الناس

وشاية المقهور/ مصلح مصلح


في كتابه “سيكولوجيا الإنسان المقهور”، يقدم مصطفى حجازي قراءة نفسية عميقة لسلوك الشخص المقهور، أي العاجز، الذي وجد نفسه محكومًا بسلطة مستبدة غاشمة لا تستسيغ أي علاقة مع محكوميها سوى علاقة السيد بالعبد، تلك العلاقة التي لا تمكنها من هدر مقهوريها فحسب، بل ترويضهم للقيام بأحط الأفعال البشرية شناعة كدفع المقهور للوشاية بأقرب المقربين له عند مجرد تأففهم من ظلمها لهم، دون أن يخالجه أي شعور بالخزي والعار لسلوكه المدمر لعلاقات التضامن الاجتماعي، لاعتقاده العميق بأن خدمته المشينة لرجال السلطة قد تجعله واحدًا منهم، فيما يظل يغيب عن باله أن وضعيته كخادم وضيع للسلطة لا يمكن لها أن تتجاوز وضعية كلب شيخ القبيلة، الذي يستمد قيمته من قيمة وجاه صاحبه الذي لا يفتأ يذكره بوضعيته ككلب، لا شأن له ولا قيمة سوى مهمة السهرعلى راحة وأمان سيده.

إن إحساس السلطة الغاشمة “المخابرات” بفائض قوتها جعلها لا تقيم أي وزن أو قيمة لمقهوريها، التي تحرص على تصديرهم لنا على شاشة تلفزيونها الوطني ككائنات منزوعة الكرامة والضمير لا تتورع عن خيانة أقرب المقربين لها من أجل الحصول على بعض المغانم، “سيارة” مثلا، كما في المسلسل الكوميدي “بقعة ضوء” الذي أدى فيه عبد المنعم عمايري دور المخبر الدنيء، الذي لا يتورع عن الوشاية بأي فرد من أفراد عائلته مقابل نيل رضا مسؤوليه عنه، يدفعه للقيام بتلك المهمة الشنيعة رغبته العميقة بأن يصير صاحب سلطة عله يمتلك القدرة الكافية للتحكم في حيوات الناس الذين يعيشون في محيط  وسطه الاجتماعي بقصد إذلالهم وابتزازهم.

في أحد التقارير الذي تم العثور عليه من قبل الثوار السوريين، مع مجموعة ضخمة من الوثائق الأمنية في أحد الفروع الأمنية في منطقة الشمال السوري، تقع عينا المرء على اتهام كيدي مقدم من إحدى الخالات ضد أختها وأولادها وزوجها، تتهم فيه الزوج  باستخدام بيته كقاعدة لجبهة النصرة رغم أن الرجل علماني، كما تتهم فيه الأولاد بصنع المتفجرات لصالح الميليشيات الإرهابية رغم أن الأولاد ما زالوا في سن الطفولة، فيما وجهت لأختها الجامعية تهمة المشاركة بإدارة مطبخ ميداني، وما كل ذلك إلا لتصفية حسابها معهم أثر خلاف على قطعة أرض تعود ملكيتها إلى المشاع. المتمعن في بنية النص اللغوية يخرج بانطباع بأن كاتبة التقرير لا يمكن لها إلا أن تكون موظفة لها باع كبير في السلك الحكومي، وذلك لقدرتها المدهشة على استخدام الفاصلة المنقوطة، التي تضبط الأوامر والطلبات على نحو واضح لا لَبْس فيه، الأمر الذي يرجح عضويتها الدائمة في عضوية لجان الشراء المتخصصة بتحصيل الرشى والأتاوات.

في استعانة الناس بالمخابرات بدلًا من استعانتهم بالمحاكم المدنية، ربما لعدم ثقتهم فيها، نعثر على كم الخراب النفسي الذي أحدثته السلطة الأسدية في نفوس مقهوريها، تلك السلطة التي نجحت بعد سنين من القمع الممنهج من إعادة تشكيل صورتهم الإنسانية على شكل مطابق لصورتها المتوحشة، إلى درجة أصبحوا يجدون فيها قوة سحرية فاعلة لتحويل أحقادهم الصغيرة إلى وقائع من لحم ودم، الأمر الذي يدعو المرء إلى رثاء الحالة البيهيمية التي انحدر إليها هؤلاء، مع إصرار عنيد من قبلهم على عدم الرغبة بمعاينة الوحل الأخلاقي الذي يغوصون فيه.

الترا صوت

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى