مقالات

التشذيب وإعادة الكتابة: تجارب وشهادات/ صدام الزيدي

(6/6)

لماذا يُعيد الأدباء والكتّاب النظر في أعمال ونصوص منجزة لـتصدر ثانيةً إما في “طبعاتٍ منقّحة” أو في مجلات وصحف ومواقع للنشر الإلكتروني، تحت استدراك/ تنويه: “كتابة ثانية”؟! عربياً وعالمياً هناك أسماء وتجارب لافتة، اتسمت مسيراتها بالعودة إلى تشطيب شبه جذري لكتب وأعمال منجزة، كما أن البعض منهم (في غير مناسبة) تمنّى لو أنه عاد لتنقيح وغربلة كتاب ما.

عندما تُنجز دراسات وبحوث حول تجارب وإصدارات، ثم بعد حين يتغير شكل ومضمون تلك الإصدارات والنصوص بسبب أنها خضعت لكتابة ثانية، هل يفضي هذا بالضرورة إلى متغيرات جديدة في سياق القراءة والتحليل والدراسة والتقييم؟ هل البدايات هي من يفرض الأمر (بدايات تجربة إبداعية ما ليست بالطبع كمراحل لاحقة تصل فيها التجربة إلى النضج)؟ كيف أن أمر إعادة النظر في نتاج إبداعيّ مرّت عليه فترة من الزمن يكون وارداً لدى البعض وغير وارد لدى آخرين؟ كيف ينظر الأدباء والكتّاب إلى ظاهرة الشطب وغربلة النصوص والمؤلفات من جديد أو ما عرف قديما بـ”التحكيك”؟ وما هي شهاداتهم من زاوية التجربة الشخصية حول “إعادة الكتابة”؟ 

هذه الأسئلة نطرحها في هذا الملف على أدباء وكتّاب وباحثين أكاديميين.

هنا الجزء السادس والأخير منه:

أمجد نجم الزيدي (ناقد/العراق): الاقتناع بالكمال آفة تلتهم إبداع الكاتب

كما هو معروف فالوعي الانساني بصورة عامة لا يقف عند نقطة واحدة، بل هو وعي متحرك دائم النموّ، والكاتب بصفته إنسانا واعيا يسعى إلى استثمار ذلك الوعي في تطوير تجربته الكتابية عبر الزمن، من خلال قراءاته المختلفة، واطلاعه على التجارب الإبداعية الأخرى، بالإضافة إلى أن ممارسته للكتابة ودوامه عليها تكسبه مهارات لم تكن لديه في بدايات تلك التجربة، وكل هذا يساعده في اكتساب وعي متقدم بما وصلت إليه تجربته، والسبل التي تقوده إلى تطوير ذلك الوعي من خلال القراءة والاطلاع والتجريب، لذلك فالكاتب يعي بصورة تامة ما تحتاجه تجربته الكتابية، أو نصه الإبداعي في تلك المرحلة التي يقف عندها، فالكاتب مبدعا كان أو غير ذلك، هو أول ناقد لكتابته، لأنه أول قارئ لها، ولا أتفق مع الرأي الذي يذهب إلى أن الكاتب المبدع، عندما ينشر نصه مثلا فهو راض تمام الرضا عن ذلك النص، بل إن هناك رغبة خفية مستمرة لديه في تعديله، أو تساؤلات عن كمال ذلك النص، فلو غيّر في هذا المكان قليلا أو حذف تلك الجملة، أو أضاف أخرى، لكان أفضل، لأن الاقتناع بالكمال هي آفة تلتهم إبداع الكاتب، والشكّ هو دافع للمواصلة على تطوير قدراته على الإبداع أكثر، لذا نرى أن الكاتب الحقيقي هو ناقد قاس لما يكتبه، وأن رغبة التغيير والمسح والإضافة مستمرة لديه، كلما قرأ نصه، ومن هنا فإن أغلب الكتاب لا يعودون كثيرا إلى النصوص التي قد كتبوها سابقا، لأن ذلك الحافز للتعديل يجد دائما ما يوقده.

أما تأثير ذلك التعديل على قراءتنا التالية للنص، فأعتقد أنها ترجع إلى مساحة ذلك التعديل، إن كانت تغييرات بسيطة على مستوى كلمات أو عبارات قليلة، والتي لا تؤثر تأثيرا كبيرا على النص، أو كانت تعديلات تشمل مساحات أكبر كمجموعة أبيات في نص شعري، أو عدد من الصفحات في نص سردي، لأن التلقي هنا سيتأثر طبعا، لأن تلك التغييرات بنيوية في النص، وليست مجرد تعديلات بسيطة لا تلامس بنيته العامة، وكما يحدث أيضا مثلا عند تغيير أسماء الشخصيات في النص الروائي، أو المكان أو الزمان، وربما هكذا نوع من التغيير – وأقصد الذي يشمل مساحات كبيرة- سيغير دلالة النص، ومساراتها، والتي ستنتج بدورها نصا جديدا -بصورة أو بأخرى- لأننا سنتعامل مع نص آخر، ومسارات أخرى فالنص المعدل أو المنقح يعتبر – في وجهة نظري على أقل تقدير- نصا جديدا، وإن اعتمد وارتكز على مشتركات كثيرة مع النص الأصلي، إلا أن تلك التعديلات ستخلق نصا موازيا له، ولن يقطع مشيمته تماما معه، وخاصة إن أشير إلى أن هذه النسخة من النص معدّلة ومنقحة، والتي ستعتبر موجها للقارئ بأن هناك نصاً آخر بكراً لهذا النص الجديد، وهذا ربما ما أشار إليه النقاد وخاصة ممن يهتمّون بعتبات النص، ومتعالياته النصية، إذ نجد أنهم يشيرون ويؤكدون على أهمية تلك العتبات وتأثيراتها على النص والقراءة.

مع ذلك وفي رأيي الشخصي أن الكتابة تنتمي إلى التجربة الشخصية للكاتب، وتمثل مستواه ووعيه الكتابي في مرحلة ما من عمره الإبداعي، لذلك لا يجب المساس بها، لأنها ستخلق نوعا من الإرباك وخاصة للباحثين والدارسين لتجربة كاتب ما، لأن مرحلة التنقيح والتعديل تنتمي إلى مستوى وعي آخر للكاتب، لذلك فقد ينظر إليها من زاوية ما، بأنها نوع من التزييف، وخاصة إن اعتمد الدارس على النسخة المنقّحة، ولم يقرأ أو يطلع على النص الأصلي، لأني أتصور أن النص المطبوع أو المنشور هو ليس ملكا مباحا ومشاعا للكاتب، وإنما انتقلت ملكيته للمتلقين وللتاريخ الثقافي والأدبي الذي ينتمي إليه الكاتب، وهذا بالطبع ينطبق على النصوص الأدبية (Fiction) نوعا ما، ولا ينطبق بصورة وبأخرى على النصوص غير الأدبية (Nonfiction) إذ تعتمد الثانية على حقائق ومعلومات ومعارف، ربما تحتاج إلى التعديل أو الإضافة أو الشرح، إذ لن تتأثر بنيتها العامة من هذا التعديل، عكس النصوص الأدبية كما أشرنا.

محمد بن ربيع الغامدي (قاص وباحث/السعودية): تغيرات نفسية وبيئية

المراجعات، إعادة النظر، التراجعات، النكوص، سوء المنقلب، كلها مستويات مختلفة لما نظنه في كل مرة حالة من إعادة الكتابة. أدنى تلك المستويات هو المراجعة، والمعنى العام للمراجعة (في تقديري) تغييرات شكلية تراعي ذائقة بعينها لكنها لا تمتد إلى الجوهر. أما إعادة النظر فقد تتطلب إعادة الصياغة أحيانا بما في ذلك الجوهر لكنها تمسّه مسّا هينا قد يتقبله الناس ومن ثَمَّ يغفرون للكاتب ما كتب. أما التراجعات فهي أكثر حِدّة، قد يغير فيها الكاتب مساره، ولكنه تغيير وفق ظروف منطقية يتفهمها الآخرون بشكل أو بآخر. أما النكوص فهو تغيير المسار بكامله، لكنه تغيير يتمّ وفق مقدمات منطقية تفضي إلى نتائج منطقية، أو تبدو وكأنها نتائج منطقية، لكن الكاتب بعدها لم يعد هو نفسه الذي كان قبلها وتصبح أصوله الكتابية جزءاً من ماض لم يعد يرتبط به. أما سوء المنقلب فهو تراجع عنيف جدا وحادّ جدا يتحول فيه الكاتب عن صديق حميم لمساراته السابقة إلى عدو خصيم لها.

ينبغي علينا أن ندرك أن الكاتب (مهما علت منازله) يظل بشرا وقلبه (كما يقول المتعبدون) بين إصبعي الرحمن يقلبهما كيف شاء، وهذا فيه مخرج جميل يحفظ للكاتب ماء وجهه، ولذلك كان الآباء والمعلمون يعلموننا أن نقول في كل سجود: يا مقلّب القلوب والأبصار ثبت قلوبنا على التوحيد. وهذا (بطريقة أو بأخرى) يقودنا إلى التغيير كحادث يعتري مسيرة الإنسان مفكرا كان أم من عامّة الناس، ولكننا نتلمس في كل مرة سببا لذلك، ويمكن إيراد بعضها اجتهادا:

1- وجود أخطاء كثيرة في النص القديم.

2- ورود ملاحظات كثيرة على النص القديم يقتنع بها المؤلف أو يرضخ لها.

3- وجود تغيرات بيئية تحيط بالكاتب فتجعل نصّه القديم خارج الزمن وربما ظهر له أن نصّه القديم أقل من أن يواجه تلك التغييرات.

4- وجود تغيرات نفسية اعتملت داخله دهرا، وظلت تتفاعل وتتفاعل حتى غيرت نظرته للحياة وللكون، مع أو ضد، فغيّر الشارة بكاملها وربما أحرق مكتبته كتابا كتابا.

سنية الفرجاني (شاعرة/تونس): ما يُطبع يصير مُلكاً للآخرين

لا أثق بنصّي وأعرف أن هذا الإرث الذي أثقل به كاهل اسمي مؤهّل للخراب داخلي مباشرة بعدما أدفعه للطبع. كأنّ صوتا مرعبا يصرخ داخلك، لماذا لم تعش أكثر مع النص ومِتّ سريعا؟ لماذا كلّ هذا الكمّ من اللغة، لقول هاجس طنّان؟

على يقين أن لكل تجربة لغتها ولكلّ مرحلة صياغتها ولكلّ قصيدة تراثها، لذلك أجدني بعد كتابة النصّ، أباغت الورقة المتشظّية وأزيد لطخات الحبر بتثاقل وخوف كأني أحذف من لحمي أو أضيف إليه مادة لا تلائمه رغم أنه اللحم ذاته. ومع ذلك أفعل لأن “الحذف في النص فن” كما يقول بول شاوول و”أن تحذف أنت أفضل من أن يحذف القارئ”.

التنقيح عمليّة تشويهيّة لنصّ يأتي دفعة واحدة على هيئة موجة عملاقة في محيط هائج أوج الشتاء. داخل طوفان الموجة طحالب وأسماك وأتربة وحبّار وقواقع ونتف جثث، لا قدرة للغوّاص على فرز شيء ولا على الحراك إلا حين يهدأ كل هذا وتنكسر المياه على شاطئ طويل.

هذه حال الشاعر مع نصه، مد وجزر وعاصفة وتكوّن مستمر، لكن فينا من يستطيع جمع البقايا ويرميها وفينا من يكدسها داخل النص إلى حين، وفينا من يراها أصولا تسقط ولكن لا تجمع. لكلّ نص مفاتيحه الأولى التي بها يشرّع وبها يغلق ولا أرى بعد ذلك أيّ حكمة في العودة إليه بمفاتيح جديدة.

كل نص أدفعه إلى العالم، أتركه لمتاهة اللغة ولدوّامة التلقي والزمن.

يمكن أن نتطور داخل ذواتنا سريعا ويمكن للواقع أن يعطّبنا أو يعطلنا أو يؤخرنا، وحين تتغير علاقتنا بالعالم وتتغير فيه الحقائق والمسمّيات لا يمكن أن نسمح لهذا بأن يهجم على المرحلة التي سبقت ويلتهم منها ما نظن أنه تسوّس أو تعكّر أو فسد.

يورّث النّص بكل حقيقته وتاريخه ونسبه الأول حتى لا نغالط العالم ونغالط لحظة الولادة. لا توجد ولادة أولى وولادة ثانية، ذلك في تقديري يسمّى تشذيبا عادة ما يصيب الأصل بتشويه. الولادة حدث يحدث مرة واحدة.

النص الأصلي حالة وجود كاملة ووعي فطري ووحي مباشر وطوفان مستتبّ، لا يحق لنا أن ندخل عليه مناخات أخرى لا تواكب طقسه.

قد أسمح لنفسي بتحوير النص قبل دفعه للنشر لأنه طوع أمري ولكن حالما يخرج للعالم فإن الأمر يصير ميثاقا لا حق لي في نقضه.

نصوص كثيرة ومجاميع وكتب تدرج في دراسات وأبحاث علمية وبعدما يتمّ تناولها بالبحث والتفكيك يأتي صاحبها ويصدرها في طبعة منقّحة أو منقوصة، هذا اعتداء على التكوين .

فكّر درويش في أن يلغي نصف شعره من الأسواق ولكنه لم يفعل ولا يستطيع وقال لو أتيح لي أن أسحب نصوصي لاستغنيت عن الكثير.

شعور طبيعي، فنحن لا نثق بنصوصنا وإن فعلنا لانتهت علاقتنا بالكتابة.

الثقة بالشعر شهادة موت بطيء له.

ثمة شعراء لم يثقوا بنصوصهم أصلا ولم ينشروها واكتفوا بكتاب واحد مثل فرناندو بيسوا إذ نشر كتابا واحدا صغيرا في الشعر وبعد موته وجدوا حقائبَ من الشعر.

لم يثق بنصه ولم ينشره لأنه لم يكن يرغب بتشويهه، تركه على حاله، إكراما للحظة.

إيميلي ديكنسون نشرت ست قصائد فقط وبعد موتها عثروا على صناديق من الشعر. هؤلاء اختاروا أن لا ينشروا على أن يعيدوا النشر أو يندموا، وربما منعهم عسر النشر لكن الواضح أنهم شعراء حقيقيون يتعلقون باللحظة الأولى رغم أنهم لا يثقون بها وربما بنا أيضا.

الشاعر هو أول ناقد لنصه، ومن فقد القدرة على نقد نصه فهو شاعر سيء، يمكن أن نبقي على النص عاريا فوق الورقة نصف مولود ونصف مفقود أو ننجبه ونبقي على الحبل السريري بيننا، وقد أعود بعد عام أو ألف عام.

ذلك لا يلغي العلاقة الدموية الوطيدة بيننا وبينه.

لكن إن تم دفعه إلى الطبع وصار ملكا للآخرين فلا حق لنا أبدا في تقديري أن نسحبه لنعيد ولادته. ذلك يسمّى اعتداء جنسيا وتحرشا فظيعا.

نحن نكتب بكامل حواسنا، إعادة الكتابة فعل خارج عن الحواس، هو فعل عقلي صرف وإن تدخل العقل الصانع في الفعل الإبداعي، يحدث بالنسبة إليّ ما يسمّى الاعتداء النووي أو الاعتداء المنوي.

عبد الحكيم الفقيه (شاعر وأكاديمي/اليمن): أسباب سياسية ودينية

أزعم أن لجوء الشعراء للتنقيح في نهاية التجربة أو عند وصول ذروتها حق مشروع كون الشاعر يريد أن يترك عملا أو أعمالا تخلو من مواطن العيب والهنة سواء شكليا أو محتوى.

إليوت بعظمته كان يقدم لأصدقائه مسوداته لتشذيبها إلى جانب التشذيب الذاتي. أودن من عظماء الشعر الإنكليزي بعد أن هجر شيوعيته وعاد إلى أحضان المسيحية شذب قصائده القديمة بما يتواكب مع توجهه الأيديولوجي الجديد. ماركيز كان يشذب رواياته بإشراك شخصياته الممثلة من الواقع بأخذ ناس يمثلون شخصياته المتخيلة ويراجعون معه مسودات رواياته.

ثمة شعراء ولأسباب سياسية ودينية لا ينقحون أعمالهم فحسب بل يصادرونها ويحرقونها تجنبا لمتاعب متوقعة. حتى المطربين يطورون في موسيقى أغانيهم القديمة وينزلون ألبومات مشذبة. هي ليست معيبة لكنها كما يبدو لي تصحح غلطة الاستعجال في النشر في بداية التجربة.

ديمة محمود (شاعرة/مصر): المحو هو فعل الكتابة الحقيقيّ

إنّ قدرة الكاتب على تطوير كتابته مرهونة بقدرته على امتلاك عينٍ ثالثة ورابعة لقراءة كتابته والتخلي عن أجزاء منها قلت أو كثرت، وليست العبرة في ذلك بالكمّ وإنمّا بالمحتوى الذي لا داعي له داخل النص أياً كان نوعه. الكاتب هو الأجدر بممارسة هذه الجراحة لنصوصه حفظاً لقيمة كتابته وقيمةِ وعي القراء الذين يرون النص بشكل بانورامي ويلمسون، نسبياً وعلى اختلافهم، الفجوات والترهّلات في النص. لقد تخليت تماماً عن فكرة الوالديّة وسلطتها في التملّك والاحتكار وأن النصوص أو الكتب هي أبناء للكاتب، فما أكتبه من نصوص شعرية يمكنني تغيير رأيي في صلاحيته وإعادة تشذيبه بالحذف أو الاستبدال. وفي ديوانيّ المنشورين لا أزال أحذف بعض الكلمات أو الجمل إذا قرأت بعض النصوص ولو كتب لي إعادة الطبع فسأقوم فعلياً بتعديل بعض النصوص على هذا الأساس، وطبعاً هذا يتجلى أكثر في الديوان الأول أما بالنسبة للديوان الثاني فهناك كلمة في نص وجملة في نص آخر أفضل حذفهما. وأحبّ أن أكون موضوعية تماماً فأقول بالطبع أنا الآن لست ذات الشخص الذي كتب النصوص السابقة ولذلك وخاصة بالنسبة لديواني الأول لديّ نصوص لو قُدّر لي إعادة الطبع يمكنني حذفها تماماً بدون أسف. الأسف الحقيقيّ هو أن يتمسك الكاتب بما لا داعي له أو بما يحمل الخلل الفني أو المعرفي الذي يضعف النص أو الكتاب. إنّني أرى في التخلّي عما يشوب الكتابة نضجاً حقيقيّاً وشجاعةً على الكاتب أن يمتلكها لأنه هو الأجدر باستعمال المشرط بمهارة وذكاء لإخراج نصّه بما يليق بذائقة الأدب والمعرفة وانتمائه إليهما. الشاعر الحقيقي عليه أن يكون الناقد الأول والألف أيضاً لنصّه بمعنى لا كتابة كبيرة على إعادة النظر والتعديل، وحتّى بالنسبة للنّصوص حديثة الكتابة فإن مباعدة العهد بها فرصة ممتازة لإخراجها في أحسن صورة وإعادة تقييمها من قبل الكاتب أولاً قبل نشرها. وبالنسبة للنّص الشعريّ فإن كلّ كلمة أو جملة زائدة أو غير مناسبة هي بمثابة نسيج هلامي يضعف النص. ورغم أن ملكيّة النص المنشور ورقياً تنتقل للقراء فإن هذا لا يتناقض مع إمكانية التغيير وحتى التراجع عن نصوص بعينها في طبعات جديدة لأن النصوص في النهاية تعبر عن رأي ومزاج كاتبها كما أنها ابنة زمانها، بمعنى أنه فليكن أنها عرفت وتمّ تداولها، ولكن حالياً كاتبها غيّر رأيه بها وأعاد تقييمها.

وفي الواقع فإن فكرة المراجعة والتمحيص والتشذيب لا تتوقف عند الشعر، بل تشمل كل أشكال الكتابة شرط أن لا تتخذ نهجاً عبثياً يمسّ المعلومات التي تحتويها المادة المكتوبة. ومن الطبيعي أن يكون النصيب الأكبر للتشذيب والمراجعة والمحو لصالح البدايات حيث الكتابة الغضّة الفطريّة المنطلقة على رسلها بلا خبرة ولا انتباه خاصةً في الكتابات الأدبية. وحتى نكون موضوعيين فإنّني لا أزعم أن تنقيح وتشذيب النص ينبغي أن يكونا هما السائد المطلق لكن هناك فارقٌ جوهريٌّ في النتاج الأدبي المنقح والمعاد النظر به، وقد يقول البعض إن هذا قد ينقص من عفويته أو صدقه التي يصدر به تلقائيا في المرّة الأولى لكنني أعتقد أنّ ثمة حدّاً فاصلاً بين هذا وذاك وثمّة (عصا) تُمسَك من المنتصف فلا نجنح وننجح في المواءمة بين الجودة والقيمة، وإذا كان همنغواي يدعو لإزالة الممكن قدر المستطاع من جبل الجليد المغمور تحت الماء ليصبح أكثر ثباتاً فإنّني مع نضح المزيد من الماء بالتوازي. ربّما يعترض البعض على التنقيح بحجة المساس بأسلوب الكتابة لكنني أعتقد أن التمرّس والاحتراف قادران على هذه المعادلة بذكاء. أي أنّ مهمّة تشذيب النص هي مهارة وقدرة معنوية وعملية تضاف لحساب الكاتب. إن دور هذا التغيير في نقض أو تغيير الدراسات المرتبطة بهذه النصوص لا يطعن بتاتاً في تلك الدراسات ويعتمد على مدى التغيير الحاصل في هذه النصوص. وإذا كان عزرا باوند قد قلّص قصيدته (في محطة مترو) إلى بيتين خلال ستة شهور فما المشكلة إذا أخذنا الأمر لا على نحو الوسواس أو الهاجس بقدر ما هو تجويد واحترام للمتلقي. وببساطة فالكاتب الذي يقرأ كتابته أيّاً كان تصنيفها بعد زمنٍ من الخبرة هو بذاته كإنسان وككاتب وخبير في مجاله لم يعد ذات الشخص الذي كتب مادّته من قبل، لقد تطوّر وتغيّر بحكم الممارسة والخبرة فما المانع بأن يزيل أو يستبدل كلمةً أو جملة من نص أو يعيد النظر في فكرة أو ترجمة أو صياغة جملة. وببساطة لا كتابة بلا محو، بل إن المحو هو فعل الكتابة الحقيقيّ.

ضفة ثالثة

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق