلامية.

وفي هذه الأثناء، ظهر أيضا سيد حسن نصر، الذي كان قد تخلى عن أمله في تحقيق تقدّم علماني حديث في إيران. بدأ نصر يحضر اللقاءات المتعلقة بالفلسفة الشيعية التي كانت تضم الباحث الفرنسي المختص في الإسلام هنري كوربان والفيلسوف الإيراني البارز والزعيم الديني السيد محمد حسين الطباطبائي، اللذين ستدفع أعمالهما نصر لاحقا إلى تغيير أفكاره. وقد دافع لاحقا نصر وكوربان عن فكرة أن الإسلام الفارسي إسلام صوفي على وجه الخصوص. كما سعوا إلى البرهنة على أن المذهب الشيعي هو مصدر الأرثوذكسية الإسلامية والتصوف الحقيقي معا. وتتميز هذه التشكيلات من التصوف الإسلامي بإطارها المفهومي المتمركز حول مفاهيم العقلانية والحرية والإيمان الفردي مع بروتستانتية واضحة. وما تخلص إليه الباحثة من خلال سردها السابق، أن المفاهيم التي اعتمدها نصر بالأخص، لم تكن تهدف إلى صناعة أو إحياء ديني أو إسلام أكثر اعتدالا أو الإسلام الحقيقي، بل كان إحياء هذا التصوف يهدف في الأساس إلى صناعة دين يوافق المصالح الغربية/الأمريكية.

٭ كاتب من سوريا

القدس العربي

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق