منوعات

الكتابة عن النساء في الحرب

قبل وقت طويل من انتشار حركة #MeToo، في جميع أنحاء العالم، بدأت النساء لعب أدوار متزايدة الأهمية في الجيوش حول العالم، من الولايات المتحدة إلى كردستان العراق. ليس مفاجئاً إذاً، أن يلحق أدب الحروب بهذا الركب أخيراً، ويتجاوز القصص الذكورية إلى تحقيقات معمّقة حول التجارب النسائية.

في ظل هذا المشهد الجديد، جاء كتاب “فتيات يوم الإنزال” D-Day Girls، للمؤلفة الصحافية سارة روز، وكتاب “الاسم السري: ليز” Code Name: Lise، للكاتب لاري لوفتيس الذي نشر سابقاً كتاباً عن العميل المزدوج في الحرب العالمية الثانية دوسكو بوبوف، وكتاب “حرب مدام فوركيد السرية” للكاتبة لين أولسون، التي لها أيضاً 5 كتب، تؤرخ فيها للحرب العالمية الثانية. يحكي الكتابان الأولان من هذه القائمة، قصص جاسوسات بريطانيات عملن لدعم المقاومة الفرنسية للاستعداد ليوم إنزال الحلفاء في نورماندي، بينما يحكي الكتاب الثالث قصة امرأة فرنسية متنفذة تُدعى ماري مادلين فوركيد، أصبحت رئيسة أكبر شبكة تجسس في فرنسا المحتلة. لا تمثل هذه القصص لمحات مجهولة من الحرب، إذ ركز عدد هائل من الروايات التي كُتبت عن الحرب على النساء ودورهن، لكن روز ولوفتيس وأولسون يخوضون خوضاً غير معهود في تفاصيل الحياة الشخصية لأبطال قصصهم وكذلك أعمالهم الحربية.

ينسج كتاب “فتيات يوم الإنزال” الذي كُتب بتفاصيل روائية، قصص 5 نساء، من طريق البحث التاريخي في المنشورات الدورية المعاصرة والمحفوظات وسجلات المقابلات. تكتب روز قائلةً، إن “الحكومة البريطانية كانت لديها مخاوف أولية بشأن السماح للمرأة بالانضمام إلى وكالة العمليات الخاصة، وهي وكالة سرية شُكلت عام 1940، تلخصت مهمتها في إشعال لهيب الثورة والتمرد في البلاد التي احتلتها ألمانيا النازية”. لم ترسل الوكالة التي أطلق عليها ونستون تشرشل لقب “وزارة الحرب غير المهذبة” نساء إلى ساحة المعركة حتى عام 1942. فبحسب روز “عُد إرسال نساء إلى خط النار عملاً قذراً، وقال كبار القادة إن الحرب يخوضها الرجال من أجل النساء والأطفال، واعتقد رجال الحقبة الإدواردية الذين أداروا الحرب أن المجندات النساء سيقدمون لهتلر سلاحاً جديداً وهو الاغتصاب”. تعكس هذه المخاوف بحسب روز مخاوف مشابهة لدى المسؤولين الأميركيين المعاصرين، بشأن إرسال نساء إلى المعركة. فحتى وقت قريب عام 2016، حاجج أوين ويست، الذي يعمل الآن مساعداً لوزير الدفاع لشؤون العمليات الخاصة والصراع منخفض الحدة، مع والده بينغ ويست، المساعد السابق لوزير الدفاع لشؤون الأمن الدولي، بأن تغيير “عصبة الأخوة” إلى “عصبة الجميلات” يقلل من شراستها.

لم تكن مخاوف المسؤولين البريطانيين الأولية من دون أساس. فالعملاء الذين يقعون في الأسر في مناطق النازيين كانوا معرضين لخطر التعذيب والموت. لكن هذا ينطبق على العملاء الذكور والإناث على السواء. وبدلاً من أن يمثلن عبئاً، تمتعت نساء وكالة العمليات الخاصة، خصوصاً الإنكليزيات المولودات في فرنسا بميزات افتقدها نظراؤهم الذكور. فغالباً ما تنكّرن في شكل لاجئات أرامل أو فتيات مدارس يجبن الريف بالدراجات الهوائية، ما سمح لهن بإثارة قدر أقل من الشكوك أثناء توصيل رسالة أو تشغيل أجهزة إرسال الراديو، من زملائهن الرجال. وقامت العميلات النساء، المدربات على القفز المظلي والفنون القتالية واستخدام المسدسات والمتفجرات، بتجنيد متعاونين ومخبرين استعداداً ليوم الإنزال.

تمكنت ماري مادلين فوركيد من استثمار عملها في الترجمة في جمع المعلومات الاستخبارية من المحتلين الألمان. تصوير أوسلون لفوركيد يعج بتفاصيل حية عن مخاوف بطلة قصتها وجهودها وكذلك الكدمات التي أصابتها خلال هروبها من سجنها الموقت في آكس.

ما يميز هذه الكتب عما سبقها من قصص الجاسوسية التي تسرد تلك الفترة، هو الطريقة التي يبذل فيها المؤلفون جهدهم ليظهروا أن هوية النساء كزوجات وأخوات وبنات وأمهات لم تنفصل عنهن أثناء قيامهن بواجباتهن الحربية. يروي كتاب “فتيات يوم الإنزال” قصة أندريا بوريل، وهي فتاة باريسية عملت في أحد المتاجر، قدمت إلى لندن بعد مساعدتها في تهريب طيارين أسقطت طائراتهم فوق فرنسا المحتلة، وكانت تزور أختها في باريس بانتظام أثناء عملها متخفية لمصلحة وكالة العمليات الخاصة، ووقعت في حب اثنين من العملاء الذكور في السنوات اللاحقة. وعلى هذا النحو، يظهر كتاب “الاسم السري ليز”، كيف عانت جاسوسة تدعى أوديت سانسوم من الملل من واجباتها كربة منزل وأم تمكث في المنزل، قبل أن تلبي نداء بريطانيا. وتذكر أوسلون الإحساس العميق بالذنب الذي انتاب فوركيد بسبب انفصالها عن أطفالها لمدة سنتين، وكيف أصابها القلق أثناء عودتها إلى عملها، على ابنتها التي كانت تمضي فترة نقاهة بعد عملية جراحية في الفخذ.

بعد 70 عاماً، لم يختلف المشهد كثيراً. في كتاب “زهرة الحرب”War Flower، وهو مذكرات كتبتها الجندية السابقة في حرب العراق بروك كينغ، تتقلب المؤلفة بين عملية الانتشار الشرسة للقوات الأميركية في العراق وبين مسؤولياتها الأسرية.

يستعرض كتاب “زهرة الحرب” مجموعة من المشاهد التي تروي وقائع طفولة فوضوية دفعت كينغ للانخراط في الجيش الأميركي، ودورها المريع في الحرب كإحدى العاملات في قسم الصيانة المكلفة بجمع البقايا البشرية من العربات المدمرة، وعودتها إلى وطنها كجندية سابقة وهي حامل. نصيحتها لزميلاتها الجنديات مباشرة وصريحة “احتفظن بالفوط الصحية في جعبة القنابل اليدوية لاستعمالها عند الإصابة بجروح، ولا تمُتن”. على النساء في ساحة المعركة احتمال الألم لإخفاء ضعفهن عن زملائهن الرجال. تكتب كينغ قائلة: “لا تطلبي المساعدة من متعاون محلي أو جندي مشاة أو أحد جنود الاستطلاع، فكلهم يحبون العبث مع النساء”.

في العراق، تجد كينغ عزاءها عن زواجها الأول ومشكلاته، في جندي زميل آخر، الملازم جيمس هيزلوب. لكن في سردها تفاصيل علاقتهما، تظهر اختلاف تجارب النساء في الحرب. فحين تسفر العلاقة عن حمل كينغ، يتم إرسالها إلى قاعدة في ألمانيا، وتحصل على تسريح طوعي من الجيش. في هذه الأثناء، يطرد هيزلوب من الجيش، ويُسجَن بتهمة تعاطي المخدرات والمخادنة (المصاحبة). هناك مسافة شاسعة تفصل بين مصيرهما ومصير إحدى فتيات يوم الإنزال، ماري هيربيرت، التي أنجبت طفلاً وهي في الأربعين من عمرها أثناء عملها عميلة متخفية في بواتييه في فرنسا، من زميلها العميل السري وزوجها اللاحق كلود دي بيساك. أبعدت طفلتهما الرضيعة منهما شكوك جيرانها الألمان والفرنسيين على السواء، فلم يشك أحد في أن أماً جديدة ستخاطر بالعمل مع المقاومة. هذا الخلط غير المتوقع بين الأمومة والتجسس منح هيربرت ميزة نوعية. لكن القصة تبرز أيضاً طرائق تجسس النساء، عبر الأدوار الأنثوية على خلاف العمل مع القوات البرية المحاربة.

يقدم كل من لوفتيس وروز وكينغ أيضاً أبعاداً جديدة للكتب التاريخية السابقة التي تتحدث عن العواقب بعيدة المدى للحرب على الصحة العقلية والعلاقات. تكتب روز قائلةً: “كانت السنوات التي تلت الحرب سنوات مملوءة بالقلق بالنسبة إلى هيربرت”، وتصفها بأنها مصابة “بصدمة القصف”، في حين يشير لوفتيس إلى “حالة التوتر” التي لوحظت في حياة سانسوم الشخصية. ربما كانت حالة كليهما لتشخص “باضطراب كرب ما بعد الصدمة” اليوم. وزادت كوابيس كينغ عن فترة إرسالها إلى ساحة المعركة من الضغوط النفسية عليها أثناء رعايتها طفليها التوأم، في فترة زواجها الهش الثاني من هيزلوب. تمتلئ مذكراتها بقصص عن تعاطي المخدرات والكحول والظلال الداكنة لصدمة القتال التي عايشتها مع أحبائها.

في أربعينات القرن الماضي، لم يكن الأمر أسهل على النساء وعلاقاتهن، فقد انخرطت سانسوم في علاقة عاطفية مع زميلها عميل وكالة العمليات الخاصة بيتر تشرشل أثناء عملها متخفية في فرنسا. تزوجت تشرشل عقب عودتهما إلى المملكة المتحدة. وعلى رغم أن فيلم Odette، الذي صدر عام 1950 صور الجذور الرومانسية لعلاقتهما، إلى أنهما تطلقا عام 1956. التجارب التي ترويها هذه القصص تعكس حالة عامة في الحياة العسكرية. فقد أشارت دراسة أجراها مركز راند عام 2007، إلى أن نسب الطلاق بين النساء المنخرطات في الجيش الأميركي بلغت ثلاثة أضعاف زملائهن الذكور. وأظهرت دراسة أجريت على 1358 عائلة من عائلات الجيش الأميركي، نُشرت في مجلة الزواج والأسرة عام 2016، أن “تجارب ما قبل الابتعاث إلى ساحة المعركة مرتبطة بمعدلات رضا أقل عن الحياة الزوجية لدى الأزواج العسكريين”. وعلى رغم أن هذه الدراسات تشير إلى أن العلاقات الزوجية العسكرية تتعرض للضرر عند إرسال أحد الشركاء فيها إلى ساحة المعركة، فإن نسبة انتهاء علاقات النساء العاملات في الخدمة العسكرية تزيد مقارنةً بزملائهن الذكور.

إضافة إلى تفسخ علاقات زواجهن، تجد النساء عادة أن الرجال يقللن من شأن تجارب القتال الخاصة بهن. عندما تمكنت عائلة كينغ الحامل أخيراً من إقناعها بزيارة مستشفى شؤون المجندين السابقين في كاليفورنيا، خاطبها  طبيب، وهو يشير إلى رجال يعانون من إصابات قاتلة في الدماغ والعمود الفقري قائلاً، على حد تعبيرها، “فكري طويلاً قبل أن تكذبي بشأن القتال”. فقد افترض الطبيب أن كينغ لا بد أنها تكذب بشأن إصابتها بشظية في ساقها بعد ابتعاثها في 2006، حيث شهدت هي وزميلاتها الأخريات معارك قتالية على القوافل العسكرية وعند نقاط التفتيش وأثناء خروجهن في دوريات مع وحدات المشاة، على رغم أن الكونغرس الأميركي لم يكن أقر مشاركتهن في الأعمال القتالية المسلحة حينها.

أما بالنسبة إلى سانسوم وعلى رغم أنها كوفئت أخيراً بصليب جورج وحصولها على عضوية وسام الإمبراطورية البريطانية، لم يمنع هذا اثنين من أفراد المقاومة الفرنسية السابقين من اتهامها بأنها كذبت بشأن تعرضها للتعذيب وأنها شقت طريقها للحرية عبر الجنس. وعلى رغم أن زملاء سانسوم في وكالة العمليات الخاصة قدموا لها الدعم، فإن الكثير من أفعالها لم تُثبت، إلا بعد رفع السرية عن وثائق تلك الفترة عام 2003.

هذه الكتب تُظهر أن لا أحد بإمكانه أن يجتزئ تجربة صدمة الحرب، وأن طرائق الخدمة العسكرية لا تقتصر على شكل واحد. تُمثل هذه النصوص إضافة إلى كتاب “أحب بندقيتي أكثر منك” للكاتبة كايلا ويليامز وكتاب “أطلق النار كفتاة” لماري جينينغز هيغار، بداية مكتبة جديدة ومقاربة أكثر متانة في تحليل دور المرأة الجوهري في الحرب. كما تُمثل هذه الأدبيات مهداً للروايات التي تتناول مشاركة النساء في الأعمال العسكرية. ما زلنا بانتظار سماع قصص النساء في الجيوش غير الغربية. ما زالت قصصهن تنتظر أن تروى.

هذا المقال مترجم عن موقع Foreign Policy ولقراءة المقال الأصلي زوروا الرابط التالي

 درج

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى