أبحاث

المراحل الثلاث لمسار الحركة الإسلامية في سوريا/ محمد سيد رصاص

قام الإسلام السياسي برسم اللوحة السورية سياسياً إلى حد بعيد في العقود الأربعة الماضية منذ بدء صراعه مع السلطة السورية حيث تزعم المعارضة في مجابهتي 1979-1982و2011- 2020 مع السلطة، بغض النظر عن وجود تيارات في المعارضة السورية لم تكن على نفس الخط مع الاسلاميين. هناك فترات سورية رسمت أساساً عبر مجابهات أيضاً مثل فترة 1963-1970 بين الناصريين والبعثيين أوفترة1949-1958بين أنصار الوحدة ضمن مشروع الهلال الخصيب مع العراق وبين معارضي هذا المشروع الذين انتصروا أخيراً عبر الوحدة السورية – المصرية عام 1958. تأتي أهمية دراسة مسار الحركة الاسلامية السورية من هنا كمدخل، جزئي أوكلي، إلى التمكن المعرفي من التاريخ السياسي السوري بفترة 1979-2020.

تأسست جماعة الإخوان المسلمين في سوريا عام1946مع تحويل حسن البنا تنظيم جماعة الإخوان المسلمين في مصر إلى تنظيم عالمي. شاركت الجماعة في انتخابات الجمعية التأسيسية عام 1949 التي تحولت إلى برلمان بعد صياغتها لدستور1950وفازت بأربع مقاعد من أصل مئة وثمانية مقاعد وفي انتخابات 1961، التي جرت بعد شهرين من 28أيلول1961يوم انقلاب الانفصال، فازت الجماعة بعشرة مقاعد من أصل مئة واثنين وسبعين مقعداً منهم ثلاثة مقاعد في دمشق. قاطعت انتخابات1954. تميزت الجماعة، في هذه المرحلة التي تمتد حتى مجابهات شهر نيسان 1964مع سلطة حزب البعث،  بالاعتدال السياسي وكان المراقب العام للجماعة الدكتور مصطفى السباعي هو صاحب الحل عندما أثيرت حفيظة الكثير من المسيحيين، لدرجة اضطرابات في الكنائس، من عبارة “دين الدولة الإسلام” التي كانت مقترحة في مشروع دستور1950حيث اقترح السباعي استبدالها بعبارتي: “دين رئيس الجمهورية الإسلام” و”الفقه الإسلامي هو المصدر الرئيسي للتشريع”. وقف السباعي مع اليسارين البعثي والشيوعي ضد مشروع الهلال الخصيب الذي اصطف حوله  اتجاه اليمين، وخاصة حزب الشعب والحزب القومي السوري، ورغم مجابهات عبدالناصر مع جماعة الإخوان المسلمين في مصر منذ خريف1954فإن السباعي  أيد عبد الناصر في حرب 1956وأيد وحدة 1958وقام بحل تنظيم الجماعة انسجاماً مع قرار عبد الناصر بحل الأحزاب وقام بتأليف كتاب “اشتراكية الإسلام” الذي تلقفته السلطة الناصرية عام1959لتسويغ خطوة الإصلاح الزراعي، وعندما حصل الانفصال كانت الجماعة رافضة له بخلاف عروبيين وقعوا على وثيقة الانفصال من قيادات حزب البعث مثل أكرم الحوراني وصلاح البيطار، (انشق حزب البعث بين اتجاه أكرم الحوراني واتجاه ميشال عفلق بعد مؤتمر حمص للحزب في أيار1962). في هذه المرحلة كانت الجماعة أقرب لحزب تمثيلي لقوة اجتماعية مع اتجاه أيديولوجي يستمد فكره السياسي من الإسلام، إسوة ببقية الأحزاب ذات الاتجاهات المختلفة في اليمين واليسار، وكانت ذات التزام باللعبة الديمقراطية، وتعرف حدود التقاطعات والاختلافات حتى مع الشيوعيين، حيث ربطت صداقة شخصية بين الشيخ الدكتور السباعي (خريج الأزهر والسوربون) وبين خالد بكداش الذي أطلق عليه لقب “الشيخ الأحمر”.

مع وصول حزب البعث إلى استلام السلطة السورية عبر انقلاب 8آذار1963أصبح هناك جو جديد داخل جماعة الإخوان المسلمين: بدأ التشدد يسود الجماعة وأصبح هناك اتجاه نحو التجابه العنيف مع السلطة وهو ما ظهر في مجابهات شهر نيسان1964في حماة التي تزعمها شخصان من كوادر الجماعة، هما مروان حديد وسعيد حوى، وهما من تلاميذ الشيخ محمد الحامد الذي كتب كتاباً في الرد على كتاب السباعي: “اشتراكية الإسلام”. في حماة نيسان1964بدأت المرحلة الثانية من مسار الحركة الإسلامية السورية، تلك المرحلة الثانية التي انتهت في حماة شباط 1982. كانت رموز هذه المرحلة تبدأ وتنتهي مع أسماء حموية: مروان حديد – سعيد حوى- عدنان سعد الدين – عبد الستار الزعيم – عمر جواد، كلها على النقيض من اتجاه السباعي باتجاهها نحو استخدام العنف المسلح كوسيلة لقلب السلطة السورية وبسيرها نحو اتجاه جهادي تكفيري هو على النقيض من اتجاه السباعي، وتلميذه عصام العطار، نحو تبنيهما لشكل جماعة سياسية تمثيلية اجتماعية عبر صندوق الاقتراع الانتخابي. هنا، يلفت النظر أن حماة التي أصعدت حزب البعث انتخابياً عبر انتخابات 1954و1961إلى واجهة البرلمان، عندما حصد مقاعدها الخمسة والثمانية كلها في العمليتين الانتخابية المشار إليهما، قد تحولت إلى قاعدة اجتماعية كبرى لمعارضة سلطة حزب البعث وعبر وسائل عنيفة بين عامي1964و1982.  يجب تكريس أبحاث كاملة لهذه الظاهرة التي بالتأكيد تعزى التحولات السياسية فيها إلى عوامل اقتصادية – اجتماعية – ثقافية، حيث يقف جسم اجتماعي لمدينة بغالبيته ضد سلطة سياسية عندما يرى أنها في وضع لا تمثيلي له، بينما كان قبيل ذلك يرى في حزب السلطة عندما كان في المعارضة ممثلاُ له وهو ما ظهر بشكل جلي في أرقام صناديق اقتراع مدينة حماة بعامي 1954و1961. كان الاستناد الاجتماعي لجماعة الإخوان المسلمين في مجابهتها العنيفة مع السلطة بفترة حزيران 1979- شباط 1982 يستند إلى بنى اجتماعية مدينية في حماة وفي أحياء تقليدية قديمة بحلب واللاذقية يعيش بها حرفيون وفئات وسطى. كان ملفتاً للنظر في تلك الفترة وجود بنى ريفية في محافظة إدلب أفرزت قاعدة اجتماعية للإخوان المسلمين مع بلدات هناك هي أقرب للحالة الوسطى بين المدينة والريف، فيما كان الريف السوري بمعظمه مع السلطة السورية آنذاك (حوران- ريف دمشق- ريف حلب- ريف دير الزور…إلخ).

بين حماة أواخر شباط1982 ودرعا 18 آذار2011 كان هناك صمت اجتماعي عن السياسة في سوريا بفعل هزيمة المعارضة السورية بشقيها الاسلامي والديمقراطي. حاول التجمع الوطني الديمقراطي، وهو يمثل خمسة أحزاب يسارية ماركسية وعروبية، تنزيل سقف برنامجه من (التغيير) إلى (الاصلاح) منذ كانون أول1989، وحاول المراقب لجماعة الإخوان المسلمين علي البيانوني عمل جسور مع المعارضة الديمقراطية بفترة2001-2004عبر وثيقتين تبنتا (الديموقراطية) و(الدولة المدنية)، وجرت وساطات لمصالحة الإخوان مع السلطة وصلت عام2009لحدود إعلان البيانوني تعليق نشاط الجماعة المعارض. بالمرحلة الثالثة من مسار الحركة الاسلامية السورية، التي بدأت في المرحلة السورية البادئة بدرعا 18 آذار2011 كان بروز الإخوان المسلمين ليس بفعل قوة استناد مجتمعية سورية هنا أوهناك كما كان الوضع في 1979-1982بل بفعل خارجي أتى من أنقرة والدوحة، المستندتان إلى اتجاه أميركي لتعويم الأصولية الاسلامية الإخوانية ترجم في تونس والقاهرة بعامي 2011 و2012. منذ شتاء 2012 برز إسلام سياسي جديد هو الاتجاه السلفي الجهادي مع جبهة النصرة وكتائب أحرار الشام بان بأن له قواعد اجتماعية قوية في أرياف حماة وإدلب وحلب والرقة وديرالزور وبأنه أقوى من جماعة الإخوان المسلمين من ناحية القاعدة الاجتماعية. كان لواء التوحيد ذو بنية ريفية في شمال حلب وكذلك جيش الإسلام في ريف دمشق. ليست سوريا استثناءً في ذلك فبنية (الجماعة الإسلامية) المصرية، ذات الاتجاه السلفي الجهادي منذ نشوئها في السبعينيات، هي ذات قاعدة ريفية أساساً متركزة في منطقة الصعيد بخلاف الإخوان المسلمين الذين هم أساساً في المدن أوفي ريف مصري أكثر عصرنة مثل ريف منطقة الدلتا. يمكن لتدهور الزراعة السورية  في مرحلة 2004-2011 والافقار المتزايد للأرياف، بالترافق مع ليبرالية اقتصادية بدأت عند السلطة السورية منذ عام 2004  قادت إلى استقالة كبيرة للدولة من وظائفها الاقتصادية والاجتماعية التي كانت لها منذ 8آذار 1963مماأثر أيضاً على أقسام اجتماعية كبيرة في ضواحي فقيرة للعديد من المدن السورية تحركت في مرحلة ما بعد 18آذار2011 ضد السلطة، أن تفسر المشهد المعاكس لمواقف أقسام  جغرافية كبيرة  من الريف السوري في فترة 2011وما بعد بالقياس إلى مواقف مؤيدة للسلطة أبدتها غالبية كاسحة من الريف السوري في 1979-1982.

*جميع الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي بروكار.

بروكار برس

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى