الناس

أرحامٌ للبيع والإيجار/ هبة عزّ الدين

في كل مرّةٍ أنقل ما كتبته فاطمة، أصّر أن أضيف المقدمة ذاتها، بأنّ ما أكتبه هو نقلٌ بتصرّف من دفتر مذكرات مؤلفٍ من مائتين وخمسة عشر صفحة، لصبية إدلبية اسمها فاطمة، حسبما كان مكتوباً على صفحته الأولى. لا تفاصيل أخرى كُتبت عنها، لكن يبدو من تسلسل الأحداث أنها امرأة ثلاثينية، عاشت أو ربما ما زالت تعيش في مجتمع ذكوري يرى أن أفضلَ النساء تلك التي تخرُجُ من بيتها مرتين، الأولى إلى بيت زوجها، والثانية إلى قبرها؛ و أنّ دورها هو الإنجاب وتربية الأطفال فقط. ربما لم يلتقِ أحدٌ بفاطمة في ورشات المساواة الجندرية، أو حماية المرأة، لأنّها من الناس العاديين في إدلب، الذين لم يُكتب عنهم ولم تُنشر صورهم في الصحف والمجلات. لكنّها صوتٌ عذبٌ من إدلب يتسرب من بين أصوات القصف، وسيارات الإسعاف، وخطَبِ «المجاهدين»، ومعبر بابِ الهوى الموصدِ بوجه السوريين، ليصل آذاننا جميعاً.

تروي فاطمة في مذكراتها قصة عمّتها مفيدة التي قُتل زوجها في الثمانينات؛ وقصة الجبلية، المرأة العلوية التي باعها والدها للحاجّ طاهر، لتصبح فيما بعد زوجة له.

*****

أجلسُ الآن في فناء الدار قرب شجرة الجوز، وطيران النظام السوري يحلقُ في السماء وقد ينقّض علينا في أي لحظة،  لتُورِدنا الأخبار بعدها كشهداء يتم تمييزنا جندرياً بعبارة «سقط عشرة شهداء أغلبهم من النساء والأطفال»، في محاولة للفت انتباه الرأي العام إلى أن من يُقتل في سوريا هم الفئات الأكثر هشاشة، ممن لا ناقة لهم في الحرب ولا جمل. هذه واحدة من  السرديات التي أمقتها حقيقةً، فالمجتمع لا يتوانى  لحظة عن إظهارنا كفئات ضعيفة حتى في ساعة موتنا، الرجال يموتون موت الشجعان ونحن نموت ميتةً هشّة.

ذات مرة ناقشت الأمر مع صديقاتي الثائرات، واقترحت عليهنّ أن يتم توثيق الشهيدات بشكلٍ منفصلٍ، كمناضلاتٍ قتلهن طيران النظام السوري وهنّ يكافحن في مساحة الحياة الضئيلة المتوفرة لهنّ بينما يحاولنَ أن يكسرنَ الأنماط المجتمعية السائدة، ويعملن ليكفين أنفسهنّ، أوليعبّرن عن ذواتهنّ بطريقة لم يعهدها المجتمع من قبل. إلّا أنّ رفيقات النضال كنّ يعتبرنني قاتلةً للبهجة، لا أرضى بكل الامتيازات التي يمنحنا إياها الرجال في ريف إدلب،  مثل المشاركة في الحراك المدني.

تحوّلَ هذا الموضوع فيما بعد أيضاً إلى جدالٍ بيننا، فما هي السلطة التي يملكها الرجل حتى يسمح أو يمنع؟ ولمَ  يجب علينا أن نقبل بالرواية التي يحاول أن يقنعنا بها الرجال بأنهم هم من يسمحون لنا ولا يسمحون، بدل أن نجادل بأننا نحن من حصلنا على هذه المساحات المحدودة التي تضيق على تفكيرنا، بنضالنا وإصرارنا على العدالة الاجتماعية؟ تعتقد صديقاتي أنني متشائمة، أتكلمُ دائماً عن سلبيات المجتمع الإدلبي بدل أن أظهر محاسنه، إلّا أني كنت مصرة دائماً على ألّا أتحول إلى بوقٍ يطرب لصوته المجتمع، لا سيما وأن ما تعاني منه النساء في المجتمع الإدلبي ليس مجرد سلبيات، بل آفات خطيرة، لا يمكن أن تتغير إن لم نصدّع رؤوس من حولنا بإثارتها والبحث عن حلولٍ لها.

*****

تجلس أمامي  على كرسي متحرك عمتي مفيدة، الخمسينية التي تعاني من الشلل النصفي منذ أكثر من عشرين عاماً. بدأت حكاية عمتي في السبعينات حينما أحبّت ابن عمها وليد لتسع سنواتٍ دون أن تبوح له، وأحبها هو بالمقابل بالكتمان ذاته. انتظَرَته طويلاً ريثما عاد من دمشق بعد أن أتمّ دراسته. قضت مفيدة ليالٍ عديدة ترسم خياله على الجدران عندما ينعكس عليها ضوء مصباح الكاز. بعد أن تخرّج، التحق وليد بالخدمة الإلزامية، وبعدها تم تعيينه في مستوصف شرقَ الحسكة. كان وقت غيابه كفيلاً بأن يراكم الحب في قلب مفيدة، حتى أتى اليوم الذي خُطبت فيه له .إن أحلام معظم الفتيات في تلك الحقبة، حسب رواية مفيدة، تتلخص بالزواج وحضن الرجل ولا شيء سوى حضنه، وعندما يتكلمنَ عن دفء حضنه، يشعر المرء أنّ الرجل عبارة عن محطة توليد طاقة أو محطة حرارية. والدفء هنا يشير إلى العلاقة الحميمة، والتوق المحموم لها، بسبب الكبت والحرمان. في معظم البيئات المحافظة، تتراكم الرغبة في الجنس الآخر نتيجة الحرمان حتى يصبح ذاك الآخر غاية في حدّ ذاته.

كانت مفيدة تحلم أن تصبح مدّرسة تاريخ، وقد تعلمت القراءة والكتابة في حلقات الكُتّاب في المسجد، وعندما افتُتحت مدرسة في القرية، لم يسمح لها والدها الحاج أبو أمين بالذهاب للمدرسة لأن الصفوف كانت مختلطة، أي للذكور والإناث.

بعد الخطبة بأشهر، قرر وليد أن يقيم العرس بعد موسم الحصاد، واتفق مع عمه على أن يأخذ مفيدة معه إلى محافظة الحسكة. أمّا أم أمين، التي كانت تراقب الحديث بصمت، فقد كانت قلقةً بسبب اختلاف العادات والتقاليد في محافظة الحسكة عن تلك التي في إدلب، إلّا أن وليد طمأنها بأن العادات متشابهة، بيد أنّ بعض أكراد الحسكة لديهم انفتاح زائد حسب تعبيره، لكنّ ذلك لن يؤثر على مفيدة، كونه لن يسمح لها بالاختلاط بهم، فخروجها من المنزل مرتبط به، وعلاقاتها الاجتماعية أيضاً. لم تُعجَب أم أمين بإجابته، فقد كانت ترغب أن تكون ابنتها اجتماعية و«تبيّض وجه» عائلتها بحسن تربيتها وتعاملها مع جميع الناس، وأردفت قائلةً: «ولم لا تختلط معهم يا بني؟ حتى لواختلفت عاداتهم قليلاً لكن بالنهاية كلنا عرب وأولاد آدم وحواء». يصعب على أم أمين والكثير من نساء القرية أن يدركن اختلاف القومية، فريف إدلب أحادي القومية وهي العربية، ثم إن ثقافتهنّ تقتصر على ما يردده أبنائهنّ أثناء حفظ دروس القومية واللغة العربية والتاريخ والجغرافيا. تلك المواد جميعاً لم تأتِ على ذكر أي قوميات أخرى غير العربية، حتى ظنت أم أمين أن كل السوريين عرب مهما اختلفت عاداتهم.

*****

تظهر بقعٌ شمعية بعد هذا النص في دفتر المذكرات. يبدو أن فاطمة قد استعانت بالشموع للإنارة، خصوصاً وأن ريف إدلب عموماً قد قُطعت عنه الكهرباء بعد قيام الثورة، ما أعاد الناس إلى الطرق البدائية كالفانوس ولمبة الكاز والشموع، وجعلهم يستخدمون «اللدّات»، وهي لمبات متناهية الصغر تصطف بجانب بعضها فوق شريط لاصق يُوصل ببطارية ليعطي ضوءً خافتاً. تقفز فاطمة فوق البقع وتتابع:

تقرَّرَ موعد العرس يوم الإثنين السادس من نيسان عام 1981، وقامت أم أمين بتحضير صّرة العروس، ريثما يُحضر وليد سيارة أبي دحام «التوزوتو» الصفراء، فقد كانت السيارة الوحيدة في القرية؛ كي يقلّهنَّ إلى حمام السوق في مدينة إدلب. أما باقي النساء من الخالات والعمات، فحُشرن في شاحنة ضخمة مكشوفة، تُستخدم عادة لنقل المحصول من الأراضي إلى المخازن، بغية مرافقة العروس لحمام السوق. كيوم الحشر، اجتمعت النساء في بهو الحمام، وراحت النساء اليافعات يخلعن الملايات والتنانير، بينما همّت النساء الأكبرُ عمراً بخلعٍ أثواب المخمل والزنانير والحطاطات وتبادل الأحاديث ريثما يتم تجهيز المناشف والصابون. كانت هذه الأزياء السائدة في ريف إدلب في الثمانينات، الملاية، وهي قطعة من القماش الأسود تلف حول الجسد فوق الخصر، وتغطي الرأس؛ والتنورة أوما تُسمى بالتبّان، وهي قطعة من القماش الأسود تتم حياكتها بحيث تكون فضفاضة، ومن ثم تُزمُ بمطاطٍ عند منطقة الخصر. كما اعتادت النساء الأكبر سناً أن يرتدين الزنار فوق ثوب المخمل. والزنار مصنوع من الحرير الطبيعي بطول مترين حتى أربع أمتار يُلف حول الخصر للفتين أو ثلاث تبعاً لقياس الخصر. أما الحطاطة، فهي متر مربع من الحرير الأسود مقصبة بخيوط فضة عريضة، لها خيوط متدلية على الظهر.

بعد الزواج بشهرين تم نقل وليد من مستوصف الحسكة إلى مشفى حماة المركزي، وأحضر مفيدة إلى بيت أهله ريثما يستأجر بيتاً جديداً، فقررَت العروس أن تقضي المدة بين بيت أهله وبيت أهلها، فقد أخبرها وليد أنه سيأتي بعد شهر ليصحبها معه إلى حماة. مضى الشهر الأول والثاني والثالث، ووليد يقول إنه لم يجد بيتاً للإيجار، وإنه ينام في المشفى. أما مفيدة، فقد كانت تتلقى التوبيخ من حماتها وأمها في آن واحد، إذ اعتقدتا أنها لم تكن زوجة مطيعة تعرف كيف تُسعد زوجها، لذلك استطاع أن يغيب عنها كل هذه الأشهر. لعلّ العقلية ذاتها تكمن خلفَ اتهام الفتاة التي يتم التحرش بها بحجة أنها متعريّة، ويبدو ذلك جلياً في المثل الشعبي «اللي ما بتدّلي زنبيلها ما حدا بيعبيلها».

حاولت مفيدة أن تكلم وليد مراراً عبر الهاتف الأرضي الذي يملكه أبو دريد، صاحب الدكان في الحارة الغربية، لكن دون جدوى، فقد كان يتهرّب من اتصالاتها. وبعد خمسة أشهر، فقدت الأمل وقالت في نفسها لابدّ أنه أحبَّ إحدى زميلاته الممرضات، وأنها ستسمع نبأ زواجه قريباً. يوم الأربعاء، بعد أن صلّت العِشاء وتأكدّت أن المازوت يكفي ليوقد المدفأة حتى الصباح، سمعت طرق أناملٍ على الباب الخشبي، لكنها لم تشغل نفسها بأن تعرف الطارق، فكل الناس سوى وليد خيالات وكائنات غير مهمة. استمرت بالتسبيح، سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، اللهم لك الحمد عدد خلقك، وزنة عرشك، ومداد كلماتك.

شتت تسبيحها صوت الجارة أم دريد وهي تلقي السلام على أمها، فألقت المسبحة فوق الفراش وأسرعت نحو فناء البيت، علّ وليد اتصل بأبي دريد، وأخبره بأي شيء عنه. إن الدّين حكرٌ على الفقراء والمساكين، الذين يصبرون به على مصائبهم، لكنهم لا يتوانون عن رمي مسابحهم عند أول بشرى أو استجابة. أخبرت أم دريد مفيدة أن وليد اتصل وأنه يريد أن يكلمها في صباح اليوم التالي. في الطريق إلى دكان أبي دريد، كانت أم أمين تردد على مسامع مفيدة أن تتجنب الثانية قول مفردات غزل لزوجها، فمن المعيب أن تقول ذلك أمام رجل غريب، أي أبي دريد، الذي لا يغادر عادةً الدكان، بسبب فضوله في التنصت على مكالمات الآخرين، واستغلال أنه من القلة الذين لديهم هاتف أرضي في القرية، فبالإضافة له، هناك ثلاثة هواتف أخرى في الحارات القبلية والشرقية والشمالية.

عندما وصلوا إلى الدكان، ردد أبودريد «وليد، لقد وصلت أم أمين وعيلتك». في ريف إدلب عموماً، يٌطلَقُ على الزوجة لقب «العيلة» وذلك تجنباً لذكر اسمها الصريح، الشيء الذي يُعتبرُ عاراً لطالما تعارك الأطفال في المدرسة بسببه، بعد أن يكتشف أحدهم اسم أم الآخر ويبدأ بنشره بين بقية الصبية في الصف.

كان صوت مفيدة منخفضاً ثم أختفى تماماً، وطفقت تبكي. لقد طلقّها وليد غيابياً، والطلاق الغيابي المنصوص عليه في القانون السوري يتيح للزوج أن يطلق الزوجة دون اتفاق بينهما، أومشاركة بالقرار، بل بناءً على رغبة الزوج، وكأنها شيءٌ يرميه في سلة مهملات المجتمع حال انتهائه منه.

تعود معظم القوانين في سوريا إلى أواخر الحكم العثماني، أي إلى عام 1917، حيث اعتمدت قانوناً سُمي «حقوق العائلة»، تضمّنَ أحكاماً للمسلمين ولغير المسلمين، ويحتوي على 157 مادة توزعت على كتابين. الأول بعنوان المناكحات، يبحث في الخطبة والأهلية وعقد الزواج والكفاءة والمهر والنفقة، ولعل العنوان بحد ذاته يترجم النظرة الجنسية للعلاقة بين الشريكين، فالنكاح لغوياً هو الجماع، بما في ذلك من نسف كامل لمفهوم الأسرة والشراكة في تأسيسها؛ أما الكتاب الثاني، بعنوان المفارقات، فكان يبحث في الطلاق والتفريق والعدّة، ويتضمن عدداً من مسائل الأحوال الشخصية بالنسبة لأتباع الديانتين المسيحية واليهودية.

ستون سنة مرّت على تلك القوانين ولم يتغير بها شيء تقريباً، وأصبحت عمتي مفيدة تلعن الدولة التي أعطت وليد الحق بتطليقها، فقد كانت تتمنى أن تبقى «على ذمته» لا أن تصبح مطلّقة، يتهافت عليها كل من توفيت زوجته أو من يرغب بزوجة ثانية. علمنا فيما بعد أن وليد انضم للإخوان المسلمين، تحديداً للطليعة المقاتلة، وقد نذر نفسه لقتال نظام الأسد الأب، لكنه لم يشأ أن يظلم مفيدة، كما أخبر والديه خلال محادثة سرّية في دكان أبي دريد.

بعد انقضاء فترة العدة، ساءت حالة عمتي مفيدة، وباتت منعزلة، تبكي كل الوقت، كما أنها حاولت لمرات عديدة الانتحار، فمرة شربت المبيد الحشري الذي يستخدمه والدها لبخ شجر الزيتون، ومرة شربت أقراص الغاز التي تضعها أمها في أكياس الفليفلة الحمراء اليابسة، لكنها لم تمت في كلتا الحالتين. بعد عامين، قرر أبو أمين، أن يزوّج مفيدة للشيخ عبدو، إمام المسجد، الستيني الذي يكبرها بثلاثين عام، والذي تزوج ثلاث مرات بغية إنجاب طفل ذكر، لكن زوجاته الثلاثة أنجبن له فتيات. رغم أن معشر الرجال يعتمدون على الآية القرآنية الواردة في سورة النساء «وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألا تعولوا»، إلّا أنهم يغفلون تماماً أن التعدد مرتبطٌ بوجود يتامى تحت وصاية الشخص، وبقدرته على العدل أيضاً والتي أتى قول الله فيها في السورة ذاتها «ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم»، إذن المنطق يقول واحدة، لكن المجتمع الذكوري عموماً يغضّ الطرف عن التشريعات التي تُنقص من امتيازات الرجل.

لم يكن أمام مفيدة أي خيار سوى أن ترمي نفسها من سطح البيت يوم زفافها، إلّا أنها، هذه المرة أيضاً، لم تمُت -ما دفع نساء القرية لتشبيهها بالقطة ذات السبع أرواح-  فأسطح البيوت في الريف ليست مرتفعة بالحد الكافي للموت، لكنها كانت كفيلة بكسر قدميها وحوضها، وكتفها الأيسر. لم تمنع كل تلك الكسور الشيخ عبدو من إقامة العلاقة الجنسية معها، بل كان سعيداً أنها غير قادرة على مقاومته، فهو يعلم تماماً رفضها له.

بعد أشهر حملت عمتي وأنجبت فتاة، ولم يتوقف الشيخ عبدو عن ضربها لأنه، حسب قوله، دفع ألف ليرة سورية مهراً لها  لتحمل له بغلام، لكن أرحام النساء معظمها ملعونة لا تُنجب سوى ملعونات. توسلّت مفيدة مرارً لأبيها أن يطلقها من الشيخ عبدو، لأنه يطلب منها القيام بأشياءٍ محرّمةٍ شرعاً، فهي «حرثه» وفق قوله، لكن أبا أمين جن جنونه، وزجر الرجل لأن زواجه يُعتبرُ باطلاً في هذه الحالة، ويجب أن «يعقُد» عليها من جديد. أمّا الشيخ عبدو فعاد إلى المنزل، وأمسك حزامه الجلدي المعلق على مسمارٍ بالحائط، وانهال عليها بالضرب، لأنها أفشت أسرارَ الزوجية، وراح يضرب رأسها بالحائط. أثناء ذلك، أصابت قطعةُ الحديد المربّعة جمجمة مفيدة، مما سبب لها الإغماء والشلل النصفي لاحقاً. ترافقَ الشلل مع عيوبٍ في النطق، وغياب متقطّع بالذاكرة، ونوبات هلع هستيرية، ما دفع والديها للشك بأن ثمة جنّي يلبسها.

أم أمين كان تمضي معظم النهار في المشاورات مع نساء الحارة بشأن هذه المصيبة. اقترحت إحدى الجارات على أم أمين أن تذهب للجبلية، وتطلب منها أن ترى ما إذا كانت مفيدة مسحورة. لا أحد من أهل القرية يعرف تماماً عائلة الجبلية أو اسمها الحقيقي، لكن جدتي كانت تقول إن زوجها الحاج طاهر اشتراها من والدها من جبال العلويين في أواخر الستينات مقابل دَينٍ له، فقد كان الحاج تاجراً بين ريف إدلب وجبال اللاذقية، يحمل معه الزيتون والزيت والصابون، ليبيعها هناك ويحضر معه أقمشة الحرير والأمشاط الخشبية والكحل الحجري. أحد أولئك السكّان لم يكن قادراً على تسديد ثمن المشتريات المتراكمة، فعرض على الحاج طاهر أن يعطيه ابنته مقابل الدين، فلم يتردد الآخر، خاصة أن كل عائلات القرية رفضت تزويجه لأنه كان يعاني من مرضٍ بالمثانة، يجعله يتبول لا إرادياً.

*****

تخبرنا فاطمة في مذكراتها أيضاً أن الحاج طاهر تُوفي بعد زواجه بالجبلية بخمس سنوات، وأنها أنجبت منه طفلاً واحداً فقط.

بعد موته، التزمت بيتها المكون من غرفتين غير مسورتين من الطين و«بيت خلاء» بجانبه قنٌ للدجاج. يقال إن والدها أتى ليأخذها بعد موت زوجها لكنها رفضت ذلك، وأعطته النقود التي جنتها من زوجها كرشوة كي لا يأتي مجدداً، يبدو أنها أدركت وقتها أنها ستُباع مرة أخرى إن ذهبت معه. كثرت الإشاعات في القرية أن الجبلية متآخية مع جني، سلب منها صوتها في ليلة ظلماء، فأصبحت خرساء، تشير إلى كل الأشياء والأشخاص بكلمة واحدة «بو»، حتى ظن الناس أنه اسم أخيها الجني. لقد عانت تلك المرأة لوحدها، في مجتمعٍ يشفق عليها، وأمومة تجعلها تحتمل نظرتهم لها كسبيّة، فقد كانَ ابنها علي، كل ما تبقى لها في الحياة.

خلال فترة «العلاج الروحي»، توطدت العلاقة بين مفيدة والجبلية، وأصبحت كل منهما بيت سر الأخرى، ورغم تفاوت الالتزام الديني بينهما إلّا أن مصيبتهما واحدة. مضت السنوات، وتأقلمت مفيدة مع فمها المائل الذي سبب لها صعوبة في الطعام والشراب، كما أنها اعتادت على رائحة الكافور الذي تحضره لها الجبلية التي تعلم جيداً أنها لا تجيد فنون السحر، إلّا أنّ الناس بحاجة لمن يكذب عليهم، كما كانت تقول دائماً، والله منَّ عليها بطراوة لسان (وذلك بشهادة أهالي القرية، قبلَ أن تَفقدَ صوتها)، جعلتهم يظنون فعلاً أنها تشفي الناس بالحجابات المثلّثة التي تكتبها لهم. المضحك المبكي في الأمر أنه بعد وفاة الجبلية، ذهبت إحداهنَّ إلى شيخ آخر علّه يكتب لها الحجاب ذاته الذي سبق وأن أعدّته لها الجبلية ، لكنّها نسيته في جيب الفستان وغسلته، فتفتت غلافه البلاستيكي. عندما فتحه الشيخ لم يجد آياتٍ قرآنية بل عبارة واحدة «كول وطيب رز بحليب حبها يا زوجها حبها». لم يبقَ لعلي سوى مفيدة، التي اعتبرته عوضاً من الله عن صغيرتها التي حُرمت منها منذ أن أنجبتها، فأغدقت عليه بالحب والعطف حتى كبر وصار شاباً وسيماً. نعم، لقد كان عليّ من أجمل الشبان في المظاهرات التي خرجناها سويةً، وكانت صديقاتي تطلبنَ مني أن أذكر أسماءهنّ أمامه علّه يتقدم لخطبة إحداهنّ، أمّا أنا فكنت لا أرغب به، بل كنت أرغب به، لكني أعلم جيداً أنه لن يتزوج بمطلّقة! لم يكمل علي تعليمه بل اتجه للعمل بالزراعة، ويشهد له كل أهالي القرية أنّه مهذب وخلوق، لكنّ أمّه الجبلية، ومربيته مسحورة، ما جعلهم يرفضون تزويجه بناتهم. لذلك، كان علي غاضباً كل الوقت، وحاقداً على جدّه وأبيه، وأبي أمين، وأم أمين ووليد، إلّا أمّه ومفيدة فقد كان غاضباً من أجلهما. بعد الانتفاضة السورية، شارك علي في الحراك السلمي، لكنّه لم يكن راضياً، فتلك الهتافات لا تحقق له الثأر، لذلك لم يتردد أبداً بالانضمام لصفوف تنظيم الدولة الإسلامية داعش عام 2013، ثم انتقل مع الفلول بعدها إلى الرّقة، وراح يُرسلُ الفيديوهات وهو يقطع رؤوس عساكر النظام من الطائفة العلوية، والشيوخ الكبار من العشائر، ويذيّل الفيديوهات بعبارة «أتمنى لو أن جدّي والشيخ عبدو لم يموتا، لقطعتُ رأسيهما بيديّ هاتين».

*****

في آخر سطرين، تقول فاطمة:

انقطعتٌ أخبار علي بعدها، وبقيت عمتي مفيدة كما هي أمامي الآن، واجمةً، شاردة، أنهكتها الحياة «المعتّرة» وتوّد أن تموت بكرامة.

موقع الجمهورية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق