كتب الكترونية

رحالة/ أولغا توكارتشوك

أولغا توكارتشوك.. رحَّالة في أدغال السرد الجديد/ أسامة فاروق

أولغا توكارتشوك.. رحَّالة في أدغال السرد الجديد أصبحنا مجرد “زومبي” نتحرك في الحياة ضائعين ووحيدين

في خطابها أمام الأكاديمية السويدية قبل أيام، قالت البولندية الفائزة بنوبل، أولغا توكارتشوك إن العالم “يحتضر” ورغم ذلك لم تستطع أن تمنع نفسها من التفكير في “مستقبل الأدب”.

بدت الكاتبة والناشطة البيئية والسياسية حائرة ومتشائمة في هذا الصدد، قالت إن القراء فقدوا ثقتهم في الخيال منذ أن أصبح الكذب سلاحًا خطيرًا للدمار الشامل، وإن ما يجرى اليوم مجرد محاولات متكررة لإعادة تدوير القصص الصدئة التي عفا عليها الزمن، والتي لا يمكن أن تتناسب مع المستقبل، باختصار ترى أننا نفتقر إلى طرق جديدة لرواية قصة العالم. استنكرت أيضا المحاولات المضنية لتقسيم الأدب، معتبرة أن الكتاب الجيد لا يحتاج إلى تأييد انتمائه للعام. وأن التقسيم إلى أنواع لا يعدو كونه محاولات لتسويق الأدب، ومعاملته كمنتج استهلاكي للبيع، وهو في رأيها اختراع من اختراعات الرأسمالية المعاصرة.

تتخوف أولغا من تحولات عالمنا المتسارعة، العالم الذي يواجه حالة طوارئ مناخية، وأزمات سياسية تبدو من دون مخرج، عالم خانق غارق في ذاته، لهذا السبب تحديداً تواصل التعلق بالأدب لتجاوز هذا كله، فهو “أحد المجالات القليلة التي تحاول أن تبقينا على مقربة من الحقائق الصعبة للعالم، ووحده هو القادر على السماح لنا بالتعمق في حياة كائن آخر وفهم أسبابه ومشاركة عواطفه وتجربة مصيره”. تتساءل “هل يمكن أن نبتكر قصة تتجاوز هذا السجن الفاقد للتواصل، الذي هو الذات، وتكشف عن حقيقة أكثر تنوعا وتظهر الصلات المتبادلة؟”، لا سبيل أمامنا سوى التعلق معها بالأمل في أنه “سيظهر قريباً عبقري ما قادر على ابتكار سرد مختلف تماما، لا يمكن تخيله حتى الآن، وهو الذي سوف يغيرنا جميعا”.

العالم يموت

تمسك توكارتشوك بالأسلوب وبـ”السرد المختلف” كطوق نجاة، يتأكد ليس فقط من كلمتها بل مع الصفحات الأولى لكتابها الوحيد المترجم إلى العربية “رحالة” الذي صدر عن دار “التنوير” عقب إعلان فوزها مباشرة بترجمة مميزة لإيهاب عبد الحميد. الكتاب الذي يقع في حوالى 370 صفحة يترجم خوف كاتبته من التصنيف، يسقط الحدود بين الأنواع الأدبية، فيصبح تصنيفه عمليه صعبة رغم كلمة “رواية” التي تتصدر غلافه. بعد أن تتجاوز صفحاته الأولى ستبدأ الحيرة حول ماهيته.. سيرة؟ يوميات؟ مقالات؟ رحلات؟ قصص قصيرة؟ لكن الأكيد أنك بعد أن تتجاوز تلك الصفحات لن يعنيك التصنيف كثيراً، فستكون قد غرقت بالفعل في التفاصيل، وتكون هي قد نجحت في إثبات وجهة نظرها. وصف رضوى عاشور لفن الرواية عموما كحوت الأسطورة القادر على ابتلاع أجسام كاملة ينطبق هنا كليا، حيث “تسمح بنية الرواية ونسيجها بمزج المتخيل بالوثائقي، والمشهد النابض بالفعل والحركة واضطراب المشاعر، بالتفكير والتأمل أو الخوض في تفاصيل معرفية مجردة، تاريخية أو جغرافية أو قانونية أو علمية” وهو بالضبط ما تقدمه توكارتشوك في عملها؛ حجّ علمي معرفي تاريخي مشوق، وحكايات متقاطعة تتخللها أفكار ورؤى تعمق الحكايات وتزيد الحيرة والأسئلة.

“الأشكال لا تأتي اعتباطاً أو توليفة يحكمها مزاج فردي” تقول عاشور مفسرة المحاولات الدؤوبة للبحث عن شكل سردي جديد، حيث ترى أن تلك العملية تخضع لشروط تاريخية، ويصاحبها تململ من الأشكال القائمة الضاغطة على تجربة تفيض عنها، في واقع -محلي وعالمي-  “تتداخل فيه الخيوط وتتشابك بشكل غير مسبوق في تاريخ البشر حيث العالم أكبر بكثير وأصغر بكثير، أعني في الوقت نفسه؛ حيث المسافات غائبة بفعل ثورة الاتصالات، وقائمة بفعل هيمنة مصالح كبرى تحدد لنا تفاصيل حياتنا اليومية كأنها يد غيبية تحكم رقعة شطرنج تحركنا على مربعاتها”. رؤية تتطابق نصاً مع ما سعت إليه توكارتشوك وما قالته في كلمتها وكتبته في كتابها، حيث قالت أمام لجنة نوبل إنّنا نعيش في عالم تكثر فيه التناقضات، تتقاتل فيه الوقائع المتباينة مع بعضها البعض بالأظافر والأسنان. ونعيش في مجتمع كان بإمكانه، بفضل انتشار الإنترنت، تحقيق حلم أسلافنا، المتمثل في إتاحة المعلومات للجميع، فمن شأن ذلك أن يخلق لنا بشراً أفضل. لكن للأسف، هذا الحلم صار واقعاً مخيّباً للآمال في كثير من الأحيان، لقد اتضح أننا لسنا قادرين على تحمل هذا الكم الهائل من المعلومات، والتي بدلًا من التوحيد والتعميم والتحرير، قامت بالتمييز والتقسيم وأحاطتنا بفقاعات صغيرة فردية. قالت إن العالم يموت، ونحن لا نلاحظه. وأننا أصبحنا مجرد “زومبي” نتحرك في الحياة ضائعين ووحيدين، نقذف هنا وهناك بقرارات شخص آخر، مقيدين بمصير غير مفهوم، يحدونا شعور عارم بكوننا ألعوبة القوى الرئيسية للتاريخ.

الثابت والمتحول

تبدأ الرواية بطفلة عمرها بضع سنوات -قد تكون المؤلفة نفسها- على حافة نافذة، محاطة بألعابها، يخيفها السكون وزحف الظلام، تكتشف أنها وحدها لأول مرة، فتعي ذاتها وتدرك حصارها “أود لو أغادر، لكن ما من مكان أذهب إليه. وجودي ذاته هو الشيء الوحيد الذى له حدود مميزة الآن”، بعدها نبدأ مع الطفلة أولى رحلاتها لاستكشاف العالم، من حدود منزلها وحتى نهر “أودر” الذى ابتلع في أعماقه بعض المغامرين، أو حتى أطفالا أرادوا غطسه في نهار صيفي حار. واقفة هناك فوق السد على ضفة النهر، تحدق في التيار المتسارع، تتعلم الطفلة أول دروسها “أدركت أن الشيء المتحرك –رغم المخاطر- يظل دائما أفضل من الشيء المستكين؛ أن التغير يظل دائما أنبل من الديمومة؛ أن الساكن سيتفكك ويتحلل، يتحول إلى تراب، بينما المتحرك قادر على البقاء إلى أبد الآبدين”.

كانت طفلة لأبوين لا يحبان الترحال كثيراً، عالمهما محدود داخل مدينة صغيرة، وسفراتهما السنوية لا تتعدى حدود الديار. كانا ضمن جيل “المنازل المتنقلة” حيث يقطران وراءهما في رحلاتهما القصيرة بيتاً بديلاً كاملاً. “لم يكونا مسافرين حقيقيين” هكذا رأتهما الطفلة التي أصبحت شابة الآن بعد أن رافقتهما في بضع سفرات، قررت على الفور أن ذلك النوع من الرحلات لا يناسبها، وأن تلك الحياة الرتيبة ليست لها “لم أرث ذلك الجين، أيا كان، الذي يجعلك حين تقضى بعض الوقت في مكان ما تسارع بضرب جذورك فيه” انتظرت فقط حتى أتمت دراستها ثم انطلقت لتوسيع عالمها.

بعد بضعة فصول قصيرة تختفي الطفلة، والشابة، سنظل إذا بحضرة الراوية التي لا تلتزم بجدول محدد، سنتجول معها في العالم، سنزور بضعة متاحف، ومطارات، ستحكي لنا الحكايات، سنتجول داخل رأسها أيضا، لنعرف أفكارها، ونعرف منها مثلا كيف بدأ شغفها بالكتابة، تقول إنها لم تمارس المهنة التي تمرنت عليها طويلاً “علم النفس” عوضا عن ذلك، وفي أثناء إحدى رحلاتها الاستكشافية، عندما علقت في مدينة كبيرة بلا نقود وأثناء عملها كخادمة شرعت في تأليف كتاب! كان قصة للمسافرين، تقول، الغرض منها أن تُقرأ في القطار “استطعت التركيز وأصبحت لبعض الوقت أشبه بأذن عملاقة تنصت للدمدمات والأصداء والهمسات، الأصوات البعيدة التي ترشح عبر الجدران. لكنني لم أصبح كاتبه حقيقية قط”. كتابتها كما تصفها هي نفسها تحول الحياة إلى قصص غير مكتملة، حكايات حلمية، تظهر من بعيد في مناظر بانورامية مفككة، أو في مواضع عرضية، يصبح معها الوصول إلى أي استنتاجات بشأن الصورة الكلية أشبه بالمستحيل. وكأن أولغا تكتب مراجعة عن نفسها!

مبارك هو من يرتحل

تصف الراوية كتابة الرواية بأنها “أسوأ طرق شغل الوقت”. تقول إن أي شخص سبق وحاول كتابة رواية يعرف أنها مهمة مضنية “عليك أن تبقى داخل نفسك طوال الوقت، في حبس انفرادي”. ثم تقدم أحد أجمل توصيفات الكتابة: ذهان تحت السيطرة، بارانويا وسواسية لا تعمل إلا بعد تقييدها بالأغلال، ليس لها أي علاقة بريشات الكتابة ولا بحمالات أرداف الفساتين ولا بالأقنعة التنكرية البهيجة التي يقرنها الناس بها عادة، بل هي مسربلة بمريلة جزار ومنتعلة حذاء مطاطيا، في يدها سكين لنزع الأحشاء.

لكنها رغم ذلك ليست نادمة على إعجابها بتلك المهنة الغريبة، فقط أحيانا في ثنايا الرواية تسأل نفسها: هل أفعل خيراً في حكاية القصص؟ أليس الأفضل أن أربط العقل بمشبك، أن أشد وثاقه وأعبر عن نفسي لا بطريق القصص والتواريخ، وإنما ببساطة المحاضرات، حيث تتكشف كل فكرة جملة بعد جملة، ثم تبني عليها أفكارا أخرى في الفقرات التالية؟ لكنها تعرف إجابة سؤالها مسبقاً، لأنها تعرف غواية الحكي، وتعرف أيضا أن السيطرة على الحكايات أمر مستحيل، وأنها تتطلب أشخاصاً مثلها “غير مطمئنين، غير حاسمين، يسهل تشتيتهم؛ ساذجون”. بل الأكثر أنها تنصح الجميع بالكتابة “اخرجوا كراساتكم واكتبوا” باعتبار الكتابة أأمن طريقة للتواصل والمرور العابر “سوف نحول بعضنا بعضا، بالتبادل إلى حروف وأحرف أولى، نخلد بعضنا بعضا، نلد بعضنا بعضا، نغطس بعضنا بعضا في جمل وصفحات من الفورمالدهايد”.

تتمسك بنصيحتها وتبدأ بنفسها، فلا تتوقف عن الحكي، كل قصة في الرواية تقود إلى أخرى، وكل “حَجّة” تقود إلى غيرها، فأي الخيوط تحب أن تتابع في دراما الحياة تلك المبسوطة أمامك على امتداد الكتاب؟ خيط كونيكي الذي فقد زوجته وابنه على جزيرة “فيس”؟ أم تلك التي قررت هجر زوجها الصموت وابنها المريض لتتبع المشردة التي تهذي بالنصيحة الخالدة: “تحركي. استمري في الحركة. مبارك هو من يرتحل”؟ أم شقيقة شوبان التي هربت قلبه في مغامرة خطرة إلى وارسو ليدفن هناك حسب وصيته؟ أم جوزفين سليمان التي تطالب إمبراطور النمسا بإعادة جسد والدها بعد أن حفظه بالفورمالدهايد في خزانة الأعاجيب؟ ربما تحب أن تعرف حكاية هؤلاء الساعين وراء حفظ هذه الأجساد في خزائن الأعاجيب من الأساس؟ أو حكاية الكاتبة نفسها التي تبحث عن مغامرة لتغيير شكل الكتابة؟ حكايات وأفكار غير متتابعة أو متصلة، مضفرة في تناسق وتكامل عجيب، فبعضها يبدأ ثم يستكمل قرب النهاية، وبعضها يمر عبر حكايات أخرى، وبعضها لا يستكمل أبدا، فالغرض في النهاية هو الرحلة والحكاية نفسها.

لتحميل الكتاب اتبع أحد الروابط التالية؟

رحالة: أولغا توكارتشوك

رحالة: أولغا توكارتشوك

صفحات سورية ليست مسؤولة عن هذا الملف، وليست الجهة التي قامت برفعه، اننا فقط نوفر معلومات لمتصفحي موقعنا حول أفضل الكتب الموجودة على الأنترنت

كتب عربية، روايات عربية، تنزيل كتب، تحميل كتب، تحميل كتب عربية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق