مقالات

وداعا “حاتم علي” رحيل مبكر -مقالات تناولت الحدث الأليم-

 

 

 

 المخرج السوري حاتم علي… رحيل مبكر

آخر ما نتوقّعه في دفتر الكارثة السورية، خبر رحيل حاتم علي في هذا التوقيت المبكّر. ليست شائعة هذه المرّة، فقد عاجل موقع ويكيبيديا على إغلاق القوس على تاريخ الغياب (1962- 2020). صدمة الثلاثاء السوري المرّ لا تشبه سواها لجهة الشجن والفجيعة والطعنة المباغتة.

——————————

رحيل حاتم علي.. رحلة إبداع الدراما السورية انتهت بأزمة قلبية

لمياء رأفت

أعلن بالعاصمة المصرية القاهرة قبل قليل عن وفاة المخرج السوري حاتم علي رائد الدراما السورية التاريخية عن عمر ناهز 58 عاما، بعد تعرضه لأزمة قلبية خلال وجوده في مصر.

فجيعة الوسط الفني

ونعى المخرج الراحل فنانون ومخرجون سوريون ومصريون على مواقع التواصل الاجتماعي، معبرين عن صدمتهم لهذا الرحيل المفاجئ.

وكتب السيناريست المصري عبد الرحيم كمال على حسابه الرسمي بموقع فيسبوك “لا حول ولا قوة إلا بالله.. وداعا صديقي وحبيبي الأستاذ حاتم علي المخرج الكبير المهذب الراقي.. في أمان الله ورحمته.. والله ربنا يُقبل عليك بفضله ورضاه”، وقد عمل كلاهما معا بالمسلسل المصري “أهو ده اللي صار” الذي حقق نجاحًا كبيرًا لدى المشاهدين.

وكتب المخرج السوري مأمون البني على صفحته في فيسبوك “وداعاً.. كنت أخاف من نهاية هذا العام المخزي، أبت هذه السنة إلا أن تحصد زملاء وأصدقاء.. أبكي عليك يا حاتم”.

كما عبر المخرج السوري الليث حجو عن صدمته قائلا “الأستاذ والصديق والشريك حاتم علي لروحك السلام. خالص العزاء لعائلتك ولكل أحبتك في هذا العالم ولنا الصبر على هذا الفراق الأليم”.

كما نعاه الشاعر والإعلامي اللبناني زاهي وهبي عبر حسابه على تويتر، مؤكدًا أنه ترك توقيعه على الشاشة وذاكرة المشاهدين بقدرته على مزج المتعة بالمعرفة والفائدة بالتسلية بشكل حرفي وسهل وممتنع.

الممثل السعودي ناصر القصبي أعلن حزنه على الفقيد مع الدعاء له، وتذكر أعماله المحفورة بوجدان الشعب العربي.

طفولة حزينة

عاش علي طفولة حزينة، فهو من مواليد الجولان السوري المحتل، ونزح مع عائلته من المنطقة وسكن أطراف مخيم اليرموك حيث عانى من شظف العيش والصعوبات المادية والاجتماعية في طفولته، وقد عبر عن هذه المرحلة الكاتب “فجر يعقوب” في كتابه “الاستبداد المفرح” الذي شمل حوارات مع الراحل عبر 4 سنوات، وقد تقدم بطلب للهجرة في كندا وتمت الموافقة عليه.

ورغم نجاحاته الكبيرة فقد تم فصله من نقابة الفنانين بسوريا مع أكثر من 150 مبدعا آخر تحت ذريعة عدم تسديد الرسوم المترتبة عليهم.

رائد الدراما

علي لم يكن فقط مخرجًا موهوبًا ومن أهم المخرجين العرب في العقود الثلاثة الأخيرة، فقد كان كذلك ممثلا وكاتبا مسرحيا وقاصا، وقد تخرج في المعهد العالي للفنون المسرحية بدمشق عام 1986.

وبدأ مشواره بالتمثيل في مسلسل “دائرة النار” عام 1988، ثم قدم عدة أدوار متنوعة من التاريخية إلى البدوية، وأنماطًا مختلفة، وشارك مع الفنان ياسر العظمة في العديد من لوحاته الكوميدية في مسلسل المرايا.

انتقل بعدها إلى ما وراء الكاميرا منذ منتصف تسعينيات القرن الماضي، وتحديدا عام 1995 بمسلسل “فارس في المدينة”. وعلى مر الأعوام قدم أنواعًا متعددة من المسلسلات التلفزيونية، ولكن ما خلده وكتب اسمه بأحرف من نور في تاريخ الدراما العربية هو المسلسلات السورية التاريخية.

وقدم عدة أعمال شهيرة، وما زالت تشاهد حتى اليوم، منها عن القائد العظيم “صلاح الدين الأيوبي” وكذلك “صقر قريش، ربيع قرطبة، ملوك الطوائف” وهي ثلاثية خلدت التاريخ العربي بالأندلس، وشارك فيها مجموعة من أهم نجوم المسلسلات التلفزيونية مثل تيم حسن وأيمن زيدان ونسرين طافش وجمال سليمان.

ولعل المسلسل الأبرز الذي انحفر بوجدان المشاهد العربي هو “التغريبة الفلسطينية” الذي يعد عملا ملحميا أنجزه مع الكاتب المرموق وليد سيف، والذي أرخ فيه لأجيال الفلسطينيين خلال القرن العشرين، وخصوصا الجهاد بالثلاثينيات ثم النكبة والنكسة ورحلة الشتات واللجوء الفلسطيني.

وظل علي على دأبه في تقديم كل جديد، فمنذ بداية الألفية الجديدة انتقل إلى نوع تلفزيوني آخر هو السيرة الذاتية، بتقديمه مسلسل “الملك فاروق” من بطولة تيم حسن، والذي حقق شعبية كبيرة لكل من أبطاله ومخرجه، ثم قدم “عمر” عام 2012 وهو من أكثر المسلسلات إثارة للجدل.

وفي العقد الثاني من الألفية الثالثة بدأ تقديم مسلسلات اجتماعية ورومانسية مع نجوم كبار انتشرت بشكل كبير مثل “حجر جهنم” من بطولة كند علوش وإياد نصار وشيرين رضا، و”أهو ده اللي صار” من بطولة أحمد داود وروبي، والذي يعرض حاليًا على منصة نتفليكس الرقمية ويتصدر قائمة الأعلى مشاهدة في مصر والعالم العربي، ليختم بذلك أعماله التلفزيونية وهو متربع على عرش الدراما العربية سواء على شاشات التلفزيون أو عالم المنصات الإلكترونية.

وخلال هذه المسيرة الطويلة حصد علي العديد من الجوائز تقديرا لمجهوداته وإضافاته الفنية، مثل ذهبية مهرجان القاهرة للإعلام العربي لأفضل مسلسل عن عمله “الملك فاروق” (2007) وأفضل مخرج عن المسلسل نفسه.

كما حاز المخرج الراحل على تنويه خاص عن فيلمه “الليل الطويل” من مهرجان روتردام للفيلم العربي عام 2009.

المصدر : الجزيرة + وكالات

——————————

ساعة “الساعاتي” حاتم علي تتعطّل: “لم يمت الإنسان ما حييَ الذكرُ”/ رامي الأمين

كان المخرج السوري منهمكاً طوال الوقت في محاولة إصلاح الزمن عبر أعماله. وهو ما عكسته اختياراته …

كان حاتم علي مولعاً بالزمن.

في مسلسل من اخراجه وكتابة زوجته دلع الرحبي وبطولة منى واصف وسلاف فواخرجي وجمال سليمان ومن انتاج العام 2005، حمل عنوان قصيدة ابو فراس الحمداني التي غنتها أم كلثوم “عصيّ الدمع”، يلعب دور قاضٍ يترك القضاء في نهاية المسلسل ليعمل في تصليح الساعات المعطّلة، بعدما يكتشف استحالة اصلاح النظام القضائي السوري المتوقفة ساعته “منذ بدايات القرن الماضي” كما يقول لصديقه المحامي في الحلقة الأخيرة.

المسلسل فيه تشريح عميق للمجتمع السوري في حبكة درامية تجمع بين زمنين عبر الموسيقى الكلاسيكية الغربية والموسيقى الشرقية المتمثّلة بأعمال أم كلثوم. دور “الساعاتي” الذي لعبه حاتم علي في المسلسل هو دوره فعلياً في الحياة. كان المخرج السوري منهمكاً طوال الوقت في محاولة إصلاح الزمن عبر أعماله. وهو ما عكسته اختياراته للسير التاريخية التي قدمها، خصوصاً في أعمال مثل “عمر” الذي تناول سيرة الخليفة عمر بن الخطاب، أو “صلاح الدين الأيوبي”، أو “الملك فاروق” الذي أثبت مقدرة كبيرة لدى حاتم علي في “غزو” الدراما المصرية والتربّع على “عرشها”، أو “التغريبة الفلسطينية” التي تحاول سرد تفاصيل المعاناة الفلسطينية منذ الانتداب البريطاني وصولاً إلى الاحتلال الإسرائيلي، او ثلاثية الأندلس (“صقر قريش”، “ربيع قرطبة” و”ملوك الطوائف”) التي تروي حكاية العرب مع الاندلس من الفتوحات وحتى سقوط غرناطة (كتابة وليد سيف)، أو “الزير سالم” (كتابة ممدوح عدوان) الذي يحكي قصة حرب البسوس عبر شخصية الشاعر الجاهلي عدي بن ربيعة، كلها أعمال بطلها الزمن، و”الساعاتي” حاتم علي يحاول تحريك عقاربه في محاولة الفهم والإفهام عبر الكاميرا التي تضبط الزمن متلبّساً في مكانه الأصلي وتعطيه أبعاده الضرورية لتفسيره ووضعه في سياقاته. 

توقّفت ساعة قلبه فجأة عن العمل، بعدما اتعبته محاولات إصلاح الزمن، بلا جدوى.

هذا الإشتغال بالزمن التاريخي، ترافق مع لعب مع الزمن الحاضر عبر الأعمال الدرامية التي تناولت المجتمع السوري وتناقضاته من “الفصول الأربعة” إلى “الغفران” و”أحلام كبيرة” و”قلم حمرة” الذي يحكي تأثير الثورة السورية والفترة التي سبقتها وتلتها على الطبقة الوسطى السورية، واضطر علي إلى تصوير المسلسل كله في بيروت ونجح في إظهارها مطابقة للعاصمة دمشق، وعرض المسلسل في رمضان العام 2014 على شاشة الأم بي سي. في هذه الأعمال التي يحضر فيها الهمّ السوري المجتمعي، يبدو الزمن كساعة رملية، يقلبها حاتم علي للمحافظة على حركة الرمال في قمقم الوقت، مع نجاحه في منعها من الإفلات من بين أصابعه. حتى عندما يغيب السياق التاريخي، بمعناه التقليدي، يحضر التوثيق بأبعاده المجتمعية، مع ما يحمله ذلك من رسائل مبطنة وذكية يضمّنها في المشاهد والحوارات واللقطات اللماّحة والموهوبة التي تقول الكثير بوقت قصير وتصفع المشاهد لإيقاظه من رتابة الحياة إلى صدمة الدراما.

هكذا مثلاً يدخل خالد تاجا في مشهد متكرر في “عصي الدمع” يومياً إلى قصر العدل ليسأل أحد المحامين: “سؤال لو سمحت يا أستاذ؟ نحنا هون وين؟”، وحين يجيبه “نحنا هون بقصر العدل”، يستدرك تاجا: “قصر شو؟”، ليرد المحامي بثقة: “العدل”. فينفجر تاجا من الضحك.

هل هناك مشهد اكثر تعبيراً عن غياب العدالة في سوريا من مشهد بسيط وذكي كهذا؟

لماذا كثرة الإستشهاد بـ”عصيّ الدمع”؟ لأن هذا المسلسل لم يأخذ حقه تماماً من بين أعمال حاتم علي الأخرى، ولأن الشخصية التي يؤديها حاتم علي أمام الكاميرا تشبه شخصيته التي يعيش فيها وراء الكاميرا كمخرج، ولأن عنوانه يعبّر تماماً عن حال كثيرين من محبّي حاتم علي الذين غصّوا بدموعهم مع سماع خبر وفاته بأزمة قلبية قبل يومين من نهاية هذا العام المشؤوم.

في قصيدة ابو فراس الحمداني بيت غنته أم كلثوم يقول: “اذا الليل أضواني بسطتُ يد الهوى/ وأذللت دمعاً من خلائقه الكبر”. وهذه حال كثيرين سيجدون دمعهم يخونهم حينما يقعون على مشاهد من إخراج “الساعاتي” الذي توقّفت ساعة قلبه فجأة عن العمل، بعدما اتعبته محاولات إصلاح الزمن، بلا جدوى. لكن العزاء يبقى في بيت شعري آخر من قصيدة “عصي الدمع”: “هو الموتُ فاختر ما علا لك ذكره/ فلم يمت الإنسان ما حييَ الذكرُ”.

درج

——————————–

 

 

 

حاتم علي بين عِلم الصورة المقارَنة.. والتغريبة السورية/ علي سفر

ظل النقاش حول منجز المخرج الراحل حاتم علي، حاراً لفترة طويلة، وربما كان للثورات العربية دور كبير في جعله يذوي. قد يعود الأمر إلى أن المنجز الرئيسي لحاتم، اقترب كثيراً، ومن ناحية الخطاب في أهم أعماله، من أسئلة كبرى، لم يكن لدى المشاهد السوري أو حتى العربي، القدرة على نقاشها بعمومية، كأسئلة الهزيمة والتاريخ، والحاضر بما يحتويه من نكوصات وانكسارات للفرد. لكن رافعات جبارة كالثورات، كانت قادرة على إزاحة كل شيء -وليس فقط التجربة الفنية- إلى الخلف، ووضع المواطن مع تجربته الراهنة أمام الأسئلة ذاتها.

غير أن الفجيعة العامة التي أحدثها موت حاتم المفاجئ، صباح الثلاثاء، حملت للمتابعين المفارقة في أن الأسئلة التي بحث مواطنو بلدان الثورات، ونظراؤهم العرب عموماً، عن أجوبتها، ثم انكفأوا عنها، قفزت إلى الواجهة مجدداً فتماهت في الحديث عن الرجل وتجربته والقضايا التي حملتها أعماله.

وقد كان لافتاً توافق جميع من يقفون خلف المتاريس المتقابلة في الصراع السوري، على رثاء الرجل. فبينما رأى جمهور المعارضة أن الرجل وقف في صف الثورة بعدما ترك البلاد وفُصل من نقابة الفنانين، وجرى الهمس كثيراً عن مواقف له غير علنية تؤيدها… اكتفى جمهور مؤيدي النظام بملاحظة تجنبه “إشهار مواقف سياسية حادة”، بحسب تعبير صديقه الصحافي عدنان علي، وأيضاً عدم اشتغال حاتم مع أي مؤسسة أو هيئة معارضة في الخارج، ليعتبره مستحقاً للتعاطف والرثاء.

الأسباب الخاصة لكل طرف، في جعل الرجل أيقونة مناسبة لأحزانه، لم تمنع البعض القليل من البحث، في محاولة إيجاد جذر عام، يفسر ما يجري، ويشمل الكل، مروراً بتقييم لتجربة حاتم علي، حيث برزت أسئلة حول قيمتها الفنية وسط محيط “متواضع”. الرأي المحمول على بساط الأسئلة، وعلى ما يحتوي من تضاد مع التيار السائد لحظياً، يقفز بقوة ليضع أمام الجمهور سؤال المعيارية الفنية الدرامية، بالتوازي مع التفكير في الأسباب الموجبة التي وضعت المخرج الراحل في موضع التقدير من قبل الجميع.

العودة للتفكير في أعمال حاتم، أمر مهم جداً، طالما أن هناك عتبة تفرق بين مرحلتين في حياة الجمهور، وليس في حياته هو. لقد سعى الرجل إلى تقديم أعمال محمولة على خطاب ثقيل، مسّت الجمهور في وقت ما، وضمن توافق مع الجهات المنتجة. لكن هذا الجمهور لم يعد كما كان، بعدما غمرته الثورات برياحها الساخنة. فهو يعتز بلحظات تأثره السابقة، ويطلب من صانعها أو صنّاعها، وهم كثر، أن يتبعوه في مشاعره وتحولاته، ليقدموا له ما يناسبه، ولهذا سيحاول تقييم الجميع من هذه الزاوية، فيمنح ذاك وسامه، ويرمي الصامتين عن آلامه بالاتهامات، فيسقط تجاربهم، وهو بالتأكيد لن يتقبل أولئك الذين انحازوا إلى الأنظمة ضده.

وفي حالة حاتم علي، ورغم أن السؤال عن موقفه من الثورة قد حضر بشكل فعلي على صفحات التواصل الاجتماعي، إلا أن الثقة في أعماله، التي غازلت الجمهور في وقت ما، وكذلك الثقة في الجحافل الثقافية والفنية التي نعته، غطتا على كل شيء آخر، بما في ذلك التقييم الفني للأعمال التي قدمها لأسباب تجارية، ولم تكن ذات قيمة مهمة، لا سيما منها عمله “أوركيديا” (2017).

أبطال ليسوا خَدَماً في معابة آلهة متعددة

لا نستطيع كمشاهدين عاديين تقدير المنجز البصري لحاتم علي، طالما أننا نتماهى معه كسارد بصري للنص الحكائي، والذي تقترحه أقلام كتّاب السيناريوهات التي عمل عليها، فنحن هنا نعيش متعة البحث عن النجاة لأبطال هذه الحكايات، الذين يعيشون مصائرهم بسلاسة ويسر، رغم أن حقيقة الحكاية تقول بأن هؤلاء هم أبطال تراجيديون، وليسوا خدماً في معابد منذورةٍ لآلهة متعددة.

سر الاسترسال في المصائر، قد يعود إلى عناصر تنبع من الحكاية بوصفها عملاً منجزاً في عمق التفكير والإرث العربي (الزير سالم)، وقد تنبع من إعادة رواية التاريخ الموصوف، في كتب التاريخ المدرسية (ثلاثية الأندلس)، لكن لكل حكاية نتوءاتها وحوافها القاسية، إذ ثمة دائماً زاوية ما أو مربع خطر في قراءة التاريخ، قد يفتح على رواته نوافذ لا يريدون فتحها (مشهد مقتل الزير سالم مثالاً)، ما يستدعي البحث عن حلول لا تخدش ذاكرة الحكاية، ولا تغفل الاجتهاد السردي حقه.

هنا تأتي الصورة التي يقدمها حاتم علي، لتعيد رصف التفاصيل في شكل سردٍ بصري يليق بالحكاية وبأبطالها، ويليق بالمشاهد الذي لن يقدر منجز المخرج هنا، ليس لأنه لم يلتقط براعته في تحريك كاميراته، بل لأنه غرق إلى أقصى درجة في الاسترسال غير الواعي الذي يتملّكه، وهو يتابع حكايةً جميلةً يحبها، ويريد أن يرى كيف تصور صنّاع العمل تفاصيلها.

أما المشاهد الراغب في مشاكسة ذاكرته، وتاريخ الدراما السورية كذاكرة بصرية، فلا بد سيدرك حجم المنجز البصري لحاتم، حين يقرر وبشكلٍ واعٍ، استعادة عشرات ومئات الساعات الدرامية، التي عالجت القضايا التاريخية والتراثية، أنجزت خلال الأعوام الأربعين الماضية، ليضعها أمام عدد من المسلسلات التي أخرجها حاتم ويجري المقارنة.

وهنا لا بد لنا من الإشارة إلى ضرورة خلق فسحة ما، مدروسة ومقصودة، تقود المشاهد إلى إدراك معادلات المقارنة.

فكما أنجزت البحوث الأكاديمية علم الأدب المقارن، لا بد سيقودنا التعامل مع المنجز البصري للسينما وللدراما إلى علم الصورة المقارنة أيضاً!

ومن هذه الفسحة، نستطيع أن نحدد مشاكل الأعمال الدرامية التاريخية بشكل عام، وكما تم إنجازها سابقاً، بالقول إنها أولاً دراما أحادية الجانب، رغم كونها مبنية وفق بنائية الصراع الدرامي، فهي تذهب إلى تقديم خطابها بفجاجة، ولا تنحو إلى تسريبه ضمن حزمة المتعة التي يجب توافرها في العمل قبل أي شيء، كي يكون عملاً درامياً جماهيرياً! وهي دراما الصورة الكسولة ثانياً، حيث سيطر مثلث الكاميرات الذهبي (اللقطات؛ قريبة+قريبة+عامة)، وبتنويعاته المحدودة المختلفة، على مجمل عمل المخرجين، ما جعل عملهم الإبداعي أشبه بحامل للحوار الدرامي، من دون أن نلحظ تناغماً بين السيناريو وبين الإخراج، حتى أن الجمهور الذي لم يستسغ تكرار هذا المنحى في الأعمال التاريخية، لم يجد لها وصفاً أبلغ من كونها مجرد حصة مدرسية مملة.

لقد بدأ حاتم علي عمله في الدراما التاريخية، أو لنقل دراما الحكايات التاريخية، من زاوية مختلفة عمن سبقه، حيث أن عمله الأول “الزير سالم”، الذي كتبه الراحل ممدوح عدوان، كان عملاً إشكالياً، من زاوية كونه يعيد بناء السيرة الشعبية المعروفة لدى الناس، بطريقة مختلفة عما يعرفونه، وعبر شكلٍ خلق، في صلب السيرة، مساراتٍ وممراتٍ درامية مختلفة.

وأظن أن عمل حاتم علي على هذا النص، بدأ -كأي مخرج- من زاوية الإمساك بخطوط الشخصيات في العمل، وبما يمكنه من بناء صورة تتعاطى مع الحوار وسردية الحكاية. لكن المختلف في عمله هو سعيه لبناء المشهد بطريقة تفاعلية، لا بطريقة النقل التقليدي. فالكاميرا في مسلسل “الزير سالم” تتحرك من دون كلل أو ملل، وقد ترك لشخصياته مساحاتٍ مكنتهم من اللعب بشكل جيد على تفاصيلهم ومقترحاتهم، ولعل أبرز ملمس يمكننا الإشارة إليه في هذا المسلسل، هو قدرة المخرج على ضبط الإيقاع المشهدي، وضبطه بالتالي في عملية السرد البصري، مما ولد في النهاية عملاً درامياً، لا يمكن فصل عناصره عن بعضها البعض أو تفكيكها لدى المشاهد، الذي أحب هذا المنجز وتابعه بشكل كثيفٍ، قلما رأيناه في أعمال درامية تاريخية أخرى. ويحسب لحاتم أنه استغل الفضاء الحر المتخيل، لعوالم البيئة القبلية العربية، فمضى فيها، بسلاسة، مركزاً كل جهده على ممثليه.

ورغم أن عمل الكاتب، وليد سيف، نصياً، على الحقبة الأندلسية الغنية، لا يقل شأناً عن عمل “الزير سالم”، إلا أن ثلاثية الأندلس (صقر قريش – ربيع قرطبة – ملوك الطوائف)، وبما امتازت به من ضخامة إنتاجية، قدمت أسلوباً آخر لعمل المخرج على حكاياته. فهنا بدا العمل مشدوداً أكثر لتاريخيته، التي استدعت التصاقاً أكبر بالتفاصيل المكتسية بالزمن “الفردوسي”، وبدلاً من حرية الذهن المحرك للصورة، بتنا هنا نرى كيف أمكن للمخرج، أن يعزز التصور النصي حول الحقبة التاريخية. وهو ما استدعى قراءات متعددة لهذه الأسلوبية. فمن رأي يقول بأن أسلوب عمل حاتم هنا قد اتسم بالمدرسية، إلى رأي مضاد قال بأن رسوخ التجربة وقراءة التاريخ بشكل دقيق، جعلا التجربة أكثر نضوجاً وتماسكاً، وأحسب أن أصحاب هذا الرأي لم يجافوا الحقيقة في ما ذهبوا إليه، رغم أنهم يشيرون وبشكل ضمني إلى خلل ما أصاب التركيبة البصرية لعمل “الزير سالم”.

وهنا، وبعيداً من الرأي الأول الذي أراه غير دقيق، طالما أننا نتحدث عن تجربة تنطلق في البحث الذهني لتجعل منه منطلقاً للشطح الإبداعي الذي يخلق صورته التلفزيونية الجديدة، لا بد من التوقف ملياً عند الخيارات التي يقدمها التصور السائد عن الدراما التلفزيونية، وهي تقليدية، ولا تتجاوز التفكير في كسر القاعدة، وإعادة كسرها إلى ما لا نهاية. وقد لاحظنا أن عمل حاتم علي قد خرج على هذه المعادلة، حين تبنى البحث عن المعادل البصري لجوهر الحكاية التاريخية، وأظن جوهر أي حكاية. ففي مساحة خاصة بالملحمة الشعبية، كان لدى المخرج خياره، في أن يجعل من صورته المبتكرة مرادفاً للنص، لكنه آثر المضي في تصور بصري خاص، أعطى لكل شيءٍ ولكل تفصيلٍ حقه، وحافظ على لمسته في النهاية، وفي “ثلاثية الأندلس”، كان لا بد للعمل الإخراجي من السعي إلى بناء صورة معادلة للتصور النصي والحكائي، وفي هذا نرى ميزة مهمة تعزز ما نقوله، عن ضرورة وجود لنوعية المخرج الذي يمارس الاشتغال الذهني على مادته البصرية، ويقدم من خلال عمله بحثاً بصرياً مختلفاً، في حين كان استسهال المهنة قد أودى بعشرات الأعمال الدرامية الجيدة نصياً إلى سلة محذوفات الذاكرة.

وهنا أيضاً لا يمكن تجاهل أن النظرة إلى فنية العمل التاريخي، ومعطيات الواقع، لهذا نرى كيف مزج تاريخية مسلسله اللاحق “عمر” (2012)، مع نبض واقعي جعل الشخصيات المقدسة تظهر أمام الكاميرا، مستغلاً الحامل الواقعي الذي يحرض على المقاربات المختلفة.

تغريبتان

وقد حاكى رثاء حاتم علي، في إطاره العام الذي يقترب من السياسي الراهن، واحداً من أهم أعماله هو “التغريبة الفلسطينية”. فمقابل المأساة التي يحكي عنها هذا المسلسل، كانت المشاعر تنبض بمقاربة تغريبة السوريين الراهنة، فتعتبر المخرج الراحل ابناً لها. فهو نازح بالأصل من الجولان المحتل، وقد عاش كل مآسي البلاد وحروبها وهزائمها، وهجر سوريا بعد حرب النظام على الثائرين.

ولعل استدعاء “التغريبة الفلسطينية” في رثاء حاتم، ومقارنتها بالتغريبة السورية، يوجب عودة إلى منجزه فيها، غير أنه كان من الصعب على قراء الدراما، كفعل إبداعي مرتبط بالواقع، أن يدرجوا هذا المسلسل ضمن نسق الأعمال الدرامية التاريخية. إذ أن هذا المسلسل، الذي كتبه وليد سيف، بقي في تصور البعض عملاً راهناً ومعاصراً، بسبب موضوعه الحار والطازج والحاضر في حياتنا. ولعل الاجتهاد الذي بذل في صناعته، وخاصة من زاوية تجاوز النسق النمطي للأعمال التي أرّخت وعالجت القضية الفلسطينية، قد نقل هذا المسلسل من مفهوم الرواية (سيرة ملحمية بحسب مفهوم “التغريبة” المقارب لتغريبة بني هلال)، إلى مفهوم العمل الوثيقة. لقد شاهدنا في ملف القضية الفلسطينية، أعمالاً كثيرة تلجأ للوثيقة لتدمجها بالنسق الدرامي. لكننا في “التغريبة” نرى الدراما تصنع الوثيقة، لقد أدار حاتم ذاكرة حواسه كلها في صناعة المشهد، صنع بالكاميرا نصاً بصرياً مكتملاً يقف بالتقابل مع النصوص الأخرى الخاصة بالقضية الفلسطينية (روايةً وشعراً وقصةً وتشكيلاً)، وضمن هذا التصور تستحق “التغريبة” أن تكون منطلقاً أساسياً لرؤية الكيفية التي يمكن أن يُخاطَب الجمهور من خلالها، فهو لن يحتاج إلى الكتب كي يؤرخ ذاكرته، حين يراها على الشاشة أمامه مصاغةً بلغةٍ بصريةٍ بسيطةٍ لم تستعرض إمكاناتها وقدراتها الانتاجية.

لكن ثمة سؤالاً استدعاه الزميل إيلي عبدو في منشور له حول سوريا، مثل التفاصيل ضمن مرويات كبرى، بحسب تعبيره، حيث يهيمن الشق الإسلامي العربي الفلسطيني على الشق السوري في أعمال حاتم.

وهذا السؤال يستحق التوقف عنده، لسبب أساسي، هو ضرورة أن يتم تقييم الأعمال الدرامية وفق مستويات متعددة. أولها أنها أعمال فنية تجارية، تخضع لشروط السوق وعرضه وطلبه، ولا تبنى وفق نزوعات المخرج الأيديولوجية، وهو في حال كان صاحب رؤية، سيحاول أن يكسبها ما تحتاجه وفق تفكيره، وبما يغني خطابها، الذي يجب أن يقترب من خطابه، وإلا تحول هو إلى مجرد حِرَفي، يعمل بحسب الطلب. غير أن هذا لا يلغي أثراً كبيراً تحققه حرفية المخرج في صقل الخطاب بالتشارك مع كاتبه، وهذه الحرفية يمتد أثرها أبعد من حاجيات الفضائيات لأعمال تملأ بها ساعات بثها، فتخلق فضاءً عاماً، تصعد في دواخله نزعات الجمهور، فيرى أنها تمثله، وتحكي عنه.

وضمن هذا السياق، لا يمكن تجاهل أن الجهات التي موّلت إنتاج الأعمال السورية التي أخرجها حاتم، لم تكن طليعية، بل كانت مجرد منصات تجارية وسيطة، وهي ليست طليعية بما يكفي لأن تجعل من هذه الأعمال صورة للوجه البهي الذي يريده السوريون، لقد لامست بعض هواجسهم، لكنها بقيت أقل من طموحات جاءت الثورة لتشكل حاملاً لها.

فهل كان هناك أحد، أو لنقل جهة تريد جعل الدراما جزءاً من مشهد الثورة الراهنة؟! تبدو الإجابة بعيدة من التجارب التي حاولت فعل ذلك، وبعيدة من تجربة حاتم الذي كان مستغرقاً بمشاريع تناهبت جهده شرقاً وغرباً.

المدن

————————————

 

 

 

 

 

رحيل حاتم علي.. أرانا أنفسنا بوضوح

عاش حياته للفن الدرامي: راسم المدهون

عن ثمانية وخمسين عاما رحل أمس المخرج السوري الأهم في الدراما التلفزيونية حاتم علي إثر نوبة قلبية مفاجئة. حاتم علي جاء إلى الإخراج من رحلة بدأت مع دراسة أكاديمية في “المعهد العالي للفنون المسرحية” بدمشق، ثم العمل كمخرج مساعد مع المخرج هيثم حقي، قبل أن يمنحه حقي كمنتج فرصة إخراج “أمينة الصندوق”، تجربته الأولى التي نجحت وكشفت موهبته الكبرى.

في الدراما التلفزيونية السورية والعربية لمع حاتم علي بوصفه مبدعا حداثيا يهتم كثيرا بتحقيق دراما تلفزيونية تقع الصورة وجمالياتها في مركزها، هو الذي أخرج أعمالا درامية تناولت مضامين اجتماعية معاصرة، كما أعمالا تاريخية أشهرها “التغريبة الفلسطينية” وسلسلة مسلسلاته التي تناولت التاريخ العربي – الإسلامي والتي كتبها الدكتور وليد سيف، ومنها “صلاح الدين”، “صقر قريش”، “ربيع قرطبة” و”ملوك الطوائف”، والتي أعتقد أنها عالجت برؤى صائبة وعميقة موضوعة “الإسلام السياسي”، وقدمت قراءات حيوية لها خصوصا في عمله الهام والكبير “عمر” والذي عرض في عدد كبير من البلدان والشاشات وحقق نجاحات ومشاهدات كبرى.

في الذاكرة دائما “التغريبة الفلسطينية” والتي كتبها وليد سيف أيضا. في هذا المسلسل الملحمي حقق بنجاح فكرة تقديم “الرواية الفلسطينية” للصراع العربي – الإسرائيلي منذ البدايات الأولى لهذا الصراع، ونجح – خصوصا – في تحقيق معادلة فنية جميلة ومتوازنة بين ما هو تاريخي حدث في الواقع، وبين ما هو دراما متخيل، فأحاط بواقع الفلسطينيين كشعب سواء قبل نكبتهم الكبرى أو بعدها.

وفي “التغريبة” برع الراحل في التقاط حالة الصدق التعبيري خصوصا في تصوير مشاهد “الخروج الفلسطيني الكبير” من فلسطين والتي تعمد تصويرها بالأبيض والأسود فاعتقد كثر من المشاهدين أنها مشاهد وثائقية، وسنرى ذلك أيضا في مسلسله الهام والجميل “الزير سالم” الذي كتبه الشاعر الراحل ممدوح عدوان. وهنا أيضا قدم رؤية معاصرة وأكثر صوابا لما حدث من حروب طاحنة ودامية بين الأقارب، رؤية نعتقد أنها أكثر إنسانية من تلك الاستخلاصات التي أصبحت جزءًا من تلك السيرة الشعبية عند الناس.

واحد من أجمل مسلسلاته التي حققت شهرة ونجاحات كبرى “الفصول الأربعة” والذي تناول حياة عائلة سورية في مواقف وحالات مختلفة في قالب فني يمكن وصفه بأنه أدنى قليلا من الواقعية الاجتماعية، وأدنى قليلا من الكوميديا، وهو – ربما لهذا السبب – نجح في تحقيق معادلة الجماليات الفنية ومتعة المشاهدة على السواء، وهي الحالة التي تكررت بارتقاء فني أعلى في مسلسل “على طول الأيام” و”عصيّ الدمع” والمسلسلات التي حققها بعدهما.

تجربة حاتم علي الكبرى الثانية بعد “التغريبة” كانت مع مسلسل “عمر” والتي أعتقد أنه حقق فيها حضوره الأجمل كمخرج تشغله موضوعة الحداثة بالقدر نفسه الذي تشغله فيه غاية التعبير عن الواقع. في “عمر” برع علي في تقديم رؤى بانورامية تنهض على قراءة عميقة للتاريخ الإسلامي وتلتزم الموضوعية وعمل في الوقت ذاته على استخدام تقنيات تصوير عالية الدقة وذات مواصفات واستخدامات عالمية. الأمر يتعلق أيضا بإمكانات المخرج الراحل على إدارة ممثليه، خصوصا في المسلسلات التي تستدعي وجود مجاميع كبرى من الكومبارس في مشاهد المعارك الحربية وما يشابهها من وقائع وأحداث كبرى.

هنا أيضا لا بد من الإشارة إلى دقة اهتمامه بالمفردات الفنية كلها وبالذات الديكور خصوصا في اعتماده على مهندس الديكور الشهير والمتميز ناصر جليلي، فـ”المكان” في دراما المخرج الراحل كان جزءًا أساسيا من النص ومنه ومعه تتحقق صدقية العمل كله.

https://www.youtube.com/watch?v=AGAs4XMsHuE&feature=emb_logo

شهرة حاتم علي ونجاح أعماله على الفضائيات العربية أوصلته إلى تحقيق دراما خارج سورية، ونتذكر هنا مسلسله “الملك فاروق” الذي أنجزه في القاهرة، وحقق نجاحا وانتشارا واسعا.

لا يغيب من البال حضور حاتم علي كممثل عمل طويلا وكثيرا في مسلسلات زملائه المخرجين، بل وفي مسلسلاته هو أيضا، ونتذكر بشغف هنا دوره وأداءه المتميز في “التغريبة”.

بغياب حاتم علي تفقد الساحة الفنية واحدا من أبرز وألمع مخرجيها خصوصا وأنه عاش حياته للفن الدرامي خصوصا، وخاض تجربة السينما بحساسية إخراجية حملت الكثير والعميق من الرهافة والعذوبة، فقد تميزت أعماله الفنية بالحب والتماهي مع كل ما قدمه فنجح في الدخول إلى قلوب مشاهديه من مختلف الأعمار والفئات الاجتماعية على نحو يجعلنا نحس أكثر بفداحة غيابه.

*****

فهم الفقد مثلما فهم الحياة: ميسون شقير

هناك في المسافة بيننا وبين أنفسنا، في تلك المسافة العصية على القياس، وعلى الفهم، هناك يخترق الفن ذاك النفق الذي يتوسط هذه المسافة، ويشع فيه كأنه نيزك، وفجأة يجعلنا هذا الفن نرى أنفسنا بوضوح لم نكن نريده، أو ربما كنا نهرب منه، فنحن نخاف أن نعرف ذواتنا وأن نراها عارية بكل ما فيها من تناقضات ومنحدرات وقمم ووديان تشكلنا، وتعيد تشكلينا من جديد، كل يوم.

ومن الغرابة فعلا أننا ننجذب جدا لهذا الضوء حتى ولو جعلنا نبكي كما لم نبك من قبل، حتى ولو جعلنا نعترف بما كان يجب أن ننجزه، أن نصلحه، أن نسامحه، أو بما كان ينقصنا أحيانا حين خانتنا الظروف ومحاكماتنا وعواطفنا فنقصنا ونقص ما فينا من سمو فطري إنساني.

نعم نحن نعود وننجذب ونعشق الضوء الذي يعيدنا لأنفسنا أكثر سلامة وأكثر نبلا وصدقا، وحين يرحل هذا الضوء، تضيق المسافة بيننا وبين ذواتنا ونحس باختناق حقيقي وقوي، وفراغ طاعن بالوحدة والعمق بدأ يسكننا.

حاتم علي كان أكثر هذه الأضواء وضوحا، وأشدها قدرة على الاختراق والوصول إلى الخفافيش التي تسكن الأماكن المظلمة فينا، وكان وبفطرة نادرة قادرا على إحياء فراشاتنا أيضا، فراشاتنا التي تحوم حول ضوئه، ولا تموت.

لا أدري وأنا أكتب هذا المقال، هل أنا أنعي حاتم المخرج والمسرحي والكاتب القصصي، أم أنعي الشاب الذي عاش النزوح من إحدى قرى الجولان المحتل  وجرب اللجوء بقلبه وبتفاصيل طفولته وحياته في مخيم اليرموك، الرجل الذي فهم الفقد مثلما فهم الحياة، لا أدري إن كنت أنعيه هو أم أني أنعي أول مرة أفكر فيها بجمال النص والإخراج والتمثيل معا في عمل سوري درامي طويل، وذلك حين تابعت مسلسل “الزير سالم”، حينها كنت صغيرة، لكن أدهشني العمل، أدهشتني اللغة وطريقة التصوير، أدهشتني طريقة التركيز ومواقع أخذ اللقطات ورشاقة العمل على الرغم من كثافته، وسكن اسم حاتم علي من حينها ذاكرتي.

أو لربما أنا أكتب الآن كي أعيد دينًا من البهجة قدمه لي حاتم في مسلسل “الفصول الأربعة”، بهجة تشابه تلك التي تعترينا حين نبتسم لأخطائنا اليومية الجميلة، لإشكاليات شخصياتنا البسيطة، ولهوامش المرح على حواف الدراما الأليفة والرشيقة التي قدمها العمل.

لكن الحقيقة هي أنني أبكي وأنعي ذلك الانتظار الذي كان يسكنني لكل حلقة من حلقات مسلسل “التغريبة الفلسطينية”، كنت أعرف أني مع كل لحظة في الحلقة التي أنتظرها سأكتشف من جديد القدرة على البكاء المر، والقدرة على حمل الوجع الذي يحز روحي وذاكرتي، مثلما سأكتشف وجع أمومتي وضعفي، سأكتشف حجم الكارثة في فقد فلسطين، وحجم الألم الفلسطيني الذي ربانا، ولكن مع كل هذا، كانت لحظات انتظار الحلقة القادمة هي انتظار لضوء شديد الحدة، ضوء يضيء مساحة الألم ويوصلنا إلى نفسنا سالمين.

وحين كبر الضوء في المسافة بيننا وبين أنفسنا وحلمنا بأن نعيد تشكيل ذواتنا وبلادنا وحياتنا، حلمنا بحرية الفن، وحرية الكلمة، خرجنا في آذار/ مارس 2011، خرجنا وكانت أصواتنا تسبقنا، ثم جاء الرصاص وسبق هذا الضوء وسبق الأم لابنها، والطفلة للعبتها، وبدأت تغريبتنا تكتب نفسها بكل ما فيها من خذلان وقهر وتحد وذل وموت واعتقال وتعذيب وحب وملاحم لشعب اقترف أحلامه واقترف الضوء، حينها راهن حاتم علي على العمق الفكري لهذه الثورة، وقدم لنا العمل الوحيد الذي يستحق أن نقول عنه بأنه وجه الثورة وملامحها، قدم لنا مسلسل “قلم حمرة”، العمل الذي يستحق أن يكون رواية عظيمة، العمل الذي لا ينسى والحوارات التي كانت الصورة الحقيقية عن الزلزال الفكري والشعبي والاجتماعي والسياسي والإنساني الذي عشناه وما زلنا نموت فيه.

راهن حاتم علي علينا، على المسافة بيننا وبين أنفسنا، لكن قلع السوريين من جذورهم، وموت مئات الآلاف تحت التعذيب، وتحت الرايات السوداء، وغرق الأطفال مع أحلامهم ورعبهم، وغرق الأمهات مع صور أبنائهم الذين تركوهم تحت التراب، ووحل المخيمات الذي فاق وحل مخيم التغريبة الفلسطينية، كان أكثر مما تحتمل المسافة بين حاتم علي وقلبه، فكسرها.

لم يتخيل حاتم علي أن كل أهله سيعيشون من جديد تغريبة أوجع وأصعب من تغريبته التي أخرجها، لم يتخيل، ولم يحتمل.

نعم المجزرة السورية والتغريبة السورية كسرتا قلب حاتم علي مثلما كسرتا قلب مي سكاف وفدوة سليمان والمئات غيرهم، ومثلما تكسرني هنا في كل كلمة أكتبها.

لحاتم علي ألف وردة ووردة، للضوء الذي كنت أنتظره دائما ألف فراشة وفراشة، لقلبه الطيب ألف حب وحب.

وستبقى فينا حيا، وسأبقى أذكر ضوءك كلما تجرأت وعبرت المسافة باتجاه نفسي، سأذكره ألف مرة ومرة.

وداعا أيها الجميل، وداعا.

https://www.youtube.com/watch?v=j40wDgiMGXg&feature=emb_logo

ضفة ثالثة

———————————–

مخرج «التغريبة الفلسطينيّة» صاحب بصمة أصيلة ومتفرّدة: حاتم علي… الجدار الأخير للدراما السورية/ خليل صويلح

دمشق | آخر ما نتوقّعه في دفتر الكارثة السورية، خبر رحيل حاتم علي في هذا التوقيت المبكّر. ليست شائعة هذه المرّة، فقد عاجل موقع ويكيبيديا على إغلاق القوس على تاريخ الغياب (1962- 2020). صدمة الثلاثاء السوري المرّ لا تشبه سواها لجهة الشجن والفجيعة والطعنة المباغتة. هكذا استدعى الخبر مرثية جماعية: حرقة، رحيل موجع، خسارة فادحة. كان حاتم علي هو الجدار الأخير للدراما السورية التي تعيش حالة احتضار منذ سنوات. هناك شعلة في آخر النفق تقودنا إلى الضوء بأعمال نوعية لا تنسى أنجزها هذا المخرج المتفرّد كي تكون جزءاً من الذاكرة البصرية المحمولة على ثراء درامي ينطوي على بصمة فكرية وطموح تنويري ينأى عن الخفّة التي ابتلعت الشاشة. خريطة شاسعة بتضاريس نافرة توثّق تاريخاً موازياً من موقع الضدّ، من دون شعارات برّاقة أو استسهال. هكذا صعد سلّماً إبداعياً، خطوة وراء خطوة. من خشبة مسرح القنيطرة بعد النزوح القسري عنها إلى ممرّات المعهد العالي للفنون المسرحية، إلى الشاشة. لم نتوقّع أن ذلك الشاب النحيل في مسلسل «دائرة النار» (إخراج هيثم حقي) بشخصية ثانوية ثمّ مساعداً لمعلّمه في الإخراج، أن يضع توقيعه لاحقاً على عملٍ بأكمله. هكذا اجتمعت خبرة هيثم حقي بثقافة وذكاء حاتم علي لولادة مخرج درامي ببصمة أصيلة، ستزداد لمعاناً من عملٍ إلى آخر على صعيد الصورة والموقف. إذ لطالما أثارت بعض أعماله جدلاً لجهة القضايا الإشكالية التي تطرحها دراماه بطبقاتها المتعدّدة، فهناك مسافة بين أيقونة «التغريبة الفلسطينية» أكثر الأعمال الدرامية تأريخاً للوجع الفلسطيني، وعمل آخر مثل «الملك فاروق»، وما بينهما مسلسل «عمر»، و«فنجان الدم»، بالإضافة إلى «ثلاثية الأندلس»، و«صلاح الدين الأيوبي».

لقد قيّض لأعمال حاتم علي ورشة من الكتّاب النوعيين مثل ممدوح عدوان في «الزير سالم»، ووليد سيف في «ثلاثية الأندلس»، وريم حنا ودلع الرحبي في «الفصول الأربعة» و«عصي الدمع». تكمن نباهة هذا المخرج إذاً، باشتغاله على الحذف والكثافة لا الثرثرة، وعلى محاكمة التاريخ من جهة، ونبش الأوجاع الاجتماعية من جهةٍ ثانية. فقد كان مسلسل «الفصول الأربعة» مثلاً، مرثية أخيرة لاندحار الطبقة الوسطى، وإشارة مضمرة إلى قبح الطبقات البديلة، فيما كان «التغريبة الفلسطينية» وسيبقى إحدى العلامات الاستثنائية في إعادة كتابة وجع التهجير الفلسطيني، ما جعل معظم المحطات العربية المتواطئة تستبعده عن شاشاتها المنهمكة في تصدير التفاهة والتسلية الممجوجة. لطالما كانت كاميرا حاتم علي مقياساً للفرجة الرصينة التي تجذب المشاهد لمتابعتها بناءً على حلف مسبق لثقته بأنه أمام وجبة درامية مختلفة ومدروسة في بلاغة الأداء وجمالية الصورة والكوادر المشبعة، فههنا زاوية نظر تتيح للعدسة التقاط الظلال برؤية ورؤيا احترافية، وضعت هذه المشاريع في مقامٍ آخر، بدليل إعادة اكتشاف خصائصها في كل مشاهدة جديدة لها.

منذ فترة قصيرة، أعادت محطة «لنا» بث مسلسل «التغريبة الفلسطينية» فتابعناه بشغف، وكأنه يُعرض للمرّة الأولى، وربما بحنين أكبر، نظراً إلى الجرعة التوثيقية العالية لدراما النزوح، وفضح درجة انتهاك الحق الفلسطيني وغياب العدالة الدولية عن هذه القضية يوماً وراء يوم. لم يكتف حاتم علي بالمنصة السورية، وإنما وقّع أعمالاً مصرية أضفت نكهة جديدة ومختلفة لهذه الدراما، أبرزها مسلسل «أهو ده اللي صار» الذي حمل شحنة بصرية لافتة، وضعت اسمه بين أهم صنّاع الدراما في العالم العربي. كما لا يمكننا أن نتجاهل حضوره في السينما، وإن بشكلٍ موارب، إذ حقّق مجموعة من الأفلام التلفزيونية، قبل أن يوقّع فيلمه المهم «الليل الطويل» عن نصّ لهيثم حقي، بالإضافة إلى فيلمَي «سيلينا»، و«شغف». كلّ هذا الصخب على الشاشة، يقابله صمت شخصي، وخجل ريفي، وعصامية بناها صاحبها بثقافة متراكمة، منذ أن أصدر مجموعته القصصية «موت مدرّس التاريخ العجوز»، مروراً بعمله في المسرح، ووصولاً إلى مشروعه التلفزيوني المبهر. كان حاتم علي يتهيّأ لإخراج نسخة سينمائية من «الزير سالم»، ربما كان يفتّش عن بطلٍ مضاد في زمن الهزائم، وها هو الزير سالم يموت مرتين!

مرّة أخرى، سنردّد: يا له من ثلاثاء مرّ! وكأن على السوريين أن يطووا كوارث العام بمصيبة لا تُحتمل، بعبارة «ذبحة قلبية». غاب القلب المتعب من نزوحٍ إلى نزوح: الجولان، مونتريال والقاهرة.

الاخبار

————————————-

صناعة ذاكرة مجيدة للتلفزيون/ فجر يعقوب

أعرف سلفاً أن الكلام يتقطّع في هذه الشهادة الناقصة التي لن تخلو من إخلاء مساحة جديدة لاختبار خاصية اللجوء الأبدي التي ميّزت صداقتنا عبر أكثر من عقدين، ومهّدت لكتابي عن تجربته «الاستبداد المفرح» حتى تعالقت فكرة لجوء الفلسطيني مع نزوح ابن الجولان إلى حدود التخوم المنهكة، فلا يعود هناك فاصل بينهما، وربما هذه التخوم هي من دفعت بالشاب المرهف والمثقف والخجول لأن يسجل للدراما التلفزيونية العربية في «التغريبة الفلسطينية» واحدة من أهم وأروع أعمالها على الإطلاق. حتى إن الحدود امّحت تماماً بين ما هو مرئي في السينما، كفلسفة بصرية، وما هو مبثوث في التلفزيون، إذ أوجد فلسفة خاصة به.

أكاد أحسب أيضاً في شهادتي أن حزمة من أعمال حاتم علي كانت معدّة لصنع ضمير أخلاقي درامي لا يمكن تجاوزه، حتى مع التبدلات العميقة التي صارت تتناول التلفزيون –كوسيلة-تضرب في القاع الاجتماعي وتزلزله، وتغير من مفاعيل الحياة العربية المعاصرة نفسها، إذ ظل حاتم علي مهيمناً على أدواته من دون تنازل، وليس براعته في التقاط أدقّ أنفاس ممثليه وممثلاته، إلا نابعة من هذه «الهيمنة المفرحة»، فنّ التلاقي مع الممثل في المنتصف، وأعتقد أن دماثة وخجل حاتم علي لعبا دوراً كبيراً في صنع دقة المخرج الكبير بداخله.

يضطر الممثل الخجول إلى اللعب على الخشبة أو أمام الكاميرا بأعصابه، وهذا قد يفسّر في جانب منه أن بعض أهم الممثلين في عالمَي المسرح والسينما كانوا يعانون في حياتهم الخاصة من التواصل مع الآخرين، ويجدون فسحة هائلة في شحذ مشاعرهم في الأداء والتمثيل فقط. وأجزم أن حاتم علي الذي فرض رؤية خاصة في طريقة تعامل المخرج مع الممثل، متجنّباً بقوة «فوضى» شركات الإنتاج التلفزيونية العارمة التي تفرض على معظم المخرجين رؤاها استطاع أن يأخذ من ممثليه أفضل ما لديهم، وهذا يفسر جذوة ذلك الإشعاع الذي لا ينطفئ في أعماله، الإشعاع الذي رفع من مستويات أعماله إلى الحد الأقصى. وصار يمكن القول إن للتلفزيون ذاكرة بعكس ما يشاع عنه.

الآن عندما يقود البعض معركة خاسرة مع المصطلح أعلاه يمكن تفنيده ونفيه بالسرعة القصوى، ها هي أعمال حاتم علي لا تنضب في الذاكرة. لا أحد في الدراما العربية يمكنه تجاوز هذا الإطار الذي وضعه في شغله على مسلسلاته، كمن كان يدير معركة رابحة سلفاً.

كنت أعرفه من قرب، وأعرف أنه كان يدير صنعته كمخرج بفرح ومقاربة للذاكرة التي لا تنشغل بالذوبان، مع أن وظيفتها في عالم متقلّب ومتنافر أن تعيش على هذين الحدين: حد الدراما التي صنعها حاتم علي، وصنع معها ذاكرة مضيئة للتلفزيون في مصالحة تاريخية فريدة مع هذه الآلة، وحد الدراما الأخرى القائمة على الطيش وسهولة ابتلاع المفردة الدرامية التي صارت ترغم كثيرين على الاستقواء بالتلفزيون في تفتيت الذاكرة الجَمعية. ما فعله حاتم علي في مشواره الحافل هو صناعة ذاكرة مجيدة للتلفزيون، بالرغم من كل ما تقدم من كتابة ونظريات في تمجيد طقوس الصالة المعتمة.

* مخرج فلسطيني

الاخبار

————————————

صانع «التغريبة» مضى قبل آخر أحلامه/ وسام كنعان

الموت هزيمة لكلّ من يبقى حياً، وربما انتصار باهت، بلون كاكي للراحل وحده، وهو يذوي في مكان ما، بعيداً عن عيوننا! لعلّها الجملة الأكثر عزاء ونحن نعيش زمناً يغرقنا في وحل الوباء والأزمات المتلاحقة، والوقت الذي يضيّع من الموت المتكاثر مهابته، ويفوّت الفرصة على الدمع الوفير! حقبة لعينة تطوى فيها صفحات الناس بتسارع مقيت، بدون حتى مراسم وداع لائقة، أو عناق محبين يبدد شيئاً بسيطاً من هول المصيبة! لعلّ أفضل ما يمكن فعله عند سماع فجيعة مدوية كخبر رحيل المخرج حاتم علي (1962/2020) ظهر الأمس، العودة إلى مكتبة الفيديو وحضور بضعة مشاهد من رائعته «التغريبة الفلسطينية» (كتابة وليد سيف). فبينما كانت توضّب تقاسيم وجه الراحل خالد تاجا، زوّادة التهجير القسري الذي عايشه الفلسطيني في أقسى مشاهد العمل، كانت بارودة أبو صالح (جمال سليمان) تنازع بآخر طلقاتها، في نضالها الشجاع ضد هجوم اليهود على الأرض المحتلة! أبو صالح ذاته الذي مرّغ أنف المسؤول عن توزيع الإعاشة، عندما عامله بتعالٍ ناسياً أنه يكّلم أحد أبطال الثورة الفلسطينية! كان كلّ ذلك تجسيداً بصرياً يحرث الوجدان ويعبث بمنطق التلقي، وهو يترجم حرفياً كلمات الشاعر إبراهيم طوقان التي روت الحكاية منذ الشارة وهي تقول: صامت لو تكلّم، لفظ النار وارتمى، قلّ لمن عاب صمته ولد الحزم أبكم! الكلام سيدوزن منذ الاستهلال الأوّلي حجم الفقد، عندما تراكمه أنامل الموسيقي البارز طاهر مامللي. تلك المشاهد، كما كلّ تفاصيل المسلسل، صاغها حاتم علي بلغة القصة القصيرة التي أجادها باكراً، وهو بدون أن يدرك إلا لاحقاً، بأنه كان يغرف حينها من ذاكرته الحياتية الطفولية المترفة بالصور الشبيهة. تلك المشاهد إذاً ليست سوى فلاش باك تقليدي، وتبديل في الشخوص، مع تصنيع حكائي واقعي. فبدل أبطال التغريبة، ستحل عائلة حاتم علي، التي نزحت فعلاً في يوم ما، من قرية فيق في الجولان المحتّل. وربما لن يكون حسن (باسل خيّاط) سوى محاكاة درامية لأحد أصدقاء والده، ولعلّه بعث شيئاً من شخصيته في الطالب الجامعي علي (تيم حسن)، وغالباً فإن أبو صالح هو محاولة صناعة معادل موضوعي لوالده، الذي زفّ فعلاً نبأ استشهاده لعائلته آنذاك، ثم عثرت عليه جريحاً في أحد المشافي! مثل تلك الأخبار عادت الشام لتعايشها مجدداً منذ مطلع 2011، لكن من بوابة حرب أكثر شراسة ذهب السوريون وقوداً لها. عندها قصد صاحب «الزير سالم» (كتابة ممدوح عدوان) بلاد الله الواسعة، من دون أن يتمّكن من استحضار المزاج المتوهّج ذاته، الذي كان قد رافق دروبه الإبداعية في وطنه! إذاً، المكان لا يمكن أن يصنع فناناً، لأنه سيصنع نفسه بالجهد، والحلم، والعرق، وقبلها الموهبة العميقة! لكنّ هذا المكان حتماً سيؤثر فيه، ويشكّل جزءاً من لاوعيه، ويعيد تدوير نبضات قلبه على شكل إبداعي، وهو ما حصل مع حاتم علي الذي حفر خطواته، بحرفة من يريد لهذا العالم أن يتذكّر على طول العمر موطئ كلّ واحدة منها. فهو إن عاش بهدوء وصمت المبدع الحقيقي، فقد رحل بصدمة الموت بأحلك عتماته، وأوجع أشكاله، بعدما عثر عليه جثة هامدة في أحد الفنادق المصرية حيث يقيم ويحضّر لعمله «سفر برلك» الذي كان يرصد له ميزانية وفريق عمل معتبرين، ليكون فسحة يستعيد من خلالها صاحب «ثلاثية الأندلس» وهجه الذي غزا فيه المحطات العربية، وصنع مكاناً متقدماً لسوريا في صناعة، هي الوحيدة التي قدّمت دمشق بسوية فنية متألقة، وجعلها تنافس، ويشار إليها بإجلال بالغ!

الرجل كان سلاحه التجريب، بمنطق عميق وحكيم. لم يكن يراهن بدون خبرة، أو معرفة، أو وعي كاف. نضوجه جعله ينام ويصحو على سكّة بحث دائمة. وهّمه كيف يزوّد المشاهد بأعلى جرعات دهشة ومتعة ممكنة، حتى ولو بالمسائل التقنية الموغلة في الخصوصية. من لا يتذكر مثلاً حركة الكاميرا في «أحلام كبيرة» (كتابة أمل حنّا) أو مثلاً تمرير الوقت والصوت الداخلي للممثل في «على طول الأيّام» (فادي قوشجقي) أو الشكل البصري في «عصي الدمع» (زوجته دلع الرحبي) من يخفى عنه المبارزات الأدائية لكوكبة النجوم السوريين الذين قادهم في «ملوك الطوائف»! الرجل كان ينقل إلى المشفى من شدة التوتر في التصوير، لكنّه كان من أكثر الناس هدوءاً، واتزاناً، وصمتاً في الحياة. حكت عنه الصورة أكثر مما حكى عنها، ولعّل هذا ما جعله يؤسس شركة إنتاج تملك استديوهات ضخمة في ريف دمشق اسمها «صورة» واسمه محفور على كلّ جدار فيها. ربما يؤخذ عليه أنه أوّل من أنجز مسلسل تلفزيوني في وقت قصير. كان ذلك في «الغفران» (حسن سامي يوسف) لكنّ الأمر يشد عليه كثيرون ويعتبرونه توطئة وتمهيداً للمنتج، عندما يكون العمل معاصراً وسهلاً، يمكن أن ينجز في عدد أيام أقل. وعدا ذلك كل الإمكانيات يجيب أن توضع في خدمة المشهد!

كأن حاتم علي خلال مشوار حياته كان يردد لماضيه بأن لا يغيره وإن ابتعد عنه، ويطلب من الحاضر أن يتريّث عليه قليلاً ليصنع مشروعه ويهديه للمستقبل، الذي لا يعرف ماذا يخبئ له. لكنّه قطعاً لم يكن يخطط بأنه سيمضي بهذه السرعة، والطريقة الصاعقة.. وحيداً، بعيداً، عن بلده، وقبل أن ينجز آخر أحلامه.

كأنه يعيد بتصرف بسيط شعر نزيه أبو عفش الذي كتبه لشارة مسلسله «أحلام كبيرة»: نامي إذا يا روح نامي الآن، هي آخر الأحلام نطلقها على عجل ونمضي!

الاخبار

————————————

في وداع حاتم علي.. أيقونة الدراما السورية/ لمى طيارة

فجع الوسط الفني صباح الثلاثاء بوفاة المخرج السوري الكبير حاتم علي، الذي وافته المنية عن عمر 58 سنة إثر نوبة قلبية أصابته، ليشيع هذا الخبر الحزن في قلوب محبيه وأقاربه، ويشكل صدمة لكل من تابع أعماله وأحبّه وأحبها.

دمشق – قبل عدة شهور كنا نحضّر لكتاب حول فلسطين في السينما العربية، وكنت أحاول أن أضيف للكتاب كل التجارب الدرامية الإنسانية التي قام بها المبدعون العرب. ولأن “التغريبة الفلسطينية” يعدّ واحدا من الأعمال الدرامية الخالدة التي لا يمكن أن تنساها الذاكرة، فقد تواصلت مع المخرج حاتم علي لأطلب منه مشاركة تتضمن تجربته الشخصية، لكن الظروف لم تسمح بسبب انشغاله وتأخره في تلبية الطلب، فلم تنضم مداخلته التي لم تصلنا رغم موافقته ورغبته الحقيقية والصادقة في المشاركة.

وبدأت علاقة حاتم علي بالدراما بعد تخرجه في المعهد العالي للفنون المسرحية من قسم التمثيل، حيث شارك في عدة أعمال درامية تلفزيونية كان أهمها في تلك الفترة مسلسل “هجرة القلوب إلى القلوب” الذي قدمه للجمهور السوري كممثل ربما للمرة الأولى. وكتب العمل عبدالنبي حجازي رحمه الله، وأخرجه هيثم حقي، ولعب فيه دورا لا يشبهه أبدا، لدرجة أن البعض كان يستغرب كيف يمكن لهذا الشاب اللطيف والوديع أن يتمكن منه، لكنه أمام الكاميرا كان ممثلا بارعا، أثبت موهبته التي فتحت له الباب على مصراعيه.

حاتم علي كان ممثلا بارعا أمام الكاميرا وأثبت موهبته التي فتحت له الباب على مصراعيه ليشارك في عدة أعمال تلفزيونية

ولاحقا شارك في عدة أعمال تلفزيونية سواء مع مخرجين مخضرمين لهم باعهم أمثال غسان جبري وهيثم حقي ومأمون البني أو مع مخرجين شباب دون أي تحفظ أمثال رامي حنا. وكان من أهم أعماله كممثل “الكابوس”، “الخشخاش”، “قصة حب عادية”، “أحلام مؤجلة”، “عصي الدمع” وغيرها.

لكن حاتم علي لم تستهوه كثيرا لعبة الممثل أمام الكاميرا، بقدر ما جذبه دور المخرج الذي يقبع خلفها، فبدأ بخوض تجربة الإخراج تدريجيا، وبدأ في لعب دور المخرج منذ منتصف التسعينات وكان من أجمل ما قدم في تلك الفترة مسلسل “الفصول الأربعة” الذي مازالت بعض القنوات السورية تعيد عرضه بين فترة وأخرى، وكان من بطولة نخبة كبيرة جدا من نجوم الفن السوريين، نذكر منهم جمال سليمان، سليم صبري، سلمى مها المصري، يارا صبري، ليلى جبر، أندريه سكاف ورامي حنا.

ثم بدأ يلمع في الأعمال التاريخية فقدم على سبيل المثال مسلسل “الزير سالم” و“صقر قريش” و“صلاح الدين الأيوبي” و“ربيع قرطبة” وغيرها، ثم اتجه إلى مصر في العام 2007، ليقدم مسلسل “الملك فاروق”. وكان له السبق في قيادة الأعمال التي تضم العديد من النجوم العرب جنبا إلى جنب مع النجوم السوريين، نذكر من تلك الأعمال “الفاروق” الذي صوّر جزءا كبيرا منه في المغرب، ومسلسل “الزير سالم”، و“التغريبة الفلسطينية” والذي يعتبر واحدا من أهم الأعمال الدرامية التي تحكي الوجع الفلسطيني وأجزم أنها لن تكرر مرة أخرى، لا بتلك الخصوبة في السيناريو أو بتلك العذوبة من حيث الإخراج، ولا بكل ذلك التجمع الضخم والهائل لأهم نجوم الدراما العربية حينها.

كما أنه يعتبر المخرج السوري الأول الذي آمن بأهمية “الماكيير” في الأعمال الدرامية وخاصة التاريخية منها، فقام باستقدام أهم مصممي المكياج في إيران لمساعدته في تنفيذ معظم الأعمال التاريخية.

صحيح أن حاتم علي، كان خريج مسرح، بحكم أنه لا توجد في سوريا معاهد للسينما، إلا أن تجربته المسرحية كانت محدودة للغاية ربما لا تتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة، ولكنها كانت تجارب مهمة سواء على صعيد التمثيل أو الإخراج أو حتى كمشارك في التأليف.

التَّغريبةُ الفلسطينية مسلسل دراما تاريخي كتبه وليد سيف وأخرجه حاتم علي التَّغريبةُ الفلسطينية مسلسل دراما تاريخي كتبه وليد سيف وأخرجه حاتم علي

لكنه ظل لسنوات أثير حبه للسينما، وكان يتمنى في كل عمل درامي تاريخي كبير يقدمه أن يحوله، الأمر الذي كان يدفعه في مرات كثيرة إلى استخدام كاميرات السينما، مع كل ما تعنيه تلك الخطوة من صعوبة بالنسبة إلى المخرج، ولكنه لم يقم باستقطاع أي أجزاء من تلك الأعمال لتحويلها إلى فيلم سينمائي كما كان ينوي.

رغم ذلك أخرج عدة أعمال سينمائية كان من أهمها عمل بعنوان “سيلينا” من نوعيه الميوزيكل، وكان من تأليف الرحابنة ومن إنتاج نادر الأتاسي، ولعبت دور البطولة فيه الفنانة اللبنانية ميريام فارس. أما الفرصة السينمائية الحقيقية، فكانت في العام 2008 حين أخرج الفيلم الروائي الطويل “الليل الطويل” من بطولة كل من خالد تاجا، وهو الفيلم الذي كتبه المخرج هيثم حقي، واستطاع الفيلم أن يشارك في عدة مهرجانات سينمائية عربية وأجنبية ونال بعض الجوائز.

وحقق حاتم علي شهرة واسعة وسمعة طيبة في مجال الدراما كمخرج وكاتب، الأمر الذي دفعه إلى تأسيس شركة للإنتاج الفني في دمشق، فقام بإنتاج مجموعة من الأعمال الدرامية نذكر منها مسلسل “علاقات شائكة” و”طوق الياسمين” وغيرهما، وكان مؤخرا بصدد إنتاج الفيلم الروائي الطويل الأول لابنه عمرو علي، الذي حصل على منحة أخيرا من مهرجان القاهرة السينمائي الدولي عن النص الذي كان قد كتب السيناريو له.

وبعد الأحداث الدامية في سوريا انتقل وعائلته زوجته المحامية وخريجة قسم التمثيل أيضا دلع الرحبي وأولاده للإقامة بشكل مؤقت في القاهرة، وقدم خلال إقامته وقبل أن ينتقل للعيش في كندا، عدة أعمال درامية هامة كان أحدثها مسلسل “أهو ده اللي صار” من بطولة سوسن بدر.

ويبقى حاتم رغم رحيله أيقونه من أيقونات الدراما العربية وليس فقط السورية، وواحدا من أهم الشخصيات السورية أخلاقا ودماثة واحتراما، وبرحيله هذا ستخسر الدراما العربية رائدا من روادها.

كاتبة سورية

العرب

—————————–

حاتم علي… شكراً لك على نفض الغبار من رأسي/ أحمد غالية

“المجتمعات العربية للأسف صارت تقبل التطبيع مع إسرائيل و مع الاستبداد أكثر من الجهد الذي بذلته من أجل التطبيع مع جرح وتجربة الذين هجّرتهم إسرائيل وهجّرهم الاستبداد من فلسطينيين وسوريين ولبنانيين”

قالها حاتم علي مرة أمامي في مقهى “تاء مربوطة” الذي كان من رواده في بيروت، فألححت عليه بالسؤال بعد أن عرف أنني أيضاً من نازحي الجولان: “هل كان مسمى ‘نازح’ الذي كان يقوله بعض أهل دمشق كلقبٍ للتصغير من شأن من ابتلي بالنزوح، يزعجك؟”

أجابني: “الكل صار نازحاً حتى الجالس في بيته!”… و”غيّر السيرة”.

لم أتابع في أسئلتي حتى لا أقلق هالته الجميلة وآثرت الصّمت والاستمتاع بحضوره الرائق. كنت أريد أن أقول له كم أثرت رؤيته وكوادر كاميرته الكاسرة للإطارات فيّ بشكل خاصّ، وكنت أريد إيضاح امتناني العميق لثورته الرصينة في أغلب مناحي الحياة، ولكني خفت أن يضعني في خانة التملق، وقد صرت أعلم أن المديح ليس حديثه المفضل.

ابن الجولان السوري المحتل، تحديداً قرية كفر حارب المطلة على بحيرة طبريا، الذي عاش “تغريبته الجولانية” المريرة في سوريا منذ أن كان في الخامسة من عمره. وجه هادئ قليل التفاعل والانفعال وخاصة أمام المديح، لم يكن يتصرف كواحد من أعلام سوريا المعاصرين، يتكلم بصوت اقرب للهمس دون صلف أو غرور أو تباه. بل كان يتحدث عن تجاربه كمتعلم تتلمذ على يد تغريبته وأحلامه وهموم الناس وواقعهم. أتى خبر رحيله بعد أن طوى 58 عاماً عمل فيها كثيراً ولم يتحدث إلا قليلاً، رحيل مبكر مفاجئ يكتنف الكثير من الحزن في غربة مزدوجة خارج سوريا وخارج الجولان.

التاريخ

كان مزعجاً حقيقة لي الوهم والمبالغة اللذان كانا يشوبان ما كانت تروجه أغلب منتجات الدراما العربية والسورية (باعتبار التلفاز المصدر الأول للثقافة في العالم العربي)، إذ كانت ممسوكة بأحكام، ولا تزال، من قبل أجهزة المخابرات، وكان هدفها غير المعلن، برأيي، هو الترويج والتطبيل والتقديس لشخوص موازية لرمزية الحكام العرب من شخصيات تاريخية، بالإضافة إلى الأطر الشخصية الدرامية الوحيدة الاتجاه والأفلاطونية في مثاليتها وفي ثنائية طيب – شرير، كمعظم أعمال الدراما المصرية التاريخية التي روّجت مثلاً لهارون الرشيد وصلاح الدين الأيوبي وكثيرين من أعلام التاريخ العربي على أنهم آلهة لا تخطئ وأن أعداءهم هم الشياطين.

لكن حاتم علي قرر أن ينحو نحواً آخر، ويطبّع علاقة المتلقّي مع الموضوعية، ويطرح أسئلةً كبيرةً غير مريحة، ليعلن ولادة الواقعية الجديدة العربية في عالم الدراما كما أعتقد، فقدم التاريخ العربي بصورة متجردة ما أمكن وديناميكية طرح تلمس الواقع والمعاش.

فبالاستناد إلى نص الراحل ممدوح عدوان ومشاركة محترفين مثل الراحل خالد تاجا وسلوم حداد قدم حاتم علي “البطل الشعبي” زير سالم بحقيقته البشرية دون مبالغة الحكواتية الذين مجدوا الثأر والعنف والفخر وقرنوهما بالبطولة، دون التطرق لواقع أنه كان رجلاً دموياً ، فكان حاتم علي منتقداً للأعراف القبلية والهرمية السلطوية الذكورية التي سببت ولا تزال تسبب الويل للمجتمع العربي. فلن نعود بعد اليوم، وبسبب نص ممدوح عدوان عن الزير السالم، لتصديق الهيكلية القصصية لذكور يروون قصصاً لذكور في المقاهي عن قيم اجتماعية أجدها لا تمتّ لعصرنا بصلة.

أما نصوص ثلاثيته الأندلسية التي ألفها للتلفزيون الكاتب الفلسطيني الأردني وليد سيف، “صقر قريش” و”ربيع قرطبة” و”ملوك الطوائف”، والتي تناولت التاريخ والسياسة والصراعات والمضامين الإنسانية لصانعي التاريخ منذ آخر أيام الدولة الأموية في دمشق مروراً بهجرة عبد الرحمن ابن معاوية إلى الأندلس حتى نهاية الإمارة الأموية هناك على يد الملك المنصور، ثم التشتت والفرقة ودخول المرابطين. ومن ثم بداية نجاح حروب الاسترداد المسيحية في شبه جزيرة إيبيريه. لتنسف تقريباً كل المثالية الشعبية التي كان يتمتع بها هؤلاء الشخوص.

الرسالة التي وصلتني شخصياً وأنا في أول (طلعتي) من أعماله التاريخية هي: كفانا عبادة للماضي، أجدادنا ليسوا خارج النقد وحروبهم لم تكن مقدسة كما قالت لنا كتب التاريخ، واسترقاقهم واستعبادهم للشعوب الأخرى لم يكونا بالنبل الذي سُوّق إلينا.

المجتمع

أضاف إليّ حاتم علي الكثير في فهم قالبي الذاتيّ في طور نشأتي الأولى، من خلال اظهار تعقيد بنية الفرد عموماً، وتناقضاته وعيوبه ومآثره الاجتماعية بعيداً عن الطهرانيّة، إذ إنه حطّم صورة بطل العمل الذكر الطيّب القوي الذي لا يخطئ، وأبرز الهشاشة إلى جانب القوّة في شخص الفرد، وفضّل تصوير الإنسان على أنه طيف من الخير والشر والخوف والجشع والشجاعة والحسد وليس ملاكاً صرفاً أو شيطاناً محضاً.

في مسلسل “الفصول الأربعة” جسد بالنصوص التي كتبتها الكاتبة دلع ممدوح الرحبي (زوجته) والكاتبة ريم حنا الصراع الصامت والغيرة والحسد إلى جانب التكافل داخل العائلة الواحدة، ولعل أكثر ما لفت نظري شخصية خالد تاجا الجد أو “الذكر الأكبر” الذي كان “يسمع كلمة زوجته ومع ذلك ليس طرطوراً ورِجل كرسي”، ولا يمكن لنا أن نتجاهل طرحه في وقت مبكر من هذا القرن في إحدى الحلقات لمفهوم الدورة الشهرية عند المرأة إذ لم يسبقه مسلسل عربي الى ذلك وكنا نعلم أن محرمات الدراما الرقابية (بسبب انتشارها أكثر من السينما) كانت أوسع وأكثر صرامة.

تناول الراحل المجتمع بالكثير من الأعمال التي كانت جدلية في وقتها، وتوّجها بمسلسل “قلم حمرة” الذي شاهدته أكثر من مرة، للكاتبة يم مشهدي وهو أول عمل عربي درامي يجمع الثورة السياسية والنسويّة على طاولة واحدة ويخرج المرأة من إطار (الحرائر) المحدود، مسلطاً الضوء بحزم على مشروعية حرية الخيار والرغبة والزواج والطلاق والمساكنة لدى الأنثى السورية وفاعليتها الحقيقية في الحراك السياسي الشعبي ناهيك عن تصوير المشهد السوري أيام الحراك بتجرد في رأيي، وتسليط الضوء على حقوق المثليين لأول مرة أيضاً في الدراما العربية.

القضية الفلسطينية

يمكنني سرد صفحات للحديث عن أثر هذا عمل “التغريبة الفلسطينية” العملاق لفهم وإسقاط تجربة نزوح عائلتي من الجولان والتعامل مع هذه “التراوما”.

المسلسل الذي كتبه أيضاً الكاتب الفلسطيني وليد سيف عن حياة مشابهة لتجربته في الشتات قبل النكبة وما بعدها كان صدمة من الناحية الأخلاقية، صُوّرت لأول مرة المشاكل الداخلية في حياة المخيمات بنفسِ غسان كنفاني على قلم “سيف” وجعلت العالم العربي يعايش ما عصف بالفلسطينيين إنسانياً وعلى المستوى المجهريّ.

والرسالة التي وصلتني من هذه العمل كانت باختصار: “لا عار في كوني نازحاً أو لاجئاً بل العار على من عابوا ذلك عليّ، وتعليق كل مشاكلنا على شمّاعة إسرائيل” .

أخرج الصورة من الفانتازيا

كانت الدراما السورية قبل أعمال حاتم علي، وخاصة ما اشتهر منها، كأعمال نجدت اسماعيل أنزور وباسل الخطيب ملحميّة بالمجمل وتكلف الكثير من القدرات الإنتاجية دون هدف حقيقي أو رسالة واضحة تلمس الواقع. والتي لا أجد حرجاً من وجودها ولكن إلى حد معين.

ثم جاء حاتم علي ليستمهل الدراما و”ويروّقها” قليلاً ويطرح أسئلة واقعية بصورة بسيطة ونصوص عميقة. ورغم أن “الزير سالم” كان من أكثر الأعمال السورية تكلفةً كان يستحق ما دفع فيه لقاء الرسائل الضمنية التي بثها لدى الناس بـ “فريمات” صادقة دون أي مؤثرات وبهرجة بصرية أو ملحمية كان انزور والخطيب يغرقان الدراما السورية بها.

لا أزال مثلاً أذكر ارتجاف كادر الكاميرا الذي كان على امتداد مسلسل “أحلام كبيرة” الذي كان يوحي بالقلق ويفرغه بشكل غير مباشر لدى المتلقّي، وكان عملاً تراجيدياً يعضّ الواقع في قلبه، صورة وشخوصاً ومعنى.

أخرج الانقياد إلى النقد

يأخذ البعض على حاتم علي أنه لم يكن راديكالياً في نقده السياسي بشكل خاص في الحقبة التي سبقت الربيع العربي، ولكني أرى ما فعله في العقد الأول من القرن الحالي نوعاً من تجهيز الأرضية بـ”القوة الناعمة” للانتقال من الانقياد التام للمسلمات الراهنة والتاريخية التي كانت الدراما قبل ذاك تنتهجه إلى طرح منهجية جديدة للتعاطي مع القضايا.

فلم يكن “ضيعة ضايعة” العمل الناقد الصارخ لممدوح حمادة والليث حجو إلا استمرارية لأسلوب طرح حاتم علي والذي جاء في عام 2009 ليضع أعمالاً درامية عدة كثيراً من المفردات التي رفدت فكرة التغيير السياسي والمجتمعي التي نودي بها بعد ذاك.

رائد الواقعية العربية الجديدة

الواقعية الجديدة في الدراما التي أذّن بها حاتم علي في العالم العربي صارت نهجاً يسير عليه الكثيرون اليوم ويطورونه ليحاكوا الواقع ويبرزوه بإصرار ودون مواربة بعد أن رأى هؤلاء المخرجون شعبية من لا يضحك على الناس، نجح بعضهم فيه وفشل الكثيرون.

أوجزت كثيراً في الحديث عن حاتم علي وأعماله التي قاربت المائة مسرحاً ودراما وسينما في النص والتمثيل والإخراج… إلا أني لم أزل مضطرباً بين حروف الرثاء التي غالباً ما تكون عرجاء في تغطية الإرث الذي قدمته تلك النحلة الصامتة العاملة الدؤوبة والخجولة مع ابتسامة رقيقة راقية، سأظل أذكرها حتى نهاية وعيي في هذه الحياة.

لروحه السلام ولعائلته العزاء.

رصيف 22

———————————-

الرسالة الأخيرة لحاتم علي/ يوسف الدموكي

دائماً ما يقول لنا البعض بموتهم ما لم نسمعه منهم طوال حياتهم، يفاجئنا خبر الوفاة مصحوباً بمقالةٍ كبيرةٍ كانوا يقصونها علينا في كل وقت، لكننا لم ننتبه لها في وقتها، كنا “وِدن من طين وودن من عجين”، حتى إذا صُعقت الأذن بمنادي الوفاة انتبهنا، فوجدنا الرجل ساقطاً وفي يده الورقة التي كتب لنا فيها كل ما كان يقوله.

حاتم علي، كان من هؤلاء، ذلك المخرِج المَخرج، قارب النجاة من عتمة نكبتنا الكبرى، المسعِف المنقذ لجراحنا في نكستنا ووكستنا، الجرَّاح الذي يفتح القلب ويستأصل الأورام ويبتر الأوصال، ليعيش ما هو أهم من هذه القطع المتآكلة، الذي فتح لنا جراحاً كدنا ننساها، كنا على وشك تغطيتها وصلاة الجنازة عليها، لكن فقيدتنا لم تكُن لتموت، لا يجب أن تموت، هذا ليس حادث وفاة طبيعية، وإنما حادث قتل مرتب جيداً، عملية اغتيال منفذة ببراعة، ولِذا جاء حاتم غاضباً من أقصى الأفق، يجري، يرفع الغطاء عن فقيدتنا، يجري لها التنفس الصناعي، يحاول أن يعيد لها الحياة، وبَّخ المصطفّين للجنازة، وأمرهم أن يردموا حفرة المقبرة.

حاتم لم يكُن يجيد ذلك، لم يكُن يجيد الموت، كان حيّاً يرد إلى الناس الحياة، كان يمنحهم من عمره أعمارهم، كان يهبهم سنواته، يقول لهذه خذي عاماً قابلاً للتجديد، ويقول لذلك خذ عامين أو أكثر، كانت الساعات التي نشاهد فيها أعماله، تأخذ منه سنوات، وكانت الساعات التي نستمع له فيها، تمنحنا عمراً على بياض.

التغريبة.. رُشدي يجري- أقصد حاتم -، يجري مسرعاً، تتردد أنفاسه بصوتٍ مرتفعٍ داخل صدره، لكنه ما زال يجري، لا يبرح غايته، يراوح وسيلته، يقصد مكانه الذي حفظه، وحفظ فيه قضيته، يصل إلى الكهف المختبئ بعيداً عن العالم، يزيح الأحجار عن سرٍّ مدفون هنا، يظهر الخيش ملوفاً حول سره الذي يكشفه لنا الآن، إنها البندقية، التي كانت له إرثه الوحيد، وهي في الوقت ذاته ثروته الوحيدة.

يروي لنا حاتم القصة كاملة في كل مرة، يصوّر لنا العالم من زاويته التي لا تخطئ أبداً، وُلد حاتم حين وُلد ليجد نفسه حارساً على الذاكرة، كان العدو قد قصف الورَش كلها، فلم يستطِع الرجال أن يصنعوا من الرصاص إلا أقلاماً، قلّدوا حاتماً أحدها، ومضوْا، لكنه بقي يبحث ليعرف القصة، جمع خيوطها، وأعطاها لنا محبوكةً ببراعة، وصنع لنا- في ورشةٍ خاصة- من قلمه الرصاص رصاصات، وقال لنا أين الهدف؟

كنتُ في العاشرة من عمري ربما، حين اعتمدت على “ربيع قرطبة” كمصدر أساسي للغة، أتذوقها في ألسنة أبطاله، وأتوق إلى الأندلس من خلال كل شيء في المسلسل، كنتُ أنا المسلسلَ بهذه الحكايات، كنتُ بطل هذه القصص، لأن هؤلاء كانوا يمثلون، وأنا الوحيد الذي كنتُ في عالمٍ واقعي، يمكن لي أن أحرّك شيئاً، وهذا مما أجاده حاتم أيضا، أن يجعلك البطل، يروي لك القصة، يناولك السلاح، يشير لك نحو الهدف، ويقول تفضل.

ثلاثية الأندلس كانت نموذجاً خالصاً للجمال، كانت في فسحةٍ من الوقت والمكان، ولم يجد حاتم من ينتج له “سقوط غرناطة، ليكون المتمم لما كان في الأندلس، ولعل أحداً لم يلتفت له، خشيةَ أن تُجيّش المشاعر بعد كل حلقةٍ لإعادة فتح بلادنا التي هناك، لعل أحداً ما أراد لذلك أن لا يخرج للنور.

صلاح الدين الأيوبي لم يكن شخصية قدمها حاتم في مسلسل، وإنما شعرنا أن المخرج نفسه هو صلاح الدين الأيوبي، يحدثنا بصدقٍ عن نفسه، يكلمنا بذاتيةٍ عن الذي عاشه، يروي لنا كل شيء دون أن يحرمنا أجزاء من القصة، وكذلك كان كل ما قدمه حاتم علي.

الأسطورة “عُمر”، ولا أتخيل إنساناً في الدنيا سيقدم عملاً بذلك الإتقان، بتلك الجودة، بهذا الإبداع، من فينا لم يتخيل عمر الحقيقي في مسلسل عمر الذي قدمه حاتم علي؟ من فينا لم يشاهده أكثر من مرة؟ من فينا لم يشعر بأنه جالس بين الصحابة يتابع حديثهم؟ يتحيز لهذا تارة ويتحيز لذاك تارةً أخرى، حاتم الذي فعلها، حاتم الذي أبدع ما أبدع، فلم يدع مجالاً لغيره أن يغير ذرةً واحدةً في الثوابت التي أرساها. في عمر، كنتُ أشم الغبار حولي، كنتُ أسمع صليل السيوف في أذني لا من سماعة التلفاز، كنت أشعر بقرع الطبول وبصوت حوافر الخيول، لم يخبرني المخرِج بذلك في حلقاته، وإنما أخذني من البداية، من اللحظة الأولى، إلى هناك، ليس إلى موقع التصوير، وإنما إلى الحدث نفسه، إلى المكان والزمان.

كانت رسالة الرجل قوية في كل اتجاه، يثبت بالدليل العملي القاطع لصناع السينما والتلفزيون، كيف يمكن للرجل أن يعيش كريماً ويموت كريمًا، ليس مبتذلاً في حماقات وليس غارقاً في أفخاذ الممثلات حتى عنقه، وليس مدمناً يشمشم على المخدرات في كل عمل، ولا يشترط أن يقدم للناس وجباتٍ ساخنةٍ من مشاهد جريئة، ليجذب المشاهد الرخيص إلى أفلامه، وإنما كان رجلاً، وكان محترماً، وكان صاحب قضية، ولم يجتمع في غيره إلا نادراً مجامع تلك الصفات.

وكانت رسالته قوية أيضاً، لضيّقي الأفق الذين يسفّهون من السينما والدراما، للذين يحاربونها كلية ويقولون انصرفوا إلى ما هو أهم، ولم يكونوا يعلمون أن رجلاً واحداً كان قادراً بكاميرا وسيناريو، أن يُجيّش آلافاً فشلوا هم في حشدهم دائماً.

لم يمت حاتم علي، مثلما لم يمت غسان كنفاني، ولم يمت محمود درويش، ولم يمت ناجي العلي، ولم يمت أي رجلٍ أضرم النار في التوابيت، وأحرق الأكفان، وقال للناس: قوموا، لن تموتوا لمجرد أنهم حفروا لكم المقابر.

——————————-

حاتم علي مسيرة ناجحة ووفاة مفاجئة/ فاطمة ياسين

كل شيء متوقع الحدوث حتى موت المخرج حاتم علي، الخبر مؤكد وقد صدم الجميع رغم توقع كل شيء، كان وحيدا في غرفة في فندق عاصمة عربية يحضّر عملا ما، توقف قلبه على نحو مفاجئ وترك كل شيء خلفه، لتشتعل مواقع التواصل بالخبر المحزن.. خرج الحزن على شكل أوراق نعي على طول الوطن السوري الممتد على قارات العالم وبحارها، لا يختلف على تفوقه وإبداعه سوريان، حرك الدراما خلف الكاميرا وأمامها وملأ الورق الأبيض كأديب، وكان مميزا دائما وسيبقى مكرسا في إرثٍ تركه في الذاكرة..

قبل خمس سنوات من نكسة حزيران، وفي مكان بجوار معاركها القليلة ولد حاتم علي، وانتقل إلى دمشق، ومن هناك تخرج من المعهد العالي للفنون المسرحية قسم التمثيل في العام 1986، مثّل أول أدواره التلفزيونية تحت إدارة المخرج هيثم حقي في مسلسل دائرة النار في العام 1988، وفي العام ذاته أصدر مجموعة قصصية بعنوان موت مدرس التاريخ العجوز، ولكن حاتم علي المولع بالدراما كان أكثر رسوخا من الأديب، فتابع مشوارا تمثيليا مميزا وعمل تحت إدارة المخرجين: مأمون البني، وغسان جبري، وعلاء الدين كوكش، ومحمد عزيزية، ونجدت أنزور، قبل أن تنطلق طاقاته الدرامية كمخرج في العام 1995 مع مسلسل فارس المدينة، مرة أخرى يفارق حاتم علي الممثل ليتقمص المخرج بصورة أعمق وأكثر أثرا رغم أنه لم يتخلَ عن الممثل بشكل نهائي، فكان يشارك في أعمال زملائه من المخرجين، وأحيانا يترك لنفسه دورا صغيرا في مسلسلاته، ليلعبه بشكل شخصي.. حاتم علي الذي توزع على ثلاثة ميادين، الأدب والتمثيل والإخراج، كان في كل ميدان يترك علامة فارقة وإن ترك كمخرج أثراً أمضى على المستوى المحلي والعربي.

 الفصول الأربعة

بدايات المخرج المميزة كانت مع مرايا ياسر العظمة فقد أخرج موسمي 98 و99، ورغم أن نصوص العظمة مفصلة على قياسه ومجالاتها الإخراجية ضيقة، إلا أن حاتم علي وجد ثغرة تشعر المشاهد بدور إخراجي واضح على مدى لوحات الموسمين، ويمكن تمييزهما من بين كل مواسم مرايا العديدة.. انطلق حاتم علي بعدها ليبدع مسلسله الخالد الفصول الأربعة، وبدا متناغما ومتفهما لنصوص زوجته الكاتبة دلع الرحبي وزميلتها السيناريست المميزة ريم حنا، فقد لاقى المسلسل قبولا عارما وجارفا في الشارع السوري، وساعد موقع يوتيوب فيما بعد في وصول المسلسل إلى شرائح أخرى ما زالت تستعيده بين الحين والآخر لتجريب ذاك المذاق الدرامي الخاص المطعم بكوميديا عائلية لطيفة مع عمق مناسب لتأمين فرجة ممتعة، وقد أفسح نجاحه في هذا المسلسل الطريق إلى الانطلاق في قفزة نوعية أخرى كان عنوانها الزير سالم.

في الزير سالم المكتوب بريشة ممدوح عدوان، خلطت السيرة الشعبية بالحدث التاريخي، بإسقاطات زمنية راهنة فخرجت دارما من نوع جديد لا تختص بزمان معين يمكن استعادتها هي الأخرى مرارا دون أن تفقد من نكهة مذاقها الشهي، كان الإخراج في هذا المسلسل بطلا جديدا أضيف إلى بطولة النص وبطولة الممثلين، وأخذت شخصية الزير مكانا شعبيا جديدا بعد عرض هذا المسلسل، لتبدأ بعده سلسلة تاريخية قدم فيها حاتم علي دروسا في التاريخ والدراما عبر مسلسلات: ربيع قرطبة، صقر قريش، وصلاح الدين الأيوبي.. تخللتها عودة سريعة إلى جزء ثانٍ متميز من الفصول الأربعة، ليتابع بعدها تألقه التاريخي في ملوك الطوائف، ولكن قبله كان قد أخرج ملحمته المعاصرة التغريبة الفلسطينية والتي لخص فيها رحلة الخروج الفلسطيني والشتات والغربة، في تكثيف عميق لقصة شعب اقتلعت جذوره من أرضه وتغرب وتشتت في أكبر مؤامرة حاكتها الأمم ضد هذا الشعب، وكان حاتم علي على الموعد فقدم الدراما وكأنه يقطع مشاهد من وقائع يومية ويخلدها على أشرطة درامية مؤثرة.

 أيقونة جميلة

جاءت مرحلة حاتم علي التالية وتميزت بانتقائية راقية عبر فيها عن نفسه أكثر مما عبر عن النصوص التي قدمها فتنبى عملا جريئا وفريدا في الدراما عندما قدم شخصية عمر بن الخطاب، وجسدها حية ومتحركة ومتكلمة طيلة مسلسل رمضاني شاهده الجميع دون أن يلقى عبارة اعتراض واحدة، وكأنه نال تفويضا وإجماعا عاما ليخوض في التابو الذي خاف منه الجميع، قدم بعده مسلسل العراب في قصة شيقة عرّى فيها الفساد على طريقته الهادئة المعبرة، وبعدها كان على موعد مع مسلسل مصري بعنوان كأنه مبارح، وكما فعل سابقا في مسلسل الملك فاروق، أدار حاتم علي ممثلين من بيئة مختلفة بكفاءته المعهودة نفسها خلال كل تلك الفترة الزمنية الغنية.. وكما ذكرنا لم يستسلم حاتم لدوره كمخرج فقط لفترات طويلة، فقد كان يجد لنفسه بين المسلسل والتالي دورا تمثيليا يقوم به كتمرين وإحماء بين مسلسلين يقوم بإخراجهما أو يمثل في مسلسل من إخراجه ليشاهد كل ما يدور أمام الكاميرا وخلفها.

في أمسية باردة وعام مضن مضى على السوريين بين المعاناة في الداخل والخارج نعت الدراما العربية مخرجا فذا، ذا بصيرة نافذة وقدرة فريدة على التنفيذ، ليبقى أيقونة جميلة وذكرى عطرة.

تلفزيون سوريا

———————————

بنى تاريخًا في الدراما السورية.. وفاة المخرج حاتم علي

توفي اليوم الثلاثاء، 29 من كانون الأول، المخرج السوري حاتم علي في العاصمة المصرية القاهرة، وذلك بسبب أزمة قلبية عن عمر الـ 58 عامًا.

ونشرت مواقع فنية محلية وعربية خبر الوفاة، كما نعى ممثلون وفنانون سوريون، بينهم المخرج السوري مأمون البني، زميلهم حاتم علي.

ويعتبر حاتم علي من أبرز المخرجين السوريين الذي بدأ حياته بالكتابة المسرحية وكتابة النصوص الدرامية والقصص القصيرة.

وحصل على إجازة في الفنون المسرحية من المعهد العالي للفنون المسرحية بدمشق قسم التمثيل عام 1986، وهو متزوج من الكاتبه السورية دلع الرحبي التي شاركت في كتابة عدد من الأعمال الدرامية.

وأخرج أكثر من 30 عملًا فنيًا توزعوا على الأعمال الدرامية والمسرحية والسينمائية، كما حاز على أكثر من 15 جائزة في مهرجانات دولية سينمائية.

وكان حاتم علي قد بدأ العام الحالي العمل على إخراج فيلم روائي طويل عن قصة “الزير سالم”، برؤية سينمائية جديدة.

وتولى المخرج السوري حاتم علي قبل 20 عامًا إخراج مسلسل “الزير سالم” الذي يُعتبر عملًا دراميًا بسياقات تاريخية، يجسد شخصية عدي بن ربيعة، الذي تدور قصته عن فارس وشاعر ينتمي إلى فترة الجاهلية قبل الإسلام، وأحداث “حرب البسوس”.

ويعتبر حاتم علي صاحب مسلسل الشهير “الفصول الأربعة” بجزأيه، والتي شاركت زوجته دلع الرحبي في كتابة عدة لوحات منه، وتناول المسلسل الحياة اليومية لأسرة سورية والعلاقات الأسرية التي تربط بين أفراده.

كما أخرج فيلم “الليل الطويل” الذي تميز بجرأته في عرض الواقع السياسي السوري، ورصد الفيلم حالة معاناة المعارضين السياسيين من القهر والقمع.

ومن أبرز أعماله، “صلاح الدين الأيوبي”، و”صقر قريش”، و”ربيع قرطبة”، و”التغربية الفلسطينية”، و”ملوك الطوائف”، و”الملك فاروق”، و”عمر”.

——————————–

حاتم علي الذي طوّع التاريخ والدراما لإحداث التغيير

“السينما هي أفضل وسيلة عرض على الإطلاق، لا أتوقف عن التفكير في السينما حتى وأنا أعمل على المسلسلات، لكن نظرًا لظروف الإنتاج في موطني، أصبح العمل في السينما مثل حلم صعب المنال، العمل في التلفزيون هو نوع من التعويض لا سيما حين يكون بمقدوري الاستعانة بالتكنولوجيا والتقنيات السينمائية، حيث سمح لي ذلك بممارسة ما أحب، بينما كانت تكتسب أعمالي طابعًا إخراجيًا فريدًا من نوعه، ربما كنت أنتظر اللحظة المناسبة التي أدخل فيها السينما من بابها الواسع عن جدارة”.

هكذا تحدث المخرج السوري حاتم علي عن صعوبة العمل السينمائي في سوريا خلال لقائه مع “مؤسسة الدوحة للأفلام” في عام 2013، وسعيه إلى تعويض ذلك بإخراج أعمال تلفزيونية بقالب سينمائي تناسبت مع الواقع اليومي للمشاهد العربي، وأضافت قيمة إلى الشاشة العربية الصغيرة.

جاءت وفاة المخرج حاتم علي بالتزامن مع استعداده لخوض تجربة سينمائية جديدة من خلال إعداد فيلمًا روائيًا عن قصة “الزير سالم” بعد 20 عامًا من توليه إخراج النسخة التلفزيونية من القصة، التي ألفها الكاتب السوري ممدوح عدوان، والتي شهدت شعبية واسعة حينها في بلدان الشرق الأوسط.

https://www.youtube.com/watch?v=3SLE8FJnU6k&feature=emb_logo

“نحتاج إلى تقاليد صناعة حقيقية”

يشترط حاتم علي لإنتاج عمل فني يحمل قيمة معرفية وثقافية إبداعية يقبلها الجمهور، هو وجود مساحات من الحرية لخلق بيئة اجتماعية واعية تهتم بالبحث عن الأفكار الجديدة بعيدًا عن أي دور سلبي يلعبه تدخل الرقابة الحكومية يحد من حرية انتقاء الأفكار المهمة عن طريق العمل الفني.

كما تحتاج تطوير الأعمال الفنية في الشرق الأوسط إلى توفير “صناديق مساندة” تتمثل في إتاحة سهولة وصول الشباب الناشئين إلى موارد الإنتاج، بالإضافة إلى تأمين منصات لعرض هذه الأعمال الفنية، “باختصار نحتاج إلى تقاليد الصناعة الحقيقية”.

ثنائية حاتم علي ووليد سيف.. الغوص في التاريخ

غاص السيناريست الفلسطيني وليد سيف في التاريخ الإسلامي وعمل بالشراكة مع المخرج حاتم علي عدة إنتاجات من الأعمال التاريخية التلفزيونية تعتبر مصدرًا مؤثرًا لكل مهتم في سياق التاريخ الإسلامي.

“العودة إلى التاريخ لا تعني الهروب من الواقع أو الظرف الراهن، أعتقد أن التاريخ بحد ذاته قضية شخصية، تحمل في طياتها الكثير من النقاش”، بحسب ما قاله حاتم علي في لقائه عام 2013.

وأضاف، “المشاكل الأخيرة التي تحصل في العالم سببها التغاضي عن النظر إلى الماضي بعين نقدية واستخلاص العبر منه. نحن لا ننتقد قضايا اليوم لأنها تكرار لقضايا أمس”.

“ثلاثية الأندلس”

وهي سلسلة تلفزيونية تاريخية سورية من إخراج حاتم علي وكتابة وتأليف وسيناريو وحوار وليد سيف، وتحكي قصة الأندلس منذ فتحها إلى سقوطها، بُنيت السلسلة على أساس أربعة أجزاء، أُنتجت ثلاثة منها ولم يُفرج عن الجزء الرابع إلى اليوم دون معرفة الأسباب.

وأول جزء هو مسلسل “صقر قريش” وأُنتج في عام 2002، ويحكي سيرة عبد الرحمن الداخل منذ ولادته مرورًا بسقوط الدولة الأموية وقيام الدولة العباسية على أنقاضها، وفراره إلى الأندلس ليحيي الدولة الأموية مرة أخرى هناك.

اكتفى المسلسل بلمحة بسيطة عن فتح الأندلس وعهد الولاة فيها بإشارة سريعة.

https://www.youtube.com/watch?v=-blhpzg8yCE&feature=emb_logo

أما الجزء الثاني هو “ربيع قرطبة” واُنتج عام 2003، ويحكي سيرة الحاجب المنصور محمد بن أبي عامر وطموحه من رجل فقير بين العامة إلى حاجب الخليفة وحاكم الأندلس فعليًا.

واكتفى المسلسل بلمحة عن عصر ما بعد صقر قريش في أولى حلقاته، كذلك أشار إلى عهد عبد الرحمن الناصر مختصرًا في خمس حلقات، وفي الحلقة الأخيرة أشار إلى عصر ما بعد الحاجب المنصور، وتم التصريح إلى قيام ممالك الطوائف.

https://www.youtube.com/watch?v=plku3QMP8aQ&feature=emb_logo

الجزء الثالث هو “ملوك الطوائف” واُنتج عام 2005، ويروي قصة عصر ملوك الطوائف في الأندلس مرتكزًا في أحداثه على المعتمد بن عباد كشخصية رئيسية، كذلك يركز على قصة دولة المرابطين وسيرة يوسف بن تاشفين.

https://www.youtube.com/watch?v=st6FgF3DRdM&feature=emb_logo

“التغريبة الفلسطينية”

ويعد واحد من أشهر ما أنتجته الدراما العربية عام 2004 في تسليط الضوء على القضية الفلسطينية، ونال المسلسل الذي أخرجه حاتم علي وكتبه وليد سيف، العديد من الجوائز في عدة دول عربية مختلفة، صُوّر بأكمله في سوريا، وبُث للمشاهد في نفس العام عبر 31 حلقة.

https://www.youtube.com/watch?list=PLFACjqFct-LLnH51Eh9a5eX5veAXSettf&v=NsvVers5Qfc&feature=emb_logo

“صلاح الدين الأيوبي”

وهو مسلسل تاريخي من إخراج حاتم علي وتأليف وليد سيف، يتناول الأحداث السياسية في القرن السادس الهجري في منطقة بلاد الشام ومصر التي شهدت حينها “الحروب الصليبية”.

ويركز المسلسل على سيرة صلاح الدين الأيوبي ويبرز شجاعته وحسن خلقه، كما يحكي كيف استطاع توحيد المسلمين وانتصارهم في الحرب خلال معركة “حطين” الشهيرة واستعادة القدس.

https://www.youtube.com/watch?list=PLFACjqFct-LLn6oEeqNZUEpNJy_5oXtDr&v=nh-GKfpzbtg&feature=emb_logo

“عمر”

هو مسلسل تاريخي تلفزيوني بتكلفة أكثر من 100 مليون ريال سعودي، ومن إخراج حاتم علي وتأليف وليد سيف، يحكي سيرة وحياة عمر بن الخطاب وما دار فيها من أحداث ومعارك وما اشتهر عنه من صفات منذ أن كان صغيرًا حتى توفي.

وقال حاتم علي عن هذا المسلسل إن “عمر” مسلسل “فريد من نوعه وحساس، ليس فقط من ناحية إنتاجه (يعتبر الانتاج الأضخم في العالم العربي) لكنه المحاولة الأولى للخوض في شخصيات كانت ممنوعة ومقدسة لدى المسلمين. إنه المسلسل الأول الذي اقترب من تقمّس هذه الشخصيات”.

https://www.youtube.com/watch?v=poiBVJOvNzo&feature=emb_logo

“الملك فاروق”

شكل المخرج حاتم علي حالةً استثنائية في الدراما السورية والعربية، خاصةً مع إخراجه عددًا من الأعمال الدرامية التاريخية، تناولت شخصيات كان لها تأثيرها المباشر في التاريخ العربي.

وهذا ما دفع شركة “MBC” للاستعانة به لإخراج مسلسل “الملك فاروق”، الذي يتناول السيرة الذاتية لآخر ملوك مصر من سلالة محمد علي باشا، قبل قيام حركة الضباط الأحرار، فيما عرف بـ “ثورة يوليو” عام 1952.

مسلسل الملك فاروق.. السوريون حين قادوا عملًا مصريًا

ويعد هذا العمل من الأعمال التاريخية المحدودة التي أخرجها حاتم علي لكاتب غير وليد سيف، إذ ألفته الكاتبة المصرية لميس جابر.

يجسد حاتم علي في عدد من أعماله المجتمع السوري بعلاقاته ومشاعره ثقافته وأخلاقياته، إيجابياته وسلبياته، محاولًا خدمة المجتمع ثقافيًا وفكريًا، وهو ما أكد عليه أكثر من مرة في مقابلاته.

“أحلامنا الكبيرة صارت صغيرة”

يعتبر حاتم علي صاحب المسلسل الاجتماعي السوري الشهير “أحلام كبيرة” الذي كتبته ريم حنا، ويطرح في 29 حلقة عددًا من الأفكار عن الحب والأحلام والطموح والعلاقات المبنية على المال والطمع، والعلاقات المعنوية داخل عائلة الحلبي التي تعتبر محور أحداث المسلسل.

https://www.youtube.com/watch?list=PL6RIU7u9cvEclejHxDzH2PzHpV-MjbKeq&v=GntkOys8sTU&feature=emb_logo

ونعت الكاتبة السورية يم مشهدي، عبر صفحتها في “فيس بوك”، المخرج حاتم علي، من خلال أسماء الأعمال التي أخرجها في السنوات السابقة، و”أحلامنا الكبيره صارت صغيره يا حاتم”، وفق تعبيرها.

وأُنتج مسلسل “أحلام كبيرة” في عام 2004، خلال فترة تطورت فيها صناعة الأعمال الدرامية السورية، ازداد فيها كم الأعمال والاهتمام بالمسلسلات كنوع فني معروف وشعبي متداول ومهم للتسويق.

“الفصول الأربعة”

الفصول الأربعة هو مسلسل تلفزيوني سوري اجتماعي يتكون من جزئين، أُنتج الجزء الأول في عام 1999 والجزء الثاني في 2002، من إخراج حاتم علي وتأليف دلع الرحبي وريم حنا، تناول المسلسل الحياة اليومية لأسرة دمشقية والعلاقات الأسرية التي تربط بين أفرادها.

وأفراد العائلة ينتمون إلى جميع الطبقات الاجتماعية من حيث الثقافة والغناء والفقر، ما يعكس المسلسل من خلال شخصياته جميع مكونات المجتمع السوري.

https://www.youtube.com/watch?list=PLk-eaWp6xpi7I13VRRnI7cEw7bz3e3I6s&v=0ugCXk7SYK8&feature=emb_logo

“قلم حمرة”

تراجعت صناعة الدراما السورية ما بعد 2011، وهذا التراجع يعود لعدة أسباب أهمها ابتعاد الأفكار والنصوص عن تمثيل الواقع السوري المتردي، وضعف في الإنتاج.

ولكن في عام 2014، أخرج حاتم علي عملًا دراميًا يحمل الصفة الاجتماعية، حمل في أحداثه عدة قضايا ابتداء من الأزمة السورية وانعكاساتها على المواطنين، وحال الطبقة المثقفة والوسطى من ضياع وانهيار.

بالإضافة إلى التطرق لمواضيع أخرى، كالمثلية الجنسية، العنوسة والفراغ وحالة الإحباط التي تتولد منها، البطالة، سن الأمل وأيضًا تبعاتها الهرمونية والنفسية، واستخدام وسائل التواصل الاجتماعي، ملل الزواج، الزواج بين أفراد من دينين مختلفين، وقضية اللجوء، وأخيرًا الهوية والمواطنة.

https://www.youtube.com/watch?v=fQCozLnkLKc&feature=emb_logo

“العراب- نادي الشرق”

مقتبسًا من رواية “العراب” الشهيرة لماريو بوزو، مع تغييرات جذرية في البنية الأساسية للقصة والحفاظ على روح المافيا فيها، حقق مسلسل “العراب- نادي الشرق” السوري، من إخراج حاتم علي وتأليف رافي وهبي نجاحًا عند عرضه في عام 2015.

يناقش العمل قصة “أبو عليا”، وهو شخصية متنفذة ممن يطلق عليهم “الحرس القديم”، ويعنى بالحرس القديم الشخصيات التي أمسكت بمفاصل الحياة الأمنية والسياسية في عهد حافظ الأسد، وكان لهم نفوذ وسلطات واسعة، وحققوا ملايين الليرات.

لا يرفض “أبو عليا”، الشخصية القاسية صاحبة المبادئ (المبادئ هنا ليست بالطبع المبادئ الإنسانية، بل هي قواعد اللعبة السياسية والمجتمعية) طلب أي شخص في أثناء حفل زفاف أولاده. ويقام حفل الزفاف بحضور العائلة الواسعة المرتبطة مع بعضها بالمصالح التجارية والاقتصادية والمافيوية.

ويستعرض المسلسل بجزئه الأول أنماط العلاقات بين جهات أقرب إلى المافيا منها إلى شكل الدولة، سواءً بطريقة إدارة الصراع بين هذه الدوائر، أو في طريقة حل المشاكل العالقة، ومنها ضياع ابنة “أبوعليا” (لونا) حتى يجدها دكتور جامعي (نورس) دون معرفة شخصيتها الحقيقية، ويحتويها حتى وصول المعلومات عن وجودها في منزله واعتقاله.

https://www.youtube.com/watch?v=O0xNCkh4zHs&feature=emb_logo

ولا يمكن فصل الأعمال الدرامية السورية عن الواقع من جهة، وعن السلطة السياسية والرقابية من جهة أخرى، فقلما نجد أعمالًا درامية تنجو من سلطة الرقيب ويكون لها حرية الطرح بشكل يوائم ما بين متطلبات العمل الفني الجيد، وواقعية طرحه من جهة أخرى.

شهد عام 2020 نهاية مشوار المخرج حاتم علي، ونعاه المخرج السوري هيثم حقي، الذي أخرج ونفذ فيلم “الليل الطويل، وأخرجه حاتم علي ومثل فيه.

https://www.youtube.com/watch?v=O0xNCkh4zHs&feature=emb_logo

وقال حقي، عبر “فيس بوك”، إن سوريا خسرت “ممثلًا، ومخرجًا، وكاتبًا، وإنسانًا، تليق به الإنسانية. أي حزن يلف سوريتنا المقهورة”.

——————————-

رحيل المخرج السوري حاتم علي: أعماله وثّقت لدمشق وتناولت التاريخ وتغريبة الفلسطينيين/ راشد عيسى

باريس ـ «القدس العربي»: تجري التحضيرات في القاهرة لنقل جثمان المخرج السوري حاتم علي إلى دمشق يوم الخميس المقبل، على أن يدفن الجمعة، وهو كان قد توفي أمس عن 58 عاماً (مواليد 1962) «داخل غرفته في فندق الماريوت لأسباب طبيعية» حسب ما قال مسؤول أمني في القاهرة لوكالة «فرانس برس» لافتاً إلى أن السلطات المصرية أبلغت السفارة السورية بالوفاة، كما استدعت مسؤولاً منها لحضور مراسم استخراج تصريح الدفن.

وفي اتصال لـ «القدس العربي» مع نجل الفنان (عمرو علي) في القاهرة أكّد أن والده كان قد شعر بوعكة اتصل على إثرها بإدارة الفندق، لكن فارقته الحياة قبل وصول الإسعاف.

وقال عمرو علي، وهو مخرج يعمل إلى جانب والده، إنهما في مصر منذ حوالي شهرين تحضيراً لعمل تلفزيوني كان من المفترض أن يبدأ تصويره في التاسع من الشهر المقبل. وهو مسلسل، يقوم على ممثّلين خليجيين، يتناول فترة السفر برلك، على أن يصوّر جزء منه في مصر، ثم في مكة، ويتولى المخرج الليث حجو تصوير جزء منه في لبنان وسوريا.

وتعيش عائلة المخرج الراحل في كندا منذ العام 2017 حيث اختار الهجرة بعد فترة عاشها بين بيروت والقاهرة، وكان خرج من دمشق بشكل نهائي منذ العام 2012، الأمر الذي يفسره كثيرون على أنه معارضة ضمنية للنظام، من دون أن ينقل عنه قول صريح.

اللافت أن السوريين على اختلاف توجهاتهم نعوا الفنان الراحل، في اتفاق وإجماع قلّما يحدث، واستذكروا العدد الكبير من أعماله التي توزعت بين التلفزيون والسينما والمسرح.

من التغريبة الفلسطينية

وإذا كان عمل حاتم علي قد توزّع على أنواع فنية وأدبية مختلفة، فإن الأبرز فيها هو اشتغاله على عدد كبير من الموضوعات، حيث بات لكل من المشاهدين السوريين والعرب حصته من أعماله، فقد بات اليوم مسلسل «الفصول الأربعة» وثيقة بصرية واجتماعية لدمشق بشوارعها وساحاتها، حتى أن هناك من بين اللاجئين من يقول إنه لو أراد أن يعرّف أطفاله على دمشق التي عاشها فإنه غالباً ما يعود إلى أعمال علي. كذلك يحضر التاريخ في سلسلة أعمال تناولت تاريخ العرب في الأندلس في شراكة مبدعة مع الكاتب وليد سيف «صقر قريش» «ربيع قرطبة» و«ملوك الطوائف». بالإضافة إلى عمليه الكبيرين «صلاح الدين» و»عمر» الذي أثار جدلاً كبيراً في حينه لجهة تناول غير مسبوق للخليفة عمر بن الخطاب في مسلسل تلفزيوني.

لكن مهما اختلفت الآراء والأذواق حول الفنان السوري الراحل فإنها ستلتقي عند عمل لا يمحى من الذاكرة، وقد جعلته التغريبة السورية حاضراً على الدوام، هو مسلسل «التغريبة الفلسطينيّة» (2004)، ويرصد تفاصيل اللهجّة الفلسطينية إثر نكبة العام 1948، وقد لعب المخرج نفسه أحد الأدوار المؤثرة فيه كممثل.

لم يكن غريباً أن تلتقط عين حاتم علي في «التغريبة» تفاصيل فلسطينية شديدة الخصوصية، فهو قد عاش تجربة مماثلة، نازحاً من بلدة فيق في الجولان السوري المحتل، إلى مخيمات وعشوائيات دمشق. هناك انطلق فتى حالماً بالمسرح، واحداً من مجموعة من المسرحيين الذين بات لكل منهم اليوم اسمه في عالم الإخراج أو الكتابة أو التمثيل، ليدرس تالياً التمثيل في «المعهد العالي للفنون المسرحية بدمشق» ويتخرّج منه العام 1986. عاش إلى جوار الفلسطينيين في مخيم اليرموك، حيث نشأ في الحجر الأسود المتاخم، وكذلك شارك في أنشطة الشبيبة الفتحاوية أوائل الثمانينيات من القرن الماضي في معسكرات عدرا وبيت نايم في غوطة دمشق، على ما روى الكاتب الفلسطيني السوري ماجد كيالي.

سيرة حاتم علي تشكّل حكاية صعود وموت قد يستحق عملاً درامياً، فولد العشوائيات النازح بات اليوم، مع عشرات الأعمال التلفزيونية والسينمائية اللامعة، أحد أباطرة الإخراج، التلفزيوني خصوصاً، في العالم العربي. وفي وقت تنظر إلى سلسلة أعماله فتجد أنه قدم مشروعاً مكتملاً بالفعل، ترى إليه في الواقع فتجده يطرح مشاريع وأفكاراً يبدو معها وكأنه قد استأنف حياته للتو، من منفاه الكندي، بجعبة مليئة بالمشاريع، وحرية بالتحرك والانطلاق بعيداً عن قبضة الأنظمة.

القدس العربي

——————————

مآخذ على حاتم علي..إمكانات محدودة واجتهاد في بيئة رديئة!/ وليد بركسية

لم تمض ساعات على وفاة المخرج السوري حاتم علي، حتى تحول في مواقع التواصل الاجتماعي إلى أسطورة ينبغي تقديسها، رغم أن الرجل كان غائباً منذ سنوات وأعماله منذ العام 2014 عندما قدم مسلسل “قلم حمرة” لم تترك أثراً يذكر. وإن كان من الطبيعي أن يحزن الجمهور عند وفاة المشاهير والشخصيات العامة، إلا أن المبالغة في استجرار العواطف تبقى أمراً مستفزاً، خصوصاً إن امتدت نحو تحوير للتاريخ وتجميل للواقع، مثلما هو الحال في سوريا.

وفيما يرتبط اسم علي الذي توفي في القاهرة إثر نوبة قلبية عن 58 عاماً، في ذاكرة السوريين بمجموعة من الأعمال الاجتماعية، تحديداً مسلسلي “أحلام كبيرة” (2004) و”الفصول الأربعة” بجزئيه (1999،2002)، بالإضافة لمجموعة من المسلسلات التاريخية لعل أبرزها قصة “الزير سالم” (2000)، فإن تلك الأعمال نفسها التي يروج لها على أنها نتاج المرحلة الذهبية من عمر الدراما السورية، تستحق التوقف عندها من ناحية تقنية حتى من دون الغوص في الأفكار الاجتماعية والسياسية التي تتبناها، وهي أفكار تبقى محافظة ما يجعلها بلا شك تلقى إعجاب فئات واسعة من الجماهير العربية.

    حاتم علي ، إنسان ، فنان ، مخرج ، عظيم ببساطته , يمثلنا بالتزامه و أدبه . الفصول الاربعة هي الارض و الشجر و الزهر و…

    Posted by Manal Fahham on Tuesday, December 29, 2020

ولعل الخاصية الأساسية في أسلوب علي الإخراجي، كانت الهدوء واللقطات القريبة التي تجعل من الشخصيات أكثر قرباً من المشاهدين، وتحديداً في الدراما الاجتماعية، وهي حالة توسعت في “أحلام كبيرة” نحو الاعتماد على كاميرا تتحرك باستمرار بطريقة توحي بوجود شخص ما يقوم بالتسجيل لغرض توثيق اللحظات العائلية وليس صناعة مسلسل احترافي. ورغم أن هذا الهدوء كان سائداً في الدراما السورية منذ عقود ويلاحظ في أعمال مخرجين كثر (علاء الدين كوكش، هيثم حقي، ..) إلا أنه بعيد عن الجمود حيث تتحرك الكاميرا برشاقة بين الشخصيات بدل القطع المتتالي من شخصية إلى أخرى عند الحوارات، ما يجعل المشاهد تبدو طبيعية أكثر من كونها تمثيلاً يعمل فيه الممثلون بطريقة أقرب للأداء المسرحي.

على أن ذلك وحده لا يعتبر نقلة نوعية أو ابتكاراً فريداً من نوعه، بل هو تطور طبيعي فرضه بالدرجة الأولى تراكم سنوات العمل التلفزيوني في البلاد منذ ستينيات القرن الماضي بالإضافة للعامل التقني ووجود عامل المقارنة مع الإنتاجات العالمية. كما أن اتجاه كثير من المخرجين السوريين بعد العام 2000 للاستعراض البصري (نجدة أنزور، يوسف رزق) وظهور مخرجين لا علاقة لهم بالفن أصلاً، جعل من علي اسماً أكثر رزانة، خصوصاً أنه عمل دائماً مع شركات إنتاج بميزانيات ضخمة، قبل أن ينبثق عنه مخرجون عملوا معه كمساعدين قبل الاستقلال وتقديم أعمالهم الخاصة، أبرزهم المثنى صبح، الذي تكاد الصورة في مسلسلاته تتطابق مع الصورة في مسلسلات علي.

ولا تخلو أعمال علي من المشاكل نفسها التي تعانيها مئات المسلسلات السورية: الإطالة في اللقطات، الحوارات المملة، الكلاسيكية في الطرح، الموسيقا التصويرية التي تقحم في المشاهد إقحاماً وكأنها لازمة يجب على المشاهد المسكين تحملها لمتابعة أحداث القصة. في “الفصول الأربعة” مثلاً، تمتلئ الحلقات بلقطات لا داعي لها للشخصيات وهي تتنقل من دون غاية حقيقية، يبدأ المشهد مثلاً في الشارع عندما يصل أحد أفراد العائلة لزيارة الجدين كريم ونبيلة، ويمشي ببطء ويصعد الدرج، ويقرع الجرس وينتظر وهو يسمع صوت خطوات قادمة، قبل أن تنتقل الكاميرا إلى داخل المنزل حيث يمشي أحد أفراد العائلة هناك ببطء أيضاً كي يفتح الباب، قبل تبادل التحية والقبل والنكات السريعة، من دون الوصول إلى أي تقدم في سياق الحلقة نفسها.

وعليه، ربما يجب التساؤل عن معنى مفهوم المخرج الجيد أصلاً، وتحديداً ضمن وسط فني رديء مثل الدراما السورية. فإن كان الإخراج هو الطريقة البصرية لإيصال الأفكار المختلفة عبر الشاشة، فإنه لا يكفي وحده لتقديم منتج جيد، بل هنالك أيضاً السيناريو الذي يحمل أفكاراً وقيماً. ومن ناحية نظرية، فإن المخرج يقدم أعمالاً يتبنى أفكارها، لكن ذلك قد لا يكون دقيقاً في عالم مادي كالعالم الذي نعيش فيه أولاً، ولا في بلد مثل سوريا الأسد، حيث لا حرية للتفكير خارج الأطر التي تحددها السلطة ثانياً.

ويلاحظ في أعمال علي التي أخرجها خيط رفيع يربطها جميعاً، حيث تحمل إلى حد ما طابعاً عروبياً يتغنى بالحضارة العربية قبل قرون، ولا يقتصر ذلك على الأعمال التي حاكت تلك الفترة كثلاثيته الشهيرة عن الأندلس، بل أيضاً في محاكاته لقصص الشعر العربي في “الزير سالم” ووجود شخصيات وحوارات عن تلك الحقبة في مسلسلاته الاجتماعية أيضاً (الفصول الأربعة، عائلتي وأنا، ..). كما يتقاطع ذلك مع أفكار محافظة تقريباً لا تتحدى السائد بقدر ما تتماشى معه، ما يجعلها في النهاية منتجات غير مؤثرة، رغم تقديمها للجمهور على أنها منتجات ثقافية تحمل “أفكاراً ثقيلة” وليست مجرد “مضيعة للوقت”.

ضمن هذا السياق، ومع غياب قيمة التسلية التي يفترض بالمسلسلات التلفزيونية تقديمها لصالح مهمة بديلة هي نشر الأنماط الاجتماعية والأفكار السياسية والثقافية، بطريقة غير مباشرة، فإن أعمال علي تحديداً يجب أن تناقش ضمن فكرة أوسع هي “جودة الدراما السورية” من الأساس، وخصوصاً في حقبة ما قبل الثورة السورية التي تتهم بأنها أدت لانهيار صناعة الدراما في البلاد. لكن تلك الفكرة تبقى بعيدة عن نقاشات صناع الدراما أنفسهم، لأنها تهز أساس مهنتهم التي تشكل مصدر رزقهم و”بريستيجهم” ومكانتهم في وسط يصفونه دائماً في مقابلاتهم بأنه فاسد.

    #في_رأيي أن حاتم علي أعور بين العميان…موهبة متوسطة وكثير من العمل… وأن الميل إلى أسطرته بيدل شقد هالبلد بائسة… وأن…

    Posted by Hossam Jazmati on Tuesday, December 29, 2020

من جهة أخرى، يمكن مثلاً عقد مقارنة بصرية بين مسلسل “قلم حمرة” و”غداً نلتقي” (2015) اللذين قدما في فترة زمنية متقاربة، ففي الأول يبرز النص الذي كتبته يم مشهدي كأساس للدهشة والمفاجأة على حساب بقية عناصر العمل التي أتت مساندة للكلمات، فيما يبدو إخراج رامي حنا متفوقاً على نص إياد أبو الشامات في الثاني، لأن الفلسفة البصرية فيه نقلت المسلسل إلى مستوى آخر، وتحديداً اختيار اللقطات وتنويعها والموسيقا التصويرية البارعة بالإضافة للإضاءة التي خلقت جواً من السوداوية.

على أن مقارنة “قلم حمرة” أيضاً بمسلسل “الندم” الذي قدمه المخرج الليث حجو العام 2016 عن نص للكاتب حسن سامي يوسف، يجعل الهدوء والحيادية اللتي اعتمدهما علي في عمله عنصرين ثمينين ساهما في خلق منتج فني لائق، لأن “الندم” حمل فلسفة بصرية سامة، صورت الماضي قبل الثورة السورية بالألوان المشرقة مقابل الحاضر بعدها بالأسود والأبيض للدلالة على خطأ السوريين في ثورتهم المطالبة بالحرية والكرامة.

وفيما تتكرر عبارة أن علي كان “أفضل مخرج في تاريخ الدراما السورية”، فإن المقارنة السابقة تضعه في مرتبة متوازنة، حيث كان رجلاً مجتهداً في عمله ضمن بيئة غير احترافية من دون قدرات استثنائية أو رؤية فنية خارجة عن المألوف، وبالتالي فإن مستوى ما قدمه منذ انتقاله من التمثيل إلى الإخراج منتصف تسعينيات القرن الماضي، كان متفاوتاً بالنظر إلى النصوص التي عمل عليها ونوعية الإنتاجات والتدخلات الرسمية أيضاً.

على أن الحزن السائد في السوشيال ميديا اليوم لا يرتبط فقط بالجانب الفني، بل أيضاً بالجانب الأخلاقي، فعلي كان فناناً يعمل بصمت بعيداً عن المهاترات والفضائح، ولم يكن يطرح نفسه كشخص استثنائي بقدر ما كان يقدم عمله للجمهور لا أكثر. كما أن مواقفه السياسية تبقى حاضرة في ذكريات جمهوره عنه، فرغم أن صوته لم يكن عالياً مثل فنانين آخرين تحدوا نظام الأسد، مثل جمال سليمان ومي سكاف وآخرين، إلا أنه كان محسوباً على المعارضة وفصل من نقابة الفنانين السوريين بسبب مواقفه السياسية قبل سنوات ومات في المنفى، ورغم ذلك كله فإنه لم يكن حقوداً أو متزمتاً بل حافظ على علاقات عمل مع زملاء وفنانين موالين للنظام كما يظهر في مسلسلاته بعد العام 2011.

ويبقى لقاؤه مع مجموعة من الفنانين والصحافيين بالرئيس السوري بشار الأسد العام 2008 حاضراً في الذكريات التي سردها صحافيون مثل أياد شربجي للدلالة على ابتعاده عن النفاق، فحينها “كان الجميع يتدافع ليجلس أقرب ما يمكن لبشار، الا حاتم، نحى بعيداً واختار أقصى كرسي في القاعة وجلس صامتاً طوال الوقت بينما الممثلون يمازحون بشار ويقاطعون بعضهم ويرفعون أيديهم ليحظوا بفرصة للحديث معه. بقي حاتم صامتاً وصلب الملامح لدرجة أن بشار الأسد نفسه انتبه وقال له ما سمعنا صوتك استاذ حاتم. فأومأ بيديه ورد: الزملاء حكوا كل شي. ثم سكت مشعراً الجميع بأنه لا يريد الكلام، وهذا ما حصل”.

    من المواقف التي لا أنساها ايضا لحاتم، عندما دعا بشار عام 2008 مجموعة من الكتاب والممثلين والمخرجين إلى القصر الجمهوري،…

    Posted by Eiad Charbaji on Tuesday, December 29, 2020

المدن

—————————————

صديق العائلة السورية وموثق التغريبة الفلسطينية لن يموت.. لماذا نبكي حاتم علي؟/ أبد الحاج

يبدو المشهد اليوم مختلفاً، ويبدو الفقيد -وبصورةٍ باتت نادرة- كأنه فقيد الجميع. منصات التواصل الاجتماعي التي لا يشيع عليها اسم راحل حتى تتضارب الآراء حوله.. حول مكانته، وقع رحيله، حبه أو بغضه، جنته أو ناره، تبدو اليوم متعقِّلةً حزينةً ومتفقة بشكل لافتٍ أن الموت فجَعَ الجميع، ووزَّعَ عليهم كلهم حصصاً من الحزن، بمشهدٍ لا يتكرر إلا نادراً جداً. كل المنصات تحمل نعواته، وكل العارفين به يبكونه، فهل يدرك الجيل الجديد لماذا وحَّد الحزن السوريُّون خصوصاً والعرب عموماً لأول مرةٍ ومنذ زمن؛ فيبكي كلُّهم حاتم علي؟

من لا يعرف حاتم علي!

تقول أمي مستنكرة حين نسألها إن كانت تعرف حاتم علي أو تذكره أم لا: ألا أعرف حاتم علي؟! هل يوجد أحدٌ لا يعرفه؟!

هكذا، رسخ الرجل قبل رحيله اسماً صار ماركة مسجلة في عقول السوريين جميعاً، علامة يكفي ذكرها في نهاية شارةِ مسلسل ما حتى يجلسوا أمامه بكلِّ راحةٍ وهم يدركون أنهم أمام عمل يحترم عقولهم، وأخلاقهم، ومبادئهم، ولا يستنزف وقتهم دون داعٍ، اسمٌ بات دليلاً دامغاً لا جدال فيه على نجاح أي عملٌ تلفزيوني يدخله.

حاتم “مرايا”، و”الفصول الأربعة”، حاتم “كريم ونبيلة وجميلة” المسلسل الذي لا زال أهل سوريا يعيدون مشاهدته حتى الآن، كأنهم يستجرون فيه ذاكرتهم القديمة في محاولةٍ للتشبث بها، ويحفظون فيه أيامهم الذهبية التي يخشون نسيانها، يستعيدون عوائلهم كأنها مجتمعةٌ بفصولها الأربعة، يعيشون تفاصيل تقلباتها وحياتها سوياً.. حاتم الذي استطاع أن يجعل نفسه جزءاً من عائلة كل سوري وسورية، ويأخذ لها مساحةً من ذاكرة كل عائلة، يرتبط بذكرياتنا، بوجداننا، بفصولنا الأربعة وتغريبتنا.

تغريبة رشدي، ورشدي حاتم، وحاتم ابن الجولان المحتل الذي عاش التجربة صغيراً، فاستحضر التفاصيل وركَّبها، وفصَّلها، ليصنع عملاً يرتكز عليه تاريخٌ، وتنطوي داخله قضية، ويحمل في ثنياته وثوانيه ؛وللأبد- مرجعاً لكل من أراد أن يقصَّ على أبنائه المشهد كأنهم يرونه، ويزرع داخلهم وطناً هو من حقهم وحدهم. عملٌ جعل وجداننا يقترب من فلسطين، نلتقيها في مشاهده، نقرأ الواقع بشكل أعمق، نعيش الغربة والتغريبة ونوثِّق وجعها في أذهاننا كأننا كنا هناك نلملم مع أم أحمد أغراضاً قليلة، قليلةً فقط لأنها “أكمن يوم وراجعين”.

من فلسطين لإشبيلية

لم يأخذنا حاتم لفلسطين وحدها، بل لإشبيلية، وغرناطة، وبغداد، والرصافة لعز المسلمين ومجدهم، لتاريخنا الذي عرفناه من خلال مسلسلاته، لخلافة الفاروق عمر (رضي الله عنه)، الحوارات الرائعة، اللغة الرصينة الغنية، الديكور، الفنيِّات بمجملها، لمضارب قبيلتي تغلب وبكر في الدراما التي لا نملّ من مشاهدتها أبداً، والملحمة الراسخة داخل ذاكرة العرب جميعاً “الزير سالم”

هل نرثيك كما رثى المهلهل كليباً؟! أنقول هل ماتَ حاتمٌ كله؟!

حاتم الذي ساهم في تشكيل هوية ووعي وذائقة جيل كامل، أعاده لتراثه، وعرَّفه حقوقه، وأثرى عقله بأعمالٍ قيِّمة المعنى، كبيرةُ الأثر، فكان جزءاً من تكوينهم الثقافي والنفسي.

في ظل دراما الجهل، والإسفاف والتعرِّي، والهبوط، دراما الدعارة، والقبل، والأخلاق المنحلَّة، وقصص الحب التافهة؛ كيف يمكننا ألا نبكي مبدعاً محترماً ومثقفاً كحاتم؟! كيف يمكننا ألا نرثي الرجل الذي حوَّل الشاشة لكتاب، وحوَّل النص التاريخي لواقعٍ مرئيٍّ مُعاش وقريب من متناول جميع فئات المجتمع؟! كيف لا يرثيه السوريُّون؟!

السوريُّون يبكون حاتم لأن لديهم تغريبته الخاصة التي تنتظر من يلملمها، يأخذ بتفاصيلها ويزرعها في عيون وقلوب وذاكرة كلِّ العالم.. لأنه لا زال هناك الكثير ليخرجه عن شتاتهم الجديد ويرويه. 

يقول الراحل في مقابلةٍ له واضعاً أساساً متيناً لصناعةٍ مسيرة كل مبدعٍ لا كل مخرجٍ فقط: ما يصنع مسيرة أي مخرج ليس فقط تلك الأعمال التي يقبل تقديمها وإنما تلك الأعمال التي يقول لها: لا.

كيف لا نرثي حاتم الذي استطاع أن يقول لا في حين أن الجميع يقول أمام المال والشهرة: نعم؟!

وفي رحلة بحثنا عما نرثيه به؛ نعود إليه.. نغرق فيما قيل داخل مشهدٍ أخرجهُ، على لسان الراحل القدير خالد تاجا في مسلسل الفصول الأربعة:

“الموت حق، كاس بدو يمر على كل هالناس، بس يعني أنا زعلان على حالي، زعلان من حالي، لأنو نحنا بالموت ما بنكون عم نبكي عالميت، الميت راح لوجه ربو، بس نحنا اللي فقدنا شخص عزيز بيترك بحياتنا فراغ ما بيتعبى أبداً، وبنحس بإنو نقصنا شي، بنبكي لأنو نقصنا شي، زعلان من حالي لأنو دائماً بكتشف إني ما تطلعت منيح بعيون اللي ماتو، بندم لأني ما قعدت معون أكثر، ما حكيت معون أكثر، ما شبعت منون”. ونحن يا حاتم علي لم نشبع من إبداعك، ولكننا نثق بأنه سيقعد معنا دائماً، ليثبت أن شخصاً مثلك يستحيل أن يموت كله.

—————————–

قدَّما سوياً حكاية الأندلس وأبدعا في “عُمر” و”التغريبة الفلسطينية”.. حكاية ثنائي الدراما حاتم علي ووليد سيف/ بلقيس دارغوث

بعد 8 أعوام على آخر تعاون بينهما، انتهت الحكاية بوفاة علي في غرفة بأحد الفنادق بمصر عن عمر يناهز 58 عاماً/ مواقع التواصل الاجتماعي

كان حاتم علي طفلاً صغيراً في العام 1967، عندما نزح من منزله في الجولان إلى دمشق بالقرب من مخيم اليرموك للاجئين الفلسطينيين. وهناك كان شاهداً على المأساة التي عاناها الشعب الفلسطيني وانتهت بهم في ذلك المخيم، الأمر الذي بقي راسخاً في ذاكرته وتشكيل وعيه ليجسده فناً بعد عقود في التغريبة الفلسطينية، الملحمة الإبداعية التي تعاون فيها مع الدكتور وليد سيف، شريكه في أبرز وأنجح الأعمال التاريخية التي قدمها على الشاشة.

لكن بدايات حاتم، لم تكُن كما أراد لها؛ كان الشاب الطموح يحلم بدراسة النقد والدراسات المسرحية وليس التمثيل، لكن عندما تم تأجيل الاختصاص لعدة سنوات في دمشق، انضم لقسم التمثيل ليتخرج العام 1986.

ورغم الابتعاد بعض الشيء عن طموحه الأولي، إلا أنه بقي في الفلك الفني الذي أراد أن يكون جزءاً منه، فألف للمسرح، وكتب القصة القصيرة وحتى السيناريو. كما عمل ممثلاً مع المخرج هيثم حقي في مسلسل “دائرة النار” العام 1988، لتتوالى أدواره الفنية بعد ذلك، وتحديداً في الأدوار التاريخية والبدوية.

ورغم امتهان التمثيل، إلا أنه لم يكن كافياً هو الآخر، واكتشف علي أن التمثيل لم يكن الطريق المناسب “لتأسيس فكرته الخاصة” ومدرسته الفنية.

https://www.youtube.com/watch?v=oC8CFv0pu5k

وفي فيلم وثائقي بثته قناة الجزيرة العام 2014، اعتبر أن مهنة الإخراج هي المهنة الوحيدة التي تكاد أن تشبه مهنة الصانع، وهو ما أراد تحقيقه.

https://www.youtube.com/watch?v=TJJ35BPQ314&feature=emb_logo

من الشعر إلى الدراما

في الأردن، وليس بعيداً عن دمشق، كان الدكتور وليد سيف يقود مسيرته الأدبية.

فهو الكاتب الفلسطيني من مواليد طولكرم في الضفة الغربية العام 1948 أو “عام النكبة”، والذي كان شاهداً على التحولات السياسية العربية ومحورها القضية الفلسطينية.

انتقل للعيش في الأردن، حيث حصل على شهادة البكالوريوس في اللغة والأدب العربيين من الجامعة الأردنية؛ كما حصل على شهادة الدكتوراة في اللغويات من جامعة لندن عام 1975.

بدأ بكتابة الشعر وألف 3 دواوين، قبل أن يبدأ العام 1977 الكتابة الدرامية التاريخية بعد عودته من بريطانيا.

كان أول أعماله الدرامية مسلسل “الخنساء” عام 1977، تلتها أعمال أخرى منها: شجرة الدر وعروة بن الورد وطرفة بن العبد، وغيرها الكثير.

اعتُبرت هذه الأعمال لاحقاً نوعاً من “الأدب التلفزيوني”، لكن نقاط ضعفها- بحسب رأيه- كانت دائماً مستوى الإنتاج قياساً إلى ما وصل إليه لاحقاً في الإنتاج الدرامي المعاصر.

كان سيف يشكو دائماً إمكانات الإنتاج المحدودة والتي منعته من أن يبدع على الورق ما كان يعرف أن لن تتمكن الدراما من تنفيذه تلفزيونياً، أو أن يتم تنفيذه بطريقة هزيلة، وهو ما كان يرفضه جملةً وتفصيلاً.

وفي عام 2001، شاء القدر أن يلتقي درب الرجلين عبر مسلسل صلاح الدين الأيوبي، والذي كان باكورة التعاون بين سيف وعلي.

فبعد أن كان سيف أعرب عن رغبته في تنفيذ مسلسل عن صلاح الدين الأيوبي، عرّف الممثل السوري أيمن زيدان المخرج حاتم علي على الكاتب عبر الهاتف، وكان الحوار الأول والاتصال الأول في سلسلة اتصالات ستخرج لاحقاً بأبرز الأعمال التاريخية في تاريخ الدراما العربية.

https://www.youtube.com/watch?v=BDb45MQspnM&feature=emb_logo

حاتم علي ووليد سيف.. سر الانسجام

يقول سيف إن التوافق وقع من اللحظة الأولى من حيث الرؤية والأسلوب الدرامي والمضمون الفكري والسردي وحتى الرؤية الفنية بشكل عام.

أما علي فقال إنه شعر أن ما يجمع الرجلين أكثر مما يفرقهما، ليس فقط على الصعيد الفكري، بل على الصعيد النفسي والشخصي، الأمر الذي أدى إلى شراكة استطاعت أن تنجو من المطبات المعتادة التي سرعان ما يقع فيها الشركاء أثناء التجربة العملية، على حد تعبير الراحل.

كما أسند علي الفضل لنجاح هذه الثنائية إلى شركات الإنتاج الذي أتاحت لهما تنفيذ الرؤية الفنية على الشاشة بأريحية وراحة سمحت بتيسير أمور الكتابة وتصويرها وتطوير الأعمال الفنية كما تصورها سيف وعلي سوياً.

أدى نجاح مسلسل صلاح الدين إلى مزيد من التعاون بين الرجلين أثمر عن مسلسل صقر قريش الذي تم تصويره في المغرب.

نجاح العمل الثاني ألهم الرجلين إلى طرح فكرة الثلاثية الأندلسية (صقر قريش وربيع قرطبة وملوك الطوائف)، علماً أن سيف أكمل كتابة الجزء الرابع منها وهو “سقوط غرناطة” منذ سنوات ولكن عدم توافر جهة إنتاجية جعل العمل رهينة الورق.

https://www.youtube.com/watch?v=-NQzsiYQEIQ&feature=emb_logo

كان الهدف من هذه المسلسلات تقديم “ملف درامي تلفزيوني” عن تلك الحقبة الغنية بالأحداث التاريخية والشخصيات الخالدة في الذهن العربي، فتقدم صورة عن ازدهار واندثار الحقبة الأندلسية، حسب ما قال سيف.

كان آخر تعاون بينهما هو مسلسل عمر عام 2012، والذي شكل بصمة تاريخية لتصوير أحد الخلفاء الراشدين لأول مرة على شاشة التلفزيون، الأمر الذي قسم الرأي العام بين مؤيد ومعارض.

ويعتبر مسلسل عمر أضخم مسلسل تاريخي بتكلفة 200 مليون ريال سعودي، وهو إنتاج مشترك بين تلفزيون mbc ومؤسسة قطر الإعلام قدم خلاله حاتم علي بالصوت والصورة ما خطه سيف بعد إشراف مراجع إسلامية عدة.

الثنائيات الدرامية

1- صلاح الدين الأيوبي: العام 2000.

2- صقر قريش: العام 2002.

3- ربيع قرطبة العام 2003.

4- التغريبة الفلسطينية العام 2004.

5- ملوك الطوائف العام 2005.

6 عمر العام 2012.

وبعد 8 أعوام على آخر تعاون بينهما، انتهت حكاية حاتم علي ووليد سيف بوفاة علي في غرفة بأحد الفنادق بمصر عن عمر يناهز 58 عاماً إثر أزمة قلبية حادة أثارت موجة من الحزن اجتاحت كل محبي ومشاهدي إبداعات الرجلين.

—————————–

رحيل حاتم علي.. أندلس الدراما التلفزيونية بات مفقودًا

توفي صباح اليوم الثلاثاء، 29 كانون الأول/ديسمبر، المخرج السوري حاتم علي (1962 – 2020) في مدينة القاهرة جرّاء أزمة قلبية. وقد نشر السيناريست المصري عبد الرحيم كمال نعيًّا على صفحات التواصل الاجتماعي للمخرج قال فيه: “لا حول ولا قوة إلا بالله.. وداعًا صديقي وحبيبي الأستاذ حاتم علي المخرج الكبير المهذب الراقي.. في أمان الله ورحمته حبيبي.. من أحزن الأخبار والله ربنا يُقبل عليك بفضله ورضاه”.

بدأ حاتم علي مشواره الفني بالكتابة المسرحية والنصوص الدرامية والقصص القصيرة. تخرّج من المعهد العالي للفنون المسرحية – قسم التمثيل في دمشق عام 1986، ليبدأ حياته الفنية ممثلًا تحت إدارة المخرج هيثم حقي في مسلسل “دائرة النار” 1988، ثم توالت مشاركاته في الأعمال الدرامية التي جسّد فيها شخصيات مختلفة جعلته من الممثلين الأساسيين في المشهد السوري.

لكن الانتقالة الكبرى في حياته المهنية جاءت عند توجهه نحو الإخراج التلفزيوني، حيث قدم عددًا كبيرًا من الأفلام التلفزيونية الهامة، الاجتماعية والتاريخية على حدّ سواء، ولعلّ من أهم ما قدمه هو مسلسل “الزير سالم” الذي يعدّ علامة فارقة في تاريخ الدراما السورية، وكذلك في الثلاثية الأندلسية: “صقر قريش” و”ربيع قرطبة” و”ملوك الطوائف”. بالإضافة إلى “التغريبة الفلسطينية”، المسلسل العربي الأكثر تعبيرًا عن القضية الفلسطينية ومصير اللاجئين.

لا شك أن الأعمال الاجتماعية التي قدمها الراحل كانت مهمة ومؤثرة مثل “الفصول الأربعة”، إلا أن تأثيره الأكبر كان في الدراما التاريخية التي استطاع أن ينقلها إلى الزخم الإنتاجي الكبير، وأن يجعل منها ذات طابع وجداني يلامس المشاهدين في مختلف أصقاع العالم العربي.

له عدة أعمال سينمائية منها فيلم “العشاق”، وهو فيلم روائي طويل مقتبس عن مسلسله “أحلام كبيرة”، و”شغف” وهو فيلم قصير، وأيضًا فيلم “سيلينا” المقتبس عن مسرحية “هالة والملك” لفيروز والأخوين رحباني، وفيلم “الليل الطويل” عن نص لهيثم حقي.

في كانون الأول/ديسمبر 2007، قام بافتتاح شركته “صورة للإنتاج الفني”، التي بدأت أول إنتاجاتها مع مسلسل “صراع على الرمال”، ليصبح منذ ذلك الحين منتجًا إلى جانب عمله في الإخراج والتمثيل والكتابة.

نشر علي مجموعتين قصصيتين هما “ما حدث وما لم يحدث” و”موت مدرس التاريخ العجوز”، إلى جانب كتابة سيناريوهات عديدة.

————————————

خبر وفاة حاتم علي يتصدر “السوشال ميديا”.. رثاء متعدد الجبهات/ أحمد خواجة

فُجع محبو الممثل والمخرج السوري حاتم علي، بنبأ وفاته بعد تعّرضه لأزمة قلبية في مقر إقامته في مصر، ليفارق الحياة عن عمر ناهز الـ58 سنة.

ويعدّ حاتم علي أحد أهم الأسماء التي تركت بصمات كبيرة في الدراما السورية، من خلال الأعمال التي أخرجها، والتي حظيت بجماهيرية كبيرة في العالم العربي، كالفصول الأربعة، أحلام كبيرة، قلم حمرة، عصي الدمع، إضافة إلى عشرات الأعمال التلفزيونية من مسلسلات وثلاثيات وسباعيات.

برع حاتم علي بشكل خاص في الأعمال التاريخية التي وثّقت حقبات تاريخية بطريقة علمية وفنية، ومن أبرز أعماله في هذا المجال الزير سالم، صقر قريش، صلاح الدين الأيوبي وعمر بن الخطاب.

    ما عّم أقدر أوقف مقارنة بين حاتم علي ونجدت أنزور، ومافيني أوقف تخيل موقف مشابه يكون نجدت أنزور أيضاً متوفي، كمية الحب اللي يحاط فيها حاتم علي وأكاد أجزم إنه نجدت أنزور رح يكون محاط بشبيحة قَتَلة فقط وليس الناس العاديين!

    — Muthana Sayer (@muthana_sayer) December 29, 2020

على المستوى الشخصي، تميّز حاتم علي بدماثة الأخلاق والتفاني في حب عمله، وقد كانت له مواقف مشرفة منذ انطلاقة الثورة السورية، حيث انحاز دائمًا إلى الشعب في مواجهة جرائم النظام.

    #حاتم_علي

    لعنة الله على #بشار_الأسد

    غربهم عن أوطانهم شردهم عن أهاليهم شعب نخبة المثقفين القراء المبدعين

    (هم الفن العربي) المميز المبدع الوحيدين حتى الآن ع الساحة العربية

    رحمك الله يا حاتم ورحم كل اخواننا السوريين المظلومين في هذه الحياة اموات كانوا ام احياء.

    اللهم اغفرله ورحمه pic.twitter.com/vDBO5BFbr6

    — زينة الشهري (@Zezo2222Z) December 29, 2020

وقد تعرض حاتم علي للمضايقة أكثر من مرة بسبب مواقفه السياسية، ليصل الأمر إلى شطب اسمه من نقابة الفنانين السوريين، برئاسة الممثل زهير رمضان، في العام 2019، “عقابًا” له على مواقفه.

    من لم يمت بقنابل بشار الأسد مات مقهور على حاله وحال بلده وشعبه..

    رحم الله الفنان الحر والمبدع والانسان الرائع #حاتم_علي

    خسارة كبيرة للفن ولسوريا

    — Roushan Bouzo – روشان بوظو (@RBouzoAH) December 29, 2020

فيما وحّد رحيل حاتم علي السوريين المعارضين، والفلسطينيين المؤمنين بقضيتهم بعيدًا عن المزايدات والخطابات الرنانة الفارغة، كما كل الأحرار في العالم العربي. الشعب الفلسطيني بنكبته المستمرة منذ عام 1948، وجّد في التغريبة الفلسطينية، أحد أبرز أعمال المخرج الراحل، الصوت الحقيقي الذي يعبّر عن آلامهم وعن حجم المأساة التي يعيشونها.

    #حاتم_علي

    مؤرّخ “التغريبة الفلسطينية”دراميا،

    يرحل قبل أن يؤرّخ ل “التغريبة السورية”.

    — أحمد البكار (@ahmedalbakkar) December 29, 2020

رأت الناشطة منى حوّا أن مسلسل التغريبة خلّد نضال الفلسطيني الفدائي، وروح المقاومة، وجذر الإنسان المقتلع من أرضه. فيما وصف أحمد البكّار حاتم علي بمؤرخ التغريبة الفلسطينية، وأضاف لقد رحل قبل أن يؤرّخ التغريبة السورية.

    يفجعنا #رحيل_حاتم علي المخرج الحرّ الذي وصف البندقية بالرافعة التي تبني فلسطين، صاحب التغريبة التي خلّدت نضال الفدائي وروح المقاومة وجذر الإنسان المُقتلع من أرضه. صاحب الرباعية الأندلسية التي لم تكتمل لكنها استعادت التاريخ في أسئلة الواقع وأثثت ذاكرة جيل كامل.. مثل حاتم لا يموت..

    — مُنى حوّا • Muna Hawwa (@MunaHawwa) December 29, 2020

ناشطون سوريون معارضون رثوا حاتم علي على صفحاتهم، واعتبروا أنه هناك طرق كثيرة لمواجهة بشار الأسد، وأن حاتم علي، وإن لم يتّخذ مواقف مباشرة من النظام مثلما فعل جمال سليمان وفارس الحلو مثلًا، إلا أنه خاض حربًا ضروسًا من الداخل، وحاول مرارًا وبجهد تعرية نظام بشار الأسد، من خلال أعماله التي حملت ترميزًا كبيرًا، وانعكاسًا واضحًا لما يعانيه الشعب السوري الأعزل تحت سلطة العصابة الأسدية، وخاصة من خلال مسلسل العراب الذي أخرجه في العام 2016، والذي حاول من خلاله شرح طريقة تحكّم بشار الأسد وأسرته وزبانيته، بتفاصيل حياة السوريين، وتحويلها إلى جحيم حقيقي.

    ربنا يرحمك ويغفرلك متشكرين علي #التغريبة_الفلسطينيه من أعظم الحاجات الي اتعملت في تاريخ السينما ❤#حاتم_علي

    — محمد قاسم (@XyKTrLun2qoC1wM) December 29, 2020

 فيما ذكر موقع سوريا دراما المعارض على تويتر، أن الأزمات القلبية يتسبّب بها غالبًا القهر الذي يواجهه الإنسان في حياته، وأن حاتم علي هو أحد ضحايا الممارسات الأسدية، حيث أجبر على مغادرة سوريا، ولم يُسمح له بحضور جنازة والده الذي مات في العام 2020.

    ( توخذيش كل الأغراض يا ام أحمد، خذي الشغلات المهمة، يلا يابا يا حبيبي امشو قدامي، كلها يومين وبنرجع يا ام أحمد !!)

    من مسلسل التغريبة الفلسطينية—- للمبدع الذي رحل اليوم #حاتم_علي رحمه الله pic.twitter.com/DDoIgIGQ8O

    — Assi (@Assi11086370) December 29, 2020

وقد عبّر عدد كبير من الفنانين والإعلاميين في سوريا والعالم العربي عن حزنهم الشديد لوفاة حاتم علي. الفنانون السوريون المعارضون خسروا برحيل حاتم علي صوتًا صادحًا في وجه الباطل.

    عمل رائع… الله يرحمك –#حاتم_علي #التغريبة_الفلسطينية pic.twitter.com/WXNgzrTviM

    — Siham (@Joulia91935406) December 29, 2020

رثى الممثل السوري المعارض مكسيم خليل حاتم علي عبر صفحته في فايسبوك بكلمات مؤثرة، ووصفه بأستاذه الذي تعلّم منه الكثير. فيما اعتبر الفنان السوري المعارض سميح شقير، والمعروف بقصائده الثورية التي ألّفها ولحنها لتصدح في ساحات التظاهر ضد النظام السوري، أن رحيل حاتم علي هو تغريبة جديدة، بعد التغريبتين السورية والفلسطينية، من خلال منشور له على صفحته على فايسبوك.

———————————

ترك فراغاً ما بيتعبا أبداً”… ما بين التغريبتين الفلسطينية والسورية يرحل المخرج حاتم علي

“الموت حق… كاس بدو يمر ع الكل. بس إحنا لما بنكون فقدنا عزيز، بيترك بحياتنا فراغ ما بيتعبا أبداً، وبنحس أنو ناقصنا شي”، وردت هذه العبارة ضمن حوار فلسفي عميق حول الموت وأثر الفقد على لسان إحدى شخصيات المسلسل الاجتماعي السوري الشهير “الفصول الأربعة”.

بعد سنوات طويلة على عرض المسلسل، استخدمها العديد من المعلقين عبر مواقع التواصل الاجتماعي للتعبير عن ألمه وحجم خسارته لرحيل مخرج العمل، حاتم علي.

    رح يبقى هالعمل رغم بساطته علامة فارقة بالدراما السورية ..وقد مايحضرو الواحد مابمل منه #الفصول_الاربعة للمخرج #حاتم_عليpic.twitter.com/SNSeezrfuB

    — HOT-NEWS (@news_ger_chekel) December 29, 2020

أكدت وسائل إعلام مصرية وعربية نبأ وفاة المخرج السوري الكبير حاتم علي عن 58 عاماً، صباح 29 كانون الأول/ ديسمبر، إثر “أزمة قلبية” خلال وجوده في أحد فنادق القاهرة حيث يقيم منذ سنوات.

وكان السيناريست المصري عبد الرحيم كمال أول من أذاع الخبر بمنشور عبر حسابه في فيسبوك شارك خلاله صورة له مع حاتم وعلق عليها: “لا حول ولا قوة إلا بالله… وداعاً صديقي وحبيبي الأستاذ حاتم علي المخرج الكبير المهذب الراقي. في أمان الله ورحمته حبيبي. من أحزن الأخبار والله”.

متعدد المواهب

على الرغم من أن حياته العلمية بدأت بدراسة الفلسفة، بدّل حاتم مساره إلى دراسة التمثيل في المعهد العالي للفنون المسرحية بدمشق، حيث حصل على شهادة في الفنون المسرحية عام 1986.

    “العالم كله تآمر علينا ورمانا للخيمة، عشان هيك صار كله حقنا، اللي ملوش بيت كل البيوت حقه، اللي ملوش حق كل الدنيا حقه”.

    – من أفضل مشاهد مسلسل #التغريبة_الفلسطينية للمخرج #حاتم_علي الذي توفي اليوم. pic.twitter.com/Wd7mPJE3yz

    — Hosam Yahia (@HosamYahiaAJ) December 29, 2020

ليس واضحاً إذا كان من قبيل الشغف بالتجديد أو الإيمان بتعدد مواهبه أن تحول حاتم عدة مرات من لون فني إلى آخر، فبعدما بدأت مسيرته كاتباً مسرحياً -بالإضافة إلى كتابة النصوص الدرامية والقصص القصيرة- ظهر ممثلاً في بعض المسلسلات السورية مثل “دائرة النار” عام 1988، قبل أن يتجه إلى الإخراج انطلاقاً من الأعمال التلفزيونية في منتصف تسعينيات القرن الماضي، وصولاً إلى إخراج الأفلام الروائية القصيرة والطويلة.

بلغ إجمالي الأعمال التي شارك فيها ممثلاً 42 ومخرجاً 49 عملاً، علاوةً على تأليف ستة أعمال، وإنتاج 10 أخرى عبر تأسيسه شركة “صورة” للإنتاج الفني ومن أعمالها: “مطلوب رجال” عام 2010 و”المنتقم” عام 2012.

بعيداً عن حسبة الأعداد، يكفي حاتم علي ذكر اسم واحد فقط من أعماله الاجتماعية والتاريخية البديعة لنتبين أن هذا العمل الواحد يعادل مسيرة فنية كاملة لآخرين ويكشف عن سيرة قل مثيلها. هو مخرج “الزير سالم” -هذا المسلسل التاريخي السوري الذي أنتج عام 200 ويعد حجر زاوية في مسيرته بل في مسيرة نجوم حاليين ساهم العمل بالدور الأكبر في شهرتهم، وعلى رأسهم عابد فهد وسلوم حداد، كما فاز عنه بذهبية مهرجان البحرين. كان حاتم يخطط لإعادة تصوير قصة المسلسل في عمل سينمائي برؤية فنية جديد، وفق أنباء جرى تداولها قبل أيام.

    أهم مشاهد مسلسل الملك فاروق للمخرج السوري الراحل #حاتم_علي pic.twitter.com/okgnlrvuIA

    — Ascetic (@Ascetic18384772) December 29, 2020

لكن ما إن يذكر اسم حاتم علي حتى تتبادر إلى الأذهان أعماله الاجتماعية والتاريخية الوطنية، أبرزها: “التغريبة الفلسطينية” عام 2004 الذي واجه صعوبات عديدة في سبيل إنجازه على نحو يوصل للعالم معاناة الشعب الفلسطيني. وكيف لا يشعر بمعاناة التهجير والتشريد وهو المولود في الجولان السوري عام 1962، وقد نزح مع عائلته بسبب ممارسات الاحتلال الإسرائيلي حتى حصل على اللجوء في كندا لاحقاً.

    حاتم علي يتحدث إلى جورج حبش عن الصعوبات التي واجهته في إنجاز العمل الدرامي الأبرز في تاريخ القضية الفلسطينية “التغريبة الفلسطينية”.

    رحيل حاتم علي خسارة كبيرة لنا جميعًا.. إلى رحمة الله pic.twitter.com/SoyuF8s6sk

    — Yasser (@yasserashour95) December 29, 2020

هو أيضاً مخرج مسلسل “صلاح الدين الأيوبي” عام 2001 وقد تمت دبلجته إلى عدة لغات وعرض في بضع دول، بينها ماليزيا وتركيا واليمن، ومسلسلات “صقر قريش” عام 2002 و”ربيع قرطبة” عام 2003، و”ملوك الطوائف” عام 2005، و”الملك فاروق” عام 2007، و”عمر” عام 2012. يروي الأخير سيرة عمر بن الخطاب وهو أضخم إنتاج عربي في مجال الدراما وأول تجسيد لصحابي في عمل فني عربي.

كذلك أخرج مسلسلات: “فارس في المدينة” عام 1997، و”مرايا” بين عامي 1998 و1999، و”الفصول الأربعة” بين عامي 1999 و2002، و”الثلاثية الأندلسية” بين عامي 2002 و2005، و”عصي الدمع” عام 2005.

خلال السنوات الأخيرة، استقر حاتم في مصر ليهدي إلى مكتبة الدراما المصرية عدداً من المسلسلات المتميزة، آخرها “أهو دا اللي صار” عام 2019، وهو آخر أعماله. وكان حاتم يعكف على إخراج “عمل درامي ضخم” حين توفي، وفق ما ذكرته مجموعة “إم بي سي” السعودية في رثائه.

لكن باكورة أعماله الدرامية في مصر كانت مسلسل “تحت الأرض” الذى مثّل أول بطولة مطلقة للفنان أمير كرارة عام 2013. ثم توالت أعماله الدرامية المصرية، منها: “حجر جهنم” عام 2017 و”كأنه امبارح” عام 2018.

وكتب حاتم ثلاثة أعماله مسرحية هي: “مات 3 مرات” عام 1996، و”البارحة- اليوم- غداً” عام 1998، و”أهل الهوى” عام 2003. علاوةً على مشاركته المخرج المسرحي زيناتي قدسية في كتابة مسرحيتَي “الحصار” و”حكاية مسعود”. وهو الذي أّلف فيلمه الأول “آخر الليل” من إنتاج عام 1996، وقد حاز به ذهبية مهرجان القاهرة للإذاعة والتلفزيون.

وفي سجل حاتم الفني ثلاثة أفلام روائية طويلة: “العشاق” عام 2005، و”سيلينا” عام 2009، و”الليل الطويل” عام 2009. ولديه فيلم روائي قصير بعنوان “شغف” إنتاج عام 2005.

يشار إلى أن حاتم كان متزوجاً بزميلته الكاتبة والممثلة السورية دلع الرحبي (57 عاماً) -مؤلفة “الفصول الأربعة” بمشاركة الكاتبة ريم حنا، ولديهما ابنان.

    المخرج السوري حاتم علي.. في ذمة الله

    رحل صاحب التغريبة الفلسطينة، وستبقى فلسطين تحفظ له فضله حتى الحرية، ساهم حاتم علي بالحفاظ على الذاكرة الفلسطينية من الضياع، إلى جانب أعماله العظيمة الأخرى. pic.twitter.com/qR8e3LSjIk

    — Yasser (@yasserashour95) December 29, 2020

بالإضافة إلى العشرات من الفنانين والمخرجين العرب الذين نعوه، رثى العديد من الجمهور “صاحب التغريبة الفلسطينية” الذي “ساهم في الحفاظ على الذاكرة الفلسطينية من الضياع”.

——————————–

 

 

 

===========================

تحديث 31 كانون الأول 2010

——————————–

تغريبة ” حاتم علي ” الأخيرة/ عبدالله عيسى

سأعتذر منك طويلاً أن أقول لك على غير عادتي : وداعاً يا صاحبي . وسيكون من حقّك عليّ هذه المرّة أن أغفر لك أنّك ، مضطرّاً ، تطيل الردّ على رسائلي واتصالاتي ، وندائي عليك . لكنّه ، لم يكن من فروض الصداقة واللباقة أن تبتعد أكثر مما ينبغي ، أو أن نتركك تمضي بعيداً في تغريبة روحك الوقّادة ، كما عهدتها .

لا وطنَ في المنفى إلا الحنين إلى ذاكرتنا الأولى ، هناك في دمشق . نكره المنافي ، هكذا اتفقنا في آخر لقاء لنا في القاهرة قبل ثلاث سنين على غداء دعوتني إليه في نادي في الزمالك ، ليس لأنّنا نخاف من ركوب الطائرات ساعات طويلة فحسب ، بل لأنّ قلبينا لم يعودا يحتملان كلّ هذه الندوب التي تقرّحت في أنّات وطنٍ أقام فيهما كطير مكسور الجناح ، يرقص في دمه.

كندا يا حاتم أبعد من موسكو بثلاث مرّات على الأقل . ومخيم اليرموك أو الحجر الأسود أقرب كثيراً . لكنّ الحرب أخذتهما من بين أيديهما ومن خلفيهما إلى حفلة دمار تليق بسيناريوهات تشريدنا ، لاجئين في مخيم اليرموك أو نازحين في الحجر الأسود، تحت طائلة تغريبة في مناف لا تطلّ على الوطن . لا عليك . بل عليك أن تطير إلى هناك بحلم الحصول على جواز سفر، بعد أن توّهونا عن حلم العودة إلى الوطن الأمّ. هذه البلاد لا تمنح قبلتها ، لمن هو مثلنا، إلا حين تعثر علينا جثّة في ركن ما أو شارع أو حادث سير فيها .

وداعاً، إذن، صديقي .

وداعاً ، طالما الأمر كذلك

ولن يكون في مقدورنا يا حاتم أن نقلّب، ثلاثتنا وفلسطين معنا، النيّة والوقت والفكرة لإنتاج فيلم عالمي عن فلسطين تخرجه كما كنا نحلم . اتفقنا في لقائنا الأخير ذاك، وأطلّ علينا الحلم كلّه برؤيا الدكتور عاطف أبو سيف وزير الثقافة الفلسطينية الّذي جعله قاب قوسين أو أدنى قبل أن يلفظ العام الماضي أنفاسه الأخيرة. لم تعقنا الكورونا أن نتقدّم نحو الحلم هذا. رؤيا الفيلم الّتي قصّها الدكتور عاطف ، وأخذت منك ومنّي كلّ مأخذ، تؤصل لمتن السؤال الفلسطيني الأمّ. ولا شك سنبقى أوفياء لمعالجتك الدراميّة في حال انتاج الفيلم يا صاحبي بعدك . كما لم يعد بمقدورك أن تزور فلسطين ، حتى بجوازك الكنديّ، للمشاركة في احتفالات بيت لحم الثقافية العام المقبل ، بدعوة من وزارة الثقافة الفلسطينية ، وتقرأ الفاتحة على ضريح الشاعر الكبير محمود درويش الّذي اتصل بك نفسه في آخر زياراته لدمشق ، وحلّ ضيفاً عليك في بيتك. أذكر يا صاحبي عينيك وهما تتوقّدان وأنت تروي لي لأذكر.

—————————–

كتبوا عن مخرج الروائع الراحل ” حاتم علي

حسان عزت: شمس التغريبة تبقى وداعا حاتم علي

بدأ حاتم على الشاب لافتا منذ بداياته القصصية الأولى..

وبقي لافتا وناضرا بأعماله حتى آخر نفسٍ حرّ في صدرهِ وصدرِ كل سوري حر.. يعرف معه قيمة الحرية.

وعندما أجريت معه حوارا نشرته في صحيفة تشرين السورية، وهو القاص الشاب الواعد والمبشر يمكن 1982 اتصل بي رئيس القسم الثقافي في جريدة البعث الذي صار فيما بعد مديرا عاما للإذاعة والتلفزيون محتجا انه مازال شابا بعد والحوارات للنجوم الكبار والأعلام.. أجبته : انا أراه موهوبا وعلما..

ولم يكن حاتم ينقطع عن زيارتي في الحجر الأسود يوم كان يسكن فيها معنا،

وعندما سألته هنا في أبو ظبي يوما عندما كنت في مجلة انفينيتي وجاء لزيارتنا: أيهما من الأيام كنتَ أكثر سعادةً ياحاتم يوم كنتَ شابا بأحلام جميلة مع القلة المادية وانت في الحجر الأسود ( سكنى المسحوقين والغبراء ومن تضيق بهم المدينة) ، أم الآن وأنت في النجاح والوفرة المادية..

فتنهّد وقال : والله عندما كنت شابا، وكانت الأحلام هي السعادة، والأيام كانت أمامنا وليس خلفنا..

حاتم علي المخرج، المبدع الذي أبداً لم يتعالَ على الواقع، إلّا بالإبداع..

وحسبُه أعمالُه : التغريبة، والفصول الأربعة، وقلم حمرة، والزير سالم وعشرات الأعمال غيرها..

يوم كان يتعالي غيرُه وينتفخ مخرجو اللقطات الإعلانية الاكشن في الدراما، والمتمسحون بالسلطات ورؤساء فروع الأمن..

حاتم علي لم تكن يوما مع القتلة، أو ضد حرية شعبك ..

ستبقى في قلوب الناس ذكرى قصة حب او عملا إبداعيا مَع أعمال المبدعين الكبار في ارابسك وليالي الحلمية وزوجة رجل مهم

سعد فنصة

هاديء .. عميق .. وشديد الغموض مع ذكاء متقد لايُخفَ عن النبيه …

التقيته في منزل المخرج هيثم حقي اول مرة قبل ثلاثين عاما من الان ..

كان حينها قد ظهر في بعض الاعمال الدرامية خلال السنوات التي سبقت تاريخ اللقاء ..وكنت قد انتهيت للتو من فترة الدراسة للإخراج التلفزيوني في المركز العربي للتدريب الاذاعي والتلفزيوني بدمشق ..

وحين عملت مصورا ومخرجا للافلام الوثائقية في مكتب عنبر بدمشق القديمة كان يزورني في المحطة وفِي رأسه مشاريع ضخمة لم تبصر النور في حينه ونحن غرقى في دوامات دوائر الدولة العقيمة والمعقمة للابداع ..

غادرت مهنة الاخراج التلفزيوني .. بينما أصر حاتم علي على ان يحقق عبرها أحلامه الكبرى ..

وحقق انجازا تاريخيا يحسب لمقدرته الفذة على تخطي المحال في شروط هي جد محبطة ..

حاتم علي برع في الدراما التاريخية كما برع في الدراما الاجتماعية ..

وكان مسلسل الملك فاروق برأيي واحدا من أهم الانجازات البصرية التاريخية ابداعا عميقا ومؤثرا في ذاكرة الدراما العربية بالانتاج المشترك، تفوق بها الراحل على أهم المخرجين السوريين والعرب الذين برعوا في التنظير دون ان يمتلك احدهم عمق رؤيته المتفردة والتقاطه لمحة الابداع ..

حاتم علي كان مثقفا ثقافة تاريخية وبصرية عميقة لا ادعاء فيها، اضافة الى موهبته الحاذقة في اقتناص الفرص، ونجح في رحلة عمره القصيرة نجاحا باهرا وكنت متوقعا له ان يحقق هذا النجاح ..

فقد استفاد الراحل علي من تجاربه السابقة مع غباء المخرجين ..

وعندما اتصلت به لأهنئه على تفوقه باخراج مسلسل الملك فاروق في العام 2007 لم يُجِب ..فقد كان مشغولا بانجاز عمله القادم..

ياسر الأطرش

ينافس يومي فيَّ أمسي تشرفاً

وتحسد أسحاري عليَّ الأصائلُ

كان بيت المعري الخالد هذا جوابي على سؤال صديق: أي أعمال الراحل الكبير حاتم علي هي الأجمل. هذا رجل لم ينتج إلا الجمال والعبقرية والدفء.. ولم يخن يوماً أهله ولا إنسانيته.

ياسر أحمد

عراب الدراما وصاحب اللمسة الاخراجية الساحرة وصاحب الفضل على العديد من اهم المخرجين .. حاتم علي رحيلك مفجع للغاية ومن الصعب ان يعوض ..لروحك الرحمة والسكينة .

عبدالحكيم قطيفان

يا لفداحة الخسران برحيلك المبكر يا أبا عمرو.. رحيل صادم ومفجع ومؤلم حد الذهول ..إنه موت تغريبتنا السورية القسريه، تغريبةبلا فصول اربعه منذ عقد كامل..!سنفتقدك إنسانا جميلا مبدعآ حرآ وأصيلآ وصاحب المشاريع الاكثر ابداعآ وقربآ من اوجاعنا واحلامنا…عزائي الكبير للصديقة دلع الرحبي ولاولادك واهلك ومحبيك على مساحة عالمنا العربي..وداعآوالسلام والسكينة والرحمة لروحك البهية…والمجد لابداعك الخالد…

خضر الآغا

لم يمت حاتم علي في المنفى، بل مات بسببه.لروحك السلام، لروحك السلام

مالك داغستاني

في شارة مسلسل “انتقام الزباء” استُخدمت مفردة تكاد تكون منقرضة ولا يتداولها إلا سكان مدينة حمص. استخدمها المخرج غسان جبري كصرخة تتكرر مرتين. وهي تجمل في معناها الشعور العميق بالخسارة والفاجعة والأسف على فقد عزيز . ولا يوجدفي اللغة، على ما أعتقد، ما يكثف كل هذا مثل تلك المفردة.اليوم قفزت تلك (الصرخة) إلى لساني، وأنا أقرأ خبر رحيل المبدع حاتم علي.في حمص نقول: #ياحبالتي_عليه.

علي عايد

التقيت بحاتم علي مرتين

مرة مع الصديقين عبدالكريم العفنان وعبود حمام لإجراء حوار لصحيفة خليجية. وعلى عكس ما بدا من خجله (كطبع كما بدا لي)، كان مشاكساً ولم يستجب لأسئلتي المستفزة حول معارك بين فنانين ومخرجين.

المرة الثانية: مصادفة، أمام السفارة الليبية في شباط 2011، كنا جميعاً خجولين، وهتفنا نحن “الشجعان” الخائفين ضد النظام الليبي “خاين يللي يقتل شعبو”، وبدا حاتم علي أيضاً خجولاً.

أكثر ما كان يؤثر فيَّ من مشاهد مسلسلات أخرجها حاتم علي لحظات الصمت، والصمت مكافئ للخجل، وأمثلة ذلك كثيرة في “التغريبةالفلسطينية”، وفي “الزير سالم” خصوصاً. ودائماً ما كان يعيب على ممثلين الانفعال الزائد لإثبات أنهم ممثلين جيدين.

المرة الثالثة، كانت نصف لقاء على التلفون، سألته عن مشروع مسلسل “عمر بن الخطاب”. كان في المطار متوجهاً إلى دولة خليجية. نفى ذلك وعدَّه “كلام إعلامي”. لكن، لم تمض سوى أيام حتى أعلن عن التحضيرات النهائية للمسلسل.مات حاتم علي وحيداً، ربما، في القاهرة، وعائلته في كندا.

بسام قطيفان

سأقول لم نلتق كما يجب اللقاء بين من هم مثلنا..

منذ رأيتك أيها الأسمر المُجَذَّب، في دائرة النار.. فقد ألهبتَ ناراً “صغيرة” من ” الغيرة “منك في داخلي.. ولست أدري سبباً لدمجي بين شخصك و دورك في ذاك العمل، إلا أنني اعتبرتهما واحداً أغار منه، واحداً في مثل عمري يستطيع كسر كثير من “القماقم” التي كانت تغلفني وتكبلني..

هذا الإحساس بالغيرة لم يتلاش مع العمر،ومع وقوفي أكثر من مرة أمام كميرتك، بل غاب في ركن قَصِيّ في داخلي..كبرتَ أنت، و كانت فكرة أن أعمل معك تراودني وتُطرح بين الفينة والأخرى.. لكن حاجزاً ما كان يمنع أن يحدث ذلك_لعله ذاك الإحساس المختبيء! _ أو موانع أخرى…

لكني عندما رأيت ” التغريبة الفلسطينية” كسرت ما بداخلي، وكانت المرة اليتيمة التي أشعر فيها أنه يجب عليّ أن أبارك لمخرج هذا العمل-الذي لايزال يؤثر فيّ وفي عواطفي، كأي مشاهد لايعرف شيء في كواليس الدراما، ولا ادري لماذا-.. نعم يومها اتصلت بك :- مبروك.. والله يعطيك العافية على هالعمل..

– الله يبارك فيك، عجبك عن جد يابسام؟

– عجبني لاتكفي يا استاذ..

– الله يخليك، وانشالله قريباً تصير فرصة نشتغل مع بعض………..

لم تأت الفرصة يا أبا عمرو.. برغم انها كانت تقترب مرات ومرات..

حتى أنني ليلة الأمس كنت أحاور نفسي : هل ستحمل 2021 هذه الفرصة..؟ وذلك لعلمي أنك في غمرة التحضير لعمل جديد في القاهرة… وبالرغم من “كل شيء” حولنا، كان احساسي العتيق قد منعني أن أرفع السماعة كي أسمع صوتك…

للمرة الأخيرة. وها أنت، ترحل رحلتك الأخيرة، تاركاً خلفك كل الأشياء، بما فيها ذاك الركن القصي بداخلي الذي لايزال ينطوي على غيرة حتى من رحيل بهيّ لذلك الشاب الأسمر المجذَّب..

عبدالله عيسى

حاتم علي . يا حاتم علي!

مادمت لم تنتبه ، على غير عادتك ، لندائي هنا ، ولم ترد على اتصالي منذ ضحى هدا اليوم ، إذن وداعاً .

وداعاً صديقي ، صديقي وداعاً .

لن يكون بإمكاننا بعد اليوم أن نقلّب النية والوقت والفكرة أيضاً لانجاز فيلم من إخراجك عن فلسطين ، كما كنا نفعل قبل قليل من تجول فيروس الكورونا بيننا عبر الهاتف ، أنا في روسيا وأنت في كندا .

ولم يعد بمقدورك أن تزور فلسطين للمشاركة في احتفالات بيت لحم العام المقبل بدعوة من وزارة الثقافة الفلسطينية ، وتزور ضريح محمود درويش ومتحفه أيضاً ، وتذكر ما قلته لي في لقائنا الأخير في القاهرة قبل ثلاث سنين فقط عن اتصال الشاعر الكبير بك في آخر زياراته لدمشق وزيارته لبيتك ، ليقول لك ما أقوله لك الآن : شكراً يا حاتم على التغريبة الفلسطينية .

ونعبر الذاكرة طليقَين منذ مطلع ثمانينات القرن الماضي ، حيث ظلت تؤرقنا أسئلة الإبداع وزفرات الحرية و علامات الوجود .

وسيكون من الصعب حقاً عليك بعد الآن أن تتذكر معي أيام سوريا ، وتتألم معي ، لما حل فيها . تخيل ، آخر لقاء لنا فيها كان في مقهى الروضة قبل عشر سنين . تمر السنون كما تمر الحروب ، وما يبقى سوف يبقى .

يبقى لك يا عزيزي أن أذكر عنك ما ذكّرتني أو ذكرت لي . نحن كلنا في تغريبة لا تطاق .

نم بسلام يا صاحبي .

توفيق الحلاق

أعتقد أن طول العمر أوقصره مرتبط بما قدم الفقيد من خير للإنسانية، فهو يستحق التبجيل وإن عاش عشرين سنة من بذل الخير ، وهوغير مأسوف عليه إن عاش مائة سنة يحب ذاته ولايهتم لآلام الناس.

فهر الشامي

حاتم علي في الذاكرة

لعل أهم ما ميز هذا اليوم في آخر الساعات من هذا السنة ٢٠٢٠ بالنسبة لنا كسوريين في كل مكان ألقينا فيه عصا ترحالنا المرير، هو اجتماعنا الحزين على خبر رحيل المخرج حاتم علي، وخسارة واحد من أهم المخرجين السوريين.رحيله مؤلم لنا ومؤسف، بعد رحيل الأصيل علاء الدين كوكش، وبغض النظر عما سيقال عن عدم تناول حاتم علي مأساتنا السورية، وتخصيصه لها من الأعمال ما يحاكي تراجيديتها، فإن رحيله حزين لنا ومفجع، وأما غياب المأساة السورية من سجله، فإن الكلام على هذا السمت لن يكون مرضيا للمنطق والموضوعية، لا سيما أن معايير إخراج الأعمال الفنية الدرامية والسينمائية عديدة وكثيرة ومتشعبة، وهي ليست كبسة زر كما يقولون، ولا عصا سحرية، وربما تحتاج فترة من الزمن لصنعها، إن لجهة وجود النص، أو لجهة الانتاج، ثم لجهة الإخراج واختيار الكوادر التمثيلية إلخ..، يعني أن الأمر يستلزم وقتا وجهدا كبيرين.

وإخراج عمل بحجم مأساتنا لا بد يستلزم الكثير، ولا أعتقد أيضا أن الوقت حان لتناول المأساة بعين موضوعية، بل وبعين ثورية حتى، فالتيه الذي تعانيه المعارضة السورية، وغياب مؤسساتها، يجعل المبدع ينغلق على نفسه، وهناك أمثلة عديدة لما تعانيه مؤسسات المعارضة الهزيلة، فضلا عن غياب كبير للكوادر التمثيلية السورية الحرة، وهذا ما لم يتكلم عليه أحد بعد، أو لم يوضع في الحسبان، وهو واقع أثر كثيرا على وجود تمثل درامي حقيقي يعبر عن وجهة نظر الثورة السورية، أو حتى يحاكي المأساة بشكل ما أو بآخر، ولا سيما في ظل موقف عربي رسمي منافق للنظام السوري، بل ويعتمد التقية مع الثورة، يظهر لها عكس ما يضمر ويعمل عليه، بل ويقف بقوة وراء مأساة السوري.أعتقد أن تناول التراجيديا السورية كان وما زال سيصطدم بموقف عربي رسمي يعمل على استمرارها.

ما أود قوله هنا، هو أننا متفقون على مكانة حاتم علي في وجدان السوريين والعرب، وفي ذاكرة الإبداع السوري المرئي.وعظم مأساتنا السورية وهول قيامتها ربما يحتاج أعمارا فوق أعمارنا كي نقف ونحكم بروية على ما جرى.

أهوال قيامتنا كسوريين جعلتنا نعيش حالة من الذهول لم نفق بعد منها، في تمثل حقيقي لما ورد في القرآن الكريم، (وترى الناس سكارى وما هم بسكارى).نعم إن فظاعة الجريمة التي ارتكبت بحق الشعب السوري تجاوزت الوهم في العقول، وتجاوزت كل منطق وكل خيال.

ما الذي يبقى لنقوله في حاتم علي، وهو الشاب الذي أدرك باكرا أن كل شيء مصادر في الوطن ومحتكر لصالح ثلة من المتنفذين في كل المجالات ( النجم الأول والبطل الكبير والرياضي الأوحد والقائد الرمز والفارس الأصيل إلى آخر سلسلة الدجل والزيف)، فاختار طريق الإخراج ليصير فيه واحدا من الكبار، وقبل أن يتم احتكار هذا الطريق أيضا لصالح هذا او ذاك.وكي لا تكون هناك إطالة، فهذه هي أعمال حاتم علي قد جمعت السوريين كلهم على صعيد واحد، برؤية إبداعية عبقرية.. وسورية التي أنجبت حاتم علي وعلاء الدين كوكش وغيرهم من رموز سوريتنا ستنجب آخرين يكملون درب العطاء والتميز..

وداعا حاتم علي، ستبقى حيا في أعمالك الإبداعية، ستظل مضيئا في ذاكرة السوريين، وسيبقى ذلك الحياء الذي امتزت به وحدك بين فناني سورية درب عطر إلى قلوب محبيك، والأحلام الكبيرة التي رافقتنا ستظل تنبض في الروح لأمل قادم ولفجر جديد.

رحمك الله

مكسيم خليل

استاذي ..كم هي هزيلة فكرة “الحياة”وكم جميلة احياناً فكرة “الاشاعة”..يحترق امامي الآن الماضي الجميل..رحيلك صادم نعم..مفاجئ نعم..مؤلم قاسي نعم..لكنه لن يغير من حقيقة انك (استاذي)الذي علّمني الف باء التمثيل..علمني الالتزام ..الشغف ..القلق المهني الذي لا ينتهي..في البحث عن الجديد .لن يغير من حقيقة انك زرعتَ فيي وفي الكثيرين غيري:(احلاماً كبيرة..حتى ونحن نعيش تغريبتنا السورية)..رحيلك تاريخ حاضر في حياة السوريين..شكرا استاذي ..شكرا من القلب ..من الروح ..علّها توصل السلام لروحك.. حاتم علي.

الصورة لحالها بتحكي..

عنجد رحت!!

لو تعرف شو عملت فينا !!

بكلّنا..بذكرياتنا ..بأحلامنا..

تعا شوف الفراغ..الحزن..الضياع..

في ناس ماعاد شافو غير العتمة..

السوريين عميعزوا حالهن فيك..

في منن لبسوا اسود من دون ماينتبهوا..

بتعرف وين القصة؟؟

القصة انك جزء من سوريا يلي منحب..

القصة انك بتشبه الشام يلي منحب..

القصة انك بتشبه وطن كنت تحلم فيه..

وطن بيجمع اهله ورى شاشة وحدة..

فيها حب ..ابداع ..شغف..هم ..هدف..

القصة انك بتشبه نقطة ضو بآخر نفق مابدن ياها تطفي ..

يمكن رحت لانك مابتشبه هي المرحلة ..

او المرحلة مابتشبهك..

يمكن قلتلك!! بس اكيد ماقلتلك كفاية!!

قديش الك فضل ..

بتجربتك..بصوتك ..بغضبك ..بملاحظاتك..

بعيونك يلي مخبيين الرضى..

بحياتك ماعتبرت انك عمتعمل شي عظيم ولما كنا نقلك كنت تخجل وتفكر شو يلي ممكن تعمله لقدام..وكنت تفاجئنا..بمرحلة دهبية انت اسستها ..ومابعرف اذا رح تتكرر..

مو بس بمسلسلاتك فاجئتنا..حتى بفراقك فاجئتنا..

هاد انت استاذي حاتم علي..

ياريت فيني ودعك متل مابليق فيك..

امشي وراك بشوارع الشام ..

بس اكيد السوريين مارح يقصرو ..

و يوماً ما رح نرجع نوقف هي الوقفة ..

ايمتى وكيف مابعرف ..

بس الاكيد رح يكون الي الشرف .

ابتسام أبو سعدة

قال حاتم علي في إحدى مقابلاته: “أنا لست فقط أحد أبناء الجولان المحتل الذين عاشوا تجربة تتقاطع في كثير من تفاصيلها مع تجربة شخصيات المسلسل “التغريبة الفلسطينية” ولكنني أيضًا عشت طفولتي وشبابي في مخيم اليرموك وكنت في عام 1967 بعمر “صالح” الذي كان يحمله خاله “مسعود” وكنت أيضاً محمولاً بالطريقة نفسها على ظهر أحد أخوالي.

وأضاف: “بشكل أو بآخر استطعت أن أستحضر الكثير من هذه التفاصيل الواضحة أحياناً والمشوشة في أحيان كثيرة والملتبسة في بعض الأحيان وأوظفها وأعيد تركيبها مستكشفاً إياها في أحيان كثيرة من خلال العمل نفسه، وكثيرا ما سُئلت نفس السؤال وهو كيف يمكن لمخرج غير فلسطيني أن يقدم عملاً عن هذه القضية، وأنا شخصياً كنت أقول أن القضية الفلسطينية هي قضيتنا جميعاً كعرب”.

ثائر الناشف

عن رحيل حاتم علي

السوريون الواقفون بين طوابير الحياة وطوابير الموت ..

كلمات من دفاتر الماضي .. ذكريات وصور من العشرية السورية المُفجعة.

شاءت الأقدار -ربما لأكتب هذه السطور المؤجلة من حينها- أن تجمعنا صدفة ثلاث مرات في يوم صيفي واحد، وفي مكانين قاهريين مُختلفين.

كان اللقاء الأول في مجمع التحرير الكائن في مدينة القاهرة، وذلك في مطلع شهر سبتمبر عام 2014.

كان الجو قائظًا، والطابق الثاني مُزدحمًا بالمراجعين العرب، وخاصة السوريين منهم؛ بغية الحصول على بيان الإقامة المؤقتة في مصر استجابة لرغبة السلطات المصرية؛ والتي كانت قد شددت –حينذاك- إجراءاتها القانونية في إلزام جميع المُقيمين العرب على أراضيها في تبرير إقامتهم بطريقة شرعية، فتفاجأتُ يومها عندما همست زوجتي السابقة في أذني متسائلة (يا سائر مش هو الفنان السوري؟) فأجبتها من فوري؛ بلى إنه حاتم علي، فكانت دهشتي عظيمة، وأنا أرى ذلك الفنان الكبير الراحل وهو يقف بكل تواضع ورضى بين الطوابير، حاله في ذلك كحال المئات من السوريين النازحين والمهجّرين عن وطنهم الجريح في تغريبتهم القسرية، فيما كان العرق يسيل من جبينه، والأنفاس تضطرم في الصدور لشدة الحر، وانعدام التهوية الجيدة، ولم يلتفت أحد من السوريين إلى وجوده بيننا، فكان أن تركنا المكان، لالتقاط أنفاسنا لحين حلول موعد تسليم جوازات السفر بعد الساعة الثانية ظهرًا.

فكان اللقاء الثاني في مقهى جروبي الإيطالي العريق؛ والذي لا يبعد كثيرًا عن مبنى المجمع الحكومي في وسط القاهرة، فكانت الصدفة أن جلس في الطرف الآخر المقابل لي تمامًا، وعيناه تقولان لي ألم نلتق قبل قليل في المجمع الحكومي، وأننا هربنا بسبب الحر، وضيق التنفس والطوابير البشرية الطويلة، فكان الجواب في اللقاء الثالث عند عودتنا إلى المجمع لحظة التقاط الجوازات السورية المطبوعة بتصريح الإقامة.

كان الطابور أطول من المرة الأولى، فأصبح الجو خانقًا بشدة، ووقفنا بعضنا وراء بعض في صف طويل، فيما بدأ الموظف المصري يقذف الجوازات من مسافة بعيدة عبر النافذة الزجاجية؛ لاستحالة وصول صاحب الطلب إليه أمام الحشود البشرية المتدافعة، فما زلت أذكر كيف أن الموظف قذف بجوازي وجواز حاتم، ورحنا نلتقطهما كحراس المرمى، أو كما يلتقط الحمام حبات القمح.

أخذت أحدق إلى حاتم، وكأنني أعرفه منذ زمن طويل، بينما أخذ يتطلع إليَّ، وكأننا كنا رفاقا قدامى والتقينا بعد ردح من الدهر، في الحقيقة كنا نعرف بعضنا جيدًا بعيون ما حدث في سورية خلال عشرة أعوام.

كان حاتم يرى وجوه السوريين بعينه السينمائية الساحرة؛ والتي لم تغفل أبدًا عن رؤية أدق تفاصيل الوجع السوري المُرتحل من بلد لآخر، فكانت دهشته كبيرة عندما رويت له سريعًا قصة جواز سفري، لأنه كان مستغربًا بشدة أن شخصًا عنيدًا مثلي لا يزال يحمل جوازًا سوريًا في جيبه، فأخبرته أنني لا أملك جوازًا –وطنًا- حقيقيًا منذ سنوات طويلة، وأن ما بحوزتي الآن ربما لا يعدو كونه جوازًا سوريًا مُستعارًا، رغم أنّه يحمل بياناتي الشخصية الصحيحة، فكان أن أغمض عينيه لبرهة تعبيرًا عن أسفه.

لم استغرب أبدًا كيف تفاعل السوريون مع رحيل حاتم علي الإنسان، وأنا ما زلت أتذكر لحظة وقوفه بين الطوابير، فقد كان بوسعه أن يكلّف محاميًا مصريًا ليستلم عنه جوازه، كما يفعل السوريون الميسورون من فئة رجال الأعمال، لكنه أبى إلا أن يكون فنانًا إنسانًا يسند كتفه إلى كتف إخوته السوريين في تغربيتهم المريرة.

واحة الراهب: فاجعة اخر العام

أبى هذا العام البائس أن يأفل دون أن يختم فواجعه بخبر رحيل المخرج المبدع حاتم علي، كان آخر لقاء وعمل مشترك جمعنا في مسلسل “اوركيديا”، الذي شعرت بكم احتراقه بالقلق الدائم كأي مبدع حقيقي، ليتوهج إبداعه في قلوب المشاهدين. وأكثر ما أعتز بمشاركته معه هو دوري حاتيرا (الليدي مكبث) في مسلسل “القلاع” الذي ابدع حاتم اقتباسه عن مكبث لشكسبير وأخرجه مأمون البني. رحيله خسارة ليس فقط للفن والإبداع السوري، بل والعربي أيضًا لا تعوض.

تعازينا القلبية لزوجته دلع ولاولاده وعائلته.

ماجد كيالي: جار اليرموك

رحل حاتم علي…

خبر موجع اخر، ويا لأوجاع السوريين…

ثمة قصة ربما لا يعرفها كثر عن حاتم، الذي عاش في الحجر الأسود، جار مخيم اليرموك، وجار فلسطين كنازح من القنيطرة، والذي كان احد أعمدة فرقة عمال القنيطرة، مع أصدقاء فلسطينيين كثر في تلك الفرقة… اما القصة، وهي أساس معرفتي بهذا الشاب الرائع، والذي يألفه القلب من اللقاء الأول، فتمثلت بتلبيته دعوتي للمشاركة في أنشطة دورات لشبيبة فتح، نظمتها (1982 ـ 1983 ـ 1984) في معسكر الأشبال (في عدرا وبيت نايم في غوطة دمشق)، بين جملة فنانين أعزاء لبوا تلك الأنشطة (بينهم مصطفى الحلاج وحسين نازل وزيناتي قدسية وعبد الحي مسلم والفنان الشهيد عبد العزيز ابراهيم، وعبد المعطي أبو زيد ومانويل جيجي، ومحمد هجرس) وكل ذلك بجهود من الصديق العزيز محمود خليلي والاصدقاء كامل مزعل وفارس سمور وزيكوف وأبو الجاسم يوسف عياش، وهيثم السهلي، الغاية من هكذا دورات تنمية مواهب الشباب، وتنمية وعيهم السياسي، وكان حفل التخرج عبارة عن حفل فني، ضمنه مسرحية، ومعرض فن تشكيلي، اي انه كان على خلاف كل أشكال المعسكرات التي كانت معهودة في تلك الفترة، وكان حاتم دوما في هذه الأنشطة ينقل تجربته للشباب، ويعدهم للمسرحية التي ستقدم في حفل التخرج… حاتم ليس فقط مخرجا متألقا، فهو ممثل، أيضا، وكاتب قصة، وفوق كل ذلك انسان رائع، مع ضمير حي… حاتم باق في قلوبنا.

خالص التعازي لعائلته ولكل احبابه، ولرفاق مشواره الأعزاء: محمود خليلي، زيناتي قدسية، عبد الباري أبو الخير..

وداعا حاتم.. الشباب الفلسطينيون في تلك الدورات يتذكرونك بكل خير… وداعا حاتم مخرج التغريبة الفلسطينية… والذي عاش مرارة اللجوء ومرارة التغريبة السورية.

واسيني الأعرج: من يحمل عبء الذاكرة

وداعا حاتم…

خبر هزني بعنف هذا الصباح ببرود: حاتم علي مات يا واسيني. لولا أن خبر الفاجعة وصلني من شخص ثقة، وأكن له كل الحب والاحترام، ما صدقت الخبر. فجيعة أخرى يتمت في ثانية واحدة شخصيات أعظم مسلسلاته: التغريبة الفلسطينية، الزير سالم، ثلاثية الأندلس، صلاح الدين، عمر بن الخطاب، الفصول الأربعة وغيرها من منجزه الدرامي العظيم الذي هز يقينيات تاريخ لم يكتب دائما بشكل صحيح. يعيدني هذا إلى افتتاحية التغريبة الفلسطينية: “من يحمل عبء الذاكرة؟ ومن يكتب سير من لا سير لهم في بطون الكتب؟

شكرا حاتم على صفاء قلبك روحك وصورتك.

شكرا عزيزي وليد، فقد جعلتنا بمخيالك العظيم، برفقة حاتم، نتجول في التاريخ وكأننا في مدن الزمن الحاضر.

لروح حاتم الرحمة والسلام

عزائي الكبير لدلع وعمرو وكل عائلتك ومحبيك.

نواف القديمي: شهد تهجيره

لا أجد تفسيراً للحزن الذي يغمرك لوفاة من قد لا تعرفه بشخصه ولكن تشعر بأن في داخلك رابطاً وجدانياً عميقاً تجاهه. ربما لأنه كان لفترات جزءاً من حياتك وتكوينك واهتمامك، وربما لأنك شعرت تجاهه بالود حتى لو كان ثمة اختلاف معه في أفكار ومواقف. شعرت بالحزن لوفاة ياسر عرفات وعبد القادر الصالح والساروت وأحمد زكي وصائب عريقات وآخرين، واليوم حزنت كثيراً لوفاة حاتم علي. قد لا تخضع مشاعر كهذه لمنطق ومعيار، أؤمن مثلاً بأن الشيخين أحمد ياسين والرنتيسي كانا أكثر جذرية في التمسك بالقضية وأكثر تضحية، وتقريباً عديمي التوحل بالسياسة مقارنة بعرفات وعريقات، ولكنني شعرت بالحزن لوفاة الأخيرين أكثر.

لا أُحب الحديث عن حالة الحزن، أشعر أن الحديث العلني عنها يُفقدها براءتها وطهرانيتها ونُبلها، ويجعلها مشوبة بنوازع استدرار للتعاطف، وإقامة سُرادق إلكتروني يستدعي الجموع للمشاركة فيه. لذلك أتحدث هنا عن شيء مختلف، عن الكيمياء التي قد تنشأ مع غرباء، بعضهم ربما لا تكون على وفاقٍ معه، بل ربما يكون أحدهم خصماً، لكنك تحزن لفراقه.

حاتم علي أكثر من مجرد مخرج مبدع يختار نصوصه وموسيقاه وممثليه بعناية، ويتعامل مع الكاميرا بحميمية تكاد تُبصرها مع كل صورة ولقطة وحركة. حاتم استطاع أن يحول التاريخ إلى صورة وحياة وشخوص نراها ونعيش بينها، ونُقاتل ونُحب ونكره ونُهاجر معها، وأن يجعل علاقتنا بالأندلس وفلسطين علاقة فقد شخصي، نُبصر مع المعتمد عدوة الأندلس تغيب وراء الأفق وهو يُقاد مأسوراً إلى شاطئ المغرب، ونحمل أمتعتنا على كواهلنا ونسير عطاشى مع “الختيار” أبو أحمد وأولاده مسعود وعلي باتجاه المجهول والغُربة الأبدية، إلى المخيم.

حتى مسلسلاته الاجتماعية الشامية: كـ”الفصول الأربعة” و”أحلام كبيرة” و”عصي الدمع” وسواها، والمصرية كـ”فاروق” و”أهو ده اللي صار” و”كأنه امبارح” قربتنا من تلك المجتمعات أكثر، وجعلتنا جزءاً صميماً من تكوينها وثقافتها وناسها. نحفظ الحوارات، ونتذكر النظرات والملامح والأماكن، ونعيش مع الناس لحظات التوتر والقلق والترقب والحزن والفرح.

التقيت بحاتم علي مرتين كلتاهما في بيروت، مرة في عام ٢٠١٠ ضمن مؤتمر عن فلسطين ولكن لم يجرِ بيننا حديث وقتها، والثانية كانت مصادفة في مايو ٢٠١٤، حيث ذهبت إلى مسرح المدينة في شارع الحمرا لحضور يوم من أسبوع الأفلام القصيرة، قطعتُ تذكرة الدخول ونزلت إلى قاعة المسرح وإذ بالباب موصد لم يُفتح بعد، وبعض الحضور يجلسون على طاولات خارجية بانتظار العرض، وإذ بحاتم علي يجلس بمفرده على طاولة منزوية، جلستُ إلى طاولة أخرى قريبة وترددت هل أتحدث معه أو لا لأنني لا أبادر بذلك عادة، ولكن شعرت بأنها فرصة قد لا تتكرر، سلمت عليه، واستأذنته بمشاركته الطاولة والحديث فأذِن ورحب، قلت له إنني شاهدت كل ما أخرجه تقريباً، وسألته لحظتها سؤالاً محدداً، قلت له: مضى على الثورة السورية ثلاثة أعوام، وشهدت مئات وربما آلاف الأحداث والقصص الصعبة والتي تستحق أن تُترجم إلى أدب ورواية وشعر وإلى دراما وسينما أيضاً، فلِمَ لم يحصل ذلك بعد؟ رد حاتم برد طويل، وكان ودوداً ومسترسلاً، ومُلخص ما قاله إن المنتجين الكبار – وسمى قناة عربية شهيرة – لم يعودوا يريدون إنتاجاً جاداً وذا رسالة، وباتوا يفضِّلون المسلسلات التي تتضمن عروضاً للنساء والمكياج والقصص الاجتماعية التافهة، وأضاف: “مثلاً انتهيت منذ أيام من إخراج مسلسل يتماس مع ما حصل في سوريا اسمه قلم حمرة، المنتج الذي كلفه المسلسل مليون ونصف دولار متورط حتى الآن لأنه لم يجد قناة تشتري عرضه الأول – وبالفعل ظهر العرض الأول بعد ذلك بقناة مغمورة اسمها السومرية -، لذلك لا إنتاج محترماً وكبيراً من دون مُنتج يتبنى ويدفع، وهذا المنتج بات نادراً أحياناً ومعدوماً في أحايين أخرى.

شهد حاتم علي وهو طفل تهجيره من الجولان في عام ١٩٦٧، وعاش حياته وسط الفلسطينيين في مخيم اليرموك جنوب دمشق كما روى في حوارٍ معه نُشر في كتاب بعنوان الاستبداد المُفرح، ثم اختار الغربة مجدداً في عام ٢٠١١ حتى لا ينحاز إلى مجرم يقتل شعبه، وبقي في القاهرة معظم الوقت يعمل ويُخرج ويعيش، وتوفي البارحة وحيداً في غرفةٍ في فندق الماريوت بالقاهرة، بينما كانت عائلته الصغيرة تعيش غربتها المضاعفة في كندا. رحم الله حاتم علي وعوضنا عنه خيراً. فَقدُ أمثاله يُشعرك بأن كل جميل يذوي ويغيب مبكراً، وأن الإبداع يضمحل ويتلاشى، وأن الرداءة هي وحدها التي تزداد وتتسع.

منى وفيق: مثل حضور فيروز

قبل يومين كنت أقول لشقيقتي أننا نفتقد تلك الليالي البعيدة التي كنا نتابع فيها الجوارح والكواسر والبواسل.. لم يخطر ببالي أنني سأقرأ خبر وفاة حاتم علي “شهاب”، الذي أسرني في مسلسل الجوارح كما كثير من الفتيات..

شاءت الأقدار قبل سنوات أن يقترح علي صديقي الممثل المصري عماد الراهب مرافقته للقاء مع حاتم علي في مكتبه في القاهرة.. عندها شهقت في داخلي يا إلهي سأقابل واحدا من فتيان أحلامي، ومقابلة حاتم علي كانت بالنسبة إلي من الأمور التي على المرء أن يفعلها قبل وفاته مثل حضور حفل مباشر لفيروز، كما حضور مباراة واحدة على الأقل في كأس العالم، كما غيرها من الأمور القليلة التي تهز الغصون في دواخلنا.

كنت أتخيل أنني سأرى شهاب نفسَه، فإذا بي أقابل حاتم علي وقد خطفته السنين وشابت كثير من الشعيرات السوداء التي كانت تفتنني.. لكنه نفسه حاتم علي الآسر المحترم والجاد والمحب الكبير للمغرب. تكلم إلي بحب كبير عن المغرب كان مفتونا به وعاشقا حقيقيا له.. وبقي اللقاء اليتيم بالمخرج والممثل الجميل حاتم علي في محفورا في وجداني.

أصبحت أتساءل قبل أنام كل ليلة عمن سيموت في الغد. فتكون إجابات عزرائيل صادمة وقاسبة في كل مرة..

وداعا شهاب. وداعا حاتم علي.. وداعا أيها السوري اللافت.

علي العائد‏: كان مشاكساً

التقيت بحاتم علي مرتين.. مرة مع الصديقين عبدالكريم العفنان وعبود حمام لإجراء حوار لصحيفة خليجية. وعلى عكس ما بدا من خجله (كطبع كما بدا لي)، كان مشاكساً ولم يستجب لأسئلتي المستفزة حول معارك بين فنانين ومخرجين. والمرة الثانية: مصادفة، أمام السفارة الليبية في شباط 2011، كنا جميعاً خجولين، وهتفنا نحن “الشجعان” الخائفين ضد النظام الليبي “خاين يللي يقتل شعبو”، وبدا حاتم علي أيضاً خجولاً.

أكثر ما كان يؤثر فيَّ من مشاهد مسلسلات أخرجها حاتم علي لحظات الصمت، والصمت مكافئ للخجل، وأمثلة ذلك كثيرة في “التغريبة الفلسطينية”، وفي “الزير سالم” خصوصاً. ودائماً ما كان يعيب على ممثلين الانفعال الزائد لإثبات أنهم ممثلين جيدين.

المرة الثالثة، كانت نصف لقاء على التلفون، سألته عن مشروع مسلسل “عمر بن الخطاب”. كان في المطار متوجهاً إلى دولة خليجية. نفى ذلك وعدَّه “كلام إعلامي”. لكن، لم تمض سوى أيام حتى أعلن عن التحضيرات النهائية للمسلسل.

مات حاتم علي وحيداً، ربما، في القاهرة، وعائلته في كندا.

هيثم حقي: لا أصدق

آآآآآه ياحاتم … فطرت قلبي يا أخي وابني وصديقي وشريكي في الفن ممثلاً ومخرجاً وكاتباً وإنسانا تليق بك الإنسانية… أي حزن يلف سوريتنا المقهورة … مازلت لا أصدق…

آه يا حاتم… بكرت كثيراً أيها الحبيب… ماذا أقول للغوالي دلع وعمرو… أأقول عزائي لكم ولنا وللسوريين على امتداد خارطة الدنيا…

يمر يا حاتم شريط أعمالنا المشتركة التي بدأت بك ممثلاً مبدعاً في ظهورك الأول اللافت في دائرة النار وصور اجتماعية وهجرة القلوب لتتنوع مشاركاتك معي مخرجاً وكاتباً وممثلاً ليتوج تعاوننا بفيلم الليل الطويل الذي أبدعت فيه ياصديقي ونلت عليه العديد من الجوائز العالمية…

وداعاً يا حاتم لقد فقدت سوريا الغارقة بالحزن واحداً من أهم أبنائها، وفقدتك أنا فقداناً موجعاً أيها الغالي… وعزائي أن تراثك الفني والإنساني سيبقى خالداً خلود أعمالك وخلود ذكرك الطيب…

وداعاً حاتم وداعاً ياصديقي المبدع والإنسان…

مروان خليفة: حزين أنا

لم يكن حاتم علي بالنسبة لمغترب لأكثر من نصف قرن مثلي فقط، مخرج ناجح مبدع وعمود مهم في صرح الدرامة السورية، بل كان نافذة إلى الوطن الذي أعشق وأشتاق وأحلم أن يكون لما تعكسه أعماله من ذروة للآمال وخصوصية للمزاج الإجتماعي الوطني العام مع روح الإطمئنان بأننا شعب جدير بالحياة وقادر علىٰ إزاحة معوقات تقدمه.. كان لإنموذج اعماله في التغريبة الفلسطينية على سبيل المثال، ملحمة ترقىٰ لدرجة مدرسة التشبث بالمنطلقات الوطنية العربية العليا، وتأكيداً على جدارة شعبنا بالحياة مهما بلغت الهزيمة تغولاً بأعماق واقعنا الرديء…

كان حاتم علي مخرجا كبيراً بقضايا،  وكان يجيد العطاء المبدع، لدرجة أن إستطاع صهر القضايا الصغيرة لنتوحد بقضايانا الإجتماعية الكبيرة، لأنه لم يكن مجرد مرآة صادقة تعكس الواقع فقط، فمرآته تتمتع بقوة جذب إستثنائي تدفع المتلقين لأن يتشبثوا بإنسانيتهم وبأحلامهم.

برحيل حاتم علي تفتقد الدراما السورية والعربية مخرجاً مبدعاً فذاً وفراغاً جسيماً لن تعوضه إلا عودة مدرسة الدراما السورية لإستمرار إزدهارها ومدها بعودة السلام والحياة لشعبنا الذي يحزن عليه.

ليعذرني الصديقات والاصدقاء لما تبدو نعوتي بالسياسية أو لما أبدوه من إنطباعية مملة،  فلطالما قرأت  بثنايا أعماله الرمزية والمقاصد الكبرىٰ.

حزين أنا عليك وعلينا برحيلك يا حاتم علي.

دارا عبدالله: مشاهد المسلسلات المُحزّنة

دومًا عن تجنُّب الحديث عن أوضاع الحرب والسياسة في سوريا، تُستعاد في الجلسات مشاهد المسلسلات المُخزّنة في ذاكرة جيل كامل من السوريين. كصراخ خالد تاجا “ابن عباد” وهو يقول: “قرّبا مربط النعامة مني” في مسلسل “الزير سالم”، أو بسام كوسا وهو يتأفّف من صهره البرجوازي سليم صبري في “الفصول الأربعة”. مشاهد أخرجها حاتم علي، المتقشّف في الظهور الإعلامي والبعيد عن الفضائح. رحل حاتم بعيدًا دون أن يكون محاطاً بمن أثّر فيهم. رحل بعيدًا عن المكان الذي يجب أن يدفَن فيه باحترام.

رجاء مخلوف: القلب على القلب يا حاتم

حاتم علي كيف ترحل قبل ان نلتقي. البارحة  ليلا أرسلتُ لك صوراً من الشغل الذي نحضره  وقلتَ لي كنت قد أمسكتُ الموبايل لأتصل  بكِ وإذ ترسلين لي الصور. قلتُ لك القلب على القلب وهذا حقيقي. القلب على القلب يا حاتم أستاذي وصديقي.. يا من عملت معه أجمل الأعمال من الزير سالم إلى أحلام كبيرة والملك فاروق والغفران وابواب الغيم واوركيديا  وغيرها. البارحة قلت لي سأطمئن عليك كل كم يوم. يا ليتك تفعل. كيف ترحل قبل أن تطمئن علي. علينا نحن اليتامى ونزداد يتما. لا يمكنك الرحيل والأحلام الكبيرة لم تتحقق بعد.. هي أواخر الأيام. أواخر الأحلام. كانت الشام تناديك وأنت لبيت نداءها. نامي إذاً يا روح نامي الآن.

ياسر ابو شقرا: نختاره من دون أن نفكر

في عز دين فورة الدراما السورية، بين عام ٢٠٠٠ و ٢٠١٠، ولما كان يتم إنتاج اكتر من ٥٠ مسلسل سوري سنويا، كنا نختار مسلسل حاتم علي من دون أن نفكر، مع انه يستحيل ضمانة جودة عمل فني قبل مشاهدته، إلا إنو كنا نضمنها، ونصيب.

الفصول الأربعة، الزير سالم، التغريبة الفلسطينية، صقر قريش، ربيع قرطبة، ملوك الطوائف، صلاح الدين، عمر، أحلام كبيرة،  على طول الأيام… وغيرها

وإن كانت اللحظة مؤلمة، إلا انها مناسبة لإعادة التأمل في هذه التحف التلفزيونية واعطائها حقها من النقد والتحليل والدراسة إكراما لأهم اسم في تاريخ الدراما السورية .

وبالنسبة لي فهو سيبقى ابن العشوائيات التي أحب أهلها وأعتبرهم أسرتي الكبيرة.

هاني نديم: هو سوريا

ثم مات حاتم علي

إن سألتني أن ألخّص سوريا بثيمة جمالية واحدة لأشرت إلى حاتم. هو سوريا مثلما إيطاليا هي مايكل أنجلو.

حاتم علي هو المنعكس الشرطي للمكان والحرب والخراب والقتل والتراكم الإبداعي والجمالي والثقافي والأخلاقي والاجتماعي والإنساني.

هو من يحبه أقصى اليمين ويحبه أقصى اليسار لأنه مثل مدننا الطيبة لم يتبنّ خطاباً موغلاً في الحقد واللؤم والتشفي والزعرنة كما فعل وجهاء الطرفين، فكرّهونا البلد وكرهونا الحياة، بل ظل منتجاً قوياً واقفاً على تعبه.

إنه مثل سوريا، ذلك الموجوع المبتسم أبداً، الأعزل الذي يمتلك جيشاً من جمال وإبداع، الخلّاق كأي سوري أصيل دون الجعجعة والمحاباة والتمظهر والتمنبر والوقوف في خيام الحزب وترديد الشعار والصفقة الطلائعية.

حزنت كثيراً عليه وكنت أظنني أغلقت دكان الحزن بعدما نفدت بضائعه…

———————–

https://videos-cloudflare.jwpsrv.com/content/conversions/8pxDXDFA/videos/5VEJLlaD-33188828.mp4?token=5feded4e_d51180af48f39caf36f533b28dccdd24cbaf7bc7

———————-

المعادلة الصعبة.. ما حققه حاتم علي في الدراما العربية/ محمد عادل

حاتم علي مسيرته الإخراجية منتصف التسعينيات تقريبا بعد أن نضج كممثل في الدراما السورية التي صنعت “نجوميته”. فقد بدأ التمثيل منتصف الثمانينات تقريبا، وظل يمثل حتى اللحظات الأخيرة من عمره، ورغم انهماكه في عمله مخرجا فإنه لم ينس يوما تألقه كممثل.

محطات فارقة

تأثيرات علي على الدراما السورية والمصرية خاصة والعربية بشكل عام كانت واضحة، فهو مخرج متطور ونابغ استطاع منذ دخوله عالم الإخراج أن يحفر مكانة واضحة وسط أقرانه، وأن يكون صوتا مختلفا في توقيت كان الاختلاف نقمة أكثر منه نعمة.

البداية في بلده الأم، وقد أثبت نفسه ممثلا بدأ على استحياء عن طريق السهرات التلفزيونية التي جعلته قريبا من قلوب المشاهدين أعقبها بتعاون ناجح لمواسم المسلسل السوري الشهير “مرايا” مع النجم ياسر العظمة، فأخرج موسمين من المسلسل الشهير والذي يحمل نبرة تهكمية وناقدة للمجتمع.

لم يكتف صاحبنا بهذا القدر ولكنه استمر في النبرة الناقدة للمجتمع، فقام بإخراج مسلسل “عائلتي وأنا” لدريد لحام ومسلسل “الفصول الأربعة” بجزئيه من تأليف زوجته دلع الرحبي وبطولة خالد تاجا وهالة شوكت وجمال سليمان.

كان الطريق ممهدا لعلي عقب هذه المسلسلات أن يدخل مرحلته الثانية في الإخراج حيث بدأها بمسلسل “الزير سالم” ومسلسل “صلاح الدين الأيوبي” وظهر عقب ظهور الجزء الأول للمسلسل المصري “نسر الشرق” الذي تناول حياة صلاح الدين الأيوبي للمخرج المصري المخضرم حسام الدين مصطفى، ولكن بالمقارنة فقد أثبت علي أن نسخته من “صلاح الدين” كانت الأفضل في أغلب عناصرها الدرامية.

درة الأعمال

عام 2004 وعقب عرض مسلسل “ربيع قرطبة” تظهر درة أعمال علي تلك المرحلة وهو مسلسل “التغريبة الفلسطينية” الذي شهد تكاملا في أغلب عناصره، خاصة مع القضية التي يناقشها المسلسل وهي النكبة وآثارها على أسرة فلسطينية فقيرة تُكافح مِن أجل البقاء في ظل الانتداب البريطاني ثمّ خلال الثورة الفلسطينية الكبرى. وفي خِيم اللجوء بعد النكبة، حيث تُلخص الأحداث التي مرت بها هذه الأسرة حقبةً تاريخية هامة في حياة الفلسطينيين امتدت ما بين ثلاثينيات وستينيات القرن العشرين مروراً بالعديد من الأحداث الهامة، حتى نكسة يونيو/حزيران 1967.

لم يكتف علي بصناعة هذا المسلسل الذي مس الأوجاع العربية، ولكنه أكمل مشواره في المسلسلات التاريخية عن طريق “ملوك الطوائف” الذي ناقش التناحرات العربية عن طريق سرد لفترة ملوك الطوائف بعد سقوط الخلافة الأموية في الأندلس، ونشوء الدويلات الصغيرة المتناحرة بمدن الأندلس العربية، كما يحكي عن ظهور ونشأة “المرابطين” في المغرب، وسيطرتهم في النهاية على دويلات ملوك الطوائف صيانة لها من الوقوع في يد قشتالة التي تحالف معها الكثيرون من ملوك الطوائف.

وهكذا كان الطريق ممهدا لعلي لتقوم إحدى شركات الإنتاج الكبرى بالاستعانة به ليقوم بإخراج مسلسل “الملك فاروق” الذي كان طفرة إنتاجية وإخراجية وقتها، فعلى عكس مسلسلات السير الذاتية، استعرض شكل الحياة في مصر من خلال حياة آخر ملوك مصر. وقد نجا المسلسل من جزئية الإغراق في الذاتية على حساب الصورة الكلية، كما هو متعارف عليه في مسلسلات السير الذاتية وبخاصة مسلسلات مثل “الأيام” و”أم كلثوم”. وكان المسلسل متكاملا في أغلب عناصره من إخراج وصورة وتمثيل، ليكون درجة جديدة في سلم صعود هذا المخرج.

مسلسل عمر

يختتم علي مرحلة المسلسلات التاريخية بـ “عمر” وهو الأضخم من حيث الإنتاج بتكلفة وصلت 200 مليون ريال سعودي وهو ما يعادل 53 مليون دولار وقتها، حيث تشاركت شبكة قنوات “إم بي سي” (mbc) في إنتاجه بالاشتراك مع مؤسسة قطر للإعلام، وهو الإنتاج الأضخم دراميا وقتها.

وتميز المسلسل بعدد من العناصر مثل المعارك الضخمة والتي أظهرت كامل قدرات علي في السيطرة على طواقم العمل، واستمرارا للصورة الجديدة التي يقدمها في أعماله الدرامية السابقة. وشهد “عمر” الكثير من الجدل حيث طالب الكثيرون بمنع عرضه لتجسيده عددا من شخصيات الصحابة.

استمر علي بعد ذلك في تقديم مسلسلات كثيرة آخرها كان “أهو دا اللي صار” عام 2019 والذي حظي بنجاح ملحوظ نظرا لاختلافه وتفرده، وكان يحضر لتصوير مسلسله الجديد “سفر برلك” في مصر، وهو المشروع الأضخم إنتاجياً في العالم العربي بحسب تصريحات الشركة المنتجة.

وكان علي ينوي تحويل رواية “موزاييك دمشق” للكاتب السوري فواز حداد إلى فيلم روائي طويل، ومثلها رواية “زمن الخيول البيضاء” للشاعر والروائي الفلسطيني إبراهيم نصر الله، إضافة إلى تقديم نسخة سينمائية جديدة من عمله “الزير سالم” بطولة النجم جمال سليمان، إلا أن الموت اختاره ليرحل عن عالمنا يوم 29 ديسمبر/كانون الأول عن عمر ناهز 58 عاما بأحد الفنادق بالقاهرة.

————————————

المخرج حاتم علي حقق نهضة الدراما السورية ورحل عن 58 عاماً/ سامر محمد إسماعيل

هاجر دمشق مكسوراً بعد اندلاع الحرب وأعاد قراءة التاريخ بجرأة معتمدا جماليات الصورة الحديثة

وقع خبر رحيل المخرج السوري حاتم علي كالصاعقة على أصدقائه وزملائه وجمهوره في سوريا والعالم العربي، وقد وافته المنية في الثامنة والخمسين من عمره إثر تعرضه لأزمة حادة في القلب، في أحد فنادق القاهرة التي كان لجأ إليها لمواصلة عمله التلفزيوني الدرامي، والبدء بتصوير مسلسل جديد بعنوان “سفر برلك”. وأكدت السلطات المصرية، بعد تحقيق أجرته، أن الوفاة كانت طبيعية، وتمّ الاتصال بالسفارة السورية في القاهرة في شأن تصريح الجنازة والدفن.

حاتم علي، المتخرج في قسم التمثيل في المعهد العالي للفنون المسرحية عام 1986 بدأ حياته ككاتب للقصة القصيرة، محققاً في هذا السياق مجموعتين قصصيتين هما “ما حدث وما لم يحدث” و”موت مدرّس التاريخ العجوز” ليتجه بعدها إلى التمثيل مع كبار المخرجين السوريين. واشتهر بأداء الأدوار الصعبة والمركّبة، ولا ينسى الجمهور السوري دوره في مسلسل “دائرة النار” (1992) مع المخرج هيثم حقي، بينما كان يتابع عمله كمدرّس لمادة التمثيل في المعهد المسرحي، بعد تعاونه مع فرقة القنيطرة كممثل ومخرج. وقدم للمسرح أعمالاً كان أبرزها: “الحصار” (1989) و”مات ثلاث مرات” (1996) و”اليوم والبارحة وغداً” (1998) و”أهل الهوى” (2003).

ابن الجولان

انصرف ابن الجولان السوري إلى الإخراج التلفزيوني في منتصف التسعينيات، متوجهاً في البداية إلى موجة الأعمال الاجتماعية والكوميدية، وكان أبرزها “سلسلة مرايا” مع الفنان ياسر العظمة، و”عائلتي وأنا” مع الفنان دريد لحام، إضافة لعمله الاجتماعي “الفصول الأربعة” التي كتبت حلقاته زوجته الكاتبة والممثلة دلع الرحبي. وحصدت هذه السلسلة متابعة واسعة في العالم العربي، جعلت المخرج الراحل يتوجه إلى توقيع أعمال بسوية فنية عالية، تجاوزت سقف الرقابة المتعارف عليه، مشتبكاً مع المؤسستين السياسية والدينية في بلاده، لا سيما في عمله “عصي الدمع” عن سيناريو دلع الرحبي أيضاً، و”أحلام كبيرة” عن سيناريو لأمل حنا، وفي هذين العملين تعرض علي لموضوع الزواج المدني في بلاده، موغلاً في خلخلة السائد، ونازعاً الأقنعة عن مجموعة من العادات والأعراف والأنماط المتفق عليها.

لم يتوقف علي عند نجاحاته في الدراما الاجتماعية، بل توّجها بسلسلة من الاقتحامات للتاريخ العربي، مطوّحاً في أزمنة متعددة بمساندة من نصوص الكاتب الفلسطيني وليد سيف عبر ثلاثية “الأندلس” و”التغريبة الفلسطينية” ورائعته “الزير سالم” عن نص للكاتب السوري الراحل ممدوح عدوان. في هذه الأعمال أطل على تواريخ وبشر وأمكنة، محاولاً إعادة قراءتها نقدياً، بعيداً من المتداول في التاريخ العربي المعاصر. ويمكن القول إن هذه الأعمال حققت نهضة كبيرة في الدراما التلفزيونية السورية، نقلتها من الترفيه والتسلية إلى موقع جديد على شاشات التلفزة العربية، التي سرعان ما بادرت إلى الاستفادة من نجاحات علي. فكلفته قناة MBC بإخراج مسلسل “الملك فاروق” عن سيناريو الكاتبة لميس جابر، وكانت هذه الإطلالة الأولى لعلي على الدراما المصرية، ليحقق بعدها عملاً كبيراً آخر لتلفزيون الشرق الأوسط بعنوان “الفاروق عُمر” عن نص للكاتب وليد سيف، متوجاً بذلك سلسلة طويلة من أعماله التاريخية، التي حصدت إعجاب الملايين من المشاهدين العرب، وأسرت قلوب المتابعين برفقة نجوم من قامة جمال سليمان، وسلوم حداد، وبسام كوسا، وسمر سامي، وخالد تاجا، ويوسف المقبل، وغسان مسعود، وتيم حسن، ومحمد مفتاح، وآخرين.

أفلام سينمائية

وحقق حاتم علي خرقاً على مستوى الأعمال البدوية، من خلال مسلسليه “صراع على الرمال” عن نص لهاني السعدي، و”أوركيديا” عن نص لعدنان عودة، وفيهما قدم صورة مغايرة لهذا النوع من المسلسلات، محققاً آفاقاً بصرية جديدة، ومؤالفاً بين الشعر والفيديو والمادة الدرامية. أما في تجربته السينمائية قلم يفت المخرج السوري وضع بصمته الخاصة عليها، فخارج الإنتاج الرسمي، استطاع توقيع ثلاثة من الأشرطة الروائية الطويلة باسمه، وهي “العشاق” من إنتاج السورية الدولية، و”سيلينا” من إنتاج نادر الأتاسي، و”الليل الطويل” عن نص لهيثم حقي، وإنتاج شبكة الأوربت. في هذا الفيلم تعرّض علي لموضوع المعتقلين السياسيين في بلاده، فمنع الفيلم من العرض في المهرجانات والصالات السورية، وحاز العديد من الجوائز منها جائزة “الثور الذهبي” لسينما بلدان البحر المتوسط، وجائزة “اتحاد نقاد السينما العالميين”.

كان المخرج الراحل يجهّز التحضيرات الأخيرة لإطلاق تصوير مسلسله الجديد “سفر برلك” في مصر، وهو المشروع الأضخم إنتاجياً في العالم العربي (إيغل فيلمز- إم بي سي استوديو). إلا أن المنيّة وافته، تاركاً خلفه العديد من المشاريع الفنية، من بينها تحويل رواية “موزاييك دمشق” للكاتب السوري فواز حداد إلى فيلم روائي طويل، ومثلها رواية “زمن الخيول البيضاء” للشاعر والروائي الفلسطيني إبراهيم نصر الله، إضافة إلى تقديم نسخة سينمائية جديدة من عمله “الزير سالم” بطولة النجم جمال سليمان. إلا أن الأقدار أسكتت قلبه الذي كان اختار الصمت إزاء ما يحدث في بلاده، وقد غادرها إلى بيروت، ومنها إلى مصر، ومؤخراً إلى كندا، مؤثراً الابتعاد عن جحيم النار السورية الدائرة منذ أكثر من تسع سنوات.

كان حاتم علي يعتقد أن أهمية العمل الفني لا تستمد من أهمية الموضوع الذي يتناوله، إنما أولاً من المعالجة الفكرية والدرامية. فهو كان من المخرجين الذين يظنون أن الموضوع هو الذي يطرح شكل التعبير عنه، وبالتالي يقترح لغته الخاصة به. وكان يعد نفسه من المشتغلين ضمن المدرسة الواقعية، من دون أن يكون على تضاد مع المفهوم الجمالي، لكنه كان يحاول دائماً استنباط أحاسيس أو مشاعر الشخصيات، والوصول بها إلى أقصى ما يمكن، والبحث عن التفاصيل الصغيرة عبر حساسية الكاميرا.

خصوصية درامية

لم يكن صاحب أوهام في مشروعه الفني، إذ كان يعتبر دائماً أن ما يسمى الدراما السورية ما زالت في طور الشباب والتأسيس، وهي تفتقر إلى قوانين تنظمها، وبنى تحتية وتقاليد تجعل منها صناعة حقيقية. وضمن هذا السياق لم يكن علي الذي خاض تجربة الإنتاج الفني ينظر إلى تجارب زملائه من الممثلين الذين خاضوا مشاريع فنية إنتاجية مشابهة، إلا في إطار تطوير هذه الدراما، وأن لكل واحدة منها خصوصيتها. وبعض هؤلاء المخرجين قدّم أعمالاً مهمة، في سياق البحث عن الدراما الجديدة وبحثها عن نفسها أيضاً.

ونعت نقابتا المهن التمثيلية في مصر وسوريا عبر “فيسبوك” المخرج الراحل، شأنهما في ذلك شأن فنانين عرب كثر. وكتب المخرج السوري الليث حجو وهو صديق مقرّب من المخرج الراحل، عبر صفحته على فيسبوك: “لم يرضَ هذا العام أن ينتهي من دون أن يعصر قلوبنا وأرواحنا بالحزن على فراق الأحبة”، مبدياً “بالغ الحزن” على وفاة “الأستاذ والصديق والشريك حاتم علي”.

وكتب الممثل ومقدم البرامج السوري أيمن زيدان الذي تعاون مع علي في المسلسل التاريخي “ملوك الطوائف” عام 2005، عبر فيسبوك “يا لهذا الرحيل الموجع (…) أما سئمت أيها الموت من خطف الأحبة حاتم رحيلك أوجع من كلمات الدنيا”؟ ونعى الممثل ومقدم البرامج السوري باسم ياخور المخرج الراحل، قائلاً في منشور عبر “فيسبوك”: “ترجل الفارس مبكراً عن صهوة جواده تاركاً في قلوب كثيرين غصة” و”إبداعات لن تنسى”.

——————————

المسلسل السوري الطويل “في مناسبة تأبين المبدع الراحل حاتم علي”/ معبد الحسون

حين نتحدث عن دراما سورية، يذهب تصَوّرُنا تلقائياً إلى المسلسل السوري، أكثر مما نتوقف عند المسرح أو السينما. وهذا مفهوم وطبيعي بحسبان المسلسل السوري قد دخل كل بيت تقريباً، منذ دخل جهاز التلفزيون إلى سوريا. لقد دخل المسلسل جميع بيوت السوريين، فشاركهم حياتهم ومُخَيِّلاتِهم، حتى أصبح ركناً ركيناً في كل بيت، كأنه أحد أفراده، وتقاسم مع السوريين اللحظة الحاضرة والسردية التاريخية البائدة.

وصحيح أيضاً أن ظروف الدراما السورية ـ المسلسل التلفزيوني ـ قد ارتبطت بتطور واقع سوريا الحديث منذ خمسين عاماً، إلى درجة يصح معها القول، إن المسلسل السوري قد شكَّل “واقعاً تعويضياً بديلاً” عن الواقع المعاش، بالمعنى السايكولوجي النفسي، أو تشارك معه قسمة اللحظة المُتَخَيّلة، وبدرجة كبيرة نسبياً، فقد بات نافذة الثقافة اليومية المتاحة دون كلفة أو عناء، وشبه الوحيدة، المتاحة لأوسع شرائح الجمهور العريض.

ومنذ البدايات، ارتبطت الدراما السورية مكانياً بالابتعاد عن الأسئلة: كيف حدث هذا؟ ما مسوغ حدوث هذا؟ لماذا حدث هذا؟ والالتفاف حول السؤال المركزي: كيف سينتهي كل هذا؟ مثلما ارتبطت موضوعياً بزمنين يمثَّلان تمثيلاً درامياً، عبر إسقاطهما على الفعل الماضي والمضارع من حياتنا المعاشة. الماضي كانت أجلى تعبيراته في أن هذا التاريخ هو “تاريخنا نحن”. أو هو “ماضينا نحن”.

فهو بمعنى من المعاني، يعيد تشكيل قالب الـ “نحن”، بحيث يعمل على تسوية مُرْضية معها. سواءٌ كان ذلك الماضي ماضياً قريباً، يروي لنا سرديات عن مقاومة الانتداب الفرنسي على سوريا، أو بعيداً ضارباً في عمق التاريخ، قبل الميلاد وقبل ظهور الإسلام، يروي لنا عن الزبّاء وملكات سوريا، أو عن الزير سالم. أم هو ماضٍ قريب لا يبعد عنا أكثر من بضعة عقود خلت، أو حاضر عتيد يجهر في فضح الفساد والتسلط والقهر الاجتماعي، بتوصيفها بأوصاف استثنائية ونادرة، يسهل تقديمها في قالب كوميدي وطابع ساخر يثير شهوة التفتيش عن نوادر وحكايا خلقتها الصدفة المجتمعية. وأجلى تعبيراته عن الحاضر المضارع هو أن “هذا الوطن وطننا”؛ أي “هو نحن” أيضاً. مع أن “ماضينا ووطننا” بقيا شيئاً غامضاً غير مفسر ـ درامياً على الأقل ـ حتى اليوم، كما ظل الغموض يكتنفهما، ويزداد إبهاماً، إذ كلما اشتدت الأزمات المتلاحقة حول المواطن، وانضغط عنقه بحبال ملتفة كثيرة لا يعدُّها الحصر، تقدم المسلسل السوري بأطروحة متضمَّنة في ثنايا المشهد المستعرض؛ أطروحة تجتهد في أن وطننا، بكل غموض المفردة وشبحيتها، يبقى “فوق كل شيء”، يعلو ولا يعلى عليه، ويهون من أجله كل شيء. فالحياة بكل ما فيها، هي تفصيل تافه وعارض، والجوهري فقط هو “وطننا”، الذي هو أجلى صورة من كل ما يشوش معناه أو يفسد بريقه ودافعية الإخلاص له، والتنازل والرضوخ من أجله ولسواد عيونه.

ومنذ عام 2011، تاريخ قيام الثورة السورية، حدث تحول كبير في طريقة التعاطي مع مفهومي “تاريخنا ووطننا”. خمد التعاطي القديم إلى درجة الموت السريري تقريباً، بدا معه وكأن المسلسل الذي كان مركباً على عاملِين: ممثلين وقصة مشوقة ومخرج ومنتج، يتعاطى معهم جمهور محايد، جمهور متفرج بالمعنى الحرْفي لا المجازي. متلقٍ ومراقب بتشوق لحدث لا يعنيه على المستوى الشخصي. حدث يقدم له الحكمة؛ إما بطريقة كوميدية، أو تراجيدية على شكل صورة تلهب الأعين والأخيلة المتوهِّمة للبيئة الشامية أو الحلبية أو البدوية. ولاحقاً بعض بيئات المدن الأصغر، كالساحل السوري.

انكسرت العلاقة بين الجمهور والمسلسل الدرامي بعد انفجار الثورة، إنْ لم أتطرف بالقول إنها انعكست رأساً على عقب. أصبح المسلسل محايداً سلبياً أو شبه سلبي، ومتعلماً يتفرج على الجمهور المشارك في الحدث، أو يجري وراءه لاهثاً ليتعلم منه، أو يستقي بعض المعلومات عنه. بعد أن كان واقع ما يحدث قبل الثورة يوحي بالعكس؛ فقد كان المسلسل أستاذاً ومعلماً. كما احتفظ كلا الطرفين بفهمه الخاص عن “ماضينا ووطننا”؛ فهماً مختلفاً عن الآخر، إن لم أقل حدث انشقاق تاريخي تطوري في المفهومين، أوصل إلى ابتعادهما عن بعض، حتى بعدت الشُّقة والمسافة بينهما.

التطور الأهم في صعود الدراما المسلسلة أو انكسارها، هو توسع دائرة نجوم الدراما ومخرجي الأعمال الدرامية وكتاب نصوصها، في العشريات السابقة للثورة. فبعد أن كان الجمهور لا يحتفظ في ذاكرته إلا ببضعة عشرات من أخبار نجوم ونجمات الصف الأول والثاني، انفجرت الدراما السورية عبر طريقة عرض مختلفة، وبأدوات مختلفة ونجوم ومخرجين جدد، مختلفين بالكلية عن نجوم الماضي. حتى البيئة السورية، ومسارح تصوير المسلسلات، بدت وكأنها كشوفات جديدة لم تكن معروفة ولا مألوفة من قبل. فقد اكتشف الجمهور السوري أن سوريا ليست هي فقط دمشق الحارات أو حلب الأحياء. ولا هي فقط قرية “أم الطنافس الفوقا”، التي قُدِّمت بوصفها اختزالاً لبيئة ريفية ساحلية معزولة، أصبحت ذكراها تثير التندر والتبسم لدى كل السوريين. ولا كذلك هي مسلسلات بدوية، قوامها الأساسي يقوم على خيام وصحراء وأغنام وشيخ وابنة شيخ حسناء، تجمع صفات الكمال المتوقعة منها، فهي عالمة أو فيلسوفة حكيمة أو شاعرة.

اضطر الجمهور أن يفتح عينيه أكثر، وأن يتعرف على مواضع من “وطننا” ما سمع بها من قبل ولا تعرفها إلا في أضيق الحدود؛ ولأكثر من خمسين عاماً. فقد عرف الغوطتين ومخيمات الفلسطينيين ورأس العين. ولأول مرة سمع بحريتان والدرباسية وعامودا وعفرين والشحيل والباغوز. كما راح يسمع كثيراً بتلبيسة والرستن، وقرى جبل الزاوية وخان شيخون وسراقب، وبالقصير وتل أبيض والصنمين وخربة غزالة وبصرى وحلفايا وعقيربات. كما رأى بأم العين، ولأول مرة، الجانب المستتر وغير المألوف والمعروف لديه من نجومية مي اسكاف ويارا صبري وعبد الحكيم قطيفان وجهاد عبدو وحاتم علي وسميح شقير، والجانب المستتر والمجهول المخفي بالكلية، من نجومية دريد لحام وبشار إسماعيل وسلاف فواخرجي وأيمن رضا وباسم ياخور.

جرى تحول كبير في شكل ومضمون النجومية بمحتواها القديم، الذي بات يتسلخ ويهترئ، وراح الجمهور العام يضيف إلى نجوم الماضي الذين لم يكن يعرف غيرهم، أو يتوقعه، نجوماً جدداً بات يتمثل رمزيتهم لأول مرة؛ مثل حسين هرموش وغياث مطر وباسل شحادة وعبد الباسط الساروت وفدوى سليمان. وعشرات بل مئات غيرهم، لم يكن يتوقع أو يحسب أنهم سيصبحون لاعبين نجوماً، (ولا توقعوا هم ذلك بالطبع). فصار للفاعلين في تغيير مفهومية ماضينا التاريخي ووطننا، دوراً أو أدواراً لنجوم من خارج التمثيل المسرحي.

كما أن ذلك الجمهور الكبير، ولأول مرة، يكتشف بأن اللغة الواحدة والوحيدة التي تصاغ بها حوارية المسلسل ليست واحدة ولا وحيدة. فليست سوريا هي تلك اللهجة اليتيمة التي تَعَرَّفها في المسلسلات الشامية، ولا تلك اللهجة البدوية المتخالطة التركيب هي وحدها البدوية أو الريفية. فهناك هامش من اللهجات واللغويات المحلية، كونت طيفاً يشبه البانوراما المتحفية التي كان يختزلها المسلسل بطبعاته القديمة ويوحدها، حيث ثمة هامش قاموسي لغوي، يبدأ من لا نهائية الحكمة والمنطق، وصولاً إلى لهجات جديدة لمّا يتعرفْ على أبجدياتها بعدُ، وصولاً إلى لا نهائية القذف والشتائم اللفظية والكلام البذيء الخادش للحياء العام، والذي كانت الرقابة، ومقصات رقبائها تحرص على تنقيته وتقطيره وتبخيره قبل أن يصبح مناسباً لعرضه على التلفزيون، والتهيئة لدخوله إلى كل بيت.

تلفزيون سوريا

————————-

حاتم علي و”التغريبة الفلسطينية”.. ماضٍ يُلاحق الحاضر/ مصطفى ديب

يصعب تصور تجربة درامية متماهية مع مواقف صاحبها وأفكاره قدر تجربة المخرج السوري حاتم علي (1962 – 2020). وفاته يوم أمس، الثلاثاء 29 كانون الأول/ديسمبر الجاري، وما تلاها من أحاديث تُشيد وتذكّر بمنجزه وأثره الهائل على الدراما السورية والعربية معًا، تُعزز من هذه الانطباعات لاعتباراتٍ عديدة، ذاتية حينًا، وموضوعية في أحايين أخرى، مما يجعل من تجربة الراحل انعكاسًا لمواقفه، وتجسيدًا لأفكاره، وإن بشكلٍ غير مباشر، ودون قصدٍ أو نية.

وإذا كانت هذه الانطباعات غير قابلة للتطبيق على تجربة حاتم علي بمجملها، بسبب اختلاف وثراء وتنوع مواضيعها، فإنها تنطبق بشكلٍ لافت على “التغريبة الفلسطينية”، عمله الأيقوني الشهير الذي أعاد كتابة المأساة الفلسطينية، وتأريخ الوجع الفلسطيني، ورسم خارطة شتات الفلسطينيين أيضًا، مما منحه مكانة متقدمة في عداد الأعمال الدرامية الخالدة والفارقة في تاريخ الدراما العربية. الأحرى أن “التغريبة الفلسطينية” حاز مكانته هذه لا للأسباب السابقة فقط، وإنما لكونه عمل درامي يصون، بجملٍ بصرية دقيقة، ذاكرة يُراد لها أن تُمحى.

ولعل هذه الجزئية أعلاه تشكّل مدخلًا لا بد من التوقف عنده مطولًا عند استعادة أو قراءة تجربة صاحب “الفصول الأربعة”، خصوصًا إذا ما أخذنا بعين الاعتبار، في ضوء إعادة قراءة هذه التجربة أو سردها، حركة التطبيع العربية المتسارعة مع دولة الاحتلال الإسرائيلي، وما سبقها ورافقها وتبعها من هجماتٍ استهدفت الشعب الفلسطيني، وزعمت أن قضيته غير عادلة أو محقة، بالإضافة إلى اتهامه ببيع أرضه للصهاينة، عبر خطاب يمكن وصفه بـ”المريض”، يفصل الحدث عن سياقه وتاريخه، ويحمّل الضحية مسؤولية أفعال الجلاد، في مسعىً واضح لطمس حقيقة هذه القضية، وتحريف الذاكرة الجمعية بما يتناسب مع التوجهات الجديدة والمشينة لبعض الدول العربية اللاهثة خلف قطار التطبيع.

مهدت الدول العربية المطبعة مؤخرًا، الإمارات والبحرين تحديدًا، طريقها نحو التطبيع عبر تبني السردية الصهيونية لما حدث في فلسطين، وإنكار السردية الفلسطينية. هنا، يحضر عمل حاتم علي، “التغريبة الفلسطينية”، بصفته عملًا دراميًا ينافس ويقاوم، في مضمونه وشكله، التاريخ الملفق الذي تسعى الحركة الصهيونية إلى ترسيخه. والحال أن هذه الدول أخذت على عاتقها المهمة ذاتها: ترسيخ تاريخٍ ملفق وإنكار آخر مُثبت بما لا يدع مجالًا للشك، وإلا كيف يُفسّر حذف منصة إعلامية سعودية، خلال الأشهر القليلة الماضية، للعمل نفسه؟ التغريبة الفلسطينية؟

لا تفسّر هذه الخطوة إلا بصفتها انخراطًا رسميًا في مشروع طمس الذاكرة الفلسطينية. من هنا يأخذ المسلسل أهميته: من كونه ذاكرة منافسة لما يُلفّق ويُحرّف، عدا عن أنه عمل عابر للأزمة، يصلح لكل وقت، وإن مضى عليه أكثر من عقدٍ من الزمن، إلا أنه لا يموت، لكونه، وكما هو حال الموضوع الذي يتناوله، ماضٍ يُلاحق الحاضر، ويشكّل برفقة عوامل وعناصر أخرى، حجر عثرة في وجه هذه الطموحات التي تُغذي سردية ملفقة وغير صحيحة البتة، تتضافر الجهود الصهيونية، وبعض الجهود العربية مؤخرًا، لترسيخها وفرضها أمرًا واقعًا، وبالتالي طي صفحة هذه القضية برمتها، وهو ما لا يسمح به مسلسل “التغريبة الفلسطينية”، ولا نبالغ إن قلنا بأن حاتم علي أنجزه انطلاقًا من هذه النقطة: أن يذكّرنا دائمًا بما جرى، بما لحق بالشعب الفلسطيني، وبمن هو الجلاد ومن هو الضحية، وما هو موقعنا بينهما، وموقفنا منهما.

ومن بين مشاهد المسلسل، يمكن الاستعانة هنا بمشهد لا يتجاوز ثلاث دقائق لتدعيم الانطباع أعلاه: مشهد يظهر فيه رشدي، وهي شخصية جسدها للمصادفة حاتم علي نفسه، يسير هائمًا على وجه داخل المخيم، تُحرّكه ذاكرته التي تستعيد لقطاتٍ تبدأ بمشهد قصف قريته من قبل العصابات الصهيونية، على وقع صراخ الأطفال والنساء. يواصل سيره فيتوقف عند جدار كُتب عليه “عاشت فلسطين”، ليستعيد عنده مشهد نزوحهم الجماعي نحو المجهول. يواصل سيره، يجري، فيستعيد مشهد مزاحمته، طفلًا، لأطفالٍ آخرين للحصول على الطعام. يتابع جريه حتى يصل إلى مغارة يخرج منها ببندقية تختزل المشهد بأكمله، وتبدو فيه أقرب إلى: البوصلة.

تدخل السردية الصهيونية التي تروجها وسائل إعلام ومنصات تابعة للدول المطبعة، ضمن إطار “النسيان”، بما هو نعمة يسعى الكيان الصهيوني عبرها إلى تغييب الكثير من الحقائق والوثائق التاريخية، لأجل أهدافٍ عديدة يمكن اختزالها بمحو تاريخ حافل بالعنف والدماء، عبر طمس ما يدل عليه: السردية الفلسطينية والذاكرة الجمعية للشعب الفلسطيني، وهي الذاكرة التي تشير وتؤكد بأن هذه التاريخ وما يحفل به أيضًا، هو أساس دولة الاحتلال، نهضت عليه وبفضله، بصفتها دولة ذات نظام استعماري واستيطاني، قامت هيكلته على أساس القتل والتهجير والتطهير العرقي، وهو ما نراه واضحًا ومباشرًا وجليًا ودقيقًا وصادقًا في “التغريبة الفلسطينية”، التي تُعد اليوم أحد الجدران المتينة للخطاب الفلسطيني المضاد للخطاب الصهيوني.

ومن هنا أيضًا يأخذ حاتم علي أهميته ومكانته: من كونه قدّم في “التغريبة الفلسطينية” عملًا يكتسب أهمية مضاعفة كلما مضى عليه الزمن. عمل لا يمكن وضعه في خانة الماضي، لأنه يطارد الحاضر دون توقف، ويسعى إلى تشكيله وإعادة صياغته بهدف توفير خط دفاع متقدم عن الذاكرة الجمعية الفلسطينية، وسرديتها التاريخية، باعتبارها سردية/ خطابًا مضادًا. ويدين المسلسل إلى حاتم علي الذي منحه، عبر معالجته الدرامية وصياغته لجمله البصرية الملفتة، بالإضافة إلى التخلص من الوصف الفائض في الرواية لمصلحة الصورة المشبعة من الداخل؛ حيوية تفرد بها، كانت خلاصتها أن علقت مشاهده في ذاكرة المشاهد، وراكمت عنده، في الحاضر والمستقبل، أن فلسطين للفلسطينيين.

 الترا صوت

——————————–

==========================

 

 

 


 

 

 

 

 

 

 

========================

تحديث 01 كانون الثاني 2021

—————————-

حاتم علي.. في ضرورة القراءة/ رائد وحش

تشير وفاة الفنّان حاتم علي إلى عدة نواحٍ تسترعي الانتباه والتبصّر، منها أن الناس الذين جعلوه حاضرًا على صفحاتهم في الأيام الأخيرة، باكين إياه كما لم يُبك أحدٌ من قبل، هم من يعطي مكانته رسوخها النهائي، لكن ذلك لا يمنع من أن نسأل: لو لم يمت حاتم علي منفيًّا غريبًا، في عمر مبكر جدًّا على موعد الرحيل، هل كان ذلك سيحدث؟ هل ستظل المحبة هي نفسها؟

في الحقيقة، وعلى الرغم من أهمية المشهد العظيم الذي تشاركنا فيه كلنا، لم يجرِ تكريم حاتم علي على صفحات المنصات الإلكترونية أبدًا، إنما تلك أحزان علنية على شخصية تمثّل الجانب الجميل الذي ننتمي إليه في وطنٍ ضائعٍ اسمه سوريا، وتلك صرخات بُكاةٍ على ذكرياتٍ شخصية تخصهم، كان الراحل جزءًا منها بالطبع لأنّ أعماله تقع في منطقة التشارك في الحياة اليومية، بين أفراد العائلات أو الجيران أو الأصدقاء، أولئك الذين تصبح المشاهدة عندهم، ورفاق تلك المشاهدة ومكانها، بعد كثير من الوقت، جزءًا لا يتجزأ من المشهد الفردوسيّ المفقود للزمن الجميل.

مات خلال هذه السنوات فنانون كثيرون، لكن ما حدث مع حاتم علي لم يحدث مع الجميع، أقلاء من حصلوا على احتفاء جماعي كهذا، منهم الشاعر أمجد ناصر.

قلت إن الوفاة تشير إلى أشياء كثيرة، منها الاتفاق على مكانة الراحل الكبيرة، لكن هل كان ذلك سيحدث لو أن هذا الفنان ليس صاحب مشروع، قضى حياته في إنمائه وتطويره بالمراكمة عملًا بعد آخر؟ وهل كان هذا سيحدث لو أن حاتم علي لم يكن يُشبه السواد الأعظم من الناس من حيث النشأة والتكوين؟ ولو لم تمثّل سيرته الشخصية قصةَ صعود لفتى من قاع الفقر وبؤس أحياء نازحي الجولان السوري المحتل، المهملة والمرذولة بشكل مقصود من الدولة؟

ما من شكّ أن ذلك النحيل، المتوسط القامة، ذا الوجه المألوف، يعيد إلى الأذهان مآثر العصاميين، ويشعل فينا الإعجاب بشخصيته الطموحة المُكَافحة التي لا ترضى بغير إرغام الزمن على الرضوخ والاستجابة لطلباتها، وفي الوقت نفسه هو مثال الفنّان الذي يقيس نجاحه بتطور أعماله ذاتها، لا بحصولها على رضا جمهور المشاهدين الذي يتعاطى معها في كثير من الأحيان كمجرد وجبة مشاهدة، يمكن أن تحل محلها أي وجبة أخرى.

لا تأتي قوة حاتم علي من علاقته من الكاميرا، أو من رؤيته البصرية للعمل الدرامي، ففي مرات قليلة جدًّا قدّم الرجل مغامرات بصرية، كما في مسلسله الاجتماعي المعاصر “على طول الأيام”، الذي جعل فيه الشاشة تنقسم إلى جزءين عند مكالمات العاشقين الرئيسيين في القصة، وتنقسم أيضًا من أجل رصد حالة كل منهما في لحظة واحدة، ثم راحت تنقسم مرات أخرى لترينا ما يجري في القصة التي نتابعها مع جزء لاحق يُصوّر حياة الشوارع في دمشق. أما في مجمل أعماله فظلت الكاميرا مجرد منبر أو منصة تجري عليها الأحداث. وسوف نلمس في كثير من الأعمال الهامة ضعفًا إخراجيًّا، من حيث غلبة اللقطات العامة، وكذلك في مشاهد المعارك، وأحيانًا ستكون هناك أخطاء فادحة. على سبيل المثال، في مسلسل “ربيع قرطبة”، في الفترة التي تتحدّث عن معركة الزلاقة، المعركة التي يتحالف فيها المعتمد بن عبّاد الأندلسي مع زعيم المرابطين يوسف بن تاشفين المغربي، من أجل محاربة الممالك الكاثوليكية في شمال شبه الجزيرة الإيبيرية، سنرى مشهد المعركة شديد البؤس، يقوم على عدد قليل جدًا من الجنود. لا نشكّ في أن ذلك عائد إلى أسباب إنتاجية، أو حتى ثمة من سيقول إن هناك من هم متخصصون في إدارة تصوير المعارك وليس بالضرورة أن يكون حاتم نفسه. ربما، لكن أمر قبولها في متن المسلسل النهائي عائد إلى موافقته. أما ضعف الإنتاج فيمكن التحايل عليه بطريقة فنية ما، كون إحدى كبرى مهمات المخرج أن يجد حلولًا فنية. طبعًا مشكلة المعارك نفسها تحضر بقوة أكبر في معارك مسلسل “التغريبة الفلسطينية”، خصوصًا في ثورة 1936، وحرب 1948، حيث نرى إطلاق النار والتفجيرات أقرب إلى مفرقعات نارية، وكم ستكون مضحكة تلك اللقطات لولا قوة القصة ومتانة الرؤية التاريخية، والانفجار الهائل لطاقات الممثلين.

بخصوص الأخطاء الكبيرة، هناك خطآن يحصلان في مسلسل “صقر قريش” تباعًا، الأول حين يكون عبد الرحمن الداخل (يؤديه جمال سليمان) يعبر الصحراء باتجاه مصر بصحبة تابعَيه بدر وأبي شجاع. فجأةً، وسط الصحراء، يظهر على الشاشة عامل الصوت حاملًا الميكرفون، وخلال لحظات سريعة ينظر إليه جمال سليمان. الخطأ الثاني يأتي مع دخول المجموعة إلى مصر، وحين يذهبون إلى السوق لأجل شراء طعام نسمع أصوات الباعة تنادي على بضائعها بالعربية الفصيحة، إلا أن صوتًا غريبًا ناشزًا يعلو وهو ينادي باللهجة العامية السورية!

سوف يزول ضعف تصوير المعارك مع المسلسل الديني “عمر” الذي مكنته ميزانيته الهائلة من جلب فيلة، وتصوير المعارك بمواصفات هوليوودية. يبقى أن ما يحتسب لهذا المسلسل أنه يُظهر وجوه الصحابة، من أمثال أبي بكر الصديّق وعمر وعثمان وعلي، للمرة الأولى على الشاشة.

ما أريد قوله إن قوة حاتم علي تكمن في رؤيته العامة وإحساسه الخاص بأهمية مواضيع معينة، ومن ينظر إلى أعماله الكبرى يرى أن كلًّا منها ناقش قضايا وأرسل حولها رسائل عديدة، فثلاثية الأندلس، على الرغم من اهتمامها التاريخي بقصة صعود حضارة وسقوطها، إلا أنها تركز على الدكتاتورية المتجسدة في شخصيات أهم من حكموا تلك البلاد: عبد الرحمن الداخل، عبد الرحمن الناصر، محمد ابن أبي عامر، وغيرهم، وتعتبر أن الطغيان هو أكبر المقدمات للسقوط ومن ثم الطرد.

الأمر نفسه نجده في مسلسل سابق على ذلك هو “الزير سالم”، إذ إننا رغم اختلاف الكاتب (وهو ممدوح عدوان هنا، وفي ثلاثية الأندلس وليد سيف) ورغم اختلاف مكان وزمان الحكاية، لكن الرسائل تبقى هي ذاتها، وما سنراه في تلك السيرة ليس فقط الحكاية الملحمية للأبطال، بل سيرة الطغيان التي أودت بالمملكة الطموحة التي بناها كليب بن مرّة إلى حرب لا تبقي ولا تذر.

لا يمكننا ادعاء الإحاطة بمنجز الراحل في سطور قليلة، لكن هذه دعوة لقراءته قراءة منصفة، بعيدًا عن المشهد الاحتفالي الضروري بلا شك، لأنه من دون الحب لا تبقى قيمة لشيء على الإطلاق، لكن الاحتفال الذي يركز على العاطفي فقط سيحجب القيم الفنية والفكرية. ما نحتاجه فعلًا هو قراءة نقدية من دون نكران مكانة حاتم علي الهامة التي أسّسها على رؤيته القائمة على السعي لصناعة دراما عربية، دراما تلامس أرواح أناس في مساحات شاسعة، فيما غرق الآخرون في البحث عن خلطات النجاح المضمونة في صنع درامات محلية.

الترا صوتً

———————-

رحيل حاتم علي: مغامرات فنية في طرق مقطوعة/ نور المغربي

حين قدّم المخرج السوري حاتم علي (1962 – 2020)، مطلع الألفية، عمله الدرامي “الزير سالم”، كان قد وضع نفسه – على الرغم من أنه في بدايات مشواره – كأحد أهم مخرجي الدراما العربية، فقد مثّل العمل نقطة فارقة في مسارات عدة، فلحظتها أخذت الأعمال السورية أسبقية على المنتج المصري لأوّل مرة، وتلاقت في ذلك العمل عناصر إبداعية شتى من النص إلى الأداء والأكسسوارات لتقدّم للمجتمعات العربية، من العراق إلى المغرب، لحظة من الوحدة الثقافية نادرة في زمننا.

لكن يبقى أهم ما في هذا العمل أنه نجح في تحدٍّ كثيراً ما تخفق فيه محاولات المخرجين، وهو تحويل المادة التاريخية إلى فن حيّ ومعاصر يتعايش معه الجمهور باعتباره قطعة من الحياة لا مجرّد مادة إخبار أو تذكير بأمجاد الماضي. وهنا كان مسلسل “الزير سالم” فارقاً إلى حد كبير، ولعله إلى اليوم أنجح المسلسلات التاريخية على مستوى مصداقية التوتر الدرامي للشخصيات.

عرف علي – الذي رحل عن عالمنا اليوم من القاهرة – كيف يدعم هذا الموقع في السنوات اللاحقة، فقد أخرج أعمالاً أخرى لا تقلّ قيمة، أبرزها الثلاثية الأندلسية (بين 2002 و2005) التي تعاون فيها مع طاقم موحّد، يبدأ بالكاتب وليد سيف، ويمتد إلى الممثلين جمال سليمان وسلاف فواخرجي وتيم حسن ومحمد مفتاح. قدّمت المسلسلات الثلاثة؛ “صقر قريش”، “ربيع قرطبة”، “ملوك الطوائف”، قراءة معاصرة بعيدة عن كل نوستالجيا كانت تحيط بالعودة للأندلس في المخيلة العربية.

استمر علي في هذه النزعة إلى المشاريع الكبرى في “التغريبة الفلسطينية” (2004)، ولاحقاً في مسلسل “عمر” الذي كان أوّل عمل درامي عربي يجرى فيه تجسيد الخلفاء الراشدين. كان ذلك في 2012 وهي السنة الأخيرة من سنوات انفتح قوسها بداية الألفية الجديدة وعرفت تعاوناً عربياً على مستويات عدة من الإنتاج إلى الأداء فأنتجت ما يمكن أن نسمّيه اليوم بالزمن الذهبي للدراما العربية المشتركة.

انحسر عطاء علي بعد ذلك. ظهر على أعماله ميل نحو التجريب، فأخرج في 2017 عملاً ضمن الفانتازيا التاريخية بعنوان “أوركيديا”، وفي 2015 دخل مغامرة عجيبة باشتغاله على تحويل فيلم “العرّاب” الأميركي إلى مسلسل عربي، وضمن نفس الطرح ذهب إلى مغامرة معقّدة بتحويل مسرحية رحبانية (هالة والملك) إلى فيلم سينمائي غنائي حمل عنوان “سيلينا”.

كانت هذه الأعمال تشير من وراء مَشاهدها إلى أن شيئاً ما ضاع في أعمال حاتم علي. صحيح أنه اتخذ موقعاً جديداً ضمن الساحة الفنية المصرية، ولكن هل إن الأمر خيار حقيقي. لم تكن مصر، في الحقيقة، سوى الفضاء الوحيد المتاح في المشهد العربي، ومن الواضح أنه فضاء لم يكن يتسع لحجم طموحات حاتم علي، تلك التي ربما كان يمنّي النفس أن يعود لتنفذيها من سورية مجدداً.

العربي الجديد

——————————

حشود ودموع.. تشييع جثمان مخرج الروائع حاتم علي بدمشق

شيّع فنانون، صباح الجمعة، المخرج السوري الراحل “حاتم علي”، ليتم دفنه في مقبرة “باب الصغير” في العاصمة السورية دمشق، بحضور شعبي لمحبيه ولعدد من نجوم الدراما السورية.

ووثقت عدسات الكاميرا لحظات الحزن والدموع على المخرج الكبير، الذي وافته المنية في العاصمة المصرية القاهرة الثلاثاء الماضي، قبل أن ينقل جثمانه إلى دمشق.

وشهدت جنازة الراحل حضورا لنجوم في الدراما السورية؛ بينهم الفنان السوري “تيم حسن” والفنان والمخرج “سيف الدين سبيعي” والفنان “باسم ياخور” والفنانة “أنطوانيت نجيب”.

    اللهم ثبته عند السؤال اللهم أغفر له وارحمه واعفو عنه و أكرمه اللهم و غسله اللهم طيب ثراه و اكرم مثواه واجعل الجنة مستقره و مأواه اللهم نور مرقده و عطر مشهده و طيب مضجعه اللهم انس وحشته و ارحم غربته و قهِ عذاب القبر و عذاب النار يا ارحم الراحمين💔#حاتم_علي #جنازة pic.twitter.com/DrAO2wVRur

    — zhr0of_smgl (@zhr0of) January 1, 2021

    تقطع قلبي على حزنك يا تيم 💔😭

    زعلتنا كلنا يا حاتم #حاتم_علي #تيم_حسن pic.twitter.com/CYel0GCyPY

    — ZEINAB ALY (@zeinab_aly30) January 1, 2021

    النجم #باسم_ياخور من جنازة المخرج الراحل #حاتم_علي الذي يتم تشييعه إلى مثواه الأخير الآن في العاصمة السورية دمشق pic.twitter.com/dCLJ3luNFK

    — سيدتي فن (@sayidatystars) January 1, 2021

وفارق “حاتم علي” الحياة عن عمر 58 عاما، بعد أن ترك إرثا كبيرا وغنيا من الأعمال الدرامية التي تركت بصمات كبيرة في عقول ووجدان المشاهد العربي.

و”علي” هو ابن منطقة الجولان السورية المحتلة، الذي قضى معظم شبابه في مخيم اليرموك للاجئين الفلسطينيين، أخرج “التغريبة الفلسطينية” التي لاقت نجاحا كبيرا منقطع النظير، وقدمت مأساة الشعب الفلسطيني بعيدا عن القوالب الأيديولوجية والدرامية الجامدة، من خلال شخصية العم “صالح” التي أداها بروعة وإتقان الفنان السوري “جمال سليمان”.

وعرف عن “علي”، الذي طالما أعلن كرهه لكافة أشكال الرقابة على الفن، حبه لخوضه مغامرات فنية جديدة يكتشف من خلالها آفاقا واسعة ويفتح أمام المشاهد العربي الكثير من نوافذ الجدل والتساؤلات على القضايا الاجتماعية والتاريخية، فهو قدم للمشاهد المصري والعربي تفاصيل جديدة وبعيدة عن النمطية في شخصية آخر ملوك مصر، “الملك فاروق” عبر مسلسل حمل نفس الاسم.

ومن خلال تعاونه مع الكاتب المبدع “وليد سيف” سلط المخرج الراحل الضوء على تاريخ الأندلس بطريقة شائقة سلبت الألباب لتضيء نقاطا هاما ومثيرة للجدل في التاريخ العربي والإسلامي، فكان “صقر قريش” و”ربيع قرطبة” و”ملوك الطوائف”، واعتبر الكثير من النقاد تلك الثلاثية الأضخم فكرياً وتاريخياً وأدبياً في تاريخ الدراما والسينما العربية بالمجمل.

لم يبدأ “حاتم علي” مسيرة الإبداع في الإخراج فقط، فهو ولج عالم الفن من خلال أدائه شخصية “عبدو أجير الفران” (عامل مخبز)، بمسلسل “دائرة النار”، واستطاع أن يلفت الأنظار إليه منذ ظهوره الأول عام 1988، ليتوالى بعده ظهوره في العديد من الأعمال الاجتماعية والتاريخية والكوميدية.

وشارك في العديد من الأعمال كممثل مثل “هجرة القلوب إلى القلوب” و”العبابيد”، قبل أن يؤدي دورا مميزا في مسلسل “التغربية الفلسطينية” والذي كان هو مخرجه.

وبعد أن أبدع في التمثيل، لمع نجمه في عالم الإخراج في  تسعينيات القرن الماضي، لتتوالى أعماله الرائعة مثل “الفصول الأربعة” و”صلاح الدين”  و”عمر” و”الزير سالم”، و”الملك فاروق” الذي نال عنه جائزة أفضل مخرج عربي في مهرجان القاهرة للإعلام العربي.

وكذلك نال جائزة أفضل مخرج عن فيلمه “آخر الليل” في مهرجان القاهرة للإذاعة والتليفزيون في عام 1996.

https://twitter.com/zhr0of/status/1344989501182119948

—————————-

حشود وفنانون ودموع في تشييع حاتم علي بدمشق

الحرة – واشنطن

شُيع الفنان والمخرج السوري الراحل حاتم علي، صباح الجمعة، إلى مثواه الأخير في مقبرة “باب الصغير” في العاصمة السورية دمشق بحضور شعبي لمحبيه ولعدد من نجوم الدراما السورية.

ووثقت عدسات الكاميرا لحظات الحزن والدموع على المخرج الكبير الذي وافته المنية في العاصمة المصرية القاهرة يوم الثلاثاء الماضي قبل أن ينقل جثمانه إلى دمشق.

    اللهم ثبته عند السؤال اللهم أغفر له وارحمه واعفو عنه و أكرمه اللهم و غسله اللهم طيب ثراه و اكرم مثواه واجعل الجنة مستقره و مأواه اللهم نور مرقده و عطر مشهده و طيب مضجعه اللهم انس وحشته و ارحم غربته و قهِ عذاب القبر و عذاب النار يا ارحم الراحمين💔#حاتم_علي #جنازة pic.twitter.com/DrAO2wVRur

    — zhr0of_smgl (@zhr0of) January 1, 2021

    💔💔😥😥#تيم_حسن #حاتم_علي #A83 pic.twitter.com/B08y0mi6vg

    — 8️⃣ ⓜⓘⓓⓞ 3️⃣ (@ahmed_kosa) January 1, 2021

    النجم #باسم_ياخور من جنازة المخرج الراحل #حاتم_علي الذي يتم تشييعه إلى مثواه الأخير الآن في العاصمة السورية دمشق pic.twitter.com/dCLJ3luNFK

    — سيدتي فن (@sayidatystars) January 1, 2021

    لو تعرف أديش في عالم عم تبكي اليوم يا استاذ حاتم 💔

    لو تعرف اديش انت غالي علينا وفراقك صعب 😔

    ١/١/٢٠٢١#حاتم_علي pic.twitter.com/HQIdgkkaGN

    — bayan.sy (@bayan2sy) January 1, 2021

    تقطع قلبي على حزنك يا تيم 💔😭

    زعلتنا كلنا يا حاتم #حاتم_علي #تيم_حسن pic.twitter.com/CYel0GCyPY

    — ZEINAB ALY (@zeinab_aly30) January 1, 2021

وشهدت جنازة الراحل حضورا لنجوم في الدراما السورية بينهم الفنان السوري تيم حسن والفنان والمخرج سيف الدين سبيعي والفنان باسم ياخور والفنانة أنطوانيت نجيب.

وفارق حاتم علي الحياة عن عمر 58 عاما، بعد أن ترك إرثا كبيرا وغنيا من الأعمال الدرامية التي تركت بصمات كبيرة في عقول ووجدان المشاهد العربي.

ابن منطقة الجولان الذي قضى معظم شبابه في مخيم اليرموك للاجئين الفلسطينيين، أخرج “التغريبة الفلسطينية” التي لاقت نجاحا كبيرا منقطع النظير وقدمت مأساة الشعب الفلسطيني بعيدا عن القوالب الأيديولوجية والدرامية الجامدة، من خلال شخصية العم صالح التي أداها بروعة وإتقان الفنان السوري جمال سليمان.

وعرف عن حاتم علي، الذي طالما أعلن كرهه لكافة أشكال الرقابة على الفن، حبه لخوضه مغامرات فنية جديدة يكتشف من خلالها آفاقا واسعة ويفتح أمام المشاهد العربي الكثير من نوافذ الجدل والتساؤلات على القضايا الاجتماعية والتاريخية، فهو قدم للمشاهد المصري والعربي تفاصيل جديدة وبعيدة عن النمطية في شخصية آخر ملوك مصر، “الملك فاروق” عبر مسلسل حمل نفس الاسم.

ومن خلال تعاونه مع الكاتب المبدع وليد سيف سلط المخرج الراحل الضوء على تاريخ الأندلس بطريقة شائقة سلبت الألباب لتضيء نقاطا هاما ومثيرة للجدل في التاريخ العربي والإسلامي، فكان “صقر قريش” و “ربيع قرطبة”  و”ملوك الطوائف”، وقد اعتبر الكثير من النقاد تلك الثلاثية الأضخم فكرياً وتاريخياً وأدبياً في تاريخ الدراما والسينما العربية بالمجمل.

أما مسلسل “الزير سالم”، ورغم ما قيل عن وجود الكثير من الأخطاء التاريخية في مضمونه، فقد أبدع فيه علي بعد أن تعامل مع النص الدرامي بحرفية عالية جعلت نجوم المسلسل يتألقون في أدوراهم ويحظون بإعجاب المشاهد العربي الذي كان قد ابتعد عن متابعة الأعمال التاريخية في وقت عرضه.

لم يبدأ، حاتم علي، مسيرته الإبداع في الإخراج، فهو ولج عالم الفن من خلال أدائه شخصية “عبدو أجير الفران” (عامل مخبز)، بمسلسل “دائرة النار”، واستطاع أن يلفت الأنظار إليه منذ ظهوره الأول في العام 1988، ليتوالى بعده ظهوره في العديد من الأعمال الاجتماعية والتاريخية والكوميدية.

وشارك في العديد من الأعمال كممثل مثل “هجرة القلوب إلى القلوب” و”العبابيد”، قبل أن يؤدي دورا مميزا في مسلسل “التغربية الفلسطينية” والذي كان هو مخرجه.

وبعد أبدع في التمثيل، لمع نجمه في العالم الإخراج في في تسعينيات القرن الماضي، لتتوالى أعماله الرائعة مثل “الفصول الأربعة” و”صلاح الدين”  و”عمر” و”الزير سالم” و”الملك فاروق” الذي نال عن جائزة أفضل مخرج عربي  في مهرجان القاهرة للإعلام العربي.

وكذلك نال جائزة أفضل مخرج عن فيلمه “آخر الليل”في مهرجان القاهرة للإذاعة والتليفزيون في العام 1996.

ولم يكتف علي بالإخراج والتمثيل، فقد صدر له  مجموعتين قصصيتين هما: “ما حدث وما لم يحدث”، و”موت مدرس التاريخ العجوز”، بالإضافة إلى نصوص مسرحية هي “حكاية مسعود” و”مات 3 مرات” و”البارحة- اليوم وغدًا” و”أهل الهوى” عام 2003.

https://www.youtube.com/watch?v=gtdADirdWpE&feature=emb_logo

————————————-

=========================

 

 

 

 

 

 

====================

تحديث 02 كانون الثاني 2021

————————–

رحيل حاتم علي مجدّد لغة الدراما التلفزيونيّة العربيّة/ فجر يعقوب

إن كنت متعصباً متطرفاً للفن السينمائي – حصراً – وتؤمن كلية بنظرية أن السينما فقط تستطيع أن تؤمّن لنفسها ذاكرة عصية على النسيان، فإنّ حاتم علي بأعماله الدرامية، التاريخية والمعاصرة، يستطيع أن يغيّر من قناعاتك بسهولة ويسر غير مسبوقين. صاحب “التغريبة الفلسطينية”، وإن امتلك ثقافة وحساً دراميين عاليين، إلا أنه لم ينشغل بتنظيرات كان يعرف أن “الجمهور” – الذي يمتلك طبيعة خاصة يبحث عن ضالته في مسلسلات تشبهه – فعرف حاتم علي كيف يقف في المنتصف ليقدم له روائع تلفزيونية من الصعب تكرارها، أو المسّ بها، ومن الصعب نسيانها. وقد تحوّلت أعماله إلى كلاسيكيات في عالم الدراما العربية، الصعب، والشديد التعقيد، بسبب طبيعة هذا الجمهور أولاً، ونوعية الإنتاج الدرامي العربي ونمطه ثانياً، وهو يمتلك شروطاً غاية في الصرامة والامتثال، إلى أن تمكن حاتم علي – ربما وحيداً دون مبالغة – من أن يبسط مفردة مختلفة على هذا النمط الذي لا يشبه أياً من الأنماط التقليدية، والتي عادة ما يتجنب المخرجون الصدام معها، بسبب طبيعتها الاستفزازية. وإلا بماذا يمكن أن نفسر وجود العشرات من مخرجي الدراما التلفزيونية العربية، وبعضهم تحول إلى مجرد مخرج منفذ، يخضع لإملاءات شركات الإنتاج، أو حتى الجهات المنفذة، ولنجوم الصف الأول؟

صانع الحدث الدرامي

من دون شك أن حاتم علي ارتضى لنفسه المغامرة في عوالم رحبة ومجهولة ولا يمكن التكيّف معها بسهولة، وعندما عثر على شراكته الإبداعية الأهم في مشواره الصعب مع الكاتب وليد سيف، أمكن القول إن صاحب الثلاثية الأندلسية لن يكون رؤوفاً بالمادة التلفزيونية التي يعمل عليها، وسيخضعها لمبضع الجراح والمساءلة التي لا ترحم، حفاظاً عليها من التشتت والاندثار بعد العروض الأولى.

فالمسلسل التلفزيوني بطبيعته يمكن أن يقاوم إملاءات من خارج طبيعته بغية المحافظة عليها، لأن التلفزيون لا يحتمل فلسفة بصرية مرافقة للحدوتة المطلوب تقديمها لجمهور بهويات ثقافية وأمزجة مختلفة متعارضة مع الكثير من القضايا الشائكة التي تطرق لها عبر هذه الشراكة الإبداعية الملهمة لجميع الأطراف.

كان الواقع الدرامي من حوله في غاية الثقل، وأي محاولات للخروج منه تتطلب تقديم التنازلات، بغية تمرير ما يمكن تمريره. لكنّ حاتم علي عرف كيف يستطلع هذه الآفاق الملتبسة، ويعمل على تحفيز مشاريعه انطلاقاً من شراكة كتابة درامية إبداعية مع وليد سيف قل مثيلها، أو ندر، وكانت حظوظ هذه الدراما أنها انطلقت من مبدعين، لديهما تصورات وقواسم مشتركة، أطلقت الكثير من التكهنات حول مستقبل درامي – قبل وبعد – ولم يكن ممكناً تخيلها بهذا الثوب، لو لم تطلق من قمقمها بأسلوبية حاتم علي، وتندفع نحو آفاق غير مسبوقة، في صناعة الحدث الدرامي، وتكثيفه بصرياً، وصناعة النجم، الذي كان مادة مضيَّعة في المادة التلفزيونية الدرامية قبل أقل من عقدين.

الزير سالم وسير أخرى

حاتم علي عرف كيف يطور مسارات خاصة في الدراما العربية، حتى أننا نضع أيدينا على قلوبنا ونحن نقرأ الأخبار التي تحكي عن قرب إعادة قراءة الزير سالم، من كتابة الراحل ممدوح عدوان. قراءة جديدة من زاوية بعيدة ومختلفة، وكأنه كان في جعبته، بعدما عصفت الحوادث بالداخل السوري، وغيّرت من اعتبارات صنيعه في زمن مختلف ما يمكن إضافته على شخصيات ومكنونات العمل الذي قدم للتاريخ مخيلة جمعية لم يكن ممكناً تخيل أن تأسرها واحدة من أروع قصص السيرة الشعبية، وهي تترافق مع زخم بصري غير مسبوق، ومتجاوز لمفهوم الفيلم التاريخي العربي الذي ظل أسير الصنعة الإذاعية، ولم يكن في حسبان أوائل من صنعوه الانتماء لمفهوم اللغة السينمائية، المقلق لصناعه. لكنّ صاحب “صقر قريش” نجح في وضع مفهوم جديد للدراما التاريخية، وفي يقينه أن العمل الفني لا يزال حتى اليوم مقيداً بفعل قداسة التاريخ، وبخاصة إن أخذنا بعين الاعتبار أنه يتداخل عادة في هذا التاريخ ما هو مدني وما هو ديني. فأمام سلطة الدين التي ما زالت حاضرة بقوة في حياتنا المعاصرة يبدو صعباً وضع تاريخنا العربي تحت مجهر قراءة نقدية متحررة.

يمكن القول إن التاريخ هنا مسألة مقدسة ومن هنا يبدو للوهلة الأولى أن من يشتغل عليه لا يمتلك حريته، وبخاصة إن أخذنا بعين الاعتبار الشكل الفني الذي يناقش من خلاله هذا التاريخ، وهو هنا في حالة حاتم علي يتشكل من المسلسل التلفزيوني الذي يزيد من صعوبة وتعقيد الوضع. فهو سيقود حكماً نحو السؤال عن هوية المنتج ومخترع النص وطبيعة رسالته، وسينسى للحظات أنه مهندس الصدمات الحميمة في حياة متفرجين كثير.

قراءة التاريخ

لم ينس حاتم علي وقد اكتمل قوس تجربته برحيله المفجع أن ينتقد كل أنواع التنازلات في هذا الصدد، وكان يدرك لبسالة في وعيه أن شروط التلفزيون تنتصر أحياناً كثيرة، ولهذا وقف أمام مسلسل “صلاح الدين” ليقول إنه مسلسل بلا أنياب، وخضع في تكوينه الدرامي لنبرة دعائية عالية عن طريق استخدام مادته الدعائية كسلاح في معركة معاصرة: القدس والصراع العربي الإسرائيلي.

بدا مثل جزء من خطاب تعبوي متكامل، ولكن مسلسلات أخرى له مثل “ملوك الطوائف”، مساحة أكبر لقراءة التاريخ قراءة مختلفة وأكثر تحرراً، وبخاصة أنه امتلك فرضية إعادة كتابة النص الدرامي عبر تقنية الإخراج التي تتضمن أداء الممثلين، وأحجام اللقطات، وطبيعة الإضاءة والميزانسين الحيوي لهذه التكتلات والديكور والموسيقى التصويرية، أي الانتقال السلس إلى لغة الصورة بكل ما يسمح به فن التلفزيون، وبالتالي فإن هذه اللغة هي تجسيد لقراءة المخرج للنص.

تتجلى هنا المقاربة المثلى في مسلسل “الملك فاروق” وهو عمل أنتج في مصر ويتحدث عن تاريخ مصر الحديث وهو مثال على قدرة المسلسل التلفزيوني على تبني روايات غير رسمية وتقديم قراءات مختلفة تؤدي إلى إثارة النقاش وفتح الباب مشرعاً أمام إثارة الجدل السياسي والتاريخي والاجتماعي يؤدي إلى تكوين قناعات مختلفة.

مشهد من “الملك فاروق”

https://www.youtube.com/watch?v=jL8XBsY731M&feature=emb_logo

أصل الحكاية

كان حاتم علي يعتقد أن الكثير من المشكلات المعاصرة تتطلب مناقشتها العودة إلى أصل الحكاية. العلاقة الملتبسة بين الحاكم والمحكوم. شكل الدولة العربية. أسئلة النهضة المجهضة، وكلها أسئلة تضرب عميقاً في التاريخ، التاريخ المخفي والمستور، أو التاريخ المسطر الذي جرى تكريسه بشكله الحالي لخدمة أهداف سياسية وأيديولوجية ودينية وطائفية، ويمكن القول إنه قام بمحاولات إعادة اكتشاف هذا التاريخ في مسلسلات مثل “الزير سالم” و”الملك فاروق” و”التغريبة الفلسطينية” و”ثلاثية الأندلس”، وبدرجة أقل بطبيعة الحال مسلسل “صلاح الدين”.

حاتم علي كما كان يقول إنه يعمل في التلفزيون وعينه على السينما، لم يشأ أن يخالف عينه وطريقة تفكيره الخاصة في صناعة المسلسل التلفزيوني الذي ظل يمتلك حرارة سينمائية خاصة به باقتراحات بصرية جريئة وبتجريب معين، حتى أمكن القول إن الجمهور تقبل في أمكنة كثيرة كسر حدة هذا الإيهام الذي يقوم به في أعماله وأثبت من دون شك أن التلفزيون ـ عمليا ـ يمكن أن يقبل التجريب والبحث، وأنه يمكن أن يفقد الكثير من مقومات هويته التقليدية حين لا يكون أمام المبدع إلا أن يقول ما بحوزته، وبخاصة أن مصدر الترفيه الأول في عالمنا العربي ما يزال هو التلفزيون، ومحاولة خلخلته تتطلب الكثير من الموهبة والكثير من الشجاعة والدربة، وحاتم علي الذي رحل اليوم في القاهرة جراء احتشاء عضلة قلبية كان على قدر كبير من الموهبة والشجاعة في تحطيم مسننات صدئة ومتلونة كانت تعيق صناعة المسلسل التلفزيوني العربي الحقيقي الذي يقترب من الناس البسطاء، ويظل محافظاً في الوقت نفسه على رونق الحكاية ورونق الفن. 

النهار

——————————

جنازة شعبية لحاتم علي الاكبر بعد نزار قباني..والنظام يغيب

“لم تشهد دمشق تأبيناً شعبياً لفنان بعد نزار قباني، كتلك التي شهدتها في تشييع حاتم علي”.

بهذه العبارة، يصف مغرد سوري كثافة الحضور في تشييع المخرج حاتم علي في دمشق يوم الجمعة، بمشاركة نخبة من الفنانين السوريين، وحضور فلسطيني، وبغياب سوري رسمي.

    هكذا ودع المخرج حاتم علي دمشق … الى مثواه الأخير

    جنازة المخرج الراحل #حاتم_علي … بمشاركة حشد كبير من نجوم ونجمات و صناع الدراما السورية pic.twitter.com/q4cVnLDR0x

    — أنا- iam (@iamladyseba) January 1, 2021

وشُيّع جثمان علي في العاصمة السورية دمشق بعد وصوله من القاهرة، الخميس، برفقة نجله عمرو وابنته، ووُري الثرى بعد عصر الجمعة في مقبرة باب الصغير التاريخية.

Video Player

وشهدت جنازة الراحل حضوراً لنجوم في الدراما السورية أبرزهم الممثلة القديرة منى واصف، والفنان تيم حسن والفنان والمخرج سيف الدين سبيعي والفنان باسم ياخور والفنانة أنطوانيت نجيب.

    لو تعرف أديش في عالم عم تبكي اليوم يا استاذ حاتم 💔

    لو تعرف اديش انت غالي علينا وفراقك صعب 😔

    ١/١/٢٠٢١#حاتم_علي pic.twitter.com/HQIdgkkaGN

    — bayan.sy (@bayan2sy) January 1, 2021

    النجم #باسم_ياخور من جنازة المخرج الراحل #حاتم_علي الذي يتم تشييعه إلى مثواه الأخير الآن في العاصمة السورية دمشق pic.twitter.com/dCLJ3luNFK

    — سيدتي فن (@sayidatystars) January 1, 2021

ووثقت عدسات الكاميرا لحظات الحزن والدموع على المخرج الكبير الذي وافته المنية في العاصمة المصرية القاهرة يوم الثلاثاء الماضي قبل أن ينقل جثمانه إلى دمشق.

    “معاذ الله أنا لا أريد أن أقول لك وداعاً.. معاذ الله

    لأن ذلك يعني أن كل شيء قد بات منتهياً.!” pic.twitter.com/0OXli87M86

    — 𝓐𝓎𝑨ℍ.𝓼𝔂 (@Ayooshii92) January 1, 2021

وشارك ممثل منظمة التحرير الفلسطينية في سوريا السفير الفلسطيني أنور عبد الهادي في التشييع باسم الرئيس محمود عباس الذي منحه “وسام العلوم والثقافة والفنون ـ النجمة الكبرى”.

كما أوضح أن ذلك يأتي تقديراً لمجمل أعمال الراحل وخاصة مسلسل “التغريبة الفلسطينية”، وقال عبدالهادي إن “المخرج علي هو مخرج كبير جداً وأخرج عدداً من الأعمال المهمة، وأهمها “التغريبة الفلسطينية”، كما عاش جزءاً من حياته في مخيم اليرموك”.

    💔💔😥😥#تيم_حسن #حاتم_علي #A83 pic.twitter.com/B08y0mi6vg

    — 8️⃣ ⓜⓘⓓⓞ 3️⃣ (@ahmed_kosa) January 1, 2021

——————————-

حاتم علي على أكتاف السوريين وسط حضور عدد كبير من الفنانين في دمشق

شـ.يّع جـ.ثمان المخرج السوري الراحل “حاتم علي” في دمشق وسط حضور عدد هائل من الفنانين والشعب السوري.

وانطلقت جـ.نازة علي من جامع الحسن بعد خروجه من مشفى الشامي في دمشق حسبما رصدت دراما تريند حملاً على الأكتاف.

وكان من بين الحاضرين كل من الفنانين تيم حسن وغسان مسعود ويزن السيد وشادي الصفدي ونضال نجم وجلال شموط ووائل رمضان.

وأيضاً تواجد عدد كبير من المخرجين من بينهم الليث حجو الذي ظهر باكياً برفقة ابن الراحل عمر حاتم علي.

وأثبتت الفنانة شكران مرتجى وقفتها منذ وصول الجـ.نازة مساء أمس إلى مطار دمشق الدولي حتى اللحظات الحالية.

كما تواجدت الفنانة سلافة معمار التي ظهرت باكية برفقة سلاف فواخرجي ونظلي الرواس بجانب إبنة الراحل غالية حاتم علي.

إضافة إلى محبين الراحل من الشعب السوري الذين تهافتوا الى حمل نعشه على الأكتاف بحزن شديد يخيم عليهم.

الجدير بالذكر أن حاتم علي رحل عن عالمنا صباح يوم الثلاثاء 29 ديسمبر ضمن إحدى الفنادق في العاصمة المصرية القاهرة إثر نوبة قلـ.بية مفاجئة.

وكانت هناك أخبار متداولة على لسان الفنان السوري عابد فهد الذي أعرب عن غضبه من إدارة الفندق التي لم تستطيع إنقـ.اذ حاتم علي.

https://www.youtube.com/watch?v=Exj7-ECo8Rs&feature=emb_logo

————————

حاتم علي وداعاً/ نزار بعريني

هل  من المبالغة القول انّ من اهمّ ما أنجزه الراحل، الفنان المبدع، المخرج الكبير “حاتم علي” ، في رحلته الفنيّة  الطويلة ، ورحلة حياته القصيرة ،هو  حصوله على إجماع محبّة و احترام السوريين ، جميع السوريين ؛ في ظروف التشظّي الغير مسبوقة ،على جميع الصعد والمستويات، التي خلقتها عصور طويلة من الاستبداد ، ومراحل متتالية من حرب مدمّرة ؟!

 أن تنال شخصيّة سوريّة  عامّة ،غير محسوبة ، أو مرتهنة ،  لطرف  سياسي محدد ،في تخندقات الصراع ، كلّ هذه الشهرة ، والنجاح ، في حياة صاحبها ، وأن تصنع ، في وداعه ، حالة إجماع بين السوريين ، كاد الجميع يفقد الأمل بإمكانية الوصول إليها ، قد يصبح ، كما يعتقد البعض ، إنجاز وطني ، ويشكّل رافدا للأمل الواعد ، بقيام سوريا، موحّدة ،على صعيد الموقف ، والمشاعر،  كخطوة أولى  !

إذا كان من الواضح أنّة  ليس المجال هنا لتقييم  الراحل فنيّا ، أو للحديث عن جوانب سيرته الفنيّة الغنيّة  ، فهل يجوز ، في إطار المشاركة في التعبير عن مشاعر السوريين، التي فاضت حزنا على رحيله ؛ الافتراض  أنّ سرّ تميّز الراحل يكمن في جانبين؛  جسّدا ، بشكل متكامل ، الرسالة التي حملها الفنان ، والإنسان ، حاتم علي ، والتي تعبّر بصدق عن ظروف حياة حقيقيّة ، عاشها، وعايشها، طويلا ، في مخيّم اليرموك الفلسطيني ، شكّلت لديه انطباعات وقيم ، عمل على تجسيدها في سلوكه الشخصي ،ومسيرته الفنيّة؛  تمثّل الجانب الاوّل، في بحثه عن ، وسعيه لمعرفة الحقيقة التاريخيّة ؛ سواء في سياقها البعيد، الموغل في القدم ،أو في عصور التاريخ الأقرب ، الحديثة ؛ بينما ظهر الثاني في إنحيازه لخيارات  السلام ، وتعاطفه مع تطلّعات السوريين المشروعة ، بتحقق ظروف العدالة ، والمساواة ، ومقومات السلم الأهلي؟

هل في هذا الإستناج فانتازيا قراءة “سياسيّة “، ليس لها علاقة بالفن ، والإبداع الدرامي ؟!

اعتقد أنّ ما يشجّع العقل على المخاطرة في البحث والإستنتاج ، هو حقيقة  سعي الراحل ، في جميع أعماله التاريخيّة تلك ،  للخروج بالوعي السياسي  الشعبي  من دائرة القراءة المسيطرة ، الرسميّة ، على الفضاء الثقافي والسياسي  لأحداث تاريخيّة ؛  قديمة ، وحديثة ، راهنة.

ألا  يبدو جليّا  ما كرّسه  المخرج السوري لفترة طويلة،  من سيرته الفنيّة ،  في محاولة لإصلاح ” التشوّه  التاريخي” ؛ الذي ضيّعت حقيقة احداثه  عصور إستبداد سياسي متتالية ؛  جسّده  ، اختياراته “للسِّير التاريخية”  التي قدّمها، سواء في محاولة لإعادة قراءة موضوعية لمراحل تاريخيّة بعيدة ،ما تزال تحمل إشكاليات قائمة ؛  أو في تناوله لأحداث تاريخيّة حديثة ، تطرح قضايا وهموم راهنة، تمسّ مصالح شرائح كبيرة من السوريين ؟

نعم ،

  في أعمال تاريخيّة كبيرة، تناولت شخصيات وعصور:

” جاهلية ” ،و”  اسلامية” ،  رئيسيّة ، مثل “عمر”، أو “صلاح الدين الأيوبي”، او ثلاثية الأندلس ؛ “صقر قريش”، “ربيع قرطبة” و”ملوك الطوائف”، أو “الزير سالم”، جَهِدَ  الراحل لتحريك عقارب الزمن ، في محاولة لإعادة قراءة تاريخ العرب ، وتشكيل وعي سياسي/ تاريخي  راهن ،مختلف، عبر الكاميرا، التي تضبط الزمن متلبّساً في مكانه الأصلي، ليس فقط لإبراز ما يحمله من قيمة تاريخيّة ، بل لرؤية الحدث التاريخي من منظار أحداث معاصرة  ، يعتقد المؤلّف ، والمخرج ،  انّها تتقاطع في سياقها الراهن  ، مع أسبابه ، و تفسيره ، في سياقاته التاريخيّة ، الموضوعيّة .

وفي أعمال تاريخيّة ، حديثة ، كَ “الملك فاروق”  ؛ ألم يُظهر المخرج السوري الراحل ، كما أزعم  ، شجاعة سياسيّة  في تناول مُختَلف  ، لأحداث مرحلة تاريخية ، ما تزال ، في وعيها الشعبي، والرسمي ، السائد، تحمل الكثير من أوهام القداسة ؟

ألا ينسحب هذا الإستنتاج على أعمال أكثر اهميّة ؟

إذا كان من  الصحيح أنّه ، في  ،“التغريبة الفلسطينية”، قد وضع جلّ اهتمامه   في  إعادة سرد تفاصيل المعاناة الفلسطينيّة ؛ منذ الانتداب البريطاني، إلى ما خلّفته هزيمة  حزيران ١٩٦٧من تداعيات كارثيّة ،  شكّل  تهجيير ملايين الفلسطينيين والعرب أكثرها  بروزا  ؛ فهل يصحُّ التخمين أنّه حاول أيضا ؛ في هذه الملحمة التاريخيّة ،   بتشويق درامي ، وشحن عاطفي، وطني وقومي ،ومن خلال  إنعاش الذاكرة العربية ، والضمير الانساني  بما واجهه شعب  مسالم من حروب  ظالمة ؛ أن يستشرف  أحداث المستقبل ، وصراعاته ، وأنّ يكشف ، بعبقريّة السياسي ،  الخيط الرفيع ،الممتد ، زمنيّا ، وسياسيّا ، بين ظروف التغريبة الفلسطينيّة، من جهة  ، وظروف معاناة  شعوب المنطقة ، والشعب السوري ، خاصّة ، محذّرا من نتائج ، لا تقلّ إيلاما ، قد يجرّها نهج الإستبداد السياسي ” الوطني “،على شعوب، وجغرافيا دول المنطقة ؟ !

ألا يؤكّد ما اذهبُ  إليه من ” تخمين ” ،  تناول اعماله الدراميّة الأشهر لقضايا اجتماعية وسياسيّة، تمسّ الحياة اليوميّة الخاصّة ، والهموم السياسية، الوطنية العامة ، لشرائح واسعة في المجتمع السوري، إلى درجة جعلت مسلسلات أعمال الراحل تشكّل جزء أساسيا من حياة السوريين اليوميّة ، الأكثر متعة ، وتشويقاً؟!

النماذج الأهمّ ، مثّلتها ،سلسلة من الأعمال العظيمة ؛ بدءا من ” الفصول الأربعة” ، و “الغفران” و ” أحلام كبيرة ” و “قلم حمرة” ، وليس انتهاء بالمسلسل الأبرز لهذا النجاح الكبير؛ ” عصيّ الدمع “.

في” قلم حمرة ” ، يصوّر المخرج  تأثير ” الثورة ” ، وما سبقها ، على الطبقة الوسطى السورية؛ في حين يجسّد الراحل في مسلسل ” عصيّ الدمع ” ، عبقرية التشبيك بين خيوط الماضي، وحقائق الواقع ، من أجل خلق وعي سياسي موضوعي ؛ فحَمّل المسلسل عنوان قصيدة أبي فراس الحمداني ، التي أبدعت كوكب الشرق ، أمّ كلثوم ، في أدائها ، وأخذ حبكة درامية آخّاذة ، جمعت بين الموسيقا الغربية ، والكلاسيكيّة ، الشرقيّة ؛ ليرسم ،اللوحة الأكثر صدقا عن أخطر تمظهرات أزمة الواقع السياسي ،التي يعيشها الشعب السوري؛ محذّرا ، ربّما ،من عواقب، في حال استمرار تجاهل أسبابها الجوهرية .

صحيح أنّ المسلسل يُعالج قضايا عديدة ، تمثّل أخطر المشاكل المعاصرة في الحياة الإجتماعية السوريّة ، كأحوال المرأة والشرع والحياة الأسرية ومشاكل المراهقين ونظرة الدين والمجتمع للمرأة، لكن يبقى تناوله لحالة الفساد داخل جسم ” المؤسسة القضائية ” من أكثر المواضيع جرأة ؛ وحرصاً على الدفاع عن المصالح العليا للشعب السوري.

ألا يتوافق أيضا مع تلك “الهلوسات الإستنتاجيّة” ، حصول الراحل على  “وسام  شرف” ، الطرد من  نقابة فنانين ”  ، ليس لها علاقة  بقضايا الشعب السوري العادلة ؛  وما جرّته  عليه  مواقفه الوطنيّة الديمقراطية،   في  ظروف الهجرة القسريّة  ، من  جروح ،يصعب إندمالها!

على أيّة حال ،  يُشكّل رحيل الفنان الكبير حاتم علي ، في مرحلة مازال فيها في أوج عطائه الإبداعي ، المتعدد الجوانب ، خسارة كبرى ، شخصيّة ،على صعيد عائلته الخاصّة ، كما على صعيد الساحة الفنيّة العربية ، والإنسانيّة .

السلام والتحيّة لروح الراحل ،

وكلّ الإحترام والتقدير لشرفاء  هذا الشعب  المظلوم .

♡♡♡♡♡♡♡◇♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡

(١)- يلعب الراحل دور قاض ٍ ، يتحوّل ، بسبب ظروف عمل غير طبيعيّة ، و بنقلة دراماتيكيّة إلى ” ساعاتيّ”، في محاولة لفضح حالة الفساد المستشري في جسم أهمّ مؤسسات الدولة ، ولكشف ما وصلت إليه الحالة من إستحالة إصلاح النظام القضائي ، باستخدام نفس وسائل العلاج المتبعة !

يصف الصحفي اللبناني ” إبراهيم الأمين ” ، بعبارات رائعة ،  تميّز ” عصيّ الدمع “:

“حتى عندما يغيب السياق التاريخي، بمعناه التقليدي، يحضر التوثيق، بأبعاده المجتمعية، مع ما يحمله ذلك من رسائل مبطنة وذكية يضمّنها في المشاهد والحوارات واللقطات اللمّاحة والموهوبة التي تقول الكثير بوقت قصير وتصفع المشاهد لإيقاظه من رتابة الحياة إلى صدمة الدراما.

هكذا مثلاً يدخل خالد تاجا في مشهد متكرر في “عصي الدمع” يومياً إلى قصر العدل ليسأل أحد المحامين: “سؤال لو سمحت يا أستاذ؟ نحنا هون وين؟”، وحين يجيبه “نحنا هون بقصر العدل”، يستدرك تاجا: “قصر شو؟”، ليرد المحامي بثقة: “العدل”. فينفجر تاجا من الضحك”.

——————————

رسالة داخل نعش حاتم علي/ علي عيد

تابع مئات الآلاف وربما ملايين السوريين تشييع حاتم علي وجنازته تنساب مثل ماء النبع من مشفى الشامي إلى ساحة الأمويين، تذكرت عبارة الإمام التي يرددها صديقي “بيننا وبينكم يوم الجنائز”، وعادت بي الذاكرة نحو عشرين عاماً، حيث كان نعش آخر يشقّ طريقه على عربة عسكرية، وخرج من صلب هذا النعش ظلّ ثقيل أضاف عقدين من البؤس، نصفها بدأ بحرق ربيع دمشق، ونصفها الآخر بدقّ عظام أولادها بالحديد والنار.

هناك قرب ساحة الأمويين، قبالة بستان هشام، كان “حاتم” يبزّ الرّجال بلا سكاكين ولا نياشين، بل بصورة الشاب الأسمر القادم إلى أحزمة دمشق البائسة من نكسة 1967، فارساً أسرج الصورة حتى حملت ملامح الرسل.

في أول يوم من كانون الثاني نبت له جناحان وطار على أكف محبيه من دون مذاهب، ورغم برودة الموت كان “حاتم” يعدّ السوريين لربيع آخر، ربيع شهق على الشفاه نشيداً يقول “فتح ياسمينك يا شام”، وكأن صاحب النعش يريد أن يوصل رسالته بأن ثمة خلاصا لا بدّ منه، خلاص رغم رجل البوليس، ورغم المخبر والقنّاص، لقد عاد بجواز سفر أبديّ ودائم، كما يصف اصدقاؤه، رغم الشرطيّ الذي منحه ختماً لعامين فقط.

لقد فضحت جنازة “حاتم علي” حزناً على بلاد يقول أهلها إن أحدا “لا يشتهي أن يرميها بوردة”، جنازة أفلتت من مقصّ الرقيب وأفشت سرّ الحبّ والرغبة في الحياة والانعتاق، كان الأسود يبتلع كلّ الألوان، انتظر المسيحيون على باب جامع الحسن كما لو أنهم يحرسون ملاك المسلمين، كان النعش يسير على أكتاف طائفة واحدة اسمها سوريا، كانت فرصة أن يلحظ كلّ منّا ملامحه، إذ يقول بعض من حضروا إن رجلا كان يمشي مردداً عبارة “أنا درويش .. أنا درويش”، لعله صوت محيي الدّين بن عربي يذكّر بأصل هذه الأرض الوادعة الحالمة والمؤمنة، وسجّل المشيّعون صوت سيدّة تنادي “شكرا يا حاتم .. كتّر خيرك يا حاتم”، ربما هي امرأة حملتها قافلة “التغريبة”، ومن يدري كم انتظرت كي تعبر عن امتنان الذّاكرة.

ليس ثمة أوضح من حزن السوريين على ولدهم، كرسالة حيال هذا الموت الطويل، وكأننا نقول لقاتلنا كفى، كفى فقد أعمى البكاء عيون الأمهات، وتاهت قافلتنا حتى تقطّت السبل بنا، فمات الشباب وغرق الأطفال في البحر، ونامت البلاد نصف أهلها على حلم رغيف، ونصفهم الآخر على كوابيسها تحت النّصال، وكلّهم على رغبة بعودة أبدية ليس فيها قائد أبديّ ولا وكلاء عن السماء ولا سجون ولا سجّان.

———————————-

حاتم علي… الرحلة الأخيرة/ مزن مرشد

أحلام كبيرة والفصول الأربعة، مسلسلان سوريان، أجد نفسي أبحث عنهما، وأبدأ بمشاهدة حلقاتٍ منهما، كلما فاض بي الحنين إلى دمشق، وأترك لدموعي أن تنفلت من عقالها، لأغسل روحي من وطأة الشوق.

ثم أحمد هذا العصر على نعمة اليوتيوب، وأعود لرتابة حياة المنفى، متابعةً رحلتي في طرقاته الباردة.

ليس مستغرباً أن يكون العملين من إخراج المبدع حاتم علي، يحملان بصمته، فمن سواه، استطاع أن ينقل روح دمشق في أعماله، لنشعر نحن المشاهدين المُبعدين عن الشام، وكأننا زرناها ولو لدقائق.

2020 كان مصراً، وحتى يومه الأخير، أن يكسر قلوب السوريين أكثر وأكثر، فقبل أن ينتهي بيوم سرق منا سورياً أصيلاً، وفناناً مبدعاً أخذه معه ورحل، وكأن هذا العام المشؤوم، لم يكتفِ بالكوارث التي حملها للعالم أجمع ومنذ يومه الأول.

رحل حاتم علي، رحل صاحب البصمة الخالدة في الدراما السورية، رحل غريباً في غرفة فندق، لا طال سماء غربةٍ، ولا أرض وطن.

عندما كان في الخامسة من عمره، انتقل إلى دمشق نازحاً مع أهله، من قريته الجولانية التي أخذها الاحتلال الإسرائيلي، في صفقة خيانة، سميت وقتها بنكسة حزيران.

عاش غريباً في وطنه، يحن لأرض أنجبته ويحلم بالعودة، لتصبح أحلامه حبيسة روحه، فتخرج إبداعاً في أعماله الفنية.

كل من عرف حاتم علي قال عنه بأنه رجل ٌيحلم أكثر مما يتكلم، يعمل بإلهام وإصرار وصبر غريب، يهتم بأدق التفاصيل، ويغدق من روحه على النص الورقي، فيصنع من شخوص أعماله أناساً حقيقيين، لا يمثلون أدوارهم، ولا يتقمصونها، بل يعيشونها، ويأخذون المشاهد ليعيشها معهم.

بهذه الروح الصادقة استطاع المخرج المختلف حاتم علي أن يدخل إلى ضمير كل سوري، ويترك عند في واحد منا انطباعاً رائعاً، لفنان قد لا يتكرر بتاريخ الدراما، ليس السورية فقط، بل العربية أيضاً، فحين أخرج مسلسل الملك فاروق للكاتبة المصرية لميس جابر، كثر الهرج في الوسط الفني المصري، كيف يوكل عمل ضخم كهذا، يؤرخ لأهم مرحلة من تاريخ مصر الحديث، لمخرج سوري، لتسكت بعدها كل الأصوات، فقد نجح العمل نجاحاً باهراً، وحصد أعلى نسب مشاهدة على مستوى الوطن العربي، ليثب وبالدليل الذي لا يدع مجالاً للشك بأنه مخرج فذ، لا يمكن لأحد أن يحل محله.

قليلاً ما اجتمع السوريون على رأي، كما اجتمعوا بالأمس في حزنهم على حاتم علي، تشارك في الحزن موالاة ومعارضون، من في الداخل ومهاجرون، كتاباً، صحفيون، ممثلون، فنانون، مشاهدون، ومتابعون، مواطنون من كل سوريا… الكل نعاه كمخرج فنان، وكإنسان أحسوه قريباً منهم، فمن سواه قدم صورة الإنسان السوري الصادقة، فمن سواه استطاع أن يلمس يومياتهم، ويصورها بواقعيتها المفرطة على الشاشة الصغيرة.

لم تكن أعماله مجرد مسلسلات نتابعها لتمضية الوقت، بل كانت تأريخاً يومياً لحياة البسطاء، وكان بعضها تخليداً لقصص شعبية، نقلها وقدمها بخيال خصب، فتجسدت قصص الحكواتي وصارت لحماً ودماً، ولم يعد الزير سالم، وجساس، وكُليب، مجرد شخوصٍ في قصةٍ تاريخيةٍ شعبية.

قدم حاتم علي الرواية التاريخية بلحم طازج، فصار التاريخ معه حكاية تُرى، قبل أن تُقرأ، مازجاً ما بين خياله المبدع، ونظرته الفنية، وبين مصداقية النص التاريخي المكتوب، دون أن يمس مصداقية التاريخ.

وفي أعمال أخرى استطاع أن يوسع رقعة مُشاهد المسلسل البدوي، من مُشاهد ذي بيئة محددة، إلى شريحة واسعة من المتابعين، في تجربته البدوية الأولى مع السيناريست عدنان عودة، في مسلسل أبواب الغيم، ليتكئ إبداع المخرج على جمالية النص، فيصبح حاتم بدوياً، ويجعلنا نلتف حول منقل قهوة مضارب العظيد ونتابع حكايتهم.

ومع زوجته المبدعة السيدة دلع الرحبي، أتحف الشاشة بأجمل حلقات مسلسل الفصول الأربعة، المسلسل الذي كلما شاهده سوري، عاد إلى بيته أهله الأول في بيت نبيلة وكريم، وعصي الدمع، لكن الدمع هذه المرة لم يكن عصياً أبداً على شريكك في الحياة والإبداع يا دلع.

كان يكفي المشاهد العربي أن يعرف أن العمل من إخراج حاتم علي، ليثق بأنه سيحظى بوجبة فنية درامية تستحق المشاهدة.

حاتم الرجل الذي اضطرته الأوضاع بعد الثورة أن يصبح لاجئاً في القاهرة، بعد أن قضى عمره نازحاً في بلاده، ثم مهاجراً في كندا، عاد إلى القاهرة في زيارة عمل ليقضي غريباً، وحيداً، في غرفة فندق بعيداً عن دمشق موطن نزوحه ومسقط روحه، وبعيداً عن كندا موطن هجرته، ولكن قريباً جداً من قلوب السوريين.

بالأمس، عاد حاتم إلى دمشق التي خرج منها مجبراً، عاد جثةً في نعش، عاد ليكون رقاده الأبدي في تراب الشام، بين من أحبهم وأحبوه، محمولاً على أكف زملائه ومحبيه، جاب شوارع الشام للمرة الأخيرة، اغتسل بمطرها الأخير ودموع مشيعيه.

لن أقول الراحل حاتم علي، فمن مثله لا يمكن أن يرحل، وله هذا الكم من الحب، وهذا البقاء في الذاكرة الجمعية لمواطنيه.

أما نحن يا حاتم، يا أيها الكبير، من سيعيدنا إلى دمشق؟ من سيحمل نعوشنا؟ أو يبكينا؟ ننعيك وننعي بك ومعك غربتنا التي طالت.

*مزن مرشد – من كتاب “زمان الوصل”

—————————–

حاتم علي.. موت منفرد على مقامات النزوح/ عبدالرزاق دياب       

كانت نكتة (نازح ويعيد) تمثل لنا في التسعينات نبوءة فاجعة في أننا نحن أبناء الجولان نمضي إلى حيث أقدارنا في الترحال، وهذه الحال لم تكن وليدة صفة أطلقت على فئة بلا أرض فقط، بل كانت بلا شعور بالحماية جيث إن سلطة البعث كرستها وتسببت فيها، ورسمت على مهل وعي السوريين في أن ذاتهم ليست واحدة فهم فرق وطوائف وطبقات، ونحن كنا بداية التشطي الكبير حيث النازح له أقدار أخرى في بيت في الضواحي المحطمة والمخيمات أو في الأرياف القصية.

هكذا نشأ حاتم كما الجميع في (سبينة) الخليط الفلسطيني السوري فالكل إما نازح أو فقير أو محطم..هنا ينمو الفقراء كالفطر الأسود، وينفجرون في الشوارع بحثاً عن آمالهم في عالم متناقض ومهمل، ولكنه فرن الأحلام التي تنضج فتصير مشاريع مبدعة، وساعد في صعود هؤلاء المجانين المبدعين أجواء الهوس القومي والفكري، واليسار المتقد حينها قبل أن تلتهمه حمى الخشية من التغيير.

كنا حينها الجيل الأصغر من حاتم بسنوات قليلة نحاول أن نكون في دائرة الحلم، وكانت محاولاتنا الأولى لإبعاد شبح النزوح الثقيل، واستحضار شبق البقاء بصرخة تعلو: ها نحن هنا..أنباء التغريبة الأولى والمنسية.

عندما أنجز حاتم التغريبة الفلسطينية بكى كل أبناء الجولان مع هذا الترحال والخذلان..كانوا هم بسواد لباس نسائهم، وحزن الرجال في ضياع وطن لايعوّض، وفي خذلان وطن من القريب قبل الغريب، ومن نكسة طالت ونكبة مقيمة.

يقول حاتم عن تغريبته التي عانقت رحلته على ظهر خاله نازحاً من الجولان: (أنا لست فقط أحد أبناء الجولان المحتل الذين عاشوا تجربة تتقاطع في كثير من تفاصيلها مع تجربة شخصيات مسلسل التغريبة الفلسطينية، ولكنني أيضاً عشت طفولتي وشبابي في مخيم اليرموك وكنت في عام 1967 بعمر صالح الذي كان يحمله خاله مسعود”، وكنت أيضاً محمولاً بالطريقة نفسها على ظهر أحد أخوالي، بشكل أو بآخر استطعت أن أستحضر الكثير من هذه التفاصيل الواضحة أحياناً والمشوشة في أحيان كثيرة والملتبسة في بعض الأحيان وأوظفها وأعيد تركيبها مستكشفاً إياها في أحيان كثيرة من خلال العمل نفسه، وكثيرا ما سُئلت نفس السؤال وهو كيف يمكن لمخرج غير فلسطيني أن يقدم عملاً عن هذه القضية، وأنا شخصياً كنت أقول إن القضية الفلسطينية هي قضيتنا جميعاً كعرب).

هي هكذا..في قلب وعقل حاتم..هي هكذا في عقولنا وقلوبنا نحن أين نزحنا في بطون أمهاتنا أو على أكتاف أقاربنا، ومن ثم عشنا هجرتنا الكبرى خارج حدود الوطن حيث لا تقدر القلوب على احتمال فكرة الانفصال النهائي..فتتوقف.

توقف قلب حاتم فجأة من هول تلك الفكرة الهاجس، أو هكذا نريدها نحن موتاً صادماً دون مقدمات، وربما من حظ حاتم أن يموت قريباً من هواء الوطن قادماً من أقصى العالم في مهجره..مات في مصر بقلب لم يحتمل كثرة الترحال..وربما تغريبة جديدة.

—————————

تغريبتان.. في موت حاتم علي/ عبد الرزاق دياب

لم تكن وفاة حاتم علي مجرد صدمة لمحبيه من السوريين جميعاً لأنه قدم لهم وجبة دسمة وصادقة في مشواره الفني فقط، بل لجملة من الأسباب العالقة في حلوقهم وضمائرهم، وهذا ما أسال دموعهم معاً في أول توافق على رثاء سوري لا يحمل أبعاد الصراع الدموي باستثناءات بسيطة مدفوعة للقول بأن السوريين بينهم ما صنع الحداد ولم يعد بينهم ما يوحدهم.

تبدو التغريبة الفلسطينية كأهم أعمال حاتم التي أجمع عليها السوريون كجزء من ذاكرتهم المشتركة، وهنا ينهض التساؤل عن سر هذا التوافق هل لأنهم جميعاً تربوا على حب فلسطين وسيرة فقدانها، ولأنها جارتهم السليبة التي طالما دفع أبناؤهم الدم والمال كرمى لعودتها، ولأن سوريا بالتحديد ضمت لعقود نخباً وقامات فلسطينية كان لها الأثر في الوجدان الجمعي العربي وساهمت في صناعة مفاهيم الثورة والحرية والعودة؟.

بالطبع كل تلك الأسباب مجتمعة بالإضافة إلى ما قدمه هذا العمل من إسقاطات على الواقع السوري فثمة تغريبة أخرى ينتمي إليها جيل حاتم علي كله سواء من أبناء الجولان الذين رحلوا على أكتاف أقربائهم مثل (حاتم) أو في بطون أمهاتهم عندما كانت صيحات الفزع تدب بين الهاربين سنة النكسة (1967) مثلي أنا، وعلموا فيما بعد من روايات الجد أو الأب أن الجنود السوريين فروا من الجبهات قبلهم بأوامر عسكرية، وهذا خذلان مزدوج تغريبة ضياع الأرض وخذلان حماتها.

في تفاصيل التغريبة الفلسطينية يعود حاتم إلى ما يشبه الحدث السوري سنة النكسة ودلالاته فمفاتيح البيوت كانت أمل النازحين في العودة إلى بيوتهم كما أقرانهم في النكبة، كذلك اللباس واللهجة والدموع وكبار السن.. لكن باستثناء سوري خالص هو أن حدوداً سيحميها جنود الوطن ستكون فاصلة بينهم وبين الحلم على عكس ما حصل في تغريبة الفلسطيني الذي حمل السلاح ليصير لاجئاً ثم فدائياً أما السوري المطرود فبقي نازحا فقط ثم نازحاً مرة أخرى بقصف الطائرات السورية.

في كل موت تخرج أصوات ناشزة لتتهم وتصنف، ومع موت حاتم أعاد البعض سيمفونية التخوين والطائفية سواء ممن يحسبون على الثورة أو النظام، وفي المقلب الأول أراد البعض من الرجل مواقف وتصريحات واضحة تجرّم النظام القاتل وتنتمي للثورة، وفي المقلب الثاني طالب البعض بتخوينه واحتسابه على من فروا من الوطن.

أمام هذا التوافق مرت هذه الأصوات الناشزة كأنها لم تكن وتكفل بها من أسكتها، وعاد حاتم إلى الشام بنعوة خالصة وخالية من شعارات مؤسسات النظام، وبعراضة شعبية أصيلة سورية لا تنتمي إلا إلى سوريا التي يريدها الجميع..سوريا التي تشبه السوريين فقط.

بكى السوريون في حاتم غربتهم وهجرتهم ونزوحهم، وكذلك خذلانهم ممن كانوا حماة أرواحهم وبيوتهم، وبكوا افتراقهم ودماءهم الرخيصة، وكذلك رجلاً وثّق كل ذلك وأكثر من أحلامهم وأحزانهم، وحملوه كمن يقول: واغربتاه.. في اشتهاء لوطن حطمه الطغاة والخونة واللصوص على أمل لحظة عودة من تغريبتهم السورية.

——————–

رمزية الموت في مشهد النهاية/ رشا عمران

لم يكن رحيل حاتم علي، المخرج والممثل والكاتب السوري، المتحدر من الجولان المحتل، عاديا، إذ تبدو طريقة رحيله كما لو أن مخرجا ما أخرجها، وأبدع في جعلها درامية إلى الحد الأقصى، بحيث سبّبت الحزن لهذا العدد الكبير من المشاهدين في العالم العربي، فالحياة على ما يبدو تشبه مسلسلا دراميا طويل الحلقات أو قصيرها، وكلّ منا سوف يكون المشاهد وبطل النهاية في الوقت نفسه. في يوم الثلاثاء الماضي 29 / 12 من السنة الاستثنائية 2020، وضع المخرج المبدع آخر اللمسات في حلقة حياته، وغاب بتلك الطريقة الدرامية.

نزحت عائلة حاتم علي (مواليد 1962) من الجولان المحتل، وهو في الرابعة أو الخامسة من عمره، قضى طفولته بالقرب من مخيم اليرموك للاجئين الفلسطينيين في دمشق، قُبل في معهد الفنون المسرحية طالبا، ثم أصبح لاحقا مدرسا فيه. بدأ حياته الفنية ممثلا، واشتهر في أدوار تلفزيونية كثيرة له، سواء في مسلسلاتٍ من إخراجه، حين اعتنى بموهبته في الإخراج لاحقا، أو من إخراج غيره من السوريين. لن أذكر هنا أسماء المسلسلات التي أخرجها، ولا تلك التي لعب فيها أدوارا، فما قيل فيه منذ لحظة رحيله أعاد إلى ذاكرة الجميع إنتاجه كله، بما فيه المجموعة القصصية التي كتبها.

شهدت حياة حاتم علي التي بدأت بالنزوح محطّاتٍ كثيرةً في أمكنةٍ عديدة، كانت مصر أساسية فيها، منذ ما قبل 2011، لتترسّخ مكانا للعمل وللسكن مع العائلة بعد 2011، بعد أن تم التحريض عليه من فناني النظام السوري وشبّيحته، وتم فصله من نقابة الممثلين وتخوينه، مع أنه لم يدل يوما بتصريحاتٍ عنيفةٍ تجاه النظام، إلا أنه رفض بشكل قاطع التشبيح للنظام، وتخوين زملائه وأصدقائه وأبناء بلده، فقد كان يدرك أنهم القاعدة الأولى لنجاحه. ومن القاهرة هاجر مع عائلته إلى كندا، ليعود مرات عديدة إلى مصر بغاية العمل، آخرها منذ أكثر من شهرين حيث كان يستعدّ لإخراج عمل عربي ضخم عن سفر برلك، لتصيبه أزمة قلبية في أول الصباح في غرفته في الفندق، كانت أعنف ربما من أن يتمكّن من الاتصال بأحد أصدقائه الكثر في مصر، أو ربما شعر بالحرج من الاتصال بأحدٍ في هذا الوقت المبكر. لا أحد يعرف ماذا حدث وبما كان يفكر. نحن فقط نقترح مونولوغات عن لحظات رحيله، ليموت وحيدا تماما في غرفة في فندق، في بلدٍ له فيه أصدقاء عديدون، بعيدا جدا عن عائلته، وبعيدا عن سورية التي لم تترك أحدا ممن أحبّوها سليما أو معافى.

أعادت هذه الدراما التي في موته إلينا، نحن السوريين، هيبة الموت وسطوته، بعد أن أصبح موت السوريين سنوات عديدة مبتذلا، بسبب استخدامه مادّة إعلامية على الهواء مباشرة، وسياسيةً يتم المتاجرة بها في أروقة السياسة في العالم، وأعاد إلينا ما نحاول تجاهله ونسيانه: كم نحن غرباء، أينما كنّا أصبحنا غرباء، حتى الذين لم يغادروا البلد هم غرباء فيها، إذ ما فعله حاتم علي، في معظم مسلسلاته التي أخرجها قبل الثورة، هو رثاء للطبقة الوسطى السورية التي كانت تتآكل شيئا فشيئا، وكانت شبه منتهيةٍ في بدايات الربيع العربي، ليصبح أفرادُها غرباء بعد الثورة، من خرجوا من سورية ولم يستطيعوا التأقلم والاندماج مع عوالمهم الجديدة، ومن بقوا في سورية ونبذتهم طفيليات الحرب، مالكو البلد الجدد. هل، يا ترى، كل هذا الحزن لموته كان لشخصه تحديدا أو لما يمثله، في الحياة والموت، من رمزيةٍ لسوريي العقدين الأخيرين من تاريخ سورية؟ ربما إجابة هذا السؤال شخصية جدا، وليس من حقّ أحدٍ المطالبة بها، فالحزن ليس جريدة حائط، حتى لو بدا كذلك أحيانا، الحزن أشبه بدفتر مذكراتٍ شخصيةٍ نفتحه كلما يذكرنا أحد به. ولنعترف بأن الحزن يصيب بالعدوى، خصوصا لمن هم مثلنا، نحن العرب، أصحاب تراث الموت الظالم والحزن المديد واللجوء القسري والقهر اليومي، أصحاب تراث الهزائم الدائمة حتى لأحلامنا. ربما هذا ما يفسّر الإجماع النادر على حزننا على رحيله. العرب بكوا فيه صانعا ماهرا للبهجة المحترمة ذات القيمة العالية المتمثلة في الدراما التلفزيونية التي تصل إلى كل بيت، لتكون تعويضا عن نخبوية السينما. أما السوريون فقد بكوا فيه أنفسهم، حياتهم الماضية، أحلامهم المفقودة، الوطن المفقود والشعب التائه الذي استطاع رحيل حاتم علي استعادته ولو ساعات قليلة، لنرى من خلال هذه الاستعادة مصيرنا البائس الذي نحاول تناسيه في يومياتنا.

العربي الجديد

—————————–

رثاء ناقص لحاتم علي/ يامن المغربي

هنا دمشق من خلف شاشة تشبه المساحة المسموحة لنا بالانتماء، إنها الجنازة، ألفتها سابقًا، هؤلاء المشيعون وهذا التابوت أعرفهم، وهذه المرة إنه حاتم علي كاملًا داخل صندوق!

وسط هذا الشجن، عندما سألتني ابنتي ما هذا؟ أخبرتها، إنها دمشق!

تعرّفت إلى المدينة للمرة الأولى وهي تشيع أحد أبنائها النازحين، لطالما حاربت انتمائي لأعيش وأستمر، وغازلت مدنًا أخرى بعد عامي العاشر خارجها، إلا أن قواي خرّت أمام هول ما أرى وأشعر، فهذه دمشق يا ابنتي، إلى هنا أنتمي وما أصعب سلخ الانتماء!

أجبتها هذي دمشق يا ابنتي، نحن من هنا، من هذه المدينة التي غبنا عنها مجبرين كما حاتم علي، وأحببناها جميعًا أكثر مما أحبتنا هي، ثم صمتت قبل أن أكمل الجملة التالية “نحن ننتمي إلى هذه المدينة، إلى دمشق يا يافا!”

ذكرني رحيل من أدعوه بـ”المُعلم” بأنني أنتمي إلى دمشق، وهو أمر أهرب منه منذ سنوات، منذ فرض علي وعلى الآلاف غيري، النفي إلى البلاد الواسعة التي بالكاد تتقبلنا هي الأخرى، ومنذ ذلك الحين وأنا أحارب طواحين الهواء كما الدون كيشوت، أقارن بين أمي دمشق والباقيات، هذه المدينة أكبر وتلك أجمل وهذه متحضرة والأخرى حديثة.

طعنت بكلام الشعراء وقصائدهم حول دمشق، اتهمت المقربين والآخرين بأن علاقتهم بمدينتهم ما هي إلا علاقة ذكريات وحنين ولا تملك من الواقعية إلا حروفها المكتوبة على جدار الـ”فيس بوك”، وأن نظرتهم تقدس مدينة لا تستحق كل هذه المشاعر الجياشة أصلًا.

ثم بكيت، بكيت وأنا أقرأ كلام السوريين عن علي وكأنه ابنهم وصديقهم، مستحضرين عشرات المشاهد من أعماله الدرامية التي شكلت لهم ذاكرة ووجدانًا حيًا وأيامًا حملت لهم دفئًا ما.

أعاد رحيل حاتم صور شوارع دمشق التي نفيتها أيضًا في ذاكرتي القصيرة هناك، صور الفوضى والقسوة والحب والأمل الغائب، صورًا لسحر لا يعرف مصدره ولا سببه ولا إن كان موجودًا أصلًا، وبكيته كما أبكي صديقًا حميمًا وقديمًا.

التقيت بحاتم علي ثلاث مرات، أولها في صيف 2007 بمقهى “الروضة” وكان عمري 19 عامًا، كان وحيدًا، اقتربت منه بخجل، وبعد السلام قلت له، “أعرف أن عشرات الشباب سيطلبون منك ما سأطلب فتحملني!”، ابتسم بود وطلبت منه بعض النصائح قبل التقديم إلى المعهد العالي للفنون المسرحية ولم يقل لا، طلب التأجيل حتى ينتهي من مكالمة سريعة ينتظرها.

المرة الثانية كانت في القاهرة، في دار “الأوبرا” عام 2009، عندما شارك فيلمه “الليل الطويل” في المهرجان، شاهدنا الفيلم ووقفنا معه خارج القاعة وناقشناه بالفيلم، وكنا مزهوين، لدينا أيضًا سينما يا أصدقائي المصريين، لدينا من يصنع أفلامًا جميلة وعميقة تكسر اللغة الخشبية في أفلامنا، وترفض الرمز الذي أنهك قصصها.

الثالثة وهي الأخيرة كانت في منزله في تشرين الثاني 2013، عندما تلقيت دعوة من زوجته الكاتبة دلع الرحبي لزيارتهم ومعي فيلمي الأول “الملك لا يموت”، الذي أنجزته كمشروع تخرج من المعهد العالي للسينما.

وقفت في منزلهم متوترًا، أنا في حضرة حاتم علي، وما إن انتهى الفيلم حتى صفق حاتم علي وأثنى على الفيلم، ثم شاهده بعدها بعام في بيروت مرة ثانية ولم أكن موجودًا حينها.

هذه الذكريات التي جمعتني مع حاتم علي، المثل الأعلى الذي منح الأمل لعشرات الشباب الحالمين بأن يكونوا مخرجين يومًا ما، ستمنعني مرة أخرى من الهروب من دمشق وانتمائي لها.

آلاف السوريين ودعوا حاتم علي اليوم، كل واحد بطريقته، وآلاف الدموع التي انهمرت صادقة على صديق لم يعرفوه، ومئات النقاشات التي دارت مجددًا حول موقفه السياسي وجودة أعماله الدرامية، لا تهم هذه النقاشات، ما يهم أن حاتم علي كان سوريًا حتى الصميم، وأنه وحده من يعرف كيف يجب أن تُصور دمشق، وكيف تظهر على حقيقتها دون تجميل وبكل حب، وكان صادقًا بنقل الواقع كما هو، وصادقًا بنقل أحلامهم كما هي.

ذكرنا حاتم علي بأننا موجودون وأحياء وقادرون على الحزن، وأن كل المصائب التي نواجهها منذ عشر سنوات لم تنسنا أننا سوريون كنا وسنبقى، وأننا إليها لعائدون، إن لم يكن اليوم فغدًا حتى لو كان بعيدًا.

وداعًا حاتم علي، وداعًا يا معلم!

عنب بلدي

———————–

 

 

=======================

تحديث 03 كانون الثاني 2021

————————-

السياسة والفن في سورية/ فاطمة ياسين

الأمد الطويل الذي استغرقته الحرب في سورية أجبر الأطراف على التمترس وراء استحكاماتها الخاصة، فأبرزت أسلحتها الأيديولوجية والعسكرية، والفنية أيضا.. سقط النظام أخلاقيا منذ فترة طويلة، منذ اللحظة الأولى، حين استسهل إطلاق النار على المدنيين، وسجّل خلال العقد الأخير أسوأ أخلاقٍ حربيةٍ عرفها النظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية، حين استخدم الأسلحة الكيميائية من دون تردد وعلى نطاق واسع، ولكن الحماية التي تمتّع بها أبقته، حتى اللحظة، بمنأى عن ملاحقة قضائية حقيقية أو محاسبة جدّية، وبقيت بين يديه أدواته التي استخدمها في القبض على السلطة وصناعة الحلفاء المدافعين عنه، وهو يتحكّم الآن في نصف الشعب السوري المقيم في مناطقه ولم يجد سبيلا للخروج.. يقف السوريون هناك في طوابير الخبز والغاز ساعاتٍ طويلة في انتظار معجزةٍ ما، وبعضهم ينصاع للانضمام إلى الجيش، وللبقاء على مقربةٍ من هؤلاء، يستخدم النظام مادةً نظرية يسوقها عبر إعلامه، وقد تكون إحدى أسلحته المهمة الدراما والمسلسلات التلفزيونية، وبنيتها التحتية من ممثلين وكتاب ومخرجين.

منذ بداية الانتفاضة الشعبية في سورية، تنبّه النظام إلى الدراما، وكانت قد وصلت مع نهاية العام 2010 إلى مكانةٍ عربية رفيعة، ولاقى المسلسل السوري رواجا جعل نجومه شخصياتٍ عربيةً معروفة ومطلوبة، لذلك كان النظام يستدعي ما تيسّر منهم للقاء بشار الأسد شخصيا، وعَقد لقاءً معهم في مايو/ أيار 2011، أي بعد أشهر قليلة من اندلاع الثورة، وكان الموقف الشعبي من حضور الفنانين للقاء لا يقبل التقسيم على اثنين، والمسافة شاسعةٌ بين الشعار الذي طرحته الشوارع الغاضبة والرد الذي تبناه النظام وحافظ عليه، فارتسم خط أخلاقي من الممكن لمخترقه أن ينتقل من حال إلى حال مختلفة. صرّح ممثلون، من الصف الأول، وجاهروا بمناصرة النظام بقوة، وبالوقوف وراءه، ودعم كل أساليبه، وظلوا “مخلصين” له. لم يمر هذا الموقف بشكل مجاني، فتضرّرت الدراما السورية بمجملها وبدأ الكتّاب يجدون لأنفسهم ورشاتٍ كتابيةً جماعية يختفون فيها، فيما صار الممثلون أيضا يندسّون في المسلسلات المشتركة التي عرفت بـ “بان أراب”، وفقدت الدراما السورية سمتها وعلامتها المميزة، ولعبت الحرب ومواقف الفنانين منها دورا أساسيا في هذا الواقع.

في أوساط الجمهور السوري، وهو صاحب الرأي الأهم في الدراما ونجومها، لم تعد الموهبة والحضور والخبرة أساساتٍ وحيدة لتقييم الفنان، فالثورة أعطت وسائل قياس جديدة، وهي مدى توافق الفنان مع الثورة ومدى قوة موقفه من النظام. وبالانقسام العمودي في الشارع السوري، أصبح مستوى أداء الفنان ينال علامة الصفر من جانب، والعلامة الكاملة من الجانب الآخر. وبهذا التقسيم، فقد ممثلو الصف الأول بعضا من نجوميتهم وتأثيرهم، وتضاءل التقدير لما قدموه للدراما بسبب موقفهم المنافي لجوهر المهنة التي يعملون فيها.

استمرّ الشرخ عميقا وطويلا، إلى أن جاء نعي المخرج حاتم علي قبل أيام، فشاهدنا إجماعا شعبيا جارفا بين السوريين، على اختلاف مواقفهم، وبدا الحزن والصدمة حقيقةً عاشها الجميع بموت هذا المخرج، وتسابقت المواقع لوضع نبذة عن تاريخه وفنه وأعماله.. ما لبثت الموجة بعد يومين أن هدأت، ليبدأ طرح الأسئلة التقليدية عن مكان حاتم علي وأين يمكن وضعه! ذهب النعش إلى دمشق في مقصورة الأمتعة من دون أن تكلف نقابة الفنانين السوريين نفسها لتُصدر نعياً قصيراً لهذا المخرج المتميز، فقد تذكّرت أنها فصلته من عضويتها منذ سنوات. وبعد أن فصلته أخرج حاتم علي “العراب”، في جزءين، ليشير بوضوح إلى مكان الفساد ومصدره في سورية. ولهذا، يمكن بالطبع توقع سبب امتناع النقابة السورية عن نعيه. وعلى الرغم من أننا ما زلنا نتابع محاولات الفنانين السوريين المستمرّة للبقاء على مسافة أقرب إلى النظام في سبيل كسب العيش، لكنهم بالتأكيد يخسرون معركة حاتم علي، ويفقدون نقاطاً أخلاقية في كل مناسبة.

العربي الجديد

—————————–

حاتم علي الذي يخصّنا/ تمّام هنيدي

سيطوفُ اليوم جثمانُ حاتم علي في شوارعِ الشام التي وصلها بتابوتٍ مختومٍ بالشمع الأحمر، ثمّ سيُدفنُ في مقبرةِ باب الصغير. أولم يقل عبد الرحمن الداخل في المشهد الأخير من صقرِ قريش: لو كانَ للمرءِ أن يختارَ موضعَ قبرهِ ما اخترتُ غيرَ الشام؟!

توقّفَ قلبُ المخرج والممثل والكاتب السوري حاتم علي صباح يوم التاسع والعشرين من ديسمبر في غرفةٍ في فندق ماريوت – القاهرة، بعد أن ظلَّ يدقُ لثمانيةٍ وخمسينَ عامًا.

فالراحلُ الذي ولد في الثاني من حزيران عام ١٩٦٢، بعد أشهرٍ قليلة من الانفصال وانتهاء التجربة الوحدوية بين سوريا ومصر وما خلّفتهُ هذه التجربة من آثار وندوب على الشخصيّةِ السوريّة في قيامها ونهايتها، لم يكن قد تعلّمَ الكلامَ كما ينبغي حينَ استولى العسكر على السلطة في سوريا، وشاءت أقدارُهُ أن يشهدَ أولى فواجعِ حكمِ هؤلاء العسكر مبكرًا، وأن يحتفلَ بعامه الخامس نازحًا رفقةَ عائلتهِ من الجولان السوريّ في أعقابِ هزيمة حزيران ٦٧ التي أفضتْ، من جملةِ ما أفضتْ إليه، إلى احتلال الجولانْ. بدايةُ الحياة كثيفة الأحداث تلك، فتحت البابَ أمامَ تساؤلاتٍ كثيرة وكبيرة، سوفَ تطبعُ اشتغالات صاحبِ «أحلام كبيرة» لاحقًا، عن جدوى البيتِ والوطن، وعن معناهما. عن السلطةِ ومغانمها ومغارمها، وعن الفقر وغياب العدل.

عاشَ حاتم علي في منطقة الحجر الأسود المُتاخمة لمخيّمي فلسطين واليرموك للاجئين الفلسطينيين جنوب دمشق، وهي إحدى الضواحي شديدة الهامشية والعشوائية في العاصمة، حيثُ الأملُ لا يعدو كونه مفردةً يستخدمُها أبناء الطبقة الوسطى في أحاديث أمسياتهم. تشرّبَ تاريخهُ الشخصيّ بكلّ تفاصيله، لم يكن معزولاً ولا بعيدًا عن حياة الناس، وأسوةً بسكّانِ تلك المناطق لم يمتلك ترفَ الترفّعِ عن تفاصيلِ الحياة اليومية، فكانَ والداهُ يعملان في سوق الخضار في الحجر الأسود، بينما كان هو يشقُّ طريقَ تحصيلهِ العلميّ بأناةٍ وهدوء، متأملًا وسائلًا وقلقًا، وواحدًا من روّادِ مقهى أبو حشيش في مخيّمِ اليرموك، حيثُ يتمكّنُ من توظيفِ حاسّتي السمع والبصر فيما يغذّي تلكَ التساؤلاتِ، مثلما يغذّي القلق!

قد يقولُ قائلٌ إنّ الأعمال الخالدة التي أخرجها حاتم علي مثل “التغريبة الفلسطينية” أو “الزير سالم” تُنسبُ لمؤلّفينَ رؤيويين كممدوح عدوانْ ووليد سيف، غيرَ أنّ السؤال هنا يكمُنُ في استعداد المؤلِّفَينْ للمغامرة بمنحِهِ فرصةَ إخراج ما كتباه إلى المشاهدين، وهو لم يكن قد تجاوزَ الثمانية والثلاثينَ عامًا حين أخرج الزير سالم، وما يزيدُ عليها بأربع سنوات في التغريبة؟

لم تكن سوريا تخلو من المخرجينَ آنذاك، ولم يكن لحاتم علي بصمة إخراجيّةً تُذكر، لكنّ المسألة تتعلّقُ، على الأرجح، بتوافقٍ فكريٍّ – رؤيويّ بينه وبين المؤلِّفَينْ. ونحنُ هنا لا نتحدّثُ عن كاتبين عاديَّين، بل عن ممدوح عدوان ووليد سيف!

قدّم حاتم علي نفسَهُ كمخرجٍ في الزير سالم، بشكلٍ يُذكّرُ بما فعلهُ رياض الصالح الحسين شعريًّا وفقَ شهادةٍ كتبها سابقًا الشاعرُ الأردنيّ الراحل أمجد ناصر في رياض حين قال:

“لم يكن رياض الصالح الحسين ممن يتزلفون إلى الزمن، وهو ممن لم يحتاجوا إلى رأفته، قصيدته جاهزة وبصمته حاضرة منذ توقيعه الأوّل”.

قدّمَ نفسَهُ من خلالِ أبطالِهِ في سيرةِ البكريينَ والتغلبيين واصطراعهما المديد. مدّ أصابعهُ إلى أوراقِ ممدوح عدوان وسحبَ الشخصيّات بحيثُ وقفتْ أمامَ المشاهدينَ شخصيّاتٍ من لحمٍ ودمٍ ومشاعر، وعليه فقد فكّرَ مع المؤلّفِ مليًّا في مساءلةِ هؤلاء الأبطال بوصفهم بالغينَ راشدينَ مسؤولينَ عن سلوكيّاتهم التي أنتجتْ دمًا عميمًا لا طائلَ منه، وفكّكَ مفهومَ الصفحِ والمسامحة وأخضعهُ لشروطهِ التاريخية وللتركيبة الذهنية للشخصيّات. وسخِرَ، بلا سخريةٍ، من ثنائيّةِ الخيرِ والشرّ، لصالحِ انتصارٍ واضحٍ للضعفاء والمظلومين.

انحيازُ الراحلِ للأضعف تكررَ في أعمالهِ لاحقًا. في التغريبةِ الفلسطينية لم يكنْ الانحيازُ مبنيًا على شعاراتٍ مكررة وممجوجة، فهو لم ينحزْ إلى الفلسطينيين في مواجهة الإسرائيليين، إنما للأضعف في مواجهة الأقوى، لزارعِ الأرضِ في مواجهة مالكِها، للمظلوم في مواجهة الظالم. ذلكَ قبلَ أن يُعمّم الظلمُ على الكلّ مع النكبة عام ١٩٤٨، فينحازَ لهم جميعًا في مواجهةِ ظُلّامهم الجدد، المستمرّين. خارجًا من فخّ التخصيص والمفاضلة بين مظلومٍ وآخر، باختيارهِ الذكيّ أن يبدأ مسلسله من «قريةٍ فلسطينية» لا على التعيين، كمن يُريدُ القولَ: اختر أيّ مكانٍ في فلسطين، واعتبر أنّ هذه حكايته.

كذا فعلَ في ثلاثيّةِ الأندلس، فقد انحازَ لعبد الرحمن الداخل في صقر قريش، إلى أن صارَ حاكِماً خاضعًا للتغييرات التي لا بدّ، في رأي حاتم علي، أن تفرضَها السلطةُ على الأشخاص ما إن يتبوّؤوا سدّةَ الحكم، ولما تفرضهُ السُّلطةُ من سلوكيّاتٍ تطبعُ شخصيّةَ الحاكم. عندئذٍ اختارَ الانحيازَ إلى بدر، خادم «صقر قريش» ورفيق رحلته إلى الأندلس وشريكه في تخطيط بناء الدولة هناك ووزيرهِ السابق. بدر، الذي عزلهُ «الداخل» فاختارَ الانكفاءَ والابتعادَ عن قرطبة التي لطالما حلُم بها. ولعلّ المشهدَ الأخير الخالدَ في المسلسل، يختصرُ تأمّلَات وليد سيف وحاتم علي في فكرةِ السلطة، وهواجسهما في أن يردَّا الاعتبارَ للمظلومين. في حوارٍ ثريٍّ بين الحاكمِ الذي ظَلمَ وخادمهِ الذي ظُلِم، يتشككُ عبد الرحمن الداخل في كلّ تاريخه، يتساءلُ عن جدوى كلّ ما قام بهِ في سبيلِ إحياء دولةِ أجدادهِ في الأندلس، وما إذا كانت فكرةُ الدولة تلك تستحقُّ كلّ ما فعلهُ لأجلها، وكلّ أولئكَ الضحايا الذينَ قضوا في سبيلِ قيامِها والحفاظِ عليها، ثمّ يستطردُ «صقر قريش» متمعّناً في فكرةِ الحقّ ذاتها، وفي نسبيّتها؛ فالحقُّ عندَ أحدهم هو الباطلُ عند أعدائهِ، والعكسُ صحيح. قيمةُ هذا المشهد الحواريّ الخالد لا تكمنُ في تلك الأفكار، إنّما في ورودِها على لسانِ الحاكمِ لا المحكوم، على لسانِ الظالمِ القويّ لا المظلومِ الضعيفْ، ذلكَ تحديدًا ما يجعلُها تحملُ ردّ اعتبارٍ للضعفاء.

ولعلّ تداخلَ الشخصيّ بالعام في سيرة ومسيرة حاتم علي فرضَ نفسهُ على المشهدِ الأخيرِ من حياتِهِ، فالتراجيديا السوريّة العامّة لا تنفكُّ تتركُ آثارَها على السيرةِ الشخصيّة لأبناء التغريبة السورية: يغادرُ حاتم علي بيتَهُ مجبرًا في بداية حياتهِ، يعيشُ نازحًا في الحجرِ الأسود، ينحازُ إلى المهمشين، يُحاولُ القول مبكرًا “إنّ الطغاةَ شرط الغزاة”، يثورُ المهمشون، يقتلهم الطغاة فالغزاة، يُغادرُ البلادَ في رحلةٍ لجوءٍ أبتْ حياتُهُ إلا أن يختبرها، ثمّ يموتُ وحيدًا مُحاطًا بجدرانِ غرفةٍ فندقٍ في القاهرة. فتكتملُ حلقات المسلسل. تلكَ رحلةٌ مكتملةُ أركانِ الألم.

سيطوفُ اليوم جثمانُ حاتم علي في شوارعِ الشام التي وصلها بتابوتٍ مختومٍ بالشمع الأحمر، ثمّ سيُدفنُ في مقبرةِ باب الصغير.

أولم يقل عبد الرحمن الداخل في المشهد الأخير من صقرِ قريش: لو كانَ للمرءِ أن يختارَ موضعَ قبرهِ ما اخترتُ غيرَ الشام؟!

مجلة رمان

—————————-

حاتم علي إلى دمشق عريساً على أغنية التغريبة/ فاتن حمودي

تحوّلت دمشق اليوم إلى عرس بحضور جثمان مايسترو الدراما السورية والعربية، ليرقد في مقبرة باب الصغير بين مَن رحلوا قبله نزار قباني وابن عساكر، ومتصوفة، خرجت دمشق، خرج فنانون ومخرجون وممثلون، وناس شعبيون «وفتّح ياسمينك يا شام»، مشهد رغم ألمه إلا أن دمشق التي أحبها حاتم علي يعود إليها اليوم وشارة التغريبية الفلسطينية تصدح، العراضات الشامية، حضور نجوم كبار: منى واصف، سلاف معمار، أنطوانيت نجيب، تيم حسن بطل ربيع قرطبة، غسان مسعود وكثيرون، و«مكسور فينا شي ومش مكسور»، اليوم عادت إلى المشهد جنازة نزار قباني، وعدت أنت بطوافك النهائي من ساحة الأمويين وحتى باب الصغير، الذي كان مزدحماً بصورة الأمل، نعم سنبقى محكومين بالأمل، فدم الشباب السوري غالٍ وغالٍ، ولن يكون رخيصاً أبداً.

عاصف هو الموت، وها أنت تحضر عريساً في 2021.01.01، هي الشام التي كنت حزيناً عليها حتى صار الحزن وجهك يا علي ولم يحتمل قلبك مرارة التغريبة السورية، أنت الذي عشتها من دمشق، إلى بيروت، والقاهرة، ومن ثم كندا، ليتوقف قلبك في القاهرة، فتبكي السماء عليك ويتحوّل خبر موتك إلى تريند على السوشيال ميديا.

لم يتفق أحد على اسم كما اتفق على حاتم علي، الأقنية الفضائية وردود فعل النجوم على موته، هل يبكون الجرح السوري، أم تغريبتنا المرة التي جعلتنا موزعين على القارات؟ نحن الذين أكل القرش لحم أبنائنا، وأحرقت مخيماتنا في لبنان، نحن الذين أوصلنا العالم إلى الحضيض، ورغم أننا نعيش أعتى الكوابيس التي تفترسنا ليلاً نهاراً، ثمة نجمة تضيء في الأفق البعيد.

إنه الفن، لقد ترك حاتم علي وراءه أحلاماً كبيرة، مخرج «الملك فاروق» و«الزير سالم» و«صلاح الدين الأيوبي»، ومسلسل «عمر» الذي يعتبر من أضخم الإنتاجات العربية على صعيد دراما السيرة وثلاثية قرطبة – الأندلس، والتغريبة الفلسطينية، والزير سالم، حاتم علي مخرج الصورة، والأداء الجسدي العالي، هل ننسى صوت سلوم حداد في الزير سالم، وصرخة خالد تاجا، ونساء قلم حمرة؟ هو الإنسان الذي جعل من عصي الدمع، دمعة حارقة، كنا نقول بأن الدراما بخير، ماذا سنقول اليوم؟

نكتب على مرايانا بقلم الحمرة، ونرى نساءات أعمالك وقد أصابهن الشروخ، بتوقيع الكاتبة يم مشهدي، حضور سلافة معمار ورامي حنا وعابد فهد وأحمد الأحمد وكاريس بشار، وغيرهم من الوجوه، أعرف بأنك أردت أن تقول للعالم بأن الأسرة السورية أسرة ناجحة، وهو ما قلته في فيلم الكندي السوري “peace by chocolate”، الفيلم الذي يشكل حكاية من حكايات الأسر السورية، ولأن القصص تتعتق حين تروى، فإن السينما تضيء هذا الجانب بسحرية الواقع والخيال المحمول على الصورة، أردت أن تجسد إلى جانب الفنانة يارا صبري أهمية العائلة كذاكرة، والتي تعني بشكل ما الوطن، والوطن مفقود، ولا شيء يربط اللاجئ بوطنه سوى ما يحمله من ذكريات، وعادات قد ألفها في محيطه العائلي، ويريد أن يورثها لأبنائه كتعويض عن الوطن المفقود.

حاتم علي بكاك الجميع، أعادوا كل أعمالك، بكاك فنانون كبار، في سوريا ومصر والأردن، والسعودية ودول عربية متعددة، أنت مَن وقعت أعمالك مع أهم الكتّاب، ممدوح عدوان، وليد سيف، يم مشهدي، دلع الرحبي، ريم حنا، وأسماء كثيرة أخرى، تشير كلها إلى مايسترو يعرف كيف يدير رؤوسنا بما قدمه من روائع تاريخية واجتماعية وفانتازيا سحرية، أمس بكتك منى واصف، وسلاف معمار، وعابد فهد، وماهر صليبي، بكوك جميعاً يا علي، ونحن بكيناك، وسنرى أعمالك حتى الثمالة القصوى، هذا العام قاسٍ جداً، سنعود إليك دائماً حاتم علي، أنت مَن يحمل بذور الموت والحياة والغياب الذي لا عودة بعده كما يقول أبو العلاء المعري:

تحطّمنا الأيام حتى كأننا            زجاج ولكن لا يُعاد له سبْكُ

————————-

حاتم علي: إنساناً ومخرجاً ملتزماً/ إدريس سالم

حاتم علي إنسان حقيقيّ صاخب. مثقّف. خزينته المعرفيّة تمتلئ على الدوام. هادئ الصوت والطباع. يناقش ويحاور والبسمة تغرق بين شفاهه. معتدل في القضايا الفنّيّة الساخنة والعنكبوتيّة. جاء إلى الفنّ من زاوية الأدب، كان كاتباً قصصيّاً في المقام الأول، نشر مجموعتين قصصيّتين «ما حدث وما لم يحدث»، و«موت مدرّس التاريخ العجوز». أخرجته نوبة قلبيّة غامضة من لعبة الحياة الخبيثة، ولكنه لم يبتعد؛ هو في كلّ الفصول بتداخل صمت أنبل مورّق مثمر، في زمن العُهر والخراب والذلّ والقحط الإنسانيّ ومتواليات الوجع. اتّبع نهجاً وسلوكاً هادفاً وراقياً. نطق دائماً «الفنّ رسالة».

هو مَن كان يقف دائماً خلف الكاميرا ويرسم التفاصيل المدهشة والرمزيّة على وجوه الفنّانين، فمَن ينسى معالم وجه خالد تاجا في «التغريبة الفلسطينيّة»، والكبيرة منى واصف في «قلم حمرة»، وسلاف فواخرجي وتيم حسن في «على طول الأيام»، وياسر العظمة في «مرايا 98 و99»، وبسام كوسا بإبداعه في «أحلام كبيرة»، وسلوم حداد وسمر سامي وجهاد عبدو وفرح بسيسو وعابد فهد في «الزير سالم»، وجمال سليمان في «صلاح الدين الأيّوبي»، وحتى ملامح وجهه نفسه في مسلسلات «الرجل سين» و«العرّاب – نادي الشرق وتحت الحزام» و«العبابيد» وغيرها من مسلسلاته تمثيلاً وإخراجاً، وها هو اليوم وفي تابوته المهيب يصنع تفاصيل ومشاهد تراجيديّة على وجه محبّيه وجمهوره وزملائه، لم يرسمها إلا لوعتهم عليه كاتباً فنّاناً مخرجاً وإنساناً ملتزماً، فكان الحلقة الأخيرة والجزء الأخير في سيرة حياته، بطلاً وحدثاً.

نشرت الفنّانة السوريّة «سلافة معمار» على صفحاتها في مواقع التواصل الاجتماعيّ بحرقة شديدة «الحزن كبير، والكلام لا يمكن أن يعبّر عن مدى الأسف والحزن والخسارة، والأصعب ما في الموضوع أن الزمن فرّقنا ولا نقدر أن نكون مع بعضنا لنودّع الناس التي ترحلنا، ونخفّف عن بعضنا ألم الوداع».

إن كلام سلافة معمار كلام ينخر في عقولنا وقلوبنا جميعاً، والحقيقة المطلقة هي أن المتّهم الأول له هو الحرب التي أعلنتها رجالات الاستبداد والفساد ومَن يسندهم بالكلمة والليرة والرصاصة، فكم من عزيز غادرنا ونعيْنا ذويه ببوست أو صورة أو تعليق وتغريدة!

فيما قال الشاعر السوريّ «هاني نديم» عبر الفيس بوك أن حاتم علي هو مَن «يحبّه أقصى اليمين ويحبّه أقصى اليسار؛ لأنه مثل مدننا الطيّبة، لم يتبنَّ خطاباً موغلاً في الحقد واللؤم والتشفّي والزعرنة، كما فعل وجهاء الطرفين، فكرّهونا البلد وكرّهونا الحياة، بل ظلّ منتجاً قويّاً واقفاً على تعبه.

إنه مثل سوريا، ذلك الموجوع المبتسم أبداً، الأعزل الذي يمتلك جيشاً من جمال وإبداع، الخلّاق كأيّ سوريّ أصيل دون الجعجعة والمحابّاة والتمظهر والتمنبر والوقوف في خيام الحزب وترديد الشعار والصفقة الطلائعيّة».

شخصيّاً تابعت العشرات من مقابلاته التلفزيونيّة ومداخلاته وتصريحاته، منذ أن كنت طالباً في الصفّ السابع الإعدادي في مدينتي كوباني أثناء متابعتي لمسلسله الشهير «الزير سالم»، فالكثير من المخرجين والفنّانين ما كانوا يختلقون القضايا والمشاكل الحسّاسة لتسليط أضواء الشهرة على أنفسهم، لكن حاتم كان بعيداً عن ذلك، فلم ينتقد أحداً ولم يكن عدوّاً لأحد، كلّ ما في الأمر أنه كان يفكّر كثيراً، وينجح كثيراً، ويبدع كثيراً، فلم يقدر عليه أحد في عداواته، خاصّة مع هذا الوسط الفنّي المليء بالانحطاط والتفاهات.

وأنا أتابع مشاهد من تشييع جثمانه في مدينة دمشق، أخذتني الذاكرة باكية خانقة إلى مسلسل «الفصول الأربعة» الذي أخرجه عام 1999م، فذكرني التشييع بحلقة من الجزء الأول بعنوان «أصدقاء نزار»، عندها قال الفنّان الراحل خالد تاجا «الدنيا لا زالت بخير، الشام كلّها خرجت في تشييع نزار قبّاني»، واليوم لولا الحرب وآلاف الحدود المبنيّة داخل سوريا لخرج كلّ أبنائها في تشييع جثمانه، لأول مرّة أرى حزن جميع الناس على فنّان هو إنسان مرتبط بذاكرتنا بزمنه الجميل والصادق؛ فهناك مَن يختلف وهناك مَن يتفق على نجومية البعض أو موهبته، لكن حاتم علي أثبت بأعماله أن العالم الفنّي يحبّ الأعمال الجيّدة والناضجة فكريّاً ونفسيّاً.

يبقى الشكّ واليقين حاضراً في سبب وفاة حاتم علي في أحد فنادق مصر، والذي تطرّق إليه الفنّان «عابد فهد» في مداخلته على قناة «الشرق للأخبار» بأسلوب منطقيّ، زارعاً فتح أبواب غامضة على مجريات الوفاة، متسائلاً بغضب هادئ عن سبب تأخّر الطبيب في الوصول إلى غرفته، مؤكّداً أنه حين شعر بالتعب طلب حضور الطبيب لمعاينته، ولكن الطبيب تأخّر، فسأل عابد عبر القناة: لماذا لا يوجد إسعاف؟ لماذا لم يصل الطبيب؟ ولماذا لم ينقذوه؟ ربما القدر، ولكن كموقف يجب أن لا يتكرّر.

أسئلة عابد فهد تطرح نفسها بعمق، وربما الأيّام القادمة تكون كفيلة في اكتشاف خبايا وأسرار غامضة.

———————-

رثاء يليق بتاريخ حاتم علي.. الفنانون ينعون الأب والابن والأستاذ

من قلب دمشق، ومن خارج حدود سوريا، ودّع الملايين المخرج المبدع حاتم علي، الذي وافته المنية قبل أيام على إثر أزمة قلبية تعرّض لها أثناء وجوده في العاصمة المصرية القاهرة.

تلاقت الوجوه في جنازة خيم عليها الحزن والدموع الصادقة من محبي مخرج الروائع الدرامية الذي كان بمثابة الصديق والأستاذ لعدد كبير من الفنانين بمختلف توجهاتهم السياسية ومدارسهم الفنية، العريقة الرصينة والحديثة المتمردة.

حرص كثير من الفنانين على وداع ابن الجولان السورية وداعا صادقا يليق بفنان أفنى حياته الثرية في إحياء حكايات من التاريخ العربي بهزائمه وانتصاراته، وآلام الأجداد وقصص المقاومة الباسلة، ونجح في تجسيد الماضي بلوحات درامية ناطقة تعكس مرآة واقعنا.

رسائل جمال سليمان

وتلقىالفنان جمال سليمان التعازي في وفاة حاتم علي، كأخ وصديق وشريك رحلة الفن الطويلة، فيما يبدو أن آلام سليمان تجاوزت حدود كتابة الرثاء ومساحات الحروف على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، فبات يسرد الذكريات في كل حديث، حتى اختلطت لديه مشاعر الفراق لتقترن بآلامه التي عاشها حين فقد والديه.

كتب سليمان -الذي حُرم من المشاركة في جنازة رفيق عمره لأسباب سياسية- رسائل عن حاتم علي الذي شاركه سنوات الصداقة والعمل، وكتب له عما حدث بعد وفاته، كأنهما صديقان التقيا بعد غياب، ليسترجع سليمان ذكريات فقدان والديه اللذين حلَّ عليهما عليّ ضيفا حديثا في نفس المقبرة.

تحدث سليمان لعلي قائلا “أنت محطتك الأخيرة في واحدة من أقدم بقع دمشق، في مقبرة الباب الصغير بين باب الجابية والسويقة، وهي منطقة قضيت فيها طفولتي، وفي نفس المقبرة يرقد والدي ووالدتي رحمهما الله. مما رأيت في الصور فأنت بجوارهما تماما. سيستأنسان بجيرتك، فهما يحبانك جدا، وشاهدا كل أعمالك بشغف. والدي كان مغرما بأعمالك التاريخية”.

وتابع سليمان “أما والدتي فقد كانت متعلقة بأعمالك المعاصرة، بدءا من (الفصول الأربعة) إلى (عصي الدمع)، ولم يمهلها الزمن لترى (العرّاب)، ولكن أكثر ما تعلقت به كان (التغريبة الفلسطينية)، وشاهدته مرات ومرات دون كلل ولا ملل، وأظن أن لذلك أسبابا كثيرة منها علاقة أبي صالح بوالدته، فقد كنت أنا أيضا بِكرَها. وعندما عصف ألزهايمر بها في أواخر أيامها، ومن شدة تعلقها بالمسلسل، نسيت اسمي وأصبحت تناديني: أبو صالح”.

واستطرد قائلا “طبعا كما تعرف، لم أكن معها في تلك الأيام، حيث أُغلق باب وطني في وجهي. وكانت تنتظر عودتي وتسأل دائما: متى سيأتي أبو صالح؟، هل اتصل أبو صالح؟ وعندما كنت أتصل بها كانت تقول لي: كيفك يا أبو صالح، أنا اشتقت لك يا أبو صالح. في آخر يوم لها في دنيانا استيقظت أختي فجرا على صوتها تنادي أبو صالح، يا أبو صالح، ثم طلبت كأسا من الماء، لكنها لم تنتظر، فقد رحلت قبل أن تشربه، وقبل أن تلتقي بي ثانية”.

واختتم سليمان رسالته التي وجهها لأمه في حضور طيف حاتم علي في خياله، “يا أمي يا حبيبتي، ها هو مخرج التغريبة بجوارك، للأقدار معان. أحيانا”.

أما الفنان تيم الحسن فقد نشر عبر حسابه الرسمي على تويتر عدة تغريدات ينعى فيها حاتم علي، قائلا “خسارة لا يمكن تعويضها، وكأن هذه الجملة خلقت لتقال هنا في فقدك المأساوي والموجع، الله يرحمك ويجعل مثواك الجنة، لك الآن يا حبيبي يا أستاذ حاتم في كل بيت دعاء، وفي كل عين دمعة، وذكرك الطيب يطوف على كل لسان بحب ووجع”.

ديون لا ترد

    خسارة لايمكن تعويضها

    وكأن هذه الجملة خلقت لتقال هنا في فقدك

    المأساوي والموجع .. الله يرحمك ويجعل مثواك الجنة.. لك الآن ياحبيبي يااستاذ حاتم في كل بيت دعاء وفي كل عين دمعة وذكرك الطيب يطوف على كل لسان بحب ووجع ..

    صوتك في المقطع هذا في ختام.. pic.twitter.com/HNKjQnLHxm

    — تيم حسن | TIM HASSAN (@actortaim) December 29, 2020

وفي تغريدة سابقة، كتب تيم واصفا فضل حاتم علي على نجاحه الفني قائلا “سيبقى حضورك وصوتك واستماعك وملاحظاتك وتوجيهك وحرصك ماثلين بوجداني، محفورين بوعيي كاسمي، لك فضل كبير في بنائه لن أنساه، وليتني تمكنت من الرد، وهي ديونٌ لا يمكن أن تُرد”.

رثاء الابن

أما الفنانة القديرة منى واصف فلم تستطع السيطرة على دموعها، لكن كلماتها المقتضبة المتداخلة كانت بمثابة رثاء أمّ لولدها، فقد عبّرت عن صدمتها لدى سماعها خبر وفاة حاتم علي، فقالت “لم أصدق الخبر حين سمعته صباحا”، وأضافت “عملت معه عملين مهمين، كان (العرّاب) أحدهما، إذ كان مخرج العمل، ويقوم بدور ابني في نفس الوقت”.

وتابعت واصف “لا أعرف ماذا أقول، لكن الله معك يا روحي، الله معك يا ابني، الله معك يا حاتم علي”.

الفنانة السورية منى واصف أثناء حضورها جنازة المخرج حاتم علي (الأوروبية)

أما الفنانة السورية سلاف فواخرجي، فحرصت على حضور الجنازة، وكتبت عبر حسابها الرسمي على تويتر “مع كل من يرحل، يرحل جزء من أرواحنا، وبرحيلك راح مني الكثير يا حاتم”.

    مع كل من يرحلْ يرحلُ جزء من روحنا …

    وبرحيلك راح مني الكثير … الكثير … ياحاتم … #حاتم_علي #سلاف_فواخرجي

    — Sulaf Fawakherji (@sfawakherji) December 29, 2020

أمير المخرجين

أما الفنان مكسيم خليل فدعا أهل الشام لوداع حاتم علي، قائلا “يا أهالي الشام، حاتم راجع الشام، ودعوه وداع أيقونة فاتت على بيوتكم بكل حب ودفء، وداعا يليق بالأمل والجمال والنجاح”، واصفا علي بـ”أمير المخرجين”.

    يااهالي الشام..حاتم راجع عالشام..

    ودعوه وداع ايقونة فاتت على بيوتكم بكل حب ..ودفى..

    ودعوه وداع بليق بالامل والجمال و النجاح يلي قدملنا ياه.. وخلى اسم سوريا مضوي بعالم الفن و الانسانية.

    ودعوا “امير المخرجين ” ونحنا اهل الوفى..

    كونو جنبه يوم الجمعة ١ كانون التاني #وداعاً_حاتم_علي pic.twitter.com/LVbi9mxMNi

    — maxim khalil (@MaximKhalil) December 31, 2020

أما الفنان باسل خياط، فنعى حاتم علي قائلا “أحلامك كبيرة يا حبيبي، لمن تركتها ومشيت، سأفتقدني فيك.. سأفتقدك يا حبيبي. رحلت ووالدي في نفس العام. كان والدي يقول لي إذا كنت مع حاتم فأنا مطمئن، رحلت يا أستاذي، رحل حاتم يا والدي.. رحلتما فماذا تركتما وراءكما”.

المصدر : مواقع التواصل الاجتماعي

———————–

حاتم علي.. درس في الإبداع والتفاني/ كوليت بهنا

منذ عشر سنوات، لم يلتف السوريون أو يتفقوا حول أمر أو حدث ما كما فعلوا حال تلقيهم لخبر وفاة المخرج السوري حاتم علي في القاهرة، إثر أزمة قلبية حادة صبيحة التاسع والعشرين من ديسمبر 2020 .

يوم حزين ختم سنة كونية استثنائية، أضيف إلى سلسلة أحزانهم المتراكمة، ألقى بظلاله الثقيلة عليهم، وبدا شديد الوطأة وصادماً للجميع. لكنهم بعفوية وتقدير شديد لقيمة فقيدهم، تناسوا انقساماتهم السياسية الحادة، وترفعوا لبعض الوقت عن خلافاتهم أمام حضرة الموت، ونعوه بما يليق به من احترام .

لم يختلف أقرانهم العرب في الإجماع على فداحة هذه الخسارة الفنية الكبيرة، وهو الذي ترك  أثره الإبداعي على طول وعرض البلدان العربية، وحرص في  بعض أعماله الضخمة على استقطاب أبرز الكتّاب والنجوم والخبراء الفنيين فيها، بحيث تمكن إحساس الفقد المشترك من توحيد العرب والسوريين، بإجماع يشبه ما حظي به نجوم أو مبدعون كبار مثل الشاعر نزار قباني وبليغ حمدي وغيرهما.

لم يأت هذا النجاح اعتباطياً أو بضربات الحظ، إذ  تمكن حاتم علي (58 عاماً) في تجربته الغزيرة التي امتدت ما يقارب ثلاثة عقود، من تأصيل تجارب أسلافه الأصيلة، وتأسيس هويته الذاتية، عبر صناعة دراما عربية شابة مغايرة، جادة وممتعة، ذات أبعاد عميقة في تأثيرها الوجداني على المتلقي، وجمالية بصرية محترفة، أنيقة ومنضبطة، خالية من البهرجة  الاستعراضية المضافة أو غير المبررة.

فضلاً عن رؤية ثقافية ثاقبة بعيدة المدى، أحكمت بموهبة استبصارية، التخطيط بحرص لتنقية المنجَز الإبداعي ما أمكن، من صفة المؤقَّت الآني إلى رحاب الاستدامة، وهو ما تؤكده باستمرار الاستجابة الجماهيرية الكبيرة وردود الفعل، في الإعادة المتكررة لمجمل أعماله على شاشات التلفزة أو عبر المنصات الإلكترونية.

أبرز ما ميز تجربة حاتم علي الإخراجية، وهو أيضاً الممثل والمنتج والكاتب الدرامي وكاتب القصة القصيرة، الذي تخرج ودرّس لاحقاً في المعهد العالي للفنون المسرحية بدمشق، ارتكازه المحكم على أهم أسس وثوابت الإبداع، وهي جودة النص، وإيمانه بالكلمة التي كانت في البدء.

تعاون مع أبرز الكاتبات والكتّاب السوريين من روائيين وقاصين وشعراء ومسرحيين. ثم وسّع دائرة هاجسه بالنص، واستقطب عدداً من أهم الكتاب العرب أو المحترفين في كتابة السيناريو، مضيفاً إلى جميع النصوص التي حولها بأمانة من المكتوب إلى المرئي، ذائقته الأدبية الخاصة، واقتنص أية فرصة ظهور إعلامي له، لإبداء شديد الاحترام لكاتبه، وللنص المتميز الذي حظي به منه.

الأمر الذي حرض شهية الكتّاب، ودفع بهم للتنافس لتقديم أحدث الأفكار والنصوص وأجودها، بسبب الثقة المتبادلة التي نشأت بين الجانبين، والتوقع المسبق بنجاح العمل إخراجياً وتميزه في معظم الأوقات.

كرّس حاتم علي صفة نجومية المخرج وتمتع بها واستحقها، لعبت فيها كاريزما الشخصية وبراعته كممثل دوراً مضافاً في شهرته، وهو تحول هام في الدراما العربية يتماهى مع مفهوم وقيمة المخرج في عالم السينما العالمية.

حيث تمكن عبر تراكم منجزه الإبداعي، من تغيير النظرة والانجذاب الجماهيري المعتاد لمتابعة أعمال الدراما تبعاً لأسماء النجوم فقط، وتوسيع الرؤية العامة لتشمل دور المخرج ومفهومه، بصفته صانعاً للعمل من ألفه إلى يائه، تقع عليه المسؤولية كاملة، في سوء أو جودة النتائج، المرتبطة بدقة وعلمية المقدمات القائمة على ثوابت المربع الدرامي، نص وممثل ومخرج وإنتاج، مضافا إليها حساسية اختيار الفريق الفني وأهميته.

فيما النقطة الأخيرة المضافة لأهمية ما تقدم، وهي نجاحه في إعادة الاعتبار والجاذبية للدراما التاريخية والتعامل بها بمسؤولية مضاعفة، عبر تدوير زواياها وإبعاد اللغة الخشبية التي رافقتها لسنوات، وتقديمها برؤى ثقافية ومنفتحة جديدة، بصفتها تاريخ “لاتعقيم فيه أو تمجيد خالص لشخوصه، التاريخ الذي يصنعه المنتصرون والأبطال، كما يصنعه المهمّشون والملعونون”.

طويلة هي قائمة الأعمال التي خلّفها حاتم علي وراءه كإرث فني ثري، قد تختلف الذائقة في تقييم بعضها والإعجاب أو عدم الإعجاب ببعضها، لكن لا أحد في الحقيقة اختلف يوماً حول أبرز ما قدمه وجاء في  ملحمة” التغريبة الفلسطينية” و” ملوك الطوائف” و”العرّاب” بجزئيه، و”عصي الدمع” و” قلم حمرة”.

ستبدو هذه العائلة المافياوية القادرة على الحصول على كل شيء، عاجزة عن جلب الطمأنينة إلى جدران بيتها، وعند هذا التقاطع، سيتساوون مع ضحاياهم، الذين يسرقون منهم الطمأنينة في كل الأوقات

وبانتهاء تجربته الغزيرة والجريئة، يستحق بجدارة شديد الأسف والحزن على رحيله المبكر والتراجيدي، وهو الذي قدم درساً في معنى الشغف بالإبداع، والإخلاص والتفاني والإيمان بجدواه، إذ صقل موهبته بإصرار ومثابرة، وأعاد إنتاجها منطلقاً من فكرٍ مثقف حرّ، وروح جسورة تغلبت بذكاء ومهارة على جميع الرقباء.

————————-

حاتم علي.. في رثاء الذاكرة الجمعية/ نبيل محمد

ليس كثيفًا المنتج الفني السوري الذي يمكن أن تحمله معك بذاكرتك، خارجًا من تلك البلاد، ومقْسِمًا في كثير من ليلاتك قبل أن تهجرها وبعد، بألا تعود إليها. لن تجد فيما تحفظه في “الهارد وير” الذي يضم خيرة ما تستعيد به جزءًا من حياتك، أو ما يمثّل شيئًا من واقعك، أنت السوري، كثيرًا من الأغاني السورية أو أفلام السينما أو المسلسلات، لكن لا بد لمسلسل أو أكثر، أو ربما عشرات المشاهد التي تحفظها وتجد فيها ما ينفعك للاستذكار، تحمل اسم حاتم علي.

في مقبرة الفنون، والسجن الكبير الذي ولدنا فيه، كان ما يزيّن حياتنا، هو قليل من التجارب الفردية التي استطاعت أن تبني لنا فهمًا محليًا لواقعنا ولتاريخنا، وحاتم علي كان واحدًا من تلك التجارب النادرة، التي أصرّت على إمكانية صناعة فن مختلف نسبيًا في سوريا، بكل القيود والرقابات التي يمكن أن تكون مبررًا منطقيًا لأي صاحب مشروع للتخلي عن مشروعه، أو تبديل مهنته.

ليست ميزة حاتم علي بكونه حوّل حكايات من تاريخنا وأيامنا المعاصرة، إلى أعمال فنية لا خيارات كثيرة أمامنا لحضور سواها، لكن سعيه إلى الاختلاف في الرؤية، واستحضار ما هو جديد، جعله عرّابًا لا منافس له سوى مقلّديه.

تسهل استعادة أعمال حاتم علي، وقراءتها نقديًا من جديد، ورصد مكامن القوة، والضعف أحيانًا، لكن البصمة الحقيقية في أغلبها كانت هي البحث عن الجديد في كل شيء، نص غير تقليدي، ومقومات إنتاجية قادرة على مواكبة هذا النص، وهو ما حضر فعليًا في مسلسل “الزير سالم”. شخصيات أبناء الهزائم المتلاحقة، والظلم التاريخي،  كأغلبية شخصيات “التغريبة الفلسطينية”. الموسيقى الحديثة المواكبة، والحكايات الاجتماعية اليومية الخفيفة في “الفصول الأربعة” و”أحلام كبيرة”. الشارات التي تتحول إلى جسد فني متكامل بمعزل عن سياق العمل التلفزيوني الذي ترافقه، ويحفظها متابعها عن ظهر قلب، وهو ما لم يكن حاضرًا بقوّة قبل أن يبدأ حاتم علي مشروعه.

لم يكن بحث حاتم علي عن مشروع يقصد رؤية المجتمع السوري بعمق فقط، ولا استعادة التاريخ بشكل جديد، إنما أراد كل شيء جديدًا، قدّم أعمالًا بعضها اتّهِم بالاستعجال، وأخرى قورنت بأعمال مميزة له ففقدت ميزاتها. كان يريد الجديد في كل المجالات، سواء في العمل التاريخي أوالاجتماعي أوالكوميدي. كان يريد فنًّا قادرًا على أن يكون لافتًا بحداثته في سوريا، وفي بلدان أخرى أيضًا، و”الملك فاروق” لم يكن إلا في سياق إمكانية أن تكون هذه المدرسة هي مدرسة فنية، بمعزل عن الجغرافيا التي تحتويها، وبالتأكيد فإن أي بيئة تستوعب الفن الجديد هي أسهل للعمل والإنتاج من البيئة السورية، التي لم يفلح خروج حاتم علي منها، لينطلق من جديد بعيدًا عن ذئابها، فكان الموت بالمرصاد.

بنظرة سريعة إلى شارات الأعمال التلفزيونية السورية، التي صار بعضها يعرض على منصات عالمية مثل “نتفليكس” وسواها، وهو لا يعني بالضرورة تميُّزها أو جودتها، سنجد أن أغلبية الوجوه التي تخوض مرحلة احترافها التمثيلي اليوم، هي وجوه بدأت مراحلها الأولى، ووقفت أولى وقفاتها الفنية الحقيقية أمام كاميرا حاتم علي، فممثلون مثل باسل الخياط وقصي خولي وقيس الشيخ نجيب وديمة قندلفت وتيم حسن ونسرين طافش، بموهوبيهم وضعيفي الموهبة منهم، كانت الشخصيات التي أعلنتهم قادرين على أن يصبحوا نجومًا تلفزيونيين، هي شخصيات نحتها حاتم علي، حين برع في قراءتها بنصوص كتبتها كوكبة من الكتّاب الذين انتقاهم وانتقوه للعمل معًا، من ممدوح عدوان إلى وليد سيف، وصولًا إلى أمل حنا ويم مشهدي، وفي الإخراج أيضًا، فأسماء مثل الليث حجو والمثنى صبح، أولى وقفاتها كانت خلف الكاميرا بإدارته.

ليس غريبًا جو الحزن الجمعي المعلن هذا، الذي نقلته صفحات “السوشيال ميديا” برحيل المخرج، هو وفاء لذاكرة أجيال سورية، رأت أنفسها وبلادها بشخوص وقصص صانعٍ تلفزيوني فذّ، كانت تنتظر شارة الختام عند انتهاء كل حلقة، لأنها كلما قرأت اسم حاتم علي في الختام، تشعر بأن بهذا الاسم هناك قيمة ما تضاف إلى تجربة المشاهد ككل.

————————–

اغتيال حاتم علي، نصف الحقيقة أسوأ من الكذب/ هيفاء بيطار

كتب لي أحد الأصدقاء _ طبيب فلسطيني ولد في دمشق ودرس في مدارسها إختص في جامعاتها وهو خلوق جداً وإنساني وله أخ استشهد في فلسطين _ رسالة حول وفاة حاتم علي وطلب مني أن أعممها على كل الأصدقاء، سأحاول أن أختصرها لكنه يقول: لماذا اغتيال حاتم علي بهذا التوقيت بالذات؟ وبانه واثق أن الموساد الأسرائيلي اغتاله كما اغتال العالم النووي الإيراني (فخري زادة) وبنفس الطريقة اغتال الطالب اللبناني المتفوق (ناصر أبو أيوب) في كندا قبل يومين من اغتيال حاتم علي، وبنفس الطريقة اغتال الموساد الإسرائيلي القيادي في حركة حماس (محمود المبحوح) في فندق روتانا في دبي عام 2010. وقد تعمد الموساد الإسرائيلي اغتيال حاتم علي لأنهم على ثقة أنه يحضر لعمل درامي كبير يفوق مسلسل (صلاح الدين الأيوبي والتغرببة الفلسطينية) وأعماله تترك أثراً كبيراً في الناس وتحرك لديهم مشاعر الوطنية والقومية.

إن حاتم علي حالة نادرة من تلك الحالات التي تُصنف لدى الكيان الصهيوني بالخطرة والمعاكسة لمشاريعهم التدميرية الهادفة لإبقاء الأمة العربية والإسلامية في ذيل قوائم دول العالم، ويعتمد الموساد الإسرائيلي على الإرهاب الداعشي، الذي صنعوه لنفس الأهداف. وكما قتلوا المخرج السوري العالمي (مصطفى العقاد) في عمان، نجح الموساد الأسرائيلي في اغتيال المخرج السوري العظيم حاتم علي بطريقة تبدو وكأنه مات بسكته قلبية. وقتلوا شخصيات كثيرة علمية ونضالية مثل غسان كنفاني وناجي العلي والعالم فادي البطش ومئات العلماء العراقيين والمصريين الخ؟ ولا بد من ذكر الطالب المتفوق المبدع السعودي خالد الدوسري المسجون حتى الآن في الولايات المتحدة الإرهابية (حسب كلام الكاتب). الموساد والولايات المتحدة تلجآن لتفتيت دول مهمة مثل سوريا والعراق وليبيا بمساعدة دول الخليج التي تسير خلف العم سام بصمت مطبق.

سأكتفي بهذا القدر من رسالة الصديق الذي أحترمه لنبله وإنسانيته لكن (ولا بد من لكن) ثمة بعض النقاط الجوهرية يجب الإشارة إليها:

أولاً: عجبي أنك لم تذكر شيئاً عن مغادرة المخرج العبقري حاتم علي الشام التي يعشقها! ولم تُلمح أي تلميح عن طرده من نقابة الفنانين في سوريا! وكأن هذا الأمر تافه ولا يستحق الذكر. وبالمناسبة تم طرد حوالي مئتي فنان بين ممثل ومخرج من نقابة الفنانين في سوريا. ولم يشارك أي من مسؤولي النقابة في الجنازة المهيبة لحاتم علي.

ثانياً: أتفق معك تماماً أن الموساد الأسرائيلي قام بالعديد من الاغتيالات وهو يعترف بمعظمها، لكن أظن أن هناك دولاً كثيرة نعرفها لم تُقصر في اغتيال أهم الشخصيات الوطنية والثقافية والنضالية مثل كمال جنبلاط وسمير القصير ومحاولة اغتيال مي شدياق ومروان حمادة الخ. وبأن الولايات المتحدة الأميريكية تهيمن على العالم وتهمها مصالحها وقضت على الهنود الحمر وعانى الزنوج (ولا يزالون) من التمييز العنصري فيها، وهي أكبر داعم للعدو الصهيوني الذي اغتصب فلسطين، لكن ليست وحدها داعشية. ثمة دول عربية كثيرة فرخت الدواعش ودعمتهم بالمال الوفير والسلاح وكلنا نعرفها. وإذا كان الموساد الإسرائيلي يمتلك كل الإمكانيات لإرتكاب جرائم دون دليل فإن دولاً كثيرة تدعي المقاومة والممانعة ارتكبت جرائم بدليل وبدون دليل دون أن تبالي.

أتفق معك مئة بالمئة حول إجرام الموساد والسياسة الخارجية خاصة لأميركا (التي تسميها الولايات المتحدة الداعشية) لكن هل تتحمل وحدها الدمار الذي حل في سوريا واليمن وليبيا والعراق وغيرها من الدول العربية والإفريقية؟ هل كان سكان تلك الدول يشعرون بحريتهم وكرامتهم؟ ألم يمت مئات الألوف في السجون بسبب جريمة الرأي حتى أن أدب السجون في العالم العربي صار نوعاً أدبياً مميزاً وحين تقرأ رواية “القوقعة” لمصطفى خليفة أو “ماذا وراء هذه الجدران” للدكتور راتب شعبو أو “شرق المتوسط” ورواية “الآن هنا” لعبد الرحمن منيف وسته عشرة عاماً في السجون السورية لياسين الحاج صالح وغيرها، لا تصدق أن كل تلك الوحشية يقدر عليها بشري. وأعجب كيف استطاع هؤلاء السجناء تحمل السجن مع التعذيب المروع بكل أدوات التعذيب لسنوات قد تصل إلى عشرين سنه.

هل الحكام العرب أبرياء من ترويع شعوبهم وإذلالهم وإفقارهم وجعلهم مساكن للخوف والذعر أم أن الموساد هو المسؤول عن كل شيء حتى عن شروق الشمس ومغيبها ربما؟ وعمليات الخطف التي قام بها زعران ومتنفذين خارجين عن القانون في عدة مدن سورية وكانوا يطلبون الملايين من أهالي المخطوفين ويدفع الأهالي وهم يلزمون الصمت ولا يجرؤ أحد أن يشتكيهم لأي جهة حكومية، ولا يُعاقب الخاطفون. هل الموساد مسؤول عنها؟ هل إنقطاع الكهرباء شبه الدائم وإنقطاع الدواء والغلاء الفاحش للأسعار في سوريا ولبنان ومصر واليمن، مسؤول عنها الموساد؟ وإذا كان الموساد حقاً مسؤول عن كل شاردة وواردة فما دور الحكومات العربية إذاّ؟ أليس من واجب الحكومات تأمين عيش آمن وكريم لمواطنيها؟ وإذا كان السوري تتقصف فرائصه رعباً إذا انتقد فساداً ما، إذ يمكن ببساطة أن يكتب فيه تقرير ويُجرجر إلى أحد فروع الأمن ويمنع من السفر أو يُتهم بالإرهاب. أي ذعر يعيشه السوري مثلاً حين أسأل صديقة ما رأيك بمقال ما ينتقد النظام فترتجف خوفاً وتقول: رأيي لا يُعول عليه! فألح وأقول: ضروري يكون لديك رأي فأنت جامعية ومثقفة وأحب أن أعرف رأيك. فتقطع المكالمة.

أي عار أن يكون تعليق أحدهم على الجنازة المهيبة للعظيم حاتم علي _الذي عشق دمشق واضطر أن يهجرها_ كالتالي : عجبي لم أجد أحداً في الجنازة يضع كمامة ونحن في زمن كورونا حتى المثقفين والفنانين لم يضعوا كمامة! أيه إهانة وجبن هكذا تعليق أمام جنازة وحدت السوريين جميعاً. جنازة العظيم حاتم علي التي لعلع فيها التصفيق والغناء والبكاء، هل نسي البعض منظر الرجال السوريين وهم في القفص بانتظار رغيف الخبز أو طوابير جرة الغاز ، أو المدارس ذات الصفوف المعتمة تماماً بسبب إنقطاع الكهرباء و لماذا طرد من جامعة تشرين أشطر طبيب في مادة التشريح الدكتور منير شحود؟ وقطع الأرزاق مثل قطع الأعناق. لماذا غادر ممثل مثقف ومبدع مثل جمال سليمان سوريا، وغيره الكثيرون؟ هل الموساد سبب نزوحهم؟ ما دور هذه الحكومات إذا لم تؤمن عيشاً كريماً وحرية لأبنائها؟ كم آلمني أن أقرأ ما كتبه ملايين السوريين الذين اضطروا للنزوح خارج وطنهم الحبيب سوريا: سنموت خارج سوريا الحبيبة مثل حاتم علي! لماذا لا تدعوهم الحكومة بكل محبة أن يعودوا لأنقاض بيوتهم لأنه لم يعد لديهم سوى حلم وحيد أن يُدفنوا في وطنهم؟ أي عار أن يصير الوطن مقبرة.

الطبيب الفلسطيني السوري الذي عاش كل عمره في سوريا ألا يرى أطفال سوريا جياعاً وينامون على الأرصفة ويتسولون؟ ألا يرى رجالاً ونساء وأطفالاً يقفون يوماً كاملاً للحصول على خبز لا يؤكل؟ كل ما يراه ويشغله أن الموساد ينفذ اغتيالات دون أن يترك دليلاً؟ ترى هل الموساد أيضاً من ذبح المطربة الجميلة سوزان تميم في فندق في دبي وفصل رأسها عن جسدها أم أن طلعت مصطفى الملياردير المصري شريك جمال مبارك هو من خطط لهذه الجريمة؟ كل العار ألا نقول الحقيقة كاملة. لأن نصف الحقيقة أسوأ من الكذب.

أحييك صديقي أنك تعرف إجرام الموساد الإسرائيلي وكلنا نعرفه، ونعرف أطماع أميركا لكن ليست وحدها الطماعة. الكثير من الدول الصديقة لديها أطماعها أيضاً. كم من الدول العربية تستحق بجدارة أن تلحق كلمة الدواعش بإسمها؟ الحق يحررنا. العبودية عار وذل. وستجر إلى مزيد من التوحش والظلم. الرحمة لروحك العظيم حاتم علي. تحتضنك الآن أرض سوريا المُشبعة بدماء أبنائها.

المقال خاص بموقع نواة

————————

 

 

الفصول الأربعة التي لم تعد ذاتها/ سمر عبد الله
سحبتني موسيقى شارة البداية إلى دهليز يشبه ذاك الذي يصوّرونه عند الانتقال إلى عالم الموت، دهليزٌ من ضوءٍ وعتمة! وما انتابني حينها من مشاعر وذكريات تحوّلَ إلى حالة لونية، صرتُ أطير مسحوبة إلى داخل اسطوانة مُضاءة، وفي نهايتها مشاهد ورؤى من أيام عشتها قبل عشرين عاماً ربما. كنت أتمنى أن يكون دهليزي مختلفاً قليلاً، أو أن يكون فيه شيءٌ من الفنّ والابتكار بالمقارنة مع ما رأيته مراراً في أفلام ومسلسلات سبق وطبعت في ذاكرتي، لكن الحقيقة صادمةٌ أحياناً!
أتحدّثُ عن الموسيقى التصويرية لشارة مسلسل الفصول الأربعة، ذاك المسلسل الذي تابعه أو سمع عنه كلّ سوريّ على وجه الأرض؛ تمّ عرض الجزء الأول منه في خريف عام 1999، هو مسلسل سوريّ كتابةً وأخراجاً وتمثيلاً، كتبت حلقاته ريم حنا ودلع الرحبي، وأخرجه حاتم علي. يعتبر هذا العمل من كلاسيكيات الدراما السورية، ونقطة تحوّل مفصلية في ما قدمته لاحقاً، إلا أنّ أهم ما يميزه أنه صُنع وبُثّ في مرحلة زمنية وسياسية مفصلية في حياة كلّ عائلة سورية، لأن الذي يفصل بين عاميّ 1999 حين بث جزئه الأول و2002 حين بثّ جزئه الثاني ليس ثلاث سنوات فقط، بل مرحلة هامة جداً من حيث أحداثها وتطوراتها وتغيراتها الاقتصادية والسياسية؛ الابتعاد قليلاً عن خطاب البعث القومي والاشتراكي، وتوريث الحكم.
كنتُ أحبّ مشاهدته، أحبّ شخصياته جميعها، وبعد مرور عشرين عاماً على مشاهدته ما زلتُ أذكر كريم و نبيلة الجدّان، والعمة جميلة، ونعيمة، سوسو ومايا… وجميع شخصياته؛ أذكر بيتهم الكبير، الجميل، وذلك الصالون الذي يتسع لهم جميعاً. كنتُ أعتقد أن الديكور الداخلي لصالون بيت الجدّ كريم هو أجمل تصميم بسيط وعمليّ رأيته وقد أراه، ولا أستغربُ أن يكون صالون بيت العيلة، الأنيق دون تكلّف، النظيف والمليء بالنباتات المنزلية، المريح والعمليّ، من أهمّ الأسباب التي شدّتني لمتابعة مسلسل الفصول الأربعة.
اليوم في عام 2019، بات معروفاً بالنسبة لكثيرين، ومرعباً وصادماً بالنسبة لكثيرين أيضاً، كيف تجذبنا وسائل التواصل الإجتماعي والمواقع الإلكترونية إلى محتواها، وكيف تضع في شاشات هواتفنا وكومبيوتراتنا سلعة أو معلومة كنا نبحث عنها في مكان ما، أو نسأل أصدقاءنا عن مكان وجودها، أو حتى نفكّر فيها بيننا وبين أنفسنا، وأكثر من ذلك… فكثيراً ما يأتي غوغل أو يوتيوب أو غيره بمُنتَج أو مقالة أو أغنية ويضعها أمامنا، تكون هي الجواب الكوني لما كنا نبحث عنه في لاوعينا أو مناماتنا… شيءٌ لا يصدّق، لكنّه حقيقيّ، ويحدث!
لسبب ما قرّر يوتيوب وضع مسلسل الفصول الأربعة أمامي من جديد، وما من توقيت أفضل من الآن كي أبدأ مشاهدته، وأستعيد بعض ذكريات الماضي والزمن الجميل ذاك.
فرح وحماس ولهفة، واستعداد تام لعيش لحظات من الماضي واسترجاع بعض من ذكريات تلك الأيام. أعيد تشغيل شارة البداية بكلّ حماس، وأتهيّأ لاستقبال طلّاتهم!
عيلة خمس نجوم
المشهد الأول من الحلقة الأولى، خارجيّ، حديقة خضراء نضرة، أناس يمارسون رياضة الجري الصباحي، الجدّان كريم ونبيلة يركضان أيضاً، مرتديان «بيجامات مطريّة عريضة»، تتوقف نبيلة لتشتري من الكشك جريدة، وتحثّ زوجها على مواصلة الهرولة في مكانه، فالآن وقت الرياضة وتنشيط الصحّة، ولا بدّ من الحركة حتى أثناء التوقف عن الركض.
أبحثُ عن «ماوس الكومبيوتر» وأستعينُ به لإعادة المشهد من البداية، وسرعان ما دخلتُ في محادثة مع نفسي: «هلّاء عن جد هيك كانوا الناس بالشام يعملو رياضة الصبح بحديقة البطّ بالتجارة، مدري بحديقة تشرين؟ يمكن! أساساً ما كنت ساكنة بالشام، شو بيعرفني!». أتابعُ المشاهدة وأنتبه إلى نفسي شاردة في منتصف الحلقة تقريباً، كلّ العائلة مجتمعة في بيت الجدّ احتفالاً بعيد ميلاد أحدهم، ضحكات وهدايا وأحاديث متفرقة بين ثلاثة أجيال، الجيل الأول يضمّ كريم، نبيلة، العمة جميلة ونعيمة طبّاخة بيت الجوربار. الجيل الثاني فيه فاتن وزوجها المليونير مالك الجوربار، مَجدة وزوجها الموظف نجيب، شادو والشاعر العطلجي برهوم، عادل زوج الابنة المتوفاة ليلى، وناديا. أما الجيل الثالث فيضم مازن الشاب الغنيّ الأزعر ابن فاتن، وأخته مايا، سوسو عاشقة مازن وابنة خالته مجدة، دحيحُ العائلة رامي ابن نجيب ومجدة، و نارة آخر العنقود في العائلة وابنة الصهر المحامي عادل وليلى المتوفاة.
تبدو عائلة مثالية، يسود جوّ جميل من الألفة والمحبة والصداقة فيما بينهم، يلتقون باستمرار ويساندون بعضهم بعضاً في الشدّة والفرح، عائلة خمسة نجوم على الرغم من بعض الصفات غير المحببة أحياناً لبعض أفرادها، التي تضفي جواً من الظرافة والألفة، والأهم من ذلك أنها تقدّم شيئاً من الواقعية والقرب من العائلة السورية. أيضاً تنوعت أعمال واهتمامات شخصيات المسلسل وظروفهم المعيشية وصفاتهم النفسية والأخلاقية، ولكن على الرغم من كثرة اختلافاتهم، إلا أنهم بالكاد يختلفون.
عائلة يجمعها الحبّ والتآخي والاحترام المتبادل، هي صورة للعائلة السورية المتفاهمة والمنفتحة، المرحة والميسورة، فعلى الرغم من «فقر» بعضهم إلا أنهم ميسورون عموماً، عائلة مرتاحة، تعيش في جوّ مريح، لا يكدّره خلاف عميق أو ضيق شديد، ولا نلاحظ فيه أي مضايقات تذكر من الآخرين، سواء كانوا جيراناً أو أقارباً، أو حتى سلطة… هذه هي الصورة التي سعى إليها صنّاع المسلسل، وقد نجحوا في خلقها وتقديمها.
مرايا
التقيتُ مع مجموعة من الأصدقاء، وأخبرتهم فرحةً أنني أشاهد مجدّداً مسلسل الفصول الأربعة، بالطبع لم يكن هنالك مجال للشك في أنهم سيتذكرونه، حتى أننا جميعاً بدأنا ندندن موسيقاه، تا تاتا تاتارارا…
صرّحَ أحد الأصدقاء أنه كان يتمنى لو أنه وُلِدَ في تلك العائلة، كان مسحوراً بهم وبنمط حياتهم، كان يتماهى هو وأخته مع شخصيات رامي وسوسو أبناء الموظف نجيب: «لكن للأسف لم يكن زوج خالتي غنياً بما يكفي لنكمل الأدوار ونركب أفخم أنواع السيارات ونرتدي أحدث ثياب من أشهر الماركات مع أولاد خالتنا»، وأضاف أن جميع أفراد عائلته ينادون أخته لينا باسم سوسو منذ ذلك الحين، حتى أنه بات اسمها الرسميّ فيما بينهم.
بينما رأى صديق آخر أنهم كعائلة لا يمثلون إلّا شريحة صغيرة من المجتمع السوري، وأن هذا المسلسل كان في رأيه تعبيراً عن شرخ كبير بين الواقع المعاش وما تصدّره الدراما السورية للعالم، لأننا لا نشاهد فيه أي مشكلة جدية يعاني منها أي واحد من أفراد العائلة مع مؤسسات الدولة أو الفساد أو التعليم أو غيره: «هدول عالم عايشين بأبو رمانة، مو بسوريا».
ياللهول، شعرتُ وكأن سنة 1999 بعيدة جداً، لقد مرّ عليها عشرون عاماً لم ألحظ مرور نصفها، هنالك خللٌ ما في ذاكرتي، تأكدتُ من ذلك عندما حاولتُ مراراً أن أستحضر صوراً وأحاديث وذكريات عن حياتنا في تلك السنوات؛ كيف كنا نعيش أيامنا معاً، قبل أن نتشظّى ونتشتت في اتجاهات الأرض الأربعة، وقبل أن تعصف بنا رياح التغيير وتقلب معظم تفاهمنا وآرائنا ومواقفنا! أعتقد أننا كنا كعائلة نتشابه مع عائلة المسلسل في تفاصيل عدة، وخصوصاً في تفصيلة الخالات وبيت الجدّ والجدة أهلّ الأمّ، والمحبة التي تجمع الكلّ معاً. احتفالات عديدة وكثيرة، ضحكات وأحاديث لا تنتهي، علاقة جميلة وطيدة مع المكان والبيت بكلّ غرفه وأثاثه وروائحه، بالإضافة إلى العلاقة المحبّبة بين أصهار العائلة وزوجاتهنّ، جوّ الصداقة بين الخالات وبناتهنّ وأبنائهن هو مزيد من التشابه أيضاً، كنا نسخة أخرى من عائلة الفصول الأربعة، «كنا عايشين ومبسوطين»!
عاندتُ فكرة صديقي تلك، وقلت حينها إننا كنا عائلة سعيدة، وإن مسلسل الفصول الأربعة يمثل الواقع الذي كنا نعيش فيه بكثير من تفاصيله، ويمكنني أن أعتبره مرآة لما كنا نعيشه، هكذا كانت حياتنا وأحاديثنا ولقاءاتنا، واهتماماتنا، وحتى مشاكلنا! يمكنني وبسهولة أيضاً أن أسقط شخصيات المسلسل على أفراد عائلتي، حتى أن لبعض الشخصيات صفات متشابهة حدّ التطابق مع بعض أقربائي.
صديقٌ آخر في الجلسة ذاتها كانت له وجهة نظر مختلفة، يقول إنّ المسلسل يتحدث عن أصناف متعددة من المستويات الاقتصادية للعائلات السورية، لكنها واحدة ومتشابهة من الناحية الثقافية ونمط التفكير والعادات وشكل العلاقات، وبالتالي لم يتمّ التطرق إلا لفئة واحدة من السوريين، الذين غالباً كانوا يسكنون في وسط العاصمة دمشق أو في وسط المدن السورية الكبيرة، ولا يشكلون، كما يعتقد، سوى 2% من المجتمع السوري، وأن الأكثرية الباقية من الفئات، التي لم يتمّ ذكرها في أيّ حلقة من المسلسل تقريباً، تشكّل جلّ الشعب السوريّ آنذاك، وغالباً ما يقطنون في الأرياف أو الحارات العشوائية للمدن الكبرى أو في المدن المهمّشة والمنسية.
صحيحٌ أن عائلة الجوربار الغنية تختلف عن عائلة برهوم وشادو الفقيرة اقتصادياً، لكن على الرغم من فقر برهوم وشادو إلا أنهما يسكنان بيتاً دمشقياً قديماً، زخرفاه ولوّناه بكلّ الألوان والأدوات التي قد لا يراها ولا يفكر بها أي فقير آخر يسكن في أحد عشوائيات دمشق، التي قد لا تبعد عن بيت برهوم وشادو سوى بضعة كيلومترات قليلة، فالبيئة الاجتماعية هي الأهم، وهي واحدة لم يظهر غيرها في مسلسل الفصول الأربعة. يضيف صديقي، اليساري جداً، أن الخلاف بين برهوم الأفقر ونجيب المتوسط ومالك شديد الثراء يبدو في المسلسل خلافاً وردياً يمكن حلّه على وجبة غداء، لكنّه في الحقيقة خلافٌ من لحم ودم، وهذا ما سنشاهده على أرض الواقع بعد المسلسل بعشر سنوات.
كان لصديقةٍ أخرى رأي آخر: مسلسل الفصول الأربعة يعتبر من العلامات الفارقة في الدراما السورية، ومعه بدأنا نرى مشاهد خارجية أكثر، ولاحظنا بدء تطور الكاميرات والمعدات الخارجية الخاصة بالتصوير، إضافة للحرفية العالية التي أبهرنا بها الممثلون تلك الأيام. ومن أحد أهم مميزات المسلسل في رأيها أنه اعتمد على طلابٍ شباب سبق وتخرّجوا حديثاً من معهد التعليم العالي للفنون المسرحية، أو كانوا في طور الدراسة فيه، وقد قدموا لنا، هم ومن سبقهم في مهنة التمثيل أداءً رائعاً، فكنا ننسى أنهم يمثلون أدوار كُتبت، وأقنعنا بعضهم أو كلّهم، أننا نشاهد شخصياتهم الحقيقية وحياتهم اليومية، لا أدوار كُتبت لهم ومثّلوها أمام الكاميرا.
تضيف أيضاً؛ من أهم الميزات في مسلسل الفصول الأربعة أن العائلة كانت عائلة مثقفة متحررة، فلم نلحظ تعصبهم الديني أو المناطقيّ، بل على العكس كانوا مثالاً يحتذى للمواطن المنفتح الذي يعزز من خلال علاقاته مع أبناء حيّه مفهوم وفكرة المواطنة، وقد كانت كلمة جديدة في قاموس ذلك الزمن، وأظن أنها ظهرت وبدأنا نستخدمها مع بثّ جزء المسلسل الثاني، في عصر تولّي الابن بشار الأسد الحكم.
لم تنتهي سهرتنا على وفاق، وكان لكلّ منا رأيه الذي برّره ببراهين وأمثلة مُعاشة، وكنا نستعين بفكرة انتمائنا لعائلات مختلفة في الطبع والمنشأ والدين والبيئة الجغرافية، حتى نخفّف من جوّ التوتر والخلاف في الآراء، «نحنا شخصياً هيك كنا عايشين»، جملة تؤمّن لقائلها إيقاف النقاش بسلام.
ليس من العدل أن أضع عملاً درامياً بعد عشرين عاماً من إنتاجه وبثّه في خانة النقد، كان مسلسل الفصول الأربعة بجزئيه عملاً عظيماً حينها، هذا ما صرّحَ به بعض النقاد الدراميين وأصحاب مهنة التمثيل والإخراج والإنتاج التلفزيوني. أيضاً لستُ في موقع أكاديميّ ولا عمليّ يخوّلني لذاك النقد، لكنّني أتحدث هنا عن علاقتي بالمسلسل قبل عشرين عاماً والآن، والفروقات بين ذاكرتي وذكرياتي عنه، وبين ما أراه اليوم على الشاشة، فكثيرة هي التغييرات التي لاحظتها نصاً وتوجهاً وتمثيلاً، وعديدة هي التساؤلات التي طرحها أمامي هذا التغيّر.
مسلسل الفصول الأربعة من أعمال «الزمن الجميل»، وشخصياتُه أيضاً، هذا ما قلته لأصدقائي عندما أخبرتهم أنني أشاهده من جديد. هذا المسلسل وغيره من مسلسلات فترة التسعينات وبداية الألفية الثالثة، وحتى بعض الدعايات والإعلانات التجارية التي كنا نحفظها ونعرفها عن ظهر قلب، وكثيرٌ من الأغاني والفيديوهات وأفلام فترة التسعينات، على بساطتها، كلها تنتمي للزمن الجميل، ذلك الزمن الذي أحنّ وغيري إليه كثيراً، ويقف بعضنا في وجه كل من يحاول تعكير صورته في أذهاننا، تماماً كما كان أهلي وأصدقاؤهم يتعاملون مع ذكريات زمنهم الجميل الذي هو ستينات وسبعينات القرن الماضي. ولكن هل لمواليد الألفية الجديدة زمنٌ جميل؟ يصعب عليَّ تصديق ذلك، كما يصعب عليّ استيعاب أن مولود عام 2000 صار عمره 19 عاماً! حقيقة لا تصدّق، لكنها حقيقة… ولا تصدّق مطلقاً!
من الغريب إطلاق مصطلح الزمن الجميل على فترات زمنية مختلفة، هو زمن جميل متغيّر، يتجدد ويتغيّر مع كل جيل، فزمني الجميل يمتدّ من أواسط التسعينات حتى أواسط العقد الأول من هذا القرن، ولا أعرف على وجه الدقة لماذا أطلقُ عليه زمناً جميلاً؟ فذكرياتي عنه تتزاحم فيها صورٌ من طفولتي ومراهقتي، أيام كان عالمي صغيراً ومعارفي قليلة.
في زمني الجميل كنتُ أرى العالم كله مختصراً في حارتي وضمن حدودها، ومع ناسها، ومختصراً كذلك في التلفزيون الرسمي السوري وقناته الثانية (الكوول)… في الحقيقة أجد نفسي الآن عند كتابة هذه السطور مبتسمة، ساخرةً، فزماني الجميل هو جميل طالما أنني لم أفكّر فيه بشكل عميق!
ضبّوا الشناتي
كما أخذتني موسيقاه التصويرية إلى عوالم خيالية ملوّنة، كذلك فعلت حلقاته، كنت في أغلب اللحظات شاردة أحدّثُ نفسي، وفي كثير من الأوقات كنت أتهرّب من متابعة المشهد وأقوم ببعض الأعمال التي من شأنها أن تلهي مخيلتي، عذّبتني متابعة حلقات مسلسل الفصول الأربعة، واستفزتني جلّ حلقات جزئه الثاني. بصراحة، كانت متابعته عذاباً لا فرحاً، قهراً لا تسلية، كنتُ أتابعه وكأنه فُرِضَ عليَّ فرضاً، أعادني إلى مرحلة التعليم الإعدادية والثانوية، التي كنتُ أشعرُ فيها أن الدروس مملة وصعبة وأن أغلب الأساتذة لا يفقهون ماذا يُعلّمون، ولكن لا سبيل إلّا حضورُ الصفّ وادّعاء اكتساب المعارف.
طغى عليَّ شعور بخيبة الأمل، كنت أتطلّع لإعادة الثقة بالماضي وأحداثه، لقد كنت أنتظر ما هو أهمّ وأعمق، وأبعد عن التنظير الذي لم يعد مقبولاً مطلقاً، فما من داعٍ لكلّ تلك النهايات السعيدة والمريحة لجميع الأطراف، ولا تبرير لكلّ تلك المواعظ الأخلاقوية، وليس صحيحاً أن هنالك أملاً محققاً سيأتي لا محالة. هل كان من الضروريّ حلّ كلّ المشاكل، وإضاءة الأمل في نهاية معظم الحلقات؟ أراه اليوم يشبه تقريراً ترسله منظمة ما إلى ممولها، معنونة الإيميل: قصص نجاح من سوريا.
كميّة التنظير والنصائح التي قالها المحامي عادل مثلاً، سواء لابنته نارة أو لأي أحد آخر في العائلة خلال سير أحداث المسلسل، تكفي لتأليف كتاب تربوي بارد يُضاف إلى مواد المنهاج الدراسّي، هل أورد لكم بعضاً من تلك النصائح؟ سوف لن أفعل حرصاً على مزاجكم.
هل أحدثكم عن الحشرية و«كبر المعلاق» الذي مارسه الجميع على الجميع في تلك العائلة؟ فلا أسرار بينهم، شعارهم هو الوحدة والحشرية واللاخصوصية، فالأم والخالات والجدة هم مركز المخابرات الرسمي، ويجب ألا يخفى عليهم شيء، وإلا سينهار جدار العائلة الجليدي بنار تنين الغرباء!
كله كوم وطريقة تعامل نبيلة مع زوجها كريم كوم تاني، بدا الجد المتقاعد منذ بداية المسلسل رجلاً نبيلاً وخجولاً، وعلى ما يبدو أنه يمضي أغلب أوقاته وأيامه في البيت، فلم يزره صديق ولم يذهب بمفرده إلا لزيارة بناته أو أصهره طيلة حلقات المسلسل، سأكون دقيقة أكثر، لقد خرج كريم مرتين اثنتين فقط بمفرده لزيارة لا تخصّ عائلته. تتعامل نبيلة مع كريم بطريقة مزعجة غالباً، تذكّره في كل حديث يدور بينهما أنه متقاعد، وانه بدأ بمرحلة الشيخوخة والنسيان!
على الرغم من وجود العمة جميلة، ومازن، أكثر شخصيات المسلسل «قلة إحساس، وذوق»، إلا أن شخصية نبيلة وتصرفاتها النزقة كانت أكثر إزعاجاً لي، رأيت فيها الزوجة الـ«مو عاجبها شي»، الأم الحشرية التي ترغب في معرفة أتفه التفاصيل التي تدور في حياة جميع أفراد عائلتها؛ هي صورة للزوجة والأمّ التي تطلب من أفراد عائلتها، في كلّ لحظة يقضونها معها أو بدونها، أن يكونوا ممتنّين لها لأنها أنجبتهم!
غالباً هنالك قارئ سيتذكر شخصية نبيلة الآن ويرى أنني أبالغ في حكمي عليها، فهي إنسانة حنونة ومتفهّمة ونبيلة مثل اسمها، لا بل قد تبدو متفهّمة لجيل أحفادها أكثر مما يفعله آباؤهم وأمهاتهم، لكن قد يكون هذا هو المغزى من الشخصيات الدرامية، تتيح لكلّ منا رؤيته الخاصة.
وكذلك مسلسل الفصول الأربعة، قد يراه البعض عملاً ممتازاً، وكان هذا رأيي فيه عندما شاهدته قبل نحو عشرين عاماً، إلا أنني لا أوافقهم الرأي اليوم. لقد قدّم لنا وعداً بمستقبل أفضل وحياة أرحب وأجمل، لكن هذا الوعد لم يتحقق في الواقع، ولم تتميز السنوات التي أتت بعده بالانفتاح والوفرة والتحرّر، بل على العكس، مزيدٌ من الضيق، مزيدٌ من فقدان الأمل، ومزيدٌ من الثروة لعائلة الجوربار والعائلات التي تشبهها، والمزيد المزيد من الفقر لبرهوم ونجيب ومن يشبههما.
دقيقة صمت
مسلسل الفصول الأربعة قُدِّمَ لنا عبر خمسة وثلاثين حلقة في الجزء أول، وتسعة وثلاثين حلقة في الجزء الثاني، نتحدث هنا عن عمل ضمّ أربعاً وسبعين حلقة مختلفة، تفاوتت في الظرافة والغلاظة، إلا أن «الأسمج» من بينها على الإطلاق كان الحلقة الأخيرة من الجزء الثاني، التي كتبتها دلع ممدوح الرحبي. وهنا اسمحوا لي أن أقترح عليكم مشاهدتها، ولن أخبركم عن تفاصيلها سوى أن المشهد الأخير فيها كان أداءً استعراضياً من جميع أفراد العائلة للنشيد العربي السوري.
لسبب ما، لا أدركه، لم أكن قد شاهدت الحلقة المذكورة أعلاه إطلاقاً، أو أنها انمحت تماماً بكلّ تفاصيلها من ذاكرتي، وفي هذه المناسبة، أتقدّم بخالص الشكر لــ ذاكرتي على نسيانها؛ شاهدتُ الحلقة… انتهت… وانقضت دقيقة، دقيقتان، عشر دقائق من الصمت، فلا كلام يعبّر عما دار في رأسي حينها.
الحنين والرجوع للماضي، دون النظر إليه بعين ناقدة، هو رجوع ناقص، فعلى الرغم من الشوق لعيش بعضٍ من تفاصيله، ولقاء كثير من أناسه، والنظر في بعض صوره الواقعية منها والمتخيّلة، إلا أنه يحتاج منا أن نجرّده ونعرّيه من كل إسقاطاتنا ورؤانا، وهذا أمر بالغ الصعوبة، حتى أنني لا أعرف ما الذي كان يزعجني في حلقات المسلسل، هل لأنه يذكرني بعالم كامل قد انهار وتحطم، أم لأنه يفضح كذبة عن عالم مُتخيَّل لم يكن موجوداً أصلاً؟!
هنالك تساؤل كان ينخر في تلافيف دماغي مع كل حلقة كنت أشاهدها؛ «عن جد كيف كنا عايشين؟»، أيعقل أن ينسى المرء جزءاً من حياته وحياة أهله ومدينته؟ أيعقل أن يعتصر ذاكرته مراراً وتكراراً حتى يتذكّر تفاصيل يراها في صورة ما؟
ليس تساؤلي عن «كيفية عيشنا» في ذلك الوقت ناتجاً عن اعتقادي بأن من مهمات الدراما أن تقدّم صورة مطابقة للواقع، فالدراما الاجتماعية هي لَعبٌ في تلك المساحة بين المُتخيّل والواقع، لكن من المستحيل أن يحضر مسلسل كهذا أمامي اليوم، دون أن يدفعني إلى محاولة تذّكر حياتنا في ذلك الوقت و«كيف كنا عايشين».
لم تسعفني ذاكرتي في استعادة صورة واضحة، وقد تكون تلك لعبة ذكية من ذاكراتنا، أنها تنتقي، تتذكرّ وتنسى على هواها، بطريقة تبدو عشوائية، لكنها على الأرجح عكس ذلك.
مع الأسف، لم أعد أشتاق للماضي، ربما لأن صورته قد تحطمت تماماً؛ هنالك شيءٌ ما قد اختفى، شيءٌ يشبه الرائحة، يشبه أن يبحث الإنسان عن رائحة يعرفها، لكنه لا يشمّها ولا يعرف أن يصفها، وكل ما يدركه أن ضياعه يتوسّع وأنه عبثاً يحاول، ولا يجدها!
موقع الجمهورية


 

 

 

============================

تحديث 04 كانون الثاني 2021

———————————-

حاتم علي … في ظل المراثي/ وليد سيف

لا أميل، بطبعي، إلى كتابة المراثي، حتى فيمن جمعتني بهم صداقةٌ حميمةٌ أو شراكةٌ مثمرة، أو كلتاهما.

ينعقد اللسان أمام صدمة الموت المباغت، لا سيما ذاك الذي لا تمهّد له نذر المرض أو التقدّم في السن. وقد يحتاج بعضنا إلى وقتٍ حتى يستقرّ النبأ العظيم في أغوار النفس. وينحسر الإنكار المؤقت، ونتخاشع أمام سلطة الموت القاهرة. وإذ يستقرّ الفقيد في مرقده الأخير ينبعث طيفُه في ملكوت الذاكرة، ويتوالى شريط الصور أكثر توهّجا وأعمق أثرا من واقعٍ كنا نأخذه في الأمور المسلّم بها؛ تلك التي تتزاحم في معترك الحياة وشجونها وشؤونها، فتنقلب بين التقدّم في حيز النظر، وبين التراجع المؤقت إلى الخلفية الغائمة. فالآن تحضر الصورة ملء الإطار، إذ يغيب صاحبها، فالمعاني تتعيّن في المفارقات المتقابلة، فلا معنى للحضور إلا بالتقابل مع الغياب، ولا معنى للغياب إلا بالتقابل مع الحضور. وكذلك الموت والحياة.

نعم، إن فاجعة الفقد أوسع من العبارة. وأكثر ما يقلقني من هذا التحدّي أن يجد كاتب المراثي نفسه مضطّرا إلى الكدح البلاغي ومراودة الشعر العصيّ، فينشغل عن موضوعه بأسلوبه، وعن فقيده بلغته، وعن المرثيِّ برثائه. وبدلا من أن يتقدّم الراحل في وعيه ووجدانه ومخيلته، يتقدّم القارئ!

ولذا فإن أبلغ ما ينعى به مبدعٌ كبيرٌ مثل حاتم علي هو استدعاء آثاره الباقية. وهي على كل حال حاضرةٌ حيةٌ مذكورةٌ بلا تذكرة. إلا أنها تبقى طريقةً للاحتفاء والتكريم. وأي شهادةٍ يمكن أن تزيد على تلك الآثار، وهي التي صنعت أو صنع بها اسمَه وصورتَه وهويته التي يتعرّف بها عند جمهوره العربي. وليس وراء ذلك إلا حديث الذكريات الخاصة والكلام على المزاج والشخصية والطبائع. وهي أمورٌ يتعرّف بها كل إنسان، ولا تميّز بالضرورة مبدعا عن غيره. وليس من شأنها أن تزيد في تقديره وإبداعه، ولا ينبغي لها أن تنتقص منه. فالمنجز الإبداعي هو الهوية التي ينماز بها. وربَّ بائعٍ متجوّلٍ يملك من الصفات الإنسانية الجميلة ما يلزمنا التواضع أمامها. ومع ذلك فلن يغادر عربته إلى كتب السير، إلا أن يحوّله أحد المبدعين إلى شخصيةٍ سرديةٍ تحيل إلى دراما الحياة والشرط الإنساني من دون تعيينٍ للأصل المفرد الذي ما زال يتجوّل في الطرقات يسعى في رزق عياله، ولا يعلم أن كاتبا ما قد استلهمه، وحقّق به ما لا يستطيع أن يحقق بعضه لنفسه.

هكذا كان حاتم علي يختفي وراء الكاميرا ليصوّر غيره. وكذلك حال الراوي في الأعمال السردية المكتوبة والبصرية، لا تسمع صوته ولا ترى وجهه وهو يقصّ عليك، حتى يكتمل السرد. فإن خلّف في نفسك أثرا عميقا باقيا، ذكرتَ أنه صناعة الراوي المستتر، فتعرفه بأثره، وأن ما قصّه عليك هو شهادته وخياله وعالمه وهويته ورسالته وبعض من ذاته.

يسألونك عن الشراكة في صناعة الدراما، ولا سيما تلك التي تكون بين الكاتب والمخرج. والكلام فيها طويلٌ واسع المضطرب. وقد فصّلت جوانب منها في فصلٍ خاص من كتاب سيرتي الذاتية والفكرية “الشاهد المشهود”. وحسبي هنا أن أقول إن الشراكة الإبداعية لا تنهض بالتطابق، ولا ينبغي لها أن تكون. ولكنها تتقوّم بالتفاهم والتكامل والاحترام المتبادل والنزاهة وتوقّي نزعة الاستحواذ، ثم التلاقي على جوامع الحق والعدل والقيم الإنسانية والجمالية العابرة للهويات الإيديولوجية. وتلك على أي حالٍ من مقومات الأعمال الإبداعية الفائقة التي تنطلق من الخاص الظرفي إلى الأفق الإنساني وأسئلته القلقة وشروطه الوجودية وأشواقه وأحلامه ومخاوفه وصراعاته وانتصاراته وهزائمه، ومواطن قوته وضعفه. فإذا توسّلت خطابا وعظيا أو إيديولوجيا مباشرا، جنَت على قيمتها الفنية ورسالتها الإنسانية معا. وإلا ما الذي يجعل الأدب والفن العظيمين إرثا إنسانيا عابرا للمجتمعات والثقافات، مهما تكن هوية منتجه، ومهما يكن سياق أحداثه، ومهما تكن لغته الأصلية؟! على هذا تترجم الأعمال الإبداعية العالمية ليستقبلها الناس في مجتمعاتٍ وثقافاتٍ مختلفة. وحسبي كذلك أن أقول، في سياق العلاقة بين النص والإخراج، ما كرّرته في غير مناسبة، وأوردته في “الشاهد المشهود”: إن النص الضعيف لا يستطيع إنقاذه مخرجٌ حاذقٌ مهما تكن موهبته. وفي المقابل، فإن الإخراج الهزيل يمكن أن يهبط بالنص الممتاز مهما يكن مستوى تميزه. فإذا اجتمع النص القوي مع الإخراج الفائق بلغ العمل غايته.

تلك بعض التأملات التي بعثتها في نفسي وفاة الصديق والشريك حاتم علي. وأخيرا، اسمحوا لي أن أنطق عن نفسي وعن حاتم علي، فأقول: قولوا في نعي المبدع ما يستحقّ وما تفيض به نفوسكم من الحب والتقدير، ولكن لا تعلنوا نهاية تاريخ الإبداع بنهايته، ولا تنعوا المستقبل بنعيه، فللحياة طرقها في التجدّد. وإنما يبقى إرث المبدعين في ورثتهم، كما تتولّد النصوص من النصوص، ويحرّض الإبداع على الإبداع. أما هذه الآفة الثقافية العربية في الانجراف إلى حديث النهايات فهي اغتيالٌ للمستقبل ومعه الماضي الذي يحيا فيه، وهو، فوق ذلك، خذلانٌ لرسالة المبدعين التي هي تحريضٌ من أجل حياةٍ أكثر نبلا وشجاعةً ووعيا وجمالا، وليست دعوة إلى اليأس والموت وانتحار الأحلام.

حاتم علي … شكرا، ووداعا.

العربي الجديد

————————–

في وداع حاتم علي/ بسمة النسور

بعد متابعة بضعة مشاهد من المسلسل التلفزيوني، “أهوه ده اللي صار”، المستمد عنوانه من أغنية سيد درويش الشهيرة، والذي عُرض في موسم 2019، أدركت أن وراء هذا العمل الدرامي البديع مخرجاً غير اعتيادي، بحساسية فنية مختلفة ومخزون معرفي متميز. وبعد البحث، فرحت لصحة توقعي، حين تبين أن مخرج العمل هو المبدع حاتم علي الذي فجعنا برحيله المباغت الأسبوع الماضي، وهو في ذروة العطاء، ما شكل خسارة جسيمة للدراما العربية الملتزمة، الجادّة والعميقة التي فقدت بغيابه واحدا من أهم عباقرتها، وهو الذي أثرى أرشيفها بأعمال درامية خالدة ارتقت بذائقتنا، لعل أبرزها “التغريبة الفلسطينية” التي وثّقت حكاية الشتات بحذافيرها، واحتفت بتضحيات الشعب الفلسطيني وروح المقاومة والصمود فيه منذ بدء المأساة، فكان هذا المسلسل علامة فارقة في سيرة حاتم الإبداعية الفذّة البارعة، المنسجمة تماما مع سيرته الإنسانية مبدعا حرّا نزيها ملتزما منحازا للضعفاء، مقاوما للاستبداد.

لم يختلف نهج حاتم علي، الملتزم الصارم، في آخر أعماله، مسلسل “أهوه ده اللي صار” للكاتب عبد الرحيم كمال، بمشاركة نخبة من فناني الدراما المصرية. تمكّن من ترجمة النص إلى مشهدية بصرية فائقة الجمال، إذ دارت أحداث المسلسل على مدى مائة عام، بدءا من 1918، متنقلا برشاقة بين المراحل التاريخية، متوقفا عند الأحداث والتحولات الكبرى التي عصفت بالمنطقة، متناولا الشخصيات الشهيرة في تاريخ مصر، موظفا إياها خلفية بانورامية، تخدم تصاعد الحكاية الممتدة، شخصيات مؤثرة ساهمت في صنع تاريخ مصر الحديث، مثل سعد زغلول، سيد درويش، الملك فارق، أم كلثوم، بيرم التونسي، جمال عبد الناصر، أنور السادات، وذلك في مزج عبقري بين سير تلك الشخصيات الحقيقية مع حيوات شخصيات المسلسل المتخيلة، متتبعا مسارها عبر أجيال ثلاثة.

اعتنى حاتم في هذا العمل، مثل عهده دائما، بالتفاصيل الدقيقة، سواء من حيث اختيار ممثلين على سوية إبداعية عالية، مثل سوسن بدر، وروبي، وأحمد داود، وغيرهم. إضافة إلى الديكور المتقن المدروس، شديد الإقناع، والأزياء التي عبّرت بدقة عن ملامح كل مرحلة، كذلك الحوار الذكي العميق، كما أبدى عناية خاصة بأهمية إتقان الممثلين اللهجات المتعدّدة في النص، من صعيدية واسكندرانية وقاهرية، وذلك بالاستعانة بخبراء متخصصين في هذا المجال، فجاء العمل متماسكا، قابلا للتصديق، حافلا بالمعرفة والجمال. وساهمت الموسيقى التصويرية والأغنيات واللوحات الراقصة، المختارة بعناية، بحسب المرحلة التاريخية، في إثراء الفضاء الدرامي، وإضفاء مزيد من المصداقية عليه، في هذا الفضاء الممسوك برؤية إخراجية ثاقبة، أمينة على روح النص، حريصة على احترام ذائقة المتلقي. وتدور الأحداث في مدينة الاسكندرية، وتنطلق من قصرٍ لعائلة ثرية، يشهد قصة حب مستحيلة بين شاب ثري وخادمة صعيدية، لتتشعب الحكايات وتتنوع بأسلوب شائق، قادر على توريط المشاهد الحابس أنفاسه أمام هذه التحفة الجمالية، خشية أن يفوته أي تفصيل مهما كان صغيرا.

قال حاتم علي، في مقابلةٍ تلفزيونيةٍ، بتواضع المبدع الكبير، غير المكترث بالألقاب المسكون بالقلق والارتياب، إن النص أعجبه جدا واستفزّه، وشكل تحديا له من حيث الموضوع وتكنيك السرد. وأضاف أن من الصعوبة بمكان أن نخبر “بكل الذي صار”، بمعنى ذكر الحقيقة كاملة في ظل ظروف سياسية قاهرة، ويبقى على الفنان المحاولة، على الرغم من معاندة الظروف، ذلك أن قول جزء من الذي صار يعتبر إنجازا كبيرا في ظل هامش الحرية المحدود.

في المحصلة، يبقى مسلسل “أهوه ده اللي صار” إضافة قيمة في مسار الدراما العربية، تستحق التوقف عندها، والتأمل في الجهد الكبير الذي بذله هذا المبدع الاستثنائي، المثقف مرهف الحس. اختار أصعب الدروب، للتعبير عن قناعاته وقيمه الإنسانية النبيلة وأخلاقه الرفيعة ورؤيته العميقة إلى الأشياء، ما جعل رحيله فاجعة حقيقية، وفقدانا كبيرا لن يعوّضنا عنه سوى ذلك الإرث الفني المعرفي الجمالي الذي خلّفه شهادة على منجز إبداعي باهر، وحضور إنساني مر في حياتنا كشهابٍ خبا قبل أوانه، وخلف الحزن العميق في نفوس محبّيه الكثر على اختلاف مشاربهم.

العربي الجديد

—————————–

حاتم علي.. التغريبة الأخيرة/ محمد نور الدين اللباد

لم يصدمني هذا “الاحتفاء الحزين” برحيل حاتم علي، بقدر ما صدمني رحيلُه نفسه. ولعل كلمة “احتفاء” لا تصلح للحديث عن الغياب، فهيَ إنما تُستخدم للحديث عن الحضور، وهذا مُبرر استخدامها، فبرحيل مُبدع كحاتم علي فإن حضورهُ في الذاكرة الجمعية سيزداد، ذلك أن رحيل المؤثرين عادةً ما يترك خلفهُ عواصفَ لا تهدأ بسهولة.

حاتم علي، ذلك النازح، اللاجئ، رُبما لم يكن يعلم بأنهُ سيكون ابنًا لثلاث تغريبات، تغريبتهُ الأولى الجولانية بعد هزيمة حزيران 67، وهيَّ التي تشكل امتدادًا لتغريبة الفلسطينيين باعتبارهم ضحايا لعدوٍ واحد، (إسرائيل والحاكم العربي المستبد) وأخيرًا تغريبته السورية، وهي التغريبة الأكثر قسوةً وعُمقًا.. التغريبة التي تستحق إذا ما انتهت بالموت أن توصف بالأبدية.

لا أبالغ إذا تجرأتُ على تصنيفهِ ضمن قائمة طويلة من المبدعين السوريين إلى جانب نزار قباني ومحمد الماغوط وسعد الله ونوس وغيرهم الكثير من الأسماء التي تركت بصمتها وتأثيرها في التاريخ والفن والثقافة والقيم والأخلاق على حدٍ سواء.

حاتم علي، الذي خرج من الفقر والحياة في هوامش العاصمة وعشوائياتها، كدح منذ البداية وعمل بجدٍ وتفانٍ على تقديم مشروع فني جاد، مُتكامل، وحامل لقضايا الأمة والمُجتمع.

جمع شتات القضية الفلسطينية وأعلن ولادتها في الوعي مجددًا، من خلال العمل الملحمي الخالد “التغريبة الفلسطينية” وجمع شتات التاريخ من خلال ثلاثية الأندلس (صقر قريش – ربيع قرطبة – ملوك الطوائف) بالتعاون مع السيناريست اللامع وليد سيف.

أعاد إحياء التراث الشفهي وحولهُ بتوليفة إبداعية تشاركية إلى واحد من أهم المسلسلات التاريخية العربية وهو “الزير سالم”، ووضع المشاهد العربي أمام خلاصة الإبداع من خلال الإضاءة على السيرة العطرة للخليفة عمر بن الخطاب في العمل الدرامي الضخم “عُمَرْ”.

كما عالجت أعمالهُ الاجتماعية قضايا لا تعد ولا تحصى في المجتمع السوري، لا سيما مسلسل  “الفصول الأربعة” بجزئيه، والذي بات مرجعًا لحياة السوريين الذين أفقدتهم المأساة ذلك الحب وتلك الحميمية التي تفيض من مشاهد هذا العمل.

استطاع حاتم علي أن يترك انطباعًا إيجابيًا لدى عموم السوريين والعرب، حيث اقترن الحكم المُسبق على أي عمل من إخراجه بالنجاح والانتشار والقبول.

لقد خلف رحيلهُ المفاجئ كثيرًا من التساؤلات، فمن يا ترى لديه القدرة على سرد الرواية الأهم، والأكثر تراجيدية في هذا الزمن، وهي رواية الُحلم والوجع السوري. من يستطيع أن يوثق ذاكرة الثورة، والدم، والقمع، والاعتقال، والموت تعذيبًا وسجنًا؟ من سيوثق ذاكرة الحرب والدمار، ذاكرة المدافع والطائرات والبراميل المتفجرة؟ من سيروي قصة التغريبة السورية، قصة الشتات والتمزق والرحيل إلى أقاصي الدُنيا بحثًا عن حياة؟

ها هو حاتم علي بعد منفاه الكندي البارد، يرحل وحيدًا، غريبًا على مقربةٍ من منفاه الأول الدافئ، دمشق التي سيوارى ثراها، قبل أن يجيب عن تساؤلاتنا المريرة هذه. لا بد أنه كان أحد أهم مكتسبات الحركة الفنية السورية، وبرحيله خسرت سورية أحد أهم أعمدتها الفنية والإبداعية.

————————–

حاتم علي.. تكريس التاريخ كأسطورة شعبية/ رستم محمود

بمعنى ما، كان المُخرج السوري حاتم علي أكثر من “أنتج التاريخ” في منطقتنا طوال ربع القرن المنصرم. فالشعبية الهائلة لثمانية مسلسلات تاريخية طويلة أخرجها حاتم علي ضمن مشروعه الفني خلال هذه السنوات، جعلت منه فاعلاً حيوياً استثنائياً لصياغة وإنتاج وترويج الحكايات والتصورات و”الحقائق” التاريخية الخاصة بمنطقتنا.

حيث تثبتت بفعلها في الذهنية الجمعية العامة لأبناء المنطقة، خصوصاً من أبناء الأجيال الأصغر سناً، وتحولت بالنسبة لقطاعات اجتماعية غير قليلة إلى حقائق مُطلقة وبداهة مكرسة وآليات مُقدسة للتفكير وفهم التاريخ.

مع كل تلك الحقيقة، فإن التاريخ الذي صاغه وأنتجه حاتم علي عبر حكايته التلفزيونية لم يكن يمتاز بسمات المعرفة والموضوعية، ولو بالحد المعقول، الممكن تماماً. بل كان بجوهره وديناميكيات تشييده الداخلية أقرب ما يكون لمضامين كتب التاريخ في المناهج التربوية التي كتبتها وفرضتها الأنظمة الشمولية لدولنا. حيث اللهاث المستميت لتكريس الرومانسية الطهرانية في السردية التاريخية، لتكون في مكان ما مرضية للمخيلة الشعبية الجمعية حول التاريخ، ومن جهة أخرى موائمة للنزعات والإيديولوجيات السياسية للأحزاب القومية والدينية المهيمنة، على الدولة والمجتمع.

بقول ما، فإن التقييم الأصح لمنتج حاتم علي التاريخي يمكن وصفه بأنه مجرد تحويل للمخيلة الشعبية والسياسية المركزية حول التاريخ في منطقتنا إلى صور وحكايات مرئية ومقولات نمطية في مسلسلاته.

ثمة خيط غير رفيع مُشترك بين كل ما أخرجه حاتم علي من نوعية تلك مسلسلات التاريخية، التي شكلت مجتمعة مشروعاً واضحاً لقول شيء ما واضح في التاريخ، عبر مختلف عصوره ومستوياته. تالياً، فإن السمات المشتركة بين تلك المسلسلات، تسمح بقول أحكام عمومية حول فكرة ورؤية حاتم علي للتاريخ مع شركائه في تلك الأعمال.

ففي كل واحد من منتجاته مثلاً، ثمة “البطل” في الفعلة التاريخية، هذا البطل الذي هو ليس مجرد فاعل أو مؤثر على الحدث والسياق التاريخي فحسب، بل يكاد أن يكون هو بحد ذاته “التاريخ”، الذي تدور حوله باقي الأشياء الأخرى.

من ذلك المكان بالضبط، كانت هذه “الشخصيات البطلة” تُرفع لمستويات القداسة في العمل الدرامي، لشدة ما يُلصق بها من سمات حميدة، تجمع الشجاعة بالنبالة والحكمة والإيثار والخُلق الحسن والرِفعة والنزاهة والرؤية السديدة…الخ من السمات المتجاوزة للطبائع العادية للبشر الموضوعيين، لكنها المطابقة تماماً لجنوح وتطلب المخيلة الشعبية لمثل تلك الشخصيات الخلاصية الأسطورية، التي يُشك تماماً بصدقية ما يُروى عنها في المناهج المعرفية الحديثة للدراسات التاريخية.

الأبطال الخلاصيون في مسلسلات حاتم علي، من الزير سالم مروراً بصلاح الدين الأيوبي وصقر قريش ومحمد بن أبي عامر إلى عمر بن الخطاب والمقاتل الفلسطيني أحمد الشيخ يونس في التغريبة الفلسطينية، كانوا عوناً رهيباً لحاجة المخيلة الشعبية لمثل هؤلاء الأبطال، الأبطال الذين تكون حكاياتهم الأسطورية الرومانسية المفارقة للوقائع بديلاً لما يجب أن يبذله هؤلاء الناس من جهدٍ مُضنٍ في القراءة العقلانية الموضوعية لأحداث التاريخ التي كانت.

فبالضبط كما تكتفي مجتمعاتنا بلوّك السيرة الذاتية والشخصية لقادة سياسيين مثل عبد الناصر والقذافي والأسد ومن يطابقهم موقعاً ودوراً، لفهم كل أحوال البلدان والمجتمعات والظواهر الراهنة، دون أي جهود إضافية للنهل من مصادر وأدوات أخرى لفهم الوقائع الراهنة، فإنها أيضاً تفضل وتُطرب وتكتفي بحكايات الأبطال التاريخيين هؤلاء، لتكون سيّرهم الأسطورية والرومانسية كامل ذخيرتهم عن التاريخ.

على الدفة الأخرى، فإن الأبطال الخلاصيين في مسلسلات حاتم علي، الذين كانوا يشبهون أبطال السينما الشعبية الهندية أكثر من أي شيء آخر، كانوا يلاقوا تلهفاً نفسياً واجتماعياً للطبقات الاجتماعية الأقل تعليماً والأكثر هامشية في الفعل الاجتماعي، الذين يتلهفون ويندمجون مع الأفلام والمسلسلات التي سُميت في تاريخ السينما بـ”أفلام الدرجة الثالثة”، حيث كان أغلب متابعيها من المقهورين والمظلومين المُحتاجين لرؤية “بطل مُنقذ” عابر لشروط الظواهر والحياة الموضوعية، ليكونوا ببساطة شديدة صورة بديلة ومعوضة عن الحاضر المرير. 

سمات القداسة التي أُصبغت على “أبطال التاريخ” في مسلسلات حاتم علي كانت تمتد لتكون تشيداً فعالاً للقداسة العامة، خاصة بمجتمعاتنا وجماعتنا وهوياتنا الأهلية في التاريخ. فـ”نحن” في مسلسلاته نمتاز عن الآخرين بأننا الطاهرون والصالحون والأنقياء والأخلاقيون، نقابل “الآخر” الذي يمتاز بكل الصفات النقيضة لتلك، وتالياً فأن التاريخ هو صراع مرير بين صلاحنا نحن وطلاح الآخرين.

هذه الـ “نحن العُظمى” التي كانت تنضح في مسلسلات حاتم علي، أنما كانت تجهد لتغييب ثلاثة مستويات من الآخر، حيث تتطلب الرؤية والسردية الموضوعية للتاريخ حضورهم بكل تفاصيلهم الموضوعية إلى جانبنا “نحن”.

 فالـ “نحن العُظمى” في منتجاته خاصة بجماعة الأغلبية القومية الدينية المذهبية في بلداننا، أي العرب المسلمون السُنة، الذين هم التاريخ في منتجات علي، لأنهم ببساطة هُم الـ”نحن”، فيما الآخرون المختلفون قومية وديناً ومذهباً من سكان المنطقة مُغيبون تماماً في سردياته، بالرغم من دورهم المركزي الذي كان في نفس هذا “التاريخ”.

مع هذا التهميش، ثمة تغييب تام لحكايات هؤلاء الذين ليسوا أغلبية مع هذه الأغلبية السكانية، بالذات صراعاتهم المريرة دفاعاً عن مواقعهم وهوياتهم وأدوارهم ومصالحهم. وحيث أن كل الشخصيات “المثالية” التي عُرضت في مسلسلات حاتم علي لها سجلات تاريخية غير حميدة مع الجماعات الأهلية من غير الأغلبية من سكان المنطقة، تنضح بها كُتب سيرهم الذاتية ومروياتهم الخاصة، التي لم يكن لها من مكان فيما عرضه منتج فني.

نفس التغييب طال المغلوبين والمهزومين من الجماعات الأخرى، سواء أكانوا الأندلسيين أو “الصليبيين” أو البيزنطيين أو الأرمن أو السريان أو حتى يهود البلدان العربية، هؤلاء الذين لم يكن لهم من سمات وملامح ومقولات في مسلسلات حاتم علي، غير صوغهم كتشكيلات آدمية من الشرّ المطلق!. في منتجات علي لن يعثر المرء على حكاية عائلة إسبانية واحدة عانت من الاحتلال العربي/الإسلامي لتلك البلدان مثلاً، أو سكان مدينة إيرانية/فارسية يدافعون عن أرضهم التاريخية…الخ.

هذه بالضبط هي المخيلة الشعبية حول الذات الجمعية، المؤلفة من كتلة متجانسة من البشر المتطابقين هوياتياً، وحيث أنه لا صراعات أو خلافات داخلية فيما بينهم، ويواجهون مجتمعين جماعة أخرى، مؤلفة من مجموعة من الأشرار!.

لكن المستوى “الأخطر” في هوية أعمال حاتم علي حول التاريخ كانت في الأدوات التسفيرية والتحليلية التي قدمها لتفسير هذا التاريخ.

فالتاريخ حسب ما عرضه هو صراع مرير بين خير مطلق وما يقابله من شر مطلق. فحسبه، ثمة سمات وقيّم ومُثل عُليا في التاريخ، يدافع عنها شخص أو جماعة ما، بوجه ما يناظرها ويتباين معها، وفقط كذلك.

الأمر الذي يعني بأن التاريخ هو مجال خالٍ من المصالح والمطالب والإيديولوجيات والنزعات المتباينة والمتناقضة والمختلف عليها تماماً. تلك التي لا يُمكن الحُكم عليها قيمياً بأي شكل، وأن الحُكم عليها بهذا الشكل إنما يحول التاريخ من علم معرفي يحاول فقط فهم وتفكيك ما جرى في الماضي عبر أسباب موضوعية، إلى مجرد قصيدة، مديح أكانت أو هجاء، حيث تُطرب المخيلة الشعبية، التي تفضل الزجل على كُتب التاريخ، الرصينة والمُتعبة.

ثمة تفسيرات متعددة ومركبة لأسباب نزعة حاتم علي تلك، تمتد من نشأته في مركز جغرافي لأكثر صراعات المنطقة حدة، وحياته فيما بعد كنازح ولاجئ، وتمتد لطبيعة المنتج الذي عملت على صياغته، المسلسلات الدرامية الرمضانية، التي تلهث وراء الشعبوية، التي تطلب بالتبسيط على حساب أي شيء كان، ولا تنتهي تلك التفسيرات بطبيعة الأنظمة السياسية التي عمل حاتم علي في ظلالها، ولا حتى المؤسسات التلفزيونية وشركات الإنتاج التي كان يتعامل معها وينتج لصالحها، وحيث أن تلك العوامل هي فقط مجموعة من الشروط المنهكة.

الحرة

————————–

جمال سليمان يودع حاتم علي: جعلت أمي تنسى أسمي وتناديني أبو صالح!

وكتب الفنان السوري: “صديقي الغالي، اليوم ودعك أهلك، وأصدقاؤك، ودمشق كلها، دمشق التي كنت تحبها، وتحب أن نستذكرها أنا وأنت”.

وأضاف: “ونحن في غربتنا، دمشق التي صورتها كاميرتك في (الفصول الأربعة) وفي (عصي الدمع) بحب وحنان، كانت جـ.نازة مهيبة تليق بك، وبما أنت، وما كنت”.

وتابع: “كانت محطتك الأخيرة في واحدة من أقدم بقع دمشق، في مقـ.برة الباب الصغير، بين باب الجابية والسويقة، وهي منطقة قضيت فيها طفولتي”.

وأردف: “وفي نفس المقـ.برة يرقد والدي ووالدتي رحمهما الله، ومما رأيت في الصور فأنت بجوارهما تماما، سيستأنسان بجيرتك، فهما يحبانك جدا”.

وقال جمال سليمان: “والدي كان مغرما بأعمالك التاريخية، أما والدتي فقد كانت متعلقة بأعمالك المعاصرة بدءا من الفصول الأربعة، إلى عصي الدمع”.

واوضح: “لم يمهلها الزمن لترى العراب، ولكن أكثر ما تعلقت به كان التغريبة الفلسطينية، وشاهدته مرات ومرات، دون كلل ولا ملل”.

وتابع سليمان: “وعندما عصف الزهايمر بها في أواخر أيامها، ومن شدة تعلقها بالمسلسل، نسيت اسمي وأصبحت تناديني أبو صالح”.

وأضاف: “وطبعا كما تعرف، لم أكن معها في تلك الأيام حيث أغلق باب وطني في وجهي، و كانت تنتظر عودتي”.

وأردف: “وتسأل دائما، متى سيأتي أبو صالح؟ هل اتصل أبو صالح؟ وعندما كنت اتصل بها تسألني كيفك يا أبو صالح؟ وأنا اشتقت لك يا أبو صالح”.

وقال جمال سليمان: “في آخر يوم لها في دنينا، استيقظت أختي فجرا على صوتها تنادي أبو صالح، يا أبو صالح… ثم طلبت كأسا من الماء، ولكنها لم تنتظر، فقد رحلت قبل أن تشربه، وقبل أن تلتقي بي ثانية”.

وختم الممثل السوري الذي لعب دور أبو صالح في التغريبة الفلسطينية رسالته قائلا: “أمي يا حبيبتي ها هو مخرج التغريبة بجوارك، للأقدار معان أحيانا”.

———————————-

https://www.youtube.com/watch?v=wh5ViU16JP4

———————————

أحلام حاتم علي المؤجلة: من سيروي “سقوط غرناطة”/ عماد كركص

رحل المخرج السوري حاتم علي، تاركاً إرثاً كبيراً ونوعياً في رصيد الدراما السورية والعربية. فقلما كانت أعماله محط النقد القاسي. عرف الراحل كيف يختار المواضيع التي يعالجها، فوثق للتاريخ، وذكّر بالمعاناة، وأبدع في وضع أسس جديدة للدراما الاجتماعية، ما جعله يترك بصمة، ليس لاسمه وحسب، وإنما للدراما العربية، ستبقى دليلاً على مرحلة من الإبداع.

بيد أنه كان في جعبة الراحل، الكثير ليقدمه في عالم الدراما، إذ وضعت وفاته في القاهرة التي قصدها قادماً من كندا مكان إقامته، حداً لمشاريعه المختلفة، منها عمل درامي ضخم في مصر، وفيلم سينمائي، في حين كان حلمه أن يكمل الثلاثية الأندلسية بجزء آخر، لتحقيق الرباعية، غير أن الموت سبقه.

“السفر برلك”

كانت مواقع فنية، لبنانية وسورية، تحدثت بداية العام المنصرم عن توقيع حاتم علي مع شركة “أيغل فيلمز” لبدء العمل على مسلسل درامي ضخم يتناول الوجود العثماني في البلاد العربية. وأطلق على العمل اسم مبدئي هو “السفر برلك”، وهو النفير العام الذي صدر بأمر سلطاني عثماني عام 1914 عند دخول الدولة العثمانية الحرب العالمية الأولى. في حين قالت مواقع أخرى أن الشركة المنتجة للمسلسل هي “جينوميديا” الإماراتية، بالاشتراك مع mbc اللتين أنتجتا مسلسل “ممالك النار” وتناول الحقبة العثمانية كذلك.

ونقلت وسائل إعلام عن عمرو علي، نجل الراحل حاتم علي، بأن والده كان في القاهرة للاستعداد لتصوير المسلسل، الذي كان من المفترض أن يصوّر بعدة دول منها مصر والسعودية وسورية ولبنان، على أن يتصدى علي لإخراج المشاهد في كل من مصر والسعودية، في حين سيتولى المخرج الليث حجو إخراج المشاهد في كل من لبنان وسورية.

وسيبقى هذا العمل، رهن ما ستحمله الأيام من أخبار، بإكماله مع الليث حجو منفرداً، أو توقف تصويره مجدداً بعدما كان انتشار فيروس كورونا أجل انطلاق تصويره بداية العام الماضي.

“الزير سالم”

قبل عشرين عاماً أخرج حاتم علي مسلسل “الزير سالم”، الذي تناول ملحمة حرب البسوس التاريخية، ولقي المسلسل حينها تفاعلاً قل نظيره، فحصد عدداً من الجوائز وحظي بمتابعة كبيرة، إلا أن المخرج الراحل كان له حلم تجديد سيرة تلك الملحمة عبر فيلم سينمائي، بدئ بالعمل عليه عند عودته لمصر قبل أشهر قليلة.

وقبل وفاته بأسابيع قليلة، قال حاتم علي في تصريح لـ”العربي الجديد”، إن النص سيكون بالشراكة بينه وبين الكاتب والمخرج المسرحي زياد عدوان، وهو نجل كاتب مسلسل الزير، الكاتب والروائي والشاعر السوري ممدوح عدوان الذي توفي بعد إنتاج المسلسل بأربعة أعوام، عام 2004، مشيراً، حينها، إلى أنه ما زال في مرحلة الكتابة بالشراكة مع زياد عدوان، وبالتالي المشروع حالياً يطبخ على نار هادئة، بحسبه، وأضاف في حديثه عن العمل: “بما أننا لا نزال في مرحلة النص، فهذا يعني أننا لم ندخل حتى بمرحلة التحضير ولو بشكل أولي”. وأشار حاتم علي في حديثه الأخير لـ”العربي الجديد” عن الفيلم، إلى أنه لا يزال يحن لشراكاته في الزمن الذهبي للمسلسل، ولفت أيضاً إلى أنه سيكون سعيداً لو استطاع جمع فريق المسلسل ثانية في الفيلم إلى جانب جمال سليمان، وتيم حسن، وباسل وخياط وآخرين كثر.

الرباعية الأندلسية

ليس من المبالغة القول، إن حضور سيرة الأندلس في العقدين الأخيرين، بات يرتبط بحضور اسم حاتم علي معها، إذ تعد الثلاثية الأندلسية، “صقر قريش”، و”ربيع قرطبة”، و”ملوك الطوائف”، من أفضل إنجازات المخرج السوري الراحل، ليس على الصعيد الفني وحسب، وإنما باستحضار التاريخ وتوثيقه بالشراكة مع الكاتب الكبير وليد سيف. وكان علي يحلم باستكمال الثلاثية وإيصالها للرباعية، بجزء رابع يحمل اسم “سقوط غرناطة”، إلا أن هذا العمل لم يكتب له الظهور.

العربي الجديد

——————-

 

 

https://www.facebook.com/hussain.elshaikh/posts/10223063368708150

 

 

——————-

 

 

 

=================

تحديث 05 كانون الأول 2021

———————

تواطؤ لأجل حاتم علي/ عمر قدور

اخترق حاتم علي، بوفاته قبل أسبوع، جبهة انقسام السوريين. موالو الأسد غضّوا النظر لأجله عن كونه لم يشاركهم مواقفهم، ونأى بنفسه عن البلد ملتزماً الصمت، ما يوشّر على الأرجح إلى عدم رضاه. في المقلب الآخر، كان خروج حاتم علي من سوريا وصمته كافيين، بل تجرأ كثر على اعتبار موقفه معارضة صريحة للأسد، بينما تكفّل آخرون بنقل مواقف حادة على لسان الراحل “يُفترض أنه أفصح عنها في جلسات خاصة” من دون أدلة عليها، لا من قبلهم ولا في السيرة المعروفة له.

لحسن حظ الراحل أن سلطة الأسد فعلت أفضل ما يمكن لها فعله في هذه الحالة، إذ سمحت بعودة جثمانه وعائلته لدفنه في دمشق، مع تجاهل رسمي يعكس مقداراً من عدم الرضا عنه. إلا أن المشاركة الواسعة لفنانين معروفين بولائهم في الجنازة ثم العزاء لا يمكن حدوثها خلافاً لمشيئة السلطة، مع عدم تكذيب المشاعر الشخصية لهؤلاء إزاء زميل عملوا معه، وجمعتهم به صداقة سابقة على الانقسام السوري، وربما لم تتأثر إطلاقاً به. رغم ذلك شارك في الجنازة أشخاص رأوا في حضورهم تعبيراً عن معارضة السلطة، وحتى ترحيباً بقدوم رمز لذلك الجزء السوري المهجَّر.

حمّى الحزن على حاتم علي اجتاحت السوريين، وجمعتهم على نحو غير متوقع. استحقاقه الحزن ليس موضوع مساءلة إطلاقاً، أما الظاهرة نفسها فشأن آخر. هي، ككل ظاهرة عامة، قد يتخللها بعض من النفاق أو المزايدات أو الاستثمار والتسييس، إلا أنها في هذه الحالة ما كانت لتصبح ظاهرة عامة لولا ارتكازها على وجدان جمعي لدى السوريين، ولو لم تسعفها اللحظة الزمنية بحاجة أولئك السوريين إلى استحضار وجدانهم، وربما حاجتهم إلى التفجّع المشترك في زمن بائس حقاً، من أجل كل ما يستحق حزنهم المشترك وغير المشترك؛ فرادى وجماعات.

يسهل الركون إلى فكرة الوجدان المشترك الذي كان حاتم علي واحداً من أميز المساهمين فيه، والأقرب إلى الراحة أن تؤخذ هذه الخلاصة كما هي في وقت يحتاج فيه السوريون ما يجمعهم. هذا أيضاً صنف من التواطؤ بمقاصد نبيلة، لا ينقصه الحنين إلى الزمن البهي للدراما السورية، أو استذكار إنجازاتها ونجاحاتها داخلياً وعربياً.

لنتذكرْ أن “نهضة” الدراما السورية قادتها أولاً شركات خاصة مملوكة لأبناء المسؤولين الكبار، قبل دخول الأموال الخليجية للاستثمار في قطاعٍ واعدٍ ربحياً. لنتذكر أيضاً أن عرض أي مسلسل يستلزم موافقة الرقابة في بلد العرض، وعلى الأرجح تكون الموافقة مطلوبة قبل التصوير في “بلد المنشأ”، ورغم شيوع الفضائيات بقيت الرقابات المتنوعة مهيمنة على صناعة الدراما من ألفها إلى يائها. بعبارة أخرى، لأسباب تجارية معروفة، نحن على الأرجح إزاء مسلسلات قادرة على عبور الرقابات العربية الأساسية والمؤثرة اقتصادياً، فضلاً عن الرقابة السورية، أي أننا نتحدث عن وجدان مشترك ساهمت في تأطيره أجهزة الرقابة تلك.

لنتذكرْ تالياً أن الرقابة على الدراما مشددة أكثر مما هي في قطاعات أخرى، لأن المسلسلات تدخل تقريباً كل البيوت، لذا تُراعى في صناعتها كافة الاعتبارات السياسية والاجتماعية والدينية من وجهة نظر الرقابات المتعددة. ما يمكن التساهل معه في كتاب أو فيلم، أو حتى مسرحية، لن يجد الفرصة ذاتها في مسلسل. الكلام عن تحايل على الرقابة، إذا صحّ، قد يجوز كاستثناء لا تتأخر في استدراكه وتعويضه، ودور الفنان الفرد في العملية برمتها يقتصر على مدى براعته الفنية ضمن الضوابط والقيود التي يعرفها جيداً، ويراعيها راضياً أو مضطراً.

الأسوأ مما سبق ذلك القحط الذي يجعل من الدراما في طليعة ما يصنع الوجدان المشترك، فلا نرى حتى على صعيد الإنتاج التلفزيوني تلك البرامج المفتوحة على الفضاء العمومي بقضاياه الحقيقية واهتماماته وهمومه، وهي برامج طالما صنعت شهرة محطات عالمية، بل أخذت مكانتها المستحقة حتى في بعض القنوات اللبنانية إلى جانب الدور الترفيهي التقليدي للتلفزيون. على الصعيد البصري، من المخجل الإشارة إلى العدد المجهري للأفلام السورية بالمقارنة مع نظيرتها المصرية، ومن المخجل أيضاً السؤال عن العدد السنوي للعروض المسرحية.

هناك وزارة ثقافة تشرف على السينما والمسرح، وعُرفت نسبياً بنوعية مطبوعاتها التي تطبع عادة من كل عنوان ألف نسخة، ثم ليصبح رقم الألف سقفاً لدور النشر الخاصة التي سُمح بها لاحقاً، وهذا كما نعلم رقم متواضع يُضاف إلى تواضع رقم العناوين التي تُطبع سنوياً. قبل ذلك، لدينا مدارس ومناهج مدرسية دأبت من خلال الشعارات على تصنيع وجدان عام أسدي، مع إهمال لكل ما يشجع التلاميذ والطلاب على البحث والتفكير، ولكل ما ينمّي مواهبهم أو يدفعهم إلى القراءة وتذوق الفنون، فوق تغييبهم عن سوريا الواقعية بأهلها وناسها وعاداتهم وطرائق عيشهم لصالح تسيد الشعار الأسدي.

خلال عقد منذ اندلاع الثورة، شهدنا بدموية نتاج ذاك الفقر المدقع كله، لا بتحارب السوريين فحسب، وإنما أولاً بالجهل المتبادل الفادح الذي يتنافى مع القول بوجود وجدان مشترك. قد يلطّف من ذلك تلك الملايين التي وجدت متسعاً من الوقت في ما مضى كي تستمتع بمسلسلات طويلة، مثل “الزير سالم” أو “التغريبة الفلسطينية” أو “الفصول الأربعة”، لكننا نحمّل المسلسلات وأصحابها عبئاً ليس من وظيفتها باعتبارها صاحبة إنجاز يتعدى ظروفها ويتعدى مكانتها المعهودة في أصقاع الأرض، ومن ذلك توهّم صناعتها وجداناً عاماً لمناسبة رحيل أحد رموزها.

يستحق حاتم علي الحزن الواسع الذي حظي به، ويستحق أن يُحترم خياره الخاص “السياسي”، حتى إذا كان نأيه عن “سوريا الأسد” تعبيراً عن كرامة شخصية أبت الإذعان والسير في التشبيح على غرار فنانين آخرين. ومن المؤسف أن تكشف لحظة الحزن الجامعة هذه افتقادَ السوريين ما يجمعهم، من المؤسف على نحو خاص أن تكون الدراما التلفزيونية “بكل ما نعرفه عنها” هي العنوان المشترك لهم. يا لفقرنا! يا لبؤسنا!

المدن

——————–

حاتم علي عائداً إلى دمشق: النظام ينفيه والسوريون يحتضنونه/ كارمن كريم

حاتم علي، السوري المنبوذ، يعود محملاً على الأكتاف، وعلى رغم المأساة واليأس حضر في جنازته فرحٌ شفيف، فرح العودة والانتماء خارج سلطة النظام ومباركة الحضور الرسمي.

انتظرتُ ككثيرين نقل تشييع المخرج السوري حاتم علي (1962-2020) على إحدى القنوات الرسمية السوريّة. إلا أن ساعات مضت ولم تبث ولو قناةٌ واحدة مراسم التشييع. اكتفيتُ كما كلّ السوريين بمتابعة بعض اللقطات المصورة على هاتفي المحمول لمحبين وأصدقاء حضروا التشييع، ونشروا المقاطع لاحقاً على وسائل التواصل الاجتماعي، هذا كلّ ما ملكناه من الرحيل الأخير لحاتم علي.

النظام السوريّ يتجاهل موته

بعد وفاته في مصر يوم 29 كانون الأول/ ديسمبر 2020، نُقل جثمان المخرج السوريّ إلى دمشق، تلبية لوصيته، ليتم تشييع جثمانه من جامع الحسن في حي أبو رمانة يوم 1 كانون الثاني/ يناير 2021 ليُنَقل إلى مثواه الأخير في مقبرة الباب الصغير. شارك في التشييع عددٌ من الممثلين والمعجبين والمحبين الذين دعوا عبر منصات التواصل الاجتماعي إلى مرافقة حاتم في رحلته الأخيرة، في حين التزمت الجهات الرسمية السوريّة الصمت، واكتفتْ نقابة الفنانين في سوريا بنشر خبر عن وفاته على حسابها على “فايسبوك”، من دون أن تنعيه حتى! فيما نقلت القنوات الرسمية الخبر ضمن شريط الأخبار لا أكثر، ما أثار سخط السوريين، سائلين عن سبب تجاهل المؤسسات الرسمية رحيل شخصية سورية كبيرة!

بالعودة إلى الخلف، ليس مستغرباً سلوك نقابة الفنانين، التي فصلت حاتم علي من عضويتها عام 2015 بحجة عدم سداده اشتراكات النقابة، في محاولة منها للتضييق على الفنانين بسبب آرائهم السياسية، لم تكن معارضة حاتم للنظام السوريّ خافية، فكان يكفي ألّا “يشبّح” للنظام، حتى يصنّف معارضاً وتتم محاربته. فُصل حينذاك عدد من الفنانين، بينهم رامي حنا وباسل خياط. النظام الذي نادى بالحوار والديموقراطية حاول التخلص من معارضيه بالفصل من نقاباته ومؤسساته وليس انتهاء باعتقالهم وتعذيبهم. لكن وفاة حاتم أوقعت نقابة الفنانين في حيرة من أمرها، فلا يمكنها تجاهل شخصية سوريّة مؤثرة مثله، ولا تستطيع في الوقت ذاته التراجع عن نبذه، ووسط حيرتها وخوفها من مجرد نعيه، اكتفت بنشر خبر مقتضب عن وفاته!

لم تكن معارضة حاتم للنظام السوريّ خافية، فكان يكفي ألّا “يشبّح” للنظام، حتى يصنّف معارضاً وتتم محاربته.

وإن كانت رغبة حاتم في أن يدفن في دمشق تعكس تعلّقه بمدينته إلّا أنها تستحضر أيضاً تمسّك السوري بحقّ العودة إلى وطنه حتى وإن في تابوت، ذكّرت وفاته السوريين بواحدة من أكبر معضلات الشتات السوري وهي حق عود اللاجئين السوريين في العالم، بوجود حوالى 6.6 مليون لاجئ سوري حول العالم بحسب تقرير المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، يتركز 83 في المئة منهم تقريباً في دول الجوار السوري والمنطقة العربية كلبنان والأردن وتركيا. في ظل محاولات هشّة للنظام لإطلاق دعوات لعودة اللاجئين كان آخرها “مؤتمر عودة اللاجئين” الذي أقيم في دمشق وحظي بدعم روسي ومقاطعة الكثير من الدول كالولايات المتحدة الأميركية وحلفائها، لكن كيف يعود السوريون وآلاف المعتقلين ما زالوا في سجون الأسد ولا ضمانات معيشية أو أمنية للراغبين بالعودة، فالخوف الأول للاجئين هو الاعتبارات الأمنية يليها الوضع الاقتصادي المنهار ودمار البنية التحتية في سوريا. كيف إذاً يعود اللاجئون إلى بلد غير صالحة للعيش؟

محبة حاتم تجمع السوريين

لم يكن خبر وفاة المخرج السوري ليمرّ بين أبناء شعبه كخبر عادي، فالذاكرة الحيّة للسوريين في الداخل والخارج ما زالت تحتفظ بشريط سينمائي طويل زرعه حاتم في حياتهم. وفي حين ظهرت في سنوات الثورة أصوات كثيرة شككت بوجود شخصية يُجمِع عليها السوريون كبديل لنظام الأسد، يقول لنا اليوم رحيل حاتم أن هذا الخيار موجود، وأن السوريين يجمعون على شخص من دون التردد للحظة بحبه وإيمانهم بانتمائه لسوريا، ولن يكون حاتم هذا الجامع الوحيد.

ما حدث خلال التشييع كان خاصاً ولم يختبره السوريون في الداخل منذ زمن، هم المحاصرون بالانهيار الاقتصادي والتضييق الأمني والمحرومون أساسيات الحياة من وقود للتدفئة وخبز وكهرباء وعناية صحية في ظل “كوفيد- 19″، إلى أن حانت لحظة التشييع، وجاءت المفاجأة بمشاركة كثيرين في جنازة حاتم من تلقاء أنفسهم. فقرابة 90 في المئة من المشيعين بحسب بعض الفنانين هم من العامة وليسوا فنانين أو أصدقاء لحاتم، الذي جمل وداعه ربات منازل، موظفين، عمال نظافة، فنانين، شعراء ورسامين… كلهم بكوا لرحيله.

    على وقع أغنية “التغريبة الفلسطينية”.. مشهدٌ وداع مؤثر من تشييع المخرج #حاتم_علي. pic.twitter.com/m6mUecR5Iz

    — معتز أبوريدة_غزة 𓂆 🇵🇸 (@Abuabraa2110198) January 1, 2021

وفي زحمة الحزن تلك، نسي الجميع وباء “كورونا” وما يستوجبه من وقاية، فقليلون حافظوا على الكمامة، فيما سار الجميع في الشوارع بعيون متورمة وبنشيج مسموع في كلّ مكان. تروي لي صديقتي عن رجل عجوز مرّ قربها وهو يردد بصوت عالٍ: “أنا درويش… أنا درويش”، أكان يقول إنه ينتمي إلى أعمال حاتم وأن أحد الأعمال كانت تحكي عنه؟ ما الذي يودّ قوله عجوز يسير في جنازة، مردداً أنا درويش؟ إحدى السيدات أحضرت طفلتيها، كانتا في الثامنة والرابعة تقريباً، جلستا على جانب الرصيف تراقبان الجنازة وأمهما تبكي قربهما، كان المشهد مربكاً واستثنائياً، أن تتعرف طفلتان بهذا العمر إلى شخصية كحاتم، لم تأتيا لمرافقة والدتهما وحسب، بل لأنهما تعرفان حاتم وأعماله جيداً، كان الجميع يردد عبارات وداع أخيرة، فسُمعت بوضوح عبارات: “الله معك يا حاتم”، “يكتر خيرك يا حاتم”. كان التشييع شديد العفوية وصادقاً وإن انتشر بعض عناصر الأمن حول المشيعين لتعيد الجنازة للكثيرين ذكرى التظاهرات التي خرجت ضد النظام، فكان الناس يسيرون هاتفين ومصفقين للأعلى ومغنين، لتكون شارات أعمال الراحل خلفية لحزن السوريين مجدداً.

وعلى رغم محاولة النظام تجاهل رحيل حاتم لعله يمرّ من دون ضجة، غدا تشييعه إثباتاً لقوة الفن وقدرة السوريين على العودة إلى الجمال ليكون جامعاً لهم، تاركين طوابير الخبز والغاز، ملتحقين بتشييع مخرجهم، في مشهد لم يحدث في دمشق منذ زمن، فما الذي يدفع رجلاً لترك دوره في طابور الخبز والالتحاق بتشييع مخرج؟ ما الذي يدفع الفقراء المنهكين للمشاركة في جنازة فنان والمشي خلفه في حارات الشام التي حرص على إظهارها في أعماله بكل صدقها وعفويتها، فهو مخرج يخلق دمشق أينما حلَ ولا يذهب إليها وحسب؟

بقيتْ ذكرى حاتم نقية من دون أن يشوّه النظام تشييعه بشعاراته الوطنية الفارغة، وخسر نقيب الفنانين في سوريا زهير رمضان فرصة التملق بكلمات لاكها الزمن والتزوير.

العودة إلى سوريا بتابوت

حاتم واحدٌ من آلاف السوريين الذين حلموا بالعودة إلى بلدهم وإن في تابوت. لكن هذا الحلم الذي يراود كثيرين يبقى صعب المنال، فأن يحصل السوري على جنازة ومقبرة في بلاده، بات نوعاً من الترف، إذ يدفن كثيرون في بقاع الأرض بعيداً من أحلامهم وعائلاتهم وأماكنهم.

لا يكترث النظام السوري لأشخاصٍ لا ينتمون للسلطة أو لحزب البعث أو لأذيال النظام، مهما كان أثرهم الإنسانيّ والفنيّ كبيراً، كلّ من لم يهتف باسم الأسد هو خارج حسابات السلطة ومؤسساتها، إنه الجواب الوحيد الذي يظهر إذا ما تساءلنا عن سبب تجاهل الإعلام الرسمي ووزاراته ومسؤوليه لموت شخصية مؤثرة محلياً وعربياً كحاتم علي! وهذا ما لمّح إليه بعض الفنانين المشاركين في الجنازة، ليتحدث الممثل السوري عباس النوري عن محاولة “إلغاء” بحسب قوله بحق حاتم، شبيهة بمحاولة إلغاء الشاعر نزار قباني لكنها محاولة إلغاء فاشلة، مردداً: “المحبة ليست سياسة”. من جهة أخرى، شارك فنانون معروفون بتأييدهم النظام السوري كالممثلة سلاف فواخرجي وباسم ياخور في التشييع وهو ما بدا غريباً وغير مألوف.

مثل حاتم حالة عامة ويتحول من موت فردي إلى آخر جماعي، من غربة فردية إلى غربة شعب كامل، تحول نبذ النظام إياه إلى نبذ يطاول كلّ السوريين، الذين لم يغب عنهم ذلك ولهذا كانوا قريبين من حاتم السوري المطرود من بلاده، فرافقوه مهللين ومصفقين، بالزغاريد وبموسيقى شارات أعماله وبالتكبير، حتى بدا المشهد وكأنه مأخوذ من عمل أخير لحاتم الذي أبى حتى في وداعه الأخير إلّا أن يجمع السوريين فترك لكلّ منهم أن يحزن بطريقته. وبذلك مشى السوريون مع “حاتمهم” من مستشفى الشامي في منطقة المالكي إلى أبو رمانة مروراً بساحة الأمويين وشارع مهدي بن بركة إلى مقبرة باب الصغير في حي الشاغور.

حاتم علي، السوري المنبوذ، يعود محملاً على الأكتاف، وعلى رغم المأساة واليأس حضر في جنازته فرحٌ شفيف، فرح العودة والانتماء خارج سلطة النظام ومباركة الحضور الرسمي، فمنذ زمن لم يستطع سوريو الداخل التعبير عن أنفسهم بصدق من دون مباركة النظام ومؤسساته، لكن حاتم منحهم هذه الفرصة، فرصة أن يكونوا سوريين وحسب.

درجة

————————

أن يُجمِع السوريون على حاتم علي/ مالك ونوس

لا يمكن فصل إجماع السوريين بالحزن على المخرج السوري، حاتم علي، عن سياقه العام الذي يلحظ التطورات التي طرأت على مزاج السوريين، معارضين للنظام وموالين. وقياساً إلى الفترة ذاتها من السنة الماضية، يمكن أن نلمس أن ثوابت لدى بعض الموالين قد تغيَّرت، حتى بدا صوتهم توفيقياً أكثرَ، وأقل حدّةً في التعاطي مع قضايا في الشأن العام يرونها خلافيةً. وهو تغيُّرٌ لم يكن ليحدث لو لم ترمِ متاعب الحياة الاقتصادية والاجتماعية بثقلها عليهم، مثل غيمة أفرغت ما في جيوبها من حبات بردٍ كبيرةٍ وخطيرة، دفعةً واحدةً فوق رؤوسهم واختفت، فأتى تعاطفهم مع المخرج وحزنهم عليه وكأنه احتجاج صامت على الواقع الذي أصبحوا عليه.

كانت تصريحات المخرج الراحل، والتي يمكن أن تعكس موقفه من النظام أو الحراك الشعبي سنة 2011 قليلة، غير أنه صُنِّف ضمن الفنانين المعارضين. وجاء خروجه من البلاد بصمتٍ، ومن ثم واقعة فصله من نقابة الفنانين في سورية، لتكون سبباً كافياً لبعضهم لتصنيفه مع الفنانين المعارضين للنظام. وإذ عبَّر في لقاء له مع صحيفة مصرية عن حزنه لما يجري في سورية من قتلٍ ودمارٍ وسفكٍ للدماء في الشوارع، لُوحِظَ انحيازه لثورات الربيع العربي، حين قال إنها سبيل الشعوب للخروج من النفق الضيق الذي تعيش فيه إلى طريق الحريات.

وكان لافتا هذا الإجماع من السوريين على شخصية حاتم علي، والرثاء غير المسبوق الذي حظي به منهم، إلى درجة تدفع المرء للبحث في صفحات الموالين عمن كتب عنه ما يشي بموقفٍ مغايرٍ، كأن يذمّه بسبب موقفه من النظام فلا يجد. وهذه من حالاتٍ قليلةٍ خلال السنوات العشر الأخيرة، يُجمع فيها السوريون على شخصيةٍ، أو قضية من واقعهم. وعلى الرغم من عدم نعي نقابة الفنانين له، واكتفائها بإعلانها عن وفاته، إلا أن ذلك لم يمنع الموالين من مواصلة الحديث عن مناقبه واستعادة أعماله، والغوص في شخصه وفي ثقافته وروحه التي بثها في أعمالها فلاقت أرواحهم. وما من شيء آخر سوى نبله وعمق التزامه بالإنسان، هو ما كان يقف وراء إخراجه عملاً يظهر عذابات الشعب الفلسطيني، ليحتار المرء في ما إذا كانت تلك العين التي وقفت خلف العدسة، وجسَّدت تلك التغريبة الفلسطينية على الشاشة، سورية أم فلسطينية. ما يعرفه السوريون أن أعمال هذا المخرج الدرامية لامست شغاف قلوبهم، وكانت حبهم الذي يرونه على الشاشة، ويرون مواعيدهم الغرامية ولوعتهم وبكاءهم الصامت بسبب ما يثقل القلب من وجدٍ وهوى أليم. وكانت بالنسبة لآخرين تاريخهم الحي وذاكرتهم ووجدانهم، والشخصيات التاريخية التي خرجت من الحكايات والتاريخ الذي شكل جزءاً من ذاكرتهم لتتجسّد أمامهم على الشاشة بكامل هيبتها وألقها.

ليس معلوما إن كان هنالك تغيُّرٌ في موقف السلطة من المعارضين، أو غير الموالين، حتى رأينا التسهيلات التي قدمتها الحكومة السورية لجلب جثمانه وتشييعه بالطريقة الجماهيرية التي ظهرت في شوارع دمشق. لكن ذلك لم يمنع كثيرين في سورية من نعيه وإظهار غضبهم من القهر الذي لازمه كما لازم كل السوريين، فأضني قلبه وغلبه. وكما كانت أجواء التعليقات والرثاء على وسائل التواصل الاجتماعي محملةً بكمٍّ كبير من الوجد، كانت جنازته مشهداً يلفّه القهر الذي أمات السوريين مع غيره من الأسباب التي أماتتهم.

لذلك كله دلالات على أنه، إضافة إلى كل هذا القهر، هنالك كم كبير من الحزن والغضب والاحتجاج على الفقر والذل الذي أصبح عليه السوريون. هؤلاء الذين يعيشون حرباً من نوعٍ آخر، تشهد معاركَ يومية لتأمين الرغيف للاستمرار على قيد الحياة، ليس أكثر. فتجدهم، ومع قارورة غاز الطبخ والتيار الكهربائي ومازوت التدفئة الذي أصبح عزيزاً، وقلة الحيلة التي تمنعهم من تأمين أهم متطلبات العيش، باتوا بحاجة لشيء يخرجون به القهر المتمكّن منهم. ولم يكن ينقص العوامل المسببة لكل هذا القهر إلا الخبر الذي زاد الغضب والألم واليأس، ذلك الذي تناقلته وسائل التواصل الاجتماعي، قبل أيامٍ من وفاة المخرج، عن بيعٍ سيارة بالمزاد العلني في دمشق بمبلغ ثلاثة أرباع المليار ليرة سورية، أي ما يعادل رواتب موظف حكومي درجة أولى 900 سنة.

ربما يكون الموقف الذي أظهره الموالون دلالةً على حاجة لديهم للخلاص من واقعٍ لا يفعل تكريس الاستقطاب فيه إلا زيادة في وعورة الطريق المؤدية إلى حله. ويبدو أن الجميع بات يعرف أن تأمين الحاجات الضرورية لمنع الجوع، أصبح أهم من عنتريات أو تخوينات لا تغنيهم عن جوعٍ ولا تدفئهم. وسيتواصل ظهور هذه الدلالات وبأشكال مختلفة، ليس أقلها دلالة استقبال الناس نعش الفنان لدى خروجه من المسجد بالتصفيق، تصفيقٌ يليق بشهيدٍ، وأهازيج تدعو شامه لاستقباله، علَّ ياسمينها يتفتح حين يحتضن ترابها جسده.

العربي الجديد

—————————

حاتم علي ابن التغريبتين.. رحلة من المخيم إلى الذاكرة العربية/ عبدالناصر القادري

قال الفيلسوف الألماني الشهير فريدريك نيتشه إن “النوابغ يموتون شباباً لأنهم طيبون أكثر مما تستطيع الأرض تحمله”.

وقد صدّق الفنان والمخرج السوري حاتم علي على قول “نيتشه” راحلاً في تغريبته عن 58 عاماً دون أن يتم كل أحلامه وبعض أحلامنا، ممضياً نحو 36 ربيعاً منها في العمل الفني من الكتابة القصصية والمسرحية إلى التمثيل وصولاً للقمة في عالم الإخراج، واضعاً بصمة يبدو أن التاريخ لن ينفك منها.

مبدعون عرب وعالميون رحلوا مبكراً، وقد شغلوا الناس في معظم سنوات عطائهم التي لم تدم طويلاً، كأمل دنقل وأبي القاسم الشابي وبدر شاكر السياب، وقديماً امرؤ القيس وطرفة بن العبد، وحتى عالمياً “إدغار آلان وفان جوخ وفرانز كافكا وألبير كامي وغارسيا لوركا”.

الموت المبكر للمبدعين يحمل في حيثياته الكثير من الأسى، لأن النوابغ – وهم قلة – يعطون أفضل ما عندهم في سنوات قليلة مقارنة بأعمارهم، وهذا ما فعله حاتم علي في أكثر عقدين من العمل المميز والفريد.

ولعل المرثيات ورسائل الوداع الحزينة التي انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي عربياً تحكي لنا مناقب حاتم علي، وتصف استثنائية قلما تتكرر عن سوري غادر بلاده التي يكسوها الاستبداد ليعود ملفوفاً في كفنه.

ابن المخيم

حاتم علي الفتى الذي نزح مع أهله من “الجولان السوري المحتل” إلى حافة مخيم اليرموك جنوب دمشق، لينضم النازح السوري إلى اللاجئ الفلسطيني في ملهاة ومأساة إنسانية مشتركة، زرعت لديه أولى نقاط الإبداع في تجاوز لضيق المكان والزمان، وواقع مليء بالانكسارات والنكسات.

كمعظم الملهمين عاش حاتم طفولة صعبة بمنطقة عشوائية على هامش العالم، رافقها خجل شديد وعزلة بدون أصدقاء أو حياة اجتماعية – كما يحكي عن نفسه – دفعه ذلك لبناء عوالم شديدة الخصوصية في خيالاته، رويداً رويداً تخلص من الخجل، إلا أن عادة بناء الحلم والاستغراق فيه استمرت إلى يومه الأخير.

بدأ حاتم من الصفر تقريباً، في الثامنة عشرة من عمره، منطلقاً بهوايته إلى المسرح مع مجموعة من الحالمين بالمخيمات لصيقاً بالفنان الفلسطيني زيناتي قدسية بأفكار وهموم متشابهة، وفقر مدقع لا يغطي ثمن علب السجائر أحياناً، سائراً بخطىً واثقة نحو بناء إمبراطورية حقيقية في الدراما السورية والعربية، ليكون واحداً من بين من أخرجها من قمقمها، وفرد لها مساحات تتوهج مع التاريخ في محاكاة غنية وساحرة.

انضم إلى المعهد العالي للفنون المسرحية ليحترف ثم بدأت حياته الفنية ممثلاً مع المخرج هيثم حقي في مسلسل دائرة النار عام 1988، ثم توالت مشاركاته في الأعمال الدرامية التي جسد شخصيات مختلفة، تتنوع بين الأدوار التاريخية والبدوية إلى الشخصيات المعاصرة بأنماط متعددة.

توجه إلى الإخراج التلفزيوني في منتصف التسعينات، حيث قدم عدداً كبيراً من الأفلام التلفزيونية الروائية الطويلة وعدداً من المسلسلات مثل “فارس في المدينة”، و”سفر”، و”سلسلة مرايا (98 -99)”، ثم “الفصول الأربعة”، والذي كان بمثابة النقلة النوعية الأولى لحاتم في مسلسل درامي عائلي قيمي بقصة شعبية لا تُمل، ما زالت تُعاد وتنتشر إلى يومنا هذا.

حتى تلك الفترة لم يكن حاتم علي سوى مخرج شاب في وسط فني فرصهُ نادرة، والصعود فيه شاق بظل أدوات وموارد قليلة.

السنوات التالية كشفت أسلوباً مغايراً لحاتم في اختيار فريق كل مسلسل، وخاصة أولئك الوجوه الشابة الجديدة التي عول عليها في بداياته الإخراجية وبداياتهم الفنية، ليجعل منهم نجوم الصف الأول في الدراما السورية والعربية على السواء.

وانفتح المخرج السوري الصاعد على دول المغرب العربي مستعيناً بممثلين من تلك البلاد بحالة جديدة ولافتة، كما صور العديد من المشاهد الأندلسية على أراضيها لاقترابها من طبيعة الأندلس، مغيراً وجه الدراما التاريخية العربية من الاستديوهات المغلقة إلى الفضاء المفتوح.

مُحاكاة التاريخ

ومن فصول أربعة متقلبة وغنية؛ فيها اختلاف واجتماع، حب وافتراق، حياة دافئة وأخرى باردة، مجتمع يسرد يومياته وهمومه، إلى صحراء بعيدة؛ إذ الطبول تقرع والأسياف تصول، حمل حاتم كاميرته في “الزير سالم” بنص بديع للكاتب السوري ممدوح عدوان، ليعيد ثقة المشاهد العربي بالمسلسلات التاريخية بعد نفوره.

وبعد أن أثبت حضوره في إنجاز أول عمل تاريخي، عقد شراكته الطويلة مع الكاتب الفلسطيني البارز وليد سيف، الذي يكتب التاريخ كقصيدة طويلة تعيشها لحظة بلحظة، ويخلق شخصيات تعيش معنا في حواراتنا اليومية، نفذها حاتم علي برؤيته الخاصة، وأعاد محاكاة التاريخ بلحم ودم، ليوقع أولى المسلسلات في “صلاح الدين الأيوبي”، كقصة ملحمية لشخصية عظيمة قدمت كثيراً إلا أنها خُلدت فنياً بأسلوبه.

أما ثلاثية الأندلس التي انطلقت مع “صقر قريش” حيث سقوط الدولة الأموية في المشرق وقيامها في المغرب على يد عبد الرحمن الداخل، ثم “ربيع قرطبة” عصر الصعود الذهبي وارتقاء الملك المنصور محمد بن أبي عامر لسدة النسر، ليختم السلسلة بـ “ملوك الطوائف” حيث تفترق الأندلس بعد قوة ومجد، ليذكرنا على طول المسلسل بأن “الطغاة كانوا دائماً شرط الغزاة”، فيما لم يكتب لمسلسل “سقوط غرناطة” أن ينفذ.

ويعتقد حاتم أن “كثيراً من مشكلاتنا المعاصرة تتطلب مناقشتها أحياناً العودة إلى أصل الحكاية، العلاقة الملتبسة مـثلاً بين الحاكم والمحكوم، شكل الدولة العربية، أسئلة النهضة المجهضة، كلها تضرب عميقاً في التاريخ، سواءً ذلك التاريخ المخفي والمستور، أو التاريخ المسطر الذي جرى تكريسه بشكله الحالي لخدمة أهداف سياسية وإيديولوجية، ودينية وطائفية، اعتقد أنه جرت محاولة لإعادة اكتـشاف هذا التاريخ”.

وهذا ما نجحت فيه ثنائية النص لدى وليد سيف والصورة لدى حاتم علي، في إشارات واضحة من “سؤال الدولة والعقد الاجتماعي” (غياب الشورى أو الديمقراطية على حساب الملك الوراثي الأوليغارشي) إلى سيادة التغلب (الانقلاب العسكري) على حساب الحكم الرشيد (الضائع بين خاصة وعامة، نخبة وشعب)، باستناد لحقائق لا تخلو من دراما جاذبة ومشوقة.

ورغم أن المسلسل التاريخي ليس هو التاريخ وفق “علي”، بل هي “وجهة نظر خاصة تستمد قوتها من تماسكها الفكري والفني” لدى الكاتب والمخرج، لذلك كان هناك دخول هذه الأعمال بمثابة حقل ألغام “مع وجود جمهور عريض وغير متجانس يعتبر التاريخ المكتوب هو الحقيقة المطلقة”.

ولم تقف ثنائية “سيف وعلي” عند التاريخ بالعودة إلى مئات السنين، بل توجها إلى القضية الفلسطينية في ظل ثورتها الكبرى بثلاثينيات القرن الماضي، وحتى ما بعد النكسة في الستينيات، حيث توقفت الرواية هناك لأسباب سياسية فرضها الواقع والأنظمة العربية التي تمول إنتاج هذه الأعمال.

يحكي حاتم عن التغريبة الفلسطينية – لم يكن يعلم أن التاريخ سيعيدها في سوريا بزمن أكثر اتساعاً وحداثة وتنقله الكاميرات مباشرة دون حاجة لاستذكارها عبر مسلسلات وأفلام – قائلاً: “كنت أشعر أنني أصنع مسلسلاً عني أنا، لأنه كان هناك تقاطعات كبيرة بين هؤلاء الناس، وبيني كشخص”.

ولعله المسلسل الأكثر شهرة في تاريخ حاتم علي لما يحتويه من قضية معاصرة، ما زالت فصولها مستمرة إلى اليوم، وبدأت تُستعاد مشاهداتها مع عذابات الربيع العربي الذي حملت ملايين السوريين خارج بيوتهم قسراً، حيث كانوا ينتظرون اليوم الذي سيظهر فيه للنور مسلسل يخرجه حاتم علي عن “التغريبة السورية” يوثق فيه مرارة مواطنيه الباحثين عن الحرية.

ويعتقد حاتم علي أن “الرغبة لدى المشاهد بأن يستعيد هذه التجربة مرة ثانية وثالثة، ربما تفصح عن رغبة بمشاهدة (عذاباته)، والتماهي معها والرجوع نحو معايشتها مرة أخرى”.

حمل “التغريبة الفلسطينية” الساحر الكثير من المشاعر والأحزان وصور المجتمع الريفي الفلاح والمتمدن، وصراع الطبقات الإقطاعية والبرجوازية مع قاطفي الزيتون والمعتاشين، أحلام الثورة وبناء الدولة الوطنية التي انتهت إلى “يهودية” بعد تهجير مئات آلاف الفلسطينيين من قراهم وبلداتهم تحت سطوة السلاح، لتبدأ حياة المخيمات وعذاباتها اليومية مع عزلها القائم على أمراض مجتمعية زادتها المحنة، واستطاع الممثلون أن يعيشوا الحالة الفلسطينية بدرجة متفوقة من الإتقان للهجة والأداء وصدق المشاعر، لا سيما أن حاتم علي لم يكن مخرجاً للعمل فقط بل أدى دور “رشدي” ليختتم المسلسل بالتأكيد على “رمزية المقاومة بالسلاح”.

لا يمكن المرور بثنائية “سيف وعلي” دون الحديث عن آخر أعمالهما مسلسل “عمر” أبرز الصحابة والخليفة الراشد الثاني عمر بن الخطاب وتجسيده عياناً، صوتاً وصورة، في خطوة نادرة عربياً، وفاتحة لعاصفة من الجدل لم تنته قبل وأثناء وبعد عرض مسلسل نال شهرة عالمية وتُرجم للعديد من اللغات.

استطاع المسلسل أن يعيد سرد السيرة النبوية بلغة عربية أدبية عالية، ساحرة وبديعة، شيءٌ بين القصيدة الشعرية والنثر الأدبي الرفيع، كما اعتاد وليد سيف أن يكتب، وأثبتت إدارة حاتم علي للعمل تطوراً ملحوظاً على جميع الأصعدة، من الديكور إلى اختيار كادر التمثيل، وحركة الكاميرا في كل المشاهد لاسيما المعارك وصولاً للموسيقا التصويرية، ليقدم مع فريقه لوحة فنية نالت إعجاباً منقطع النظير.

كل ذلك دفع حاتم علي ليكون مخرجاً درجة أولى في العالم العربي، وأتاح له التنقل لإخراج مسلسلات غير سورية، مثل “الملك فاروق” في مصر بجدله السياسي والاجتماعي بتاريخ مصر الحديث، و”الصراع على الرمال” في الإمارات مستمراً بنجميته التي تخطت دائرة العادي، وبدون تكرار، حاصداً لعشرات الجوائز عن كل عملٍ يمضي توقيعه عليه.

سوريا.. و”سؤال الثورة”؟

لم تكن مسلسلات حاتم علي على طول العقد الأول من الألفية الثانية تحمل منحى سياسياً معاصراً مباشراً أو غير مباشر في ظل سلطوية النظام السوري الذي أعطى مساحة محدودة لمنتقدي الفساد وبمستويات معينة، حيث فضل “علي” أن يكون خارجها، مواظباً على تقديم قناعاته بقضايا المجتمع السوري وجمالياته وأمراضه بقالب وثيمة خاصة تخلو من السياسة إلى حد كبير.

وهو ما ظهر في مسلسلات “الفصول الأربعة 1 و2″ و”أحلام كبيرة” و”عصي الدمع” و”على طول الأيام”.

ولعل “أحلام كبيرة” للكاتبة الفلسطينية السورية أمل حنا، الذي أثر بنسبة كبيرة من مشاهديه خاصة بفئة الشباب الذين يضعون أحلامهم ولا يعرفون إلى أين تنتهي بهم الأيام، نسخة من الحلم الإنساني، أحلام لم تكن كبيرة جداً لتزيل الواقع من الطريق، وتنتصر بالنهاية الشخصية الشريرة الواقعية على الشخصية الحالمة الخلوقة المتزنة، مؤكدة أن “كل شيء ضاق.. ضاق حتى ضاع”.

بعد سنوات فقط من إنتاج تلك المسلسلات، تشتعل ثورات الربيع العربي، وتنتقل رياح التغيير إلى الشارع السوري ويبدأ شبابه بالانتفاض شيئاً فشيئاً نحو “أحلام كبيرة” و”فصول أربعة” تنهي “طول الأيام” المتعثرة التي يعيشها باحثون عن ربيع لدمشق يشبه لحد ما “ربيع قرطبة”.

شارك حاتم علي بمظاهرة الشموع أمام السفارة الليبية في العاصمة دمشق عام 2011 والتي ضمت العديد من المثقفين والفنانيين السوريين، لكن بعد انتشار الثورة السورية طولاً وعرضاً التزم حاتم الصمت بعيداً عن وسائل إعلام النظام مغادراً البلاد دون رجعة.

وفي واحدة من تصريحاته النادرة قال حاتم لصحيفة الوفد المصرية عام 2013، “سوريا ليست بخير، ويعيش شعبها مأساة حقيقية ورائحة الدم تفوح في الشوارع، مبيناً أن “الثورات لم تكتمل بعد، وتحتاج إلى دراسة لتنفيذ أهدافها التي تُخرِج الشعوب من النفق الضيق الذي يعيشون فيه إلى طريق الحريات..”.

وبعدها قدم للسوريين مسلسل “قلم حمرة” عام 2014 صُور في لبنان، مناقشاً قضية الثورة السورية والاعتقال المرير بقالب سياسي بارز، ثم مسلسل آخر باسم “العراب” (2015 – 2016) كذلك صور خارج سوريا، يتحدث فيه عن صراع الحرس القديم والجديد في النظام السوري بعد استلام بشار الأسد للحكم، وكيف كان يدور الفساد بين رؤوس الدولة، لينهي أعماله السورية عام 2017 بالعمل الفنتازي “أوركيديا”.

استمرت صيرورة الثورة السورية، ودوامة النظام في العنف، وباتت سوريا ساحة للصراع الدولي، وقررت نقابة الفنانين التابعة للنظام أن تشطب اسم حاتم علي مع العشرات من الفنانين الذين اتخذوا موقفاً مناهضاً للنظام أو التزموا الصمت ولم يكونوا في صفه، في تلك الأثناء كان أبرز المخرجين السوريين يصل إلى كندا لطلب اللجوء فيها.

إذاً يحسب لحاتم علي محاولاته أن يكون رقماً صعباً في التاريخ الفني العربي (وكان)، وعبقرياً في محاكاته للنص بصور لا تقل روعة عن المكتوب على الورق، وباحثاً عن القيمة في معظم أعماله الدرامية، ومنطلقاً من شغفه وأفكاره على حساب المنتج وصانع القرار، ومستمراً بأحلامه إلى اللحظة الأخيرة، تنعاه الشعوب العربية كواحد من أبرز أعلامها، لم يُسجل موقفاً سياسياً مسانداً لطاغية أو ظالم، مستحقاً كل ذلك الضجيج الذي رافق رحيله، وكل تلك الرسائل الحزينة التي تقول له:

“نامي إذا يا روح…نامي اﻵن

هي آخر الأحلام نطلقها على عجل ونمضي..

هي آخر الأيام نطويها

ونرحل في سلام

نامي اﻵن ياروحي….فقد نفد الكلام”.

——————

المرموز والدّال والإحالات والمجازات/ هاني نديم

لقد كان تشييع حاتم علي اليوم في دمشق الحزينة اليوم مجازاً هائلاً ومشهداً طويلاً ممسرحاً دون اتفاق ولا مخرج ولا ممثلين!

أرسل لي الأحبة من دمشق اليوم عشرات المقاطع لجنازة حاتم علي، كل واحد من صحبي تناول التشييع من عين فكره وثقافته تماماً. ما رأيته اليوم لم يكن جنازةً أبداً، إنه طوفان من الحزن والغضب والفخر والقهر والفقر وعزة النفس والامتنان والتظاهر الشعبي على الموت العبثي كما جرى مع الشباب الـ28 الذين قتلتهم داعش وهم في طريقهم لأحضان أمهاتهم، على الموت في الغربات والمنافي لمثقفين ورموز كبار. على الموت في الطرقات.. على الموت الذي أصاب الأحياء أكثر ممن دفنوا.. لقد كانت جنازة أموات يشيعون ميت!

كان التشيع أيضاً خروجاً عن/ وعلى طوابير الغاز والخبز والاحتياجات المذلّة نحو الامتنان والجمال القديم المتأصل، الخروج إلى ما علق بثيابنا من رائحة الشام القديمة التي جسّدها حاتم علي بكل مهارة وحنّية ومهارة ورهافة.

إنه قلع عين المتنفذين والمسؤولين في نقابة الفنانين وصراخ في وجه الفاسدين الذي يشترون سياراتهم بمليار ليرة سوري في هذا الوقت المليء بالحزن، داعسين على المجنّد الإجباري الذي همّه، كل همّه أن لايموت من أجل أمه وأبيه ومن أجل أن يرسل لهما ولعائلته وريقات على قلّتها تقول: أنا معكم وأعاونكم..

كانت الجنازة اليوم عراضةً شاميةً تستجدي الشام وأفراحها، وتستنهض النخوة وتستفز الأخلاق بأن تعود بين الناس والتجّار والشوارع والأزقة..

البعض اليوم قال شعراً.. والآخر قال عتابا، شيّعته نصوص نثر، شعر عمودي، اختناقات وشارات مسلسلات، حتى من سار بصمته أشار إلى صراخ طويلٍ طويل..

وبعيداً عن شخصية حاتم علي التي قد تكون نزقة ومتوجسة، وبها ما بها من النقص البشري الذي يلفّنا جميعاً، القدسيّة كانت اليوم لـ“تمثيل” الوجه الأمثل للبلاد، بلاد سوريا العبقرية، المنتجة، الشغّيلة، العريقة، المثقفة، الشاعرية، الحنونة، الممتنة، التي ترفع سيف الأغاني والأشعار… وكأن كل هذه المقاطع التي رأيتها تحت عنوان:

“هؤلاء نحن وما خلا ذلك باطل“.

—————————-

اغتيال حاتم علي، نصف الحقيقة أسوأ من الكذب/ هيفاء بيطار

كتب لي أحد الأصدقاء _ طبيب فلسطيني ولد في دمشق ودرس في مدارسها إختص في جامعاتها وهو خلوق جداً وإنساني وله أخ استشهد في فلسطين _ رسالة حول وفاة حاتم علي وطلب مني أن أعممها على كل الأصدقاء، سأحاول أن أختصرها لكنه يقول: لماذا اغتيال حاتم علي بهذا التوقيت بالذات؟ وبانه واثق أن الموساد الأسرائيلي اغتاله كما اغتال العالم النووي الإيراني (فخري زادة) وبنفس الطريقة اغتال الطالب اللبناني المتفوق (ناصر أبو أيوب) في كندا قبل يومين من اغتيال حاتم علي، وبنفس الطريقة اغتال الموساد الإسرائيلي القيادي في حركة حماس (محمود المبحوح) في فندق روتانا في دبي عام 2010. وقد تعمد الموساد الإسرائيلي اغتيال حاتم علي لأنهم على ثقة أنه يحضر لعمل درامي كبير يفوق مسلسل (صلاح الدين الأيوبي والتغرببة الفلسطينية) وأعماله تترك أثراً كبيراً في الناس وتحرك لديهم مشاعر الوطنية والقومية.

إن حاتم علي حالة نادرة من تلك الحالات التي تُصنف لدى الكيان الصهيوني بالخطرة والمعاكسة لمشاريعهم التدميرية الهادفة لإبقاء الأمة العربية والإسلامية في ذيل قوائم دول العالم، ويعتمد الموساد الإسرائيلي على الإرهاب الداعشي، الذي صنعوه لنفس الأهداف. وكما قتلوا المخرج السوري العالمي (مصطفى العقاد) في عمان، نجح الموساد الأسرائيلي في اغتيال المخرج السوري العظيم حاتم علي بطريقة تبدو وكأنه مات بسكته قلبية. وقتلوا شخصيات كثيرة علمية ونضالية مثل غسان كنفاني وناجي العلي والعالم فادي البطش ومئات العلماء العراقيين والمصريين الخ؟ ولا بد من ذكر الطالب المتفوق المبدع السعودي خالد الدوسري المسجون حتى الآن في الولايات المتحدة الإرهابية (حسب كلام الكاتب). الموساد والولايات المتحدة تلجآن لتفتيت دول مهمة مثل سوريا والعراق وليبيا بمساعدة دول الخليج التي تسير خلف العم سام بصمت مطبق.

سأكتفي بهذا القدر من رسالة الصديق الذي أحترمه لنبله وإنسانيته لكن (ولا بد من لكن) ثمة بعض النقاط الجوهرية يجب الإشارة إليها:

أولاً: عجبي أنك لم تذكر شيئاً عن مغادرة المخرج العبقري حاتم علي الشام التي يعشقها! ولم تُلمح أي تلميح عن طرده من نقابة الفنانين في سوريا! وكأن هذا الأمر تافه ولا يستحق الذكر. وبالمناسبة تم طرد حوالي مئتي فنان بين ممثل ومخرج من نقابة الفنانين في سوريا. ولم يشارك أي من مسؤولي النقابة في الجنازة المهيبة لحاتم علي.

ثانياً: أتفق معك تماماً أن الموساد الأسرائيلي قام بالعديد من الاغتيالات وهو يعترف بمعظمها، لكن أظن أن هناك دولاً كثيرة نعرفها لم تُقصر في اغتيال أهم الشخصيات الوطنية والثقافية والنضالية مثل كمال جنبلاط وسمير القصير ومحاولة اغتيال مي شدياق ومروان حمادة الخ. وبأن الولايات المتحدة الأميريكية تهيمن على العالم وتهمها مصالحها وقضت على الهنود الحمر وعانى الزنوج (ولا يزالون) من التمييز العنصري فيها، وهي أكبر داعم للعدو الصهيوني الذي اغتصب فلسطين، لكن ليست وحدها داعشية. ثمة دول عربية كثيرة فرخت الدواعش ودعمتهم بالمال الوفير والسلاح وكلنا نعرفها. وإذا كان الموساد الإسرائيلي يمتلك كل الإمكانيات لإرتكاب جرائم دون دليل فإن دولاً كثيرة تدعي المقاومة والممانعة ارتكبت جرائم بدليل وبدون دليل دون أن تبالي.

أتفق معك مئة بالمئة حول إجرام الموساد والسياسة الخارجية خاصة لأميركا (التي تسميها الولايات المتحدة الداعشية) لكن هل تتحمل وحدها الدمار الذي حل في سوريا واليمن وليبيا والعراق وغيرها من الدول العربية والإفريقية؟ هل كان سكان تلك الدول يشعرون بحريتهم وكرامتهم؟ ألم يمت مئات الألوف في السجون بسبب جريمة الرأي حتى أن أدب السجون في العالم العربي صار نوعاً أدبياً مميزاً وحين تقرأ رواية “القوقعة” لمصطفى خليفة أو “ماذا وراء هذه الجدران” للدكتور راتب شعبو أو “شرق المتوسط” ورواية “الآن هنا” لعبد الرحمن منيف وسته عشرة عاماً في السجون السورية لياسين الحاج صالح وغيرها، لا تصدق أن كل تلك الوحشية يقدر عليها بشري. وأعجب كيف استطاع هؤلاء السجناء تحمل السجن مع التعذيب المروع بكل أدوات التعذيب لسنوات قد تصل إلى عشرين سنه.

هل الحكام العرب أبرياء من ترويع شعوبهم وإذلالهم وإفقارهم وجعلهم مساكن للخوف والذعر أم أن الموساد هو المسؤول عن كل شيء حتى عن شروق الشمس ومغيبها ربما؟ وعمليات الخطف التي قام بها زعران ومتنفذين خارجين عن القانون في عدة مدن سورية وكانوا يطلبون الملايين من أهالي المخطوفين ويدفع الأهالي وهم يلزمون الصمت ولا يجرؤ أحد أن يشتكيهم لأي جهة حكومية، ولا يُعاقب الخاطفون. هل الموساد مسؤول عنها؟ هل إنقطاع الكهرباء شبه الدائم وإنقطاع الدواء والغلاء الفاحش للأسعار في سوريا ولبنان ومصر واليمن، مسؤول عنها الموساد؟ وإذا كان الموساد حقاً مسؤول عن كل شاردة وواردة فما دور الحكومات العربية إذاّ؟ أليس من واجب الحكومات تأمين عيش آمن وكريم لمواطنيها؟ وإذا كان السوري تتقصف فرائصه رعباً إذا انتقد فساداً ما، إذ يمكن ببساطة أن يكتب فيه تقرير ويُجرجر إلى أحد فروع الأمن ويمنع من السفر أو يُتهم بالإرهاب. أي ذعر يعيشه السوري مثلاً حين أسأل صديقة ما رأيك بمقال ما ينتقد النظام فترتجف خوفاً وتقول: رأيي لا يُعول عليه! فألح وأقول: ضروري يكون لديك رأي فأنت جامعية ومثقفة وأحب أن أعرف رأيك. فتقطع المكالمة.

أي عار أن يكون تعليق أحدهم على الجنازة المهيبة للعظيم حاتم علي _الذي عشق دمشق واضطر أن يهجرها_ كالتالي : عجبي لم أجد أحداً في الجنازة يضع كمامة ونحن في زمن كورونا حتى المثقفين والفنانين لم يضعوا كمامة! أيه إهانة وجبن هكذا تعليق أمام جنازة وحدت السوريين جميعاً. جنازة العظيم حاتم علي التي لعلع فيها التصفيق والغناء والبكاء، هل نسي البعض منظر الرجال السوريين وهم في القفص بانتظار رغيف الخبز أو طوابير جرة الغاز ، أو المدارس ذات الصفوف المعتمة تماماً بسبب إنقطاع الكهرباء و لماذا طرد من جامعة تشرين أشطر طبيب في مادة التشريح الدكتور منير شحود؟ وقطع الأرزاق مثل قطع الأعناق. لماذا غادر ممثل مثقف ومبدع مثل جمال سليمان سوريا، وغيره الكثيرون؟ هل الموساد سبب نزوحهم؟ ما دور هذه الحكومات إذا لم تؤمن عيشاً كريماً وحرية لأبنائها؟ كم آلمني أن أقرأ ما كتبه ملايين السوريين الذين اضطروا للنزوح خارج وطنهم الحبيب سوريا: سنموت خارج سوريا الحبيبة مثل حاتم علي! لماذا لا تدعوهم الحكومة بكل محبة أن يعودوا لأنقاض بيوتهم لأنه لم يعد لديهم سوى حلم وحيد أن يُدفنوا في وطنهم؟ أي عار أن يصير الوطن مقبرة.

الطبيب الفلسطيني السوري الذي عاش كل عمره في سوريا ألا يرى أطفال سوريا جياعاً وينامون على الأرصفة ويتسولون؟ ألا يرى رجالاً ونساء وأطفالاً يقفون يوماً كاملاً للحصول على خبز لا يؤكل؟ كل ما يراه ويشغله أن الموساد ينفذ اغتيالات دون أن يترك دليلاً؟ ترى هل الموساد أيضاً من ذبح المطربة الجميلة سوزان تميم في فندق في دبي وفصل رأسها عن جسدها أم أن طلعت مصطفى الملياردير المصري شريك جمال مبارك هو من خطط لهذه الجريمة؟ كل العار ألا نقول الحقيقة كاملة. لأن نصف الحقيقة أسوأ من الكذب.

أحييك صديقي أنك تعرف إجرام الموساد الإسرائيلي وكلنا نعرفه، ونعرف أطماع أميركا لكن ليست وحدها الطماعة. الكثير من الدول الصديقة لديها أطماعها أيضاً. كم من الدول العربية تستحق بجدارة أن تلحق كلمة الدواعش بإسمها؟ الحق يحررنا. العبودية عار وذل. وستجر إلى مزيد من التوحش والظلم. الرحمة لروحك العظيم حاتم علي. تحتضنك الآن أرض سوريا المُشبعة بدماء أبنائها.

المقال خاص بموقع نواة

———————————

 

 

 

 

====================

تحديث 06 كانون الثاني 2021

————————

سجال بين حاتم علي والياس الرحباني/ حازم الأمين

كتب الصديق مازن عزي على صفحته على “فايسبوك”: “حاتم علي كان مخرج جيد، عمل مجموعة مسلسلات نظيفة بالمعنى الاخراجي. تمام؟ بس حاتم كان جزء اساسي من صناعة الدراما السورية، اللي كانت بدورها وسيلة عند الطبقة الحاكمة لانتاج هيمنة ثقافية لإقناع المجموعات المهمشة subaltern بالانسجام مع قيم السلطة”.

والحال أن ما كتبه مازن يستدرج أيضاً تفكيراً بأحوالنا نحن الذين تفصلهم مسافات مشابهة عن المأساة السورية، ذاك أن ما يمكن أن نسميه “هيمنة ثقافية” قد ينسحب على كثيرين منا نحن المشتغلين في الكتابة والصحافة وضروب الفنون المختلفة، ناهيك بأن الهيمنة التي أشار إليها مازن، شملت أيضاً مختلف أوجه النشاط الأخرى من اقتصادي واجتماعي ومالي وزراعي وصناعي، فنصير والحال هذه أمام حقيقة أن رجل أعمال معارضاً من نوع رياض سيف مثلاً، كان يعمل أيضاً ضمن منظومة الهيمنة الاقتصادية والمالية للسلطة في سوريا، وهو إذ كان معارضاً علنياً لها، إلا أنه عزز هيمنتها عبر انخراطه في أعماله التي يُفترض أنها كانت جزءاً من دورة النظام الاقتصادية.

ما كتبه مازن دفعني للذهاب خطوة أبعد بفكرته، فأنا نفسي كنت محرراً لصفحة سياسية في صحيفة عربية لا تمت بخصومة للنظام في سوريا (الحياة)، وخلال عملي مع كتاب وصحافيين معارضين كان شرط الصحيفة أن يلتزم هؤلاء بالخط التحريري للصحيفة. مارست رقابة على مقالاتهم لم أمارسها على نفسي بالقدر نفسه، فكوني لبنانياً أعفاني من الشروط المشددة على الكتاب السوريين. وبهذا المعنى ساهمت بالهيمنة الثقافية التي ذكرها مازن.

سأنطلق بالنقاش من سؤال أوجهه لنفسي أولاً، ولمازن ثانياً، لكن أيضاً لأصدقاء مارست رقابة على مقالاتهم. هل كان علي ألا ألتزم بالقرار التحريري للصحيفة، وبالتالي أن أقطع علاقتي المهنية بهؤلاء، طالما أن الخيار الثالث وهو فرض أعمالهم على الصحيفة، لم يكن متاحاً؟

وجدتني أمام هذا السؤال عندما قرأت تعليق مازن. هل كان على حاتم علي ألا يكون مخرجاً، وأن ينسحب من دورة الإنتاج الدرامي في سوريا؟ قد يكون الجواب أن مخرجين مثل الراحل عمر أميرالي وأسامة محمد بقيا مخرجين ولم يعملا ضمن منظومة الهيمنة الثقافية للنظام، وهذا صحيح أيضاً، لكننا في حالة أميرالي ومحمد كنا أيضاً أمام السينما وأمام استعصاء السينما. فالتفاصيل التي يوردها أسامة عن دورانه حول نفسه وحول مؤسسة السينما في سوريا لكي تجيز فيلمه “نجوم النهار” تضعنا أمام استحالة السينما، وجرت وقائع مشابهة مع أميرالي أثناء تصويره فيلم “طوفان في بلاد البعث”، فقد راوغا مؤسسة السينما، وهذا فعل لن ينجحا بتكراره إذا ما أرادا إنتاج فيلم جديد.

لكن النقاش يجب أن يذهب أبعد أثناء تفكيرنا بسوريا وبثورتها، فالسوريون عندما خرجوا إلى الشوارع عام 2011، إنما فعلوا ذلك في وجه السلطة، ولكن أيضاً في وجه أنفسهم، هم الذين كانوا جزءاً من منظومة الهيمنة مثلما كانوا ضحاياها. في لبنان أيضاً كنا عندما نتظاهر ضد النظام السوري عام 2005، كنا نتظاهر ضد أنفسنا إذ كنا جزءاً من نظام الهيمنة على أنفسنا. هذه حقيقة ليست بدهية، ذاك أننا من غير المفترض أن نكون مدركين لفكرة أننا جزء من ماكينة الهيمنة، تماماً مثلما أنني لم أكن مدركاً لواقعة رقابتي على مقالات السوريين، وكنت أعتقد أنني أراوغ هذه الهيمنة عبر تمرير مقالات لمعارضين.

الثورة السورية فرضت وضوحاً وفرزاً يقترح كثيرون، ومن بينهم مازن سحبه على مرحلة ما قبل الثورة. وطبعاً من المفيد والضروري إجراء مراجعة لعلاقتنا مع الهيمنة الثقافية والسياسية لهذه السلطة، ولكن في سياق السعي لفهمنا لأنفسنا ولتجربتنا، لا في سياق سجالي لا جدوى فعلية من الانخراط به. فرجل مثل حاتم علي انقطع عن الخضوع لهذه الهيمنة، من خلال أعماله على الأقل، تمثل نقلته محطة للتأمل بهذه القطيعة أكثر مما تستدعي العودة إلى ما قبلها. علماً أن الرجل ولد ونشأ وتعلم وعمل في سوريا التي يهيمن البعث على كل شيء فيها، ومن القسوة مطالبته بالانفصال عما تمثله هذه الحقيقة من أقدار ووقائع ثقيلة، فهو لم يسقط على هذه المنظومة من قدر آخر على نحو ما فعل فنانون لبنانيون مثلاً عندما حلوا ضيوفاً على نظام البعث وكتبوا أناشيده. وللمصادفة يجري نقاش لبناني موازٍ حول رحيل الفنان الياس الرحباني الذي لحن للبعث نشيده، لكن البعث لم يكن قدر الرحباني مثلما كان قدر حاتم علي، لكنه كان خياره، وهنا فارق كبير.

واقعة الرحيل المأساوي للمخرج السوري في بلاد الشتات وعودة جثمانه إلى سوريا تحرض فعلاً على تفكير بمشهد العودة وبضرورة بلورة مفهوم لـ”حق العودة”. وهنا يحضر سؤال عن عودة حاتم علي إلى سوريا، فهو وان لم يكن له يد فيها، انما هي عودة مأساوية تحققت ضمن قبول ما بـ”هيمنة” أقسى وأعنف من هيمنة القيم الثقافية التي عمل الرجل في ظلها في مرحلة ما قبل الثورة. في سوريا واقع رهيب يتمثل بهزيمة سحقتنا جميعنا، فكيف نلملم شتاتنا في أعقابها. النظام لم ينتصر، ذاك أنه يترنح كل يوم بين أيدي أسياده الكثر، لكن هذا لا يخفف من وقع الهزيمة التي أصابتنا، والتي يجب أن نباشر في أعقابها بنقاش أنفسنا. بعضنا قرر أن يبتعد خطوة، ويباشر من هناك تأملاً بالمأساة السورية بوصفها جزءاً من مأساة إنسانية تتعدى سوريا، وفي هذا حكمة وعقل، أما نحن غير القادرين على الابتعاد مسافة منها لأسباب كثيرة بعضها عملي وبعضها شخصي وبعضها ثقافي، فمعنيون بالتفكير والعمل على “حق العودة” في ظل الهزيمة.

درج

——————————

زمن حاتم علي/ فوّاز حداد

يرحل حاتم علي مبكراً جداً. إذا كان هناك أوانٌ مرصود لكلٍّ حسب عمله، فقد غادرنا قبل هذا الأوان بكثير، لم يُنهه بعد، لديه الكثير ليقوله، هذا الرجل ما زال رأسه يمتلئ بالمشاريع، ترك عالمنا إلى عالم أرحب، سيكون أرحم من رؤية بلده طوال عشرة أعوام، يحترق ويُدّمر ويُنهب ويتحوّل إلى ركام.

يخلّف حاتم وراءه مثالاً استثنائياً، وجودُه صادف زمناً متقاعِساً، لم يجارِه، كان يسير على إيقاع زمن آخر، لا يشبه الزمن الدكتاتوري، كان على تضادّ معه، لا جامعَ بينهما. في المنفى، كان أملَ سورية في استعادة ثقافة بديلة، ناقدة وجادة.

لن نحار ونتساءل أين يقف حاتم، هل هو ضد النظام، أم معه؟ هل كان رمادياً؟ هذا اللون السياسي، ابتدعه السوريون تحت وطأة انقساماتهم، وتردُّدِ مواقفهم. لم يكن حاتم ضدّ بلده ليقف مع النظام، كان مع سورية حرّة موحّدة، لم يمتدح النظام، أو يمالئه، لم يبرّر له، أو يتخفّ وراء تكهّنات ومسمّيات. كان في عدم انحيازه له، انحيازٌ لشعبه.    

رحيله المفاجئ كان مأساوياً، فقد اختطف. يبدو أن علينا تحمّل المصائب بأنواعها، هذه المصيبة تضجّ بالدراما، ليست ملوّنة، دراما بالأسود والأبيض. فقدناه في عزّ حاجتنا إليه، كنا نعوّل عليه في الإسهام باستعادة ثورة كانت الأجمل والأعظم. لكنّ تجربته تُعلِّم، أنه مهما كانت مصائب السوريين بوسعهم النهوض وفعل الكثير في وطنهم ومهاجرهم ومنافيهم، ما دامت أنظارهم معلّقة على سورية؛ هذا درس حاتم علي.

حياته القصيرة، اتّسعت للكثير، ومثلما انتهت مبكّراً، بدأها مبكّراً، بكتابة القصة القصيرة، أصدر مجموعتين: “ما حدث وما لم يحدث”، و”موت مدرّس التاريخ العجوز”. ذهب بعدها إلى فضاءات محاذية، فكان ممثّلاً وكاتب سيناريو ومخرجاً درامياً ومسرحياً وسينمائياً ومنتجاً… ليس بهذا الترتيب، كان يتنقل بينها، كانت كلّها على علاقة بالفنّ، عالمِه الأوسع، كما يفهمه، لا ينفصل فيه العمل السينمائي والتلفزيوني عن الأدب والموسيقا والفن التشكيلي، صِلاته بها كانت وثيقة، جمع بينها في تلافيف أعماله الدرامية. كان فناناً من قمة رأسه إلى أطراف أصابعه. هذا الإنتاج الغزير لم يأت من فراغ، حقّق من خلاله عالماً ثرياً، كان مشغولاً بحِرفية، من فرط عنايته بالتفاصيل.

أكتب عن حاتم متأخراً، لا الوقت ولا الظروف سمحت لي لأقول له، لقد نجحتَ وفعلت شيئاً جيداً، نحن مدينون لك. كادت أن تكون بيننا علاقة عمل أخفقت مرتين، ففي بداية رحلته ككاتب، رغب في كتابة سيناريو تلفزيوني لرواية “موزاييك”، ثم بعد سنين طويلة في إحدى ذروات تألقه كمخرج، تجددت الفكرة، لكن في إخراجه سينمائياً. كلاهما لم يتحققا. كان بودّي وربّما كان بودّه. لا آسف عليهما، آسف على أنني لم أتعرف إليه عن قرب، وإن لم أغفل عن التعرف إليه عن بعد، إنسان متواضع، بلا ادّعاء ولا دعاية، ولا أكاذيب، ولا تبجّح، ولا بهرجة، بوسعي قول الكثير عنه، ولا أعدمه حقه. كرمى لإخلاصه لعمله، وما قدمه من جهد، وما نزفه من عرق. كانت وفاته صدمةً للملايين، تعيدنا إلى تراجيديا البطل على مسرح الحياة، وهبَ حياته كلّها لهذا الفن، وكان أحد شهدائه.

في هذه الضائقة السورية التي بلغت نصف قرن، ليس من السهل البقاء حراً، ولا حتّى على قيد الحياة، فكيف في تشييد هذا الصرح من الأعمال المتميّزة، في ظروف قاسية ومؤلمة، وكانت تعويضاً نبيلاً. مهما يكن، يغادر حاتم دنيانا، وقد أشرعت سورية أبوابها على زمنه، زمن سيمتدّ طويلاً، ويعيش طويلاً، زاداً ملهماً لرفاق الأيام الصعبة وللأجيال القادمة.

وُجد حاتم في زمن فاسد طاردٍ للمواهب والأعمال الجيدة، زمن العملة الزائفة الطاردة للعملة الجيدة. تلك إحدى المرات النادرة التي طردَ فيها الفنُّ الجيد الفنَّ الزائف

العربي الجديد

—————————

مُخرج الأحلام الكبيرة/ حازم السيد

ليس لكلمة «محترم» وقعٌ مميزٌ على أذن السوري. بل يمكن القول بأنها كلمة جوفاء، قليلة الهيبة ولا تخلو من رائحة السخرية والبعاد. الكلمة تبدو أقرب للعربية الفصيحة منها للعامية السورية. لا نستخدمها في حياتنا اليومية كثيراً. قد يستخدمها من تَدخُلُ العربية الفصيحة في تفاصيل حياتهم، المثقفون أو بالأحرى العاملون في الحقل الثقافي. أغلب هؤلاء يظهرون، أو على الأقل كانوا كذلك حتى العام 2011، في حياة السوري العادية ككاريكاتورات هزيلة فاقدة للحياة. منتفعون، مهنتهم العلاك، لغتهم خشبية ومفرداتها مثار سخرية ومادة للتندر. هم وحدهم من يستخدم هكذا مفردات. قد يستخدم السوري العادي كلمة محترم لوصف شيء ما. يحدث أن يستخدمها السوري لوصف أناس خاصّين، بعاد، فرضوا حضورهم عبر تلك الحواجز التي بنوها مع الآخرين ومع الحياة عموماً. لا أذكر استخدامنا لهذه الكلمة إلا لوصف بعض المعتقلين أو المعارضين السياسيين، بعض أساتذة المدرسة أو الكتاب والفنانين، ممن امتازوا بثقافتهم وكلماتهم الموزونة مع بعض التعالي والعزلة.

نصّياً، تَرِدُ كلمة احترام في سياقات متقاربة، فتأتي في صلب مقولات كبيرة كاحترام الرأي الآخر، احترام الكرامة الإنسانية، احترام السيادة الوطنية، وغيرها من المقولات التي تندرج في إطار رؤية ليبرالية حداثية للذات والتاريخ. بكلمات أخرى، يقتضي مفهوم الاحترام وجود ذوات مستقلة، ذات حدود واضحة، وهويات غير ملتبسة. يتطلب حضوراً صلباً لا يشبه بأي حال من الأحوال حيواتنا السائلة وهوياتنا الملتبسة وذواتنا المقهورة. الاحترام يتطلب وجود مواطنين أنداد، مُتكافئي الفرص، يتطلب بالتالي سيادة روح المواطنة قانوناً وثقافة. وهو ما يتطلب وجود جمهورية بسلطات متعددة، مستقلة ومنفصلة ومجتمع مدني حر وفعّال. إنه يتطلب أن يراهن الناس على ثورات وأن يبذلوا تضحيات، قد تكون هائلة، لبناء كل ما سبق، وقد يفشلون في كسب رهانهم فيضطرون للهجرة والاغتراب للحصول على بعض الاحترام في أراضي الآخرين.

يصعب الحصول على الاحترام في بُنانا الاجتماعية الحالية، شديدة الهرمية. هرمية تنظمها شرعة الغاب. نستبدل الاحترام بالخوف، فيكون الأقوى هو الأجدر بالخوف أو التقية. الأب لن يكون مجبراً على احترام رغبة ابنه في دراسة الفرع الفلاني عوضاً عن الفرع الأعلى الذي تسمح به محصلة علاماته في الباكالوريا، فهو الأقوى في تلك البنية الهرمية المسماة بالعائلة. الأعلى وظيفياً لن يقبل أن يحترم رغبة من هو أدنى منه في عدم قبول الرشوة، فاستقامةُ الأخير ستقف في وجه سيرورة عمل الهرمية الوظيفية التي تمنحه راتبه. لن يحبّذ أحد أن نتكلم في السياسة، لأن المخابرات التي تعلونا جميعاً لن تكون سعيدة بهذه الهواية الخطرة التي قد نرغب بممارستها. في هذا المجتمع، أو بالأحرى البناء الاجتماعي، الهرمي والقدري، والذي يحول حياتنا إلى مسارات شديدة الحتمية، في مجتمع وبلد يقف فيهما الجميع كالبنيان المرصوص ليقولوا لك «نشالله ريتني ما بحترمك»، لا نحظى بالاحترام إلا لحظة الموت.

كأغلب السوريين، حزنتُ كثيراً لخبر وفاة المخرج السوري حاتم علي. أحببته كثيراً. ولكن وباعتباري شخصاً يعتز بقدراته النقدية، أردتُ أن أنقب أكثر في سبب حبي الكبير لهذا الفنان وتأثري بخبر وفاته. الأسباب المباشرة حاضرة وغير قليلة. تأثّرتُ كثيراً بعُمَر، باسل خياط في مسلسل أحلام كبيرة، وأردت دراسة الفيزياء، مثله. سجّلتُ في السنة الأولى، رغم علاماتي التي تسمح لي بدراسة بعض الهندسات، ولكنني سرعان ما أحسستُ أن دخولي هذا الفرع أشبه بمقامرة غير محسوبة، فعدتُ إلى بلدتي لأعيد الباكالوريا وأدخل فرعاً أكثر لياقة بموقعي في الهرم الاجتماعي السوري. عندما أعدتُ مشاهدة مسلسل التغريبة الفلسطينية منذ فترة قريبة، وقعتُ في غرام هذا العمل من جديد، واكتشفتُ مدى حساسية هذا العمل وقدرته على التقاط تفاصيلَ بتنا أقدر بكثير على فهمها بعد مشاهدتنا تغريبتنا الخاصة. من جهة أخرى، أشاهد مع زوجتي الكثير من حلقات مسلسل الفصول الأربعة لتمضية الوقت وسقاية شتلة الحنين التي لا تتوقف عن النمو في فراغات غربتنا. هي أسباب غير قليلة إذن، ولكنها لم تكن كافية لإقناعي. لا بد من التنقيب في سيرته.

وضعتُ اسمه على غوغل وبدأتُ باستذكار ما شاهدتُه من أعماله. شعرتُ بالخيبة قليلاً، حيث أني لم أتمكن من إيجاد خيط واضح يمكن أن يجمع مجمل أعماله. الرجل غزير الإنتاج متعدد المواهب. نزح مع أهله من الجولان ليستقر في محيط العاصمة السورية، قريباً من مخيم اليرموك. شارك في عدد من الأعمال المسرحية قبل تخرجه مع الدفعة الأولى من المعهد العالي للفنون المسرحية عام 1986، بل وكتب القصة القصيرة أثناء دراسته. استأنف نشاطه المسرحي وعمله كممثل بعد تخرجه، فشارك في عدد من أعمال زيناتي قدسية وهيثم حقي وغيرهما. بدأ في الإخراج منتصف التسعينات، ويبدو أن نجاحه في تقديم نقلة نوعية على الصعيد الإخراجي للسلسلة الكوميدية الساخرة مرايا، عامي 98 و 99، هو ما كرّسه كواحد من أهم المخرجين السوريين الواعدين. توالت النجاحات الإخراجية وتعاظمت مع مسلسلات الفصول الأربعة والزير سالم، ليصبح واحداً من أهم المخرجين السوريين ويبدو أحد أبرز من واكبوا صعود الدراما السورية المتلفزة. بدأ بعدها شراكة خلّاقة مع المؤلف والسيناريست الدكتور وليد سيف، لينتجا عدداً من أنجح أعمال الدراما التاريخية كالتغريبة الفلسطينية وثلاثية الأندلس، كما قَدَّمَ عدداً من أعمال الدراما الاجتماعية مثل أحلام كبيرة، عصي الدمع، على طول الأيام، وغيرها. لمعَ نجمه في الساحة المصرية عام 2007، بعد أن قام بإخراج مسلسل الملك فاروق الذي جسَّدَ فيه السوري تيم حسن دور آخر ملوك مصر. يبدو أن المال الخليجي، والإمكانيات الإنتاجية الكبرى التي يمكن أن يقدمها، قد أغراه بعد تلك المرحلة فقام بإخراج المسلسل البدوي الذي يحتفي بأشعار حاكم دبي محمد بن راشد آل مكتوم. كان مسلسل الغفران آخر مسلسلاته السورية قبل اندلاع الانتفاضة السورية. فيما بعد تفرَّغَ لإخراج عدد من الإنتاجات الخليجية والمصرية التي لقيت نجاحات جماهيرية كبيرة، دون أن يمنعه ذلك من أن يخص سوريا بمسلسلي قلم حمرة والعرّاب بجزأيه، واللذين لا يخلوان من الدلالة على موقفه النقدي والرافض لنظام الأسد، الذي فصله من نقابة الفنانين السوريين. كذلك لم يمنعه عمله كمخرج تلفزيوني من العمل على عدد من المشاريع السينمائية الصغيرة.

لم تسمح لي هذه السيرة باكتشاف ذلك السبب الذي جعلني أحزن، كأغلب السوريين، بهذه الشدة على رحيله. بل وشعرتُ بالخيبة قليلاً، فبعض أعماله الاجتماعية مثل عائلتي وأنا، بل والفصول الأربعة، مغرقة في تلفزيونيتها، من حيث بساطة الطرح وبيداغوجيته ورغبته الواضحة في الحرص على «راحة» المتلقي المطلقة خلال جلوسه على كنبته، بل وخوفه من أصبع المتلقي القابضة على زناد الريموت كونترول. يمكن القول أيضاً إن الدراما التاريخية التي قدمها في ثلاثية الأندلس، هي أقرب للتاريخ المدرسي بالغ الكلاسيكية، الذي لا يقارب التاريخ إلا من عيون الحكام والسلاطين والتاريخ الرسمي. عدا عن أعمالٍ أخرى تقول لي من خلال عناوينها ونبذاتها بألا أشاهدها. فلا يستحق وقتي، غير الثمين على الإطلاق، أن أهدر منه ثلاثين ساعة لمشاهدة مسلسل جرت صناعته ليحوي أشعار محمد بن راشد آل مكتوم، أو مسلسل لا يمكن إلا أن يكون مفرطاً في التوفيقية في مقاربته للعديد من فصول الإسلام بالغة التعقيد.

ولكن هل يعقل أن محبتي  لحاتم علي قائمة على هذا الرصيد الذي تفاوت في ألمعيته وفي حدوده؟

لا أعتقد ذلك. فهذه المقاربة الاسترجاعية لسيرته لم تكن منصفة على الإطلاق. لا زلت أذكر أنني لم أبدأ بالاهتمام باسم مخرج المسلسل إلا مع مسلسلات حاتم علي. بل وفي العديد من مسلسلاته، لم يكن اسمه وحده ما يظهر في نهاية الشارة، بل كان اسمه يقترن مع اسم المؤلف والسيناريست بوصفهما، كليهما، أصحاب العمل. لقد كانت أعماله رائدة دائماً في رفع سقف الصنعة التلفزيونية جمالياً وفي تطعيمها بعناصر تجديدية. من يشاهد تلك المسلسلات بتسلسلها الزمني، ويقارنها مع السائد في عصرها، لا يمكنه ألا يلاحظ تلك الخطى الصغيرة التي خطّتها الدراما التلفزيونية بصحبته. تمكَّنَ حاتم علي من ترويض الانفعالية التي وسمت أداء العديد من الممثلين السوريين، ومن فرض إيقاع هادئ، بعيد عن الزركشة والبهلوانيات، في بناء مشاهده ومسلسلاته، ومن تطعيم التصوير التلفزيوني الكسول بتقنيات ومهارات سينمائية، ومن منح الكثير من الفرص الكبيرة للعديد من الوجوه الجديدة. لم يكن لدى حاتم علي أوهام كبيرة، كان مدركاً ضيق هوامش المناورة ومحدودية عالم الصناعة التلفزيونية، ولكنه كان دائم الإصرار على رفع سقف عالمه هذا، وعلى النهوض بجماليات الإنتاج التلفزيوني، حتى تَمكَّنَ من تأسيس تقاليد إخراجية راسخة، ومن النهوض بقواعد اللعبة في هذا العالم. لقد كان حاتم علي الاسمَ الأمثل لتلخيص قصة الدراما السورية وخروجها من قوقعة المديرية العامة للتلفزيون، وشخوصها البيروقراطية الكسولة، إلى عالم المبادرة والعمل الدؤوب والتجديد المستمرالذي حَوَّلَها إلى منتج وطني يفتخر به السوريون. لو أردتُ تلخيص لحظات الفخر والهناء القليلة التي عشتها في سوريا ما قبل 2011، لا يمكنني إلا أن أتخيل نفسي وأنا أشاهد إحدى المسلسلات السورية وفي يدي إحدى بسكويتات شركة كتاكيت. لقد كانت هاتان الظاهرتان هما أكثر ما يثبت لي جدارة السوري وقدرته على المعاصرة والمنافسة إن أتيحت له الفرصة1.

أعتقد أن الميزة الأساسية في شخص حاتم علي، وأَحَدَ أسباب حبي الكبير له، هي الاحترام. احترامه لذاته، احترامه لعمله، واحترامه الكبير لمتلقّيه. لقد كانت الدراما التي كان أحد أبرز روادها واحدة من المساحات القليلة التي كنا نحس فيها بأننا محترمون. بأننا ذوات ذكية ومستقلة، صاحبة رأي  ذي هيبة، لا يمكن تلقيمنا ما نحب ولا بد من العمل والاجتهاد والتجديد لإرضائنا، كأي مواطن غربي، كأي مواطن. مقابلاته القليلة وشهادات الممثلين التي تكاثرت في الأيام القليلة الماضية تؤكد ذلك القلق الإبداعي المحموم الذي سكنه، وذلك الشغف بالتفاصيل، بالخلق والكمال.  صفات لا تذكرني إلا بشخص أحد معجبيه، الشاعر الفلسطيني محمود درويش.

بعد أن تكرَّسَ مخرجاً، أصبح ظهوره ممثلاً شديد الندرة. لم يشارك إلا في عدد قليل من الأدوار وأعتقد أن ذلك الظهور لا يخلو من الدلالة، وأنه ينطوي على رسالة يودّ أن يستكشفها من يهتم بسيرته. لذلك، عندما أذكر حاتم علي اليوم، لا يسعني إلا أن أتذكّر دوره في التغريبة الفلسطينية، رشدي، ذو الشعر الأحمر، والواقع المأساوي، الذي لا يبدأ عند نشأته في ظل زوج أم قاس ولا ينتهي بانفصاله عن أمه بعد تهجيره من داره، والذي لا يجد سبيلاً لخلاصه إلا بالعمل الدؤوب، بالكثير من الصمت، بالصفاء الذهني وبالكثير من القرف من الخطابات الخشبية.

كان ذلك الإجماع على رثاء حاتم علي والاحتفاء بذكراه سبباً حقيقياً لسعادتي. لقد أثبت بشكل من الأشكال ذلك الرأي الذي كنت أخجل من الدفاع عنه. فقد كنتُ أتحفّظُ عن الدفاع عن الدراما التلفزيونية عموماً، والسورية خصوصاً، عندما يواجهني ذلك الرأي السائد في أوساط الانتلجنسيا، والذي يحتقر المسلسلات التلفزيونية. لطالما شعرت أن النكران وحده ما يمكن أن يجرني إلى الموافقة على هذا الرأي دون تحفظ. كان لدي تعلّقٌ كبيرٌ بالدراما التلفزيونية السورية، بل وبشكل من الأشكال، اعتزاز بجودة هذا المنتج الوطني الوحيد. لم تكن تقنعني تلك الحجج المتهافتة عن حتمية الحشو في الأعمال التلفزيونية، عن اندراجها الحتمي في منظومة سلطوية تلقينية تحتقر الناس وما إلى ذلك. فالكثير من المسلسلات السورية التي شاهدتها كانت قادرة على خلق شخصيات حيوية وعوالم نابضة، بل وعلى مساءلة البديهيات والحض على التفكير وتحويل عادي أيامنا إلى أسئلة تستحق الحضور. كيف يمكن أن أنسى نجيب، بسام كوسا في مسلسل الفصول الأربعة، وهو إحدى احتمالات كهولتي!

قد لا يكون ارتباطي بالدراما التلفزيونية السورية مقتصراً على أعمال حاتم علي، ولكنه يعود بشكل كبير إلى تلك الدراما الاجتماعية التي كان مهندس جمالياتها وأهم روادها. فأعماله المؤسسة كالفصول الأربعة، أحلام كبيرة وغيرها، والأعمال الاجتماعية الأخرى التي أخرجها عددٌ من الأسماء الشابة كالليث حجو، المثنى صبح، رشا شربتجي وغيرهم، والتي لم تَعدُ عن أن تكون، بشكل أو بآخر، استمرارية لخط حاتم علي في الدراما الاجتماعية، كانت أحد أهم ينابيع تغذية المخيال الوطني السوري. لقد سمحت لنا هذه الأعمال بجودتها الفنية واحترامها لمتلقيها، وأسئلتها التي تتطرق إلى يومياتنا وهمومنا، نحن الناس العاديون، بأن ندرك كم هي مشتركة وكبيرة تلك الأحلام التي تغفو في ظل أسئلتنا وانكساراتنا اليومية بالغة العادية.

1. قامت شركة كتاكيت بواحدة من أنجح الحملات الإعلامية التي عرفها التاريخ السوري لبسكويتها غوفريه، وقد كان سر نجاحها هو اعتمادها على الممثلين باسم ياخور وأيمن رضا، واستثمارها في نجاحاتهما حينها في عالم الدراما السورية.

موقع الجمهورية

————————

مات في غرفة فندق/ سما حسن

كان الأجدر به أن يعتني بقلبه؛ لأنه عزيزٌ على أحبَّته. كان عليه أن يهتمَّ بصحته؛ لأن فراقه سيوجعهم. وربما لأني من مدمني النصائح الطبية التي أقرأها هنا وهناك، فأذكر دراساتٍ كثيرة كشفت أن الرجال يموتون بقلوبهم أكثر من النساء، فعلى الرجال أن يسمعوا تلك النصيحة الخرقاء التي لن تمنع قدرًا، ولكنها تحمل حذرًا: اعتنِ بقلبك، ولو أن جدَّاتنا الحكيمات قلن قديمًا: الرجل يحمل ولا يلد .. وحين تلتفت، بكلِّ استغراب؛ لتسأل الجدَّة عن تفسير ذلك القول الغريب، تقول بحكمة: نحن النساء نبكي، ونشعر بالراحة بدموعنا، لكن الرجال يكتمون آلامهم وحزنهم في قلوبهم، ولذلك يموتون فجأة، والتفسير الطبِّي الجاهز لحادثة موت أحد الرجال المفاجئة أزمة قلبيَّة حادَّة.

مات في غرفة في فندق، في أثناء نومه. هذا هو ملخَّص خبر وفاة المخرج حاتم علي. وبذلك طوينا صفحة إخلاص ووفاء، أمام الخيانة والغدر، والتطبيع المهين المهدر لقضية العرب، وهي قضية فلسطين. وأكاد أجزم أن كثيرين مثلي قد سارعوا إلى مشاهدة التغريبة الفلسطينية، من جديد، وأنهم شعروا بأنهم يشاهدونها، كما لم يفعلوا ذلك، في المرَّة الأولى، ولسان حالهم يقول إن هذه التغريبة العربية، وليست الفلسطينية فقط، فكأنما كان المؤلف وليد سيف والمخرج حاتم علي يقرآن مستقبل الأمة العربية المهين، وحيث تحوَّلت الشعوب إلى قوارب لاجئين، ويوم أن هُجِّر الشعب الفلسطيني من أرضه، في عام 1948، كان يسطّر الحلقة الأولى لحلقاتٍ تاليةٍ من التهجير، وكلُّ واحدٍ ترك خلفه متاعًا، وحمل مفتاحًا، مثلما فعلت جدَّاتنا، وحيث أودعت أمُّ أحمد، في مسلسل التغريبة، مفتاح بيتها في صدرها، ودقَّت عليه بكفِّها؛ لتطمئن على وجوده، في أمان؛ أملًا بعودةٍ قريبة، وطال الأمل، ورحل الكبار، وتناقل الصِّغار مفتاح الدار.

ترك خبر وفاة المخرج حاتم علي سؤالين؛ أحدهما لا يحتمل عدة توقعات: كيف مات في غرفة في فندق، بعيدًا عن بلده، وقد تنقَّل بين منفى ومنفى، وعاش التغريبة مرَّتين؟ أما السؤال الأهم الذي يحتاج إجابة عملية: مَنْ يكمل بعده المشوار، بعد أن قدَّم “التغريبة الفلسطينية”، قبل ستَّةَ عشر عامًا؟ ففي أثناء تشييع جثمان الراحل، صاحت امرأة دمشقية، بأعلى صوتها: كثِّر خيرك يا حاتم. والحقيقة أننا يجب أن نشكره، كثيرًا وطويلًا؛ لأنه لو كان كلُّ رصيده الفنِّي مسلسل التغريبة الفلسطينية فهذا يكفي؛ لأنه أعاد صناعة الوعي الفلسطيني والعربي بالقضية الفلسطينية، وأمسك بتفاصيل حياة الفلسطيني، زمن النكبة، فكأنما يروي حكاية كلِّ لاجئ.

مات حاتم علي بقلبه، وغيره كثر من القادة والسياسيين والشعراء والكتَّاب الذين ماتوا في غرف فنادق غريبة، وظلَّ السؤال حائرًا: من قتل فلان؟ وربما قتله الخذلان، والخذلان أقوى مفعولًا من سُمٍّ مدسوس، أو عقارٍ مُذابٍ في شراب، وتبقى الحقيقة غائبة، ولكن حاتم علي مات بقلبه المثخن بحنين، وقلَّة حيلة على الفراق.

قلب حاتم علي خذله، كما قلوب كثيرين، أُثقِلوا بهموم أوطانهم، ولم يعتنوا بقلوبهم؛ فوقعوا ضحية موتٍ، بسكتةٍ قلبية، في الجزء الأخير من الليل، كما يفسِّر العلماء ذلك، وينامون مطمئنِّين لتفسيراتهم. وبالمناسبة، كلَّما مات رجلٌ بالغٌ أشدَّه بقلبه، أتذكَّر حادثةً مؤلمة، ففي صغري، تطيَّر الناس من حولي، من سيدة توفي زوجاها الاثنان، تباعًا، أمام التلفاز. وفي كلِّ مرِّة، تكون القصة المختصرة لحادثة الوفاة: أنَّ الزوج قرَّر أن يمضي سهرته، أمام التلفاز، مع زوجته، فغافله النوم، وظنَّت زوجته أنه نائم، وتابعت مشاهدة التلفاز، حتى إذا ما قرَّرت أن توقظه؛ ليخلدا إلى سريرهما، اكتشفت أنه قد مات، وقد تزوَّجت زوجها الثاني، وهو شقيق زوجها؛ لتتكرَّر معه القصة نفسها، وفي العمر نفسه تقريبًا، حتى كشفت دراسة أميركية أنَّ من أسباب الموت، في أثناء النوم، عواملَ وراثية مرتبطة بكهرباء القلب، ولكنك لا تستطيع أن تمسك بكلِّ شخص في الجوار، وتشرح له هذا التفسير العلمي، لتُبرِّئ الزوجة المتَّهَمة بأنها “وشّ نحس”.

العربي الجديد

—————————–

حاتم الذي يشبهنا جداً/ أسامة هنيدي

أما وقد أصبح الموت عادة عند السوريين فذلك مما لا شك فيه عبر السنوات العشر العجاف التي عاشها السوريون، وأما فقد دفنت عديد الهامات السورية الباسقة دون تأبين ولا صور ولا بكل ما يليق بها من تذكار، فهذا أيضاً مما لا شك فيه وقبل الثورة لا بعدها وإلا فماذا يعني أن يمشي قلة من الأشخاص في جنازة الكبير نزار قباني قبل أن يدفن في دمشق.

لماذا اليوم يعاد الاعتبار لموت مبدع سوري ويأخذ كل هذا الحبر والصور المتناقلة عبر وسائل الاعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، التي امتلأت بصور الراحل الكبير وحيثيات رحيله ونقل جثمانه من قاهرة المعز إلى الفيحاء التي أحبها وصورها وأخرج أفراحها وآلامها إلى حيّز المتعة والفن بكلمة واحدة؟.

في محاولة الإجابة عن هذا السؤال تنطوي عدة ممكنات لكنها تصب في المآل الأخير في إجابة ربما تكون مؤلمة لعديد السوريين اللذين انقسموا وأصبحوا بحاجة إلى شبه معجزة تنتشلهم مما وصلوا إليه من فاقة وعوز وتهجير وسجون وموت لم يستثنِ أحداً منهم وإن بصور وأشكال مختلفة.

محاولة الإجابة ربما تنطوي على السوري الطيب الحر المثقف صاحب المشروع الذي توزّعت آلامه بين الوطن الذي رسم الراحل فصوله الأربعة في لوحات مدهشة وبين مآسي الواقع الاستبدادي، والتي عجز أقرانه ولأسباب كثيرة عن تغييره أو إصلاحه أو المراهنة عليه، كما عجزت دول كثيرة وبفعل مصالحها التي لا تشبه فطرة السوري المثقف الطيب الحر عن الإتيان بحل يريح البلاد والعباد على السواء.

ولن أتوقّف في هذا المجال أبداً حول ما يدور من نقد وسجال ومواقف تخصّ نقابة الفنانين في سوريا لأن هذا هو المرجو تماماً من نقابات الاستبداد والتي صنعها على صورته ومثاله الأمر الذي يجعل نقدها لزوم ما لا يلزم بل سأتوقف عند كثير من الفنانين الذين حضروا الجنازة ممن ينتمون بحكم مواقفهم خلال السنوات الأخيرة إلى معسكر الاستبداد وتلك الكلمات التي خرجت من أفواههم تارة ومن عيونهم تارة أخرى.

وسأجيب دون تسرّع: لأنّ حاتم علي يشبه ما بقي من السوريين الأنقياء الذين بحثوا عن مشروعهم في الحياة دون مجازفات، وذلك حق لهم وليس دليلاً ضدهم، وهذا ما فشل بالمعنى الاستراتيجي كلا الطرفين أن ينجزاه، فلا حصلت المعارضة السلمية في بداية الثورة على مطالبها بحكم ردة الفعل الجنونية الساحقة من العنف التي صدرت من السلطة ولا حصلت عليها بعد أسلمة الثورة مع تلك الكيانات الهزيلة المأجورة التي قطفت ثمار دماء الناس الأنقياء والأبرياء، وبالمقابل لم تحصد السلطة التي مارست كل ذلك الكم من العنف على أهدافها، بل إنّها أصبحت أكثر عزلة وإرباكاً على جميع المستويات سيما مع خروج القرار السيادي من جعبتها بحكم الجيوش التي ترتع في جميع جهات البلاد المسكينة.

ربما كان حاتم علي يفكر فنيا بكل ذلك بصمت وعمل يعبر عنه فاستعاد كل ذلك الخلاف القبلي العربي على البسوس ليقسم الناس مبدئياً بين الزير وجساس محاولاً جمعهم في النهاية على فكرة الحق بوصفها فكرة إشكالية ينظر إليها من عديد الزوايا، ولكن مع حاتم علي والمشهدية المتطورة المتكاملة بنص الكبير ممدوح عدوان الأنيق لغوياً والموسيقى التصويرية للمبدع طاهر مامللي التي قبضت على العمل بتلابيبه وأداء الممثلين السوريين المحترفين جداً ربما أراد أن يقول: آن لنا أن نأتلف ونفكر.

ولا بد لابن الجولان من كلمة فصل في مشروعه الفني والثقافي، وقد كانت كلمة الفصل هي التغريبة الفلسطينية العمل الذي وبرأيي المتواضع أخرج فيه حاتم علي أجمل ما في لهجة جولييت عواد وخرافية أداء خالد تاجا وحرفية جمال سليمان وسحر صوت تيم حسن وبراعة رامي حنا وغربة حسن عويتي، والبقية الباقية من الممثلين الذين زرعهم حاتم زرعاً في مواقعهم الصحيحة لينتج كل ذلك الوجع الجميل.

لست بصدد إجراء جولة نقدية في أعمال حاتم علي لأنّني لست مخولاً بذلك وربما لا أملك ما يكفي من العدة النقدية للكتابة حول الفصول الأربعة وقلم حمرة وليس سراباً وأحلام كبيرة ورباعية الأندلس الرائعة والتي تابعناها بشغف الرائي وحنين لماض نراه مشرقاً بعين مصابة بعمى الألوان في حاضرنا المزري ومستقبلنا الذي يحكمه الآخرون.

لكن يحق لي القول، إنّ حاتم يشبهني كما يشبه السوريين الباحثين عن مشروعهم وحريتهم وإن لم يبح بذلك بفم سياسي ربما ظنه عنصر انقسام إضافي، فإنّه قد باح به بعين فنية حاذقة ومشاهد لم تمحَ من ذاكرة السوريين والعرب عموماً، نحن نشبه حاتم وحاتم الذي ارتاح في مقبرة باب الصغير في دمشق العظيمة، يشبهنا، يشبهنا جداً.

—————————

 

 

 

=========================

تحديث 07 كانون الثاني 2021

——————————

حُلم حاتم علي… حُلمنا الذي لم يتحقّق بعد/ إبراهيم نصر الله

في صيف 2008 اجتمعنا في عمان. كان حلم تقديم رواية «زمن الخيول البيضاء» في مسلسل تلفزيوني، قد أصبح حقيقة؛ حاتم علي الذي قرأ الرواية، جاء إلى عمان متحمّساً، حتى أنه رفض الحديث في أي موضوع ماليّ: «ما دام المسلسل عن فلسطين، سنبدأ العمل، وبعدها نتحدث في التفاصيل المالية». هذا ما قاله لأخي طارق زعيتر، منتج العمل، الذي كان سعيداً في تلك الأيام بالنجاح الكبير للجزء الأول من مسلسل «باب الحارة» الذي أنتجه.

كان أكثر ما يشغلني هو المكان الذي سيجري فيه تصوير الأحداث؛ كنت أميل إلى وجود مكان جميل يمثل قرية «الهادية» وكان حاتم علي يجول في الأماكن بخياله، ويقول لي: أظننا سنجده في ريف طرطوس، هناك سنجد مكاناً معبّراً عن «الهادية».

كان المخطط أن يكون العرض الأول للمسلسل في رمضان 2009 مسلسل ينتمي لفئة المسلسلات ذات الإنتاج الضخم، لكنّ مسألة وجود الخيول التي ستلعب أدواراً حقيقية في المسلسل، كشخصيات، وأهمّها «الحمامة» و»الأدهم» كانت تحدّياً.

لم يطل الوقت قبل الوصول إلى قرار الاستعانة بمدرب خيول إسباني يأتي إلى عمّان، ليبدأ باختيار الخيول المناسبة وتدريبها، في الوقت الذي يكون العمل على السيناريو مستمرّاً، في انتظار بدء التصوير في كانون الأول/ ديسمبر 2008.

كانت شركة زعيتر قد حددت ميزانية كبيرة لكي يتحقق حلم إنتاج الرواية، ولذا راح أخي محمد زعيتر، المدير التنفيذي للشركة، يتنقّل بين العواصم على أمل عقد اتفاقيات مع الفضائيات التي ستقدم العرض الأول.

أعددتُ ملخّصاً للأحداث، وقائمة بالشخصيات، وحجم ظهورها، والأماكن لتي سيتم فيها التصوير، وكتبَ حاتم علي رؤيته للعمل في صفحة واحدة وجدتها لديّ، ليتم عرضها مع الملخص على المسؤولين في الفضائيات العربية. كان الهدف أيضاً من هذا أن تقوم إحدى الفضائيات الكبيرة بالمشاركة في الإنتاج، وبذلك يكون لها حق احتكار العرض الأول.

كتب حاتم علي، وسأُدرج هنا كلمته كاملة، لا لشيء، إلا لأنها تعبّر عن جوهر هذا المخرج الكبير الذي أدمى غيابه قلوب الناس: «أرض بلا شعب لشعب بلا أرض، مقولة روّج لها الغاصب طويلاً، كي يربح التاريخ بعدما ربح الأرض. «زمن الخيول البيضاء» مسلسل ليس عن القضية الفلسطينية، بل عن هؤلاء الذين عاشوا فوق هذه الأرض، يعتمد على الوثيقة المكتوبة والشفهية كي يعيد خلق حياة هؤلاء بتفاصيل ثرية، بدءاً من نهايات العهد العثماني، مروراً بالاستعمار البريطاني، وانتهاءً بالاحتلال الصهيوني عام 1948. من خلال رصد مصائر مجموعة من القرويين الذين يعيشون في قرية «الهادية» القريبة من القدس… مسلسل زمن الخيول البيضاء، يُفصح في جوانبه العديدة عن تفرّد في تقديم الحياة الفلسطينية برؤية جديدة غير مفتعلة وبصياغة بصرية متطوّرة تستخدم آخر التقنيات في عالم صناعة الدراما التلفزيونية، بهدف صناعة عمل جذاب وممتع يتكئ على قضية تشكل وجدان كل مشاهد عربي وينطلق من منظومة قيم عربية أصيلة، تنفرد باهتمامها الكبير بالإنسان والطبيعة.. وانطلاقاً من إيماننا بأن القضايا الكبيرة وحدها غير كافية لصناعة عمل فني كبير، فإن اهتمامنا سوف ينصبّ على أن تواكب الفكرة معالجة درامية تصوغ مصائر الشخصيات بأسلوب شيّق وعميق في آن معاً، عبر معالجات فنية مدعومة بإنتاج قادر على إعادة صياغة المشهد بكل ما يتطلّبه من تفاصيل.

نطمح من خلال «زمن الخيول البيضاء» إلى إعادة إحياء القرية الفلسطينية ببيوتها وأزقتها، سهولها وكرومها، أناسها وحيواناتها، حيث سيكون للخيول حضور متميز يتجاوز الواقعيّ إلى الدلاليّ، وكذلك لمدينة القدس التي سيكون لها حضور روحي ورمزي وأيضاً واقعي، بشوارعها، وساحاتها ومساجدها. وستتصارع فوق هذه المساحة شخوص مختلفة، تلتقي وتفترق، تحبّ وتكره، عبر مجموعة من الحكايات المتشابكة والممتعة، والتي ستنتمي إلى مواقع مختلفة، من العثماني إلى الإنكليزي إلى الصهيوني إلى العربي الفلسطيني، والمصري، والشامي. وسيقف خلف الكاميرا تقنيون وفنانون، ينتمون أيضاً إلى بلدان مختلفة، يجمع ما بينهم خبرات سابقة مشهود لها، كل ذلك من أجل تقديم مسلسل درامي جذاب وممتع، نأمل أن يُضاف إلى سجل الأعمال الدرامية المتميزة».

حين طُلِبَ مني أن أكتب السيناريو، ترددتُ كثيراً، رغم علاقتي القوية بالسينما التي تجسّدت في كتابين عنها، فقد كنت أريد أن أحرّر روايتي منّي، لكن الأمر أصبح مُلحّاً، فاشترطتُ أن أكتب ثلاث حلقات ترسل إلى حاتم علي، دون أن يقال له إنني من كتبها. قرأ حاتم الحلقات وأخبر المنتج: «سأبدأ من حيث بدأ هذا النص، وأُنهي حيث انتهى تماماً، لن أغيِّر شيئاً فيه». وهكذا امتلكتُ الجرأة لكتابة الحلقات السبع والعشرين التالية. وأعترف الآن أنني، رغم العمل المرهق حقاً في كتابتها، سعدت بالتجربة ذات البناء السينمائي (في كل حلقة 40 مشهداً على الأقل) كما أتيح لي أن أعيد كتابة زمن الخيول بالكاميرا، وهذه تجربة علّمتني الكثير، وستنعكس على كتابتي لرواية «قناديل ملك الجليل» التي كنت أحضِّر لها، كما أنها أتاحت لي أن أُضيف مشاهد كثيرة لم تكن في الرواية، ومضاعفة مساحة وجود بعض الشخصيات المؤثرة، التي كانت أدوارها تنتهي في منتصف العمل، فباتت تحضر حتى نهايته.

حديثنا عن الممثلين الذين سيؤدون الأدوار لم يكن يتوقف، وكلما خطر ببال أحدنا اسم اتصل بالآخرين، لكن حلمنا بدأ يصطدم بواقع مختلف، لم نتخيّله، ويمكنني القول الآن إنه كان البذرة السوداء العميقة لنبتة التطبيع الأشد سواداً التي نراها اليوم. فقد بدأ التملّص من إعطاء وعد بالمشاركة في الإنتاج، أو حتى تقديم العرض الأول، حين استعدَّ المنتج لدفع كامل تكاليف العمل. وبعد التملّص اقترحتْ إحدى الفضائيات الشهيرة السماح لها بتحويل القسم الأول من الرواية إلى مسلسل بدويّ! واشترطتْ أخرى، لا تقل عنها شهرة، تغيير المكان، أي أن لا يكون فلسطين، وسيشاركون في الإنتاج فوراً!

في تلك الأيام، أدركنا للمرة الأولى أن فلسطين غير مُرَّحبٍ بها في الفضائيات العربية.

وبعــــد:

ما دفعني لكتابة هذا المقال، هو توجيه التحية لروح فنان كبير التزم بفلسطين وقدم قضيتها في أبهى صورها، وتوجيه التحية لعشرات الآلاف من القارئات والقراء الذين تأثروا بعمق حين نشرتُ على صفحتي صورة لخبر صحافيّ قديم عن ذلك المؤتمر الصحافي الذي حضره حاتم علي وتمّ فيه الإعلان عن مسلسل زمن الخيول البيضاء، هؤلاء الذي بكوا الراحل الحاضر واحتضنوا بكل ما فيهم من حبّ فكرة هذا المسلسل.

هل هناك فرصة لتحقيق حلم حاتم هذا.. حلمنا؟ لن نفقد الأمل.

القدس العربي

——————————-

حاتم علي مدرّساً للتاريخ/ أحمد عمر

“موت مدرس التاريخ العجوز” عنوان قصة حاتم علي من مجموعته التي حملت عنوان القصة، فهي درّة قصصها، قرأتُ القصة في “الأسبوع الأدبي” في صفحة أدب الشباب، وأذكر أنَّ الأديب شوقي بغدادي احتفى بها وأكرم وفادها.

وسنجد أثر هذه القصة في عزائم حاتم اللاحقة، فكأنه استجاب للراوي، والراوي في القصة صحافي عجوز، أُخذ للعلاج، وفي المشفى وقع على قضيةٍ كبيرةٍ هي قضية حياته، فقد وجد مدرّس تاريخ احتالت عليه الحكومة، واستدرجته، فدعته إلى الاحتفال به وتكريمه، لكنها غدرت به وسرقت ذاكرته.

يخاطب الصحافي أبو نبيل ابنه بخطابٍ غلب عليه التأنق في اختيار الكلمات والتعابير الأدبية التي تعيق نمو القصة، أو أنها لا تعين على تدفقها، يقول الراوي إنه وجد مدرسًا للتاريخ بأقسامه: قديم وأوسط وحديث، ويصفه بأنه رجلٌ لا يعرف شيئًا سوى التاريخ، ويعاني من آلام مبرِّحة ومجهولة، وأنَّ الحكومة رأت أن تجعل مرضه الذي لا يسمّيه الراوي اكتشافًا طبيًا وعلميًا للبشرية. ويستعين الراوي بعباراتٍ شائعةٍ مثل وصفه شفتي المدرس المريض بأنهما مثل جناحي عصفور بردان، وبعض العبارات الشعرية، مثل الإكثار من ذكر سكون الليل والمطر للإيحاء بمواكبة الطبيعة للحدث الكبير، ويرتكب حادثًا سرديًا في القصة، ليس هذا محل الإشارة إليه، ثم إنَّ الصحافي يستفيق ليجد أنَّ مدير المشفى قد أُقيل من عمله، وأنَّ البّحاثين قد شُردوا واختفوا، ثم يقرأ في عناوين الصحف شكرًا يُسديه المدرّس المريض للأطباء على إنقاذ حياته، بينما حاله تزداد سوءًا، ثم يختفي مدرّس التاريخ في ظروف غامضة.

يخرج الصحافي إلى قرية المدرِّس، ويلتقي بأهله وطلابه، ويحاول إبلاغ الوصية للناس، لكنَّ شجاعته تخذله، فالقضية كبيرة، ثم يترك سرِّه لابنه في الرسالة، حتى لا يعيش مخدوعًا، ويوصيه أن يثأر لنفسه ويمكنه أن يحاول.

تتصف فكرة القصة بالقوة والصلابة، وهناك قصصٌ مشابهةٌ لها في الكتابة وفي السينما، يبني الكاتب قصته بأسلوب الرسائل الشهير، وفيها غموضٌ يحثُّ على التشويق والتحفيز، مردّه أمران، مخاتلة الرقيب وغموض المجاز الأدبي اللازم. وكان الكاتب عند كتابتها في أوائل العشرينيات من عمره، وكان يمكن لقصته أن تكون أجود وأفحل، ثم وجد نفسه إلى التمثيل أقرب من فن القصّ ثم في الإخراج والإنتاج، واستقرَّ فيهما، وقد أخلص لرسالة مدرس التاريخ، فانكبَّ على التاريخ، فكانت بدايته في السيرة الشعبية مع مسلسل الزير سالم. ثم أخرج رائعته مسلسل صلاح الدين الأيوبي، ثم “صقر قريش”، ثم “ربيع قرطبة”.

احتار النظام السوري البعثي التقدّمي مع بدايات التلفزيون في اختيار القصص المناسبة للتمثيل، فظهرت مسلسلات بني هلال، وبعض القصص “التقدّمية” أو الروسية مثل “الجريمة والعقاب”. استشعر المخرجون والمنتجون المحاذير، فابتدعوا مسلسلات الفانتازيا التاريخية، وشخصيات مثل العنقاء والشمطاء وابن الرومية.

لدى العرب كل التاريخ، حتى أن مياه دجلة أزرقّت من مؤلفاتهم في العلم والأدب، واسودّت منها سماء الأندلس حرقًا للنفائس العلمية، بل إنَّ العرب متّهمون بأنهم مرضى بالتاريخ. وما لبث ابن الرومية بعدما استتب له الأمر في دمشق، بعد أن استعبد شعبها ومنع عنهم النار والنور، وعرف أنَّ المتفرجين هم إنما عائلات في المنازل، ولن تثور أسرةٌ تأكل أو تضطجع على الأرائك، ولا خوف من التاريخ على الأسرى والأُسر، وأنَّ صلاح الدين الأيوبي قد يختزل، في النهاية، إلى ممثلٍ يؤدّي دور مجرم في مسلسل آخر، وأنَّ خالد بن الوليد هو باسم ياخور وكليهما من المقرّبين، وإن لم يكونا فلن يعلنا ضده معارك مثل حطين واليرموك. بل إنّ ابن الروميّة جاهر بالمفاضلة بين الشام ومكة والمدينة في خطاب شهير سنة 2014، وزعم أنه لولا الشام لما كان بنو أمية، ونسي ابن الرومية أنَّ فردا واحدا وحيدا من بني أمية فرَّ إلى إسبانيا فبنى “زمان الوصل” من غير وساطةٍ من سليم دعبول، او معونة من جورج قرداحي الذي كان يعطي المتسابق أربعة أجوبة.

من قصته الأولى، أدرك أبو عمرو أنّه لا يمكن الوثوب إلى المستقبل، من غير أن يسند ظهره إلى التاريخ. وأنّ الأقدمين كانوا يحنّطون فراعنتهم في صخر المومياء، وأنَّ فراعنتنا حنّطوا شعوبهم في قفص الحاضر.

العربي الجديد

——————————-

 

 

 

 

 

===================

تحديث 08 كانون الثاني 2020

———————-

جنازة الذاكرة أو نهاية سوريا حاتم علي/ محمد سامي الكيال

يصعب على معظم «السوريين» تكوين فكرة عامة عن الأحداث السياسية والاجتماعية، التي تجري حالياً في سوريا، فباستثناء عدد من المتخصصين بالشأن السوري، من صحافيين وباحثين وسياسيين، يبدو كثير من السوريين فاقدين الرغبة والقدرة على استيعاب الوقائع السياسية والميدانية المتفرّقة، وتذكّر أسماء وانتماءات الميليشيات المتحاربة المتعددة، ومتابعة التعقيدات الإقليمية والدولية، المتعلّقة بالمسألة السورية. فضلاً عن أن تعبير «سوريين» إشكالي للغاية، ما يستلزم وضعه دوماً بين قوسين، فنحن نتحدث هنا عن مجموعة من السكان، يعيشون ظروفاً شديدة التشتت والاختلاف، وانعدام أدنى مقومات المتحد السياسي، ويشارك عدد منهم في حرب أهلية طاحنة، ضمن البقعة الجغرافية التي ما زالت تُعرف، في الوثائق الرسمية للأمم المتحدة، بـ«الجمهورية العربية السورية» إضافة إلى مئات الآلاف من النازحين واللاجئين حول العالم، الذين يحملون وثائق، تدلّ على أنهم كانوا، يوماً ما، من مواطني تلك الجمهورية.

ما يجعل تعبير «سوريين» أقرب لمصطلح إداري، من كونه مفهوماً سياسياً أو اجتماعياً. وضمن هذا الشرط تلعب الثقافة واللغة، والذاكرة على وجه الخصوص، الدور الأساسي في الإبقاء على مدلول ما لكلمة «سوريين» ولكن أي ذاكرة؟

يكتسب السؤال الأخير أهمية بالغة لدى الحديث عن وفاة المخرج السوري حاتم علي، وردود الأفعال، التي اتسمت بنوع من الإجماع على رثائه ورثاء زمنه، فالذاكرة الجمعية مفهوم يتسم بكثير من النسبية، وهي لا توجد إلا عبر عملية استرجاع معينة، تقوم بها كل فئة من موقعها الاجتماعي الخاص، خاصةً عندما تغيب المؤسسات الأيديولوجية المهيمنة، المعنية بإعادة إنتاج الذاكرة والموروث الشعبي، وبالتالي فإن ذاكرة «السوريين» عن بلادهم وحياتهم فيها، قبل عام 2011، شديدة التناقض والاختلاف، ويجب بالأحرى الحديث عن ذاكرة سورية متعددة ومتناحرة. إلا أن المنتجات الثقافية، التي لاقت في زمنها كثيراً من الإجماع والشعبية، تصلح لأن تكون وثائق عن الذاكرة السورية، أو بالأصح، كيف قدمت فئات معينة، كانت منظوراتها الأيديولوجية ومزاجها الثقافي سائداً في يوم من الأيام، عوالمها وذواتها، فنياً وثقافياً واجتماعياً، وكيف تسترجع هذه الفئات الآن، ومع اختلاف الظروف، منظورها القديم عن الذات، وترثي، بكثير من الحنين، زمنها وعالمها الضائع. وربما تكمن هنا الأهمية الأساسية لعمل حاتم علي وذكراه.

قدّم علي في أوج شهرته، واحدة من أفضل الصياغات، وأكثرها إتقاناً، للتصور الذاتي لفئات سورية معينة، عن وجودها الاجتماعي، وموقفها من السلطة والتاريخ والحاضر، إلا أنه من الخطأ، في الوقت نفسه، اختزال أعماله بوظيفتها الأيديولوجية، فهي تتسم بدرجة من الغنى الفني، الذي يتيح لها اتخاذ مسافة كاشفة عن الأيديولوجيا، التي صدرت عنها. فما الذي يمكن لمسلسلات حاتم علي أن تكشفه عما تبقى من الذاكرة والثقافة السورية المعاصرة؟

أحلام خائبة

نال علي جانباً كبيراً من شهرته العربية، مثل عدد آخر من المخرجين السوريين، بوصفه مخرجاً بارعاً للأعمال التاريخية، إلا أنه حقق، إضافة لهذا، إنجازاً صعباً في الشرط السوري، وهو تقديم أعمال اجتماعية معاصرة. والصعوبة تكمن في كيفية صياغة دراما عن الحياة اليومية، في بلد تم إغلاق حيّزه العام بشكل كامل، ولا يمكن فيه طرح أي قضية شائكة بحرية. الحل السائد، آنذاك، كان الأعمال الاجتماعية الكوميدية الخفيفة، التي تناقش بعض القضايا الأسرية والمعيشية، للفئة الوسطى المدينية، بشكل «نقدي» وقد برع علي في هذا النوع من الأعمال، رغم أنه لا ينتمي، من حيث النشأة، إلى تلك الفئة، فقدم مع الفنان ياسر العظمة، نسخة عام 1998 من مسلسل «مرايا» الذي يعبّر، بشكل كاركاتيري، عن نظرة بقايا البورجوازية الدمشقية لنفسها، ولبقية فئات المجتمع السوري، كما أخرج مسلسل «الفصول الأربعة» الذي يقدم عائلة، تتحدث اللهجة السورية «البيضاء» تعيش في مكان ما وسط العاصمة دمشق، ويسود بينها، رغم كل المشاكل، نوع من التضامن والمحبة. إنها «العائلة السورية» كما تحب أن ترى نفسها، والتي يتمنى أن يؤسس مثلها، أو يعيش فيها، كل من ينشد الترقي الاجتماعي والطبقي. وربما كان الحنين المعاصر لهذه العائلة توقاً لمثال، أكثر مما هو تذكر لشرط اجتماعي واقعي، عاشته فئة سورية، كان لديها بعض الملكية المالية والعقارية والأمن الاجتماعي.

إذا وافقنا على أن أعمال حاتم علي تعبّر عن الذاكرة السورية، الأقرب للتيار الأساسي، فهي قد تمتلك إذن القدرة على توحيد «السوريين» في ظروفهم الحالية الصعبة، على الأقل على الصعيد الثقافي.

في «أحلام كبيرة» المسلسل الأكثر تعقيداً وتراجيدية، يفارق علي نسبياً كليشيهات الفئة الوسطى، ليتحدث عن ثيمات مثل انكسار وقتل الأب، وثنائية الابن البار والابن العاق، من خلال تقديم سيرة أبناء تاجر دمشقي مُفلس. ورغم أن المسلسل امتلأ بالصراعات والمواقف غير المثالية، ولمّح بقوة للتعقيدات الطائفية، والعنف الأسري في سوريا، إلا أن علي استمر فيه بتقديم تصورات مرضية عن الذات، للسوريين الأقرب للتيار الأساسي، ممتزجة بكثير من الشجن والحساسية المفرطة، فهم أصحاب أحلام كبيرة وخائبة دوماً، وضحايا لظروفهم الصعبة، ويسلكون غالباً بمنطق رد الفعل، في عالم لم تعد قيمه واضحة للغاية. ولعل دور المرأة – الأم، الذي جسّدته الممثلة سمر سامي باقتدار، أفضل نموذج عن صورة الذات المشتهاة، فنرى امرأة شديدة الرقة والحنان، لا خصوصية أو ذاتية لها سوى العناية بالرجال الخمسة، الذين يحيطون بها طيلة الوقت، والخوف عليهم، رغم أنها لا تفتقر للذكاء والثقافة، إنها الأم – المثال، وربما الوطن، الذي حلم به كثير من سوريي حاتم علي.

من الظلم اعتبار أعمال علي بسيطة، أو ضعيفة الشكل والمحتوى، ولا يمكن نقده، بالتأكيد، لأنه لم يعالج أوضاع طبقات وفئات اجتماعية أخرى، ولكنه قدم صوراً سهلة الهضم، ومنزوعة الأشكلة، لعالم سوري انتهى الآن، وقد يكون الحزن الشديد عليه حنيناً لصورة هذا العالم، ولزمن كان من الممكن فيه، لمن وجدوا في الفن سبيلاً للترقي الاجتماعي والثقافي، أن يعيشوا حياتهم، ويقوموا برثاء ذاتهم، بدون مواجهة أسئلة شديدة الصعوبة، مثل التي يعيشونها اليوم.

الأندلس تضيع دوماً

ما أثارته وفاة حاتم علي من مشاعر الفقد، ورثاء بلد وزمن ضائعين، يتفق مع ثيمة عمل عليها كثيراً في مسلسلاته التاريخية، وهي الأرض المفقودة، سواء كانت الأندلس، الفردوس الضائع في الأيديولوجيا القومية العربية المعاصرة، أو فلسطين ما قبل النكبة، أو حتى ديار الإسلام في زمن قادة عرب ومسلمين، بالغي العدل والجبروت، مثل عمر بن الخطاب وصلاح الدين الأيوبي. وعلى الرغم من أن علي لم يسقط في معالجات مبسّطة للأزمنة الخالية، بل استطاع، بالتعاون مع كتاب سيناريو مميزين، تقديم صور متعددة الجوانب عن الأرض الضائعة، إلا أنه كان من أهم من أعادوا إنتاج التصورات الأيديولوجية السائدة عن الماضي، في الثقافة الجماهيرية العربية في العقود الأخيرة.

وعلى الرغم من أن الفردوس المفقود ثيمة أساسية في الفكر الإنساني، ومن المتوقع أن تزداد أهميتها في السياق العربي، الذي لم تنقطع فيه موجات النزوح واللجوء منذ عقود طويلة، إلا أن إعطاءها أهمية مركزية، في السياقات السورية المعاصرة، قد لا يكون أفضل فعل ثقافي ممكن، لأنه قد يعطّل القدرة النقدية لثقافة، شهدت ظروف التحلل الاجتماعي، والحرب الأهلية، والاطلاع على ثقافات وتجارب مجتمعات أخرى. بهذا المعنى فإن التذكر، غير النقدي، لفراديس حاتم علي الضائعة، قد يساهم في بقاء الإنتاج الثقافي، لمن كانوا «سوريين» في حالة الجمود والتكرار، التي يراوح فيها منذ سنوات.

موحّد السوريين؟

إذا وافقنا على أن أعمال حاتم علي تعبّر عن الذاكرة السورية، الأقرب للتيار الأساسي، فهي قد تمتلك إذن القدرة على توحيد «السوريين» في ظروفهم الحالية الصعبة، على الأقل على الصعيد الثقافي.

إلا أنه من الممكن نقد هذا الطرح من عدة جوانب، أولها أن تلك الذاكرة إقصائية إلى حد كبير، تستبعد ذاكرات أخرى عن البلاد وتجربة الحياة فيها؛ وثانيها أن مساحة المسكوت عنه فيها شاسعة للغاية، وستبرز دوماً أصوات تعكّر سلامها الداخلي؛ وثالثها أن الحرب السورية نفسها اندلعت نتيجة تراكم إقصاءات شبيهة، وهي لم تنته حتى الآن.

لا يمكن لوفاة حاتم علي، أو غيره، أن توحّد «السوريين» على أي صعيد، والأجدى أشكلة أعماله، والبحث في تناقضاتها الكامنة، أو بالأصح، ما أخفته كي تبني استقرارها وثباتها الظاهري، وربما يكون هذا أفضل تكريم للراحل، فهو قد خلّف لنا تراثاً غنياً من منتجات الثقافة الجماهيرية، الصالحة، نظراً لمستواها الجيد، لإعادة القراءة والتأويل، للتوصل لاستعادة، أكثر نقدية، للذاكرة السورية، التي لا ينقصها الميل لرثاء الذات والماضي، بقدر ما تنقصها القدرة على طرح الأسئلة. كما أن الحديث عن أحادية التصورات، التي قدمها علي، ليست إهانة لذكراه، بل قد يساهم بجعل عمله واحداً من أسس جدل عمومي، لا يسعى لتوحيد «السوريين» بقدر مساهمته بفتح مجالات ثقافية أرحب لهم.

القدس العربي

——————————

تجاهل وفاة حاتم علي”.. الأسد يعزي عائلة الرحباني في لبنان

أرسل رئيس النظام السوري، بشار الأسد برقية تعزية رسمية إلى عائلة الرحباني في لبنان، بعد وفاة الموسيقار إلياس الرحباني، في موقف انتقده كتاب وصحفيين سوريين، كونه يأتي بعد تجاهل واضح لوفاة المخرج السوري، حاتم علي، والذي أثار خبر رحيله حزنا كبيرا داخل الأوساط السورية والعربية.

وجاءت برقية التعزية من الأسد عبر السفارة السورية في بيروت، وجاء فيها: “عائلة الفقيد إلياس الرحباني وعموم آل الرحباني الكرام في بيروت لقد أحزننا وآلمنا خبر رحيل المبدع الياس الرحباني”.

وأضاف الأسد حسب ما نشرت السفارة، اليوم الجمعة: “أتقدم إليكم باسمي وباسم عائلتي وجميع الشعب السوري بأحر التعازي القلبية وصادق المواساة بهذا الفقد الجلل”.

ويأتي ما سبق بعد تجاهل كامل من جانب الأسد ووسائل إعلامه الرسمية لخبر وفاة المخرج السوري، حاتم علي بأزمة قلبية في العاصمة المصرية القاهرة.

    السيد الرئيس الدكتور بشار الأسد معزيّا عائلة الرحباني بوفاة فقيدهم .. #الياس_الرحباني pic.twitter.com/UZwuNbB2oF

    — RofSyria (@RofSyria) January 7, 2021

وكان جثمان المخرج حاتم علي قد نقل من مستشفى “الشامي” في منطقة المالكي بدمشق إلى مسجد “الحسن” بمنطقة أبو رمانة، بعد وصوله من القاهرة، ليدفن بعد ذلك بمقبرة “باب الصغير”.

وفي أثناء تشييع جثمان علي كان ملاحظاً غياب الإعلام الرسمي عن التغطية، بينما لم يصدر أي موقف من جانب نظام الأسد أو “نقابة الفنانيين السوريين” فيه، على الرغم من ردود الفعل الكبيرة التي لاقتها حادثة الوفاة، ضمن أوساط السوريين والمحيط العربي.

    مشهد من جنازة #حاتم_علي

    كأنه مشهد جنازة من ال 2011

    أياديهم تصفق عاليا ويهتفون لا إله إلا الله

    هل هذا اعتيادي في الجنازات

    أم أن السوريين الذين يحاصرهم طغيان الأسد يتذكرون الثورة

    ويهرّبون غضبهم في جنازة راحل كبير

    جنازة تحاصرها قوات الفرقة الرابعة

    لكن الألم السوري الكبير ضاق حتى ضاق pic.twitter.com/JCT48oFZX8

    — Lina Atfah (@LinaAtfah) January 2, 2021

الصحفي ورئيس “رابطة الصحفيين السوريين” سابقاً، علي عيد علّق على ازدواجية مواقف الأسد اتجاه المخرج علي والموسيقار إلياس الرحباني.

وقال عيد عبر حسابه في “فيس بوك“: “وسائل إعلامه (الأسد) امتنعت حتى عن تغطية تشييع ابن البلد حاتم علي، فيما تدفعه الحكّة الإنسانية الوطنية التي تنقح عليه للتعزية رسمياً بإلياس الرحباني”.

وتابع عيد: “حتى في الموت لا يحترم الأسد ألم السوريين. رحم الله حاتم علي والرحباني”.

من جانبه قال الكاتب والصحفي السوري، حسام محمد عبر حسابه في “تويتر”: “بشار الأسد يعزي عائلة إلياس الرحباني ويرسل لهم برقية، ويتجاهل أي حديث عن المخرج السوري الراحل حاتم علي”.

    بشار الأسد يعزي عائلة إلياس الرحباني ويرسل لهم برقية .. ويتجاهل أي حديث عن المخرج السوري الراحل حاتم علي.

    — hussammohmmad (@hussammohmmad) January 7, 2021

وكان المخرج الراحل، حاتم علي قد فصل من “نقابة الفنانين السوريين” في عام 2015، إلى جانب عشرات آخرين من زملائه الفنانين، من بينهم جمال سليمان الذي اختاره حاتم علي ليلعب أدواراً في عدة أعمال فنية بعد عام 2011، منها مسلسل “العراب- نادي الشرق” و”أوركيديا”.

ويُعتبر حاتم علي من كبار المخرجين السوريين، وله أعمال لا تزال رائدة في مجال الدراما السورية، من بينها: التغريبة الفلسطينية، الزير سالم، ثلاثية الأندلس (صقر قريش- ربيع قرطبة- ملوك الطوائف)، الفصول الأربعة، أحلام كبيرة، الملك فاروق.

    الرئيس السوري #بشار_الأسد يصدر بياناً ينعى فيه الموسيقار اللبناني الراحل #الياس_الرحباني..

    لماذا لم يصدر بياناً عن المخرج العظيم محبوب الجميع #حاتم_علي ولم يشارك في نعيه او تشييعه بل لم يرسل من ينوب عنه🤔

    — 🇮🇶🇮🇷Sahran🇱🇧 (@Nuskelmah) January 7, 2021

أما إلياس الرحباني فهو موسيقي وملحن وموزع وكاتب أغانٍ وقائد أوركسترا، وهو الشقيق الأصغر للأخوين الراحلين عاصي ومنصور الرحباني.

وألّف الرحباني موسيقى تصويرية لـ25 فيلماً، منها أفلام مصرية، وأيضا لمسلسلات، ومعزوفات كلاسيكية على البيانو، من أشهرها موسيقى فيلم “دمي ودموعي وابتسامتي” وفيلم “حبيبتي” وفيلم “أجمل أيام حياتي” ومسلسل “عازف الليل”.

    السفارة السورية في #بيروت: الرئيس #بشار_الأسد يوجه رسالة تعزية إلى عائلة الموسيقار اللبناني الراحل #الياس_الرحباني

    — Sham fm شام إف إم (@radioshamfm) January 7, 2021

——————————-

 

 

 

 

=======================

تحديث 09 كانون الثاني 2020

———————-

ذاكرة للشاشة الصغيرة!/ لينة عطفة

(في وداع حاتم علي)

الشرط غير الطبيعي الذي يعيش ضمنه الإنسان العربي في بلدان تحكمها أنظمة قمعية استبدادية قروسطية، تجعله كأنما يعيش داخل قفص حديدي مقفل، فيكون عاجزاً عن الانطلاق والتعبير عن نفسه، يجهل كيف يلتقط عواطفه ويعبّر عنها، وإذا تمكن من التعبير قليلا فإنه يبقى تعبيرا محدودا ومجتزأ.

أن يمتلك الإنسان موهبة ما في بلدان كهذه، فذلك ضرب من المعاناة المضاعفة لأنه يجد نفسه مقيّدا عاجزا عن التعبير عنها، أو عن تأدية ما تمليه عليه هذه الموهبة. والعبقرية هي أن يجد المبدع وسيلة يحتال بها على كل هذا القمع والضغط الهائل الذي يُمارس عليه ليقدم من خلالها إبداعه، ويجعل رسالته تصل إلى الناس فيخلق تواصلا مع الآخرين وبين الآخرين.

أمام الرقابة والتقارير والموافقات الأمنية، وأمام المحرمات والتابوهات والخطوط الحمراء، عدا عن بنية العلاقات وطرق الوصول، في بلد مكرّس لعبادة الفرد، تمكنت أسماء قليلة من مناورة كل ذلك القمع، حالمة بوطن حر وإنسان يعيش بكرامة، أسماء قليلة لمعت في سماء ظلمتنا العربية في ظل ما نعيشه منذ عقود. قلائل تمكنوا من تجاوز القيود والاحتيال على الجلاد ومنح الناس أملا بالتغيير المقبل؛ أملا في أن ثمة من يفهمهم ويراهم ويستمع إليهم، وأن وجودهم ضروري ومحقق وله غاية وقيمة إنسانية.

وللأسف ومع تقادم الزمن، ومع تطور أدوات الاستبداد وقمعه للثورات، التي حاولت أن تغير الواقع، ومع تلقي أنظمة القمع الدعم الهائل من كل العالم، سواء بشكل مباشر أو عن طريق تجاهل رغبة الإنسان العربي في الحرية، وتجاهل الجرائم المرتكبة والانتهاكات المريعة لحقوق الإنسان؛ ولأن الاستبداد نقيض الإبداع، تراجعت الحالة الثقافية -على ضآلتها- أمام تعاظم القيود وسيل العنف والقمع، وتابع الطغاة سحق روح الإنسان وقيمته، ورغبته في تحقيق ذاته، وفي الوصول إلى معنى وغاية للوجود.

المبدعون الذين أضاؤوا لنا طريقنا عاليا فقدناهم، إما بالتغييب داخل السجون أو بالتغييب داخل بوتقة القمع، أو بالانكفاء واليأس، أو الموت، لكن الأقسى على الإطلاق أن يقبل المرء برهان الهروب والمنفى ليستمر في إبداعه، ثم يخطفه منا الموت بدون مقدمات فيكون الموت كالقتل كما يقول المتنبي: إذا ما تأملت الزمان وصرفه / تيقنت أن الموت ضرب من القتل. لقد قتل الموت حاتم علي بعمر لم يتجاوز ثمانية وخمسين عاما، وهو في توقّد العطاء، ليرحل فجأة، تاركا متابعي أعماله في ذهول وخيبة وعدم تصديق. ترك حاتم علي بصمة هائلة في ذاكرة جمعية جريحة تبحث عن هوية، ضمن ظروف قاهرة لا يستطيع الإنسان العبور منها أو تجاوزها. كانت أعماله من الأشياء القليلة التي أعادت للسوريين ذاكرة جميلة، وخلقت لهم أحلاما وشكلت لهم رؤية جديدة للواقع.

يتجلى ذلك في مسلسل «الفصول الأربعة» الذي كان بمثابة مرآة ونافذة على العالم، العالم الذي كرس نظام حافظ الأسد كل جهوده لعزلنا عنه، وعن كيفية تطور المجتمع وكيفية العيش، وكيفية التعاقد الاجتماعي بين بعضنا كعوائل وأسر وأفراد. مسلسل اجتماعي لطيف، منجز بمنتهى الصدق والإخلاص، أعاد للمواطن السوري قليلا من الرؤية الحقيقية للواقع ليعود إلى ذاته ويتواصل مجددا مع واقعه، وليتذكر أنه إنسان يملك حلما ورغبات، وله أسرة ليست معزولة عنه وليس معزولا عنها. وبنقلة نوعية في الدراما السورية استطاع تسليط الضوء على الحياة الحقيقية التي حجبها نظام الأسد. استطاع تسليط الضوء على حقوق المرأة وحالها في المجتمع الذكوري الأبوي، وعلى القضاء، والفساد وقمع الحريات، والحرمان الذي يعيشه الإنسان السوري، في أعمال متنوعة لامعة مثل «عصي الدمع» «أحلام كبيرة» «على طول الأيام» وغيرها الكثير. تمكن من كل ذلك محايلا نظام القمع مجاهدا في سبيل إخلاصه لمهنته ومشروعه.

حاتم علي قدم الكثير ليس فقط للدراما والفن، بل أيضا للإنسان العربي، إذ نحن ضمن عصر الظلمة الذي نعيشه الآن، عاجزون عن التواصل الحقيقي والبناء مع تراثنا، عاجزون عن فهمه، عاجزون أساسا عن بناء المعرفة، فالإنسان العربي لا يملك ترف القراءة، والأجيال العربيّة مجهّلة لا تستطيع التواصل مع كتاب، لا تستطيع أن تقرأ تحت ضغط الحياة في البحث عن أبسط وسائل العيش اليومي، كالغذاء والماء والغاز والكهرباء، فالثقافة تصير من الكماليات بالنسبة لإنسان مهدد بلقمة عيشه.

نقلت أعماله لأجيال من الشباب العربي، الكثير من التجارب الإنسانية، وعرضت الكثير من الأسئلة وسردت التاريخ في أعمال عديدة منها «الزير سالم» الذي كان من كتابة الكاتب والشاعر ممدوح عدوان، إضافة للأعمال التي كانت نتاج ثنائية رائعة شكلها مع الكاتب وليد سيف، ولعل ألمعها كان «حكاية الأندلس» التي استعرضت تاريخ الأندلس السياسي والأدبي والاجتماعي، وتفاصيل الماضي وشخوصه، بمزج خرافي بين الدراما والتأريخ، وبومضات تنبه المتفرج إلى موقعه ودوره، وتضيء له معنى الحرية ومعنى العمل، وكل ما دمره الاستبداد؛ فذهب بالدراما لما هو أبعد من التسلية والتوثيق، وجعل منها كتابا يستطيع المشاهد أن يتعلم منه ويبني ثقافة، وبالتالي منح التلفزيون نجمة كانت دائما من حصة السينما، وهو تمكنه من التأثير في ذاكرة المتلقي فلم يكن ما قدمه عابرا، بل بقيت شخوصه وحبكاته ماثلة حاضرة ولها زاوية في ذاكرتنا.

كنا ننتظر ساعة الكهرباء كي نشاهد عملا جديدا لحاتم علي، كنا ننتظر ساعة الكهرباء لنشاهد مسلسله، الذي كان بالنسبة لنا كساعة التنفس في السجن، ساعة للتواصل مع العالم الخارجي المعزولين عنه، والتاريخ الخائفين منه؛ التاريخ الذي تجرأ حاتم علي على أبطاله لينقلهم لنا بصورة جديدة، صورة لا تطابق مفاهيمنا لقيمة الخير والشر، بل مستمدة من الإنسان الذي يحمل كافة التناقضات. في مسلسلات عديدة مثل «الزير سالم» «صلاح الدين» و «عمر» و «ثلاثية الأندلس»

فتمكن من أنسنة أبطالنا وضوارينا، وهو ما لم يجرؤ عليه أحد قبله!

كما أنه وثّق في أحد أعظم أعماله «التغريبة الفلسطينية» النكبة والشتات ومأساة الشعب الفلسطيني، ومأساة تهجير الفلسطينيين، هجرة بعد هجرة ونزوحا تلو نزوح؛ الشيء الذي عاشه حاتم علي مرتين، مرة عندما نزح وعائلته طفلا من الجولان السوري المحتل، ومرة كما ملايين السوريين، الذين هجّرهم النظام الأسدي، ليموت نازحا غريبا ويعود إلى وطنه في كفن، بينما تبكيه عيون السوريين في شتاتهم الكبير في كل أصقاع الأرض مسمرين أمام الشاشات يراقبون بذهول رحيل البطل.

شاعرة سورية

القدس العربي

———————————

التغريبة السورية تفتقد حاتم علي/ عمار ديوب

إجماعٌ كبيرٌ على قيمة حاتم علي مخرج دراما، وحول شخصه. وهناك من شقَّ هذا الإجماع، وهذا حقّه، وفقط لو لم يسفّ. هو شذوذٌ يُثبت القيمة والأهمية. جال الراحل بفنونٍ متعدّدة: المسرح والتمثيل والقصة والسيناريو وغيرها، وتألق في الإخراج التلفزيوني والسينمائي؛ وأثبت فشلَ مقولة تتكرّر، عن أن الإنسان يبدع في حقلٍ ويفشل في حقول أخرى. وبذلك ينتمي حاتم للتمرّد، للتعدّد، للتفلسف، للقديم الأصيل، ويرفض البديهيات المتهافتة، أي الدوران في حقل الاختصاص، والقطيعة مع سواه.

برزت أصالة حاتم علي من خلال تشريح الحاضر، وتقديمه دراما راقية ومشغولة فكرياً واجتماعياً، والأمر ذاته حينما اتجه نحو التاريخ، وأصاب في اختيار ممثليه. لقد شكل ثنائياً متيناً مع أكثر من كاتب، وتميز مع وليد سيف في أكثر من عمل، سيما ثلاثية الأندلس و”التغريبة الفلسطينية”، وكذلك مع ممدوح عدوان في “الزير سالم”. إنتاجه غزير، ومواضيع أعماله الدرامية دقيقة وجذرية؛ ففكّك الفساد والاستبداد، وأضاء واقع المرأة، وأشار إلى ضرورة رفع الغبن عنها. فعل الشيء ذاته بالتراث “صقر قريش، ملوك الطوائف، عمر، صلاح الدين الأيوبي، وغيرها”؛ وبذلك لا يستخفّ حاتم بذاته، ولا بالتاريخ، أو بقيمة الدراما.

سَحرَ الشارع العربي في ثلاثة مسلسلات عن الأندلس، وفي الزير سالم، وحَلّقَ في “التغريبة الفلسطينية”. نال ذلك حين عُرِضت أعماله أوَّل مرّةٍ. وبوفاته، أَعلن كثرٌ إن مسلسلاته كانت حاضرة في بيوتاتهم، وهو بذلك يعيد إنتاج الهوية السورية التي تصدّعت منذ أحكم الاستبداد سلطته، وبدأت الفضائيات تُعيد بث مسلسلاته. هذا ليس بسيطاً، هذا يعني أن لدى هذا الرجل مشروعا ثقافيا يبثه في أعماله، ولو أضفنا شروط سورية الكارثية لجهة الحريات، فإنه أبدع في أسوأ بيئة سياسيّةٍ، حيث تُصادر الحريات والإبداع والصحافة والسياسة، وبل والأنا كذلك. والأنا قضية حاسمة لدى كل مبدع وكاتب ومخرج، وكل عاملٍ في الوسط الثقافي والأدبي، أي من دون أنا عالية ومستقلة، لا يمكن إنجاز أعمال ثقافية وأدبية ذات أهمية حقيقية. إذاً تُرفع القبعات لهذا الرجل، ابن القنيطرة، والذي خرج من مخيم الحجر الأسود في دمشق، والمجاور لمخيم اليرموك، وراح يعمل على مشروعه الثقافي عبر إنتاجه الإبداعي.

أثار رحيله الصادم نقاشاتٍ بائسةٍ، هي تتكرّر كثيراً ومنذ بداية الثورة السورية 2011. وتتناول علاقة الفن بالسياسة والثورة. أسوأ صفات تلك النقاشات مذهبيتها وعقائديتها: إمّا أو، وكأنّ على الأفراد أن يكرّروا أنفسهم، ويقولوا، وبالفم الملآن، إنهم مع الثورة، وإلّا فهم ينامون في حضن النظام، قريري العين، هادئي البال، وعكس ذلك يكرّر “صبيان النظام”. هذا إسفافٌ وخفّة كبيرة في فهم التنوع والتعدّد واختلاف آليات التعبير، وهو، بأبسط الأحوال، هدر لكرامة الإنسان وحقه في الاختيار لشكل المشاركة في الثورة والانحياز للشعب، أو رفض ذلك كله كذلك.

يُروَى أن حاتم علي، وزوجته السيناريست دلع الرحبي، شاركا في إحدى الوقفات الاحتجاجية أمام السفارة الليبية في دمشق في فبراير/ شباط 2011، وأطلق عالياً، جملة مندّدة بعناصر الأمن السوري حينها، توضح أنه يرفض النظام، بقضّه وقضيضه. لم يشارك في تظاهرات الثورة وفعالياتها حينما حدثت في سورية وطال أمدها، كما فعل فنانون آخرون. ووفقاً لهذا القياس لدى بعضهم، يبدو الرجل كأنّه رمادي أو مستفيد من النظام. ويرى هؤلاء أن كل رمادي سلطوي بالضرورة. ولكن لكل حقلٍ من حقول الإبداع طريقته في التعبير، وفي الإعلان عن مواقفه، وفي ظل الاستبداد الشديد، هناك الخوف. نعم الخوف؛ من حق الإنسان أن يخاف، بكل بساطة، ومن حقه أن يكون جريئاً وشجاعاً، أمّا إدانة أحدهم فتكون عبر مواقفه المعلنة. هذا ما لم يفعله حاتم علي، لم ينضم للثورة، ولكنه لم ينضم للنظام، وكانت أعماله اللاحقة على 2011، وحتى الموقف السيئ لنقابة الفنانين السورية التابعة للنظام، وكذلك عدم مشاركتها في تأبينه، يدلّان على أن الرجل ليس رمادياًّ ولا نكرة، بل رافض للنظام. رجل مثل حاتم علي، والأضواء كاملة عليه، ويرفض الانضمام للنظام، هذا ليس بسيطا على الإطلاق.

المعبّرون عن الثورة، وأقصد المعارضة، ظهروا رديئين في كل ما قدّموه، وهذا بعكس مشروع حاتم علي الذي كان وطنيّاً بامتياز، وعروبيّا عبر “التغريبة الفلسطينية” بامتياز، ومعتزّاً بتاريخه كذلك. صفات كثيرة يتميز بها مخرجنا، وهي ترغب بثورة جذرية في وطنيتها، ولكن ذلك لم يره، فصمت عن ظاهر القول، على الرغم من علو صوته أمام السفارة، وفي النهاية ترك البلاد، وهذا إعلان احتجاجٍ واضح، ولو رغب بتأييد النظام لكان الآن يحتل رئاسة مجلس الشعب أقلّها.

إطالة عمر الثورة ليست مسألة هَيّنة، فهي مُربِكة للجميع، وهذا حال أهل الثورة وأهل النظام والثورة ذاتها؛ فتغيّرت المواقف، والحدود والمدن، بل وطاول الأمر ملايين الناس، فهُجروا وأفقروا أكثر فأكثر، وهناك الاحتلالات والمستقبل المفتوح على احتمالاتٍ شتى. في هذه الأجواء، يترك حاتم البلاد، كما يرغب جميع السوريين، حيث كان أمام مصيرٍ يشبه مصير المخرج نجدت أنزور أو الهجرة، فاختار الهجرة والصمت بدلاً عن الموقف العلني، وتابع إخراج أعمال تلفزيونية، وكان يعدُّ لسواها، وربما يجمع أوراق تغريبتنا السوريّة. هذه قضية مطروحة للنقاش، وهي: متى يكون الفن مطابقاً للواقع، وهناك من يؤكّد أن الفن عادة ما يتأخر في التعبير عن الواقع. وبالطبع، هناك فن يستشرف المستقبل. كارثية الوضع السوري، منذ 2011، تدفع المبدع إلى الجلوس جانباً، سيما أصحاب الأعمال الدرامية التي تبتغي التعبير عن الواقع والمساهمة في تغييره، وبالتالي كيف ستُكتب التغريبة السورية؟ ومن سيكتبها، والواقع لم يستقر بعد؟ يمكن إضافة أن تلك الإطالة تدفع الأفراد إلى التفكير بخيار العودة إلى العيش في ظلِّ النظام كذلك، وهذا حقٌّ أيضاً، ألم يفعل كثرٌ من أهل الثورة ذلك، ثواراً، ومثقفين، ومسلحين، وأفراد شعب.

أسديّة أم ثوريّة؛ ليست هذه مواقف جذريّة، ربما هي صوريّة محضة، هي سياسوية بامتياز، ورؤية محدودة للسياسة وللثقافة وللثورة وللإبداع. فكما أوضحت، هناك آليات مختلفة للتعبير، وهي متمايزة وفقاً للشكل الفني. أمّا مفاهيم علم السياسة فلها لغتها وبياناتها وسوى ذلك.

خسرت سورية في وفاة حاتم علي أبرز قامة إبداعية، بل خسرت مشروعاً ثقافياً للدراما، ولا رجلاً بكاه السوريون “موالين ومعارضين” في الأيام الأخيرة كثيراً. والسؤال: هل من قدرة إخراجية أخرى تخرج دراميّاً التغريبة السورية؟ نقول نعم، كما كتب وليد سيف في مقالته في “العربي الجديد”.

العربي الجديد

————————-

حاتم علي بين غسان عبود وزهير رمضان…الظهور المتأخر للموت/ أدهم حنا

كان موت حاتم علي ظهوراً متأخراً للموت. الموت بالمعنى الأنسي الحديث، كردٍّ على دلالة أخرى، “النفوق السياسي”، أي الموت الحيواني بشقّه المادي البحت، الذي يتحلل فيزيائياً وكيميائياً ويمضي بلا معنى. في الثقافة الرمزية واليومية السورية الأسدية، يبدو أننا ننفق فقط، نتحلل ونموت من دون حمل معنى. السوريون في الزمن الأسدي البعثي، كل يوم يقولون عن موتاهم: “حقّه رصاصة، حقّك فرنك، راحو ببلاش، ارتاح من هالعيشة،..” كل هذه المقولات الملعونة تشبه عالماً طبيعياً حيوانياً لا معنى فيه لأي تحقق عقلاني أو إنساني. في موت حاتم علي تحققت ردّة مختلفة، في اكتشاف أن للموت معنى مختلفاً عما يجري في بلادٍ كاملة موتاها يوصفون بأنهم ينفقون، بشكلٍ مادي صرف.

كان لحرية حاتم بالمعنى الذاتي، أثرٌ كبير، وأيضاً للفن. الجنازة حملت طابعاً بشرياً جماعياً مختاراً ومحدداً، ليس الوجدان المشترك ما جعل السوريين ينزلون في خيوط بشرية طويلة لتقديم العزاء، بل اشتراكهم كردّ فعل لاواعٍ للاعتراف بالموت الإنساني المشترك في وجه إيديولوجيا عسكرية وسياسية حاولت صنع الموت بوصفه قيمة خاوية من أي معنى. رفع الآلاف كاميراتهم وأيديهم، لتصوير الموت والاعتراف به، على أنه موت. هنا، القيمة ليست لحاتم كفنان فحسب، واعترافاً للفنان بوصفه قيمة اجتماعية وفنية، بل ما تبقى من قيمة يمكن الإجماع عليها بوجه المقتول عسكرياً أو إرهابياً أو مقاوماً. في رفض تقديس العسكرة والفاشية الأسدية التي قدست المقاتل البشع والأجوف. الموتى المقاتلون فقدوا قيمتهم، في بلادٍ لا تملك سياسة ولا عقلنة ولا معنى اجتماعياً كثيفاً للعمل الروحي الغائي. موت حاتم علي نقطة بداية لما يريده العاديون ممن لا يحترفون السياسة، ونطاق تعبيراتها كاعتراف للموت الذي يهمهم ويعنيهم خارج الأدلوجة وسياقها.

كان الخلاف إذاً على تسييس موت حاتم بوصفه موتاً. فرفض النظام نعيه (أو نعاه الأسد متأخراً)، ذلك أن طبيعة موته تفقد معناها الذي يعترف به، فالميت مَن يكون قديساً ساذجاً للتضحية، قروسطي المعنى والتعبير، من أجل وطن لا يُرى ولا يقدم شيئاً. لا موتى في هذه البلاد سوى من يتبع النظام ويموت من أجل حماية كرسي قائده ونظامه، ومن يرسل لهم عسكره ليطلقوا النار ويرهبوا الناس برصاصاتهم في الطرق.

أما المعارضة بوجوهها الكثيرة، فشاهدت الموت بوصفه شعوراً عاطفياً، وبعضهم شاهد الموت بوصفه نفوقاً حيوانياً لمن لا يملك رأياً سياسياً في وجه نظام فاشي. في المعيار السوري، غيّر حاتم علي صيغة الموت المقبولة اجتماعياً، اكتُشف الموت في مسرح الشارع. في الأصل، المواطن الفردي يشعر بأنه ينفق كحيوان ساذج، غريزة تدميرية تتفاعل داخل السوري المهان في كل شيء، بدءاً من جوعه، وانتهاءً بصوته وحاكمية رأيه. والجميع من النخب يحاول معايرة الموت رغم أنه لا يظهر سوى كنفوق. بالكاد بقي حتى اليوم مَن يحصي الموتى مِن السوريين بالأصل جراء حربهم وجوعهم وفقرهم.

لا يمكن لوم حاتم علي على رأي امتلكه في السياسة، وحتى ما يبدو فيه مبدعاً، لا يحقق له أن يبدو ملهماً اجتماعياً أو سياسياً. في نهاية الأمر، يبقى حاتم علي مخرجاً تلفزيونياً ناجحاً، ولا يمكن جعله أكثر من ذلك. في عالمٍ قديم للتفكير، فيه غسان عبود وزهير رمضان، جرت محاكمة حاتم بوصفه رجلاً بلا أخلاق ولا يستأهل نعيه حتى. فأجازوا لأنفسهم قتل حاتم بعد موته. في سياق سوري عنفي، لا تبدو فيه السياسة حرفة، ولا تبدو زهداً في آن واحد، تجري محاولات قتل إضافي بحثاً عن معنى تفوقي أخلاقي حتى على الأفراد الذي يملكون شيطاناً خاصاً بعيداً من الحامل الاجتماعي وهمومه. هذا لا يعني أننا نطالب ميتاً بموقف سياسي، لكن ألا يستطيع السوريون أيضاً مساءلة محترفي السياسي عن غايات تصرفاتهم وعملهم وقيمهم ومعانيهم التي يبغون الوصول إليها؟

كان انعكاس الموت، آلاف الأيدي المرفوعة في بلاد لا يجتمع فيها الناس سوى لقتلهم بالرصاص، أو ليمجدوا الحاكم. بحسب إدوارد سعيد مثلاً، يبدو صمت حاتم علي فقراً في الثقافة الشخصية له، لأنه نأى عن الاستبداد والتسلط والوقوف في وجهه، لكن في الوقت ذاته، ألا يملك حاتم حرية أن ينأى عن المستنقع السوري لأنه شاهد ساسة سوريا في مستنقع دم؟

“الاقتصار على العمل التخصصي لا يعني الاستسلام الفاوستي”.. في ما قدمه حاتم اقتصار على دور تخصصي، جرى فيه ذاتياً الابتعاد عما يبدو حرفة أخرى، مكتفياً بأن يكون عادياً في ما يخص السياسية. مع الطابع الثري الذي وضعه في الدراما، جعل موته موتاً إنسانياً لفرد سوري خاصٌ في عمله وكيانه، في بلاد فيها النفوق البهيمي سمة عامة وواضحة.

قد يبدو خلاف زهير رمضان، رئيس نقابة الفنانين، وغسان عبود، على موت حاتم علي معياراً للحسد العقدي، لدى اثنين من مبتذلي السياسية وساقطيها. الأول لا يجعل الفن أبداً معياراً في العمل اليومي، والثاني يظن أن السياسة حرفة مبتذلة. فن الأول عدمي، بالأصل ليس فناً، بل سلطة تدميرية للبشر بوصفهم أسديين أم لا، والثاني لا يعرف كم من المخيف أن تكون ثورياً، أو حتى أن تشارك في ثورة. أقله استطاع حاتم علي الموت سورياً، مات بين مواطنيه في حريةٍ قدم فيها أعماله كفرد، لا نعرف مستوى الحرمان الذي حصل عليه، إلا أنه مات كروح وجسد، وقيمة ما قدمه انعكس في مسرح النفوق السوري كدلالة ضدّية. من هنا، يبدو غسان عبود لاهثاً ليأخذ موقعاً أخلاقياً أسوة بزهير رمضان، وهما اللذان تشي مقدمات أعمالهم بفشل ذريع في ترك الأثر.

هذا لا يعني في نهاية المطاف أن حاتم علي لن يتحمل في عيون كثر لوماً لصمته، لكن في اعترافنا بتوتاليتارية النظام الأسدي، وطبيعة الفرد الذي أنتجه، لا يبدو هذا غريباً أبداً. شيطان الفن كان كافياً ليموت حاتم كما يحب. وفي مكمنٍ آخر، هناك التسامي الذي بالغ فيه السوريون، دلالةً على بحثهم عن موت مستحق لمن يقدملهم  شيئاً، ولا يبدو متسخاً، لا بسياسة يومية، ولا بمعنى فكري وثقافي عميق. هنا جرح آخر لعشرات المفكرين والكتاب والمثقفين الذين ماتوا وظهر موتهم أيضاً كنفوق. المبالغة تأتي من عصر التلفزيون والجهل السوري بما يبدو عميقاً. سوريا حملت في تاريخها القريب، آلافاً ممن يستحقون معنى عاماً لموتهم وألماً جماعياً أيضاً. لا نقلل هنا من حاتم علي، لكنه اتزان منصف لما يجب أن يعنيه الموت أيضاً في المسرح السوري.

عارض حاتم علي النفوق السوري واستثناه، على أمل أن يبحث السوريون عن أموات يستحقون العزاء، أو يتجرؤوا على رفع أيديهم ليصوروا مآتم يستحقون الاحتفاظ بتاريخها. موت حاتم مساءلة لثقافة السورين أيضاً.

المدن

————————————-

 

 

 

 

=====================

 

 

 

تحديث 11 كانون الثاني 2021

 

 

 

———————————

 

 

 

رجل بحجم الشام/ بروين حبيب

تعرّفت على حاتم علي أيام سرق المشهد الدرامي السوري قلوبنا بروعته، وسحرنا بجمالياته، وكنا على مدى عقود من الزمن مُحتَكَرين كمشاهدين بالدراما المصرية. شيء مختلف تماما قدمته الدراما السورية منذ بدايتها، كان أقوى من كل الأعمال التي عوّدنا عليها التلفزيون، كونه كان حقيقيا، حدّ إدهاشنا مثل المرآة التي عكست دواخلنا بكل تفصيلاتها.

حاتم علي كان واحدا من كوكبة النجوم الذين صنعوا تلك الدراما المدهشة، حيث الكل متساوون في الأداء، لا كومبارس ولا نجوم صف أول ولا ثانٍ. عرفته على الشاشة ممثلا ثم مخرجا قبل أن أجتمع به في لقاء مطوّل. شهدت إطلالاته الأولى، وشهدت نجوميته السّاطعة، ثم قرأته ككاتب قصة جد متميز، ثم ها أنا أشهد غيابه المفجع، ليعيد مشهد غيابه شريطا كاملا لعشقي لسوريا، وما عشته فيها من ذكريات حلوة من المحال أن تنسى.

غير كل المشاهد الحزينة التي قدمها حاتم علي جاء المشهد الأكثر حزنا من إخراجه أيضا، لكنّه هذه المرّة كان مشهدا فريدا من نوعه، منح فيه فرصة لجمهوره العريض أن يكون خلف الكاميرا ويكون هو أمامها يؤدي مشهده الأخير. هبّت الجماهير العربية إذن، وهبّت الشام كلها لوداعه، تبكي رحيل الحالم الذي رسم الكثير من أمنياتها الجميلة، وقدّمها لنا دافئة مشرقة عابقة بألوان من الروائح الثقافية، التي تلاقحت على أرضها وأثمرت بما هو أجمل وألذّ.

هل كان ما شعرت به نابعا من الشّام، فأوهمتني أنها شبيهة البحرين في حميميتها ومذاقها المألوف؟ أم أنّه نابع من تلك الصداقات التي تكوّنت بشكل عفوي، منذ زرت الشّام أول مرة، فما شعرت بغربة ولا بوحدة، ولا بذاك الارتياب الذي يشعر به الغريب حين يحل ببلد أجنبي؟ أدهشتني الشام بعراقتها، وأدهشني موزاييكها الثقافي الذي وجدته كما تمنيت تماما. وأذكر كيف فتحت لي ذراعيها، خاصة مبدعيها وكبارها، كنت محظوظة جدا بذلك الحضن الكبير الذي وجدتني في كنفه، وهذا موضوع يطول سرده، لكن لا يمكنني فتح موضوع حاتم علي بدون فتح بوابة صنّاع الدراما وعلاقتهم ببرنامجي «نلتقي مع بروين حبيب» فأنا أدين لهم بالكثير، فقد كانوا بالنسبة لي المدرسة الثانية والثالثة، والجامعة الحقيقية التي تعرفت من خلالها على أهم الوجوه والتجارب الدرامية. كما لا يمكنني إلاّ فتح بوابة الشّام على مصراعيها، شام الحرف العربي، مقام ابن عربي، جبل قاسيون، وكل تلك الأماكن والرموز والعلامات، التي ترسم لوحة جميلة لكل ما أعشق ووجدته. من الصدف الجميلة والمحطّات المهمة في حياتي استضافة «المخرج الكبير الكبير» هيثم حقي، لي هو وزوجته هالا محمد الشاعرة الموهوبة الذكية في بيتهما، فوجدتني محاطة بالشعر والفنون كلها دفعة واحدة في حضرتهما.

من حسن حظي أيضا أن تعرّفت على السيناريست ريم حنّا، التي استضافتني أيضا ونشأت بيننا صداقة متينة جدا. تعود صور لقائنا في مطعم النارنج في باب توما في الجانب القديم من الشام حول طاولة العشاء، وحديث شيّق قرّب مشهدية الأحلام السورية الكبيرة، التي كان يحلم بها المبدعون والفنانون. كانت تلك من أول علاقاتي بالعائلة الفنية السورية، التي امتدت حتى بعد تبعثر أهل الفن بسبب خلافات سياسية لا معنى لها. بقيت بصمة ذلك الماضي في ذاكرتي وقلبي، وها هي تطفو على السطح كما لو أنّها حدثت البارحة. في أرشيفي ذاكرة بأكملها عن المشهد الثقافي السوري، بدءا بحنا مينه الكاتب الذي عشقته من الغلاف إلى الغلاف، إلى المفكر والشاعر أدونيس، الذي احتفى بي من أول لقاء بيننا في بيته بجبلة، إلى كل من حاورتهم بحثا عن بصمات إبداعية تميز سوريا مثل، الرسام نذير نبعة الذي حاورته في أليسار بيت عربي قديم، والمفكّر الطيب تيزيني الذي رفض أن يأخذ مكافأته المالية خجلا، وأذكر أنه قال لي إنه من المفروض أن يعطوني مكافأة على دوري التنويري عبر برنامج «وجوه» عام 2002-2003. كما حاورت الكاريكاتوريست علي فرزات ملك بلاغة الصمت، والفنان العراقي جبر علوان حين كان مقيما في دمشق، والموسيقي المبدع طاهر مامللي… كلهم كانوا يمثلون الشام، فلم تكن سوريا آنذاك كما تخيلنا مجرد ورشة جديدة للدراما التلفزيونية، وإن كان ما شدّني إليها بعد الرواية هي الدراما فعليا. لقد كانت أوسع من سماء صيفية مقمرة مرصعة بالنجوم، وكانت تعد بالكثير.

ثمة أوقات يستحيل نسيانها تحدثت فيها عن تلك السماء مع صديقيَّ أمل عرفة وعبد المنعم عمايري، مع ضحكات نابعة من القلب لا تزال تنبض بالحياة في ذاكرتي. ثمة صور استثنائية لأمسية شعرية جمعت اثنتي عشرة شاعرة في الآرت هاوس، نظمتها الصديقة الشاعرة هالا محمد، وها هي تركض في شريط سحري أمام عيني كأنها حدثت البارحة، تحمل تفاصيل المكان الذي كان طاحونة قديمة قبل أن يُحوّل لفندق غاية في الجمال، ملتقىً لعشاق الشام والفن. كانت المفاجأة في تلك التظاهرة الشعرية، إقامتي في غرفة تحمل اسم المخرج العظيم مصطفى العقاد، الذي كان صديقي أيضا، وكان لكل شاعرة غرفة مجيّرة باسم فنان من الكبار، فقد حملت كل غرفة اسما، مثل نزار قباني، ولؤي كيالي، وفاتح المدرّس، وآخرين.

تحضرني أيضا مهرجانات أدونيا للدراما، بكل زخمها وفخامتها. وتحضرني المدينة بروحها المتفرّدة، من المزرعة، إلى الحميدية، والأسواق القديمة، والعطّارين، وسوق ساروجة، إلى السيدة رقية، التي زرتها مع الكاتب والسيناريست خيري الذهبي فارتبطت في ذهني به، وبمقهى النّوفرة حيث شربنا الشاي. كما ارتبط مقهى الرّوضة ومعهد الفنون بجمال سليمان، فكانت بداية لصداقة جميلة، مستمرة إلى اليوم. يحضرني أيضا أحمد معلاّ الفنان التشكيلي الساحر الذي صمم ديكور وسينوغرافيا مسلسل «الزّير سالم» حين دعاني لزيارة موقع التصوير، ومشاهدة كل تفصيلات المكان لذلك المسلسل الرائع. كما يحضرني أسعد فضة، بقامته العظيمة، وقد ارتبط به قصر العظم، حيث صورت معه مقابلة من أجمل مقابلات برنامجي التلفزيوني.

كل هؤلاء والقائمة طويلة لذكرهم جميعا أدين لهم بالكثير، لأنهم رفعوا من مستوى برنامجي، وشكّلوا إضافات مهمة لي. ومن بينهم حاتم علي، الذي التقيته بعد نجاح مسلسله «صراع على الرمال» ويومها اكتشفت الخلفية الثقافية الواسعة والعميقة والصّاخبة لرجل هادئ، يوحي لمجالسه كل الوقت أنّه غارق في التفكير. اكتشفت القارئ النّهم، وكاتب القصّة، والممثل والمخرج الشغوف بعمله، والإنسان المجتهد بكل ما أوتي ما قوة، والنّاقد اللاذع لنفسه ولعمله. من معرفتي القصيرة به أحببت سرعة بديهته، وردة فعله الذكية، وأجوبته البليغة، وأدركت أنّه علامة فارقة في الدراما السورية التي أحببتها بوجهها السوري الخالص، بدون أي إضافات من هنا وهناك، ولي في هذا الموضوع ما أقوله، ربما في مناسبة أخرى إن سنحت لي فرصة. فلطالما وددت أن أكتب بغزارة عن «ذكريات الزمن القادم» لريم حنّا والمخرج هيثم حقي (أستاذ حاتم علي) و«الفصول الأربعة» لدلع الرحبي وريم حنا، و«عصي الدمع» و«التغريبة الفلسطينية» التي عشتها بكل جوارحي، و«الثلاثية الأندلسية» و«خان الحرير» و«الثريا»… أحببت لمسة الأستاذ المبدع وابتكارات التلميذ المجتهد، قبل أن يصبح هو الآخر معلما كبيرا، فلطالما أعجبت باستمرارية مدرسة هيثم حقي وإثمارها، وكنت كما غيري من ملايين المعجبين بحاتم علي، نحلم أن نرى وهو شاهد معنا ثمار من اجتهد في تعليمهم، لكنّه قرر أن يغادر باكرا، ولا أدري هل يمكن لصدمة موته التي وحّدت السوريين، أن تُبقي على وحدتهم هذه؟ وهل يمكن للعائلة الفنية أن ترمم الشرخ الذي شطرها نصفين؟

من شهق لموت حاتم علي مصدوما وبكاه بحرقة، وهو يتابع جنازته، سيدرك أن فجيعته وبكاءه كانا بسبب شيء مفقود أعاده حاتم إلى الحياة بموته، شيء مثل الحب، ولكنّه أكبر، شيء مثل الجمال، ولكنه أيضا أكبر، شيء كالذي فاضت به ذاكرتي، من ماضِ عبق لسوريا العظيمة، شامل وجامع لكل ما كانت تزخر به الشّام وفقدته في غفلة منها، حين تخاصم أبناؤها بعد اختلافهم بشأن مستقبلها.

الأكيد أن حاتم علي صفعنا بموته صفعة مفاجئة، أعادتنا لرشدنا ولو لحين، وهذا ما جعل البكاء عليه حارًّا وحارقا، لقد بكينا في شبابه شبابنا المهدور أيضا، وبكينا عبقريته التي حرمنا منها وهو في عز عطائه، وبكينا كل خساراتنا التي لا تعوض وكأننا رأينا مستقبلا ينتظرنا في نهاية انتظاره… وبيني وبينكم بكيت زوجته ورفيقة عمره دلع، التي أصبحت وحيدة، والخاسر الأكبر بموته، وقد حضرني إهداء خصّها به على مجموعته القصصية «موت مدرس التاريخ العجوز» : «إذا كان في القصص ما يستحق أن يُهدى فإلى الغالية د. الرحبي طبعا» كان ذلك سنة 87 وأعتقد أن الإهداء ساري المفعول إلى الأبد…

 

شاعرة وإعلامية من البحرين

القدس العربي،

 

 

 

 

————————-

 

 

 

 

 

 

 

حاتم على… والذاكرة الجمعية/ سمير العيطة

لماذا بكاه جميع السوريين وَرَثَوْه.. ومهما كانت مواقفهم من «الثورة» أو «المؤامرة» أو «الحرب الأهلية»، فى زمنٍ لا يزال هناك من يدعون لقتل الآخرين.. الآخرين بمن فيهم «الرماديين» الذين لم ينضووا تحت لواء هذا التصور أو ذاك «للمأساة» السورية؟

هل حقا بكاه السوريون لأن رحيله قرع ناقوس الخطر للتنبيه إلى احتضار الهوية السورية، كما كتبت صحفية، ولأنه ذكرهم أن عليهم أن يقروا بما اقترفت أيديهم، هم أنفسهم، بحق أحلامهم الكبيرة، و«لأنكم قد حولتمونا أنتم جماعة السياسة والإعلام والمجتمع المدنى إلى إرهابيين وشبيحة وانفصاليين! ولم تتركوا لنا ما نفتخر به»، كما جاء على لسان إحدى المشيعات؟

لكن ما الذى يربط حاتم على حقيقة بالهوية السورية إلى هذا القدر؟ هو ابن الجولان المحتل، جُرح السوريين النازف باستمرار وثانى نزوحٍ سورى كبير بعد الإسكندرون. نشأ بين مخيم اليرموك للاجئين الفلسطينيين وحى الحجر الأسود الفقير المدقِع فى دمشق، العار القائم دوما على كل من تولى إدارة أمور سورية فى عقود ما قبل الانتفاضة، والعار الذى يدفع للتساؤل عمن يجب لومه أن كثيرا من أبنائهما انضموا إلى «داعش».

السوريون لم يعرفوا حاتم على عبر موطن نشأته، بل عبر أعماله الفنية، وخاصة المسلسلات التلفزيونية التى رافقت جيلا كاملا بينهم. وواضحٌ أنها تركت أثرا كبيرا فى ذاكرتهم الجمعية. وقد طبعت أعماله سمتان أساسيتان: التاريخ والمجتمع، دون نسيان أنها لم تكن أعماله وحده بل لثلة من الكتاب والمخرجين والممثلين وغيرهم.

***

رافق هاجس التاريخ مسيرته منذ بداياتها فى رواية «موت مدرس التاريخ العجوز» الذى سرقت السلطة ذاكرته بعد أن ادعت تكريمه. وربما هو يحمد الله اليوم أنها لم تؤبنه وتكرمه عند وفاته. لافتٌ أن أحد أكبر أعماله مع ممدوح عدوان سنة 2000 كان «الزير سالم» وحرب البسوس الجاهلية تحت شعار «لا تصالح» والثأر إلى ما لا نهاية، دون الإشارة إلى مسيحيته. ولافتٌ أيضا كيف غيب قصدا، هو والكاتب الفلسطينى وليد سيف، التشابك السنى ــ الشيعى / الفاطمى فى مسلسل «صلاح الدين الأيوبى» (2001). ولافتٌ كذلك كيف روج للنموذج الشامى الأموى فى مسلسل «صقر قريش» (2002) مقابل النموذج العباسى، وكيف أظهر أن «السلطان يُغرى صاحبه» فى «ربيع قرطبة» (2003)، وكيف شدد على أن «الطغاة كانوا دوما شرطا للغزاة» فى «ملوك الطوائف» (2005)، وأن الجزء الأخير من «الرباعية الأندلسية» عن «سقوط غرناطة» لم يجد ممولا لإنتاجه. فى حين يبرز مسلسل «التغريبة الفلسطينية» ليس لمجرد بقاء ذاكرة اغتصاب فلسطين حية حين عُرِضَ فى 2004، بل الأعمق منها اليوم فى ظل التطبيع المتسارع مع إسرائيل وتجاهل الفلسطينيين فى الداخل والخارج… كشعب. لافتٌ أيضا كيف أثار مسلسل «الفاروق عُمَر» (2012) الممول قطريا و«المدقق» من قبل يوسف القرضاوى وسلمان العودة، والذى تم إنتاجه فى بداية أحداث «الربيع العربى»، إشكاليات كبيرة.

محقٌ فواز حداد حين رثى حاتم على أنه «ليس من السهل البقاء حرا، ولا حتى على قيد الحياة»… فى زمن الطغاة وملوك الطوائف و«العملة الزائفة».

كان الهاجس الاجتماعى قد سبق ذلك البعد التاريخى عند حاتم على، بداية مع هيثم حقى فى صراع التقليد والحداثة ضمن العائلة الواحدة فى «دائرة النار» (1988)، ثم سابرا موجة هجرة الريف إلى المدينة التى طبعت سوريا فى العقود الماضية فى «فارس فى المدينة» (1995)، ثم إشكاليات الحفاظ على التراث فى «عودك رنان» (1997)، ثم مسلسل «الفصول الأربعة» (1999 و2002) الذى كان له الوقع الاجتماعى الأكبر لأنه مثل واقع معيشة العائلات الدمشقية المتوسطة اليوم ما جعل الكثيرين يجسدون أنفسهم فيه، حتى جاء «قلم حمرة» (2014) ليعرض كيف تبدى هذا الواقع خلال الصراع فى سوريا.

تجرأ حاتم على فى عرضه للاعتقالات والتعذيب، خصوصا فى «قلم حمرة»، ولرموز أجهزة السلطة وصراعاتهم فى «العراب ــ نادى الشرق»، ثم كيف أن «الصراع (بين رموز السلطة) سينتقل إلى جيلٍ جديد، جيل الشباب الذى سيتلقى الموروث المترسِب كل شىء عن جيلٍ سابق، وبالتالى سيكون الصراع مفتوحا» فى «العراب ــ تحت الحزام». وكذلك على عدم المساواة والسماح بالهفوة التى تعانى منه النساء فى «عصى الدمع» و«الغفران»، والتحدث بصراحة عن ظاهرة القبيسيات (النساء السلفيات حسب الطريقة الشامية) وعن العادة الشهرية وعن المثلية الجنسية. هذا عدا السخرية من الواقع فى «مرايا».

***

رحل حاتم على بينما كان يحضر لمشروعٍ درامى، عن الحرب العالمية الأولى، المعروفة فى بلاد الشام بـ«سفربرلك» والتى أسست لوعد بلفور ولسايكس ــ بيكو اللذين يستحضرهما كثيرون اليوم.

رغم كل هذا، ينتقد البعض حاتم على أنه لم ينحز صراحة للاستقطاب القائم اليوم بين المظلوميات، الحقيقية أو المتخيلة، التى يتبنونها وأن أبطال مسلسلاته «خلاصيون» رومانسيون. بالطبع يُمكن أن تخضع جميع هذه الأعمال يوما لقراءة نقدية عميقة. إلا أن تخطى التأسف عليه للاستقطاب القائم له دلالاته.

فى الحقيقة، لا شك أن أعماله، وأعمال عددٍ من رفاقه، والتى تم إنتاجها للمفارقة التاريخية فى ظل الاستبداد قد أسست لوعيٍ جماعى، إنسانى واجتماعي، شكل الأساس لانخراط الكثير من أبناء جيل 2011 فى الانتفاضة، السلمية فى بداياتها الأولى، على ذات الاستبداد تحديدا. ولا شك أن هذه الأعمال قد أسست أيضا لهوية وطنية سورية هى التى يبكى عليها السوريون بعد عشر سنوات من الصراع المدمر، بالوكالة وبالمباشر، الذى لا طائلة له سوى… زوال الوطن.

هكذا كان السوريون قد بكوا جميعهم، حتى الأشد كرها لنظام البعث، فى 9 يونيو 1967. بكوا على نكستهم. وبكى السوريون جميعهم، حتى الأشد مناهضة لعبدالناصر، فى 28 سبتمبر 1970 يوم وفاته. لأنه كان يُمثل، رغم كل شىء، جزءا من هويتهم، فهم الذين «ورطوه» بالوحدة مع مصر قبل أن ينبذوها. وبكوا نزار قبانى ومشوا وراء نعشه رغم السلطة، فهو الذى أنشد «أيها الناس: لقد أصبحت سلطانا عليكم، فاكسروا أصنامكم بعد ضلال، واعبدونى»… فى حين لم يبكِ كثيرون يوم رحيل «حافظ الأسد» الذى قصده نزار فى قصيدته، بل توجسوا صمتا خوفا من المستقبل. وكانوا محقين فى توجسهم. وعلى الأغلب، لن يبكوا غدا، على رحيل لا رموز السلطة القائمة ولا «رموز» معارضتها.

غريبٌ أمر الذاكرة الجمعية… من الذى تكرمه وتجعله رمزا لتخطيها لفئويتها وعشائريتها وطائفيتها ومظلومياتها وحتى استقطاباتها… وتنصبه «بطلا رومانسيا لخلاصها»… وكما أنشد نزار: «لو مدمنو الكلام فى بلدنا… قد بذلوا نصف ما بذلت».

الشروق

 

 

 

 

————————-

 

 

 

 

 

 

 

 

حاتم علي بين غسان عبود وزهير رمضان…الظهور المتأخر للموت/ أدهم حنا

كان موت حاتم علي ظهوراً متأخراً للموت. الموت بالمعنى الأنسي الحديث، كردٍّ على دلالة أخرى، “النفوق السياسي”، أي الموت الحيواني بشقّه المادي البحت، الذي يتحلل فيزيائياً وكيميائياً ويمضي بلا معنى. في الثقافة الرمزية واليومية السورية الأسدية، يبدو أننا ننفق فقط، نتحلل ونموت من دون حمل معنى. السوريون في الزمن الأسدي البعثي، كل يوم يقولون عن موتاهم: “حقّه رصاصة، حقّك فرنك، راحو ببلاش، ارتاح من هالعيشة،..” كل هذه المقولات الملعونة تشبه عالماً طبيعياً حيوانياً لا معنى فيه لأي تحقق عقلاني أو إنساني. في موت حاتم علي تحققت ردّة مختلفة، في اكتشاف أن للموت معنى مختلفاً عما يجري في بلادٍ كاملة موتاها يوصفون بأنهم ينفقون، بشكلٍ مادي صرف.

كان لحرية حاتم بالمعنى الذاتي، أثرٌ كبير، وأيضاً للفن. الجنازة حملت طابعاً بشرياً جماعياً مختاراً ومحدداً، ليس الوجدان المشترك ما جعل السوريين ينزلون في خيوط بشرية طويلة لتقديم العزاء، بل اشتراكهم كردّ فعل لاواعٍ للاعتراف بالموت الإنساني المشترك في وجه إيديولوجيا عسكرية وسياسية حاولت صنع الموت بوصفه قيمة خاوية من أي معنى. رفع الآلاف كاميراتهم وأيديهم، لتصوير الموت والاعتراف به، على أنه موت. هنا، القيمة ليست لحاتم كفنان فحسب، واعترافاً للفنان بوصفه قيمة اجتماعية وفنية، بل ما تبقى من قيمة يمكن الإجماع عليها بوجه المقتول عسكرياً أو إرهابياً أو مقاوماً. في رفض تقديس العسكرة والفاشية الأسدية التي قدست المقاتل البشع والأجوف. الموتى المقاتلون فقدوا قيمتهم، في بلادٍ لا تملك سياسة ولا عقلنة ولا معنى اجتماعياً كثيفاً للعمل الروحي الغائي. موت حاتم علي نقطة بداية لما يريده العاديون ممن لا يحترفون السياسة، ونطاق تعبيراتها كاعتراف للموت الذي يهمهم ويعنيهم خارج الأدلوجة وسياقها.

كان الخلاف إذاً على تسييس موت حاتم بوصفه موتاً. فرفض النظام نعيه (أو نعاه الأسد متأخراً)، ذلك أن طبيعة موته تفقد معناها الذي يعترف به، فالميت مَن يكون قديساً ساذجاً للتضحية، قروسطي المعنى والتعبير، من أجل وطن لا يُرى ولا يقدم شيئاً. لا موتى في هذه البلاد سوى من يتبع النظام ويموت من أجل حماية كرسي قائده ونظامه، ومن يرسل لهم عسكره ليطلقوا النار ويرهبوا الناس برصاصاتهم في الطرق.

أما المعارضة بوجوهها الكثيرة، فشاهدت الموت بوصفه شعوراً عاطفياً، وبعضهم شاهد الموت بوصفه نفوقاً حيوانياً لمن لا يملك رأياً سياسياً في وجه نظام فاشي. في المعيار السوري، غيّر حاتم علي صيغة الموت المقبولة اجتماعياً، اكتُشف الموت في مسرح الشارع. في الأصل، المواطن الفردي يشعر بأنه ينفق كحيوان ساذج، غريزة تدميرية تتفاعل داخل السوري المهان في كل شيء، بدءاً من جوعه، وانتهاءً بصوته وحاكمية رأيه. والجميع من النخب يحاول معايرة الموت رغم أنه لا يظهر سوى كنفوق. بالكاد بقي حتى اليوم مَن يحصي الموتى مِن السوريين بالأصل جراء حربهم وجوعهم وفقرهم.

لا يمكن لوم حاتم علي على رأي امتلكه في السياسة، وحتى ما يبدو فيه مبدعاً، لا يحقق له أن يبدو ملهماً اجتماعياً أو سياسياً. في نهاية الأمر، يبقى حاتم علي مخرجاً تلفزيونياً ناجحاً، ولا يمكن جعله أكثر من ذلك. في عالمٍ قديم للتفكير، فيه غسان عبود وزهير رمضان، جرت محاكمة حاتم بوصفه رجلاً بلا أخلاق ولا يستأهل نعيه حتى. فأجازوا لأنفسهم قتل حاتم بعد موته. في سياق سوري عنفي، لا تبدو فيه السياسة حرفة، ولا تبدو زهداً في آن واحد، تجري محاولات قتل إضافي بحثاً عن معنى تفوقي أخلاقي حتى على الأفراد الذي يملكون شيطاناً خاصاً بعيداً من الحامل الاجتماعي وهمومه. هذا لا يعني أننا نطالب ميتاً بموقف سياسي، لكن ألا يستطيع السوريون أيضاً مساءلة محترفي السياسي عن غايات تصرفاتهم وعملهم وقيمهم ومعانيهم التي يبغون الوصول إليها؟

كان انعكاس الموت، آلاف الأيدي المرفوعة في بلاد لا يجتمع فيها الناس سوى لقتلهم بالرصاص، أو ليمجدوا الحاكم. بحسب إدوارد سعيد مثلاً، يبدو صمت حاتم علي فقراً في الثقافة الشخصية له، لأنه نأى عن الاستبداد والتسلط والوقوف في وجهه، لكن في الوقت ذاته، ألا يملك حاتم حرية أن ينأى عن المستنقع السوري لأنه شاهد ساسة سوريا في مستنقع دم؟

“الاقتصار على العمل التخصصي لا يعني الاستسلام الفاوستي”.. في ما قدمه حاتم اقتصار على دور تخصصي، جرى فيه ذاتياً الابتعاد عما يبدو حرفة أخرى، مكتفياً بأن يكون عادياً في ما يخص السياسية. مع الطابع الثري الذي وضعه في الدراما، جعل موته موتاً إنسانياً لفرد سوري خاصٌ في عمله وكيانه، في بلاد فيها النفوق البهيمي سمة عامة وواضحة.

قد يبدو خلاف زهير رمضان، رئيس نقابة الفنانين، وغسان عبود، على موت حاتم علي معياراً للحسد العقدي، لدى اثنين من مبتذلي السياسية وساقطيها. الأول لا يجعل الفن أبداً معياراً في العمل اليومي، والثاني يظن أن السياسة حرفة مبتذلة. فن الأول عدمي، بالأصل ليس فناً، بل سلطة تدميرية للبشر بوصفهم أسديين أم لا، والثاني لا يعرف كم من المخيف أن تكون ثورياً، أو حتى أن تشارك في ثورة. أقله استطاع حاتم علي الموت سورياً، مات بين مواطنيه في حريةٍ قدم فيها أعماله كفرد، لا نعرف مستوى الحرمان الذي حصل عليه، إلا أنه مات كروح وجسد، وقيمة ما قدمه انعكس في مسرح النفوق السوري كدلالة ضدّية. من هنا، يبدو غسان عبود لاهثاً ليأخذ موقعاً أخلاقياً أسوة بزهير رمضان، وهما اللذان تشي مقدمات أعمالهم بفشل ذريع في ترك الأثر.

هذا لا يعني في نهاية المطاف أن حاتم علي لن يتحمل في عيون كثر لوماً لصمته، لكن في اعترافنا بتوتاليتارية النظام الأسدي، وطبيعة الفرد الذي أنتجه، لا يبدو هذا غريباً أبداً. شيطان الفن كان كافياً ليموت حاتم كما يحب. وفي مكمنٍ آخر، هناك التسامي الذي بالغ فيه السوريون، دلالةً على بحثهم عن موت مستحق لمن يقدملهم  شيئاً، ولا يبدو متسخاً، لا بسياسة يومية، ولا بمعنى فكري وثقافي عميق. هنا جرح آخر لعشرات المفكرين والكتاب والمثقفين الذين ماتوا وظهر موتهم أيضاً كنفوق. المبالغة تأتي من عصر التلفزيون والجهل السوري بما يبدو عميقاً. سوريا حملت في تاريخها القريب، آلافاً ممن يستحقون معنى عاماً لموتهم وألماً جماعياً أيضاً. لا نقلل هنا من حاتم علي، لكنه اتزان منصف لما يجب أن يعنيه الموت أيضاً في المسرح السوري.

عارض حاتم علي النفوق السوري واستثناه، على أمل أن يبحث السوريون عن أموات يستحقون العزاء، أو يتجرؤوا على رفع أيديهم ليصوروا مآتم يستحقون الاحتفاظ بتاريخها. موت حاتم مساءلة لثقافة السورين أيضاً.

 

المدن

 

 

 

————————-

 

 

 

 

 

 

======================