مقالات

كيف تسلّلت الوحوش إلى لوحة فاتح المدرّس؟/ أسعد عرابي

تحتفي العديد من المؤسسات الثقافية الرسمية (مثل وزارة الثقافة السورية) بإحياء الذكرى العشرين لوفاة فاتح المدرّس، وكذلك الأهليّة وخاصة إدارة مرسمه أو متحفه الباقي في محترف قبوه تحت الأرض، المحفور تحت أديم “ساحة النجمة” التابعة للحي الدمشقي العريق: الروضة – الشعلان، والذي يديره إثر وفاة المدرّس وزوجته، الفنان السوري المعروف عصام درويش. وهو صاحب أكبر مجموعة لفاتح المدرّس، ومدير لغاليري عشتار، وفنان مصوّر، تشاركهم بالضرورة مؤسسة منى أتاسي (ما بين دبي وباريس) بسبب انشغالها واشتغالها على قطب الفن التشكيلي فاتح المدرّس في بلاد الشام والحفاظ على تراثه الباقي.

حضرتني بمناسبة إحياء ذكرى وفاته (منذ عشرين سنة في 1999) في دمشق، صور ذاكراتية حميمة، مشرذمة على مساحة العقود الأربعة التي جمعتني معه يومياً، إنسانياً وفنيّاً وتربوياً، ما بين دمشق وبيروت. فهو الفنان الأقرب إلى روحي ومعاناتنا المشتركة الخاصة، مع صبوة البحث عن الهوية الحضارية في اللوحة بشتى محطات ماضيها التشكيلي التراثي، والذي يغور آلاف السنين ما قبل الأيقونة والمنمنمة المحليّة.

السكنى تحت الأرض والمطر

لا تتكشّف أساطير فاتح الملغزة، والتي تغذي طقوس تصويره الغريزي، إلا لمن يعاقر معه كلّ مساء هزيع الليل، مثلي ومثل الفنانين المقرّبين من شطحه الثمل. غالباً ما يقطع خدر الجلسة ونفثات دخان سجائرها ليغمغم بتعليقات (ملتبسة) يخطّها على أوراق مهملة، يلصق نتفها على السقف. تتحول مع الزمن إلى “حكمة فاتحيّة” لا تخلو من تأمل وجودي مثل: “المطر لا يهطل على الفقراء”، “البلد الذي يقتصر على وجه لا يعوّل عليه”. واحدة منها تجيب على سؤال العنوان: “دخلت الوحوش لوحتي منذ هزيمة 1967م”، ثم يتابع بعد سنوات مديدة حكمته لتناسب حدثيّة اجتياح لبنان 1982م، وقبلها عام 1978م، فتنتشر لوحة الجرذان يدخلون المدينة (رمزاً لجنود الاحتلال الذين انتشروا في بيروت ومقاهيها أثناء وجوده فيها). للوحش المرسوم لديه بعد آخر آرامي، مستقى من المنحوتات المدماكية القابعة في حديقة متحف دمشق، ينتهل أيضاً من النحت الكنعاني الساحلي (أوغاريت وبيبلوس جبيل)، ومن أشباح

“غالباً ما يقطع خدر الجلسة ونفثات دخان سجائرها ليغمغم بتعليقات (ملتبسة) يخطّها على أوراق مهملة، يلصق نتفها على السقف. تتحول مع الزمن إلى “حكمة فاتحيّة” لا تخلو من تأمل وجودي مثل: “المطر لا يهطل على الفقراء”، “البلد الذي يقتصر على وجه لا يعوّل عليه””

الأيقونة السوريانية، وبراق الفنون الإسلامية الشعبية.

يبدو استسلامه المطلق لهذه الحضرات (الجلسات) أشبه باستراحة المحارب، فقد كان فارساً يجوب مواطن وفيافي سهوب الشمال شاباً، موقع ولادته عام 1921م، حتى وقع في هيام قريبته زوجته الأولى، فأنجبا ابنتين توفيتا لاحقاً كل في وقت مختلف، وكانتا مصابتين بإعاقة جسدية منذ الولادة، وبقيت مأساته شاهدة في نصبه الحضارية تشف عن جرح حساسيته الإنسانية الرهيفة، مما يهلْل كامل فلاحات منطقته بالحداد الخنسائي السرمدي. عرف إذاً بوجود فلاحات خيام السهوب والمراعي الشمالية الهائمات في رحابة شظف العيش، وأوشامه وكحلته كما تضرّجت الوجنتان بصباغة نبات الفوّة واليدان بالحنّة. يتخاطف اليوم عشاقه هذه البورتريهات المعزولة لحيويتها وسهولة حملها موشومة بالأصالة الأسلوبية التعبيرية الوجودية التي اختصّ بها فاتح المدرس.

إذا عدنا إلى حضن مجلسه المذكور المدفون تحت سكان سطح الأرض حيث تختلط أشباح زواره (غالباً لا يعرفهم جيداً لأن بابه مشرّع للوافدين) مع “أموات – أحياء” زكريا تامر، أي جالية مدافن اليوم الآخر مستشرفة القيامة الشامية التي وصل أخطبوطها بعد وفاته عام 1999م؛ غالباً ما يهجر ربعنا، واقفاً بتنّبه الصقر المنقض على فريسته، وذلك لأن من مألوف عادته ألا ينظر ما حوله، مركزاً جوارحه وحدقتيه على اللوحة الملصقة “بالشوفالييه” قبالته. يتجه إليها مثل السهم المارق وكأنه يستدرك ما يمكن أن يخطفه القدر من تصحيحاته وتجليات أشكاله غير المكتملة أبداً، يبدل، يمحق، ثم يقتلع بالسكيّن بعضاً من تضاريس العجائن نصف الجافة السابقة. ثم يحمل بسخاء أصباغه الجديدة ناحتاً جبين اللوحة من جديد، بطريقة أثرية. قد تستقبل بعض الملصقات الترابية أو الرملية موطئ فروسيته التي ولت إلى غير رجعة مثل جذوة شبابه.

* *  *

نتلمح في محيا لوحته طبوغرافية تكوينها الملتبس مدناً آرامية منحوتة في الصخر مثل معلولا وصيدنايا. يغلب على قناعها التنظيمي تجريد مدماكي مدرج متسلسل الحجيرات، مثل كتابة النوطة الموسيقية، هو ما يفسر بحذر استفزازي، مُصدراً ضجيجاً خجولاً بسبب عدم معرفته لا بأصول النوطة ولا بأصول العزف. بالنسبة إليه مجرد تحريض لمناخ متأمل يساعده على التصوير. أجابني ذات مرة وأنا ألومه على عبثيته الموسيقية التي لا تبلغ درجة وجد تقنية لوحاته، بأنه يكره البيانو كما يكره الأوبرا الإيطالية وإيماءتها على المسرح، وأنه يفضل تثاؤب القطة في الحارة الدمشقية أو إلى جانب الفسقية (بركة الماء في الباحة الشامية) على هذا الافتعال المتمسرح الإيطالياني. لعلها القناعة بعدم جدوى كل ما هو خارج تعبير اللوحة!

ألا تجدون معي في هذا العالم شيئاً من العبث؟ لكن صورة جان بول سارتر صديقه الحميم المعلقة بشكل بارز هي التي تشاركنا حلقة الدروشة الغمامية. أقول إن سلوك فاتح الوجودي اللحظي الراهني أشد ارتباطاً بمزاجه السيزيفي الإبداعي منه إلى إشاعة ميوله الإيديولوجية إلى الحزب القومي السوري. قادته وجوديته هذه لأن يكون نقيباً للفنانين، فأفسد بتراخي مسؤولياته الإدارة والمؤسسة معاً، وحوفظ عليه كرمز لنجوميته المغلقة على بواطنها السرية.

ثمّ إنه كان يتخلّى بسهولة عن درر لوحاته بأبخس الأثمان، وأحيانا مقابل زجاجة ويسكي فقط وذلك رغم كرم استقباله لمن يفد إلى مدفنه السكني الأرضي. وقد يقاسم المتشرّد أو عامل التنظيفات كسرة خبزه. يمثل رمزاً لثقافة الزهد والتصوف في ميدان تعبيريته الحضارية القدسية والوثنية في آن واحد.

ماذا بقي من عبقرية عدميات المربي فاتح المدرس؟ لم تخل لوحات معاصريه من بصماته بمن فيهم أنا نفسي الأشد تحصّناً. لكن جحود تلامذته وأحفاده من جيل الثمانينيات وقع في نكران ريادته، ليس فقط لما نعانيه من أزمة أخلاق، وإنما لما أصاب الفن السوري من شوائب في الموازين خلطت الحابل بالنابل: القطب بالأمي، وتعسكرت المحترفات، وتلوثت بالإيديولوجيات المنافقة.

“رحم الله امرءاً عرف قدره فوقف عنده”.

ضفة ثالثة

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى