مقالات

الحلبي عيسى توما فائزاً بـ”وورلد برس فوتو”..الحرب حررت العقول/ جوزيف الحاج

منحت “وورلد برس فوتو” جائزتها لهذه السنة عن فئة “السرد” البصري، للمصور السوري عيسى توما، عن عمله “مدونات من حلب” (Notes From Aleppo). سرد تفاعلي، يجمع الصورة الفوتوغرافية والفيديو والنص المختصر، يحكي عودته إلى حلب، مدينته التي يعشقها، بعد توحيد شطريها في كانون الأول 2016.  يتألف العمل من ثماني حلقات: “العودة إلى حلب”، “Home Sweet Home”، “صوت الرصاص”، “نهاية فندق “بارون”، “شجرة الأمل”، “مقهى الصديقات”، “آخر الأطباء الأحياء”، “سينما الهواء الطلق”. 

في “العودة إلى حلب” كتب: “أنا في طريقي من بيروت إلى حلب… أعتقد أن الطريق ستستغرق 6 ساعات. السائق يقود بسرعة من دون ربط حزام الأمان. يدّعي أنه بارع، لذلك لست خائفاً. على الطريق حواجز ترابية للحماية من نيران القناصة. مررنا بالعديد من الشاحنات المحترقة”. لتجنب خطوط التماس، يخرج السائقون عن الطريق العام، يسلكون أماكن نائية: “مررنا بقرية صحراوية، بيوتها مقببة تشبه خلايا النحل، كنت قد صورتها في العام 2000، لكنها اليوم خالية من أهلها. وقفة في استراحة. الجنود والعائلات والمسافرون الوحيدون كلهم يتوقفون لشرب القهوة وتناول السندويش والإسترخاء، قبل مواصلة الرحلة، كل إلى مقصده. الأطعمة سيئة لكن لا خيار آخر. الوصول إلى حلب، من الجهة الشرقية… عند الكيلومتر 467، في منطقة العرقوب، أصبحت على بعد 10 دقائق من بيتي”. لحظة وصوله إلى حلب، يقصد “الجديدة” القريبة من منزله.

 في “Home Sweet Home”، الوصول إلى بيته الذي هجره في آب 2012. أذهله الدمار. أثناء الحرب، كان البيت معقلاً للمقاتلين. “بما أن الكثير من السكان عادوا إلى بيوتهم، قررت العودة”. في الزقاق الضيق، يلتقي بعائلة عائدة لتوها بعد غياب سنوات. يصل إلى “سيدي علي”، الحي الذي يسكنه، يصدمه حال الحي، “أنا سعيد لوصولي”.

المكان يعبق برائحة قوية. أخبرني جاري أن كل من سيطر على الموقع، كان عليه أن يربي الدجاج للتموين. الشقق المهجورة نهبها كل من تعاقب على احتلالها.

“ها هو منزلي! أوه لقد نزعوا الباب” يصرخ عيسى وهو يلتقط لحظة بلوغه عتبة المنزل. هنا كنت أشاهد التلفزيون”.

الأرضية مغطاة بما بقي من مكتبته. يعثر على مكبّر الصور الذي طبع بواسطته آلاف صور الأسود والأبيض. الشقة خالية، مزقتها القذائف، لا أثاث فيها. أوراق ووثائق وركام: بعض الدعوات وبرامج الأنشطة الفنية التي درج على تنظيمها في حلب، واستقطبت العديد من الفنانين العالميين. يقع نظره على 3 بورتريهات أسود وأبيض، ملونة يدوياً، هي الوحيدة التي بقيت من مجموعة كبيرة لمصور أرمني. صورة لفنان دنماركي شارك في أنشطة 2006: “من المؤلم رؤية بيتي في هذه الحالة. لقد صرفت عليه كل مالي، معتقداً أنني سأعيش فيه وأؤسس عائلة. لم أتصور أبداً أنه بعد مرور سنة ونصف ستندلع الحرب وسأفقد كل شيء. يلزمني الكثير من الوقت والمال لإعادة إعمار ما تهدم… إنني خائف”.

في “صوت الرصاص”، عاملة فلبينية رفضت المغادرة رغم قرب مكان عملها من خطوط المواجهة. كانت تعمل لدى عائلة صديق له، غادرا هو وزوجته للمشاركة في مناسبة إجتماعية، ولم يتمكنا من العودة. نصحا “أنيتا” بالمغادرة، فرفضت. دوّنت معاناتها في دفتر صغير. “بقاء أنيتا معجزة. أنقذت البيت من النهب، جمعت القطع الثمينة المحطّمة. عاد أرباب عملها في 2017، إستقبلتهم بملصق أعدته بنفسها”، كتب توما في سرديته.

من حلب الأصدقاء إلى حلب التراث في “نهاية فندق بارون”. يزور توما الفندق الذي أشيع أنه تهدم. يستقبله مالكوه الذين انتقلوا إليه إثر قصف منزلهم “بقيا في حلب لتعلقهم بجذورهم الأرمنية”. لا تزال الملصقات القديمة الدعائية للسياحة في حلب صامدة على جدران الفندق.

في “شجرة الأمل” احتفال بليلة الميلاد، بعد انقطاع دام طوال فترة الحرب، بمشاركة كل الأهالي.

“مقهى الصديقات” أو تأثير هذه الحرب في ولادة جيل جديد شاب، يميل إلى الحوار والحرية. لقاء مع فنان شاب، لم يغادر المدينة هو أيضاً، انشغل طوال فترة الحرب في إعداد مسودة كتاب دوّن فيها أسماء أصدقائه، مَن ساعده على البقاء والصمود، ما يكره وما يحب، كما انتقاداته. فتحت الحرب المجال أمام هؤلاء الشباب للحديث بحرية عن أمور لم تكن ممكنة من قبل. “عندما لا يعود لدى الناس ما يخسرونه، فإنهم يفعلون ما يحلو لهم. لقد حررت الحرب العقول”، كتب عيسى.

“آخر الأطباء الأحياء”، مقابلة مع طبيب رفض ترك المدينة، ولم تنقطع رسائله المتفائلة إلى الأصدقاء في الخارج عبر وسائل التواصل الإجتماعي. ثم مقابلة مع صاحب مستشفى “مرتيني” راوياً معاناة المؤسسة التي تحولت إلى جبهة، واستمرت في تقديم الخدمات رغم تعاقب محتليها من الطرفين.

“سينما الهواء الطلق” الحلقة الأخيرة، عن الصالة الشهيرة، سينما “الخيام” التي تعرضت للقصف عشرات المرات وهُدم سقفها، فهل يُعاد إعمارها؟

نظرة صادقة، عفوية بعيدة من المبالغة والدرامية. ليست مجرد صدفة أن تتواجد أمكنة وشخصيات عيسى توما في قلب هذا الجحيم. لذلك، ربما، لم يكتفِ بالعودة، بل أدرك أن عليه البحث من جديد، وبين الركام هذه المرّة – هو الذي صوّر “حلب من فوق” (أحد موضوعاته الفوتوغرافية الشهيرة)، وشريط “9 أيام من نافذتي” (الذي نال مؤخراً العديد من الجوائز في المهرجانات الأوروبية، وصوَّر فيه ما جرى في حيّه من قتال وكرّ وفرّ في بداية الحرب). عليه البحث عن مكونات المكان، والروابط التي تشد ناسه إليه، من علاقات وقيم إنسانية وأمكنة ترسخ في الذاكرة، لأن ضياع بعضها قد يجعل العودة أمراً مستحيلاً.

يمكن مشاهدة عمل عيسى توما كاملاً، بالنقر هنا.

https://notesfromaleppo.today

المدن

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى