الناس

حبال الصوت البعثية/ محمود حسن

حسناً… كمعلّق صوتي محترف الآن، ربما لن أكون منصفاً جداً إن أعدت بداية تشكّلي المهني إلى الطفولة؛ فهذا لن يكون علمياً ولا مهنياً، فضلاً عن كونه غير منصف. والسبب ببساطة أن مهنة التعليق الصوتي بالتحديد تشترط اكتمال النضج البيولوجي، واستقرار الصوت، وحتى تصنيفه ومعرفة إلى أيّ «نوتة» صوتية ينتمي، كي يُجاز لك القول أنك ممتهنٌ للتعليق الصوتي. والمعلّق الصوتي، لمن لا يعرف حدوده المهنية، هو الصوت المستتر وراء الإعلانات الترويجية للأفلام السينمائية والإعلانات التجارية، وهو الراوي في الأفلام الوثائقية، وصاحب الحظوة في عالم الدبلجة، والمفضّل في الإذاعات، ومؤخراً في محطات الأخبار المتخصصة.

لكن في حالتي، كما هي حال أي طفل سوري نشأ في سوريا حافظ الأسد آنذاك، كان لا بدَّ أن أعبر صراط منظمات حزب البعث الممتد من الطفولة إلى مشارف سوق العمل. لذا، يمكنني القول إن مهنة التعليق بدأت معي منذ الطفولة.

بدأت حكايتي كمعلّق مع أول غواية شدّتني إلى مسرح خيال الظل ومسرح العرائس. وكم جهدتُ واستمتُّ وقتذاك لأحظى بدور الحطّاب الطيب أو ديك الصباح، لكن جهدي دفع بي رأساً الى كتيبة «الفصاحة والخطابة». قراءةٌ جيدة، صوتٌ عالٍ، وقدرة على استعارة الأصوات. تلك المميزات اصطفتني لقول اسم «حافظ الأسد» مُشكَّلاً ودون لعثمة. كان سوء تشكيل اسم الرئيس في سياق النص يؤرق أعضاء فرع الحزب في الحفلات المدرسية والمناسبات الوطنية، إذ لا يجوز رفعُ القائد وقت الفتح ولا ضمّه عند الكسر. كان ذلك يشكل أزمة حقيقة لديهم، ولا بدّ من طفلٍ موهوبٍ ينطق اسمه بالشكل الصحيح.

أنا كنت ذلك الطفل.

امتحاني الأكبر كان أمام أمين فرع الحزب. تلوتُ في الحفل الذي حضره قصيدةً حماسيةً يمرّ اسم القائد في معظمها. رَفَعتُ حافظ الأسد كما يجب، ونصبته كما يشتهي الأمين، وجررته واثقاً من خلال عاصفة التصفيق. لمعت عينا أمين الفرع، وفكَّ زر سترته ليتنفس بِحرّية، ولم ينتظر حتى نهاية الفقرة كي يُثني علَيّ. أشار بعينه لمدير مدرستي، فحملني المدير المتعرّق والمرتبك ووضعني أمامه منحنياً. عرفتُ بحدس الطفل أنني أثرت إعجابه. لم ابتسم، وأبقيت على الذهول الواجم في وجهي، فالصمت والذهول في مثل هذه اللحظات يزيد الموهبة لمعاناً. سحبني نحوه وقبلني قبلتين على خدي مثل زعماء المافيا الإيطالية. حوله كان ثمة وجوه كثيرة تكاد تتفكك من فرط الابتسام والثناء همساً، ووحدَه أمين الفرع وضع كفّه الضخمة فوق رأسي متجاهلاً «السِدارة» المكوية بعناية، سحقها مع شعري حتى كادت تسقط؛ وقال بلكنة ريفية وبصوت لم يقع على مسامعي مثيلٌ له حتى اللحظة: «عفية الأسمر… عفية عفية». ما أن نطق حتى أُخِذتُ بصوته، إذ كان عربة من الحشرجة والرنين والعمق تسير على خط متزن. تلاشت أحلامي بأن أكون طبيباً أو طياراً، وحلمت في تلك اللحظة أن أكبر فوراً، وأصبح أميناً للفرع.

ذاع صيتي بين مدارس المدينة، وكنتُ أُعار من مدرستي إلى مدارس مجاورة وأحياناً إلى مدارس بعيدة لتلاوة الخطب الحزبية والقصائد التي تتغنى ببطولات القائد في فلسطين وفي الجولان. الإعارة كانت من أمتع أوقاتي، فكنتُ أحصل في طريقي إلى المناسبة على قنينة عصير وعلبة بسكويت، ولا أظن أن طفلاً في عمري وقتذاك حظي بفرصة رؤية سيارات «البيجو» من الداخل كما حظيتُ أنا، فموهبتي في نطق اسم حافظ الأسد مُشكَّلاً منحتني تأشيرة دخول مفتوحة إلى عالم أعضاء فرع الحزب «المفيّم» وغير القابل للمسّ؛ خاصة في احتفالات الحركة التصحيحية. كانت تغمرني سعادة استثنائية والبيجو 504 تشقّ طريقها عبر أرتال المرحبين في الأرياف. كان الناس يصطفون ملوحين  قبل مكان الاحتفال بعدة كيلومترات. تكمن سعادتي في كوني غير مرئي، وباستطاعتي رؤية الجميع في الوقت نفسه.

أما في مدرستي، كنت بصوتي كل صباح أحفز أصوات الطلبة لمواجهة الرجعية والإمبريالية وعصابة الإخوان المسلمين العميلة. وبما أنني المعمّد بكف أمين فرع الحزب، فقد أخذتُ صلاحية من المدير نفسه بإعادة ترداد الشعار إذا لم يصل صوت الطلاب إلى حدود الرقة. ونادراً ما كنت أسمح لهم بالدخول إلى صفوفهم من المرة الأولى.

فوق هذا الصراط البعثي، مرّ معظم الطلاب السوريين متخطين منظماته واحدة تلو الأخرى، ومع أن أحلامي الابتدائية بأن أصبح أميناً لفرع الحزب باتت في المرحلة الثانوية غيمة مثيرة للسخرية فوق رأسي، لكن صوتي أخذ يتشكل وفقاً لصورة ذلك الرجل ذي الكف الضخمة. حملَت حباليَ الصوتية تلك الحشرجات وذلك الرنين المستتر وراء العمق. أدركتُ تشابه نبرتَينا من خلال عيون أصدقائي المتسمّرة باهتزازات حنجرتي وأنا أقلد لهم صوت عبد الرحمن آل رشي في المسلسلات؛ وجمال الجيش وهو يقرأ نشرة الأخبار؛ وموفّق الأحمد في إعلانات الصناعة الوطنية. كان فائض الرجولة والحشرجة الرنانة والقسوة والجدية أبرز معايير استحسان الصوت وتفوقه آنذاك. وعلى الرغم من أن التقليد كان ينطوي على كثير من المرح والمَسرَحَة، إلا أنه كان يترك في نفسي أثراً حزيناً، شيئاً أشبه بالمصير المحتوم. لم أكن أفهم ماهية ذلك الشعور، وأدركتُ متأخراً أن خطاب البعث الذي كنت ألوكه على مر السنين الماضية قد لاكُ بدوره حنجرتي، وصاغها وفقاً لقسوته وتقعّره. كان أشبه بمبرد ينحت تفاصيلها على مهل وبتأنٍ إلى أن صارت لغة البعث جزءاً من تكوينها. صار صوتي حبيس الخطاب، لكنه حبس منه وبه، وكيفما تحدثت بالعربية الفصيحة طفرت النبرة البعثية وطغت على طريقة الإلقاء. كل كلمة تنتهي بتاء مربوطة كانت تأخذ عندي شكل وموسيقى كلمة الإمبريالية، وأي أسم أو فعل ينتهي بحرف الدال، أكزُّ بلا إرادة مني على نهايته مطلقاً دالاً أخرى أخف قليلاً لكن لها أثر الصدى، وبها أمنحُ الفعل أو الاسم فخامة وتميزاً (هكذا اعتدتُ زخرفة اسم حافظ الأسد في الخطابة)، وما أن أبدأ القراءة بالفصحى حتى تتخذ حنجرتي وضعية الحشرجة والتقعّر، وتتضاعف سماتها الرجولية مرتين أو ثلاثاً، علماً أنني لم أكن أتجاوز التاسعة عشرة حينها. أما النبرة البعثية، فهو مصطلح أطلقته على معاناتي سراً، ثم صار لاحقاً  دليلي في تصنيف المعلّقين السوريين، وسيرهم الذاتية مع منظمات البعث، وحتى مستوى نشاطهم في حفلاتها ومناسباتها، تبعاً لحدّة النبرة البعثية أو خفّتها في أصواتهم؛ وفوجئتُ كثيراً عندما بدأت ألحظها لدى خطباء المساجد.

لم يعد صوتي البعثي مجرد سر، بل صار سؤالاً عن علاقة الخطاب بالخطيب، عن قدرة اللغة على إحداث تغييرات فيزيولوجية حقيقية فينا، أو قدرتها على منح أعضائنا ذاكرتها الخاصة، بحيث تأخذ شكلها وطبيعتها كلما مرت عبارة أو كلمة تنتمي إلى ذلك الخطاب. ما هي تلك القوة العجيبة التي تجبر الجسد أو أعضاء فيه على اتخاذ وضعيات محددة إن هي مرت عليه؟ كيف لحنجرتي أن تنصاع بكل هذا الاستسلام وتطلق تلك النبرة المقعّرة القاسية؟ من أين لذلك الخطاب تلك الطاقة، ليضغط بكل خفّة وسرعة على نقاط انفعالية محددة لديّ، تجبرني على القول وفق السلّم البعثي الموسيقي؟

راقبتُ هتلر وهو يلقي خطاباته، وعجبتُ من قدرة خطابه وقوته الهائلة التي تجعله يقفز فوق المنصة. لغة التفوق تلك التي تضمر داخلها كل براهين التحقير، كانت تنفخ عروق وجهه ورقبته، وتجعل جسده ينتفض بالكامل، وتجعل من صوته صورة حية ومجسمة عن خطابه. استرسالي في السؤال وتنويعاته دفع بي لإخضاع حافظ الأسد نفسه لمختبري السري. وإن كانت نظريتي صحيحة فإن حافظ الأسد لم يكن بعثياً كما يجب، فتلك اللغة القاسية المقعرة لم يكن ليحملها صوت كصوته المبحوح، المبطن بنبرة ناعمة، وجهاز نطقه المليء بالصفير. حتى في خطاباته المتلفزة، الموجهة للشعب، كانت لغة البعث تعيش أسوأ لحظاتها وهي تتمرغ بين حبال صوته الضعيفة والمترهلة، إذ كانت تحتاج صوتاً كصوت عبد القادر قدورة وهو يذيع نبأ وفاة الرئيس في مجلس الشعب؛ أو علاء الدين الأيوبي في واحدة من مقدماته التلفزيونية عن الأمان والأمن الداخلي. أما الحقيقة التي صدّقتُها في ذلك الوقت، فهي أن صوت حافظ الأسد لم يكن مؤهلاً لحمل ذلك الخطاب.

لكن ماذا عني أنا؟ أنا. كيف يمكن لي أن أذيب تلك النبرة؟ كيف أستطيع أن أمرّنَ حنجرتي، وأمنع جسدي من اتخاذ تلك الوضعية الخشنة كلما اقتربت من اللغة الفصحى؟ حسناً… إذا كان الخطاب بقوة التأثير تلك، فعليَّ أن أقاومه وأجعله يتراجع بأن ابتعد عن الخطابة كلياً، وأن أترك نفسي تنساق طواعية نحو الغواية الأولى، المسرح. ولا مانع أيضاً من مصاحبة فتيان وفتيات اليسار الديمقراطي ومشاركتهم نقد الخطاب البعثي وتفكيكه، فقد يكون لذلك فائدة في تسريع عملية تحرير صوتي من نبرته البعثية. ومع أن الصحبة استمرت لسنوات، إلا أنها تركتني أمام حطام خطاب البعث، ولم تُعنّي تلك الأنقاض اللغوية على بناء فهم جديد يسري في جسدي كزيت الخروع، جارفاً معه كل ترسبات الخطاب القديم، ومبدلاً في طريقه نقاط الضغط الانفعالي التي تستعبد صوتي. دخلتُ عالم المسرح بالحشرجة المعهودة، مضافاً إليها حالة من الإرباك الذهني واللغوي. وكأنني «فرانكشتاين سوري» بذهنية ديمقراطية، وصوت ولغة بعثية. ومع ذلك لم أيأس، وأمِلت أن يكون المسرح طوق نجاتي بالطبع، فلقد قرأتُ مرة أن الممثل العظيم لورانس أولفييه قال: «لو كان هاملت حيواناً لكان ذلك الحيوان صقراً». وفي أحد العروض كان أولفييه في قمة التعايش مع الشخصية، كان ظل جسده المنعكس عن الإضاءة يرسم شكل صقر على الجدار. هتفت نعم، هذا هو ما أريده، ولم أتردد في اختيار هاملت لتأديته في فحص القبول لمعهد التمثيل الخاص. ظلت تلك النبرة تُصارِعني أياماً قبل موعد الفحص، وبدوتُ أنني أكبر عمراً من هاملت، بصوتي الأجش وقفلات جملي على الطريقة الخطابية الحزبية. تملّكني الذعر حقاً، وفكرتُ أن أُقدِّمَ هاملت باللهجة الديرية كي أهرب من الخطابية، ثم عدلتُ عن الفكرة خوفاً من أصبح محط سخرية اللجنة والطلاب. ابتسم المرحوم خالد تاجا عندما أنهيت تقديم المونولوج وقال لي:

«حسّك حلو ودرجة التبني جيدة، بس في شي مو مريحني بأسلوب الإلقاء».

في داخلي، كنتُ أجيبه دون تردد: أعرف يا أستاذ، إنها لعنة النبرة، وأنا كذلك «مو مريحتني».

وكي لا أكون جاحداً إلى هذا الحد، استطاعَ المسرح ومعه فنون الأداء الأخرى إحداث بعض التغييرات. على الأقل مكنني التمثيلُ من تكتيكات التنكر، فسترتُ النبرة البعثية بأدوار الشر أحياناً والأدوار التاريخية، لكن دعوة واحدة، للتعليق على فيلم وثائقي عن الحرب العالمية أو الحياة البرية كانت تؤخر حيلي بالتنكر أشواطاً، وتبعدني مسافات عن لعب أدوار العاشقين، أو حتى شخصيات كرتونية مدبلجة بمثل عمري. كل ما حصلت عليه من أدوار كان مؤطراً برجال محاربين، أو وحوش بثلاثة أفواه وستة أذرع، وفي أحسن الحالات رجال كبار في السن.

تنمّطت حياتي المهنية في دوائر أدائية صغيرة، بينما كانت دائرة التغيير في سوريا تتسع يوماً بعد يوم. وبدا أن بشار الأسد، في أعوام حكمه الأولى، يريد أن يُخرِجَ سوريا من دوامة الحشرجة واللغة البعثية المقعّرة التي ابتلعتها لعقود. صار ظهوره ببنطال الجينز والخف البسيط مع زوجته الراقية، وحديثهما للناس بلكنة «شامية» متكلفة دليلاً على أن أسد الجمهورية الأسدية الثانية قد ورث السلطة لكنه رفض أن يرث الخطاب، ويريد لسوريا لغة وخطاباً جديداً. أصبحت قوافل الأزرق والزهري، بين هياكل الإسمنت العشوائية، لتلاميذ دمشق، نبؤة عن لغة جديدة. حتى صور القائد الجديد لم تعد مصحوبة بعبارات مقعّرة وقاسية، على شاكلة «نعم لبطل التشرينين»، ولم يعد القائد يظهر كمعلّم أول وقاضٍ أول وفريق أول، بل صورة لرجل بسيط، بلا ربطة عنق؛ مذيلة بكلمة «منحبك». لغة الشارع، اللغة الحميمة، التي تبدو كمفتاح عصر جديد. ومع أن المنظمات البعثية استمرت، بحضورها المعنوي؛ لكنها كانت شبه مهجورة، منزوعة الأنياب، مقصوصة المخالب، وبدت كخردة هائلة عن خطاب البعث. شعرتُ حينها أن صوتي ينتمي لتلك الخردة المهجورة. طوال تلك السنوات؛ كنت أحلم بتغيّر الخطاب، خطاب جديد يمنح حنجرتي الفرصة الكافية للتحرر من تلك النبرة البعثية، لكني لم أكن أقصد هذا التغيير. فسوريا وقتها لم تصبح ديمقراطية، ولا أقل استبدادية، هي فقط خسرت «هويتها الاستبدادية»، وضحّت سلطة الأسد الثاني بحضورها الشمولي لصالح وضعيات فوتوغرافية مؤقتة تمنحها طابعاً مختلفاً عن حكم الأسد الأب، لكنها في واقع الأمر كانت سلطة بلا لغة، وبلا خطاب.

أما سرّي الصغير، سرّ النبرة البعثية، فلم يعد سرّاً بعد الآن، إذ صار أسلوب تنمر علني لدى جيل مؤسسات أسماء الأسد في نشاطاتها الاجتماعية والفنية، محلياً وإقليمياً؛ وصار وصف الأداء «الشبيبي» وسماً يطارد الجميع، هواة ومحترفين. ومع ذلك، كان ثمة لغة حية تنسج نفسها بين ثنايا التحول الفوتوغرافي للسلطة، وتؤسس نفسها حقاً فوق ركام الخطاب القديم، متجاهلة تلك التحولات الاستهلاكية الشكلانية. وفي طريقها؛ كانت تملاً فجوات اللغة التي أحدثتها سلطة الأسد الثاني في انفصالها المرتجل عن اللغة القديمة. كانت اللغة الجديدة تنبض كالحمم المتوهجة، مضيئة حدود الهياكل السلطوية، التي ستُسقطها وتحل مكانها. لحظات في زمن الشعوب، أخذتها تلك اللغة الجديدة كي تعلن عن نفسها وتظهر أولى عبارات خطابها، «حرية». نعم، أول مرة نطقت بها علانية كانت في حي الميدان، والحصار مشتدٌّ على درعا. صرختُ بها مِلءَ صوتي دون توقف، ومغمض العينين. شددتُ حبالي الصوتية بشدة، وضغطتُ على حنجرتي بقوة وأنا أصرخ «حرية حرية»، وكأنني أجرف تكلساً قابعاً عليها منذ عشرين سنة. وتحت وابل من رصاص التفريق، لم يتسنّ لي التأكد من تغيّر النبرة. وأنا هاربٌ من الرصاص بنصف انحناءة، كنتُ أردد محاولاً اختبار حبالي الصوتية الجديدة وأنا أركض: إمبريالية، حافظ الأسد، سوريا الأسد، قلب العروبة النابض… لم أكن أسمع صوتي بما يكفي لتقييم التغييرات. بعد أن وصلتُ البيت، اكتشفتُ أنني فقدت صوتي بالكامل، وبقيت لثلاثة أيام بلا قدرة على النطق بأي حرف. بالطبع، لم تختفِ النبرة بطريقة سحرية، ولم تمنحني الثورة صوتاً جديداً كلياً… على العكس، قضيتُ معظم سنوات لجوئي في غرف إسفنجية شاحبة، عازلة للصوت، أجرش بصوتي ألم المجازر، وأرفع الأنقاض عن الأجساد الطرية برنين الحشرجة المعهودة، وأزيد من أعداد القتلى بالصوت العميق، بينما أفواج من الشابات والشبان السوريين متلهفون لأكشف لهم سرّ تلك النبرة، ولأعلّمهم كيف يجعلون الجريمة أكثر مهابة بأصواتهم، علّهم يحظون بفرصة عمل مستقرة، فالموت كثير والأصوات قليلة.

موقع الجمهورية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق